كان نوح ﵇ نجارا (١)، إن في هذه وغيرها تنويها إلى ضرورة أن يشتغل المسلمون بأسباب قوتهم ونصرهم، والأنبياء والرسل كلهم مسلمون بنص القرآن الكريم، فما ورد في حق أي نبي من أسباب النصر والتمكين في الأرض، هو وارد في حق غيره من الأنبياء ولا ريب، من نوح ﵇ إلى نبينا محمد ﷺ ، فعباد الله المسلمون مأمورون بإعداد القوة، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٢)، فأمر الله تعالى بالإعداد وهو بذل جميع الوسائل الممكنة، للحصول على أكبر قوة في الأرض، بدليل تنكير كلمة ﴿قُوَّةٍ﴾ فإنها لم ترد معرّفة حتى لا تكون قاصرة، فكان التنكير غاية مقصودة وهي الحصول على أي قوة ممكنة على وجه الأرض، وما عمل داود إلا إشارة إلى عمل كل ما فيه دفع لشر السلاح، بجميع أنواعه وأشكاله، وما عمل نوح إلا إشارة إلى ضرورة خوض لجج البحار والمحيطات بقوة عظيمة، صالحة للاستخدام سلما وحربا، ولا نريد التوسع في هذا الأمر فإنه طويل جدا، لكننا نقول: إن ما فيه المسلمون اليوم من البلاء والفرقة والضعف، سببه عدم الوعي لما في الكتاب والسنة من العلم والتوجيه،
стр. 72
فقد فرّط القادة والشعوب في أسباب عز المسلمين، إنني لا ألوم دولة إسلامية بعينها، بل جميع الدول الإسلامية فرّطت في كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ ، واشتغلت بالتناحر والتدابر، وقطع الصلاة ونبذ العمل المشترك وفق الكتاب والسنة، وليس هذا الأمر قريب عهد، بل من أمد بعيد، واليوم إذا ما حدث لبلد إسلامي مكروه، فمن أخذته الحمية من المسلمين اكتفى بالشجب والاستنكار، والاستجارة من الرمضاء بالنار، فيستجيرون من اليهود والنصارى باليهود والنصارى، وربما بررت بعض الدول لعدوان المعتدي، إنها كارثة في حق أمة محمد ﷺ ، الذي وحدّ أمته على كتاب الله وسنته ﷺ ، إن العودة إلى الله ورسوله واجبة، ولا فلاح للأمة بدونها، وإن أقلّ ما يجب عمله في هذا العصر أن تقوم الدول الإسلامية، وتلتف حول ميثاق إسلامي، منه ينبثق بناء القوة الإسلامية الموحدة، قوة رادعة وفق ما يقضي به الكتاب والسنة، تكون مرجعا وحيدا بعد الله للأمة الإسلامية، الأمة الإسلامية الواحدة، بدلا من الأمم المتحدة الظالمة، التي لا تعرف إلا حقوق اليهود والنصارى، إن فرصة المسلمين لبناء قوة إسلامية مؤاتية، ولا يزال الأمل قائما وقويا، وإذا لم تكن للمسلمين قوة تردع الأعداء، فإنهم الغثاء الذي أخبر عنه الرسول ﷺ (١)، وحينها يصدق على كل دولة إسلامية على
стр. 73
وجه الأرض المثل الذي يقول: "أكلت يوم أكل الثور الأسود" وإذا ما تنبه المسلمون وعادوا لبناء قوتهم وفق ما تقضي به شريعة الإسلام، وفي إطار إتحاد إسلامي، تصدر فيه عملة موحدة لبناء القوة الإسلامية الرادعة، كما فعلت الدول الأوروبية، أنشأت "الاتحاد النقدي للصناعات" تحت عملة موحدة لهذا الغرض (اليورو).
وإذا كنا أطلنا النفس في هذا فلأنه من أهم المهمات، لإنقاذ المسلمين مما هم فيه من الذل والهوان.
ومما أرشدت إليه الفاتحة من خلال قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ النظر إلى ما في العالم السفلي من عوالم ومخلوقات منها مثلا (١):
عالم النبات:
له علم تعرف به صنوفه وأنواعه، واختلاف أشكاله وألوانه، وطعومه وروائحه، وأوراقه وأزهاره، وثماره وحبوبه، وبذوره وصموغه، ولحاؤه وبنية تكوينه، وتربيته لما يخرج منه، كل ذلك في علوم أمر المسلمون بالنظر والكشف عنها والاستفادة مما فيها، بعد الإيمان بأن ذلك تقدير العزيز الحكيم.
عالم الحيوان:
стр. 74
له علم تعرف به أشكاله وأنواعه وصنوفه المختلفة، وأجناسه مما يسكن البر منه، وما في الهواء والبحر، وما يتعلق بتزاوجها وتوالدها، ومستقرها ومستودعها، وما يتبع ذلك من علوم طب وتشريح.
علم التشريح:
علم يعرف به بالدرجة الأولى عظم ربوبية الله لجميع المخلوقات، ومنها الإنسان الذي أودع فيه ربه (٢٤٨) عضوا، و (٣٦٠) مفصلا، أوجد لها من الأوردة والشرايين والأعصاب ما لا يعلمه إلا هو سبحانه، وزودها بالدورة الدموية، والتنفسية، والغذائية، والدائرة العقلية، والحواس الخمس، وما في الدماغ من قوى، كل ذلك مندرج تحت قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (١).
стр. 75
النظرة السابعة عشرة
المنهج التربوي في سورة الفاتحة:
لقد تضمنت سورة الفاتحة جوانب تربوية عظيمة منها:
١ ــ الجانب العلمي المعرفي النظري:
يتمثل ذلك في معرفة المدعو إلى عبادته وحده لا شريك له، وهو الله فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عرّف العباد أن الله هو المختص بالحمد على وجه الكمال، فوجب على كل مسلم أن يعي هذا، وينطلق في تربية نفسه ومن ولاه الله أمرهم من مبدأ أن الله تعالى رب العالمين، الذي أوجدهم ورعاهم وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، ولذلك تضمن اسمه الكريم ﴿رَبِّ﴾ ثلاثة أمور:
الرب بمعنى المعبود، والرب بمعنى المربي والمنعم، والرب بمعنى المالك المتصرف.
٢ ــ الجانب العملي التطبيقي:
ويتمثل في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
إن المسلم إذا تقرر لديه الجانب النظري، بادر إلى الجانب العملي فإن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، فتكون عبادته خالصةً لله ، وتوكله عليه وحده، واستعانتة به سبحانه في كل شؤونه، ولا معارضة فيما يحصل بين المسلمين من تعاون فإنه من
стр. 76
باب العون والمساعدة بالنسبة للمخلوق، ومن باب العبادة والتوكل بالنسبة للخالق سبحانه.
تحديد ثمرة التلازم بين الجانبين السابقين؛ ولا تحصل الثمرة إلا باجتماعهما، وهي: الهداية إلى الطريق المستقيم: ويتمثل في قول الله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فطلب الهداية يستلزم البعد عن الضلال، وكل ما يغضب الله ، وتحمل المسؤولية: في سبيل إظهار الحق المشار إليه بقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ والذين أنعم الله عليهم هم المطيعون لله ورسوله، أعلاهم الأنبياء والرسل، ثم الصديقون والشهداء والصالحون، الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وهذا يجعلنا نتعرف على المسؤوليات المنوطة بنا شرعا، ونربي عليها أنفسنا وأسرنا، وبها يقوم المجتمع الإسلامي، ويمارسها واقعا عمليا على قدر الطاقة، ومن خلال الوسائل التي تستخدم في تحقيق الأهداف، ويحسن أن نقدم للقارئ الكريم مثالين لتوضيح ما أسلفنا القول فيه:
стр. 77
المثال الأول: ما وردت الإشارة إليه في قول الله : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وقلنا: أعلاهم الأنبياء والمرسلون، حصل لهم ما حصل من الكرامة والنصر والجزاء في الدنيا والآخرة، لأنهم حققوا الجانبين المتلازمين في التربية: الجانب المعرفي النظري، والجانب التطبيقي العملي، فصبروا وصابروا، وقد فصّل الله ذلك في سورة الصافات، إذ ذكر نبيه نوحا ﵇، وذكر من ثمرة معرفته بالله، وتطبيقه عمليا لعبادة ربه، أن استجاب الله دعوته (١)، فحصلت له ولأهله النجاة (٢)، وختم الله ذلك بقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي
стр. 78
الْعَالَمِينَ﴾ (١)، وهكذا ذكر الله الرسل وأثنى عليهم واحدا واحدا، فذكر إبراهيم وتاريخه، وما لقي من المحن، وختم بقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢)، ثم ذكر موسى وهارون ونجاتهما من فرعون وقومه، وختم بقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (٣)، ثم ذكر إلياس وقصته مع قومه، وختم بقوله : ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ (٤)، ومن هذا نعلم أن الله ذكر ذلك تربية لنبينا محمد ﷺ ، وتعليما لأمته أن الله يجعل الثناء للمجاهدين الأبطال من المكافآت العاجلة، وذلك لإقتدائهم بأنبياء الله ورسله، واستقامتهم على منهج الله، ومن هذا يجب على الأمة الإسلامية أن تعلن فضل الفضلاء من أبنائها، وأن تشيد بعلم العلماء منهم، وحكمة الحكماء، وجهاد الأبطال الذين يعلون كلمة الله في
стр. 79
الأرض، من أمثال الأئمة الأربعة، ومن تلاهم من علماء الطب والفلك، والرياضيات، والكيمياء، ومن بعدهم من المجاهدين من أمثال صلاح الدين، وشيخا الإسلام ابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم كثير، وعلى الأمة الإسلامية أن تقوم بنشر فضائلهم، وكشف محاسنهم التي خدموا بها أمتهم الإسلامية، لتقتدي بهم الأجيال المتعاقبة، لكن الأمة الإسلامية اليوم صرفت هذا لأصحاب الرقص والغناء، وغيرهم ممن لا يتفق عملهم مع كتاب ولا سنة، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.
المثال الثاني: ما وردت الإشارة إليه في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وقعوا في الضلال المبين، وهو ما قص الله عن أهل النار ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (١)، إلى قوله : ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (٢)، أنذرهم لشذوذهم في الفكر والسلوك وعدم قبولهم الدعوة التي جاء بها الرسل، فاشتغلوا بالهوى والشهوات، وغرتهم الأماني، وهذا حال الأمة
стр. 80
الإسلامية اليوم في غالب أمرها، سُلبت مقدساتها، انتهكت الأعراض في كثير من بلاد المسلمين، تطاول الكذبة من أعداء الإسلام، على كتاب الله ، وعلى سنة رسوله ﷺ ، "والمليار" من المسلمين يتفرجون، ويحوقل (١)، الصالحون منهم.
من هذا المثال يجب أن يعي المسلمون الخطر المحدق بهم، حينما تكون الأهواء دستورا والشهوات منهجا، وحرية الفكر لا حدود لها، أو مطموسة وممنوعة من قول الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن هنا نعلم أهمية طلب الهداية والتوفيق، وأنها من أعظم الوسائل لتحقيق الغايات النبيلة، فقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إدراك الغاية وهي: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بسبب طلب الهداية، وقصة أصحاب الكهف (٢)، من أبرز الأمثلة على ذلك، ومن السنة قصة أصحاب الغار (٣)، والسبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله (٤)، كان ثمرة لتحمل
стр. 81
المسؤولية، والصبر عليها، فنتج عن ذلك ما حصل من العاقبة الحسنة، ودوام الذكر الحسن والثناء عليهم إلى يوم الدين.
وهنا نلحظ قاعدتين تربويتين: تضمنتهما سورة الفاتحة؛ وهي أن التربية لا تقوم إلا على أساسين هامين: هما منهجان إسلاميان تربويان يجب اعتمادهما في حياة الفرد والجماعة:
١ ــ الرحمة: وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وقد جعل الله تعالى هذا الجانب من التربية غريزة في الأم، فان الطفل يجد عندها الحنان والرأفة والرحمة في منتهى صورها، ولذلك قال رسول الله ﷺ : (لله أرحم بعباده من هذه بولدها) (١).
٢ ــ الثواب والعقاب: وهو أساس هام في التربية، له دور بارز في البناء والإصلاح، ونشوء العدل، والعدل فيه الشدة وإعطاء كل ذي حق حقه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ الجزاء والحساب، وقد جعل الله هذا الجانب غريزة في الأب، فانه أحزم في تربية الابن من الأم وأحكم، وهذا يستدعي التوازن في التربية، فلو جعل الأبوين رحيمين مطلقا لفسدت التربية، ولو جعلهما شديدين لفسدت أيضا.
стр. 82
ومن هنا نستنتج أن سلوك الوسطية جانب تربوي أيضا، يجب توجيه المسلمين إليه أفرادا وجماعات، شعوبا وحكومات، وذلك لازم في شؤونهم الدينية والدنيوية، وهذا مستفاد من قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
وبالجملة فآثار تربية الله الفائضة على كل فرد من أفراد الموجودات في كل آن غير متناهية، ويمكن لممعن النظر أن يكشف من أسباب التربية وأسرارها التي أودعها الله في خلقه الشيء الكثير، فسبحان الرب الخالق ما أعظم شأنه، وما أقوى حجته وبرهانه، نسأله تعالى الهداية إلى مناهج العلم والمعرفة، ونسأله العون والتوفيق لأداء حقوق نعمه، لا نحصي ثناء عليه، لا إله إلا هو، نستغفره ونتوب إليه.
النظرة الثامنة عشرة
أقسام الناس حسب فهم الفاتحة:
قبل الشروع في الحديث عن أقسام الناس حسب فهمهم للفاتحة، ومعرفتهم بما تضمنت من مقاصد ودلالات، نرغب في بيان أنه من المهم إيراد هذا الفصل، عقب ما ذكرنا من صلة الفاتحة بأمور الدنيا والآخرة، حتى لا
стр. 83
يتصور أحد أن هذه الآية حمّلها العلماء ما لم تتحمل، من احتواء العلوم الشرعية والكونية، والناس يقرؤونها ولا يلحظون ما ذكر المفسرون، ويكررونها صباح مساء ولا يتهيأ لهم ما يصفونها به، وأن ما ذكره العلماء ورد استطرادا لا استنباطا، وتطويلا لا تأويلا، وتعليما لا تفسيرا، وإكثارا لا استخراجا، فنقول: تمهلوا فإن الأمثلة تزيد الأمر وضوحا وتكسبه جلاء، فتساعد على الفهم والاستيعاب، فلو صورنا سورة الفاتحة بجنة خلق الله فيها من أنواع الثمار والفواكه، وأعطى من البهجة والخضرة ما لا يتصوره خيال، على حد قول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، فلو جمع الله هذه المذكورات وغيرها من الثمار والأشجار والأزهار في
стр. 84
مكان واحد، ونظر إليها وتجول فيها ثلاثة عقلاء، متفاوتو القدرات وهم:
مهندس خبير في الزراعة والأشجار والنباتات، وفلاّح، وطفل صغير.
ونوع رابع هو: دابة يستخدمها الفلاّح في خدمته وخدمة مزرعته، كيف يكون فهم ما حوت المزرعة في نظر كل واحد من الأربعة؟ ، فهل يكون هؤلاء والحقل أمامهم متفقين في الرأي والفكر بالنسبة لكل منهم، ؟ كلاّ إن الأمر مختلف قطعا.
وبيان أقسام الناس على نحو ما يلي:
إن المهندس الزراعي الخبير بالري وشئون الزراعة، وما يصلحها، وما يفسدها، وفق علم عميق ودراسة دقيقة، وتجارب مخبرية عديدة، يكون وهو أمام الحقل واسع الأفق، كبير المعاني، عالما بقدرة ربه ورب كل مخلوق ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وبما له في هذا المنظر من أسرار الخلق والتكوين، يتجلى منه عظمة الخالق سبحانه.
وهذا يمثل القسم الأول من أقسام الناس: وهم الذين عرفوا سورة الفاتحة، وعلموا فضلها، وخبروا مقاصدها، وفهموا دلالاتها الظاهرة والضمنية، فكانت عندهم بمنزلة القلب من الجسد، إذا توقف عن العمل، توقفت الحياة عن سائر الجسد، فجرى حرصهم على العمل بالفاتحة نصا وروحا، وكانوا مضرب المثل في الفهم النظري، والتطبيق العملي، وهؤلاء هم أصحاب رسول الله ﷺ الذين ربّاهم على وحي ربه، وأرشدهم
стр. 85
إلى العمل بسنته ﷺ ، فكانوا الصفوة المختارة، ليقتدي بهم من بعدهم من التابعين، فهم العدول المبلغون عن الله ورسوله، وهكذا يتكامل هذا الصنف الواعي جيلا بعد جيل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أخرج الإمام البخاري من حديث المغيرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله، وهم ظاهرون) (١)، المعنى المراد منه العبادة والاستقامة على الحق، وهذا أشبه بذلك الفلاح، الذي يقبل على حقله وينظمه ويقوم على شؤونه في حدود علمه ولاشك أن المفسر للقرآن، العالم بمعانيه ومقاصده أرقى بكثير من العابد، فهو أشبه بالمهندس، والعابد أشبه بصاحب الحقل.
أما الطفل فإنه يقصر عن الاثنين قصورا بينا، فالصبي يروقه منظر الحقل وجماله، وتعجبه أشجاره وأزهاره، ويشتاق لفواكهه وثماره، لكنه لا يفقه من أسرارها شيئا، ولا يعلم كيف وجدت، فهذا مثل القسم الثالث من أقسام الناس: وهم الجهلاء من المسلمين عامة، الذين لا يحسنون فهم الفاتحة، وربما رددوها بتحريف وتصحيف، وإذا سألت أحدهم عن كلمة منها أهي على هذا الوجه، أو على وجه آخر؟ ، لما عرف الصواب من الخطأ وربما اختار الخطأ فصوبه، وهذا الصنف هم الكثرة الكاثرة، ويدخل فيهم المبتدعون من أصحاب
стр. 86
القبور، ودعاة الأولياء والصالحين، وغيرهم، فلو عرفوا معنى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ... ما وقعوا في بدعة قط.
وكم أخشى على كثيرين من القرّاء، الذين يفرحون بنغماتهم بالقرآن في المآتم، والأعراس، والحفلات العامة والخاصة، وكم من محفل يفتتح بالقرآن وفيه من مخالفة الكتاب والسنة ما الله به عليم، فهل عرف أسرار الفاتحة مثل هؤلاء؟ ! .
أما الدابة: فإنه لا يعنيها من ذلك إلا حاجتها، كل تلك الصورة الجمالية وما فيها من أسرار الخلق والتكوين لا تعنيها في شيء، كل ما تعرفه أن هذا يروق لها أكله، تأكل منه ما تشاء، وتطأ ما تشاء، ولا شيء وراء ذلك، فهذا مثل القسم الرابع من أقسام الناس: وهم الذين فارقوا شرع الله، واتبعوا الهوى، فأصبحوا كالأنعام بل هم أضل، وهم اليهود والنصارى ومن سار في ركابهم أوتشبّه بهم، ولم يعر الإسلام أذنا ولا رفع به رأسا.
ومعلوم أن فاتحة الكتاب يقرؤها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، وأكثرهم بها جاهلون، لا يعقلون معانيها ولا يعرفون مقاصدها، ولذلك تكالب عليهم الأعداء وهم في غفلةٍ معرضون، والعلم مفتاح التفكّر والتدبّر، إذ أن العلماء هم الذين يعرفون أسرار الأشياء،
стр. 87
بما علمهم الله من البحث والنظر، ولذلك حفل كتاب الله وسنة رسوله بالثناء عليهم والإشادة بهم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١)، ويقول تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٢)، وقوله : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٤)، وغير ذلك، فعالم الكتاب والسنة يعقل مرامي الآيات، ومقاصد الأحاديث، وعالم النبات يعقل ما أودع الله فيه من أسرار الخلق والتكوين، وعالم الطب يعقل ما في الأجسام من عجائب الخلق، وكذلك الدارسون للشريعة الإسلامية يعقلون ما فيها من الحكم، وهم بعلم الفاتحة وعقل ما فيها أحرى، فالقرآن والسنة مثل ضوء الشمس منتشر في الجو، لكنه لا يظهر إلا على سطح الأرض، أو على جسم قابل، والهواء لا يعكس ضوءها، لذلك لا يراه الطائر في الجو، كذلك
стр. 88
الأفئدة الخالية من العلم والحكمة، يمر بها القرآن والسنة فلا تشعر بمعانيه، فأم الكتاب يقرؤونها صباح مساء، ولا يدركون ما فيها من الضياء المشرق، ولا نشك في أن هذا العصر صالح لظهور المقصود من القرآن الكريم في بلاد الإسلام، إذا ما توجه المسلمون لذلك وعالجوا جميع قضاياهم من خلال الكتاب والسنة ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١).
النظرة التاسعة عشرة
حكم الاستعاذة:
أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن، ولا آية منه، وهو قول القارئ: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وهذا اللفظ هو الذي عليه الجمهور من العلماء، لأنه لفظ كتاب الله تعالى (٢)، في التعوذ، قال الله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٣)، والفاتحة قرآن، والشيطان أحرص ما
стр. 89
يكون على إيذاء المسلم في صلاته، لأنه إذا أفسدها عليه فقد نال ما تمنى، لذلك ورد النص على قراءتها في الاستفتاح عند الدارمي (١)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل فكبر قال: (سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفثه، ونفخه) (٢)، ثم يستفتح صلاته.
وأخرجه أبو داوود وابن ماجه وابن حبان من حديث جبير بن مطعم ﵁ واللفظ لا بن ماجه قال: رأيت رسول الله ﷺ حين دخل في الصلاة قال: (الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا ــ ثلاثا ــ الحمد لله كثيرا، الحمد لله كثيرا ــ ثلاثا ــ سبحان الله بكرة وأصيلا ــ ثلاث مرات ــ اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفثه، ونفخه) (٣).
стр. 90
وقد جاء ما يدل على تعلق هذا بالصلاة مباشرة، أخرجه الإمام مسلم (١)، من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁، أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي، وقراءتي يلبسها عليّ، فقال الرسول ﷺ : (ذاك شيطان يقال له خِنْزِبَ، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثا) قال: فقلت ذلك فأذهبه الله عني.
وأخرج ابن ماجة من حديث ابن مسعود ﵁ قال: (اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه، ونفخه، ونفثه) (٢)، فنحن مأمورون بمحاربة عدونا الشيطان في جميع الأحوال عند القراءة سواء في الصلاة أو غيرها (٣)،
стр. 91
وإذا أصبحنا وأمسينا (١)، وعند دخول المسجد (٢)، وعند ثورة النفس، وعند حدوث الغضب (٣)، وحتى عند معاشرة الزوجات (٤)، فندعو كل مسلم إلى الحرص على الاستعاذة في مستهل القراءة في الصلاة، فريضة أو نافلة، وقد نقل القرطبي قول المهدوي: أجمع القراء على إظهار الاستعاذة، في أول قراءة سورة (الحمد) إلا حمزة فإنه أسرَّها (٥)، وهذا إجماع منهم على قراءتها في أول سورة (الحمد) وهذا ما نراه لكل مسلم القراءة بها
стр. 92
في سورة (الفاتحة) فإن اقتصر بعد ذلك على البدء بها في الركعة الأولى فحسن، وإن قرأها في كل ركعة كان أحسن، ومعلوم ما ورد من الترغيب في الاستعاذة في غير الصلاة، لما فيها من الحرز والحصانة، وهو مما يحرص عليه المسلم، فإن في الاستعاذة إشارة إلى نفي ما لا يجوز من العقائد والأعمال (١)، وهذه حصانة للروح قبل حصانة الجسد.
النظرة العشرون
تفسير الاستعاذة:
معنى الاستعاذة: الاستجارة، وتأويل قول القائل: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" أستجير بالله من الشيطان، أن يضرني في ديني، أو يصدني عن حق يلزمني لربي (٢).
تأويل قوله: (من الشيطان): الشيطان في كلام العرب: كل متمرد من الجن والإنس والدواب، وكل شئ. قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (٣)، فجعل من الإنس شياطين مثل الذي جعل من الجن، ولما ركب عمر بن الخطاب
стр. 93
- ﵁ "برذونا" (١)، فجعل البرذون يتبختر به، أخذ عمر ﵁ يضربه فلا يزداد إلا تبخترا فنزل عنه وقال: "ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي" (٢)، وهذا يلفت النظر إلى دقة عمر ﵁ في مراقبة أحوال نفسه.
وقد سمي المتمرد من كل شئ شيطانا، لمفارقة أخلاقه وأفعاله، أخلاق سائر جنسه وأفعاله، وبعده عن الخير، وقول القائل: شطنت داري من دارك: أي بعدت، ومنه قول نابغة بني ذبيان:
نأت بسعاد عنك نوىً شطون فبانت والفؤاد بهارهين (٣)، تأويل قوله: ﴿الرَّجِيمِ﴾:
الرجيم: الملعون المشتوم؛ وكل مشتوم بقول رديء أو سب فهو مرجوم، وأصل الرجم: الرمي بقول كان أو فعل، ومن الرجم بالقول: قول أبي إبراهيم، لإبراهيم
стр. 94
- ﵇: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (١)، وقد يجوز أن يكون قيل للشيطان: رجيم، لأن الله جل ثناؤه طرده من سماواته، ورجمه بالشهب.
النظرة الحادية والعشرون
القول في تفسير: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
إن قول الله : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هي الآية الأولى على ما نراه راجحا من أقوال العلماء ﵏، فالله أدب نبيه محمداً ﷺ ، بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وأقواله وجميع مهامه، وجعل النبي ﷺ ما أدبه به ربه تعالى سنة لأمته يستنون بها، وسبيلا يتبعونه عليها، فباسمه تعالى يكون افتتاح أوائل منطقهم، ومطالع رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم، حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ من مراده الذي هو محذوف (٢)، فأصبح المسلم ذاكراً لله في كل شؤونه، فيقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ (٣)، أقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ وأكتب، وأقعد وأقوم، وأنام
стр. 95
وأصحو، وأدخل وأخرج، وآكل وأشرب، وأسافر وأعود وغير ذلك من الأقوال والأفعال، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ﴾ (١)، وقال رسول الله ﷺ : (أغلق بابك واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله، وخمّر (٢)، إناءك واذكر اسم الله، وأوك سقاءك واذكر اسم الله) (٣)، وقال ﷺ : (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن قدر بينهما ولد في ذلك، لم يضره شيطان أبداً) (٤)، وقال لعمر بن أبي سلمة: (يا غلام سم الله وكل بيمينك) (٥)، وقال: (إن الشيطان
стр. 96
ليستحل الطعام إلا بذكر اسم الله عليه) (١)، وقال: (من لم يذبح فليذبح بسم الله) (٢).
إن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يتبرك بها كل مؤمن ومؤمنة، ويحرص كل منهما على أن يكون ذكرها دائما على لسانه، حتى عند عثور الدابة، أو اصطكاك القدم يبادر إلى قول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
أخرج أبو داود بسند رجاله ثقات، من حديث رديف النبي ﷺ قال: كنت رديف النبي ﷺ فعثرت دابته فقلت: تعس الشيطان، فقال: (لا تقل تعس الشيطان فإنك إذا قلت ذلك تعاظم، حتى يكون مثل البيت، ويقول: بقوتي، ولكن قل: بسم الله، فإنك إذا قلت ذلك تصاغر حتى يكون مثل الذباب) (٣).
стр. 97
فإذا علم ما تقدم بيانه وتدوينه فإن ما تنشرح إليه النفس هو قراءة ... ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأنها آية من سورة الفاتحة، فيقرأ بها سرا في الصلاة عملا بما ثبت من حديث أنس وغيره، وإلى هذا ذهب جمع من الصحابة والتابعين والأئمة العلماء من بعدهم، منهم عمر، وعلي، وابن مسعود، وعمار، وابن الزبير، ﵃، وهو قول الحكم وحماد، وبه قال الإمام أحمد بن حنبل، وأبو عبيد، وروي عن الأوزاعي، وذكره القرطبي وقال: هذا قول حسن وعليه تتفق الآثار عن أنس ولا تتضاد، ويخرج به من الخلاف في قراءة البسملة (١)، ولم نتعرض لأقوال العلماء في الإبانة عن الاسم، أهو المسمى أو غيره، أو صفة له؟ ، وما ذهب إليه أهل الحق، أن الاسم هو المسمى (٢).
تفسير لفظ الجلالة:
﴿اللَّهِ﴾ هو الذي يألهه (٣)، كل شيء، أي: ذو الألوهية والعبودية على خلقه
стр. 98
أجمعين (١)، وهذا الاسم أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها، حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم، ولم يتسم به غيره سبحانه.
ولذلك لم يثنّ ولم يجمع (٢).
تفسير ﴿الرَّحْمَنِ﴾:
قال ابن عباس ﵁: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان ــ يعني لله ــ رقيقان أحدهما أرق من الآخر (٣)، ولكل اسم منهما معنى لا يؤديه الآخر، المعني الذي في تسميته بـ ﴿الرَّحْمَنِ﴾ أنه تعالى موصوف بعموم الرحمة لجميع خلقه، في الدنيا والآخرة، وتسميته تعالى بـ ﴿الرَّحِيمِ﴾ أنه تعالى موصوف بخصوص الرحمة بعض خلقه ﴿الرَّحْمَنِ﴾ اسم مختص بالله
стр. 99
- ، لا يجوز أن يسمى به غيره، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١)، فعادل الاسم الذي لا يشركه فيه غيره، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٢)، فأخبر تعالى أن الرحمن هو المستحق للعبادة، ومن أعجب العجب أن مسيلمة الكذاب أخزاه الله تسمى بـ (رحمان) اليمامة، ولم يتسم به حتى قرع مسامعه نعت الكذاب، فألزمه الله تعالى بنعت الكذاب لذلك، وإن كان كل كافر كذابا، فقد صار هذا الوصف لمسيلمة علما يعرف به إلى يوم القيامة.
فالله عمّ المؤمنين والكفار برحمته في الدنيا، فأعطاهم أعظم النعم وهي: إرسال الرسل، وإنزال الكتب، لهدايتهم إلى الخير، وهو ما تحصل به حياة القلوب والأرواح، وزادهم من الأفضال، والإحسان والبسط في الرزق، وتسخير السحاب بالغيث، وإخراج النبات من الأرض، وصحة الأبدان والعقول، وسائر
стр. 100
النعم التي لا تحصى، والتي يشترك فيها المؤمنون والكافرون، كل ذلك من مقتضى اسمه تعالى (الرحمن) فربنا جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، رحمن جميع خلقه، في الدنيا والآخرة (١).
تفسير: ﴿الرَّحِيمِ﴾ .
تقدم القول بأنه تعالى موصوف بخصوص الرحمة بعض خلقه، وذلك في كل الأحوال، أو في بعض الأحوال، فالخصوص الذي في وصفه تعالى بـ ﴿الرَّحِيمِ﴾ لا يستحيل عن معناه في الدنيا، ويكون ذلك في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما جميعا، فإنه تعالى قد خص عباده المؤمنين في عاجل الدنيا، بما لطف بهم من توفيقه إياهم للطاعة، والإيمان به وبرسله، واتباع أمره واجتناب معاصيه، مما خُذِلَ عنه من أشرك به وكفر، ومن خالف ما أمره به، وركب معاصيه، وقد خص الله تعالى عباده المؤمنين في الآخرة بما أعد لهم في جناته، من النعيم المقيم، والفوز المبين، وخصهم برحمته العامة لهم في يوم الجزاء والحساب (٢)، نسأل الله
стр. 101
- أن يجعلنا من عباده المخصوصين برحمته، وفضله في الدنيا والآخرة.
النظرة الثانية والعشرون
تفسير: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
قال ابن عباس ﵁: هو الشكر والاستخذاء (١)، لله والإقرار بنعمته، وهدايته وابتدائه وغير ذلك (٢)، ومعناه: الشكر خالصاً لله جل ثناؤه دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد ولا يحيط بعددها غيره أحد سبحانه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه سبحانه، فصحح فيهم الآلات لطاعته، ومكن جوارح وأجسام المكلفين من أداء فرائضه، مع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله أولاً وآخرا، ومن هنا جاءت (الحمد) معرفة بالألف واللام؛ لأن لها معنى لا يؤديه قول القائل: (حمدا) بإسقاط الألف واللام وذلك أن دخولهما في (الحمد) لاستغراق الجنس من
стр. 102
جميع المحامد، والشكر الكامل لله ، فهو وحده يستحق الحمد بأجمعه، إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلى، فله الحمد أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا على الوجه الذي يرضيه سبحانه، ولهذا العموم في معنى الحمد تتابعت قراءات القراء، وعلماء الأمة على رفع ﴿الْحَمْدُ﴾ دون نصبها، الذي يحيل المعنى (١)، وقد تقدم القول في معنى لفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾.
﴿رَبِّ﴾: له معان كثيرة، والمراد به هنا: الخالق المالك الرازق، قال ابن عباس ﵁: يقول ــ يعني جبريل ﵇ ــ: قل الحمد لله، الذي له الخلق كله، السماوات كلهن ومن فيهن، الأرضون كلهن من فيهن، وما بينهن، مما يعلم ومما لا يعلم (٢).
﴿الْعَالَمِينَ﴾ جميع المخلوقات مما تقدم بيانه، مماعلم ومما لا يعلم، مالكهم الله ، وكل من ملك شيئاً فهو ربه، والرب: اسم من أسماء الله ، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، ومن العلماء من قال: إنه الاسم
стр. 103
الأعظم لكثرة الداعين به، فليتأمل ذلك في القرآن الكريم، كما في آخر سورة آل عمران، وسورة إبراهيم، وغيرهما لما يشعر به هذا الوصف من الصلة بين الرب والمربوب، مع ما يتضمنه من العطف والرحمة، والافتقار إليه في كل حال (١).
ا لنظرة الثالثة والعشرون
تفسير: ﴿اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .
تقدم بيان هذا في الآية الأولى، لكن من تمام القول في هذا أن الله أعاد هذين الاسمين العظيمين من أسمائه الحسنى وكلها عظيمة لما يشعر به قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ من خوف ورهبة منه تعالى، فهو الخالق المالك المربي المتصرف، قرنه بعد ذلك بقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لما فيهما من الترغيب في رحمته تعالى وعفوه وكرمه، ليجمع في صفاته بين الرهبة منه تعالى، والرغبة إليه سبحانه، وهذا منهج الثواب والعقاب في التربية، فيكون أكثر عونا على الطاعة، وأشد تأثيرا في المنع من المعصية،
стр. 104
كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ (١)، وأخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد) (٢)، نسأل الله تعالى عفوه ورحمته، ونعوذ به من عذابه وسخطه.
النظرة الرابعة والعشرون
تفسير: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
اعلم أنه لا يجوز لأحد أن يتسمى بهذا الاسم، ولا يدعى به إلا الله تعالى، فله الملك المطلق في الدنيا والآخرة، لذلك جاءت هذه الآية تذكر جميع الخلق الإنس والجن، أن الله هو المتفرد مالك يوم الدين، وحده لا شريك له، فكما أن الله تعالى صاحب الملك المطلق في الدنيا، لكنه خول بعض عباده شيئا من صفة الملك في الدنيا، فمنهم سابق بالخيرات، ومنهم مقتصد، ومنهم ظالم لنفسه، اقتضت حكمته تعالى هذا الإيجاد في الحياة
стр. 105
الدنيا، للابتلاء والامتحان، فكان الملك له خالصا يوم الدين، كما قال الله : ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١).
أخرج الشيخان (٢)، البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يقبض الله الأرض، ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض).
ولما كانت الآخرة دار جزاء وخلود اختص الله بالملك، لينال العباد جزاء سعيهم في الدنيا، ملوكاً وأمماً، على حد سواء، وسواءً كانوا إنساً أم جناً، وفي الآية والحديث من تنبيه الغافل، وتحريض النابه ما يجعلهما في غاية الحذر والتحسب لهذا الموقف العظيم، وليعلم العبد أنه في قبضة خالقه ينادى على رؤوس الأشهاد، لمن الملك اليوم؟ ، فيدفعه هذا إلى محاسبة النفس في الدنيا، إن كان من ذوي الألباب الموفقين.
стр. 106
النظرة الخامسة والعشرون
تفسير: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
يلاحظ القارئ هنا أن أسلوب الآيات تحول من الغيبة إلى الخطاب، ولا غرابة في ذلك، ففيه إشارة إلى أن العبد تشبعت روحه بمعرفة الله تعالى وربوبيته للمخلوقات، ومعرفة أسمائه وصفاته، فتحول الخطاب بناء على هذه المعرفة، كأن العبد يرى ربه فيخاطبه، غير شاك في ألوهيته وأسمائه وصفاته، على حد ما ورد في ركن الإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه، ثم إن التحول من الغيبة إلى الخطاب أسلوب عربي معروف، والقرآن نزل بلغة العرب، ومن المعقول عن العرب، أن من شأنهم إذا حكوا، أو أمروا بحكاية، أن يخاطبوا ثم يتحولوا إلى الإخبار عن غائب، ويخبرون عن غائب ثم يعودون إلى الخطاب، لما في الحكاية بالقول من معنى الغائب والمخاطب، كقولهم للرجل: قد قلتُ لأخيك، لو قمتَ لقمتُ، وقد قلتُ لأخيك، لو قام لقمتُ.
قال أبو كبير الهذلي:
يا لهف نفسي كان جِدةُ خالد
стр. 107
وبياض وجهكَ للتراب الأعفر (١).
ومنه قول لبيد بن ربيعة:
باتت تشكى إلي النفس مجهشة
وقد حملتكِ سبعا بعد سبعينا (٢).
وفيهما الرجوع إلى الخطاب بعد الغيبة، وهذا في كتاب الله كثير (٣).
والمعنى: نخصك بالعبادة وحدك لا شريك لك، فنخشع ونذل ونستكين، ولا ريب أن الرجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة، والعبودية عند العرب الذلة تقول: طريق معبد، أي: مذلل قد وطئته الأقدام، وذللته السابلة: جعلته معبدا، ومن ذلك قول طرفة بن العبد:
تُباري عتاقا ناجيات وأتبعت
وظيفا وظيفا (٤) فوق مور معبد (٥).
وقد قدم الضمير ﴿إِيَّاكَ﴾ في الجملتين للإشعار بخصوصية العبادة والاستعانة بالله وحده لا شريك له، ولئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود، فلا يجوز
стр. 108
"نعبدك، ونستعينك" ولا "نعبد إياك، ونستعين إياك" فيجب إتباع لفظ القرآن، قال العجّاج:
إياك أدعو فتقبل ملقي فاغفر خطاياي وكثر ورقي (١).
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي بك يا ربنا نستعين على طاعتك وعبادتك، وعلى كل أمورنا في حالنا ومستقبل عمرنا.
اللهم إياك نعبد وحدك لا شريك لك، مخلصين لك العبادة، دون ما سواك من الآلهة والأوثان، فأعنا على عبادتك، ووفقنا لما وفقت له من أنعمت عليهم من أنبيائك ورسلك وأهل طاعتك، من السبيل والمنهاج (٢).
النظرة السادسة والعشرون
تفسير: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ .
لما أكمل الله بيان الأحكام والحلال والحرام، وأقام الحجة بأوضح ما يكون البيان والبرهان، وجه عباده إلى طلب المزيد من الهداية والتوفيق والثبات كما قال ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية: ألهمنا الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا عوج فيه (٣)، وهو دين الإسلام، وقد فسره بذلك جابر بن عبد الله ﵁ فقال: "الصراط
стр. 109
المستقيم: هو الإسلام" (١)، وعن النواس بن سمعان ﵁، عن النبي ﷺ قال: (ضرب الله صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: أيها الناس أدخلوا الصراط جميعا ولا تفرقوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط: الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق واعظ الله تعالى في قلب كل مسلم) (٢)، قال الطبري: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن (الصراط المستقيم) هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وهو كذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطية الخطفي:
أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم (٣)، يريد على طريق الحق، ومنه قول الهذلي أبي ذؤيب:
стр. 110
صبحنا أرضهم بالخيل حتى تركناها أدق من الصراط (١)
النظرة السابعة والعشرون
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾:
هذا بيان لنوع الصراط المطلوب الهداية إليه، والثبات عليه، وأنه كما قال ابن عباس: طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك، من الملائكة والنبيين، والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبدوك (٢)، فيكون المعني به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته، ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك، من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم، لأن من وفق لما وفق له من أنعم الله عليه، من النبيين والصديقين والشهداء، فقد وفق للإسلام وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب والعمل بما أمر الله به، والانزجار عما زجر الله عنه، واتباع منهج النبي ﷺ ، ومنهاج أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ﵃، وكل عبد الله صالح، ذلك من الصراط المستقيم (٣).