← Тафсир

Тафсир · id 132391

النظرات الماتعة في سورة الفاتحة

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (128 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

النظرات الماتعة في سورة الفاتحة الطبعة الثانية (١٤٢٥ هـ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ النظرات الماتعة في سورة الفاتحة تأليف مرزوق بن هيّاس آل مرزوق الزهراني الأستاذ المشارك في قسم علوم الحديث بكلية الحديث والدراسات الإسلامية

стр. 2

النظرات الماتعة في سورة الفاتحة

стр. 3

ح: مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني، ١٤٢٥ هـ الزهراني، مرزوق بن هياس آل مرزوق. النظرات الماتعة في سورة الفاتحة / مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني، المدينة المنورة، ١٤٢٥ هـ ص؛ .. سم. ــ (رسائل دعوة وتوجيه؛ ٦) ردمك: ٤ ــ ٨٩٨ ــ ٤٦ ــ ٩٩٦٠ ١، ــ القرآن ــ التفسير الحديث ٢، ــ القرآن سورة الفاتحة تفسير. أ. العنوان ب. السلسلة ... ديوي ٦٢٧٧ ... ٦٥٦٤/ ١٤٢٥ رقم الإيداع: ٦٥٦٤/ ١، ٤٢، ٥ ردمك: ٤ ــ ٨٩٨ ــ ٤٦ ــ ٩٩٦٠ حقوق الطبع محفوظة. الطبعة الأولى: ص: ١٣٠ ... ٢١، × ١٤ ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م الناشر: المؤلف. مطابع أضواء المنتدى الإسلامي ــ الرياض.

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5

النظرات الماتعة في سورة الفاتحة تأليف مرزوق بن هيّاس آل مرزوق الزهراني الأستاذ المشارك في قسم علوم الحديث بكلية الحديث والدراسات الإسلامية

стр. 6

الإهداء إلى كل مؤمن ومؤمنة، وكل مسلم ومسلمة، في أرجاء المعمورة. الذين آمنوا بالله ربا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، وبالإسلام دينا، يعبدون الله وفق ما جاء به رسوله ﷺ ، عقيدة وأحكاما وسياسة وحكما. أقدم هذا الجهد، من خلال نظرات ماتعة، وتأملات واسعة، في سورة الفاتحة، بغية أن يتأملوا ما ورد فيها من الفهم النظري، ويعملوا ما تقرر من الجانب العملي، كيما يسعدوا في الدنيا والآخرة. سائلا الله أن يجعل عملي له خالصا، وسعيي فيه سعيا مشكورا، وأن يجعل خطئي مغفورا، ولا يحرمني ووالديّ أجره يوم الدين، ولا يحرم الأجر من أعان عليه نفقة وطباعة وتوزيعا ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١). المؤلف

стр. 7

منهج البحث قبل تحديد خطوات البحث تجدر الإشارة إلى أن هذه هي الطبعة الثانية لهذا السفر القيم، فقد كانت الطبعة الأولى في سنة (١٤٢٢ هـ ــ ٢٠٠١ م) وقد لقيت رغبة من المطالعين لها، وتواردت إليّ العديد من طلبات التزويد بها، بل طلب البعض من خارج المملكة السماح له بطباعتها، وقد أذنت بشرط الوقفية وعدم البيع، ولما تزايد الطلب أخبرت بعض من أعرف من أهل الخير، فحقق الرغبة لنا ولإخواننا المسلمين، أثابه الله وأحسن لنا وله العاقبه. ثم أنبه أنني سأقتصر في المنهج على ما يلي: في توثيق المعلومات على (جامع البيان في تأويل القرآن) للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري إمام المفسرين، فهو عمدة من جاء بعده، فالذين كتبوا التفسير بعد ابن جرير ﵀ هم حول ما روى، أو دون بقلمه يدندنون، وعلى ما في تفسيره يعتمدون، ويليه في الأهمية (الجامع لأحكام القرآن) تفسير الإمام القرطبي أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، فإنه أجاد استخراج المسائل فهو في نظري التفسير الثاني بعد (جامع البيان) وما دعت إليه الحاجة في قضايا محدودة فما كان في غيرهما من أمر يلزم تدوينه لأهميته في

стр. 8

البحث، وتوثيق المعلومات، فلن أغفله وبمصدره أوصله. لم أشتغل ببحث القضايا اللغوية، كاشتقاق الأسماء، واختلاف القراءات ومعانيها، والأبلغ منها، وأقوال العلماء واختلافهم في المسائل، من أجل عدم إشغال القارئ بأمور لا يدرك دقتها إلا المتخصص، فراعيت حال القراء وما هم محتاجون إلى معرفته، أما الباحث الناقد المتخصص فله مراجعة المصادر، وإمعان النظر فيما دونه الأئمة، من دقائق وملاحظات لغوية وبلاغية ومناقشات، وردود على بعضهم في المسائل الخلافية.

стр. 9

المقدمة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ (١)، والصلاة والسلام على البشير النذير الذي جلب بإذن ربه لأمته الخير الكثير، وحذرها من الشر والتدمير ﷺ وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن كتاب الله ، وسنة نبيه محمد ﷺ هما صراط الله المستقيم، من اعتصم بهما نجا، ومن خالفهما هلك، يزداد كل مؤمن بهديهما بصيرة، ومن ابتعد عنهما زاد عماه وكثر تدميره. وإن من فضل الله على هذه الأمة أن جمعها على تلاوة قدر عظيم من كلامه في كل يوم سبع عشرة مرة تلاوة واجبة وذلك فيما فرض على عباده من الصلوات الخمس في اليوم والليلة. إنها سورة الفاتحة السورة العظيمة المشتملة على معاني الخير والبركة، فكان لزاما على كل مسلم أن يعلم ما فيها من الخير، فيستزيد من تلاوتها بإضافة ما حث عليه رسول الله ﷺ من المحافظة على السنن الراتبة

стр. 10

المجموعة في ثلاث عشرة ركعة في اليوم والليلة، فإذا ما استوعب العابد فضلها ومناجاة ربه بها قام بها ماشاء الله من الليل، واستن بها في صلاة الضحى، وغير ذلك من القربات كتحية المسجد وركعتي الطواف، وصلاة الجنازة، وصلاة العيدين، إنها أم الكتاب تقود العبد إلى معرفة الثناء على الله ، وفضله على عباده، وتوحيده بأسمائه وصفاته في عبوديته والاستعاذة به، والاعتصام به بطلب الهداية والبعد عن الضلال، وما يوجب غضبه، . فهاهي الفاتحة قليلة الألفاظ واسعة الدلالة، عظيمة المعاني، شافية كافية، رمت تقديمها لكل مسلم ومسلمة في أسلوب رصين يكشف عن بعض لطائفها وعظيم قدرها، وسعة دلالتها، إنها جنة كل مؤمن ومؤمنة، وهي نار حارقة لجميع العصاة ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١).

стр. 11

سبب اختيار البحث لما قال الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١)، دلَّ على أمر المؤمنين بقراءة الفاتحة على نحو ما سلف بيانه إن ذلك تطبيق عملي لما يجب أن يكون عليه وضع المسلمين تجاه كل آية من كتاب الله ، فحبل الله هو كلامه الذي أنزله على عبده ورسوله نبينا محمد ﷺ لهذا شغفت بالكتابة عن هذا المثال الحي الذي اجتمع على العمل به كل من آمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، وقد علم كل فرد منهم أن صلاته لا تقبل إلا بتلاوة هذه السورة العظيمة وتدبر ما فيها من الدلالة والخير، إلا من عذر يعفيه من ذلك، فكان هذا أمرا باعثا على جمع

стр. 12

ما ورد فيها من المقاصد والدلالة، وبسطها لعباد الله الصالحين، هذا أولا. أما الأمر الثاني: فلأن الله امتن بالفاتحة على عبده ورسوله نبينا محمد ﷺ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (١)، فجعلها قسيمة لبقية السور، وكان الأمر كذلك لأنها جمعت أقسام القرآن وحوتها. الأمر الثالث: إن معرفة معانيها ودلالاتها من العلم الضروري الذي يجب على كل مسلم أن يلم به كيما تصح صلاته وعقيدته ودعاؤه، وثناؤه على ربه ، واستشفاؤه بهذه السورة العظيمة، المباركة والقرآن كله عظيم مبارك عظيم. الأمر الرابع: إنها تدريب عملي على اجتماع المسلمين على الحق، ومن هذا المثال وجب عليهم أن يكونوا موحدين لله بالعبادة، فالفاتحة تدعوهم إلى رب واحد هو معبودهم لا معبود بحق سواه. والذي جاء بها هو محمد ﷺ فوجب أن يوحدوه في القدوة وفي الاتباع، وأن لا يخالفوا أمره، ولا يتجاوزوا

стр. 13

نهيه ﷺ ، ولذلك قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١)، وقال الله : ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣)، والفاتحة حددت لهم المنهج العملي من خلال دلالاتها ومعانيها فوجب أن يكون منهجهم واحداً كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ ، قال الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ

стр. 14

الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). ومن البواعث على هذا البحث أنني طالعت ما كتبه حول الفاتحة بعض الفضلاء، فألفيت أن الفاتحة لازالت مشرعةً أبوابها للمزيد من البحث والدراسة، ولا أدعي الكمال فيما قمت به من عمل ولكن قدمت بعض ما وقفت عليه من كلام أهل العلم، ورمت الاختصار، فتجنبت الغوص، واكتفيت بالإبحار في لجج المعرفة والنصوص والأخبار، فاقتطفت ما تيسر من الثمار، وقدمتها للمسلمين من القارئين النظار، والسامعين الأخيار، رجاء أن ينتفعوا بها ويكونوا من الأبرار، بإذن الله الواحد القهار. النظرة الأولى حول سورة الفاتحة: الفاتحة مستهل كتاب الله العزيز، أنزلت بمكة على القول الراجح، عظّم الله شأنها، وخص بها نبيه ورسوله محمداً ﷺ وأمته، أوجز فيها ما فصله في القرآن العظيم.

стр. 15

آياتها سبع، وكلماتها خمس وعشرون كلمة، وحروفها مائة وثلاثة وعشرون حرفا (١) تضمنت جميع علوم القرآن الكريم (٢) أسماؤها كثيرة، ذكر الفيروز آبادي أنها قريبة من ثلاثين (٣) وقال القرطبي: اثنتان وعشرون (٤) وقال الأ لوسي: لهذه السورة الكريمة أسماء، أوصلها البعض إلى نيف وعشرين (٥). النظرة الثانية لماذا تعددت أسماء الفاتحة ؟ تنوعت أسماء الفاتحة بحسب تنوع ما فيها من الدلالة، وما فيها من الفضل، وما اشتملت عليه من المقاصد، وما فيها من البركة والخير، وبيان ذلك على النحو التالي:

стр. 16

سميت الفاتحة: لأنها يفتتح بكتابتها المصاحف، ويقرأ بها في الصلوات فهي فواتح لما يتلوها من سور القرآن، في الكتابة والقراءة (١). سميت أم القرآن: لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها، في القراءة والكتابة (٢). وهي أم الكتاب لأن أم الشيء: أصله وعماده كما سميت مكة؛ أم القرى لأنها توسطت الأرض (٣). وهذا ليس زعماً، فقد ثبت علميا في عصرنا هذا، والفاتحة لا شك أنها أم الكتاب (القرآن) لأنها جمعت ما فصل فيه، وقد ثبت في الصحاح تسميتها بذلك (٤) ونقل القرطبي كراهة ذلك عن أنس والحسن وابن سيرين، والجمهور على الجواز؛ وإذا صح الخبر عن رسول الله ﷺ فلا عبرة بقول غيره (٥). سميت السبع المثاني: لأن جميع القراء والعلماء لم يختلفوا على أنها سبع آيات، ولكونها المثاني التي امتن

стр. 17

الله بها على عبده ورسوله محمد ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (١)، كما فسرها الإمام الحسن البصري ﵀ بذلك، ووصف رسول الله ﷺ آياتها السبع بأنهن مثان، فلأنها تثنى قراءتها في كل صلاة تطوعا أو مكتوبة (٢)، وعلل مجاهد ﵀ هذه التسمية: بأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة، كأنه أوحاها لهم ولم يعطها أحداً من الأمم (٣)، ومعلوم أن هذه السورة العظيمة تثنى قراءتها في كل ركعة وتثنى في كل صلاة فالتثنية مضاعفة. قال أبو جعفر الطبري: وليس في وجوب اسم (السبع المثاني) لفاتحة الكتاب ما يدفع صحة وجوب اسم (المثاني) للقرآن كله، لأن لكل وجها ومعنى مفهوما (٤)،

стр. 18

قلت: كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (١)، أطلق الله هذا على كتابه، لأن الأخبار تثنى فيه (٢). سميت الوافية: لأنها لا تتنصف، فلا يجوز أن يُقرأ نصفها في ركعة والنصف الآخر في ركعة أخرى، وهذه خصوصية الفاتحة فهي لا تقبل التنصيف ولا الاختزال بخلاف بقية سور القرآن فإن ذلك جائز فيها (٣). سميت الكنز: لقوله ﷺ : (إنها أنزلت من كنز تحت العرش) (٤). ويدخل في مسمى (أم الكتاب، أم القرآن) قول من سماها (الأساس) جاء ذلك من قول الشعبي ﵀ لما شكا إليه رجل وجعا بخاصرته: عليك بأساس القرآن، فاتحة الكتاب، سمعت ابن عباس يقول: لكل شيء أساس،

стр. 19

وأساس الدنيا مكة لأن منها دحيت (١) وأساس السموات (عريباً) وهي السماء السابعة، وأساس الأرض (عجيبا) وهي الأرض السابعة السفلى، وأساس الجنان (جنة عدن) وهي سرّة الجنان عليها أسست الجنة، وأساس النار (جهنم) وهي الدركة السابعة السفلى، عليها أسست الدرجات، وأساس الخلق (آدم) وأساس الأنبياء (نوح) وأساس بني إسرائيل (يعقوب) وأساس الكتب (القرآن) وأساس القرآن (الفاتحة) وأساس الفاتحة (بسم الله الرحمن الرحيم) فإذا اعتللت أو اشتكيت، فعليك بالفاتحة تُشفى (٢)، وذكره السيوطي مختصرا فقال: وأخرج الثعلبي عن الشعبي أن رجلا شكا إليه وجع الخاصرة (٣) فقال: عليك بأساس القرآن، قال: وما أساس القرآن؟ ، قال: فاتحة الكتاب (٤).

стр. 20

الحق أن الفاتحة رقية كلها، خلافا لمن قصرها على قول الله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. سميت سورة الحمد والشكر والدعاء، وتعليم المسألة: لاشتمالها عليها (١)، وقد تضمنت معاني هذه الألفاظ أفضل ما يكون به الثناء، وأصدق ما يكون الطلب. سميت الصلاة: لوجوب قراءتها فيها (٢). أما قول الزمخشري: لأنها تكون فاضلة أو مجزئة فيها (٣)، فأقول: هي فاضلة في الصلاة وغيرها، والصواب ما تقدم؛ لأنها ركن في الصلاة، فلا تصح الصلاة إلا بقراءتها، قال ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (٤)، وفي القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي) (٥)، والمراد بالصلاة الفاتحة، عندما يقرؤها العبد في الصلاة وغيرها.

стр. 21

سميت الشفاء والشافية: لقول الرسول ﷺ : (هي شفاء من كل داء) (١). سميت القرآن العظيم: ذكره القرطبي وعلله بقوله: لتضمنها جميع علوم القرآن (٢)، وفي نظري أن تستمد هذه التسمية من حديث أبي سعيد بن المعلى عند الإمام البخاري، أخرج الإمام البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال: مر بي النبي ﷺ وأنا أصلي، فدعاني فلم آته حتى صليت، فقال: (ما منعك أن تأتي؟ ) فقلت: كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٣)؟ ، ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة في

стр. 22

القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ، فذهب النبي ﷺ ليخرج من المسجد فذكرته فقال: ... الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) (١)، أي في الآية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٢)، وجعلها قسيمة للقرآن يكون أبلغ. سميت الرقية، أخذا من قول رسول الله ﷺ للرجل الذي رقى سيد الحي: (وما يدريك أنها رقية؟ ) (٣). سميت الكافية: لأنها تكفي عن سواها، ولا يكفي سواها عنها قال رسول الله ﷺ : (أم القرآن عوض عن غيرها،

стр. 23

وليس غيرها منها عوضاً) (١)، ألا ترى أنك إذا لم تقرأ في الصلاة إلا الفاتحة أجزأ ذلك وصحت الصلاة، ولو تركت الفاتحة وقرأت بدلا عنها سورة من المطول لم يجز ذلك ولم تكن الصلاة صحيحة، ولا تعارض بينه وبين حديث المسيء صلاته، فإن قوله ﷺ : (واقرأ ما تيسر معك من القرآن) مفسر بأن المراد به ما زاد عنها في الامتنان، وإن كان الامتنان حاصلا بها وحدها لاشتمالها على ما ذكر، فكأن الله امتن بها من

стр. 24

جانب لخصائصها، وببقية القرآن لما فيه من العظمة والخير والبركة والإعجاز؛ والله أعلم. النظرة الثالثة نزول جبريل ﵇ بالفاتحة: الصحيح أن الفاتحة نزل بها جبريل ﵇ استنادا إلى قول الله : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١)، وقد أجمع العلماء على أن المراد بالروح الأمين جبريل ﵇. والقراءتان لقوله: (نزل) بالتخفيف أو بتشديد الزاي صحيحتان، ولا يحصل الخلاف إطلاقا في أن ذلك من عند الله على الوجهين المذكورين في (نزل) (٢)، ومن فهم من العلماء أن جبريل عليه ﵇ لم ينزل بسورة الحمد استنادا إلى حديث ابن عباس ﷺ قال: (بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ ، سمع نقيضا (٣)، من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، ولم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل

стр. 25

إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة (١)، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته) (٢)، من فهم من هذا عدم نزول جبريل ﵇ بالفاتحة فقد أخطأ، لأن نزول سورة الفاتحة كان بمكة لآية الشعراء وهي مكية صريحة في نزول جبريل عليه ﵇ بجميع القرآن. قال القرطبي: فيكون جبريل ﵇ نزل بتلاوتها بمكة، ونزل الملك بثوابها بالمدينة، فإنه جمع بين القرآن والسنة، ولله الحمد والمنة (٣). قلت: وانقدح في ذهني وجه آخر، وهو أن يكون جبريل ﵇ نزل بها تلاوة وبخواتيم البقرة أيضا، ونزل

стр. 26

الملك بالبشارة بنوريهما وأنهما أعطيتا لنبينا محمد ﷺ دون الأنبياء. فيحصل الجمع الذي ذكره القرطبي ﵀ من وجه آخر، وقد سمعت شيخنا أبو بكر جابر (١)، الجزائري عظّم الله أجره يقول: نزلت الفاتحة مرتين: مرة بمكة وآياتها سبع، بسم الله الرحمن الرحيم الآية الاولى. ونزلت مرة أخرى في المدينة، ليس فيها بسم الله الرحمن الرحيم. قلت: ما ذكر فضيلته فيه نظر: فلم تنزل السورة مرتين، بل نزلت تلاوة مرة واحدة في مكة، ونزل في المدينة البشارة بالنورين الذين أوتيهما رسول الله ﷺ ولم أقف على ما يؤيد قول شيخنا هذا، أثابه الله، وهو في نظري توجيه حسن، وقد يقول قائل: نزلت مرتين والحكمة من ذلك تعظيمها، فأقول تعظيمها في البشارة بها وأنها نور أعطيه رسول الله ﷺ ، أعظم في بيان فضلها، سيما وتعظيمها ورد في نصوص من السنة كثيرة، والله أعلم.

стр. 27

النظرة الرابعة مكية أو مدنية ؟ : الصحيح من أقوال العلماء (١)، أن سورة الفاتحة مكية، استنادا إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٢)، فقد من الله بها على رسوله محمد ﷺ ، والآية من سورة الحجر، وهي مكية، فلم يكن الله يمن بها قبل نزولها (٣) ولأن فرض الصلاة كان بمكة في ليلة الإسراء (٤)، ولا خلاف في ذلك بين العلماء (٥)، ومعلوم أن من أركان الصلاة قراءة الفاتحة، ولا صلاة صحيحة بدونها، لقوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (٦).

стр. 28

النظرة الخامسة عدد آياتها: اجمعت الأمة على أن فاتحة الكتاب سبع آيات، ولم يخالف فيه إلا من لا عبرة بقوله، لشذوذه (١). قال الطبري: وقد اتفق القراء والعلماء على أنها سبع آيات، وحصل الخلاف في الآية التي صارت بها سبع آيات، فقال جماعة من الأصحاب والتابعين وعُظْم (٢)، أهل الكوفة: هي: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وقال عُظْم قُراة (٣)، أهل المدينة ومتقنيهم: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٤). قال الخطابي: قال قوم هي آية من فاتحة الكتاب، وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة، وسعيد بن جبير، وعطاء، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وقال آخرون: ليست التسمية من فاتحة الكتاب ... (٥)، ونقل ابن كثير رواية ابن مردويه بسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الحمد لله رب

стр. 29

العالمين سبع آيات: بسم الله الرحمن الرحيم إحداها، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي أم الكتاب، وفاتحة الكتاب) (١)، قال ابن كثير ﵀: رواه الدارقطني (٢)، أيضا عن أبي هريرة، مرفوعا بنحوه أو مثله، وقال: كلهم ثقات. وهذا رأي ابن عباس ﵁ (٣). وقد ألف في وجوب قراءة البسملة في الصلاة الإمام أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي كتابا سماه "الرسالة المقنعة في وجوب قراءة البسملة في الصلاة" وألف أبو شامة المقدسي "البسملة الكبير" في مجلد، و "البسملة الصغير". وقد أثبت السلف البسملة في المصحف، مع توصيتهم بتجريد القرآن، ولذلك لم يثبتوا آمين، فلولا أنها من القرآن لما أثبتوها (٤)، فليعلم أن البسملة آية من الفاتحة وهو قول الجمهور، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ آية واحدة، هي الآية السابعة، تمام الفاتحة.

стр. 30

النظرة السادسة صلتها بالكتب السماوية: أخرج البيهقي عن الحسن البصري أرسله قال: "أنزل الله مائة وأربعة كتب من السماء، أودع علومها أربعة منها: التوراة، الإنجيل، والزبور، والقرآن، ثم أودع علوم التوراة والإنجيل، والزبور (القرآن) ثم أودع علوم القرآن (المفصل) ثم أودع علوم المفصل (فاتحة الكتاب فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع كتب الله المنزلة" (١). قلت: في إسناده الربيع بن صبيح السعدي، صدوق سيء الحفظ، ومال الذهبي (٢)، إلى أنه صدوق، ونقل تضعيف النسائي له، وفيه إرسال الحسن، والحسن مرسلاته تكلم فيها العلماء، حتى قال بعضهم: مرسلات الحسن كالريح أي: لا يعتد بهاـ وقد ذكر هذا الأثر السيوطي (٣)، معزوا إلى البيهقي في شعب الإيمان (٤)، وعزا السيوطي إلى أبي عبيد في فضائله عن الحسن مرسلا قوله: قال رسول الله

стр. 31

- ﷺ : (من قرأ فاتحة الكتاب فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان) (١). قال الأ لوسي ﵀: ذكر بعض العلماء، أن الفاتحة بإجماع علماء كل أمة افتتح كل كتاب بها، لكنه معارض بأن العربية من خصوصيات القرآن، ولا يمنع أن تكون معانيها موجودة في الكتب الأخرى، فالكتب السماوية بأسرها غير عربية (٢). النظرة السابعة ما ورد في فضلها: أخرج الإمام البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال: مرّ بي النبي ﷺ وأنا أصلي، فدعاني فلم آته حتى صليت، فقال: (ما منعك أن تأتي؟ ، فقلت: كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٣)، ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ، فذهب النبي ﷺ

стр. 32

ليخرج من المسجد فذكرته فقال: الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) (١). وأخرج البيهقي من حديث أبي هريرة ﵁، عن أبيّ بن (مالك) (٢)، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أعلمك سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في القرآن مثلها؟ ، قلت: بلى، قال: إني لأرجو ألا تخرج من ذلك الباب حتى تعلمها) (٣)، فذكر الحديث. وأخرج النسائي بسند رجاله ثقات من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كان النبي ﷺ في مسيرة فنزل، فمشى رجل من أصحابه إلى جانبه فالتفت إليه النبي ﷺ فقال: ألا أخبرك بأفضل القرآن؟ ، قال: فتلا عليه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤)، يعني الفاتحة، وكذلك حديث عبد الله بن جابر ﵁، وفيه: أن رسول الله ﷺ قال له: (يا عبد الله بن جابر، ألا أخبرك بخير سورة نزلت

стр. 33

في القرآن؟ ، قال: قلت: بلى، يا رسول الله، قال: فاتحة الكتاب) (١) وذكر البيهقي ﵀ اختلاف الرواة في هذه الرواية ثم قال: فيشبه أن يكون هذا القول صدر من جهة صاحب الشرع ﷺ لأبيّ، ولأبي سعيد بن المعلى كليهما، وحديث ابن المعلى رجاله أحفظ، والله أعلم (٢). قلت: ولذلك أخرجه الإمام البخاري وهذا يؤكد دقة الإمام البخاري وعلمه بعلل الأحاديث وضبط الرجال لما يروون، ولا يمنع إخباره ﷺ لأكثر من واحد من أصحابه (٣). النظرة الثامنة الفاتحة من خصائص النبي ﷺ وأمته: خصّ الله نبينا محمد ﷺ وأمته بسورة الفاتحة، لم يعطها أحدا من الأنبياء قبله، فليحرص المسلم على تجويدها وفهم معانيها. أخرج الإمام مسلم من حديث ابن عباس ﵁ قال: "بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ ، سمع نقيضا من فوقه، رفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط

стр. 34

إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: ابشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك ــ فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ــ لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته" (١)، وفي هذا دلالة صريحة على اختصاص نبينا محمد ﷺ وأمته بالفاتحة، ومن خصّ بشيء زاد حرصه عليه، لاختصاصه به لنفاسته دون سواه، فليعتن المسلم بسورة الفاتحة، فهما لدلالاتها وتجويدا لتلاوتها. النظرة التاسعة الفاتحة تحاور بين العبد وربه: ما أعظم مناجاة العبد لربه واستشعاره محاورته لمولاه جل وعلا من خلال فاتحة الكتاب، هنا يدرك العبد لذة المناجاة حينما يحزبه أمر فيلجأ إلى خالقه وباريه، يطلب منه اللطف والرحمة والعفو والمغفرة هكذا كان يفعل سيد الخلق ﷺ إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة (٢)، وإذا حان وقت الفريضة قال: (يا بلال أرحنا بالصلاة) (٣).

стр. 35

أخرج الإمام مسلم حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: سمعت الرسول ﷺ يقول: (قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجّدني عبدي، وقال مرة: فوض إليّ عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) (١).

стр. 36

النظرة العاشرة الفاتحة شفاء وأخذ الأجرة على الرقية بها جائز: ما أكثر ما يعتل الإنسان روحاً وجسداً وقد أخبر الباري أن القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين (١)، وثبت النقل عن الرسول ﷺ أن الفاتحة يستشفى بها فليكن المسلم موقنا بذلك وليحرص على الاستشفاء بالقرآن وأوله الفاتحة وليحذر كل الحذر مجانبة المنهج النبوي في ذلك. أخرج الإمام مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في سفر، فمروا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم فلم يضيفوهم فقالوا لهم: هل فيكم راقٍ؟ ، فإن سيد الحي لديغ أو مصاب، فقال رجل منهم: نعم فأتاه فرقاه (بفاتحة الكتاب) فبرأ الرجل، فأعطي قطيعاً من غنم فأبى أن يقبلها، وقال: حتى أذكر ذلك للنبي ﷺ ، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: يا رسول الله والله ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب فتبسم ﷺ وقال: (وما أدراك أنها رقية؟ ! ، ثم قال: خذوا منهم واضربوا لي بسهم معكم) (٢)، وأخرجه الإمام البخاري بزيادة: (فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع ريقه

стр. 37

ويتفل فبرأ) (١)، وهذه الزيادة عند مسلم، ولكني ذكرتُ رواية مسلم أولا لورود القصة فيها بأتم. أخرج البيهقي بسنده من حديث عبد الله بن جابر ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يبول فوقفت عليه فقلت: السلام عليك، فلم يرد عليّ، ثم قلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد عليّ، ثم قلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد عليّ. قال: ونهض ودخل بعض حجره، قال: فملت إلى اسطوانة في المسجد وأنا كئيب حزين، فبينا أنا كذلك إذ خرج رسول الله ﷺ فتوضأ، قال: فأقبل حتى وقف عليّ، ثم قال: (وعليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله، عليك السلام ورحمه الله، ثم قال: يا عبد الله بن جابر، ألا أخبرك بخير سورة نزلت في القرآن؟ ، قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: فاتحة الكتاب). قال علي: وأحسبه قال: (فيها شفاء من كل داء) (٢). قلت: عليّ هو: علي بن هاشم بن البريد، وقد أخرج الدارمي ما قال عليّ هذا، من مرسل عبد الملك بن عمير قال: قال رسول الله ﷺ : (فاتحة الكتاب شفاء من كل داء) (٣)، ولا يبعد أن يكون واسطته من الضعفاء،

стр. 38

فدلسه بالإرسال فإنه ثقة تغيّر، وربما دلس. وأخرجه البيهقي (١). هذا وفي الفاتحة وفضائلها أحاديث كثيرة منها الثابت الصحيح والضعيف والموضوع واقتصرنا على بعض ما صح وثبت عن رسول الله ﷺ بغية إفادة القارئ وما ذكرنا مما تكلم فيه العلماء أبنّا علته، فسورة الفاتحة هي أفضل السور بالنص على ما مر ذكره، وبالمعنى على ما سيأتي، وهي أجمع سورة للخير، زادنا الله بها فهما وعلما وعملا. النظرة الحادية عشرة مقاصد الفاتحة: من المعلوم لأهل العلم، وأصحاب الخبرة في البحث والنظر أنه لو ذهب بعضهم يتتبع مقاصد الفاتحة، ويستجلي ما تضمنت من غايات لأمكنه أن يكتب الكثير من الفوائد العلمية، ونحن في هذا نسدد ونقارب لغرض الإفادة، والتوجيه والدلالة لمن أراد الزيادة في البحث والإمعان فيه. إن سورة الفاتحة تضمنت من المقاصد والمعاني والدلالات، ما لم تتضمنه سورة من سور القرآن

стр. 39

الكريم، وقد ضم القرآن الكريم علوم الكتب السماوية وزاد عليها. ففي الفاتحة، الثناء الجميل على الله بما هو أهله، على صفة الكمال المطلق، بأسمائه وربوبيته وصفاته تعالى، والاستعانة به وحده لا شريك له، وإخلاص العبادة له، والتوجه إليه تعالى بالطلب والدعاء، وهذا كله مقاصد القرآن الكريم، تناوله حديث (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ... ) (١)، ومن خلال البحث والنظر في هذه السورة العظيمة ظهرت عدة مقاصد، وخلاصتها في ثلاثة أمور: ١ - أن الفاتحة تضمنت مقاصد القرآن كله على سبيل الاجمال. ٢ - أنها تضمنت مقاصد السورة الواحدة. ٣ - أنها تضمنت مقاصد الآيات. أما مقاصد القرآن فقد ذكر العلماء أنها في أربعة أمور: ١ - الإلهيات. ٢ - النبوات وقصص الأمم السابقة. ٣ - الأوامر والنواهي والأحكام. ٤ - المعاد وما بعده (٢).

стр. 40

ومقاصد السورة الواحدة: مثاله ما تضمنته الفاتحة وهو ما ذكرنا في مستهل هذا المبحث. أما مقاصد الآيات: فقد ورد في كثير من الآيات التوجيه إلى الحِكَم النظرية، والأحكام العملية، وذلك في معرفة الطريق المستقيم وسلوكه، ومجانبة طريق الشقاء، ومعرفة مراتب الأشقياء والبعد عنها (١)، ويمكن أن يسمى هذا بالجانب العلمي، والجانب العملي، وسورة الفاتحة تضمنت آياتها الجانبين، فنصفها الأول علمي، والثاني عملي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ إلي آخر السورة. وفيما يلي نورد تحليلا لهذه المقاصد في الفاتحه حسب ما فهمنا من دراسة أقوال العلماء. الإلهيات: هذا المقصد العظيم، تضمنه قول الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾. تضمنت الأسماء والصفات والأفعال، فوجهت إلى معرفة الله ، ومعرفة صفاته وأفعاله. النبوات:
следующие страницы →