النظرة العاشرة
الفاتحة شفاء وأخذ الأجرة على الرقية بها جائز:
ما أكثر ما يعتل الإنسان روحاً وجسداً وقد أخبر الباري أن القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين (١)، وثبت النقل عن الرسول ﷺ أن الفاتحة يستشفى بها فليكن المسلم موقنا بذلك وليحرص على الاستشفاء بالقرآن وأوله الفاتحة وليحذر كل الحذر مجانبة المنهج النبوي في ذلك.
أخرج الإمام مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في سفر، فمروا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم فلم يضيفوهم فقالوا لهم: هل فيكم راقٍ؟ ، فإن سيد الحي لديغ أو مصاب، فقال رجل منهم: نعم فأتاه فرقاه (بفاتحة الكتاب) فبرأ الرجل، فأعطي قطيعاً من غنم فأبى أن يقبلها، وقال: حتى أذكر ذلك للنبي ﷺ ، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: يا رسول الله والله ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب فتبسم ﷺ وقال: (وما أدراك أنها رقية؟ ! ، ثم قال: خذوا منهم واضربوا لي بسهم معكم) (٢)، وأخرجه الإمام البخاري بزيادة: (فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع ريقه
стр. 37
ويتفل فبرأ) (١)، وهذه الزيادة عند مسلم، ولكني ذكرتُ رواية مسلم أولا لورود القصة فيها بأتم.
أخرج البيهقي بسنده من حديث عبد الله بن جابر ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يبول فوقفت عليه فقلت: السلام عليك، فلم يرد عليّ، ثم قلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد عليّ، ثم قلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد عليّ.
قال: ونهض ودخل بعض حجره، قال: فملت إلى اسطوانة في المسجد وأنا كئيب حزين، فبينا أنا كذلك إذ خرج رسول الله ﷺ فتوضأ، قال: فأقبل حتى وقف عليّ، ثم قال: (وعليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله، عليك السلام ورحمه الله، ثم قال: يا عبد الله بن جابر، ألا أخبرك بخير سورة نزلت في القرآن؟ ، قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: فاتحة الكتاب).
قال علي: وأحسبه قال: (فيها شفاء من كل داء) (٢).
قلت: عليّ هو: علي بن هاشم بن البريد، وقد أخرج الدارمي ما قال عليّ هذا، من مرسل عبد الملك بن عمير قال: قال رسول الله ﷺ : (فاتحة الكتاب شفاء من كل داء) (٣)، ولا يبعد أن يكون واسطته من الضعفاء،
стр. 38
فدلسه بالإرسال فإنه ثقة تغيّر، وربما دلس. وأخرجه البيهقي (١).
هذا وفي الفاتحة وفضائلها أحاديث كثيرة منها الثابت الصحيح والضعيف والموضوع واقتصرنا على بعض ما صح وثبت عن رسول الله ﷺ بغية إفادة القارئ وما ذكرنا مما تكلم فيه العلماء أبنّا علته، فسورة الفاتحة هي أفضل السور بالنص على ما مر ذكره، وبالمعنى على ما سيأتي، وهي أجمع سورة للخير، زادنا الله بها فهما وعلما وعملا.
النظرة الحادية عشرة
مقاصد الفاتحة:
من المعلوم لأهل العلم، وأصحاب الخبرة في البحث والنظر أنه لو ذهب بعضهم يتتبع مقاصد الفاتحة، ويستجلي ما تضمنت من غايات لأمكنه أن يكتب الكثير من الفوائد العلمية، ونحن في هذا نسدد ونقارب لغرض الإفادة، والتوجيه والدلالة لمن أراد الزيادة في البحث والإمعان فيه.
إن سورة الفاتحة تضمنت من المقاصد والمعاني والدلالات، ما لم تتضمنه سورة من سور القرآن
стр. 39
الكريم، وقد ضم القرآن الكريم علوم الكتب السماوية وزاد عليها.
ففي الفاتحة، الثناء الجميل على الله بما هو أهله، على صفة الكمال المطلق، بأسمائه وربوبيته وصفاته تعالى، والاستعانة به وحده لا شريك له، وإخلاص العبادة له، والتوجه إليه تعالى بالطلب والدعاء، وهذا كله مقاصد القرآن الكريم، تناوله حديث (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ... ) (١)، ومن خلال البحث والنظر في هذه السورة العظيمة ظهرت عدة مقاصد، وخلاصتها في ثلاثة أمور:
١ - أن الفاتحة تضمنت مقاصد القرآن كله على سبيل الاجمال.
٢ - أنها تضمنت مقاصد السورة الواحدة.
٣ - أنها تضمنت مقاصد الآيات.
أما مقاصد القرآن فقد ذكر العلماء أنها في أربعة أمور:
١ - الإلهيات.
٢ - النبوات وقصص الأمم السابقة.
٣ - الأوامر والنواهي والأحكام.
٤ - المعاد وما بعده (٢).
стр. 40
ومقاصد السورة الواحدة: مثاله ما تضمنته الفاتحة وهو ما ذكرنا في مستهل هذا المبحث.
أما مقاصد الآيات: فقد ورد في كثير من الآيات التوجيه إلى الحِكَم النظرية، والأحكام العملية، وذلك في معرفة الطريق المستقيم وسلوكه، ومجانبة طريق الشقاء، ومعرفة مراتب الأشقياء والبعد عنها (١)، ويمكن أن يسمى هذا بالجانب العلمي، والجانب العملي، وسورة الفاتحة تضمنت آياتها الجانبين، فنصفها الأول علمي، والثاني عملي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ إلي آخر السورة. وفيما يلي نورد تحليلا لهذه المقاصد في الفاتحه حسب ما فهمنا من دراسة أقوال العلماء.
الإلهيات:
هذا المقصد العظيم، تضمنه قول الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.
تضمنت الأسماء والصفات والأفعال، فوجهت إلى معرفة الله ، ومعرفة صفاته وأفعاله.
النبوات:
стр. 41
وقصص الصالحين: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
وقصص غيرهم من العصاة، وأخل الكفر ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.
الأحكام:
الأوامر والنواهي:
تضمنها قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ فهذا إيحاء إلى العبد أن الحكم الشرعي أن تكون العبادة خاصة وخالصة لله وحده لا شريك له، وكذلك الاستعانة، ولا يكمل ذلك إلا بالاستجابة لأحكام الإسلام.
المعاد:
تضمنه قول الله : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ وهذا فيه وعيد وبيان أن الإنسان مدان بعمله في هذا اليوم المشهود، ويأخذ جزاء ما كسبت يداه، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
وفي قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وعد من الله ، أن من هذا حالهم في الاستقامة وتجريد العبادة لله ، والمتابعة لرسوله محمد ﷺ ، مع الصبر والدعاء
стр. 42
يكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
ومن هذا يتحصل لنا أن الفاتحة تضمنت ثلاثة ميادين علمية هي:
تعريف المدعو إليه: وهو (الله ) وذلك في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ وقد فصّل الكتاب والسنة هذا التعريف.
تعريف الوسيلة الموصلة إليه: وهي ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ المتمثل في العمل بما جاء عن الله ، وعن رسوله محمد ﷺ ، وذلك في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وهو الإسلام، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١)، وقال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢)، تعريف
стр. 43
حال المخلوق لهذا التكليف الشرعي: وهم بنوا آدم وهم قسمان: قسم استجاب لهذا التكليف، فسلك الصراط المستقيم وهم الذين أنعم الله عليهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وهم الأنبياء والرسل، والصديقون والشهداء والصالحون، وعباد الله المؤمنون به وبأنبيائه وكتبه ورسله، السالكون صراطه المستقيم، بعملهم بأحكام الإسلام.
وقسم لم يستجب لداعي الشرع، وتنكب الصراط المستقيم، وخرجوا عن الجادة وهم الذين عرّف حالهم بقول الله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ ومن هذا يظهر لنا أن من مقاصد الفاتحة ما يلي:
المقصد الأول:
تحديد مسمى الإله وأنه (الله ) وحده لا شريك له، المتفرد بصفات الكمال والجلال، والخلق والإيجاد من العدم، والربوبية المطلقة لجميع المخلوقات، تضمن هذا قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذا جلي يعلمه أبسط الخلق، وفي هذا المقصد الرد على المشركين والملحدين، الزاعمين أن قوة خفية تدبر هذا العالم، وحاروا في تحديدها، وهذا من عمى البصائر
стр. 44
والعياذ بالله. وقد هدى الله المسلمين لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه.
وأنه تعالى وحده المدبر لهذا العالم، علويه وسفليه ظاهره وباطنه، ما علمنا منه وما لم نعلم.
المقصد الثاني:
بيان أن العالم العلوي والسفلي، وما فيهما من مخلوقات، كلها مربوبة لله ، هو ربها ومدبر شؤونها، لا يخرج عن قدرته شيء، ولا يكون إلا ما يريد سبحانه، ومقتضى هذا رحمة عباده في تربيتهم الروحية، كما رباهم بنعمه الظاهرة والباطنة، وفي هذا المقصد الرد على جميع الوثنيين الذين اتخذوا أربابا من دون الله ، تضمن هذا قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
المقصد الثالث:
بيان أن ورود أسماء الرب جل شأنه (الله ــ الرب ــ الرحمن ــ الرحيم ــ مالك) تأسيس لتوحيد الأسماء والصفات وأنه على وجه الكمال لله ، وأنه تعالى سمى نفسه بهذه الأسماء وغيرها مما ورد في الكتاب والسنة على وجه الكمال المطلق، وعلى مبدأ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، وفي هذا رد على جميع الفرق الضالة، التي تؤول الأسماء
стр. 45
والصفات، أو تعطل ذات الله منها، فمن جحد شيئا منها أو أوله فقد كذب صريح القرآن، وصحيح السنة النبوية، وقد تضمن هذا قوله تعالى:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾.
المقصد الرابع:
بيان أن الله تعالى هو المتفرد بالحكم، فله الأمر والنهي ورتب على هذا بعث العباد، وحشرهم في ذلك اليوم المشهود، الذي تُنصب فيه الموازين، وتكون فيه كل نفس بما كسبت رهينة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١)، لايستطيعون زيادة في الحسنات، ولا نقصا في السيئات قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ (٢)، وفي هذا المقصد رد على الذين يسعون إلى إيجاد شرائع في الأرض وقوانين
стр. 46
تخالف ما أنزل الله، من الناعقين والناعقات من المتبعين لأهوائهم في عالم اليوم المليء بالمتناقضات، وتصارع الأفكار والحضارات تضمن هذا قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾.
المقصد الخامس:
بيان أنه لا يستحق أحد العبادة إلا الله وحده لا شريك له، فهو المعبود بحق على وجه الخصوص، فكل معبود سوى الله باطل، وكل من عبد غير الله فقد ضل سبيل الرشاد، وسلك مسالك أهل الغي والعناد، وفي هذا المقصد رد على الذين يتعبدون عند القبور بالذبح، والذكر ودعاء الأموات، والتقرب إلى الأولياء، وطلب قضاء الحاجات منهم، وهذا كله من صرف العبادة لغير الله ، ولما كان الدعاء من العبادة نصّفه الله في الفاتحة فجعل النصف الأول منه مجمع الثناء عليه تعالى، والنصف الثاني من الدعاء مجمع حاجات العباد كل ذلك يتوجهون به إلى ربهم وخالقهم تمجيدا وثناء عليه وطلبا واستجداء منه تعالى (١)، وفي الآية رد على المبتدعة من الجبرية والقدرية (٢).
стр. 47
المقصد السادس:
نفي العناد والجحود، وطرد الشك والضلال، بطلب الهداية والتوفيق إلى الحق، فالهداية جزء من لطف الله ورحمته بالعباد، ولأهمية هذا الجانب، أرسى الله لوازمه أولا، فعرّف بالمعبود: الله ﷻ ، وخصه بالعبادة، وعرّف بالمتبوع: رسول الله ﷺ ، وخصه بالإتباع، وعرّف بالمنهج: الكتاب والسنة، وأمر بالاستقامة على ذلك، فهذه أركان الهداية الأربعة:
المعبود: هو الله، فالعبد في الفاتحة الفاتحة يكرر الرجاء في خالقه ويديم التوسل والدعاء، أن يهديه الطريق المستقيم في الأمور كلها الحسية والمعنوية، وفي هذا المقصد رد على الذين يتوسلون بالأموات من الأنبياء والصالحين، ويستجيرون بالمخلوق دون الخالق، تضمن هذا قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
المقصد السابع:
بيان أن النبوة أعظم النعم التي منّ الله بها على العباد، إذ عرّفهم بالمتبوع، ومعرفته هي الركن التاني من أركان الهداية، فبواسطة الرسل عرف العباد ربهم وعبدوه حق عبادته، وعليهم أنزل الله كتبه، فكان
стр. 48
القرآن الكريم خاتمها، وكان رسول الله ﷺ خاتم الأنبياء والرسل، حدد الله الخير والشر، وعرف الأمة الحلال والحرام، والمعروف والمنكر، وهذا كله مقتضى رحمته بعباده في قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ ومقتضي العدل في قوله نعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ ومقتضى إخلاص العبادة له في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ فإن العبادة لا تسلم من الشرك والبدع، إلا إذا أخذت من طريق النقل عن الرسل ﵈، فالعقول لا تحدد الشرائع وطريقة العبادات، ولا يعبد الله إلا بما شرع، ولا سبيل لمعرفة ما شرع الله إلا من طريق الرسل ﵈، ولذلك شدد الله على اتّباع الرسول ﷺ فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا
المقصد الثامن:
التعريف بالمنهج وهو الركن الثالث من أركان الهداية، وتصنيف بني آدم على أساس الإيمان بالله ، وعدم الإيمان به، حيث جعلت الفاتحة الناس صنفين:
١ ــ صنف مؤمن عالم عامل، عرف الحق تعالى فعبده وحده لا شريك له، وعرف المبلغ عن الله ، وعرف الطريق المستقيم فسلكه، وهذا تضمنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
٢ ــ صنف اتبع هواه ولم يسمع للرسول ﷺ ، ولم يحكم ما جاء به من عند الله، فضل ضلالا مبينا، وتضمن هذا قول الله : ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
المقصد التاسع:
الاستقامة على المنهج الصحيح، وهو الركن الرابع من أركان الهداية، ولتحقيق ذلك بث الوعي بين العباد بأسلوبين:
١ ــ أسلوب الترغيب والبشارة، تضمنه قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ففي سلوك هذا
стр. 51
المنهج ترغيب في الجنة ونعيمها، وبشارة بالنجاة، وبمصاحبة الذين أنعم الله عليهم، وهم الأنبياء والرسل، والصديقون والشهداء والصالحون.
٢ ــ أسلوب التحذير والترهيب، تضمنه قول الله : ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فالتعبير بالغضب والضلال هو من أبلغ العبارات في الزجر والتخويف، ومن وقع في الضلال فقد خاب وخسر.
المقصد العاشر:
تشخيص الداء، وتحديد الدواء: قد تشخص الداء من خلال قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وأنه لم ينلهم الغضب إلا بسبب كفرهم وعنادهم وعدم استجابتهم لدعوة الحق وقد لازم غضب الله اليهود لعنادهم وجحودهم.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ تشخيص لداء اتّباع الهوى، وأنه يزلُّ بصاحبه عن المحجة، فيكون في سُبُل تعصف به ولا يستقر به قرار (١)، ومن هنا لازم
стр. 52
الضلال النصارى لتحكيمهم أهواء أحبارهم ورهبانهم، وبذلك اتخذوهم أربابا (١)، من دون الله.
وقد حدد الدواء في: الهداية وأركانها التي أسلفنا الكلام عليها، وهي: معرفة المعبود، ومعرفة المتبوع، ومعرفة المنهج، ثم الاستقامة على ذلك.
ومن ذلك نعلم أن صلاح القلوب لا يكون إلا بترسيخ العقيدة الصحيحة، وتحديد مسار العبد وفق ما تضمنته سورة الفاتحة.
النظرة الثانية عشرة
وجوب قراءتها في كل ركعة:
قال أبو عمر بن عبد البر ﵀: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (٢)، وأنه قال: (من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام) (٣)، فأي بيان أوضح من هذا.
وهذا ما ذهب إليه الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وداوود بن علي الظاهري، وجمهور أهل العلم قالوا: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب.
стр. 53
قال ابن خويز منداد المالكي البصري: وهي عندنا متعينة في كل ركعة، قال: ولم يختلف قول مالك فيمن نسيها في ركعة، من صلاة ركعتين أن صلاته تبطل (١)، ونقل هذا القول القرطبي ﵀ في تفسيره (٢) ونقل عن ابن عبد البر قوله: الصحيح من القول إلغاء تلك الركعة ــ يعني الركعة التي لم يقرأ فيها بالفاتحة ــ ويأتي بركعة بدلا منها كمن أسقط سجدة سهوا (٣).
وقال القرطبي ﵀: الصحيح من هذه الأقوال قول الشافعي، وأحمد، ومالك في القول الآخر، وأن الفاتحة متعينة في كل ركعة لكل أحد على العموم، لقوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرا بفاتحة الكتاب) (٤)، وقوله: (من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج) (٥) ثلاثا، وقال أبو هريرة ﵁: أمرني رسول الله ﷺ ، أن أنادي أنه (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد) (٦).
كما لا ينوب سجود ركعة ولا ركوعها عن ركعة أخرى، فكذلك لا تنوب قراءة ركعة عن غيرها، ثم عدّد
стр. 54
جمعا من الصحابة والأئمة قالوا بهذا (١)، وقال: وقد أخرج الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه، ما يرفع الخلاف ويزيل كل احتمال ــ فذكر بسنده ــ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة في فريضة أو غيرها) (٢).
وحيث إن مقصدنا بيان الأصح من أقوال العلماء، وما أيده الدليل، ولزوم الاختصار نكتفي بما ذكرنا، وإلا فالنصوص الدالة على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة كثيرة، سواء في حق المأموم أو المنفرد، ومنها ما ثبت في صحيح الإمام مسلم: أنه ﷺ قال للذي علمه الصلاة: (وافعل ذلك في صلاتك كلها) (٣)، وأخرج أبو داوود ﵀، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري قال: "أبطأ عبادة بن الصامت عن صلاة الصبح، أقام أبو نعيم المؤذن الصلاة، فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة وأنا معه حتى صففنا خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ أم القرآن، فلما انصرفت قلت لعبادة: سمعتك تقرأ بأم القرآن، وأبو نعيم يجهر؟ ، قال: أجل، صلى بنا رسول
стр. 55
الله ﷺ بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة قال: فالتبست عليه القراءة، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه فقال: هل تقرءون إذا جهرت بالقراءة؟ ، فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك، قال: فلا، ــ وأنا أقول: ما لي ينازعني القرآن ــ فلا تقرءوا بشئ من القرآن إذا جهرت إلاّ بأمِّ القرآن" (١)، وقال أبو داود: وهذا أصح، والعمل على هذا الحديث في القراءة خلف الإمام، عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، وهو قول مالك بن أنس، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (٢).
وقال الدارقطني بعد أن أخرج الحديث من طريق محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود: هذا إسناد حسن، وقال بعد أن أخرجه من طريق زيد بن واقد، عن مكحول به: كلهم ثقات ــ يعني رجال إسناده ــ وقال عن محمود بن الربيع الأنصاري: وكان يسكن إيليا (٣)، وعن أبي نعيم: وكان أبو نعيم أول من أذن في بيت المقدس (٤)، واعتقد أنه من كلام الدارقطني وإلا لما حكم على الإسناد بأن رجاله ثقات.
стр. 56
وهذا يرد كلام أبي عمر بن عبد البر في أبي نعيم أنه مجهول (١)، فالذي أراه راجحا ومنصورا دليله بإذن الله تعالى، وجوب القراءة لما أوردنا من نصوص؛ ولأنه أحوط في دين العبد، وأتقى لله تعالى.
ومن أراد العودة إلى أقوال العلماء في هذه المسألة فإن الخلاف فيها على ثلاثة أقوال كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر ﵀ قال: وهذا موضوع اختلفت فيه الآثار، عن النبي ﷺ ، واختلف فيه العلماء، من الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين، على ثلاثة أقوال، ثم قال: منهم قائلون: "لا يقرأ لا فيما أسر ولا فيما جهر" وقال آخرون: "يقرأ معه فيما أسر فيه، ولا يقرأ فيما جهر فيه إلا بأم القرآن، خاصة دون غيرها" والثالث سقط ولم يتنبه المحقق إلى إلحاقه، وهو: "يقرأ فيما أسر الإمام ولا يقرأ فيما جهر" (٢)، وقد ناقش ﵀ الآثار والأقوال وأفاض في ذلك (٣)، وقد أبنّا القول الراجح (٤)، وأن قراءة أم الكتاب في كل ركعة لا تسقط إلا عند العجز عن قراءتها عجزا شرعيا. وبالله التوفيق.
стр. 57
النظرة الثالثة عشرة
جواز الزيادة على الفاتحة من القرآن:
ليعلم القارئ الكريم، أنه لا تجزيء صلاة من يحسن فاتحة الكتاب إلا بها، ولا يجزئ أن ينقص حرفا منها؛ لأن ذلك تحريف وإحالة للمعنى إلي غير المراد منه، فإن لم يقرأها المصلي أو نقص منها حرفا أعاد صلاته، وإن قرأ بغيرها، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى.
وقد أجمع العلماء على أنه لا صلاة إلا بقراءة، وأنه لا توقيت في ذلك بعد الفاتحة، عن النبي ﷺ (١)، ومستند جواز الزيادة في القراءة على الفاتحة حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال للأعرابي: (إقرأ ما تيسر معك من القرآن) (٢)، أي: ما زاد على الفاتحة، وهو تفسير قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٣)، والآية ذاتها ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ولو أراد الفاتحة لما خير لأن قراءتها واجبة، كما في حديث عبادة أيضا:
стр. 58
(لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) (١)، وزاد في رواية (فصاعدا) (٢)، وقوله ﷺ : (هي خداج ــ ثلاثاـ غير تمام) أي غير مجزئة، والخداج النقص والفساد (٣)، والصريح في ذلك أيضا رواية أبي داوود من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر) (٤) وهذا تفسير لمراده ﷺ بقوله للأعرابي: (اقرأ ما تيسر معك من القرآن) قال القرطبي ﵀: والنظر يوجب في النقصان أن لا تجوز معه الصلاة، لأنها صلاة لم تتم، ومن خرج من صلاته وهي لم تتم فعليه إعادتها، كما أمر على حسب حكمها، ومن ادعى أنها تجوز مع إقراره بنقصها فعليه الدليل، ولا سبيل إليه من وجه يلزم، والله أعلم (٥).
стр. 59
النظرة الرابعة عشرة
سقوط قراءتها عن العاجز المتعذر عليه إدراكها:
أوضحنا مكان الفاتحة من الصلاة وأنها روح الصلاة بتمامها تكون الصلاة تامة صحيحة، وبنقصانها تكون الصلاة ناقصة باطلة على ما هو صحيح ومعضّد بالأدلة.
من رحمة الله بعباده أن جعل هذا الدين فيه رحمة ومراعاة لأحوال العباد وقدراتهم الذهنية والبدنية، فمن تعذر عليه القدرة على قراءة الفاتحة، بعد بلوغ لزمه أن يذكر الله في موضع القراءة بما أمكنه من تكبير أو تهليل أو تحميد أو تسبيح أو تمجيد، أو لا حول ولا قوة إلا بالله، إذا صلى وحده أو مع إمام، ومستند هذا القول ما أخرجه أبو داوود من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فعلمني ما يجزئني منه، قال: (قل سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) قال: يا رسول الله، هذا لله، فما لي؟ ، قال: (قل اللهم ارحمني، وارزقني وعافني واهدني) فلما قام قال: هكذا بيده ــ فقال رسول الله ﷺ :
стр. 60
(أما هذا فقد ملأ يديه من الخير) (١)، هذا وعلى المسلم أن يجهد نفسه في تعلم الفاتحة، نصا ودلالة، ولا يقصر في ذلك، لترتب صحة الصلاة، وكمالها على صحة قراءة الفاتحة، فإذا بلغ الجهد وعجز فقد جعل الله له سبيلا إلى الخير كما أسلفنا بيانه.
النظرة الخامسة عشرة
احتواء الفاتحة على علوم القرآن:
تنافس العلماء ﵏ في كشف ما تضمنته الفاتحة من العلوم، وذكروا فوائدها ونفائسها، عشرة آلاف مسألة، فاستبعد هذا بعض الحساد، وقوم من أهل الجهل والغي والعناد ... الخ (٢).
ولا ريب أن الفاتحة تضمنت ما ورد في القرآن الكريم من علوم وهي مرتّبة كما يلي:
أولاً: علم توحيد الربوبية الذي نبه عليه رب العزة والجلال بالثناء على نفسه بأكمل الحمد وأوفاه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فكأن قائلا تساءل فقال: من هو؟ ، فقال تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فذكر كل
стр. 61
الأوصاف والنعوت الجميلة الموجبة للإقبال عليه تعالى إقبالا كليا مضمنة قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقد جاء في الكتاب العزيز ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (١)، ولا يحصل العلم بأنه تعالى رب العالمين إلا بمعرفة معنى ﴿رَبِّ﴾ ومعرفة المراد (بالعالمين) (٢)، وهذا تقرير توحيد الربوبية الشاملة لكل مخلوق (فالعالمين) شامل لجميع المخلوقات، خلافا لمن قصره على (الناس) فهو تعالى رب الناس، يعلم دقائق خلقهم وما يصلحهم في الدنيا والآخرة، كما هو رب هذا العالم الكبير، من الجواهر والأعراض يعلم دقائق خلقها، وما يصلحها ويدبر أمرها (فالعالمين) مفردها عالم، وقيل: العالم جمع لا واحد له من لفظه، فكما أن الجمع المعروف يستغرق آحاد أفراده، كما في مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) أي كل محسن كذلك العالم يشمل أفراد الجنس المسمى به، وإن لم يطلق عليها فيتناول اللفظ (العالمين) كل
стр. 62
واحد من آحاد الأجناس التي لا تكاد تحصى، وجمع بالواو والنون؛ تغليبا للعقلاء، وقد روي عن وهب بن منبه أنه قال: لله تعالى ثمانية عشر ألف عالم والدنيا عالم منها (١) فاستفدنا من صيغة الجمع والتعريف أمرين:
١ ــ أن ذلك الجنس تحته أنواع مختلفة.
٢ ــ أنه مستغرق لجميع ما تحته منها (٢).
قلت: ما روي عن وهب إن صح وثبت فهو بحسب ما ظهر للإنسان، وليس المراد به الحصر والاستقصاء، فخلق الله لا يحيط به مخلوق ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
ثانياً: علم توحيد الأسماء والصفات المضمن قول الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾.
ثالثاً: علم توحيد الألوهية وهو توحيد العبادة الذي بعث الله الرسل للدعوة إليه المضمن قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ
стр. 63
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقول الله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
رابعاً: علم الأحكام الشرعية، الأمر والنهي، الحلال والحرام، المضمن قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ المرتب عليه الوعد والوعيد، المضمن قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
خامساً: علم الأخبار وقصص الأمم السابقة، والقرون الأولى، المضمن قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
стр. 64
هذا ما تلخص لنا من النظر في أقوال العلماء (١)، رحمهم الله تعالى.
النظرة السادسة عشرة
ما في الفاتحة من العلوم الأخرى:
لا غرابة أن تتضمن الفاتحة علوما عن الكون والمخلوقات وما أودع الله ﷻ فيها من حكم وأسرار، لأن الفاتحة مفتتح الكتاب العزيز، وكتاب الله هو الدين القيم، كيف لا وفي القرآن الكريم ما يربو على (٧٥٠) آية من آيات الأحكام، المتعلق منها بعلم الفقه قد لا تزيد آياته عن (١، ٥٠) آية، مع ما صح عن عبد الله ورسوله نبينا محمد ﷺ من الأحاديث، ففي الكتاب والسنة علم الدنيا والآخرة، لذلك تضمنت الفاتحة الإشارة إلى ما في الكون من عوالم ومخلوفات، وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقد حوى هذه المخلوفات مكانان: علوي وسفلي، وفي كل منهما من المخلوقات، والكائنات الحية وغيرها، ما لا يعلمه ويقوم على تدبيره إلا الله ، هو الخالق المدبر وحده لا شريك له، ومن هذه المخلوقات الإنسان
стр. 65
الذي اختاره الله للتكليف وعمارة الأرض، وامتن الله عليه بالربوبية، إذ تبدأ رعاية الله له منذ اللحظة الأولى لبداية الخلق من البويضة والحيوان المنوي، إلى أن يكمل خلقه ويكون إنسانا قويا، وهذه رعاية خاصة بتكوين الجسد وحياته، ثم تليها الرعاية الروحية والفكرية، المقرون بها الثواب والعقاب، فالعاقل يجب أن يعتبر ذات نفسه، وذلك لأنه مؤلف من نفس وبدن، ولا شك أن أدون الجزأين وأقلهما فضيلة ومنفعة هو البدن، ثم إن أصحاب التشريح وجدوا قريبا من (٥٠٠٠) نوع (١) من المنافع والمصالح التي دبّرها الله بحكمته في تخليق بدن الإنسان، ومن وقف على هذه الأصناف المذكورة في كتب التشريح، عرف أن نسبة هذا القدر المعروف المذكور إلى ما لم يعلم وما لم يذكر كالقطرة من البحر المحيط، ثم إذا توسع الإنسان في النظر وتأمل ما قيل عن العالم العلوي، وما فيه من الأجرام السماوية والكواكب السيارة، وأجرام النيرات من الثوابت وما بينهما من البعد والمسافات ما لا يعلمه إلا الله ، ونظر علميا فيما استطاع كشف حقيقته وبعض خباياه، بإجراء بعض الحسابات، مثل قولهم: إن السنة الضوئية هي عبارة عن مقدار ما يقطعه ضوء الشمس في سنة
стр. 66
بسرعة (١٨٦) ألف ميل في الثانية، وهذا مقياس المسفات بين المخلوقات السماوية "العالم العلوي".
وكذلك إذا أمعن النظر في العالم السفلي، وما لاح فيه من آثار حكم الله ﷻ في تخليق الأمهات، والمولدات من الجمادات، والنباتات، وجميع الكائنات الحية، وأصناف أقسامها وأحوالها، علم أن هذه الأنواع لا قدرة للبشر على حصرها، ولا كشف منتهى ما فيها من حكمته سيحانه، وأسرار الخلق والابداع الذي أجراه جلّت قدرته، قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١)، وعلم أن قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مشتمل على ألف ألف مسألة، أو أقل أو أكثر، هذا قول الرازي"مليون مسألة".
وأقول: بل على مسائل لا يعلم حصرها إلا الله ، ويتبين للناظر أن قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيه لفت نظر إلى كل ما ورد ذكره في القرآن الكريم، ولا نريد الإطالة بسرد الآيات الواردة في
стр. 67
التسخير، فهي كثيرة كلها تدل على أن ما في هذا الكون مسخّر للإنسان، للبحث والنظر والاستدلال، وأخذ العبر من نتائجها، وكذلك الآيات الآمرة بالتفكر في آيات الله ومخلوقاته عديدة في كتاب الله ، منها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١)، ويدل على النظر في العالم العلوي قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٣)، وقول الله
стр. 68
سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١)، ومما يدل على النظر في العالم السفلي، قوله في الآية السابقة: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢)، وأيضا قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣)، وكذلك قول الله : ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ
стр. 69
السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، وصدق الله ... ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢)، نلاحظ المكتشفات العلمية في هذا العصر من خلال البحث في خلق الإنسان، وغزو الفضاء بالمراصد لكشف ما فيه من عجائب صنع الله ، ومع ذلك لم يؤد ذلك إلى إيمان أولئك الذين مكنهم الله من كشف بعض من عظيم خلقه سبحانه، ومع ذلك ما آمن منهم إلا قليل، ومما ترشد إليه هذه الآيات ــ التي هي غيض من فيض في كتاب الله ــ نعلم أن
стр. 70
المسؤلية التي حمّلها الله الأمة الإسلامية كبيرة جدا، وأن عليهم النظر والكشف عما أمر به القرآن الكريم أمة محمد ﷺ ، ولم يكن امتنان الله على عباده بتعليم داود ﵇ صنعة لبوس إلا ليرشد عباده الصالحين في كل زمان ومكان إلى وجوب العمل الجاد، واتخاذ الأسباب الكافية ليكونوا أقوياء أعزاء، من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، ولا تكون عالية قوية إلا بقوة حراسها والحاملين لواءها، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (١)، إنها صناعة الدروع علمها داود ﵇ لما فيها من الحماية والتحصين من بأس ما يقابلها من الأسلحة، ولأهمية هذا النوع امتن الله على داود بقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (٢)، حيث جعله الله في يديه كالعجين يصنع منه ما يريد من غير مشقة ولا تعب، فلم يكن عبثا أبدا أن يمتنّ الله على أنبيائه ورسله بما علمهم، وبما منحهم من أسباب القوة والمنعة، وقد
стр. 71
كان نوح ﵇ نجارا (١)، إن في هذه وغيرها تنويها إلى ضرورة أن يشتغل المسلمون بأسباب قوتهم ونصرهم، والأنبياء والرسل كلهم مسلمون بنص القرآن الكريم، فما ورد في حق أي نبي من أسباب النصر والتمكين في الأرض، هو وارد في حق غيره من الأنبياء ولا ريب، من نوح ﵇ إلى نبينا محمد ﷺ ، فعباد الله المسلمون مأمورون بإعداد القوة، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٢)، فأمر الله تعالى بالإعداد وهو بذل جميع الوسائل الممكنة، للحصول على أكبر قوة في الأرض، بدليل تنكير كلمة ﴿قُوَّةٍ﴾ فإنها لم ترد معرّفة حتى لا تكون قاصرة، فكان التنكير غاية مقصودة وهي الحصول على أي قوة ممكنة على وجه الأرض، وما عمل داود إلا إشارة إلى عمل كل ما فيه دفع لشر السلاح، بجميع أنواعه وأشكاله، وما عمل نوح إلا إشارة إلى ضرورة خوض لجج البحار والمحيطات بقوة عظيمة، صالحة للاستخدام سلما وحربا، ولا نريد التوسع في هذا الأمر فإنه طويل جدا، لكننا نقول: إن ما فيه المسلمون اليوم من البلاء والفرقة والضعف، سببه عدم الوعي لما في الكتاب والسنة من العلم والتوجيه،
стр. 72
فقد فرّط القادة والشعوب في أسباب عز المسلمين، إنني لا ألوم دولة إسلامية بعينها، بل جميع الدول الإسلامية فرّطت في كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ ، واشتغلت بالتناحر والتدابر، وقطع الصلاة ونبذ العمل المشترك وفق الكتاب والسنة، وليس هذا الأمر قريب عهد، بل من أمد بعيد، واليوم إذا ما حدث لبلد إسلامي مكروه، فمن أخذته الحمية من المسلمين اكتفى بالشجب والاستنكار، والاستجارة من الرمضاء بالنار، فيستجيرون من اليهود والنصارى باليهود والنصارى، وربما بررت بعض الدول لعدوان المعتدي، إنها كارثة في حق أمة محمد ﷺ ، الذي وحدّ أمته على كتاب الله وسنته ﷺ ، إن العودة إلى الله ورسوله واجبة، ولا فلاح للأمة بدونها، وإن أقلّ ما يجب عمله في هذا العصر أن تقوم الدول الإسلامية، وتلتف حول ميثاق إسلامي، منه ينبثق بناء القوة الإسلامية الموحدة، قوة رادعة وفق ما يقضي به الكتاب والسنة، تكون مرجعا وحيدا بعد الله للأمة الإسلامية، الأمة الإسلامية الواحدة، بدلا من الأمم المتحدة الظالمة، التي لا تعرف إلا حقوق اليهود والنصارى، إن فرصة المسلمين لبناء قوة إسلامية مؤاتية، ولا يزال الأمل قائما وقويا، وإذا لم تكن للمسلمين قوة تردع الأعداء، فإنهم الغثاء الذي أخبر عنه الرسول ﷺ (١)، وحينها يصدق على كل دولة إسلامية على
стр. 73
وجه الأرض المثل الذي يقول: "أكلت يوم أكل الثور الأسود" وإذا ما تنبه المسلمون وعادوا لبناء قوتهم وفق ما تقضي به شريعة الإسلام، وفي إطار إتحاد إسلامي، تصدر فيه عملة موحدة لبناء القوة الإسلامية الرادعة، كما فعلت الدول الأوروبية، أنشأت "الاتحاد النقدي للصناعات" تحت عملة موحدة لهذا الغرض (اليورو).
وإذا كنا أطلنا النفس في هذا فلأنه من أهم المهمات، لإنقاذ المسلمين مما هم فيه من الذل والهوان.
ومما أرشدت إليه الفاتحة من خلال قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ النظر إلى ما في العالم السفلي من عوالم ومخلوقات منها مثلا (١):
عالم النبات:
له علم تعرف به صنوفه وأنواعه، واختلاف أشكاله وألوانه، وطعومه وروائحه، وأوراقه وأزهاره، وثماره وحبوبه، وبذوره وصموغه، ولحاؤه وبنية تكوينه، وتربيته لما يخرج منه، كل ذلك في علوم أمر المسلمون بالنظر والكشف عنها والاستفادة مما فيها، بعد الإيمان بأن ذلك تقدير العزيز الحكيم.
عالم الحيوان:
стр. 74
له علم تعرف به أشكاله وأنواعه وصنوفه المختلفة، وأجناسه مما يسكن البر منه، وما في الهواء والبحر، وما يتعلق بتزاوجها وتوالدها، ومستقرها ومستودعها، وما يتبع ذلك من علوم طب وتشريح.
علم التشريح:
علم يعرف به بالدرجة الأولى عظم ربوبية الله لجميع المخلوقات، ومنها الإنسان الذي أودع فيه ربه (٢٤٨) عضوا، و (٣٦٠) مفصلا، أوجد لها من الأوردة والشرايين والأعصاب ما لا يعلمه إلا هو سبحانه، وزودها بالدورة الدموية، والتنفسية، والغذائية، والدائرة العقلية، والحواس الخمس، وما في الدماغ من قوى، كل ذلك مندرج تحت قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (١).
стр. 75
النظرة السابعة عشرة
المنهج التربوي في سورة الفاتحة:
لقد تضمنت سورة الفاتحة جوانب تربوية عظيمة منها:
١ ــ الجانب العلمي المعرفي النظري:
يتمثل ذلك في معرفة المدعو إلى عبادته وحده لا شريك له، وهو الله فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عرّف العباد أن الله هو المختص بالحمد على وجه الكمال، فوجب على كل مسلم أن يعي هذا، وينطلق في تربية نفسه ومن ولاه الله أمرهم من مبدأ أن الله تعالى رب العالمين، الذي أوجدهم ورعاهم وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، ولذلك تضمن اسمه الكريم ﴿رَبِّ﴾ ثلاثة أمور:
الرب بمعنى المعبود، والرب بمعنى المربي والمنعم، والرب بمعنى المالك المتصرف.
٢ ــ الجانب العملي التطبيقي:
ويتمثل في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
إن المسلم إذا تقرر لديه الجانب النظري، بادر إلى الجانب العملي فإن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، فتكون عبادته خالصةً لله ، وتوكله عليه وحده، واستعانتة به سبحانه في كل شؤونه، ولا معارضة فيما يحصل بين المسلمين من تعاون فإنه من