← История

История · id 132392

النظرات الوقادة في خروج الحسين بن علي رضي الله عنه واستشهاده

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (82 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

النظرات الوقادة في خروج الحسين بن علي ﵁ الى الكوفه واستشهاده تأليف الدكتور/مرزوق بن هياس ال مرزوق الزهراني

стр. 2

المحتوى المقدمة النظرة الأولى النظرة الثانية النظرة الثالثة النظرة الرابعة النظرة الخامسة النظرة السادسة النظرة السابعة النظرة الثامنة النظرة التاسعة النظرة العاشرة النظرة الحادية عشرة النظرة الثانية عشرة

стр. 3

النظرة الثالثة عشرة النظرة الرابعة عشرة النظرة الخامسة عشرة النظرة السادسة عشرة النظرة السابعة عشرة النظرة الثامنة عشرة

стр. 4

المقدمة الحمد الله العظيم المنان، خالق الإنسان، ومدبر الأكوان، له الملك وله والحمد، وهو على كل شيء قدير، أو ضح لعباده طريق الحق والهدى، وحذرهم من الشر والردى، فقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) وصلى الله على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا، محمد بن عبد الله القائل «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنهما إلا هالك» (٢)، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطاهرين الحنفاء، وأصحابه الطيبين النجباء، وعلى تابعيهم الأئمة والعلماء، صلى الله عليهم أجمعين إلى يوم الدين، عدد خلقه وزنة عرشه ومداد كلماته ورضا نفسه. أما بعد: فإن الباعث على هذه النظرات وتدوينها ما شاهدت

стр. 5

وسمعت عبر الفضائيات، من رفع شعار الدعوة إلى الأخذ بثأر الحسين ﵁، وإقامة مجالس عزاء، بالإضافة إلى ما يكون في العاشر من صفر من كل عام، وما أشبه الليلة بالبارحة، بالأمس البعيد يقول الخوارج: لا حكم إلا لله، فيقول الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁: كلمة حق أريد بها باطل، واليوم يرفع الشيعة شعار الأخذ بثأر الحسين ﵁، وإقامة مجالس عزاء، وهو كذلك كلمة حق أريد بها باطل، هي حق إن سيأخذون الثأر من أنفسهم، فآباؤهم الأقدمون هم قتلة الحسين، على الأقل بالسببية لا بالمباشرة، أغروه واستقدموه إلى الكوفة، وأسلموه للموت، ولو جرت الأرض أنهارا بدموعهم، ما كفر عن قطرة من دم الحسين ﵁، فضلا عن دماء من قتل معه، والباطل جملة وتفصيلا أن يريدوا الأخذ بثأر الحسين من الأبرياء من دمه، ولله الأمر فإن ربي فعال لما يريد، اصطفى من خلقه ما شاء، وأرسل إلينا سيد الأنبياء، وجعلنا خير أمة أخرجت للناس، بلغنا نبينا الرسالة، ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، أوصانا بكتاب ربنا وسنة نبينا فقال: «إني قد خلفت فيكم

стр. 6

ما لن تضلوا بعدهما ما أخذتم بهما، أو عملتم بهما: كتاب الله وسنتي» (١)، وجعل الأيام دولا بين عباده ليحق الحق ويبطل الباطل فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٢) ويستمر الصراع بين الحق والباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولم يكن هذا الأمر قاصرا على العهد بعد النبوة المحمدية على صاحبها أتم الصلاة وأكمل التسليم، بل عهد النبوة لقي من الأعداء ما ابتلى به الله سيد الخلق نبينا محمد ﷺ ن وأصحابه ﵁، وكان رأس المنافقين عبد الله بن أبي مثير كل فتنة وشقاق ضد الإسلام وأهله، فلا غرو أن يخرج بعد ذلك في عهد الخلافة الراشدة، وما بعدها من يعادي الإسلام وأهله، أو يخالف غيره لأمر رآه يخدش الإسلام، أو يجتهد في الوصول إلى حق يراه فيخطئ في الاجتهاد أو غير ذلك من الدوافع، ومن الأحداث التي انقسم المسلمون بسببها

стр. 7

وأثرت تأثيرا كبيرا في حياة المسلمين، ولاسيما في العقيدة، التي يجب أن لا تستقى إلا من الكتاب والسنة، ومما ترك عليه رسول الله ﷺ الأمة بعد أن قال الله تعالى له: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) فلا تستقى من الأحداث الحياتية، وما يعتريها من أسباب ودوافع، ولكن لله في خلقه شئون، ومن ذلك أن يصب عليهم البلاء بأصنافه في هذه الحياة ليختبر صبرهم وثباتهم على الحق وصدق إيمانهم، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (٢) وجعل نهار الحق أبلجا، وليل الباطل مظلما لجلجا، فسبحان من بيده مقاليد الأمور، وهو على كل شيء قدير.

стр. 8

ولقد كان لخروج الحسين بن علي ﵁ من مكة إلى الكوفة أثرا كبيرا في حياة المسلمين، تردد ذلك بين السلب والإيجاب، وبنيت عليه مواقف سياسية وعقدية واجتماعية، وافترق الناس إلى محب لما حدث وكاره، فرأيت أن استقي من التاريخ ما أراه موافقا للحق، ليكون بين يدي الساعين إلى معرفة الصواب في الأمر، ولاسيما ما يترتب على ذلك من الولاء والبراء، وذلك في نظرات مركزة باحثة عن الحق دون سواه، فالله أسأل الهداية والتوفيق، وهو حسبنا ونعم الرفيق. النظرة الأولى ترجمة مختصرة للحسين ﵁ -: اسمه الحسين، ونسبه زكي معروف والده الخليفة الراشد: علي بن أبي طالب ﵁، أمه فاطمة ﵂ بنت رسول الله نبينا محمد ﵁، سيدة نساء العالمين في الدنيا والآخرة، فقد زكى الحسين وعلا حسا ومعنى ﵁. ولادته: هو أصغر من أخيه الحسن ﵁، ولد بعده بسنة

стр. 9

وعشرة أشهر، لخمس سنين وستة أشهر من الهجرة (١). مكانته: في الدنيا: هو الصحابي ﵁، الزكي الطاهر نفسا ونسبا، حسا ومعنى، كان فاضلاً ديناً، كثير الصيام والصلاة والحج (٢). وفي الآخرة: من أهل الجنة، وهو مع أخيه الحسن ﵄ سيدا شباب أهل الجنة، شهد بذلك لهما من لا ينطق عن الهوى جدهما نبينا محمد ﷺ حين قال: ... «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» (٣) وفضائله مدونة بكمالها في كتب أهل السنة كافة، ولله الحمد والمنة. زواجه: للحسين ﵁ زوجات حرائر وإماء ومنهن: الرباب بنت امرئ القيس تزوجها الحسين بن علي رضي الله

стр. 10

عنهما، فولدت له سكينة، وكان يحبها حباً شديداً، ويقول: لعمرك إنني لأحب دارا ... تحل بها سكينة والرباب أحبهما وأبذل جل مالي ... وليس لعاتب عندي عتاب وكانت الرباب معه يوم الطف، فرجعت إلى المدينة مصابة مع من رجع، فخطبها الأشراف من قريش، فقالت: والله لا يكون حمو آخر بعد رسول الله ﷺ ، فعاشت بعد الحسين ﵁ سنة لم يظلها سقف، فبليت وماتت كمداً (١). وتزوج الحسين ﵁ ابنة يزدجرد بن شهريار دخل عليهما أبوه علي ﵁ بالتهنئة، فسأل عن اسمها؟ فقيل: اسمها كيهان بانوية، فقال: وما معناه؟ قيل: سيدة الدنيا والآخرة فقال علي ﵁: سيدة الدنيا والآخرة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، فسموها سيدة البلد، فسماها الناس شهر بانوية (٢).

стр. 11

أولاده: له أولاد وبنات ومنهم: علي الأكبر، وعلي الأصغر استصغر فلم يقتل، وقتل علي الأكبر، وقتل أبو بكر بن الحسين بن علي بن أبي طالب وأمه أم ولد، قتله عبد الله بن عقبة الغنوي (١)، وعمر بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٢)، حفيد ابنه محمد بن القاسم بن علي بن عمر خرج بالطالقان من خراسان يدعو إلى الرضا من آل محمد (٣)، وعبد الله بن الحسين، شقيق سكينة (٤). وفاطمة بنت الحسين قالت: يا يزيد بنات رسول الله أسارى عندكم وسبايا، فبكى يزيد واشتد بكاؤه، وارتفع العويل والصياح، وبكت النسوان والجواري تحت أستار يزيد (٥).

стр. 12

وسكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄، لها أخبار مشهورة، وقد وردت عن أبيها (١)، واسمها: أميمة ويقال: أمينة، ويقال: آمنة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، قدمت دمشق مع أهل بيتها بعد قتل أبيها، ثم خرجت إلى المدينة، ويقال إنها عادت إلى دمشق بعد ذلك وإن قبرها بها (٢)، وذكر الذهبي أنها ماتت بالمدينة، في ربيع الأول، سنة سبع عشرة ومائة (٣). زينب بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، قدمت دمشق مع عيال أبيها بعد قتله (٤). أم عبد الله بنت الحسين بن علي، وهي أم محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو جعفر الباقر، وهو تابعي جليل كبير القدر كثيرا، أحد أعلام هذه

стр. 13

الأمة، علما وعملا وسيادة وشرفا، وهو أحد من تدّعى فيه طائفة الشيعة أنه أحد الأئمة الاثني عشر، ولم يكن الرجل على طريقهم، ولا على منوالهم، ولا يدين بما وقع في أذهانهم، وأوهامهم وخيالهم، بل كان ممن يقدم أبا بكر وعمر، وذلك عنده صحيح في الأثر، وقال: ما أدركت أحدا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما، ﵄، وقد روى عن غير واحد من الصحابة، وحدث عنه جماعة من كبار التابعين وغيرهم (١). الحالة السياسية: لم نقف على نشاط سياسي للحسين بن علي بن أبي طالب ﵄، لا في حياة أبيه، ولا في عهد أخيه ﵃، إلا ما كان من أمر دفاعه عن عثمان ﵁ ولا في عهد معاوية ﵁ ولم يظهر نشاطه السياسي إلا بعد وفاة معاوية ﵁، وكان سبب توجهه إلى السياسة عدم قناعته بمخالفة معاوية ﵁ ما كان علية الأمر في عهد الخلفاء الراشدين ﵃ من العمل

стр. 14

بالشورى في أمر ولاية الأمة، فقد ورَّث معاوية ابنه يزيد الحكم، ليتحول من الشورى في الخلافة إلى الملك المتوارث، وهذا ما أخبر به الرسول ﷺ حيث قال: «أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك أعفر، ثم ملك وجبروت، يستحل فيها الخمر، والحرير» (١). وفاته: قتل ﵁ يوم الجمعة لعشر خلت من المحرم يوم عاشوراء سنة إحدى وستين (١٠/ ١/٦١ هـ) بموضع يقال له: كربلاء (٢) من

стр. 15

أرض العراق بناحية الكوفة، ويعرف الموضع أيضاً بالطف (١)، تشاءم منها الحسين ﵁ حين رأى قرية فسأل عنها، فقيل: العقر، فقال: نعوذ بالله من العقر، ولما قيل له: هذه كربلاء، قال: كرٌّ وبلاء.

стр. 16

النظرة الثانية معارضة الحسين ﵁ ولاية يزيد: إن توجه الحسين بن علي ﵄ إلى العمل السياسي له موردان: المورد الأول يتمثل في أمرين: ١ ـ عدم قناعته بولاية يزيد بن معاوية، لخروجها عن خط الشورى، فقد خالف معاوية ﵁ قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١) فأهمل هذا المبدأ الشرعي وهو عظيم الفائدة ولاسيما في أمر الولاية على الأمة، ولأهمية هذا الأمر في حياة الأمة المحمدية لم يعف منه رسول الله ﷺ وهو المعصوم فقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ

стр. 17

لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١) كما خالف النهج الذي سار عليه الثلاثة من الخلفاء الراشدين، المتفق مع هذا النص القرآني الكريم، ولكنه أقدم على تولية ابنه يزيد وراثة، وهو ما أشار إلى حدوثه رسول الله ﷺ بقوله: «أَوَّلُ دِينِكُمْ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ أَعْفَرُ، ثُمَّ مُلْكٌ وَجَبَرُوتٌ يُسْتَحَلُّ فِيهَا الْخَمْرُ وَالْحَرِيرُ» (٢) فكان التحول من منهج الخلافة بالشورى، إلى الملك فقد مَلَك معاوية، وورثه لابنه يزيد، من هنا كان الحق مع الحسين ﵁ في عدم استحقاق يزيد ولاية الأمة. ٢ ـ عدم أهلية يزيد لذلك لا من حيث العلم ولا من حيث الاستقامة والعدل، فغيره من الصحابة ومن أبنائهم من هو أفضل منه، وهذان الأمران لم يخالف فيه أحد من الصحابة

стр. 18

والتابعين حسينا ﵁. المورد الثاني ويتمثل في ثلاثة أمور: ١ ـ ما وقع فيه يزيد من أمور تعد فسقا لا يرضاه الصحابة والتابعون من رجل عادي، فالأحرى عدم الرضا به من إمام يقود الأمة المسلمة. ٢ ـ كره أهل الكوفة لمعاوية وابنه يزيد، فقد أظهروا للحسين ﵁ عدم ولائهم ليزيد، ومنَّوا الحسين بالبيعة، وكاتبوه على ذلك، ووعدوه إن خرج إليهم لينصرونه على يزيد نصرا مؤزرا. ٣ ـ تأكيد مبعوث الحسين الخاص: مسلم بن عقيل بن أبي طالب ولاء الناس له بالكوفة، وطلب قدومه إليهم، لهذه الأمور رأى الحسين ﵁ أن الخروج على يزيد لازما، ولاسيما مع الفرق الشاسع بين الرجلين، فأهلية الحسين للإمامة كاملة من كل وجه، ولا مقارنة بينه وبين يزيد. والصحابة ﵃ والتابعون ﵏ لم يخالفوا حسينا في هذه الأمور، ولكنهم خالفوه في غيرها.

стр. 19

النظرة الثالثة تأييد بعض الصحابة للحسين ﵁ -: أجمع الصحابة على مناصحة الحسين ﵁، ولم يخالفوه في عدم صلاحية يزيد للولاية من كل وجه، ولكن خالفوه في أمور كان يجب عليه أن يدقق النظر فيها، وأن يستخلص منها العبر المفيدة، وعليها يبني خطة المواجهة، بحسابات دقيقة ومدروسة فالتوكل والثقة بالله أمر مطلوب في كل حال، ولكن مع عدم إغفال قول رسول الله ﷺ : «أعقلها وتوكل» (١) والأهلية وحدها لا تكفي، بل لابد من الشوكة، فكان يجب التالي: ١ ـ النظر في تاريخ الأنصار لاستخلاص قوة أو ضعف الولاء حين اشتداد البأس، وذلك أن الذين كاتبوه وطالبوا بخروجه إليهم ليبايعوه هم الذي قتلوا أباه الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁، وطعنوا أخاه الحسن ﵁، وهنا علامة استفهام كبيرة جدا حول الصدق في الولاء، وذلك أن الأنصار بعد الله هم الأُس المهم في إظهار الحق وقمع الباطل.

стр. 20

٢ ـ النظر في قول عبد الله بن عباس ﵄: يا ابن عم إني أتصبَّر ولا اصبر، وإني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك، إن أهل العراق قوم غدر، فلا تغترنَّ بهم، أقم في هذا البلد حتى ينفي أهل العراق عدوهم، ثم أقدم عليهم، وإلا فسر إلى اليمن فإن به حصوناً وشعاباً، ولأبيك به شيعة، وكن عن الناس بمعزل، واكتب إليهم وبث دعاتك فيهم، فإني أرجو إذا فعلت ذلك أن يكون ما تحب (١). إن دراسة هذا القول مهمة جدا لما يريد الحسين ﵁ الإقدام عليه، وما للحسين أن يتجاوزه بقوله ﵁: يا ابن عم! والله إني لأعلم أنك ناصح شفيق، ولكني قد أزمعت المسير (٢). بهذه السرعة انتهى الموقف، وكان له ﵁ في الأمر أناة، وهو شديد الحاجة إليها. ٣ ـ كان يجب مراجعة القرار عندما أعاد عبد الله بن عباس ﵄ بصيغة أخرى تستحق التفكير فيها وإعطاءها

стр. 21

حقها من الدراسة والنظر، قال ابن عباس للحسين ﵃: أخبرني إن كان وعدوك بعد ما قتلوا أميرهم، ونفوا عدوهم، وضبطوا بلادهم فسر إليهم، وإن كان أميرهم حي وهو مقيم عليهم قاهر لهم، وعماله تجبي بلادهم، فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال، ولا آمن عليك أن يستفزوا عليك الناس، ويقلبوا قلوبهم عليك، فيكون الذي دعوك أشد الناس عليك (١). وهي لفتة دقيقة لم يصغ لها الحسين ﵁ وكانت عقلانية صرفة، لا علاقة لها بالعاطفة والخوف على الحسين، وفيها إشارة إلى قوة يزيد وضعف من يريد الخروج عليه، وكان ابن عباس ﵄ أمينا ناصحا ذكيا، فلم يكن عالما بتأويل القرآن فحسب، بل أوتي من الفقه والعلم بمجريات الأحداث ما جعله يتكلم بنظر ثاقب، ورؤية دقيقة وحكمة بالغة، ولذلك ناظر الخوارج فأقام عليهم الحجة، ورجع منهم أربعة آلاف (٢)، ولو قدر للحسين ﵁ أن يأخذ بهذه النصيحة

стр. 22

لتغير مجرى الأحداث فيما بين السنة والشيعة بشأن الحسين ﵁، ولكن نفذ القدر، فسبق السيف العذل. ٤ ـ إن استغلال تأمين والي يزيد للحسين ﵁ فرصة تتيح للحسين ﵁ اختبار القوم الذين وعدوه النصر على ضوء ما قال ابن عباس ﵄، فقد ساور الشك عبد الله بن جعفر ﵁ فظن أن سبب خروج الحسين الخوف من والي يزيد، عمرو بن سعيد بن العاص، فذهب إلى عمرو بن سعيد بن العاص وطلب منه أن يكتب كتاباً إلى الحسين ﵁ يؤمنه فيه ويعده بالخير، وكان رد عمرو بن سعيد أن قال لعبد الله بن جعفر ﵁: اكتب ما شئت وائت به أختمه. فكتب عبد الله بن جعفر: بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي، أما بعد، فإني أسأل الله أن يصرفك عما يبوقك، وأن يهديك لما يرشدك، بلغني أنك قد توجهت إلى العراق، وإني أعيذك بالله من الشقاق، فإني أخاف عليك فيه الهلاك، وقد بعثت إليك عبد الله بن جعفر، ويحي بن سعيد، فأقبل إليّ معهما، فإن لك عندي الأمان والبر والصلة وحسن الجوار

стр. 23

لك، والله بذلك شهيد وكفيل، ومراع ووكيل، والسلام عليك (١). النظرة الرابعة الصحابة ﵃ لا يرون الخروج: والخروج نريد به هنا أمرين: ١ ـ الخروج على يزيد وخلع الطاعة وهذا لم يوافق الحسين ﵁ عليه أحد من الصحابة ﵃ إلا عبد الله بن الزبير ﵁. وتقدمت مبررات الحسين ﵁ لهذا الخروج، وإن وافقه على كونها صحيحة لكنها، غير كافية لخلع طاعة يزيد ومحاربته. ٢ ـ خروج الحسين ﵁ من مكة إلى الكوفة، لم يوافقه عليه أحد حتى عبد الله بن الزبير ﵁. أما مبرر الحسين ﵁ لهذا الخروج فإنه قال: لإن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن تستحل بي مكة (٢)، فأصر على

стр. 24

الخروج مؤمنا بالمواجهة مع يزيد، وبادر بالخروج خوفا أن يعاجله يزيد بمن يقتحم عليه مكة فتستباح أرض الحرمين، فظن أن خروجه أقدر له على مواجهة جيش يزيد بعيدا عن الحرمين، ولم تكن نظرة الحسين ﵁ أبعد من هذا. قال ابن خلدون ﵀: ظن الحسين ﵁ القدرة على ذلك، ظنها من نفسه بأهليته وشوكته ـ الموعود بها ـ فأما الأهلية فكانت كما ظن وزيادة، وأما الشوكة فغلط يرحمه الله فيها، لأن عصبية مضر كانت في قريش، وعصبية قريش في عبد مناف، وعصبية عبد مناف إنما كانت في بني أمية، تعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس، ولا ينكرونه وإنما نُسي ذلك أول الإسلام لِمَا شغل الناس من الذهول بالخوارق، وأمر الوحي وتردد الملائكة لنصرة المسلمين، فأغفلوا أمور عوائدهم، وذهبت عصبية الجاهلية ومنازعها ونُسيت، ولم يبق إلا العصبية الطبيعية في الحماية والدفاع، ينتفع بها في إقامة الدين وجهاد المشركين، والدين فيها محكّم والعادة معزولة، حتى إذا انقطع أمر النبوة والخوارق المهولة تراجع الحكم بعض الشيء للعوائد، فعادت العصبية كما كانت ولمن كانت، وأصبحت

стр. 25

مضر أطوع لبني أمية من سواهم بما كان لهم من ذلك قبل (١). وهذا في نظري تحليل جيد لهذه الفقرة، ولذا خاف الصحابة ﵃ والتابعون ﵏ على الحسين ﵁ الهلاك، فكرروا النصح للحسين، واجتهدوا في ثنيه عن مراده لما فيه من خطورة عليه وعلى أهل بيته بالدرجة الأولى، ولمعرفتهم بغدر الشيعة، ولمخالفتهم إياه في قضية الخروج على يزيد ولو كان فاسقا في نظرهم، فإن ابن عم الحسين عبد الله بن جعفر ﵃ توقع له الهلاك في هذا الأمر، وليس هذا من علم الغيب، ولكنه من العلم بغدر القوم فهم عبيد دنيا كما قال أبو بكر، ولم ير عبد الله بن جعفر ﵁ الهلاك قاصرا على الحسين ﵁ بل قد يستأصل أهل بيته، فكتب إليه كتابا أرسل به ابنيه محمد وعون فقال: أما بعد، فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي، فإني مشفق عليك من الوجه التي توجهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك (٢)، وقال ابن جده:

стр. 26

عبد الله بن عباس ﵃: فإن كنت ولا بد سائراً فلا تسر بأولادك ونسائك، فو الله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه (١)، قال أبو واقد الليثي ﵁: بلغني خروج الحسين، فأدركته بملل (٢)، فناشدته الله ألا يخرج، فإنّه يخرج في غير وجه خروج، إنما يقتل نفسه، فقال: لا أرجع (٣). النظرة الخامسة التابعون لا يرون الخروج: أجمع التابعون على نصح الحسين ﵁ بعدم الخروج إلى الكوفة، فقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ﵀ منبها الحسين ﵁ إلى حقيقة غدر الطالبين قدومه فقال: يا ابن

стр. 27

عَمِّ إن الرحم تظأرُني (١) عليك، وما أدري كيف أنا عندك في النصيحة لك؟ قال: يا أبا بكر ما أنت ممن يُستغشُّ ولا يُتَّهمُ، فقل. قال: قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك، وأنت تريد أن تسير إليهم، وهم عبيد الدنيا، فيُقاتلك من قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فأُذكِّرك الله في نفسك. فقال: جزاك الله يا ابن عمِّ خيراً، ومهما يقضي الله من أمر يكن. فقال أبو بكر: إنا لله، عند الله نحتسب أبا عبد الله (٢). وقال سعيد بن المسيب ﵀: لو أن الحسين لم يخرج لكان خيرا له (٣). وقال عبد الله بن مطيع ﵀: إني فداك أبي وأمي! متعنا

стр. 28

بنفسك، ولا تسر إلى العراق، فو الله لئن قتلك هؤلاء القوم، ليتخذنا خولا وعبيدا (١). وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص ﵀: إني أسأل الله أن يلهمك رشدك، وأن يصرفك عمّا يرديك، بلغني أنك قد اعتزمت على شخوص إلى العراق، فإني أعيذك بالله من الشّقاق (٢). وأخيرا لقيه الشاعر الفرزدق بالصّفاح (٣)، فسأله الحسين عمّا وراءه، فلخص له ما سبق أن سمعه من الصحابة والتابعين، فقال: أنت أحب النّاس إلى النّاس، والقضاء في السماء، والسيوف مع بني أمية (٤). وفي خبر آخر أنّه قال: قلت له: يخذلونك، لا تذهب إليهم فلم

стр. 29

يطعني (١)، وفي رواية: فسأله الحسين بن علي عن تصوره لما يقوم به أهل الكوفة حياله، ثم أراد أن يعطي الفرزدق إيضاحاً أكثر وقال: هذه كتبهم معي، فرد عليه الفرزدق: يخذلونك فلا تذهب فإنك تأتي قوماً قلوبهم معك وأيديهم عليك (٢)، فهذا إجماع من الصحابة ﵃ ومن التابعين ﵏ على خطأ الحسين ﵁ فيما اجتهد فيه، وعقد الأمر على تدبير المولى فقال: مهما يقضي الله من أمر يكن، وفعلا كان ما أراد الله ، ومن إرادته تعالى عدم قبول الحسين ﵁ تلك المحاولات الجادة لثنيه عن الخروج إلى الكوفة. النظرة السادسة افتراق الرأي بين الحسين وابن الزبير: افترق رأي المتحالفين: الحسين وعبد الله بن الزبير ﵃، وإن كانا متفقين على عدم مبايعة يزيد، لكنهما اختلفا في الخروج

стр. 30

من مكة إلى الكوفة، وكان السبب عدم قناعة عبد الله بن الزبير بصدق الداعين للخروج، فسابقتهم الغدر بالخليفة الراشد علي بن أبي طالب وابنه الحسن ﵄، قال عبد الله للحسين ﵄: أين تذهب إلى قوم قتلوا أباك، وطعنوا أخاك؟ ! ، فقال له الحسين: لإن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن تستحل بي مكة (١). فكان عبد الله الزبير ﵄ لا يرى الخروج إلى الكوفة، ولعل ذلك لقناعته الشخصية، أو هو مستفاد من نصائح الآخرين، كعبد الله بن عمر وغيره من الصحابة ﵃، ولكن الحسين ﵁ لم يلتفت إلى هذا، ولم يعره سمعا، ولا طاعة، ففارق ابن الزبير في هذا. النظرة السابعة هل كانت للحسين مندوحة في مبايعة يزيد: لقد كان للحسين مع هذه النصائح مندوحة في مبايعة يزيد

стр. 31

على ما فيه، فقد لحق عبد الله بن عمر الحسين ﵃ على مسيرة ليلتين من المدينة فقال: أين تريد؟ قال: العراق، ومعه طوامير وكتب، فقال: لا تأتهم قال: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال: إن الله خير نبيه بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وإنكم بضعة منه، لا يليها أحد منكم أبداً، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم، فارجعوا فأبى، فاعتنقه ابن عمر، وقال: استودعك الله من قتيل (١). وكانت لفتة هامة لو أعارها الحسين سمعه، وتأملها ﵁، ولكن قناعته بأهليته وهو كذلك، وثقته بما وصله من كتب ووعود وليست كذلك، أثمرت قوة العزيمة والإصرار على الخروج إلى الكوفة مهما يكن الثمن. ولم يكن هذا هو الموقف الوحيد من عبد الله بن عمر ﵄: فقد نصح الحسين ﵁ في أكثر من موقف، فحين بلغه خروج ابن الزبير والحسين إلى مكة رافضين بيعة يزيد لقيهما وقال: أذكركما الله إلا رجعتما فدخلتما في صالح ما

стр. 32

يدخل فيه الناس وتنظران، فإن اجتمع عليه الناس لم تشذا، وإن افترق عليه كان الذي تريدان (١)، ولعل ابن الزبير عقل هذا عن ابن عمر، وقرر عدم الخروج مع الحسين إلى الكوفة. وكان عبد الله بن عمر ﵄ يقول بعد ذلك: غلبنا الحسين بن علي بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له ألا يتحرك ما عاش وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير (٢)، وقال جابر بن عبد الله: ﵁ كلمت حسيناً فقلت له اتق الله ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فو الله ما حمدتم ما صنعتم، فعصاني (٣)، وقال أبو سعيد الخدري ﵁: غلبني الحسين على الخروح، وقد قلت له: اتق الله في نفسك والزم بيتك، ولا تخرج على إمامك (٤).

стр. 33

حتى النساء طرحن للحسين النصح فهذه عمرة بنت عبد الرحمن الفقيهة العالمة رحمها الله: كتبت إليه تعظّم عليه ما يريد أن يصنع، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة، وتخبره أنّه إنّما يساق إلى مصرعه (١). هذه النصوص تدل على مكانة الحسين ﵁ عند أهل السنة برهم وفاجرهم، وأنه لم يكن شخصا عاديا، ولكن لا يمنعهم ذلك الحب والتقدير من الاعتراف بأن الحسين ﵁ اجتهد فأخطأ وأقدم على محاولة شق عصا المسلمين، وقد اجتمعت كلمتهم على بيعة معاوية بتنازل الحسن بن علي ﵁ متحققا فيه قول النبي ﷺ : «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين» (٢) فحقن الحسن ﵁ دماء المسلمين، واجتمعت الكلمة على ملك أخبر به رسول الله ﷺ عاش فيه معاوية ﵁ عيش الملوك، ساس سياستهم، وتصرف بمكر ودهاء، وكان لمعاوية يد في الإصلاح وخدمة الإسلام، يشهد

стр. 34

بها التاريخ. وعهد بالأمر من بعد لابنه يزيد وهو حي له على المسلمين الأمر والنهي، وله حق الطاعة في غير معصية الله، وليس تولية المفضول حرام مع وجود الفاضل، ولا شك أن الفاضل أولى، ولكنها جائزة شرعا وعقلا، والحسن عند الناس أفضل من معاوية، ولم يعترض على تنازله أهل السنة لأنه حق وافق خبر النبي ﷺ ، قال حميد بن عبد الرحمن: دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، حين استخلف يزيد بن معاوية، فقال: أتقولون إن يزيد ليس بخير أمة محمد، لا أفقه منها فقهاً، ولا أعظمها فيها شرفاً؟ ، قلنا: نعم، قال: وأنا أقول ذلك، ولكن لأن تجتمع أمة محمد أحب إليَّ من أن تفترق أرأيتم باباً لو دخل فيه أمة محمد وسعهم، أكان يعجز عن رجل واحد لو دخل فيه؟ ، قلنا: لا. قال: أرأيتم لو أن أمّة محمد قال كل رجل منهم: لا أهريق دم أخي، ولا آخذ ماله، أكان هذا يسعهم؟ ، قلنا: نعم، قال: فذلك ما أقول لكم (١).

стр. 35

وقال ﷺ : «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وإِنِ اسْتعمل عليكم عبد حَبَشِىٌّ كأَن رأْسه زبِيبة» (١). وقد أفاد ابن خلدون كلاما حسنا في هذه الفقرة فقال ﵀: وأما غير الحسين من الصحابة الذين كانوا بالحجاز ومع يزيد بالشام، والعراق ومن التابعين لهم، فرأوا أن الخروج على يزيد وإن كان فاسقاً لا يجوز لما ينشأ عنه من الهرج والدماء فأقصروا عن ذلك ولم يتابعوا الحسين، ولا أنكروا عليه، ولا أثموه، لأنه مجتهد وهو أسوة المجتهدين. ولا يذهب بك الغلط أن تقول بتأثيم هؤلاء بمخالفة الحسين وقعودهم عن نصره، فإنهم أكثر الصحابة وكانوا مع يزيد ولم يروا الخروج عليه، وكان الحسين يستشهد بهم وهو يقاتل بكربلاء على فضله وحقه، ويقول: «سلوا جابر بن عبد الله، وأبا سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وسهل بن سعيد، وزيد بن أرقم» وأمثالهم. ولم ينكر عليهم قعودهم عن نصره ولا تعرض لذلك، لعلمه أنه عن اجتهاد منهم كما كان فعله عن

стр. 36

اجتهاد منه. وكذلك لا يذهب بك الغلط أن تقول بتصويب قتله لما كان عن اجتهاد وإن كان هو على اجتهاد، ويكون ذلك كما يُحد الشافعي والمالكي الحنفي على شرب النبيذ. واعلم أن الأمر ليس كذلك وقتاله لم يكن عن اجتهاد هؤلاء وإن كان خلافه عن اجتهادهم، وإنما انفرد بقتاله يزيد وأصحابه. ولا تقولن إن يزيد وإن كان فاسقاً ولم يجز هؤلاء الخروج عليه فأفعاله عندهم صحيحة. واعلم أنه إنما ينفذ من أعمال الفاسق ما كان مشروعاً، وقتال البغاة عندهم من شرطه أن يكون مع الإمام العادل، وهو مفقود في مسألتنا، فلا يجوز قتال الحسين مع يزيد ولا ليزيد، بل هي من فعلاته المؤكدة لفسقه، والحسين فيها شهيد مثاب، وهو على حق واجتهاد، والصحابة الذين كانوا مع يزيد على حق أيضاً واجتهاد (١).

стр. 37

النظرة الثامنة موقف يزيد من الحسين ﵁ -: ١ ـ اعتبر يزيد أن عمل الحسين سيوقع الناس في فتنة ولاسيما أن الأمر قائم لبني أمية، منذ عهد معاوية ﵁ فالدولة محكمة وذات قوة ونفوذ، فأسرع الكتابة إلى عبد الله بن عباس ﵄ كبير الهاشميين فقال له فيما كتب: نحسب أن رجالاً أتوه من المشرق فمنّوه الخلافة، فإنهم عندك منهم خبرة وتجربة (١)، فإن كان فعل فقد قطع وشائج القرابة، وأنت كبير أهل بيتك، والمنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة (٢). ثم كتب بهذه الأبيات إليه، وإلى مكة والمدينة: يا أيها الراكب الغادي لطيبته ... على عُذَاقِرةِ في سيرها قحم أبلغ قريشاً على نأي المزار بها ... بيني وبين حسين الله والرحم يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ خمدت ... وأمسكوا بحبال السلم واعتصموا

стр. 38

لا تركبوا البغي إن البغي مصرعة ... وإن شارب كأس البغي يتخم فقد غرّت الحرب من كان قبلكم ... من القرون وقد بادت بها الأمم فأنصفوا قومكم لا تهلكوا بذخا ... فرب ذي بذخ زلت به القدم (١) فكتب إليه ابن عباس: إني لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه، ولست أدع النصيحة له في كل ما يجمع الله به الألفة وتطفى بها الثائرة (٢). ٢ ـ كان مسلم بن عقيل المعقل الذي يأوي إليه الشيعة لإعطاء البيعة للحسين، ولم يخف الأمر على والي يزيد على الكوفة، ولكنه لم يبدأ بالعنف (٣). ٣ ـ كان النعمان بن بشير الأنصاري ﵁ والي الكوفة فلما أحس بخطورة الوضع قام فخطب في الناس وقال: اتقوا الله عباد الله، ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإن فيها يهلك

стр. 39

الرجال، وتسفك الدماء وتغصب الأموال، وقال: إني لن أقتل من لم يقاتلني، ولا أثب على من لا يثب علي، لا أشاتمكم ولا أتحرش بكم، ولا آخذ بالقرف ولا الظنة والتهمة، ولكن إن أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فو الله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر، أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل (١). ٤ ـ كانت سياسة النعمان حكيمة لو نحى يزيد نحوها، وترسل في الأمر، ولكن لم يرضها يزيد لأن الأمر في نظره لا يعالج بالمواعظ، فالحسين ﵁ لم يستجب لنصائح الصحابة والتابعين، فمن باب أولى أن لا يستجيب العامة من الشيعة، فعزل النعمان من الولاية، وعين بدله عبيد الله بن زياد، وكتب إليه: إن شيعتي من أهل الكوفة كتبوا إليّ يخبروني، أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع ليشق عصا المسلمين، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي أهل الكوفة، فتطلب ابن عقيل

стр. 40

كطلب الخرزة، حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام (١). ٥ ـ نفذ الأمر عبيد الله بن زياد، وأقبل إلى الكوفة ودخلها متلثماً، والناس قد بلغهم إقبال الحسين إليهم، فهم ينتظرون قدومه، فظنوا حين قدم عبيد الله أنه الحسين بن علي، فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلا سلموا عليه وقالوا: مرحباً بك يا ابن رسول الله، قدمت خير مقدم، فلما أكثروا عليه صاح فيهم مسلم بن عمرو وقال: تأخروا هذا الأمير عبيد الله بن زياد فلما نزل في القصر نودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس فخرج إليهم ثم خطبهم ووعد من أطاع منهم خيراً، وتوعد من خالف وحاول الفتنة منهم شراً (٢). ٦ ـ كانت الخطوة التالية لخطبة ابن زياد الشروع في الوصول إلى معقل الشيعة مسلم بن عقيل، فدس عليه من الناس من استطاع الوصول إلى مجلسه، ويطوِّل مجلسه معه فلا يحجب، فكانت أخبار مسلم وتحركاته تصل إلى ابن زياد أولا بأول،
следующие страницы →