اجتهاد منه.
وكذلك لا يذهب بك الغلط أن تقول بتصويب قتله لما كان عن اجتهاد وإن كان هو على اجتهاد، ويكون ذلك كما يُحد الشافعي والمالكي الحنفي على شرب النبيذ.
واعلم أن الأمر ليس كذلك وقتاله لم يكن عن اجتهاد هؤلاء وإن كان خلافه عن اجتهادهم، وإنما انفرد بقتاله يزيد وأصحابه.
ولا تقولن إن يزيد وإن كان فاسقاً ولم يجز هؤلاء الخروج عليه فأفعاله عندهم صحيحة.
واعلم أنه إنما ينفذ من أعمال الفاسق ما كان مشروعاً، وقتال البغاة عندهم من شرطه أن يكون مع الإمام العادل، وهو مفقود في مسألتنا، فلا يجوز قتال الحسين مع يزيد ولا ليزيد، بل هي من فعلاته المؤكدة لفسقه، والحسين فيها شهيد مثاب، وهو على حق واجتهاد، والصحابة الذين كانوا مع يزيد على حق أيضاً واجتهاد (١).
стр. 37
النظرة الثامنة
موقف يزيد من الحسين ﵁ -:
١ ـ اعتبر يزيد أن عمل الحسين سيوقع الناس في فتنة ولاسيما أن الأمر قائم لبني أمية، منذ عهد معاوية ﵁ فالدولة محكمة وذات قوة ونفوذ، فأسرع الكتابة إلى عبد الله بن عباس ﵄ كبير الهاشميين فقال له فيما كتب: نحسب أن رجالاً أتوه من المشرق فمنّوه الخلافة، فإنهم عندك منهم خبرة وتجربة (١)، فإن كان فعل فقد قطع وشائج القرابة، وأنت كبير أهل بيتك، والمنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة (٢).
ثم كتب بهذه الأبيات إليه، وإلى مكة والمدينة:
يا أيها الراكب الغادي لطيبته ... على عُذَاقِرةِ في سيرها قحم
أبلغ قريشاً على نأي المزار بها ... بيني وبين حسين الله والرحم
يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ خمدت ... وأمسكوا بحبال السلم واعتصموا
стр. 38
لا تركبوا البغي إن البغي مصرعة ... وإن شارب كأس البغي يتخم
فقد غرّت الحرب من كان قبلكم ... من القرون وقد بادت بها الأمم
فأنصفوا قومكم لا تهلكوا بذخا ... فرب ذي بذخ زلت به القدم (١)
فكتب إليه ابن عباس: إني لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه، ولست أدع النصيحة له في كل ما يجمع الله به الألفة وتطفى بها الثائرة (٢).
٢ ـ كان مسلم بن عقيل المعقل الذي يأوي إليه الشيعة لإعطاء البيعة للحسين، ولم يخف الأمر على والي يزيد على الكوفة، ولكنه لم يبدأ بالعنف (٣).
٣ ـ كان النعمان بن بشير الأنصاري ﵁ والي الكوفة فلما أحس بخطورة الوضع قام فخطب في الناس وقال: اتقوا الله عباد الله، ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإن فيها يهلك
стр. 39
الرجال، وتسفك الدماء وتغصب الأموال، وقال: إني لن أقتل من لم يقاتلني، ولا أثب على من لا يثب علي، لا أشاتمكم ولا أتحرش بكم، ولا آخذ بالقرف ولا الظنة والتهمة، ولكن إن أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فو الله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر، أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل (١).
٤ ـ كانت سياسة النعمان حكيمة لو نحى يزيد نحوها، وترسل في الأمر، ولكن لم يرضها يزيد لأن الأمر في نظره لا يعالج بالمواعظ، فالحسين ﵁ لم يستجب لنصائح الصحابة والتابعين، فمن باب أولى أن لا يستجيب العامة من الشيعة، فعزل النعمان من الولاية، وعين بدله عبيد الله بن زياد، وكتب إليه: إن شيعتي من أهل الكوفة كتبوا إليّ يخبروني، أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع ليشق عصا المسلمين، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي أهل الكوفة، فتطلب ابن عقيل
стр. 40
كطلب الخرزة، حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام (١).
٥ ـ نفذ الأمر عبيد الله بن زياد، وأقبل إلى الكوفة ودخلها متلثماً، والناس قد بلغهم إقبال الحسين إليهم، فهم ينتظرون قدومه، فظنوا حين قدم عبيد الله أنه الحسين بن علي، فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلا سلموا عليه وقالوا: مرحباً بك يا ابن رسول الله، قدمت خير مقدم، فلما أكثروا عليه صاح فيهم مسلم بن عمرو وقال: تأخروا هذا الأمير عبيد الله بن زياد فلما نزل في القصر نودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس فخرج إليهم ثم خطبهم ووعد من أطاع منهم خيراً، وتوعد من خالف وحاول الفتنة منهم شراً (٢).
٦ ـ كانت الخطوة التالية لخطبة ابن زياد الشروع في الوصول إلى معقل الشيعة مسلم بن عقيل، فدس عليه من الناس من استطاع الوصول إلى مجلسه، ويطوِّل مجلسه معه فلا يحجب، فكانت أخبار مسلم وتحركاته تصل إلى ابن زياد أولا بأول،
стр. 41
عن طريق ذلك الرجل.
٧ ـ كان مسلم بن عقيل ينزل في بيت هانئ بن عروة، وقد اخترق سرهما ابن زياد بذلك الرجل والذي يدعى معقلا، فأرسل إلى هانئ بن عروة وكشف له نزول مسلم في بيته، وطلب منه إحضاره فقال هانئ والله لا أسلم ضيفي للقتل، فضربه زياد على وجهه، واحتجزه، وشاع عند الناس موت هانئ، بلغ الخبر عمرو بن الحجاج الزبيدي أن هانئاً قد قتل، فأقبل في قبيلة مذجح، وأحاط بالقصر، ونادى أنه لم يخلع الطاعة، وإنما أراد الاطمئنان إلى سلامة هانئ، فأمر ابن زياد القاضي شريح بأن يدخل على هانئ، وينظر إليه ويخبرهم أنه حي. ففعل.
فقال لهم سيدهم عمرو بن الحجّاج: أما إذا كان صاحبكم حياً فما يعجلكم الفتنة؟ انصرفوا فانصرف (١).
٨ ـ اغتنم مسلم بن عقيل إشاعة قتل هانئ، فأمر أن ينادي في أصحابه الذين بايعوه، بكلمة السر المعروفة لهم: يا منصور
стр. 42
أمت، فتنادى أهل الكوفة فاجتمعوا إليه وكان عدد الذين حضروا أربعة آلاف رجل (١)، سار بهم بعد أن قسمهم أرباعا، لكل ربع أمير ولواء، وكان معه أقوام من كندة وربيعة، ومن مذحج وأسد، ومن تميم وهمدان، والربع الرابع من المدينة (٢).
٩ ـ لم يكن عبيد الله بن زياد رجلا عاديا بل كان يملك قدراً كبيراً من الدهاء والمكر والخداع، حيث أنه بمجرد دخوله القصر جمع وجوه الكوفة واحتفظ بهم عنده حتى يكونوا وسيلة ضغط مهمة عنده تثمر نتائج إيجابية جداً لصالح ابن زياد (٣).
١٠ ـ كان احتفاظ عبيد الله بالوجهاء والأعيان ورقة رابحة إذ طلب منهم أن يعظوا الناس، ويخذلوهم ويخوفوهم بقرب أهل الشام، وصار هؤلاء الأمراء والزعماء يثبطون الناس، ويذكرونهم بالسلامة والأمن، وأنهم إن لم ينصرفوا سيحرمون
стр. 43
من العطاء، وسيساقون إلى الثغور وسينالهم العقاب الشديد (١).
١١ ـ لم يقف ابن زياد عند هذا الحد من المواجهة بالتخذيل، فاستخدم الآباء في إضعاف عزيمة أبنائهم وثنيهم عن المواجهة، وكذلك الأمهات في التأثير على أولادهن، فيقولون: لم تستقبلون الحرب والشر، وسيأتيكم أهل الشام، فأخذ الإرجاف والتخويف يعمل عمله في صفوف المناصرين لمسلم، فأخذوا يتسللون لواذا عن مسلم، فلم يحل المساء إلا وقد تفرق عنه الأنصار، ولم يبق من أربعة آلاف سوى ما بين ثلاثمائة وخمسمائة رجل (٢).
ويستمر ابن زياد في الحرب النفسية ضد كل من يناصر مسلم بن عقيل، ولم يكن مسلم كفئا في المكر والدها لعبيد الله، فواجه من كان مع عبيد الله من كان مع مسلم من القبائل بأقوامهم، فأمر ابن زياد نفرا من الوجهاء منهم: عبيد الله بن كثير بن شهاب الحارثي أمره أن يخرج فيمن أطاعه من
стр. 44
مذجح، ويسير بالكوفة ويخذل الناس عن ابن عقيل، ويخوفهم بالحرب وعقوبة السلطان، وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كنده وحضرموت، ويرفع راية الأمان لمن يأته من الناس، وقال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلي، وشبت بن ربعي التميمي، وحجار بن أبجر العجلي، وشمر بن ذي الجوشن العامري، وأبقى سائر وجوه الناس معه (١)، وعمل هذا الإجراء عمله في إقناع من كان مناصرا لمسلم، فتفرق عنه من كان معه، ولم يبق سوى ستين رجلا (٢).
النظرة التاسعة
هزيمة مسلم بن عقيل:
هنا تبرز أولى المؤشرات التي خافها أهل السنة على الحسين ﵁، فقد نازل مسلم وأتباعه أتباع ابن زياد بقيادة القعقاع بن شور، وشبث بن ربعي في مكان يقال له الرحبة، وكان الأولى
стр. 45
بمسلم عدم الدخول في هذه المنازلة وقد علم حال مناصريه، ولعدم التكافؤ بين الطرفين لم تدم المعركة إلا قليلا، فقد تنبه القعقاع بن شور إلى أن المقاتلين إنما يقاتلون لأجل النجاة، عند ذلك أمر بإفساح الطريق لهم، فهربوا نحو المسجد، ولما أمسى المساء تفرق الناس، وبقي مسلم بن عقيل وحيداً في طرقات الكوفة (١)، وهنا بان الصبح لذي عينين، ولنا أن نتذكر نصائح الصحابة والتابعين للحسين ﵁ بعدم الخروج.
تحقق غدر الشيعة لمسلم بن عقيل ﵀، ولكنه غامر هو ومن معه، وما ذاك إلا لعلمه بعدم النجاة لو استسلم، ففضل المقاومة على الاستسلام ولاسيما والنتيجة واحدة، وقد أدرك ذلك حين قبض عليه ابن الأشعث بعد مقاومة من مسلم أعطي بها الأمان (٢)، وفي الطريق نحو ابن زياد بكى مسلم، فقيل له: إن من يطلب مثل ما تطلب لا يبكي إذا نزل به مثل الذي نزل بك.
стр. 46
قال: إني والله ما لنفسي أبكي، ومالها من القتل أرثي، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفاً، ولكني أبكي لأهلي المقبلين إلى الكوفة، أبكي حسيناً وآل الحسين.
وأقبل مسلم على محمد بن الأشعث فقال: يا عبد الله، إني والله أراك ستعجز عن أماني، فهل عندك خير تستطيع أن تبعث رجلاً على لساني يبلغ حسيناً عني رسالة؟ فإني لا أراه إلا قد خرج إليكم اليوم أو غداً هو وأهل بيته، وإن ما تراه من جزعي لذلك، فتقول: إن ابن عقيل بعثني إليك وهو في أيدي القوم أسير، لا يدري أيصبح أم يمسي حتى يقتل، وهو يقول لك: ارجع بأهلك ولا يغرنك أهل الكوفة، فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني، وليس لكاذب رأي.
فقال محمد بن الأشعث: والله لأفعلن، ولأعلمن ابن زياد أني قد أمنتك، ودعا ابن الأشعث إياس بن العباس الطائي، وقال له: اذهب فالق حسيناً فأبلغه هذا الكتاب، ثم أعطاه راحلة
стр. 47
وتكفل له بالقيام بأهله وداره (١)، وأدخل محمد بن الأشعث مسلم بن عقيل على ابن زياد، وأخبره بما أعطاه من الأمان، فقال ابن زياد: ما بعثناك لتؤمنه ولم يقبل أمانه (٢)، وهذا برهان أبلج على ما أجمعت عليه نصائح الصحابة والتابعين للحسين ﵁ وأن القوم لا ذمة لهم ولا ولاء، وإنما هم عبيد الدنيا.
النظرة العاشرة
انقطاع أمل مسلم في النجاة:
ترك الشيعة مسلما ﵀ وحيدا مقهورا، وأسلموه للموت ولم يصدقوه ما وعدوه من الولاء والنصرة، وهذا يذكرنا بكل ما قيل للحسين ﵁ عن أهل الكوفة من الغدر والخيانة وإن زعموا أنهم شيعة آل البيت، ولكن القدر نافذ لا محالة، أخذ مسلم ﵀ إلى القصر لمقابلة عبيد الله بن زياد لينظر مصيره الذي لا يشك مسلم أنه الموت، ولما دخل على بن
стр. 48
زياد قال له: إني قاتلك.
قال مسلم: كذلك؟ ، قال: نعم.
قال: فدعني أوصي إلى بعض قومي، قال: أوصي: فنظر مسلم في جلسائه وفيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، فقال: عمر، إن بيني وبينك قرابة، ولي إليك حاجة، وهي سر، فقم معي إلى ناحية القصر حتى أقولها لك، فأبى أن يقوم معه حتى أذن له ابن زياد، فقام فتنحى قريباً من ابن زياد، فقال له مسلم: إن علي ديناً في الكوفة سبعمائة درهم، فأقضها عني، واستوهب جثتي من ابن زياد فوارها، وابعث إلى الحسين، فإني كنت قد كتبت إليه أن الناس معه، ولا أراه إلا مقبلاً, فقام عمر، فعرض على ابن زياد ما قال له: فأجاز ذلك كله، وقال: أما حسين فإنه لم يردنا ولا نريده، وإن أرادنا لم نكف عنه ثم أمر ابن زياد بمسلم بن عقيل، فأصعد إلى أعلى القصر، وهو يكبر ويهلل ويسبح ويستغفر ويصلي على ملائكة الله ويقول: اللهمّ أحكم بيننا وبين قوم غرونا وخذلونا، ثم ضرب عنقه رجل يقال له: بكير بن حمران ثم ألقى رأسه إلى أسفل القصر، وأتبع
стр. 49
رأسه بجسده (١)، وقتل معه هانئ بن عروة في السوق وهو يصيح في الشيعة من قبيلته مذحج فلم ينصره أحد، وصلب هو ومسلم في السوق أمام الناس، وقُتل اثنان من المخططين لنصرة مسلم وصلبا في السوق أيضا (٢).
النظرة الحادية عشرة
قوة الخوف على الحسين ﵁ -:
خرج الحسين ﵁ إلى الكوفة ضاربا بكل نصيحة قدمت له عرض الحائط، معتمدا على تلك الرقاع التي حوت العدد الكبير من أسماء المبايعين من الشيعة في الكوفة (٣)، وكان خروجه ﵁ يوم التروية الثامن من ذي الحجة سنة ستين (٨/ ١٢/٦٠) من الهجرة، أدرك والي مكة عمرو بن سعيد بن العاص خطورة الموقف، فأرسل وفداً إلى الحسين، على رأسهم
стр. 50
أخوه يحي بن سعيد بن العاص، فحاولوا أن يثنوه عن عزمه ولكنه رفض، فنادوه: يا حسين، ألا تتقي الله تخرج عن جماعة المسلمين وتفرق بين هذه الأمة، فردَّ الحسين بقول الله تعالى: ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (١).
وتوجه إلى العراق في أهل بيته وستين شيخاً من أهل الكوفة (٢)، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وقد خاف أهل السنة على الحسين ﵁ من عاقبة ما هو مقدم عليه خوفا شديدا، فلم يأل الصحابة والتابعون جهدا في مناصحته، وبيان خطئه فيما هو مقدم عليه، لا من حيث التصور ولا من حيث التجربة، فإن تصور الحسين ﵁ كان مبنيا على ما بلغه من عاطفة الشيعة، فظن أن ذلك سيكون دعما كبيرا لنيل النصر، وكان تصوره خطأ محضا، فالدولة التي يريد تقويضها قائمة الأركان، تملك الأمصار بكل مقومات الدولة السياسية والاقتصادية
стр. 51
والعسكرية، ولم يكن عند الحسين ﵁ من مقومات النصر شيء سوى وعود لا تسمن ولا تغني من جوع، ولم تكن للقوم سابقة وفاء، فهم أهل غدر وخيانة، وما قتلُ علي وطعنُ ابنه الحسن ﵄ ببعيد عن ذاكرة الحسين ﵁، وقد ذُكِّر به مرارا، ولكنه لم يتخذ من ذلك عبرة، وكان خوف أهل السنة على الحسين ﵁ كبيرا جدا لعلمهم بغدر الشيعة وكذبهم الذي لا يقف عند حد، فقال الصحابة ما قالوا، وقال التابعون ما قالوا، حتى الولاة ليزيد لم يكن الحسين ﵁ عندهم هينا، فقد قال عبيد الله بن زياد على ما فيه من بطش وجبروت: أما حسين فإنه لم يردنا، ولا نريده، وإن أرادنا لم نكف عنه (١)، وكتب مروان بن الحكم إلى ابن زياد: أما بعد فإن الحسين بن علي قد توجه إليك، وهو الحسين بن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وتالله ما أحد يسلمه الله أحب إلينا من الحسين، وإياك أن تُهيج على نفسك ما لا يسده شيء ولا ينساه العامة، ولا يدع ذكره، والسلام عليك (٢)، وكتب
стр. 52
إليه عمرو بن سعيد بن العاص ينهاه عن التعرض للحسين ويأمره بأن يكون حذراً في تعامله مع الحسين: قائلاً له: أما بعد فقد توجه إليك الحسين وفي مثلها تعتق أو تعود عبداً تسترق كما يسترق العبيد (١)، وكتب يزيد إلى ابن زياد يحذره ويقول: بلغني أن حسيناً قد سار إلى الكوفة وقد ابتلي به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلاد وابتليت به من بين العمال وعندها تعتق أو تعود عبداً كما تُعتبد العبيد (٢)، وما كتابته إلى ابن عباس في بادئ الأمر إلا لمعرفته بحق الحسين ﵁ ومكانته، وإذا اختار المواجهة فالأمر متخلف تماما، وبيد من يقاتل الحسين ﵁ ورقة أنه منشق على أمر قائم وبيعة معقودة، ولا تعفيه مكانته الرفيعة، وفضله الكبير من مسئولية ذلك، وقد اختار لنفسه ومن معه المواجهة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
стр. 53
النظرة الثانية عشرة
الطريق إلى الكوفة:
لم يكن الجانب السياسي واضحا في خطوات الحسين العملية، رغم بيانها في نصح ابن عباس له، وقد اجتمعت نصائح الصحابة والتابعين ﵃ حتى من لم ير بأساً برفض الحسين بيعة يزيد أجمعوا على أنه لا يخرج إلى الكوفة، ولا يثق في أهلها، وكتب إليه المسور بن مخرمة ﵁ بأن لا يغتر بكتب أهل العراق، ونصحه بأن لا يبرح الحرم فإن كانت لهم حاجة فسيضربون إليه آباط الإبل حتى يوافوه فيخرج في قوة وعدة (١)، فلم يكن الحسين مكافئا في السياسة وأخذ الحيطة والحذر لخصومه، ولا ريب أن عندهم من الحنكة والمكر السياسي والدهاء ما لم يكن عند الحسين ﵁، وقد يستخدمون من الحيل ما لا يستخدمه الحسين ﵁، من باب الحرب خدعة، علاوة على أن الحسين ﵁ لم يسبق له العمل في السياسة، وكان خصومه من العلم بها وبأساليب المكر فيها والدهاء على
стр. 54
جانب كبير، فإن عشرين سنة من خلافة معاوية كافيه في أن يكتسب يزيد وغيره من رجال أبيه، مالا يعرفه شيعة الحسين بأسرهم، فمثلا الحسين ﵁ ترك الحبل على الغارب حينما خرج من مكة وخرج على ثقة بكتب قد لا تكون صحيحة، أرسلت إليه للتغرير به وإثارة الفتنة وشق عصى المسلمين، ولم يكن عنده من العيون ما يوفر له معلومات دقيقة، ولاسيما وكل من أخبره أنذره بخطر وهلاك، وسار في طريقه كأي مسافر لا يعلم عن خصومه ماذا أعدوا له، ولم يعلم بما في الكوفة من احتياطات أمنية ورقابة مشددة، فقد أحكم ابن زياد سيطرته على الكوفة، فقام بجمع المقاتلة وفرق عليهم العطاء حتى يضمن ولاءهم (١)، ثم بعث الحصين بن تميم صاحب شرطته حتى نزل بالقادسية، وقام بتنظيم الخيل ما بين القادسية إلى خفضان (٢)، وما بين القادسية إلى القطقطان (٣)،
стр. 55
وإلى لعلع (١). ثم أصدر أوامره إلى الحصين بن تميم بأن يقبض على كل من ينكره، ثم أمر ابن زياد بأخذ كل من يجتاز بين واقصة (٢)، إلى طريق الشام، إلى طريق البصرة فلا يترك أحدا يلج ولا يخرج (٣)، وبهذا الإجراء ضرب ابن زياد طوقا أمنيا بين الكوفة والحسين ﵁، فكان الحسين في مسيره في عزلة تامة عن أخبار أنصاره في الكوفة.
النظرة الثالثة عشرة
مقابلة الحسين ﵁ للحر بن يزيد:
لم يكتف عبيد الله بن زياد بذلك الطوق الأمني بل بعث الحر بن يزيد في ألف فارس ليقابل حسينا ﵁ في الطريق، وما زال الحسين ﵁ سائرا في طريقه إلى الكوفة من غير علم بما يجري لاستقباله، ولما بلغ الحاجز من بطن الرمة بعث قيس بن مسهر
стр. 56
الصيداوي إلى الكوفة، وكتب معه إليهم برسالة يخبرهم فيها بقدومه (١)، ولكن الحصين بن تميم قبض على قيس بن مسهر مبعوث الحسين حين وصوله إلى القادسية (٢)، ثم بعث به إلى ابن زياد فقتله مباشرة (٣)، ثم بعث الحسين مبعوثاً إلى مسلم فوقع في يد الحصين بن تميم وبعث به إلى ابن زياد فقتله (٤).
هذا الطوق الأمني لم ينتج من فراغ بل من قوة في العمل السياسي، ودقة في التنفيذ، ولذلك العقاب الشنيع، وبتلك السرعة المدهشة، أثر في ضرب قلوب شيعة الحسين ﵁ بالرعب الشديد، ومن رأى أو علم بذلك العقاب لا بد أن يحسب لمناصرة الحسين ﵁ ألف حساب، ولاسيما والقوم أهل غدر لا وفاء لهم، ولم يدرك الحسين ﵁ إلا بعد أن أخبره
стр. 57
الأعراب أن أحداً لا يلج ولا يخرج من الكوفة مطلقاً (١)، واستمر التحذير من بعض رجال القبائل الذين مرّ بهم، وبينوا له ذلك الخطر الذي يقدم عليه، ولقد بان الصبح لذي عينين، فالحسين ﵁ لم يأخذ الحذر ابتداء، ولن ينجو من القدر في نهاية المطاف، وأنى له ذلك وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (٢).
قرب الحسين ﵁ من الكوفة، وأمر بالتزود من الماء، بعد أن تفرق الناس عنه ولم يبق معه إلا أهله وبنو عمه، وسار حتى منتصف النهار فإذا بطلائع خيل ابن زياد عليها الحر بن يزيد، وكان عددها ألف فارس، وقد أدرك الحر بن يزيد الحسين ومن معه قريباً من شراف (٣)، وفعلا قابل الحسين ﵁ ولم ينازله، وأخذ الحُرُ يساير الحسين ﵁ وينصحه بعدم المقاتلة
стр. 58
ويذكّره بالله، وبيّن له أنه إذا قاتل فسوف يقتل، وكان الحسين ﵁ يصلي بالفريقين إذا حضرت الصلاة (١)، وهنا نلاحظ أن الحسين ﵁ أدرك خطأه فيما أقدم عليه، وطلب من الحُر بن يزيد أن يرجع إلى المدينة، ولكن سبق السيف العذل، فإنه ذكر له أنه مأمور بملازمته حتى الكوفة، وقام الحسين ﵁ وأخرج خرجين مملوءين بالكتب التي تطلب منه القدوم إلى الكوفة، فأنكر الحُر والذين معه أي علاقة لهم بهذه الكتب، وهنا رفض الحسين ﵁ الذهاب مع الحُر بن يزيد إلى الكوفة وأصر على ذلك، فاقترح عليه الحُر أن يسلك طريقاً يجنبه الكوفة ولا يرجعه إلى المدينة، وذلك من أجل أن يكتب الحُر إلى ابن زياد بأمره، وأن يكتب الحسين ﵁ إلى يزيد بأمره، وبالفعل تياسر الحسين ﵁ عن طريق العذيب (٢)
стр. 59
والقادسية (١) واتجه شمالاً على طريق الشام، وكانت خيل الحُر بن يزيد الدفعة الأولى ولم تكن الأخيرة لملاقاة الحسين ﵁ ومن بقي معه وهم أهل بيته فقط، وعدد قليل مقابل ألف فارس من جند ابن زياد، وفي ذلك لفت نظر للحسين أن الخصوم أعدوا للأمر عدته، ولاسيما والوالي على الكوفة عبيد الله بن زياد المعروف بالمكر والدهاء، وقوة البطش ولو بالحسين نفسه، ولا أدل على ذلك من قوله: أما حسين فإنه لم يردنا، ولا نريده، وإن أرادنا لم نكف عنه (٢)، وكان ابن زياد جهز الجيش الذي يقوده عمر بن سعد بن أبي وقاص مكوناً من أربعة آلاف مقاتل وكان موجها في الأصل إلى الري لجهاد الديلم، فلما طلب ابن زياد من عمر أن يذهب لمقاتلة الحسين رفض في البداية، ولكن ابن زياد هدده بالعزل إن لم ينفذ
стр. 60
أمره، وبهدم داره وقتله، وأمام هذا الخيار رضي بمواجهة الحسين ﵁ (١)، ولما وصل الحسين ﵁ إلى كربلاء من منطقة الطف (٢) أدركته خيل عمر بن سعد بن أبي وقاص، ومعه شمر بن ذي الجوشن، والحصين بن تميم (٣)، وأحاطت الخيل بالحسين ومن معه، وأصبح الأمر خطيرا للغاية.
النظرة الرابعة عشرة
صحوة وفاجعة:
بان للحسين ﵁ يقينا صدق الناصحين من الصحابة والتابعين، وصواب ما حذروا منه، وزاده يقينا ما سمع من الأخبار عبر طريقه، فما تلقى بشيرا بنصر، ولا مشجعا على المسير، وجاءه النبأ المفجع خبر تخاذل شيعته، ومقتل ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب ﵀، وهانئ بن عروة، وكان المعول عليهما
стр. 61
في جمع الناس وأخذ البيعة، والتحضير لقدوم الحسين ﵁، وكان لهذا الخبر المفجع المؤلم وقعه الشديد على الحسين ﵁، فهؤلاء أقرب الناس إليه قد قتلوا، والشيعة في الكوفة تخاذلوا عن نصرته (١)، فبادر إلى التخلص من كتم الخبر عن مرافقيه، وقال: من أحب أن ينصرف فلينصرف، فتفرق الناس عنه يميناً وشمالاً (٢)، وقال له بعض من ثبتوا معه: ننشدك الله إلا ما رجعت من مكانك، فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوف أن يكونوا عليك.
فوثب بنو عقيل إخوة مسلم بن عقيل بن أبي طالب وقالوا: والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق مسلم (٣).
وهنا لم يكن أمام الحسين ﵁ وقد مُنع من العودة، وقوبل بهذا الحشد من العدد والعدة، وتلك الأخبار السيئة عن شيعته، الذين لم يفوا إلا باستقدامه لهلاكه ومن معه، ليس له إلا أحد
стр. 62
أمرين أحلاهما مر:
١ ـ الدخول في مفاوضات مع ابن زياد علها تكون سببا لصلح ينقذ الحسين به نفسه ومن معه، وإن حدث هذا فهو مخرج سيقبله الحسين ﵁ على مضض، ولاسيما وقد رفض نصائح الصحابة والتابعين بعدم الخروج، ولكنه دون شك أخف من المواجهة التي هي محسومة من البداية بهلاك الحسين ﵁ ومن معه، وفعلا أقدم الحسين ﵁ على هذه الخطوة، وبدأ بالتفاوض مع عمر بن سعد بن أبي وقاص، وبيّن الحسين ﵁ أنه لم يأت إلى الكوفة إلا بطلب من أهلها، وأبرز لعمر بن سعد الدليل على ذلك، أسماء المبايعين والداعين للحسين، وكتب عمر بن سعد لابن زياد بما سمعه من الحسين وقال:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي، فسألته عما أقدمه وماذا يطلب؟ ، فقال: كتب إلي أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم، فسألوني القدوم ففعلت، فأما إذا كرهوني، فبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم فأنا منصرف عنهم.
فلما قرئ على ابن زياد تمثل قول الشاعر:
стр. 63
الآن إذ علقت مخالبنا به ... يرجو النجاة ولاة حين مناص
وكتب ابن زياد لعمر بن سعد:
بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية وجميع أصحابه فإذا فعل ذلك رأينا رأينا والسلام.
ولما اطلع عمر بن سعد على جواب بن زياد ساءه ما يحمله الجواب من تعنت وصلف، وعرف أن ابن زياد لا يريد السلامة (١).
ولم يكن هذا الموقف حسنا من ابن زياد فقد غلا في القسوة، واختار السوء والأذى للحسين ﵁ ولمن معه، وكان الأجدر به أن يعامل الحسين بما يليق بمقامه ﵁، ولا أقل من العمل بقول الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ
стр. 64
لِلصَّابِرِينَ﴾ (١) والحسين حتى اللحظة لم يرق قطرة دم، ولكن حب البطش بالخصم، أوقع ابن زياد في هذا الموقف الذي لم يحمد عليه، وقد علم بعزة الحسين ﵁، وأنه لن يقبل هذا العرض، وهنا يكون لابن زياد شأن آخر.
رفض الحسين ﵁ ما عرضه ابن زياد، ثم لما رأى خطورة الموقف طلب من عمر بن سعد مقابلته، وعرض على عمر بن سعد عرضاً آخر يتمثل في إجابته واحدا من ثلاثة أمور:
الأول: ما كان نصحه به الصحابة والتابعون ﵃ ويرجع من حيث أتى.
الثاني: العودة على عرض ابن زياد فيذهب إلى الشام فيضع يده في يد يزيد بن معاوية.
الثالث: أن يسيّروه إلى أي ثغر من ثغور المسلمين فيكون واحداً منهم له ما لهم وعليه ما عليهم (٢)، وقد أكد الحسين ﵁
стр. 65
موافقته للذهاب إلى يزيد (١)، وكتب عمر بن سعد إلى ابن زياد بكتاب أظهر فيه أن هذا الموقف المتأزم قد حُلّ، وأن السلام قد أوشك، وما على ابن زياد إلا الموافقة (٢)، وكاد ابن زياد أن يوفي بما عرضه على الحسين ﵁ من الذهاب إلى يزيد لمبايعته، وكاد يرسله إلى يزيد، لولا تدخل شمر بن ذي الجوشن الذي كان جالساً في المجلس حين وصول الرسالة فقد اعترض على رأي ابن زياد في أن يرسله إلى يزيد، وبيّن لابن زياد أن الأمر الصائب هو أن يطلب من الحسين أن ينزل على حكمه، حتى يكون هو صاحب الأمر المتحكم فيه (٣)، وكان جليس سوء لم
стр. 66
يوفق إلى خير، فقبل ابن زياد مشورة شمر، فكان شمر هذا بابا من أبواب الشر، ومشورته وبال يحمل وزرها بين يدي الله ، فقد استبدل الخير بالشر، ومال إلى إشعال الفتنة.
أخذ ابن زياد برأي شمر المشئوم، وعرض على الحسين ﵁ النزول على حكمه، فقال: لا والله لا أنزل على حكم عبيد الله بن زياد أبدا (١)، وقال لأصحابه الذين معه أنتم في حل من طاعتي، ولكنهم أصرّوا على مصاحبته والمقاتلة معه حتى الشهادة (٢).
النظرة الخامسة عشرة
الفاجعة الكبرى:
تحقق ما أجمع عليه كل من نصح الحسين ـ حتى من لم ير بأساً برفضه بيعة يزيد ـ على أن لا يخرج للعراق ولا يثق في أهل الكوفة، فقد كتب إليه المسور بن مخرمة ﵁ بأن لا يغتر
стр. 67
بكتب أهل العراق، ونصحه بأن لا يبرح الحرم فإن كانت لهم حاجة فسيضربون إليه آباط الإبل حتى يوافوه فيخرج في قوة وعدة (١)، وتحقق ما توقعوا من هلاك الحسين ﵁ وأهل بيته، وما تضمنت عبارات وداعهم له، اعتنقه ابن عمر ﵄ وقال: استودعك الله من قتيل (٢)، غلبنا الحسين بن علي بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له ألا يتحرك ما عاش وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير (٣)، وقال أبو سعيد الخدري ﵁: غلبني الحسين على الخروج، وقد قلت له: اتق الله في نفسك والزم بيتك، ولا تخرج على إمامك (٤)، وقال ابن عباس ﵄: فو الله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع
стр. 68
علي وعليك الناس أطعتني وأقمت لفعلت ذلك (١).
ولم يكن هذا الإصرار من الناصحين إلا عن علم وتجربة، فالعلم: عدم جواز الخروج على من عقد المسلمون له البيعة على وجه لا يرفضه الشرع، وهذا حاصل في بيعة يزيد، والتجربة: ما شهدوا منها في عهد عثمان وعلي ﵄، وما وقع فيها من استغلال لتحقيق مآرب وأهواء، وما نتج عن ذلك من فرقة ودمار حتى العقيدة وقع فيها من الخلل ما وقع بسبب ذلك الطيش، وتلك الأهواء.
حدثت الفاجعة الكبرى استشهاد الحسين ﵁ في صباح يوم الجمعة سنة (٦١ هـ) حيث نظم الحسين ﵁ أصحابه وعزم على القتال وكان معه اثنان وثلاثون فارساً، وأربعون راجلاً، فجعل زهير بن القين في ميمنته وحبيب بن مظاهر في الميسرة، وأعطى رايته العباس بن علي، وجعل البيوت وراء ظهورهم، وأمر الحسن بحطب وقصب فجعله من وراء البيوت، وأشعل فيه النار مخافة أن يأتوهم من خلفهم.
стр. 69
وأما عمر بن سعد فقد نظم جيشه، وجعل على الميمنة عمرو بن الحجاج الزبيدي، بدلاً من الحر بن يزيد الذي انضم إلى الحسين، وجعل على الميسرة شمر بن ذي الجوشن وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجال شبت بن ربعي الرياحي، وأعطى الراية ذويداً مولاه.
وبدأت المعركة سريعة وكانت مبارزة في بداية الأمر، وجُوبه جيش عمر بن سعد بمقاومة شديدة من قبل أصحاب الحسين ﵁، حيث أن مقاتلتهم اتسمت بالفدائية فلم يعد لهم أمل في الحياة (١)، وكان الحسين ﵁ في البداية لم يشترك في القتال، وكان أصحابه يدافعون عنه ولما قتل أصحابه لم يجرؤ أحد على قتله، وكان جيش عمر بن سعد يتدافعون ويخشى كل فرد أن يبوء بقتله وتمنوا أن يستسلم، ولكن الحسين ﵁ لم يبد شيئاً من الليونة، بل كان ﵁ يقاتلهم بشجاعة نادرة، عندئذ خشي شمر بن ذي الجوشن من انفلات زمام الأمور فصاح بالجند وأمرهم بقتله، فحملوا عليه، وضربه زرعة بن شريك
стр. 70
التميمي ثم طعنه سنان بن أنس النخعي واحتز رأسه، ويقال إن الذي قتله عمرو بن بطار التغلبي، وزيد بن رقادة (١)، ويقال أن المتولي الإجهاز عليه شمر بن ذي الجوشن الضبي، وحمل رأسه إلى ابن زياد خولي بن يزيد الأصبحي (٢)، وهؤلاء هم من أشر الناس على وجه الأرض، وكان قتل الحسين ﵁ في محرم في العاشر منه سنة إحدى وستين (١٠/ ١/٦١) من الهجرة (٣)، وهم والله الأشقياء، وبيد الله التدبير والقضاء.
النظرة السادسة عشرة
عهد معاوية ﵁ لابنه بالملك:
قال ابن خلدون ﵀: لا يتهم الإمام إن عهد إلى أبيه أو ابنه لأنه مأمون على النظر لهم في حياته، فأولى أن لا يحتمل فيها تبعة بعد مماته، خلافاً لمن قال باتهامه في الولد والوالد، أو
стр. 71
لمن خصص التهمة بالولد دون الوالد، فإنه بعيد عن الظنة في ذلك كله، ولاسيما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه، من إيثار مصلحة أو توقع مفسدة فتنتفي الظنة عند ذلك رأساً، كما وقع في عهد معاوية لابنه يزيد، وإن كان فعل معاوية مع وفاق الناس له حجة في الباب.
والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية، إذ بنو أمية يومئذ، لا يرضون سواهم، وهم عصابة قريش وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصاً على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع، وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك.
وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه، فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم كلهم أجل من ذلك، وعدالتهم مانعة منه، وفرار عبد الله بن عمر من ذلك إنما هو
стр. 72
محمول على تورعه من الدخول في شيء من الأمور مباحاً كان أو محظوراً، كما هو معروف عنه، ولم يبق في المخالفة لهذا العهد الذي اتفق عليه الجمهور إلا ابن الزبير، وندور المخالف معروف، ثم إنه وقع مثل ذلك من بعد معاوية من الخلفاء الذين كانوا يتحرون الحق ويعملون به، مثل عبد الملك وسليمان من بني أمية، والسفاح والمنصور والمهدي والرشيد من بني العباس، وأمثالهم ممن عرفت عدالتهم وحسن رأيهم للمسلمين، والنظر لهم، ولا يعاب عليهم إيثار أبنائهم وإخوانهم، وخروجهم عن سنن الخلفاء الأربعة في ذلك، فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء، فإنهم كانوا على حين لم تحدث طبيعة الملك، وكان الوازع دينياً، فعند كل أحد وازع من نفسه، فعهدوا إلى من يرتضيه الدين فقط وآثروه على غيره، ووكلوا كل من يسمو إلى ذلك إلى وازعه، وأما من بعدهم من لدن معاوية فكانت العصبية قد أشرفت على غايتها من الملك، والوازع الديني قد ضعف واحتيج إلى الوازع السلطاني والعصباني، فلو عهد إلى غير من ترتضيه العصبية لردت ذلك العهد، وانتقض أمره سريعاً، وصارت الجماعة إلى الفرقة والاختلاف.
стр. 73
سأل رجل عليا ﵁: ما بال المسلمين اختلفوا عليك، ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر؟ ، فقال: لأن أبا بكر وعمر كانا واليين على مثلي، وأنا اليوم والٍ على مثلك، يشير إلى وازع الدين، أفلا ترى إلى المأمون لما عهد إلى علي بن موسى بن جعفر الصادق وسماه الرضا كيف أنكرت العباسية ذلك، ونقضوا بيعته وبايعوا لعمه إبراهيم بن المهدي، وظهر من الهرج والخلاف وانقطاع السبل وتعدد الثوار والخوارج ما كاد أن يصطلم الأمر، حتى بادر المأمون من خراسان إلى بغداد ورد أمرهم لمعاهده، فلا بد من اعتبار ذلك في العهد، فالعصور تختلف باختلاف ما يحدث فيها من الأمور والقبائل والعصبيات، وتختلف باختلاف المصالح ولكل واحد منها حكم يخصه، لطفاً من الله بعباده.
وأما أن يكون القصد بالعهد حفظ التراث على الأبناء فليس من المقاصد الدينية إذ هو أمر من الله يخص به من يشاء من عباده، ينبغي أن تحسن فيه النية ما أمكن خوفاً من العبث
стр. 74
بالمناصب الدينية، والملك لله يؤتيه من يشاء (١).
النظرة السابعة عشرة
حسن الظن في أمور:
قال ابن خلدون ﵀:
الأول منها: ما حدث في يزيد من الفسق أيام خلافته، فإياك أن تظن بمعاوية ﵁ أنه علم ذلك من يزيد، فإنه أعدل من ذلك وأفضل، بل كان يعذله أيام حياته في سماع الغناء وينهاه عنه، وهو أقل من ذلك، وكانت مذاهبهم فيه مختلفة، ولما حدث في يزيد ما حدث من الفسق اختلف الصحابة حينئذ في شأنه، فمنهم من رأى الخروج عليه ونقض بيعته من أجل ذلك، كما فعل الحسين وعبد الله بن الزبير ﵄ ومن اتبعهما في ذلك، ومنهم من أباه لما فيه من إثارة الفتنة وكثرة القتل مع العجز عن الوفاء به، لأن شوكة يزيد يومئذ هي عصابة بني أمية، وجمهور أهل الحل والعقد من قريش،
стр. 75
وتستتبع عصبية مضر أجمع، وهي أعظم من كل شوكة، ولا تطاق مقاومتهم، فأقصروا عن يزيد بسبب ذلك، وأقاموا على الدعاء بهدايته والراحة منه، وهذا كان شأن جمهور المسلمين، والكل مجتهدون ولا ينكر على أحد من الفريقين، فمقاصدهم في البر وتحري الحق معروفة وفقنا الله للاقتداء بهم.
والأمر الثاني: هو شأن العهد من النبي ﷺ وما تدعيه الشيعة من وصيته لعلي ﵁، وهو أمر لم يصح، ولا نقله أحد من أئمة النقل، والذي وقع في الصحيح من طلب الدواة والقرطاس ليكتب الوصية وأن عمر منع من ذلك فدليل واضح على أنه لم يقع، وكذا قول عمر ﵁ حين طعن وسئل في العهد فقال: إن أعهد لقد عهد من هو خير مني ـ يعني أبا بكر ـ وإن أترك فقد ترك من هو خير مني ـ يعني النبي ﷺ لم يعهد ـ وكذلك قول علي للعباس ﵄ حين دعاه للدخول إلى النبي ﷺ يسألانه عن شأنهما في العهد، فأبى علي من ذلك وقال: إنه إن منعنا منها فلا نطمع فيها إلى آخر الدهر، وهذا دليل على أن علياً علم أنه لم يوص، ولا عهد إلى أحد، وشبهة الإمامية في ذلك إنما هي كون الإمامة من أركان