لمن خصص التهمة بالولد دون الوالد، فإنه بعيد عن الظنة في ذلك كله، ولاسيما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه، من إيثار مصلحة أو توقع مفسدة فتنتفي الظنة عند ذلك رأساً، كما وقع في عهد معاوية لابنه يزيد، وإن كان فعل معاوية مع وفاق الناس له حجة في الباب.
والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية، إذ بنو أمية يومئذ، لا يرضون سواهم، وهم عصابة قريش وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصاً على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع، وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك.
وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه، فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم كلهم أجل من ذلك، وعدالتهم مانعة منه، وفرار عبد الله بن عمر من ذلك إنما هو
стр. 72
محمول على تورعه من الدخول في شيء من الأمور مباحاً كان أو محظوراً، كما هو معروف عنه، ولم يبق في المخالفة لهذا العهد الذي اتفق عليه الجمهور إلا ابن الزبير، وندور المخالف معروف، ثم إنه وقع مثل ذلك من بعد معاوية من الخلفاء الذين كانوا يتحرون الحق ويعملون به، مثل عبد الملك وسليمان من بني أمية، والسفاح والمنصور والمهدي والرشيد من بني العباس، وأمثالهم ممن عرفت عدالتهم وحسن رأيهم للمسلمين، والنظر لهم، ولا يعاب عليهم إيثار أبنائهم وإخوانهم، وخروجهم عن سنن الخلفاء الأربعة في ذلك، فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء، فإنهم كانوا على حين لم تحدث طبيعة الملك، وكان الوازع دينياً، فعند كل أحد وازع من نفسه، فعهدوا إلى من يرتضيه الدين فقط وآثروه على غيره، ووكلوا كل من يسمو إلى ذلك إلى وازعه، وأما من بعدهم من لدن معاوية فكانت العصبية قد أشرفت على غايتها من الملك، والوازع الديني قد ضعف واحتيج إلى الوازع السلطاني والعصباني، فلو عهد إلى غير من ترتضيه العصبية لردت ذلك العهد، وانتقض أمره سريعاً، وصارت الجماعة إلى الفرقة والاختلاف.
стр. 73
سأل رجل عليا ﵁: ما بال المسلمين اختلفوا عليك، ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر؟ ، فقال: لأن أبا بكر وعمر كانا واليين على مثلي، وأنا اليوم والٍ على مثلك، يشير إلى وازع الدين، أفلا ترى إلى المأمون لما عهد إلى علي بن موسى بن جعفر الصادق وسماه الرضا كيف أنكرت العباسية ذلك، ونقضوا بيعته وبايعوا لعمه إبراهيم بن المهدي، وظهر من الهرج والخلاف وانقطاع السبل وتعدد الثوار والخوارج ما كاد أن يصطلم الأمر، حتى بادر المأمون من خراسان إلى بغداد ورد أمرهم لمعاهده، فلا بد من اعتبار ذلك في العهد، فالعصور تختلف باختلاف ما يحدث فيها من الأمور والقبائل والعصبيات، وتختلف باختلاف المصالح ولكل واحد منها حكم يخصه، لطفاً من الله بعباده.
وأما أن يكون القصد بالعهد حفظ التراث على الأبناء فليس من المقاصد الدينية إذ هو أمر من الله يخص به من يشاء من عباده، ينبغي أن تحسن فيه النية ما أمكن خوفاً من العبث
стр. 74
بالمناصب الدينية، والملك لله يؤتيه من يشاء (١).
النظرة السابعة عشرة
حسن الظن في أمور:
قال ابن خلدون ﵀:
الأول منها: ما حدث في يزيد من الفسق أيام خلافته، فإياك أن تظن بمعاوية ﵁ أنه علم ذلك من يزيد، فإنه أعدل من ذلك وأفضل، بل كان يعذله أيام حياته في سماع الغناء وينهاه عنه، وهو أقل من ذلك، وكانت مذاهبهم فيه مختلفة، ولما حدث في يزيد ما حدث من الفسق اختلف الصحابة حينئذ في شأنه، فمنهم من رأى الخروج عليه ونقض بيعته من أجل ذلك، كما فعل الحسين وعبد الله بن الزبير ﵄ ومن اتبعهما في ذلك، ومنهم من أباه لما فيه من إثارة الفتنة وكثرة القتل مع العجز عن الوفاء به، لأن شوكة يزيد يومئذ هي عصابة بني أمية، وجمهور أهل الحل والعقد من قريش،
стр. 75
وتستتبع عصبية مضر أجمع، وهي أعظم من كل شوكة، ولا تطاق مقاومتهم، فأقصروا عن يزيد بسبب ذلك، وأقاموا على الدعاء بهدايته والراحة منه، وهذا كان شأن جمهور المسلمين، والكل مجتهدون ولا ينكر على أحد من الفريقين، فمقاصدهم في البر وتحري الحق معروفة وفقنا الله للاقتداء بهم.
والأمر الثاني: هو شأن العهد من النبي ﷺ وما تدعيه الشيعة من وصيته لعلي ﵁، وهو أمر لم يصح، ولا نقله أحد من أئمة النقل، والذي وقع في الصحيح من طلب الدواة والقرطاس ليكتب الوصية وأن عمر منع من ذلك فدليل واضح على أنه لم يقع، وكذا قول عمر ﵁ حين طعن وسئل في العهد فقال: إن أعهد لقد عهد من هو خير مني ـ يعني أبا بكر ـ وإن أترك فقد ترك من هو خير مني ـ يعني النبي ﷺ لم يعهد ـ وكذلك قول علي للعباس ﵄ حين دعاه للدخول إلى النبي ﷺ يسألانه عن شأنهما في العهد، فأبى علي من ذلك وقال: إنه إن منعنا منها فلا نطمع فيها إلى آخر الدهر، وهذا دليل على أن علياً علم أنه لم يوص، ولا عهد إلى أحد، وشبهة الإمامية في ذلك إنما هي كون الإمامة من أركان
стр. 76
الدين كما يزعمون، وليس كذلك، وإنما هي من المصالح العامة المفوضة إلى نظر الخلق، ولو كانت من أركان الدين لكان شأنها شأن الصلاة، ولكان يستخلف فيها كما استخلف أبا بكر في الصلاة، ولكان يشتهر كما اشتهر أمر الصلاة.
واحتجاج الصحابة على خلافة أبي بكر بقياسها على الصلاة في قولهم: ارتضاه رسول الله ﷺ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا، دليل على أن الوصية لم تقع، ويدل ذلك أيضاً على أن أمر الإمامة والعهد بها لم يكن مهماً كما هو اليوم، وشأن العصبية المراعاة في الاجتماع والافتراق في مجاري العادة لم يكن يومئذ بذلك الاعتبار، لأن أمر الدين والإسلام كان كله بخوارق العادة من تأليف القلوب عليه، واستماتة الناس دونه، وذلك من أجل الأحوال التي كانوا يشاهدونها في حضور الملائكة لنصرهم، وتردد خبر السماء بينهم وتجدد خطاب الله في كل حادثة تتلى عليهم، فلم يحتج إلى مراعاة العصبية لما شمل الناس من صبغة الانقياد والإذعان، وما يستفزهم من تتابع المعجزات الخارقة، والأحوال الإلهية الواقعة، والملائكة المترددة التي وجموا منها، ودهشوا من تتابعها.
стр. 77
فكان أمر الخلافة والملك والعهد والعصبية، وسائر هذه الأنواع مندرجاً في ذلك القبيل، كما وقع، فلما انحصر ذلك المدد بذهاب تلك المعجزات، ثم بفناء القرون الذين شاهدوها، فاستحالت تلك الصبغة قليلاً قليلاً وذهبت الخوارق وصار الحكم للعادة كما كان، فاعتبر أمر العصبية ومجاري العوائد فيما ينشأ عنها من المصالح والمفاسد، وأصبح الملك والخلافة والعهد بهما مهماً، من المهمات الأكيدة كما زعموا، ولم يكن ذلك من قبل.
فانظر كيف كانت الخلافة لعهد النبي ﷺ غير مهمة، فلم يعهد فيها، ثم تدرجت الأهمية زمان الخلافة بعض الشيء بما دعت الضرورة إليه في الحماية والجهاد وشأن الردة والفتوحات، فكانوا بالخيار في الفعل والترك كما ذكرنا عن عمر ﵁، ثم صارت اليوم من أهم الأمور للألفة على الحماية، والقيام بالمصالح، فاعتبرت فيها العصبية التي هي سر الوازع عن الفرقة والتخاذل، ومنشأ الاجتماع والتوافق، الكفيل بمقاصد الشريعة وأحكامها (١).
стр. 78
النظرة الثامنة عشرة
بعض نتائج الأحداث:
نتج من السلبيات بسبب خروج الحسين ﵁ من مكة معارضا ليزيد مايلي:
١ ـ غدر الشيعة بابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب ﵀، كما توقع الناصحون من الصحابة والتابعين ﵃.
٢ ـ انتصار ابن زياد وإرهاب كل من تسول له نفسه بمناصرة الحسين ﵁.
٣ ـ وقوع الحسين ﵁ في يد ابن زياد، فلم يتمكن من العودة إلى مكة لما تبين له واقع شيعته فقد أسلموا ابن عمه للموت، ولم يبق معه سوى أهل بيته، وقلة ممن ثبت معه.
٤ ـ استقبال الحسين ﵁ ومن معه الموت رغم علمهم بالهلاك اثنان وسبعون رجلا أمام أربعة آلاف من جيش ابن زياد له عدد وعدة.
٥ ـ استشهاد الحسين ﵁ في الدفاع عن نفسه وعرضه، وقتل
стр. 79
معه اثنان وسبعون رجلا (١) هم كل من كان معه.
٦ ـ قتل من جيش ابن زياد ثمانية وثمانون رجلا (٢).
٧ ـ انشقاق وحدة المسلمين عقائديا حيث استغل قتل الحسين ﵁ ومن معه في الكذب على أهل السنة، وإشهار دعوى عدم حبهم آل البيت، والحق أن الشيعة هم الذين أسلموه للموت فغرروا به واستقدموه للهلاك، ولو أصغى الحسين ﵁ لنصائح أهل السنة ما حصل له ذلك، وقدر الله فوق ذلك كله.
٨ ـ تفنن الشيعة بعد ذلك في الخروج عن منهج الكتاب والسنة، وأشهروا البدع وإضلال الناس باسم حب الحسين ﵁ والثأر له، فهل يثأرون من آبائهم الأولين، فهم قتلة الحسين ﵁ دون شك، ومن عاجل عقابهم ما سلط على عقبهم مما يصنعون بأنفسهم في عاشوراء، وإغراقهم في البدع، ومناقضة ما جاء في الكتاب والسنة، فضلوا وأضلوا، وكم يحملون من أوزارهم وأوزار أتباعهم؟ ! ! .
стр. 80
ومن إيجابيات خروج الحسين ﵁ ما يلي:
١ ـ بيان ضلال الشيعة وغدرهم المتوالي بدأ بعلي والحسن والحسين ﵃، وانتهى بكفير الصحابة، وتضليل كل من يعمل بالكتاب والسنة.
٢ ـ ثبوت عدم عصمة علي وذريته، وقد وقع لهم ما وقع، وليس من سنة الله تعالى أن يعد أحدا من خلقه بالعصمة ويخذله في الموقف العصيب، ولكن الشيعة أبوا إلا الكذب على الله ، وعلى رسوله ﷺ ، وعلى آل البيت ﵃، وعلى الأمة المحمدية.
٣ ـ أن عقيدة أهل السنة في حب آل البيت لم تخرج عن منهج الكتاب والسنة، وهم وإن خطّؤوا الحسين ﵁ في عدم البيعة ليزيد، وفي خروجه إلى الكوفة ثقة بوعود من غدروا بأبيه وأخيه، فلم يفسقوه بذلك ولم يقل أحد بردته، بل يقولون: اجتهد ﵁ وأخطأ في اجتهاده ﵁، فله أجر الاجتهاد لأنه لم يرد إلا الخير للأمة، وخطؤه مغفور، ويشدون له ولأخيه الحسن أنهما سيدا شباب أهل الجنة ﵄، ويعترفون بما لهما من الفضائل ﵄، ويشهدون
стр. 81
بأن الشيعة تسببوا في قتل الحسين ومن معه، فأخرجوه إلى مصرعه وهلاك من معه بوعود كاذبة، وخيانة عظمى، ظهر في الدنيا بعض عقاب الله لهم.
٤ ـ أن الناصحين له من الصحابة ﵃ والتابعين ﵏ كانوا على حق ويقين للأسباب التالية:
أـ العمل بما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وإِنِ اسْتعمل عليكم عبد حَبَشِىٌّ كأَن رأْسه زبِيبة» (١)، وقال ﷺ : «من أَتاكم وأَمركم جميع على رجلٍ واحد يرِيد أَن يشقّ عصاكم أَو يفرِّق جماعتكم فاقتلوه» (٢) وقد خرج الحسين ﵁ وأمر الناس مجتمع على يزيد، وقال «خِيَارُ أَئمّتكم الَّذين تُحبّونهم ويُحبّونكم، وتُصلّون عليهم ويُصلّون عليكم، وشرار أَئمّتكم الّذين تبغضونهم ويُبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» قالوا: قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك قال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما
стр. 82
أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولى عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة» (١) ولم يُعلم أن يزيد لم يقم الصلاة في الناس، ولم يعلم منه كفر عليه برهان.
من أجل هذه النصوص وغيرها كثير خاف أهل السنة على الحسين ﵁ مما أقدم عليه، بالإضافة إلى معرفتهم بغدر الشيعة.
تمت هذه النظرات باختصار مفيد، نريد به توجيه كل ذي عقل رشيد، إلى قصة الحسين الشهيد، ليعلم الحق فيلزمه وعنه لا يحيد، فالسعيد من ينجو بما عرف من الحق يوم الوعيد، وسيحكم الله في ذلك اليوم بين العبيد.
هذه ليلة الخميس ٢٩/ ١١/ ١٤٢٩ هـ المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين، عدد خلقه وزنة عرشه ومداد كلماته ورضا نفسه.