← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 132393

بلاغات ابن شهاب الزهري وإدراجاته في الكتب الستة

عبد الحميد شيخون

Полный текст (222 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

جامعة الإسكندرية كلية الآداب قسم اللغة العربية وآدابها شعبة الدراسات الإسلامية بلاغات ابن شهاب الزُّهْرِيّ وإدراجاته في الكتب الستة "جمع وتخريج ودراسة" بحث مقدم لاستكمال متطلبات الحصول على درجة دكتوراه الفلسفة في الآداب تخصص دراسات إسلامية information of Ibn Shihab el-Zohri and his inputs in the six books Collecting - documentating - study إعداد الباحث/ عبد الحميد عبد الرازق شيخون محمد تحت إشراف أ. د/ ناهد أحمد الشعراوي د/ ماجدة أحمد سليمان ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

المقدمة: إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فقد قال النبي ﷺ : "مَن يُرد اللَّه به خيرًا يُفَقِّهه في الدِّين" (١)؛ فجعل النبي ﷺ الخيرية في التفقه في الدين ليتسابق إليه الخيرون، وجعلهم ورثة الأنبياء، وجعلهم من أوفر الناس حظًا؛ لقوله ﷺ : "إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر" (٢). ومن بركات هذا العلم: أنه يلحق العامل به من عمله وحسناته بعد موته؛ لقول النبي ﷺ : "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علمًا علمه ونشره ..... الحديث" (٣). أسأل الله العظيم أن يجعلني وإياكم من هؤلاء المهتمين بتعلم العلم ونشره ابتغاء مرضاة الله . ولما كان الأمر كذلك صار حريًا أن ننهض للعلم وطلبه والسعي إليه، ونبذل الغالي والنفيس من أجله. ومما لا شك فيه أن علم الحديث النبوي الشريف من أعظم العلوم الشرعية قدرًا وشرفًا؛ لما له من مكانة في التشريع الإسلامي، ولتعلقه المباشر بالدفاع عن النبي ﷺ

стр. 4

وسنته المباركة؛ كل هذا وغيره جعلني أوثر هذا العلم الشريف، وأختاره تخصصًا في دراستي، وقد وقع اختياري على موضوع " بلاغات ابن شهاب الزُّهْرِيّ وإدراجاته في الكتب الستة"؛ وذلك بجمع بلاغات الزُّهْرِيّ وإدراجاته من الكتب الستة ودراستها، وتمييز قوله من قول رسول الله ﷺ ، وبيان أسباب الإرسال ودوافع الإدراج عنده. أولًا: أهمية الموضوع، وبواعث اختياره: العلم بالحديث من أجل العلوم وأشرفها؛ حيث لا يمكن معرفة وفهم وتدبر القرآن إلا بمعرفة الحديث الشريف المبيّن، والمخصص، والمفسّر له، وعليه صار لا بُدّ من تمييز صحيح الحديث من سقيمه؛ لذا وقع اختياري على موضوع "بلاغات ابن شهاب الزُّهْرِيّ وإدراجاته في الكتب الستة"، وذلك للمساهمة في خدمة السنة النبوية المشرفة، من خلال بيان مواضع بلاغات وإدراجات الزُّهْرِيّ في أحاديث الكتب الستة، مما قد يكون ضعيفًا، ويرويه العامة والخاصة على اعتبار أنه صحيح. ومما دعاني لاختيار هذا الموضوع ما يلي: ١ - رغبتي في التوسع وزيادة التمكن من علم الحديث. ٢ - رغبتي في اختيار موضوع يفيدني، وطلاب العلم. ٣ - تقديم دراسة تستوفي جوانب حياة الإمام الزُّهْرِيّ. ٤ - وصل ما اتصل من بلاغات الإمام الزُّهْرِيّ. ٥ - تمييز كلام النبي ﷺ من كلام الزُّهْرِيّ في الكتب الستة، وبيان أسباب الإرسال ودوافع الإدراج عنده. ثانيًا: أهداف البحث: ١ - التعريف بالإمام ابن شهاب الزُّهْرِيّ وبمكانته العلمية. ٢ - معرفة الأحاديث التي بها بلاغ أو إدراج من الزُّهْرِيّ في الكتب الستة وتمييز كلام الزُّهْرِيّ من كلام النبي ﷺ . ٣ - دراسة هذه الأحاديث؛ لبيان الصحيح منها من الضعيف. ٤ - بيان أسباب الإرسال ودوافع الإدراج عند الزُّهْرِيّ.

стр. 5

ثالثًا: صعوبات الدراسة: من أهم الصعوبات التي واجهتني لإتمام هذه الدراسة هو منهجها الاستقرائي، حيث يوجّب عليّ هذا المنهج استقراء متون الكتب الستة، وكل ما يميط اللّثام عن مواضع الإدراج في هذه المتون: ككتب الشروح، وعلل الحديث، وغيرها، ولا شك في أن قراءة كل هذه الكتب للاهتداء لمواضع الإدراج فيها يحتاج إلى أضعاف الوقت المقرر لمثل هذه الدراسة. وعليه فقد قمت بقراءة بعض الكتب قراءة كاملة، ككتاب: الفصل للوصل المدرج في النقل للخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣ هـ)، وكتاب: المدرج إلى المدرج للسيوطي (ت: ٩١١ هـ)، ثم استعنت بالبحث الحاسوبي عن "لفظة" مدرج ومشتقاتها في استقراء الكتب الأخرى. رابعا: الدراسات السابقة: وقفتُ على بحث مصغر نشرته مجلة الجامعة الإسلامية في العدد الثاني (يونيو ٢٠١١ م) بعنوان: "بلاغات الإمام الزُّهْرِيّ وإدراجاته في صحيح البخاري" للباحثة سميحة حسن الأسود، وتناول هذا البحث المواضع التي فيها بلاغات وإدراجات الزُّهْرِيّ في صحيح البخاري دون النظر لأسانيد تلك البلاغات أو الحكم عليها أو تخريجها وبيان ما اتصل منها، أو تخريج الأحاديث التي اشتملت على الإدراج، ودون التوسع في دراسة بلاغات الزُّهْرِيّ وإدراجاته، كما أن الباحثة لم تستوعب في حصرها جميع بلاغات (١) الزُّهْرِيّ وإدراجاته (٢) التي وقعت في صحيح البخاري؛ لذا فإني سأتناول بلاغات الزُّهْرِيّ وإدراجاته في الكتب الستة بما في ذلك صحيح البخاري ودراستها دراسة موسعة للوصول إلى حكم علمي على هذه البلاغات والإدراجات.

стр. 6

خامسًا: منهج البحث: اعتمدت في هذا البحث على المنهج الاستقرائي، حيث قمت بما يلي: ١ - تتبعت الأحاديث التي فيها بلاغ أو إدراج للإمام الزُّهْرِيّ في الكتب الستة فجمعتها. ٢ - خرجت هذه الأحاديث تخريجًا يساعد في معرفة درجة الحديث والحكم عليه. ٣ - تتبعت الطرق التي تتصل بها بلاغات الإمام الزُّهْرِيّ، فوصلتها إلا القليل. ٤ - ميزت الكلام المدرج، بوضع خط تحته في موضعه من متن الحديث. ٥ - بينت ما يثبت به الإدراج: إما بنص بعض الرواة على الإدراج، أو بنقل أقوال العلماء في ذلك، أو بيان من أخرج الحديث دون إدراج. ٦ - قمت بدراسة الإسناد في الأحاديث التي لم ترد في الصحيحين، أو في أحدهما. ٧ - ترجمت لرجال الإسناد في الأحاديث التي تناولتُ دراسة أسانيدها: وذلك بذكر اسم الراوي، وكنيته، وسنة وفاته. ٨ - لم أترجم للصحابة، إلا المختلف فيهم، وغير المشهورين. ٩ - جمعت أقوال أئمة الجرح والتعديل في الرواة المختلف فيهم للاجتهاد في الوصول إلى خلاصة القول فيهم. ١٠ - الرواة المتفق عليهم جرحًا أو تعديلًا ترجمت لهم ترجمة مجملة، مع الإشارة إلى مواضع الترجمة، واكتفيت بقولي فلان ثقة، أو أجمعوا على توثيقه، أو ضعيف. ١١ - من لم أجد له ذكر في كتب التراجم، بينت ذلك بقولي: لم أجده. ١٢ - نقلت أحكام العلماء - المتقدمين والمتأخرين - على الأحاديث التي تناولتُ دراسة أسانيدها بحسب الحاجة، مع بيان حكمي الخاص بذلك ما استطعت. ١٣ - ما اتفق عليه البخاري ومسلم أقول فيه: صحيح؛ اتفق على إخراجه الشيخان. ١٤ - ترجمت للأعلام والأنساب والألقاب، وعرفت بالأماكن والبلدان. ١٥ - قمت بعمل فهارس للآيات والأحاديث والرواة والمصادر والمراجع والموضوعات. ١٦ - اخترت المراجع الحديثة المحققة قدر الإمكان، والمذيلة بأحكام المحققين؛ وذلك لتسهيل نقل أحكام المحققين دون الحاجة إلى تكرار العزو. ١٧ - التزمت بالمنهجية العلمية المتعلقة بكتابة البحوث العلمية في مثل هذا البحث

стр. 7

العلمي: كالتبويب، وعلامات الترقيم، والحواشي، والفهارس، ونحوها. سادسًا: تقسيمات البحث: وتشتمل على مقدمة وفصل تمهيدي وأربعة فصول وخاتمة. تشتمل المقدمة على: أهمية الموضوع وبواعث اختياره وأهداف البحث، وصعوبات الدراسة، والدراسات السابقة، ومنهج البحث وطبيعة العمل، وتقسيمات البحث. • فصل تمهيدي: في مقدمات عامة بين يدي البحث، وفيه مبحثان: o المبحث الأول: البلاغات. o المبحث الثاني: الحديث المدرج. • الفصل الأول: سيرة الإمام ابن شهاب الزُّهْرِيّ، وفيه أربعة مباحث: o المبحث الأول: ترجمة الإمام الزُّهْرِيّ. o المبحث الثاني: عقيدته. o المبحث الثالث: مكانته العلمية. o المبحث الرابع: مراسيله ونسبة التدليس إليه. • الفصل الثاني: بلاغات الزُّهْرِيّ في الكتب الستة، وفيه ستة مباحث: o المبحث الأول: بلاغات الزُّهْرِيّ في صحيح البخاري. o المبحث الثاني: بلاغات الزُّهْرِيّ في صحيح مسلم. o المبحث الثالث: بلاغات الزُّهْرِيّ في سنن أبي داود. o المبحث الرابع: بلاغات الزُّهْرِيّ في سنن التِّرْمِذِيّ. o المبحث الخامس: بلاغات الزُّهْرِيّ في سنن النّسائي. o المبحث السادس: بلاغات الزُّهْرِيّ في سنن ابن ماجة. • الفصل الثالث: إدراجات الزُّهْرِيّ في الكتب الستة، وفيه ستة مباحث: o المبحث الأول: إدراجات الزُّهْرِيّ في صحيح البخاري. o المبحث الثاني: إدراجات الزُّهْرِيّ في صحيح مسلم. o المبحث الثالث: إدراجات الزُّهْرِيّ في سنن أبي داود. o المبحث الرابع: إدراجات الزُّهْرِيّ في سنن التِّرْمِذِيّ.

стр. 8

o المبحث الخامس: إدراجات الزُّهْرِيّ في سنن النسائي. o المبحث السادس: إدراجات الزُّهْرِيّ في سنن ابن ماجة. • الفصل الرابع: أسباب الإرسال ودوافع الإدراج عند الزُّهْرِيّ، وفيه مبحثان: o المبحث الأول: أسباب الإرسال عند الزُّهْرِيّ. o المبحث الثاني: دوافع الإدراج عند الزُّهْرِيّ. • الخاتمة: وتشتمل على أهم النتائج. • الفهارس: وتشتمل على: o فهرس الآيات القرآنية o فهرس البلاغات o فهرس الأحاديث المدرجة o فهرس الصحابة المُتَرْجَم لهم o فهرس الأعلام المُتَرْجَم لهم o فهرس الرواة المُتَرْجَم لهم o فهرس المصادر والمراجع o فهرس الموضوعات

стр. 9

• فصل تمهيدي: في مقدمات عامة بين يدي البحث: o المبحث الأول: البلاغات o المبحث الثاني: الحديث المدرج

стр. 10

المبحث الأول: البلاغات أولا: تعريف البلاغات • البلاغ في اللغة: يقول ابن فارس: "الباء واللَّام والغين أصل واحد، وهو الوصول إلى الشَّيء. تقول بلغت المكان، إذَا وصلتَ إليه (١)، "والبُلُوغ والإبلاغ: الانتهاء إلى أقصى المَقْصد والمُنْتَهى، مكانًا كان، أَو زمانًا، أَو أمرًا من الأمور المُقَدَّرَة" (٢)، يُقَالُ: أبْلَغَهُ الخَبَرَ إبْلاغًا، وبَلَّغَهُ تَبْلِيغًا (٣)، "والبَلاغ: ما يُتَبَلَّغ بِه ويُتَوَصَّل إلى الشَّيء الْمَطْلُوب، والبَلاغ: ما بَلَغَك، .. والبَلاغ: الإِبْلاغ، والإِبلاغ: الإِيصال، وَكذلك التبْلِيغ" (٤). مما تقدم يتبيّن أن البلاغ هو: إيصال الخبر ونحوه، وقول القائل: بلغني، أي: وصل إليّ. • البلاغ في الاصطلاح: لم أجد من المُحدِّثين من حد البلاغ باصطلاح معين، ولكن خص بعض أهل اللغة البلاغ في بعض معانيه بأنه: "ما بَلَغ من الْقُرْآن وَالسُّنَن" (٥)، أي: ما رواه الراوي بصيغة بلغني عن فلان، وقد اشتهر في هذا الباب بلاغات مالك التي رواها في الموطأ، وقد استخدم ابن عبد البر "البلاغات" بهذا المعنى في التمهيد، حيث عقد بابًا في بلاغات مالك ومرسلاته (٦)، وصلها إلا أربعة بلاغات، لم يجد لها إسنادًا، وقد وصلها ابن الصلاح

стр. 11

في رسالة سماها "وصل بلاغات الموطأ" وقد استخدم أيضًا "البلاغات" بالمعنى المشار إليه. ومن المعنى اللغوي للبلاغ واستخداماته عند المُحدِّثين يمكن القول إن البلاغ في مصطلح الحديث يعني: ما يرويه الراوي من أحاديث وآثار بصيغة بلغني عن فلان أو نحوها كذُكر لي أو رُوينا عن فلان، دون ذكر الواسطة بينه وبين قائل هذا الأثر أو فاعله. ثانيًّا: علاقة البلاغات بالمعضل والمرسل تعد البلاغات في عرف المُحدِّثين من المُعْضَل، قال ابن الصلاح: "وذكر أبو نصر السِّجْزِيّ (١) الحافظ قول الراوي: "بلغني" نحو قول مالك: بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: للمملوك طعامه وكسوته .... الحديث (٢)، وقال: أصحاب الحديث يسمونه المعضل" (٣). "والمُعْضَل: ما سقط من إسناده اثنان فأكثر على التوالي" (٤)، "والمعضل من قسم الضَّعِيف" (٥). والإمام الزُّهْرِيّ من صغار التابعين، وبلاغاته التي رواها عن رسول الله ﷺ فهي فيما أُرى من المرسل، وصورة المرسل عند المُحدِّثين: "أن يقول التابعيّ -سواء كانَ كبيرًا

стр. 12

أم صغيرًا-: قال رسول ﷺ كذا، أو فعل كذا، أو فُعِل بحضرته كذا، ونحو ذلك" (١)، "فإِن المَرَاسِيل للتابعين دون غَيرهم" (٢)، وأما ما سقط من رُوَاته قبل التَّابِعِيّ واحد أَو أَكثر فيسمى معضلًا (٣). وعليه فإن البلاغ قد يُعبر عنه بالمعضل إذا سقط من رُوَاته قبل التَّابِعِيّ واحد أَو أَكثر، وقد يُعبر عنه بالمرسل إذا صدر من التّابعيّ.

стр. 13

المبحث الثاني: الحديث المدرج أولًا: تعريف الحديث المدرج • المدرج لغة المُدرَج بضم الميم وسكون الدال وفتح الراء: اسم مفعول من أدرج. والإِدْراج: لَفّ الشَّيْء في الشَّيْء. يُقَالُ: دَرَجْتُه وأَدْرَجْتُه ودَرَّجْتُه، وَالرُّبَاعِيُّ أَفصحها. ودَرَجَ الشيءَ فِي الشَّيْء يَدْرُجُه دَرْجًا، وأَدْرَجَه: طَوَاه وأَدخله (١)، ودَرَجَ الشيءَ فِي الشَّيْء: أدخلهُ فِي ثناياه (٢). فالإِدْراج لغة: الإدخال، والمُدرَج، ما وقع فيه الإدراج. • المدرج اصطلاحًا لم أقف على تعريف جامع للمدرج يشمل قسميه -مدرج الإسناد ومدرج المتن- فيما رجعت إليه من مصادر المتقدمين في علوم الحديث، فمنهم من قصر التعريف على مدرج المتن، ومنهم من عرّف كل قسم على حدة. فمن التعريفات التي اقتصرت على مدرج المتن ما يلي: عرفه ابن دقيق العيد بقوله: "أَلْفَاظ تقع مع بعض الروَاة مُتَّصِلَة بِلَفْظ الرَّسُول ﷺ وَيكون ظَاهرهَا أَنَّهَا من لَفظه فَيدل دَلِيل على أَنه من لفظ الرَّاوِي" (٣). وعرفه الذهبي بقوله: "ألفاظٌ تقع من بعض الرواة متصلةً بالمَتْن، لا يبِينُ للسامع إلا أنها من صُلْب الحديث" (٤).

стр. 14

وعرفه ابن كثير بقوله: "أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي، فحسبها من يسمعها مرفوعة في الحديث، فيرويها كذلك" (١). فهذه التعريفات اقتصرت على تعريف المدرج في المتن، والأولى أن يشمل التعريف المدرج بقسميه. ومن التعريفات التي عرفت كل قسم على حدة: تعريف ابن الصلاح، حيث عرفه بقوله: "وهو أقسام: منها ما أُدرِج في حديث رسول الله ﷺ من كلام بعض راوته، بأن يذكر الصحابيّ أو من بَعْدَه، عَقِبَ ما يرويه من الحديث، كلامًا من عند نفسه، فيرويه مَنْ بعدَه موصولًا غيرَ فاصلٍ بينهما بذكر قائله، فيلتبس الأمر فيه على من لا يعلم حقيقة الحال، ويتوهم أن الجميع عن رسول الله ﷺ " (٢)، ثم ذكر أنواعًا من مدرج الإسناد. وتبع ابن الصلاح في هذا التعريف كثير ممن اختصر كتابه أو شرحه أو علق عليه، كالنووي (٣) والعراقي (٤) والسيوطي (٥)، وغيرهم. ويؤخذ على هذا التعريف ما يلي: ١ - أنه عرف الشيء بنفسه، فقال: المدرج: ما أُدرج. ٢ - أنه تعريف طويل، والأصل في التعريفات أن تكون وجيزة.

стр. 15

٣ - أنه لا يشمل مدرج الإسناد، حيث بيّن أقسام مدرج الإسناد وعرف كل نوع على حدة بعد تعريفه لمدرج المتن والتمثيل له. ٤ - أنه قصر الإدراج على آخر الحديث، فلم يشمل الإدراج في أول الحديث أو وسطه. كما اعترض البقاعي على هذا التعريف بقوله: "فإنَّه يُوهِم أنّ التسمية خاصة بالمرفوع وليس كذلك، فليس المرفوع شرطًا فيها" (١)، وهذا اعتراض منهجي سديد؛ فالإدراج يقع في المرفوع وكذلك في الموقوف، فالأولى الإطلاق في العبارة لتكون أسلم من الاعتراض. التعريف المختار ولعل أقرب التعريفات إلى الدقة فيما أُرى أن نقول في تعريف المدرج: ما أُدخلت فيه زيادة ليست منه، على وجه يوهم أنها منه. ثانيًا: أقسام المدرج ينقسم الحديث المدرج إلى قسمين: مدرج المتن ومدرج الإسناد، وكل قسم ينسلخ منه أنواع أبينها فيما يلي: أمُدْرَج المَتْن: "فهو أن يَقَع في المتن كلام ليس منه" (٢). ومثاله ما أخرجه مسلم (٣) من طريق مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ، عن أَبِي سَلَمَة، عن جَابِرٍ، قال: " إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا".

стр. 16

قال مُحَمَّد بن يَحْيَى الذُّهْلِيّ: "حديث مَعْمَر هذا إنَّما منتهاه إلى قوله هي لك وَلِعَقِبِك وما بعده عندنا من كلام الزُّهْرِيّ" (١). • أنواع الإدراج في المتن (٢): ١ - إدراج يكون في أوّل الحديث. ٢ - إدراج يكون في أثنائه. ٣ - إدراج يكون في آخِره. ب مُدْرَج الإسناد: وهو على خمسة أقسام (٣)، الثلاثة الأول ذكرها ابن الصلاح في مقدمته (٤). ١ - أن يروي جماعة الحديث بأَسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راوٍ فيَجمع الكلّ على إسنادٍ واحدٍ من تلك الأسانيد ولا يُبَيِّن الاختلاف. ومثاله: ما رواه الإمام أحمد (٥): عن عبد الرَّحْمَن بن مَهدي، عن سُفْيَانَ، عن مَنْصُورٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَوَاصِلٌ، عن أَبِي وَائِلٍ، عن عَمْرِو بن شُرَحْبِيلَ، عن عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ»، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ طَعَامِكَ» - وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَرَّةً: «أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» -، قال: ثمّ قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ». ورواية وَاصِل هنا مُدْرَجة على رواية مَنْصُور وَالْأَعْمَش؛ لأَن واصلًا لم يذكر فيه

стр. 17

عمرًا بن شُرَحْبِيل، بل يرويه عن أبي وَائِل، عن عبد الله، .. وَقد بَيّن الإسنادين مَعًا يحيى الْقطَّان فِي رِوَايَته عن الثَّوْريّ، وفصل أحدها عن الآخر، كما رواه البُخَارِيّ (١): عن: عَمْرو بن عَليّ، عَن يحيى، عَن سُفْيَان، عَن مَنْصُور وَالْأَعْمَش، كِلَاهُمَا عَن أبي وَائِل، عَن عَمْرو. وعن: سُفْيَان، عَن وَاصل، عَن أبي وَائِل، عَن عبد الله، من غير ذكر عَمْرو بن شُرَحْبيل (٢). ٢ - أن يكون المتن عند راوٍ إِلاّ طرفًا منه فإِنَّه عنده بإسنادٍ آخر، فيرويه راوٍ عنه تامًّا بالإِسناد الأوَّل. ومثاله (٣): "رواية سَعِيدِ بْن أَبِي مَرْيَمَ، عن مَالِكٍ، عن الزُّهْرِيّ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَنَافَسُوا ... الحديث" (٤)، فَقَوْلُهُ: "لَا تَنَافَسُوا" أَدْرَجَهُ ابن أَبِي مَرْيَمَ من مَتْنِ حَدِيثٍ آخَرَ، رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عن الْأَعْرَجِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ: "لَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا" (٥). ٣ - أَن يكون عند الرَّاوي متنان مختلفان بإسنادين مختلفين، فيرويهما راوٍ

стр. 18

عنه مُقتصرًا على أحد الإسنادين، أو يروي أحد الحديثين بإسناده الخاصّ به، لكن، يزيد فيه من المتن الآخَر ما ليس في الأول. ومثاله: ما رواه الخطيب (١) من طريق عَبْد الرَّزَّاق، قال: أنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عَلِيِّ بن الحسين، عن عمرو ابن عُثْمَان، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ ـ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، ثُمَّ قَالَ: نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ على الكفر -يعني بِخَيْفِ الأَبْطَحِ- قَالَ الزُّهْرِيّ: وَالْخَيْفُ الْوَادِي، قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا حَالَفُوا بَنِي بَكْرٍ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَنْ لا يُجَالِسُوهُمْ، وَلا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلا يُبَايِعُوهُمْ، وَلا يُؤْوُوهُمْ". قال الخطيب: "روى مَعْمَر عن الزُّهْرِيّ هذا الحديث هكذا سياقة واحدة بإسناد واحد ووهم في ذلك، لأنه حديثان بإسنادين مختلفين، فمن أوله إلى آخر قوله: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" يرويه الزُّهْرِيّ عن علي بن الحسين بالإسناد الذي ذكرناه. وما بعد ذلك إلى آخر الحديث إنما هو عند الزُّهْرِيّ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة" (٢). ٤ - أن يسمع الحديث من شيخه إلا طرفًا منه فيسمعه عن شيخه بواسطة، فيرويه راوٍ عنه تمامًا بحذف الواسطة. ومثاله (٣): حَدِيث إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن حميد عَن أنس في قصَّة العرنيين وأن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُم: "لَو خَرجْتُمْ إِلَى إبلنا فشربتم من أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا" فَإِن لَفْظَة "وَأَبْوَالهَا" (٤)

стр. 19

إِنَّمَا سمعها حميد من قَتَادَة عَن أنس، كما بينه مُحَمَّد بن أبي عدي ومروان بن مُعَاوِيَة وَيزِيد بن هَارُون وَغَيرهم، إِذْ رَوَوْهُ عَن حميد عَن أنس بِلَفْظ فشربتم من أَلْبَانهَا وَعِنْدهم قَالَ حميد قَالَ قَتَادَة عَن أنس وَأَبْوَالهَا؛ فرواية إِسْمَاعِيل على هَذَا فِيهَا إدراج. ٥ - أن يسوق الإسناد فيعرض له عارض، فيقول كلامًا من قبل نفسه، فيظن بعض من سمعه أَنَّ ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد؛ فيرويه عنه كذلك. مثاله: حديث رواه ثابت بن موسى الزاهد عن شريك عن الأَعْمَشِ عن أَبِي سُفْيَانَ عن جَابِرٍ عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" (١). وهذا قول شريك، قاله في عقب حديث الأَعْمَش عن أَبِي سُفْيَانَ عن جابر: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد" فأدرجه ثابت في الخبر وجعل قول شريك مِنْ كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ ثم سرق هذا جماعة من الضعفاء من ثابت وحدثوا به عن شريك (٢). وأصل القصة: أن ثابت بن موسى، دخل على شريك بن عبد الله القاضي وهو يملي ويقول: "حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ ... "، وسكت ليكتب المستملي، فلما نظر إلى ثابت قال: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار"، وقصد بذلك ثابتًا لزهده وورعه، فظن ثابت أنه متن ذلك الإسناد، فكان يحدث به

стр. 20

كذلك، فعلى هذا هو من أقسام المدرج (١). ثالثًا: وجوه معرفة المدرج يمكن معرفة المدرج من خلال ما يلي (٢): ١ - أن يستحيل إضافة ذلك إلى النبي ﷺ . ومثاله: ما أخرجه البخاري عن بِشْر بن مُحَمَّد، قال: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بن المبارك، أَخْبَرَنَا يُونُس بن يزيد، عن الزُّهْرِيّ، قال، سَمِعْتُ سَعِيدَ بن المُسَيِّبِ، يَقُول: قَال أبو هُرَيْرَة ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِلْعَبْدِ المَمْلُوكِ الصَّالِحِ أَجْرَانِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلاَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي، لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ» (٣). فهذا الفصل الذي في آخر الحديث لا يجوز أن يكون من قول النبي ﷺ إذ يمتنع عليه ﷺ أن يتمنى أن يصير مملوكا، وأيضا فلم يكن له أمّ يبرها، بل هذا من قول أبي هريرة ﵁ أدرج في المتن (٤). وقد رواه مسلم (٥) من طريق ابن وهب عن يونس، فساق الحديث إلى قوله "أجران" فقال فيه: "والذي نفس أبي هريرة بيده .. " إلى آخره. ٢ - أن يصرح الصحابي بأنه لم يسمع تلك الجملة من النبي ﷺ . ومثاله ما أخرجه ابن الأعرابي، قال: نا أَحْمَد بن عَبْد الْجَبَّارِ، نا أَبُو بَكْرِ بن عَيَّاشٍ، عن عَاصِم، عن زِرٍّ عن عَبْد اللَّه بن مَسْعُودٍ ﵁ قال: سمعت النبي ﵁ يقول: "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ دَخَلَ النَّارَ، وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٦).

стр. 21

"هكذا رواه أحمد بن عبد الجبار العطاردي (١)، عن أبي بكر بن عياش بإسناده ووهم فيه" (٢)، والحديث أخرجه البخاري من غير هذا الوجه عن ابن مسعود ﵁، وروايته تفصل قول ابن مسعود ﵁ عن قول رسول الله ﷺ ، قال البخاري: حَدَّثَنَا عُمَر بن حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ» وَقُلْتُ أَنَا: «مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ» (٣). ٣ - أن يصرح بعض الرواة بفصل الجملة المدرجة فيه عن المتن المرفوع فيه، بأن يضيف الكلام إلى قائله. ومثاله ما أخرجه الإمام أحمد عن يَحْيَى بن آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْر، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بن الْحُرّ، قال: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بن مُخَيْمِرَةَ، قَالَ: أَخَذَ عَلْقَمَةُ، بِيَدِي وَحَدَّثَنِي، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، أَخَذَ بِيَدِهِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ اللهِ، فَعَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: " قُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ - قَالَ زُهَيْرٌ: حَفِظْتُ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللهُ - أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ "، قَالَ: فَإِذَا قَضَيْتَ هَذَا، أَوْ قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتَ هَذَا، فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ (٤). قال ابن الصلاح: "هكذا رواه أبو خيثمة عن الحسن بن الحرّ، فأدرج في الحديث قوله: فإذا قلت هذا إلى آخره، وإنما هذا من كلام ابن مسعود، لا من كلام رسول الله ﷺ ومن الدليل عليه أن الثقة الزاهد عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان رواه عن رواية الحسن

стр. 22

ابن الحرّ كذلك، واتفق حسين الْجُعْفِيّ وابن عجلان وغيرهما في روايتهم عن الحسن بن الحرّ على ترك ذكر هذا الكلام في آخر الحديث، مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وعن غيره، عن ابن مسعود على ذلك، ورواه شَبَابَة عن أبي خَيْثَمَة ففصله أيضًا" (١). رابعًا: أسباب الإدراج أسباب الإدراج ودواعيه الحاملة عليه كثيرة، منها (٢): ١ - استنباط الراوي حكمًا من الحديث قبل أن يتم فيدرجه. ومثاله ما رواه الدَّارَقُطْنِيّ (٣) من رِوَايَة عَبْد الْحَمِيدِ بن جَعْفَرٍ، عن هِشَامٍ، عن عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، أَوْ أُنْثَيَيْهِ، أَوْ رُفْغَيْهِ فَلْيَتَوَضَّأْ» قال الدَّارَقُطْنِيّ عقبه: كذا رواهُ عبد الْحَمِيد بن جَعْفَر, عن هِشَام, وَوَهِمَ في ذكر الْأُنْثَيَيْنِ وَالرَّفْغِ وَإِدْرَاجِهِ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ بُسْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالْمَحْفُوظ أَنّ ذلك من قول عُرْوَة, غير مرفوع، وكذا رواهُ الثِّقَات، عن هِشَام: منهم أَيُّوب، وَحَمَّاد بن زَيْد، وَغيرهما، ثُمّ رواهُ من طريق أَيُّوب بلفظ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، فَلْيَتَوَضَّأْ»، قَالَ: وَكَانَ عُرْوَةُ يَقُولُ: إِذَا مَسَّ رُفْغَيْهِ أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ (٤). فعُرْوَة لمّا فهم من لفظ الخبر أنّ سبب نقض الوضوء مظنة الشهوة، جعل حكم ما قرب من الذكر كذلك، فقال ذلك، فظن بعض الرواة، أنّه من صلب الخبر، فنقله مدرجًا فيه، وفهم الآخرون حقيقة الحال ففصلوا (٥).

стр. 23

٢ - تفسير بعض الألفاظ الغريبة في الحديث النبوي. ومثاله حديث عائشة في بَدْء الوحي: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَحَنَّثُ فِي غَارِ حِرَاءَ - وهو التَّعَبُّد - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ» (١)، فقوله: وهو التَّعَبُّد، مُدْرَج من قول الزُّهْرِيّ (٢). ٣ - وقد يكون الإدراج نتيجة لوَهْم (٣) الراوي وخطئه. ومثاله ما أخرجه البيهقي (٤) من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، قال: ثنا قُرَّة بن خالد، ثنا مُحَمَّد بن سِيرِين، عن أبي هُرَيْرَة، قال: قال رَسُول الله ﷺ : "طَهُورُ الْإِنَاءِ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يُغْسَلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، الْأُولَى بِالتُّرَابِ، وَالْهِرَّةُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ" قُرَّة يَشُكّ. قال البيهقي (٥): "وأبو عاصم الضحاك بن مخلد ثقة إلا أنه أخطأ (٦) في إدراج قول أبي هريرة في الهرّة في الحديث المرفوع في الكلب، وقد رواه علي بن نصر الجَهْضَمِيّ، عن قرة فبينه بيانًا شافيًا"، وقال أيضًا في معرفة السنن والآثار (٧): "وأما حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: «إذا ولغ الهرّ غسل مرة» فقد أدرجه بعض الرواة في حديثه، عن النبي ﷺ في ولوغ الكلب ووهموا فيه، الصحيح أنه في ولوغ الكلب مرفوع، وفي ولوغ الهر موقوف، ميزه علي بن نصر الجَهْضَمِيّ، عن قرة بن خالد، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، ووافقه عليه جماعة من الثقات".

стр. 24

خامسًا: حكم الإدراج تَعَمُّد شيء من الإدراج في رأي جمهور علماء الحديث أمر محرم: قال الجَعْبَري: "وهو حرَام للتلبيس، إِلَّا أَن يبين" (١). وقال العراقي: "واعلم: أنه لا يجوز تعمد شيء من الإدراج" (٢). وقال السخاوي: تَعَمُّد الإدراج حرام; لما يتضمّن من عزو الشيء لغير قائله، وأسوأه ما كان في المرفوع مما لا دخل له في الغريب المتسامح في خلطه، أو الاستنباط (٣). أما عز الدين الصنعاني، المعروف بالأمير (ت: ١١٨٢ هـ) فإنه يرى التفصيل في ذلك: حيث قال: "إدراج ما هو من تفاسير الألفاظ لا يحرم، وإدراج ما هو من غيرها مما فيه حكم شرعي وإيهام أنه مرفوع هو الذي لا يجوز" (٤). سادسًا: المؤلفات في المدرج أول من ألف في المدرج الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣ هـ) حيث ألف كتابه: "الفصل للوصل المدرج في النقل"، قال ابن الصلاح: "وهذا النّوع قد صَنَّف فيه الخطيب أبو بكرٍ كتابه المَوْسُوم "بالفصل للوصل الْمُدْرَج في النَّقْل" فشفى وكفى" (٥). وقد لخّص الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ) كتاب الخطيب: ورتبه على الأبواب والمسانيد، ثم استدرك عليه ما فاته من الأحاديث المدرجة، وبلغت قدره مرتين أو أكثر، يقول ابن حجر في ذلك: "وقد لخصته -أي كتاب الخطيب- ورتبته على الأبواب

стр. 25

والمسانيد، وزدت على ما ذكره الخطيب أكثر من القدر الذي ذكره" (١)، وقال: "واسمه تقريب المنهج بترتيب المدرج أعان الله على تكميله وتبيضه إنه على كل شيء قدير" (٢). وقد أشار إلى كتاب ابن حجر هذا الإمام السَّخاوي في شرحه لألفية العراقي، فقال: "وقد صنف الخطيب في هذا النوع كتابا سماه (الفصل للوصل المدرج في النقل) ولخصه شيخنا مع ترتيبه له على الأبواب، وزيادة لعللٍ وعزوٍ، وسماه (تقريب المنهج بترتيب المدرج) " (٣)، ولم أجد هذا الكتاب بين المطبوع من كتب علوم الحديث. ثم جاء الحافظ جلال الدين السيوطي (ت: ٩١١ هـ) فلخص كتاب الحافظ ابن حجر، يقول في مقدمة كتابه: " هذا جزء لطيف سميته المَدرج بفتح الميم - إلى المُدرج - بضم الميم -، لخصته من تقريب المنهج بترتيب المدرج لشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر، إلَّا أنِّي اقتصرت فيه على مدرج الْمَتْن دون مدرج الإسناد؛ لِأَن العنايَة بتمييز كلام الرواة من كلام النُّبُوَّة أهم، وعوضته من مدرج الإسناد زوائِد مهمة من مدرجات المُتُون خلى عنها كتابه وهي مسطورة في كتب النقاد والله الْمُوفق" (٤). سابعًا: الفرق بين المدرج وزيادة الثقة لكي يتضح الفرق بين المدرج وزيادة الثقة فلا بّد من بيان معناهما. تعريف زيادة الثقة: عرفها الحاكم النيسابوري بقوله: "معرفة زيادات ألفاظ فقهية في أحاديث، ينفرد بالزيادة راوٍ واحد" (٥). ويؤخذ على هذا التعريف ما يلي: ١ - قصر الزيادة على الزيادة على المتن، وزيادة الثقة قد تكون في السند وقد

стр. 26

تكون في المتن. ٢ - قصر الزيادة على الألفاظ الفقهية، والأولى أن تكون مطلقة. وعرفها ابن رجب ببيان صورتها فقال: "وصورتها أن يروي جماعة حديثاً واحداً بإسناد واحد، ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة" (١). وعرفها ابن كثير بقوله: "بأنها ما تفرّد به الراوي بزيادة في الحديث عن بقية الرواة، عن شيخ لهم" (٢). ولعل أقرب التعريفات إلى الدقة تعريف ابن كثير؛ حيث جعل الزيادة مطلقة في الألفاظ الفقهية وفي غيرها، كما أنه شمل الزيادة في السند والزيادة في المتن معًا. ولقد سبق أن عرفت المدرج بأنه: "ما أُدخلت فيه زيادة ليست منه، على وجه يُوهم أنها منه". ومن تعريف زيادة الثقة وتعريف المدرج يمكن تحديد الفرق بينهما: أولًا: الفرق بينهما في المتن، ويتبين فيما يلي: ١ - أن زيادة الثقة هي جزء من الحديث روي من بعض الطرق ولم يرو من بعضها الآخر، ولم يثبت دليل على أنها مزيدة من غير قول النبي ﷺ ، بينما المدرج زيادة ثبت بالأدلة أنها ليست من كلام النبي ﷺ ، فـ"الأصل ما كان في الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه" (٣). ٢ - ومن جهة الحكم والعمل فيختلف المدرج عن زيادة الثقة في أن: زيادة الثقة متى ثبتت وصحت صارت حجة ولزم العمل بها (٤). أما المدرج ففيه بعض

стр. 27

التفصيل: فإن ثبت أنه من قول النبي ﷺ وصح من طريق آخر فهو حجة صحيح من حيث الحكم، ولكنه غير صحيح من حيث الرواية المدرجة، وإن كان المدرج من قول الصحابي فهو موقوف، وإن كان من قول التابعي فهو مقطوع. ثانيًا: الفرق بينهما في السند، ويتبين فيما يلي: ١ - في زيادة الثقة يكون الإسناد واحد والمتن واحد، فيزيد عليه الثقة، بينما المدرج غير ذلك، فربما أدرج الراوي في الحديث كلامًا للنبي ﷺ ثبت بإسناد آخر، ويكون المتن مختلفًا أيضًا. ٢ - وفرق آخر هو أن زيادة الثقة مقيدة بما يزيده راوي ثقة، أما ما يزيده الضعيف فهو زيادة ضعيف، بينما المدرج فيشمل ما يدرجه الثقة وما يدرجه الضعيف.

стр. 28

• الفصل الأول: سيرة الإمام ابن شهاب الزُّهْرِيّ o المبحث الأول: ترجمة الإمام الزُّهْرِيّ. o المبحث الثاني: عقيدته. o المبحث الثالث: مكانته العلمية. o المبحث الرابع: مراسيله ونسبة التدليس إليه.

стр. 29

المبحث الأول: ترجمة الإمام الزُّهْرِيّ . أولًا: اسمه ونسبه وكنيته هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله الأصغر بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، القرشي، الزُّهْرِيّ (١). والزُّهْرِيّ: نِسْبَة إِلَى زهرَة بن كلاب بن مرّة، جد النَّبِي ﷺ لأمه (٢). واختُلف في نسب أمه: فقال خليفة بن خياط: أمه ابنة أهبان بن أفصى بن عروة بن صخر بن يعمر بن قدامة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة (٣). وقال مُحَمَّد بن سعد: أمه عائشة بنت عبد اللَّه الأكبر بن شهاب (٤). كنيته: أبو بكر (٥). ثانيًا: مولده اختلفت الروايات في تحديد عام ولادته على أقوال: قال أَبُو زُرْعَة الدمشقي عن عبد الرحمن بن إِبْرَاهِيم، وأَحْمَد بن صالح المِصْرِي: مولده سنة خمسين (٦).

стр. 30

وبه قال الذهبي (١) وابن حجر (٢). وَقَال خليفة بن خياط: ولد سنة إحدى وخمسين (٣). وَقَال يحيى بن بكير: مولده سنة ست وخمسين (٤). وَقَال الواقدي: مولده سنة ثمان وخمسين في آخر خلافة معاوية، وهي السنة الَّتي ماتت فيها عَائِشَة زوج النَّبِيّ ﷺ (٥). ثالثًا: صفاته كان الإمام الزُّهْرِيّ رجلًا قصيرًا، قليل اللحية، له شعيرات طوال، خفيف العارضين (٦)، أحمر الرأس واللحية وفي حمرتها انكفاء (٧) قليل كأنه يجعل فيه كَتَمًا (٨)، وكان أُعَيْمَش (٩) وعليه جُميمة (١٠). وقد رزقه الله الفصاحة وطلاقة اللسان، فقد روى ابن سعد بسنده عن أحمد بن صالح قال: كان يقال فصحاء أهل زمانهم: الزُّهْرِيّ، وعمر بن عبد العزيز، وموسى بن طلحة بن عبيد الله (١١).

стр. 31

ومن أبرز صفات الإمام الزُّهْرِيّ التي اشتهر بها كثرة الكرم والزهد في الدنيا وعدم حب جمع المال. • فمن كرمه: أنه كان من أسخى الناس، قال الليث: "وكان الزُّهْرِيّ أسخى من رأيت، يعطي كل من جاء وسأله، حتى إذا لم يبق عنده شيء اقْتَرَض، وربما جاءه السائل فلا يجد ما يعطيه فيتغير عند ذلك وجهه، ويقول للسائل أبشر فسوف يأتي الله بخير، وكان يطعم الناس، ويسقهم العسل، وكان يسمر على شرب العسل، كما يسمر أهل الشراب على شرابهم، ويقول اسقونا وحدثونا، وإذا نعس أحدهم يقول له: ما أنت من سمار قريش" (١). وقد بلغ به السخاء وحبه للعطاء والعطف على المساكين أنه نحر دابته ليطعم الناس بعدما التمس سلفًا فلم يجد، فقد رُوي أنه نزل بماء من المياه فالتمس سلفًا فلم يجد فأمر براحلته فنُحرت، ودعا إليها أهل الماء، فمر به عمه فدعاه إلى الغداء، فقال: يا ابن أخي إِنَّ مُرُوءَة سَنَةٍ تَذْهَب بِذُلِّ الْوَجْه ساعة، فقال: يا عمّ انزل فَكُل وإلا فامض (٢). ونزل مرَّةً بماء فشكا إليه أهل الماء: إِنّ لنا ثماني عشرة امرأةً عَمْرِيَّةً، أَي: لَهُنَّ أَعْمَار، ليس لَهُنَّ خادم، فَاسْتَسْلَف ابن شهاب ثمانية عشر ألفًا وأخدم كل واحدة منهن خادمًا بألف (٣). ولكثرة كرمه امتدحه الشعراء، ومن ذلك قول أحدهم: دَعْ ذَا وَأَثْنِ عَلَى الْكَرِيمِ مُحَمَّدٍ ... وَاذْكُرْ فَوَاضِلَهُ عَلَى الأَصْحَابِ وَإِذَا يُقَالُ: مَنِ الْجَوَّادُ بِمَالِهِ؟ ... قِيلَ: الْجَوَّادُ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابِ أهل المدائن يعرفون مكانه ... وربيع نادية عَلَى الأَعْرَابِ (٤).

стр. 32

ومن سخائه أنه كان يطعم طلابه، ويزجر من لا يأكل منهم، "قال الْمُوَقَّرِيّ: كنا نختلف إلى الزُّهْرِيّ سبعة أشهر فقال لنا من لم يأكل طعامنا فلا يقربنا" (١). وقد استدان الزُّهْرِيّ وتحمل كثيرًا من الديون نظرًا لكثرة إنفاقه وعطاياه حتى عوتب في ذلك، قال مالك بن أنس: "كان ابن شهاب من أسخى الناس فلما أصاب تلك الأموال قال له مولى له وهو يعظه قد رأيت ما مر عليك من الضيق والشدة، فانظر كيف تكون وأمسك عليك مالك، فقال له ابن شهاب: ويحك إني لم أر الكريم تحكمه التجارب" (٢). وقد روى من ترجم للإمام الزُّهْرِيّ العديد من الروايات التي تدل على كرمه وحبه للعطاء، حتى أنه ترك دينًا كبيرًا بعد موته؛ فبيعت شغب (٣)، فقضى دينه (٤). • ومن زهده في الدنيا وعدم حبه جمع المال: كثرة إنفاقه وبذله في وجوه الخير حتى أنه كان يستدين لينفق على طلاب العلم وعلى غيرهم، ولم يكتنز مالًا أو يدخر شيئًا حتى أنه ترك دينًا كبيرًا بعد موته، قال عمرو بن دينار: ما رأيت الدينار والدرهم عند أحد أهون منه عند الزُّهْرِيّ، كأنها بمنزلة البَعْر (٥). رابعًا: وفاته مات الإمام الزُّهْرِيّ لسبع عشرة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة. وقيل سنة ثلاث وعشرين، وقيل: سنة خمس وعشرين، والراجح أنه توفى سنة أربع وعشرين، وله من العمر ما يربو على نيف وسبعين سنة.

стр. 33

قال الذهبي: وقال ابن عُيَيْنَة، وإبراهيم بن سعد، وابن أخي الزُّهْرِيّ، والناس: مات سنة أربع وعشرين، وَشَذّ أبو مُسْهِر فقال: سنة خمس وعشرين (١)، ودُفن في أدامى (٢)، وهي خلف شغب، وهي أَوَّل عمل فِلَسْطِين وآخر عمل الحجاز (٣).

стр. 34

المبحث الثاني: عقيدته نشأ الإمام الزُّهْرِيّ في مدينة رسول الله ﷺ مهد العلم ومقر الصحب الكرام والتابعين لهم بإحسان، فنال حظًا وافرًا من العلم على يدي صغار الصحابة وكبار التابعين، وأخذ عنهم العلم النافع والأخلاق الحميدة وسلامة المعتقد، فسلك النهج القويم في عقيدته وسلوكه، وكانت آراؤه العقدية موافقة لمنهج جمهور السلف: فمن صفاء عقيدته أنه كان يتلقى كل ما صح وثبت عن رسول الله ﷺ بالقبول والتسليم بلا تحريف أو تأويل أو تكييف، ومن ذلك ما رواه أَحْمَد بن عبد العزيز الرَّمْلِيّ قال: حدثنا الْوَلِيد بن مُسْلِم، عن الأَوْزَاعِيّ قال: سمعت الزُّهْرِيّ لمَّا حَدَّث بِحَدِيث "لا يَزني الزَّاني حين يَزنِي وهو مُؤْمِن" (١)، قُلْتُ له: فما هو؟ قال: من اللَّه القول، وعلى الرَّسُول البلاغ، وعلينا التَّسليم، أَمِرُّوا حديث رسول الله ﷺ كما جاء بلا كيف (٢). ورُوي عنه قوله في آيات الصفات: "أَمِرُّوها كما جاءت" (٣). ورُوي عنه قوله في الإيمان: "فنرى الإسلام: الكلمة، والإيمان: العمل" (٤). ورُوي عنه قوله في القدر: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن وحد ولم يؤمن بالقدر، نَقَضَ كُفْرُه بِالْقَدَرِ تَوْحِيدَه" (٥). وكان الإمام الزُّهْرِيّ يرشد إلى التمسك بالسنة ويقول: "الاعتصام بالسنة نجاة" (٦)، مما يبين أن معتقده هو معتقد أهل السنة والجماعة ﵃ أجمعين.

стр. 35

المبحث الثالث: مكانته العلمية أولًا: نشأته العلمية نشأ الإمام ابن شهاب الزُّهْرِيّ في مدينة رسول الله لا مال له مقطعًا من الديوان (١)، وبدأ في طلب العلم في المدينة صغيرًا، فنال حظًا وافرًا من العلم على يدي صغار الصحابة وكبار التابعين، وأول ما توجهت إليه عنايته حفظ القرآن الكريم، فحفظه في ثمانين ليلة، بحسب رواية ابن أخيه محمد بن عبد الله بن مسلم، حيث قال "جمع عَمِّي القرآن في ثمانين ليلة" (٢)، ثم أقبل على تعلِّم الأنساب، يقول الإمام الزُّهْرِيّ في ذلك: "فكنت أتعلم نسب قومي من عبد الله بن ثعلبة بن صُعير العدوي وكان عالمًا بنسب قومي وهو ابن أختهم وحليفهم، فأتاه رجل فسأله عن مسألة من الطلاق، فعي بها وأشار له إلى سعيد بن المسيب، فقلت في نفسي ألا أراني مع هذا الرجل المسن يعقل أن رسول الله ﷺ مسح على رأسه وهو لا يدري ما هذا، فانطلقت مع السائل إلى سعيد بن المسيب فسأله، فأخبره، فجلست إلى سعيد، وتركت عبد الله بن ثعلبة" (٣). ثم ترك تعلم الأنساب، واتجه إلى تعلم الحديث والأحكام فـ"جالس سَعِيد بن الْمُسَيَّب ثمان سنين، تمسّ رُكْبَتُه رُكْبَتَه، وكان يخدم عُبَيْد اللَّه بن عبد الله (٤) يستسقي له الماء المالح، ويَدُور على مشايخ الحديث، ومعه ألواح يكتب عنهم فيها الحديث، ويكتب عنهم كلّ ما سَمِع منهم، حتى صار من أعلم الناس وأعلمهم في زمانه، وقد احتاج أهل عصره إليه" (٥). وقد جدَّ الإمام الزُّهْرِيّ واجتهد في تحصيل العلم حتى فاق أقرانه، فحفظ علم

стр. 36

الفقهاء السبعة. حتى كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى الآفاق: عليكم بابن شهاب، فإنكم لا تجدون أحدًا أعلم بالسنة الماضية منه (١)، ومما ساعده في ذلك: ذكاؤه وفهمه وقوة حافظته، فقد روي عنه أنه قال: "ما استودعت قلبي شيئًا قط فنسيته" (٢). ثانيًّا: شيوخه أدرك الإمام الزُّهْرِيّ عشرة من صحابة رسول الله ﷺ رضوان الله عليهم (٣)، وقد حظي بشرف التعلم على يدي بعضهم، كما أخذ العلم عن خلق كثير من كبار التابعين، فممن روى عنهم (٤): أنس بن مالك وعَبد الله بن عُمَر بن الخطاب وسَعِيد بن الْمُسَيَّب وعروة بن الزبير وعُبَيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وإبراهيم بن عبد الرَّحْمَن بن عوف وإسماعيل بن مُحَمَّد بن سعد بن أَبي وقاص وحفص بن عاصم بن عُمَر بن الخطاب وحمزة بن عَبد اللَّه بن عُمَر بن الخطاب وحميد بن عبد الرَّحْمَن بن عوف وسالم بن عَبد اللَّه بن عُمَر وعامر بن سعد بن أَبي وقاص، .... وغيرهم.

стр. 37

ثالثًا: تلامذته وممن روى عَنه (١): مالك بن أنس وعطاء بن أبي رباح وعَمْرُو بن دِينَار وزيد بن أَسْلَم وقتادة بن دعامة وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وسُفْيَان الثوري وأبان بن صالح وإبراهيم بْن سعد الزُّهْرِيّ وأسامة بن زيد الليثي وإسحاق بن راشد الجزري وإسحاق بن عَبد اللَّهِ بْن أَبي فروة وإسماعيل ابن إبراهيم بن عقبة وأيوب السختياني وبرد بن سنان الشامي وجبير بن أَبي صالح، ...... وغيرهم. رابعًا: ثناء العلماء عليه تبوأ الإمام الزُّهْرِيّ مكانة علمية كبيرة بين الناس، حتى صار من أعلم الناس في زمانه، فأثنى عليه كبار العلماء المحدّثين واعترفوا بفضله، قال عنه مالك بن أَنس: ما أَدْرَكْتُ بالمدينة فَقِيهًا مُحَدِّثًا غير واحدٍ. فقيل له: من هو؟ فقال: ابن شهاب الزُّهْرِيّ (٢)،

стр. 38

وكان يقول: "أول من أسند الحديث ابن شهاب" (١)، وقال سُفْيَان بن عُيَيْنَة: "سمعت عمرو بن دينار يقول: ما رأيت أحدًا أنص للحديث من الزُّهْرِيّ" (٢). وقال مَكْحُول: "ما أَعلم أحدًا أعلم بسُنَّة ماضية من الزُّهْرِيّ" (٣)، وقال أيوب السختياني: "ما رأيت أحدًا أعلم من الزُّهْرِيّ" (٤). وقال ابن خلكان: "أحد الفقهاء والمحدّثين، والأعلام التابعين بالمدينة" (٥). وقال الذهبي: "أَحد الأعلام وحافظ زمانه" (٦). وقال ابن حجر: "أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز والشام" (٧).

стр. 39

المبحث الرابع: مراسيله ونسبة التدليس إليه أولًا: إرسال الزُّهْرِيّ وموقف العلماء منه المُرسل لغة (١) اسم مفعول، يُجمَع على: مَرَاسِيل، ومَراسِل، مأخوذ من الإرسال، وهو: الإطلاق، كقوله تَعَالَى: (إنَّا أرْسَلْنَا الشَّياطيْنَ عَلَى الْكَافِرِيْنَ). فكأنّ المُرْسِل أطلق الإسناد، ولم يقيِّدْه بجميع الرُّواة (٢). أما في اصطلاح المُحدِّثين، فهو: "ما أضافه التابعي إلى النبي ﷺ مما سمعه من غيره" (٣). واختلف المُحدِّثون في حد المُرسل (٤): فقيل: هو ما أضافه التابعي الكبير (٥) إلى النبي ﷺ ، فيخرج بذلك ما أضافه صغار التابعين ومن بعدهم. وقيل: هو ما أضافه التابعي إلى النبي ﷺ من غير تقييد بالكبير، وهو المشهور، قال ابن حجر: "وهذا الذي عليه جمهور المحدّثين، ولم أر تقييده بالكبير صريحًا عن أحد، لكن نقله ابن عبد البر عن قوم" (٦)، وقال ابن الصلاح: "وَالْمَشْهُور: التَّسْوِيَة بين التَّابعين أَجْمَعِين في ذلك ﵃" (٧).

стр. 40

وقد أرسل الإمام الزُّهْرِيّ الحديث عن جماعة من الصحابة والتابعين ﵃، "فحديثه عن عبادة بن الصامت ورافع بن خديج مراسيل، أخرجها النسائي، وله عن أبي هريرة في جامع التّرمذي" (١)، وقال ابن حجر: "وأرسل عن عبادة بن الصامت وأبي هريرة ورافع بن خديج وغيرهم" (٢). وقد انتقد علماء الحديث مراسيل الزُّهْرِيّ، ووصفوها بأنها لا شيء. قال يَحْيَى بن معين: "مُرْسَل الزُّهْرِيّ ليس بشيء" (٣). وقال يَحْيَى بن سعيد الْقَطَّان: "مُرْسَل الزُّهْرِيّ شرّ من مُرْسَل غيره، لأنَّه حافظ، وكلَّما قَدِرَ أن يُسَمِّي سَمَّى، وإنَّما يترك من لا يُحبّ أن يُسَمِّيَه" (٤). وروي عن يحيى بن سعيد أيضًا أنه كان لا يرى إرسال الزُّهْرِيّ وقتادة شيئًا، ويقول هو بمنزلة الريح، ويقول هؤلاء قوم حفّاظ، كانوا إذا سمعوا الشيء عقلوه (٥). ولكن قيل لأحمد بن صالح: "قال يحيى بن سعيد: مرسل الزُّهْرِيّ يشبه لا شيء، فغضب، وقال: ما ليحيى ومعرفة علم الزُّهْرِيّ، ليس كما قال يحيى" (٦). وقال الذهبي: "مراسيل الزُّهْرِيّ كالمعضل؛ لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه ولما عجز عن وصله، ولو أنه يقول: عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، ومن عد مرسل الزُّهْرِيّ كمرسل
следующие страницы →