← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 132393

بلاغات ابن شهاب الزهري وإدراجاته في الكتب الستة

عبد الحميد شيخون

Полный текст (222 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفقهاء السبعة. حتى كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى الآفاق: عليكم بابن شهاب، فإنكم لا تجدون أحدًا أعلم بالسنة الماضية منه (١)، ومما ساعده في ذلك: ذكاؤه وفهمه وقوة حافظته، فقد روي عنه أنه قال: "ما استودعت قلبي شيئًا قط فنسيته" (٢). ثانيًّا: شيوخه أدرك الإمام الزُّهْرِيّ عشرة من صحابة رسول الله ﷺ رضوان الله عليهم (٣)، وقد حظي بشرف التعلم على يدي بعضهم، كما أخذ العلم عن خلق كثير من كبار التابعين، فممن روى عنهم (٤): أنس بن مالك وعَبد الله بن عُمَر بن الخطاب وسَعِيد بن الْمُسَيَّب وعروة بن الزبير وعُبَيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وإبراهيم بن عبد الرَّحْمَن بن عوف وإسماعيل بن مُحَمَّد بن سعد بن أَبي وقاص وحفص بن عاصم بن عُمَر بن الخطاب وحمزة بن عَبد اللَّه بن عُمَر بن الخطاب وحميد بن عبد الرَّحْمَن بن عوف وسالم بن عَبد اللَّه بن عُمَر وعامر بن سعد بن أَبي وقاص، .... وغيرهم.

стр. 37

ثالثًا: تلامذته وممن روى عَنه (١): مالك بن أنس وعطاء بن أبي رباح وعَمْرُو بن دِينَار وزيد بن أَسْلَم وقتادة بن دعامة وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وسُفْيَان الثوري وأبان بن صالح وإبراهيم بْن سعد الزُّهْرِيّ وأسامة بن زيد الليثي وإسحاق بن راشد الجزري وإسحاق بن عَبد اللَّهِ بْن أَبي فروة وإسماعيل ابن إبراهيم بن عقبة وأيوب السختياني وبرد بن سنان الشامي وجبير بن أَبي صالح، ...... وغيرهم. رابعًا: ثناء العلماء عليه تبوأ الإمام الزُّهْرِيّ مكانة علمية كبيرة بين الناس، حتى صار من أعلم الناس في زمانه، فأثنى عليه كبار العلماء المحدّثين واعترفوا بفضله، قال عنه مالك بن أَنس: ما أَدْرَكْتُ بالمدينة فَقِيهًا مُحَدِّثًا غير واحدٍ. فقيل له: من هو؟ فقال: ابن شهاب الزُّهْرِيّ (٢)،

стр. 38

وكان يقول: "أول من أسند الحديث ابن شهاب" (١)، وقال سُفْيَان بن عُيَيْنَة: "سمعت عمرو بن دينار يقول: ما رأيت أحدًا أنص للحديث من الزُّهْرِيّ" (٢). وقال مَكْحُول: "ما أَعلم أحدًا أعلم بسُنَّة ماضية من الزُّهْرِيّ" (٣)، وقال أيوب السختياني: "ما رأيت أحدًا أعلم من الزُّهْرِيّ" (٤). وقال ابن خلكان: "أحد الفقهاء والمحدّثين، والأعلام التابعين بالمدينة" (٥). وقال الذهبي: "أَحد الأعلام وحافظ زمانه" (٦). وقال ابن حجر: "أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز والشام" (٧).

стр. 39

المبحث الرابع: مراسيله ونسبة التدليس إليه أولًا: إرسال الزُّهْرِيّ وموقف العلماء منه المُرسل لغة (١) اسم مفعول، يُجمَع على: مَرَاسِيل، ومَراسِل، مأخوذ من الإرسال، وهو: الإطلاق، كقوله تَعَالَى: (إنَّا أرْسَلْنَا الشَّياطيْنَ عَلَى الْكَافِرِيْنَ). فكأنّ المُرْسِل أطلق الإسناد، ولم يقيِّدْه بجميع الرُّواة (٢). أما في اصطلاح المُحدِّثين، فهو: "ما أضافه التابعي إلى النبي ﷺ مما سمعه من غيره" (٣). واختلف المُحدِّثون في حد المُرسل (٤): فقيل: هو ما أضافه التابعي الكبير (٥) إلى النبي ﷺ ، فيخرج بذلك ما أضافه صغار التابعين ومن بعدهم. وقيل: هو ما أضافه التابعي إلى النبي ﷺ من غير تقييد بالكبير، وهو المشهور، قال ابن حجر: "وهذا الذي عليه جمهور المحدّثين، ولم أر تقييده بالكبير صريحًا عن أحد، لكن نقله ابن عبد البر عن قوم" (٦)، وقال ابن الصلاح: "وَالْمَشْهُور: التَّسْوِيَة بين التَّابعين أَجْمَعِين في ذلك ﵃" (٧).

стр. 40

وقد أرسل الإمام الزُّهْرِيّ الحديث عن جماعة من الصحابة والتابعين ﵃، "فحديثه عن عبادة بن الصامت ورافع بن خديج مراسيل، أخرجها النسائي، وله عن أبي هريرة في جامع التّرمذي" (١)، وقال ابن حجر: "وأرسل عن عبادة بن الصامت وأبي هريرة ورافع بن خديج وغيرهم" (٢). وقد انتقد علماء الحديث مراسيل الزُّهْرِيّ، ووصفوها بأنها لا شيء. قال يَحْيَى بن معين: "مُرْسَل الزُّهْرِيّ ليس بشيء" (٣). وقال يَحْيَى بن سعيد الْقَطَّان: "مُرْسَل الزُّهْرِيّ شرّ من مُرْسَل غيره، لأنَّه حافظ، وكلَّما قَدِرَ أن يُسَمِّي سَمَّى، وإنَّما يترك من لا يُحبّ أن يُسَمِّيَه" (٤). وروي عن يحيى بن سعيد أيضًا أنه كان لا يرى إرسال الزُّهْرِيّ وقتادة شيئًا، ويقول هو بمنزلة الريح، ويقول هؤلاء قوم حفّاظ، كانوا إذا سمعوا الشيء عقلوه (٥). ولكن قيل لأحمد بن صالح: "قال يحيى بن سعيد: مرسل الزُّهْرِيّ يشبه لا شيء، فغضب، وقال: ما ليحيى ومعرفة علم الزُّهْرِيّ، ليس كما قال يحيى" (٦). وقال الذهبي: "مراسيل الزُّهْرِيّ كالمعضل؛ لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه ولما عجز عن وصله، ولو أنه يقول: عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، ومن عد مرسل الزُّهْرِيّ كمرسل

стр. 41

سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ونحوهما، فإنه لم يدر ما يقول، نعم، مرسله كمرسل قتادة، ونحوه" (١). وقد ورد ما يؤكد أن الزُّهْرِيّ كان يذكر من حدثه عندما يُسأل عن الإسناد، ومن هذا ما يرويه ابن عبد البر بإسناده المتصل عن مالك بن أنس قال: كنا نجلس إلى الزُّهْرِيّ وإلى محمد بن المنكدر فيقول الزُّهْرِيّ: قال ابن عمر كذا وكذا، فإذا كان بعد ذلك جلسنا إليه فقلنا له: الذي ذكرت عن ابن عمر من أخبرك به؟ قال: ابنه سالم (٢). ولذا قال ابن عبد البر: "فهكذا مراسيل الثّقات إذا سئلوا أحالوا على الثّقات" (٣). وهو ما يرجح للباحث أن الزُّهْرِيّ في إرساله للحديث كان على جانب كبير من العلم بإسناده؛ وربما لم يذكره اختصارًا. كما يُرجع البعض السبب في عدم قبول مراسيل الزُّهْرِيّ إلى أنه كان يروى عن سليمان بن أرقم. قال الشافعي: "إرسال الزُّهْرِيّ عندنا ليس بشيء؛ وذلك إنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم" (٤)، وقال أيضا: "وابن شهاب عندنا إمام ولكن ابن أرقم واه، ويقولون أنا نحابي، ولو حابينا أحد لحابينا الزُّهْرِيّ، وإرسال الزُّهْرِيّ عندنا ليس بشيء؛ وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم" (٥).

стр. 42

وقال على بن المديني: مرسلات الزُّهْرِيّ رديئة، قيل: له وحديث النذر حديث ابن سلمة. قال: إنما سمعه الزُّهْرِيّ من سليمان بن أرقم؛ ومن ثم قلت إن مرسلات الزُّهْرِيّ رديئة (١). وقد اعتذر الإمام الشافعي للزُّهْرِيّ في روايته عن سليمان ابن أرقم فقال: وابن شهاب عندنا إمام في الحديث والتخيير وثِقة الرجال، إنما يُسمي بعض أصحاب النبي ﷺ ، ثم خيارَ التابعين، ولا نعلم محدثًا يسمي أفضل ولا أشهر ممن يحدِّث عنه ابن شهاب. فقيل له: فأنى تُرَاه أتى في قبوله عن سليمان بن أرقم؟ فأجاب الشافعي: رآه رجلاً من أهل المروءة والعقل، فَقَبِل عنه، وأحسن الظن به، فسكت عن اسمه إما لأنه أصغر منه، وإما لغير ذلك، وسأله مَعْمر عن حديثه عنه، فأسنده له، فلما أمكن في ابن شهاب أن يكون يروي عن سليمان مع ما وصفت به ابن شهاب: لم يُؤمَن مثل هذا على غيره (٢). وعلى كل حال فإرسال الزُّهْرِيّ لا يخل بإمامته وعدالته ولا يقل من جلالته في هذا الفن؛ حيث إن الإرسال لم يكن من العيوب القادحة في عدالة الراوي، قال الخطيب: " ... والإرسال لا يتضمن التدليس؛ لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه؛ ولهذا المعنى لم يذم العلماء من أرسل الحديث" (٣). ثانيًّا: ما قيل عنه في التدليس وتوجيه ذلك الدَّلَس، بِالتَّحريك: الظُّلْمَة، ودَلَّسَ في البيع وفي كلّ شيءٍ إِذا لم يبيّن عيبه، وهو من الظُّلمة. والتَّدْلِيس فِي البيع: كتمان عيب السِّلعة عن الْمُشْتَرَى (٤). وقد قسم ابن الصلاح (٥) التدليس إلى قسمين (٦):

стр. 43

أحدهما: تدليس الإسناد، وهو أن يروي عمَّن لقيه ما لم يسمع منه، موهمًا أنَّه سمعه منه، أو عمَّن عاصره ولم يلقه موهمًا أنَّه قد لقيه وسمعه منه، ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر، ولا يقول في ذلك: (أخبرنا فلان) ولا (حدثنا) وما أشبههما، وإنما يقول: (قال فلان أو عن فلان) ونحو ذلك. القسم الثاني: تدليس الشيوخ، وهو: أن يروي عن شيخ حديثًا سمعه منه، فيسميه أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يعرف به، كي لا يعرف. وهناك قسم ثالث ذكره برهان الدين الأبناسي في شرحه لمقدمة ابن الصلاح وهو: تدليس التسوية، وهو: أن يسمع المدلس حديثًا من شيخ ثقة، والثقة سمعه من شيخ ضعيف، وذلك الضعيف يرويه عن ثقة، فيسقط المدلس شيخ شيخه الضعيف ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني: بلفظ محتمل كالعنعنة ونحوها فيصير الإسناد كله ثقات ويصرح هو بالاتصال بينه وبين شيخه لأنه قد سمعه منه؛ فلا يظهر حينئذ في الإسناد ما يقتضي عدم قبوله إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل (١). وقد وُصف الزُّهْرِيّ بالتدليس، وصفه بذلك الشافعي والدَّارَقُطْنِيّ وغير واحد كما قال ابن حجر (٢). ولهذا عده ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين، وهم: ممن أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقًا، ومنهم من قبلهم (٣).

стр. 44

وقال سبط ابن العجمي: "محمد بن مسلم الزُّهْرِيّ العالم المشهور، مشهور به -أي بالتدليس- وقد قبل الأئمة قوله (عن) " (١). وقال العلائي ﵀: "محمد بن شهاب الزُّهْرِيّ الإمام العلم مشهور به -أي بالتدليس- وقد قبل الأئمة قوله (عن) " (٢)، وذكره في الطبقة الثانية من طبقات المدلسين، وهم ممن احتمل الأئمة تدليسه وخرّجوا له في الصحيح وإن لم يصرح بالسماع؛ وذلك إما لإمامته أو لقلة تدليسه في جنب ما روى، أو لأنه لا يدلس إلا عن ثقة، وذلك كالزُّهْرِيّ وسليمان الأعمش وإبراهيم النخعيّ ... ، ففي الصحيحين وغيرهما لهؤلاء الحديث الكثير مما ليس فيه التصريح بالسماع، وبعض الأئمة حمل ذلك على أن الشيخين اطلعا على سماع الواحد لذلك الحديث الذي أخرجه بلفظ (عن) ونحوها من شيخه (٣). ولم أجد من المتقدمين من وصف الزُّهْرِيّ بالتدليس غير الشافعي والدَّارَقُطْنِيّ فيما ذكره عنهما ابن حجر، ولم أجد من عدّه في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين غير الحافظ ابن حجر، وهو في ذلك قد خالف الحافظ صلاح الدين العلائي مع العلم أنه استمد مصنفه من جامع التحصيل للعلائي، يقول ابن حجر في مقدمة كتابه (تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس): "فهذه معرفة مراتب الموصوفين بالتدليس في أسانيد الحديث النبوي لخصتها في هذه الأوراق لتحفظ، وهي مستمدة من جامع التحصيل للإمام صلاح الدين العلائي شيخ شيوخنا تغمده الله برحمته" (٤)، وقد سار في تصنيفه على نفس التقسيم الذي حرره الحافظ صلاح الدين العلائي لمراتب المدلسين، كما يقول في مقدمة كتابه (٥)، وقد جعل العلائي الزُّهْرِيّ في المرتبة الثانية وقال: وقد قبل الأئمة قوله (عن)، ووافقه سبط ابن العجمي في ذلك، وفي الصحيحين للزُّهْرِيّ الحديث الكثير

стр. 45

مما ليس فيه التصريح بالسماع (١)، والحافظ ابن حجر نفسه وصف الزُّهْرِيّ بقلة التدليس (٢)، فالأولى أن يكون في المرتبة الثانية وليست الثالثة. أما الإمام الذهبي فقال: "محمد بن مسلم الزُّهْرِيّ الحافظ الحجة كان يدلس في النادر" (٣)، وما ذكره العلائي وسبط ابن العجمي من اشتهار الزُّهْرِيّ بالتدليس ففيه نظر، حيث إن الزُّهْرِيّ لم يكن كثير التدليس حتى يشتهر به. ولم أجد فيمن وصف الزُّهْرِيّ بالتدليس من ذكر نوع التدليس الذي كان يفعله، والذي يظهر أنهم أرادوا الإرسال لا التدليس بمعناه الخاص عند المتأخرين، أو أنهم أرادوا مطلق الوصف بالتدليس غير القادح، بمعنى أنه قد وقع منه أحيانًا؛ لأن التدليس بمعناه الخاص منه قليل جدًا بالمقارنة إلى مجموع رواياته، ولم يتردد أحد من الأئمة في قبول روايته مطلقًا، بل هو أحد أعمدة الحديث النبوي (٤). "وقد حصر الأئمة ما رواه عمن سمع منه ما لم يسمع منه (٥)، وهو من أهل المدينة والتدليس لا يعرف في المدينة" (٦)، حيث إنّ أهل الحجاز والحرمين، ومصر وَالعوالي، ليس التَّدْلِيس من مَذْهَبِهِم (٧).

стр. 46

فمن وصف الزُّهْرِيّ بالتدليس -مع ندرة صدوره منه- إما أنه أراد به الإرسال، أو أنه أراد مطلق الوصف بالتدليس غير القادح، وتدليس الزُّهْرِيّ على هذا الوصف لا يقلل من أهمية رواياته، ولا يترتب عليه ما يخل بعدالته، فالذين قالوا إنه يدلس، هم من وصفوه بالإمامة والجلالة في هذا العلم، وحكموا له بالعدالة وشهدوا له بالأمانة وشدة الإتقان.

стр. 47

• الفصل الثاني: بلاغات الزُّهْرِيّ في الكتب الستة: o المبحث الأول: بلاغات الزُّهْرِيّ في صحيح البخاري o المبحث الثاني: بلاغات الزُّهْرِيّ في صحيح مسلم o المبحث الثالث: بلاغات الزُّهْرِيّ في سنن أبي داود o المبحث الرابع: بلاغات الزُّهْرِيّ في سنن التِّرْمِذِيّ o المبحث الخامس: بلاغات الزُّهْرِيّ في سنن النسائي o المبحث السادس: بلاغات الزُّهْرِيّ في سنن ابن ماجة

стр. 48

المبحث الأول: بلاغات الزُّهْرِيّ في صحيح البخاري ١ - أخرج البخاري في صحيحه، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّ امَةَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لاَ حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» وَقَالَ: بَلَغَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ (١)»، وَأَنَّ عُمَرَ «حَمَى السَّرَفَ (٢) وَالرَّبَذَةَ (٣)» (٤). نسبة البلاغ إلى قائله: القائل: بَلَغَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ»، وَأَنَّ عُمَرَ «حَمَى السَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ» هو ابن شهاب الزُّهْرِيّ، بيّن ذلك الحافظ ابن حجر وبدر الدين العيني وأبو داود والبيهقي، وغيرهم: قال ابن حجر: قوله وقال: بلغنا أن النبي ﷺ حمى النقيع ... والقائل هو ابن شهاب، وهو موصول بالإسناد المذكور إليه وهو مرسل أو معضل، ... وليس هذا من حديث بن عباس عن الصّعب وإنما هو بلاغ للزّهْرِيّ (٥). وقال بدر الدين العيني: "قوله: وأن عمر ﵁ حمى الشّرف والربذة، عطف على قَوْله: بلغنَا أَن النَّبِي ﷺ ، وهو أيضًا من بلاغ الزُّهْرِيّ" (٦).

стр. 49

وقال أبو داود (١) والبيهقي (٢) بعد أن أوردا الحديث: "قال ابن شِهَاب: وَبَلَغَنِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ» ". طرق يتصل بها بلاغ الزُّهْرِيّ: أولًا قول الزُّهْرِيّ: بَلَغَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ» يتصل من وجوه ثابتة عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر ﵄: قال ابن حِبَّان (٣): أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حمى النَّقِيع لخيل المسلمين. وأخرجه الطبراني (٤) عن مَحْمُود بن عَلِيٍّ، عن أَحْمَد بن مُحَمَّد بن أَبِي بَكْر السَّالِمِيّ، عن عبد الله بن نَافِع، عن عاصم، عن عبد اللَّه بن دِينَار، عن ابن عُمَرَ، به. وأخرج الإمام أحمد (٥) قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ لِلْخَيْلِ " قَالَ حَمَّادٌ: فَقُلْتُ لَهُ: لِخَيْلِهِ؟ قَالَ: " لَا لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ". وصحح الألباني (٦) رواية ابن حِبّان، وكذا شعيب الأرنؤوط في تعليقه عليها، وقال: رجاله ثقات غير عاصم بن عمر -وهو ابن حَفْص بن عَاصِمِ بن عُمَر بن الْخَطَّاب العمري- فهو ضعيف وهو على ضعفه يكتب حديثه.

стр. 50

وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على رواية أحمد: حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف لضعف عبد اللُه بن عمر- وهو العمري -، وقد توبع، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح، وأورده الهيثمي (١) وقال عقبه: رواه أحمد، وفيه عبد الله العمري، وهو ثقة، وقد ضعفه جماعة. ثانيًّا قول الزُّهْرِيّ: وَأَنَّ عُمَرَ «حَمَى السَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ» يتصل من طريق صحيح من حديث ابن عمر ﵄: قال ابن أبي شيبة في مصنفه: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ: «حَمَى الرَّبَذَةَ لِنَعَمِ الصَّدَقَةِ» (٢). وقد صحح الحافظ ابن حجر رواية ابن أبي شَيْبَة بقوله: "وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ عُمَر حَمَى الرَّبَذَةَ لِنَعَمِ الصَّدَقَة" (٣). تخريج الحديث: أخرج الحديث دون بلاغ الزُّهْرِيّ: النَّسائي (٤) والإمام أحمد (٥) وابن حِبَّان (٦) والطبراني (٧) من طرق عن الزُّهْرِيّ به. وأخرجه ابن حِبَّان (٨) من طريق يَحْيَى بْنُ مَعِين، والبزار (٩) عن عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي، كلاهما (يَحْيَى بن مَعِين وعبد الله بن أحمد بن شبويه) عن عَلِيّ بن

стр. 51

عَيَّاش، عن شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عن أَبِي الزِّنَادِ، عن الْأَعْرَج عن أَبِي هُرَيْرَة، بلفظ حديث الصَّعْب بن جَثَّامَة. وأخرجه مع ذكر بلاغ الزُّهْرِيّ بعده: البخاري (١) وأبو داود (٢) من طريق يُونُس، عن ابن شِهَاب به، والبيهقي (٣) من طريق اللَّيْث بن سَعْد عن مُوسَى بن يَزِيد عن الزُّهْرِيّ به. التعليق على الخبر: الحِمَى بكسر الحاء وفتح الميم، لغة: المَحْظُور الذي لا يُقْرَب (٤)، واصطلاحًا: "ما يحمي الإمام من الموات لمواشٍ بعينها ويمنع سائر الناس الرعي فيه" (٥). وقوله ﷺ : «لاَ حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» يعني: "لا حمى لأحد يخص نفسه به، يرعى فيه ماشيته دون سائر الناس إلا لله ، ولرسوله ومن قام مقامه ﵊ وهو الخليفة خاصة، إذا احتيج إلى ذلك لمصلحة المسلمين كما فعل العمران وعثمان ﵃، وإنما يحمي الإمام ما ليس بمملوك: كبطون الأودية، والجبال، والموات" (٦). وأصله عند العرب أنه "كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضًا في حيّه استعوى كلبًا فحمى مدى عواء الكلب، لا يشركه فيه غيره، وهو يشارك القوم في سائر ما يرعون

стр. 52

فيه، فنهى النبي ﷺ عن ذلك، وأضاف الحمى إلى الله ورسوله، أي: إلا ما يحمى للخيل التي ترصد للجهاد والإبل التي يحمل عليها في سبيل الله تعالى وإبل الزكاة وغيرها" (١). وقد اتصل من وجوه ثابتة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ، وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى الرَّبَذَةَ، قال الإمام الشافعي: أَنبأنا غير وَاحِد من أهل العلم «أَن رَسُول الله ﷺ حمى النقيع، وَأَن عمر حمى السّرف والرَّبَذَةَ» (٢). وقد استدل الشافعية بما رواه الزُّهْرِيّ بلاغًا في اختصاص الحمى بمن قام مقام رسول الله ﷺ وهو الخليفة، قال الشَّافِعِيّ يحتمل الحديث شيئين: أحدهما: ليس لأحد أن يحمي للمسلمين إلا ما حماه النبي ﷺ ؛ وعليه فليس لأحد من الولاة بعده أن يحمي، والثاني معناه: إلا على مثل ما حماه عليه النبي ﷺ ؛ وعليه فإنه يختص الحمى بمن قام مقام رسول الله ﷺ وهو الخليفة خاصة، وَرُجِّحَ هذا الثاني بما ذكره البخاري عن الزُّهْرِيّ تعليقا أن عمر حمى السّرف والرَّبَذَة (٣)، "وأخذ أصحاب الشَّافِعِيّ من هذا أن له في المسألة قولين، والراجح عندهم الثاني، والأول أقرب إلى ظاهر اللفظ" (٤)، "ومن أصحاب الشَّافِعِيّ من ألحق بالخليفة ولاة الأقاليم" (٥). * * * * * ٢ - أخرج البخاري في صحيحه، قال: وَقَالَ عُقَيْلٌ عَنِ الزُّهْرِيّ، قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ، وَبَلَغْنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْ يَرُدُّوا إِ لَى المُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ، وَحَكَمَ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ لاَ يُمَسِّكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ، أَنَّ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ، قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الخُزَاعِيِّ، فَتَزَوَّجَ قَرِيبَةَ مُعَاوِيَةُ، وَتَزَوَّجَ الأُخْرَى أَبُو جَهْمٍ، فَلَمَّا أَبَى الكُفَّارُ أَنْ يُقِرُّوا

стр. 53

بِأَدَاءِ مَا أَنْفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ (١)، وَالعَقْبُ مَا يُؤَدِّي المُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ هَاجَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنَ الكُفَّارِ، فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الكُفَّارِ اللَّائِي هَاجَرْنَ، وَمَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا. وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ الثَّقَفِيَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا فِي المُدَّةِ، فَكَتَبَ الأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ أَبَا بَصِيرٍ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ (٢). نسبة البلاغ إلى قائله: قال ابن حجر: "قوله وبلغنا هو مقول الزُّهْرِيّ، وصله ابن مَرْدَوَيْه في تفسيره من طريق عُقَيْل، وقوله وبلغنا أن أبا بصير .... إلخ هو من قول الزُّهْرِيّ أيضًا، والمراد به أن قصة أبي بَصير في رواية عُقَيْل من مرسل الزُّهْرِيّ، وفي رواية مَعْمَر موصولة إلى المِسْوَر لكن قد تابع معمرًا على وصلها بن إسحاق كما تقدم وتابع عقيلًا الْأَوْزَاعِيّ على إرسالها؛ فلعل الزُّهْرِيّ كان يرسلها تارة ويوصلها أخرى" (٣). طرق يتصل بها بلاغ الزُّهْرِيّ: بلاغ الزُّهْرِيّ هذا وصله ابن مَرْدَوَيْه في تفسيره من طريق عُقَيْل كما ذكر ابن حجر في الفتح، ولم أقف على التفسير المذكور، ولكن ورد بعض الخبر في ثنايا أحاديث متصلة صحيحة على النحو التالي: أولًا قوله: وَبَلَغْنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْ يَرُدُّوا إِلَى المُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ، وَحَكَمَ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ لاَ يُمَسِّكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ، أَنَّ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ، قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الخُزَاعِيِّ، فَتَزَوَّجَ قَرِيبَةَ مُعَاوِيَةُ، وَتَزَوَّجَ الأُخْرَى أَبُو جَهْمٍ.

стр. 54

وقوله: وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ الثَّقَفِيَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا فِي المُدَّةِ، فَكَتَبَ الأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ أَبَا بَصِيرٍ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. وردا عند البخاري في قصة الحُدَيْبِيَة (١)، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ، قَالاَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ .... ، وفيه: " ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ (٢)، حَتَّى بَلَغَ بِعِصَمِ الكَوَافِرِ فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ، كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ؛ فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ". وفي الحديث قصة أَبي بَصِيرِ بن أَسِيد الثَّقَفِيّ: "ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: العَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلاَنُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ، فَقَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ، ثُمَّ جَرَّبْتُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى المَدِينَةَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُ: «لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا» فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ» فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ البَحْرِ قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لاَ يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ

стр. 55

بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ، لَمَّا أَرْسَلَ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ﴾ (١)، وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ البَيْتِ". ومن طريق عبد الرَّزَّاق أخرج الحديث بطوله البيهقي (٢) والطبراني (٣) والإمام أحمد (٤) وابن حِبّان (٥). ثانيًّا: قول الزُّهْرِيّ: فَلَمَّا أَبَى الكُفَّارُ أَنْ يُقِرُّوا بِأَدَاءِ مَا أَنْفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ (٦). قول الزُّهْرِيّ هذا في سبب نزول الآية موقوف عليه، ولم أجده متصلًا من أي وجه، وكل من رواه وقفه على الزُّهْرِيّ (٧). ثالثًا: قول الزُّهْرِيّ: وَالعَقْبُ مَا يُؤَدِّي المُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ هَاجَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنَ الكُفَّارِ، فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الكُفَّارِ اللَّائِي هَاجَرْنَ، وَمَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا. كلام الزُّهْرِيّ هذا هو تفسير رآه في الآية، كما جزم بذلك الحافظ ابن حجر، حيث قال: "قَوْلُه والْعَقِب ... إِلَخ، قَوْلُه وما نَعْلَم أَحَدًا من المُهَاجِرَات ارْتَدَّتْ بعد إيمانها هو كلام

стр. 56

الزُّهْرِيّ" (١)، وقال في موضع آخر بعدما ذكر كلام الزُّهْرِيّ: "وَمَعْنَاه أَنّ الْعَقَب الْمَذْكُور في قَوْلِه فَعَاقَبْتُم أي أَصَبْتُم من صَدَقَات الْمُشْرِكَات عِوَض ما فَات من صَدَقَات الْمُسْلِمَات، وهذا تَفْسِير الزُّهْرِيّ" (٢). التعليق على الخبر: قوله : ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ (٣)، أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ (٤)، ولم يرد في سبب نزولها غير قول الزُّهْرِيّ، وهو موقوف عليه، ولم أجده متصلًا من أي وجه. * * * * * ٣ - أخرج البخاري في صحيحه، قال: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنِ الدَّابَّةِ تَمُوتُ فِي الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ، وَهُوَ جَامِدٌ أَوْ غَيْرُ جَامِدٍ، الفَأْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ، فَأَمَرَ بِمَا قَرُبَ مِنْهَا فَطُرِحَ، ثُمَّ أُكِلَ» عَنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّه (٥). نسبة البلاغ إلى قائله: القائل: " بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " هو ابن شهاب الزُّهْرِيّ، كما يتضح من سياق الخبر. طرق يتصل بها بلاغ الزُّهْرِيّ: هذا الحديث يتصل من وجهين صحيحين ثابتين عن النبي ﷺ من حديث ابن عباس عن مَيْمُونَة، ومن حديث أبي هريرة ﵃ أجمعين:

стр. 57

أخرجه البخاري (١) قال: حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يُحَدِّثُهُ: عَنْ مَيْمُونَةَ: أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا فَقَالَ: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ» قِيلَ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ مَعْمَرًا يُحَدِّثُهُ، عن الزُّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيّ يَقُولُ إِلَّا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مِرَارًا. ورواه أيضًا من طرق (٢)، عن مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، به، دون قوله: قِيلَ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ مَعْمَرًا يُحَدِّثُهُ .. وأخرجه أبو داود (٣) والتِّرْمِذِيّ (٤) والنّسائي (٥) من طرق عن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عن الزُّهْرِيّ به. وأخرجه أبو داود (٦) والإمام أحمد (٧) وابن حِبّان (٨) من طريق عَبْد الرَّزَّاق، عن مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَعِيد بن الْمُسَيِّب، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ».

стр. 58

قال التِّرْمِذِيّ (١): وَسَمِعْت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يقول: وَحَدِيث مَعْمَر عَنِ الزُّهْرِيّ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ»، هَذَا خَطَأٌ أَخْطَأَ فِيهِ مَعْمَرٌ قَالَ: وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ الزُّهْرِيّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ، وقال أيضًا: وروى مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ، عن سَعِيد بن المُسَيِّب، عن أَبِي هُرَيْرَة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَه. وهو حديث غير محفوظ. ولكن "جزم مُحَمَّد بن يَحْيَى الذُّهْلِيّ بِأَن الطَّرِيقَيْن صحيحان" (٢)، وقال: "وحديث معمر أيضًا عن الزُّهْرِيّ عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ محفوظ، والطريقان عندنا محفوظان -إن شاء الله-، لكن المشهور حديث ابن شهاب عن عبيد الله" (٣). وقال ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) في شرحه صحيح البخاري: "وإنما لم يدخل البخاري في الحديث قوله ﷺ : وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ؛ لأنه من رواية معمر، عن الزُّهْرِيّ، واستراب انفراد معمر" (٤)، قلت: القول ما قاله ابن عبد البر في التمهيد، حيث قال: وممّا يُصَحِّح حديث مَعْمَر عن الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد أَنّ عَبْد اللَّه بن صَالِحٍ حَدَّثَنِي قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِد بن يَزِيدَ، عن سَعِيدِ بن أَبِي هِلَالٍ، عن ابن شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ ابن الْمُسَيَّبِ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيّ: فَقَدْ وَجَدْنَا ذِكْرَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ فَالْحَدِيثَانِ مَحْفُوظَانِ (٥). التعليق على الحديث: في هذا الحديث معان من الفقه، منها: ما اجتُمع عليه، ومنها ما اختُلف فيه:

стр. 59

فأما ما اجتمع عليه العلماء من ذلك: أن الفأرة ومثلها من الحيوان كله يموت في سمن جامد، أو ما كان مثله من الجامدات، أنها تطرح وما حولها من ذلك الجامد ويؤكل سائره إذا استيقن أنه لم تصل الميتة إليه، وكذلك أجمعوا أن السمن وما كان مثله إذا كان مائعًا ذائبًا فماتت فيه فأرة، أو وقعت وهي ميتة، أنه قد نجس كله، وسواء وقعت فيه ميتة أو حية فماتت يتنجس بذلك قليلًا كان أو كثيرًا، هذا قول جمهور الفقهاء وجماعة العلماء وقد شذ قوم فجعلوا المائع كله كالماء ولا وجه للاشتغال بشذوذهم في ذلك ولا هم عند أهل العلم ممن يعد خلافًا (١). واختلفوا في بيعه والانتفاع به، فقالت طائفة: لا يباع ولا ينتفع بشيءٍ منه، كما لا يؤكل. هذا قول الحسن بن صالح وأحمد بن حنبل؛ واحتجوا بقوله ﷺ : "فإن كان مائعًا فلا تقربوه". وقال آخرون: يجوز الاستصباح به (٢)، والانتفاع في الصابون وغيره، ولا يجوز بيعه وأكله. هذا قول مالك والثوري والشافعي؛ قالوا: وقد روى عن على بن أبى طالب وابن عمر وعمران بن حصين أنهم أجازوا الاستصباح به. وذكر الطبري عن ابن عباس مثله، وذكر ابن المنذر عن ابن مسعود وأبى سعيد الخدري وعطاء مثله. واحتجوا في منع بيعه بقوله ﷺ في الخمر: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" (٣). * * * * * ٤ - أخرج البخاري في صحيحه، قال: وَزَادَ اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: وَسَأَلْتُهُ هَلْ نَتَوَضَّأُ أَوْ نَشْرَبُ أَلْبَانَ الأُتُنِ (٤)، أَوْ مَرَارَةَ السَّبُعِ، أَوْ أَبْوَالَ الإِبِلِ؟ قَالَ: قَدْ كَانَ المُسْلِمُونَ يَتَدَاوَوْنَ بِهَا، فَلاَ يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا، فَأَمَّا أَلْبَانُ الأُتُنِ: فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِهَا، وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَلْبَانِهَا أَمْرٌ وَلاَ نَهْيٌ،

стр. 60

وَأَمَّا مَرَارَةُ السَّبُعِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الخَوْلاَنِيُّ، أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ، أَخْبَرَهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ» (١). نسبة البلاغ إلى قائله: القائل: "فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِهَا، وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَلْبَانِهَا أَمْرٌ وَلاَ نَهْيٌ" هو الزُّهْرِيّ؛ بيّن ذلك صاحب التوضيح لشرح الجامع الصحيح، حيث قال: "وقول ابن شهاب: "فَلاَ يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا". أراد به أبوال الإبل ... وقوله في ألبان الأتن: "وَلَمْ يَبْلُغْنَا عنه أَمْرٌ وَلاَ نَهْيٌ"، كما نهى عن لحمه؛ فلبنه منهي عنه" (٢). وقد أخرج هذا الخبر ابن عبد البر في التمهيد (٣) موصولًا، وفيه أن الزُّهْرِيّ هو المسؤول وليس السائل، قال ابن عبد البر: وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بن عَبْدِ اللَّهِ بن مُحَمَّدِ بن مُغِيثٍ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن معوية بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الفريابي، قال حدثنا إسحق بن مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ حَدَّثَنِي أَنَسُ بن عِيَاضٍ قَالَ حَدَّثَنِي يُونُسُ بن يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ عَنِ ابن شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عن أَلْبَانِ الْأُتُنِ وَأَبْوَالِ الْإِبِلِ وَمَرَارَةِ السَّبُعِ، فَقَالَ: أَمَّا أَبْوَالُ الْإِبِلِ فَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَدَاوَوْنَ بِهَا وَلَا يَرَوْنَ بِهَا بَأْسًا وَأَمَّا أَلْبَانُ الْأُتُنِ فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نهى عَنْ لُحُومِهَا وَلَا أَدْرِي أَلْبَانَهَا الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ لُحُومِهَا وَدِمَائِهَا إِلَّا نَحْوَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا مَرَارَةُ السَّبُعِ فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ. طرق يتصل بها بلاغ الزُّهْرِيّ: قول الزُّهْرِيّ: "فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِهَا" أي: نهيه ﷺ عن أكل لحوم الحُمُر الأهلية، وهو يتصل من وجوه صحاح ثابتة عن النبي ﷺ من حديث ابن

стр. 61

عمر وجابر بن عبد الله والبَرَاء بن عازب وابن أَبي أَوْفَى وأبي ثَعْلَبَة الخُشَنِيّ، ... وغيرهم ﵃ أجمعين: فمن حديث ابن عمر ﵄ ما أخرجه البخاري (١)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ». وأخرجه مسلم (٢) من طريق نَافِع وَسَالِم عن ابن عُمَر به. ومن حديث جابر بن عبد الله ﵁ ما أخرجه البخاري (٣)، قال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَرَخَّصَ فِي الخَيْلِ». وأخرجه مسلم (٤) وأبو داود (٥) والنَّسائي (٦) من طرق عن حَمَّاد بن زَيْد به. وأخرجه التِّرْمِذِيّ (٧) من طريق سُفْيَان، عن عَمْرِو بن دِينَار به. ومن حديث البَرَاء بن عازب وابن أَبي أَوْفَى ﵄ ما أخرجه البخاري (٨)، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَدِيٌّ، عَنِ البَرَاءِ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵃، قَالاَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ». وأخرجه مسلم (٩) من طريق مِسْعَر، عن ثَابِت بن عُبَيْد، عن الْبَرَاء بنحوه.

стр. 62

ومن حديث أبي ثَعْلَبَة الخُشَنِيّ ﵁ ما أخرجه البخاري (١)، قال: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ، قَالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ». وأخرجه مسلم (٢) والنَّسائي (٣) من طريق الزُّهْرِيّ به. تخريج الحديث: أخرج الحديث دون بلاغ الزُّهْرِيّ البخاري (٤)، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الخَوْلاَنِيِّ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ». وأخرجه مسلم (٥) من طرق عن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وأبو داود (٦) عن مَالِك، كلاهما (سُفْيَان ومالك) عن ابْنِ شِهَاب، به. التعليق على الخبر: يستفاد من الخبر ما يلي: ١ - لا يجوز أكل الحمير والبغال لثبوت الخبر عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن ذلك، وهو قول عوام أهل العلم، وكره النخعي أكل لحم البغل (٧).

стр. 63

٢ - لا يجوز شرب أَلْبَان الْأُتُن (الحُمُر الأهلية)، فقد "حرمه أكثر أهل العلم، ورخص فيه عطاء وطاوس والزُّهْرِيّ، والأول أصح لأن حكم الألبان حكم اللحم لأنه متولد منه" (١). ٣ - "حرمة مرارة السبع، إذ لفظ الحديث عام في جميع أجزائه" (٢). ٤ - جواز التَّدَاوي بأبوال الْإِبِل، "فقد سُئِلَ أحمد عن ذلك فقال: لا بأس. وَسُئِل مرّة أُخْرَى فَقَال: أما من عِلّة فَنعم، وَأما رجل صَحِيح فَلَا يُعجبنِي أَن يشرب أَبْوَال الْإِبِل. قَالَ الْخلال: وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة جَوَاز شربهَا لغير ضَرُورَة" (٣). * * * * * ٥ - أخرج البخاري في صحيحه، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، ح وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيّ: فَأَخْبَرَنِ ي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءً فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ، اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَتُزَوِّدُهُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فِيهِ، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتَّى بَلَغَ - ﴿عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٤)، " فَرَجَعَ بِهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ

стр. 64

الرَّوْعُ، فَقَالَ: «يَا خَدِيجَةُ، مَا لِي» وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ، وَقَالَ: «قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» فَقَالَتْ لَهُ: كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لاَ يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ قُصَيٍّ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخُو أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العَرَبِيَّ، فَيَكْتُبُ بِالعَرَبِيَّةِ مِنَ الإِنْجِيلِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيِ ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ وَرَقَةُ: ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَا رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ» فَقَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ ، فِيمَا بَلَغَنَا، حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ، وَتَقِرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾: «ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ، وَضَوْءُ القَمَرِ بِاللَّيْلِ» (١). نسبة البلاغ إلى قائله: القائل: وَفَتَرَ الوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ ، فِيمَا بَلَغَنَا، حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا .... قيل: هو الزُّهْرِيّ، قاله الحافظ ابن حجر، حيث قال: "ثُمّ إنّ القائل فيما بلغنا هو الزُّهْرِيّ، ومعنى الكلام أَنّ في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول اللَّه ﷺ في هذه القصّة وهو من

стр. 65

بلاغات الزُّهْرِيّ وليس موصولًا" (١)، وتبع ابن حجر في نسبة البلاغ إلى الزُّهْرِيّ السيوطي (٢) والقَسْطَلَّاني (٣). وقيل مَعْمَر بن راشد، قاله بدر الدين العيني، حيث قال: "وهذا من بلاغات مَعمَر ولم يسنده، ولا ذكر راويه ولا أنه ﷺ قاله" (٤)، وتبع العيني ابن الملقن (٥). وأُرى أن نسبة هذه الزيادة للزُّهْرِيّ أقوى من نسبتها لمَعْمَر؛ وذلك لأن هذه الزيادة وردت من طريقين أخريين غير طريق مَعْمَر عن الزُّهْرِيّ، فقد وردت من رواية عُقَيْل بن خالد الأيلي ويونس بن يزيد الأيلي كلاهما (عُقيل ويونس) عن الزُّهْرِيّ، كما سأبينه في تخريج الخبر. طرق يتصل بها البلاغ المذكور: يتصل هذا البلاغ، ولكن من طرق واهية غاية في الضعف. أخرج نحوه ابن سعد بسنده عن ابن عباس، قال (٦): أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِحِرَاءٍ مَكَثَ أَيَّامًا لا يَرَى جِبْرِيلَ. فَحَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا حَتَّى كَانَ يَغْدُو إِلَى ثَبِيرٍ مَرَّةً وَإِلَى حِرَاءٍ مَرَّةً يُرِيدُ أَنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْهُ. فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ عَامِدًا لِبَعْضِ تِلْكَ الْجِبَالِ إِلَى أَنْ سَمِعَ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ. فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَعِقًا لِلصَّوْتِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا جِبْرِيلُ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ مُتَرَبِّعًا عَلَيْهِ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا وَأَنَا جِبْرِيلُ. قَالَ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ وَرَبَطَ جَأْشَهُ. ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ بَعْدُ وَحَمِيَ.

стр. 66

وهذا الإسناد ضعيف؛ فيه: مُحَمَّد بن عُمَر، وهو: مُحَمَّد بن عُمَر بن واقد الواقدي الأَسلميّ، أَبُو عَبد اللَّهِ الْمَدَنِيّ، مولى عَبد اللَّهِ بن بريدة الأَسلميّ (ت: ٢٠٧ هـ)، متروك (١). وكذا شيخه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أَبِي مُوسَى، لم أجده، ولكني أظن أن جده أبي موسى محرّف من أبي يحيى، فإن كان كذلك فهو: إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بن أَبي يحيى - واسمه سمعان - الأَسلميّ، مولاهم، أبو إسحاق المدني، وقيل: إِبْرَاهِيم بن محمد بن أَبي عطاء (ت: ١٨٤ - ١٩١ هـ)، متروك (٢). وأخرج الطبري في تفسيره، قال (٣): حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٌ، قَالَ: ثنا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ رَاشِدٍ، يَقُولُ عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا أَبْتَدِئُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ؛ كَانَتْ تَجِيءُ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَّيَالِي ذَوَاتِ الْعَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدَ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجَأَهُ الْحَقُّ، فَأَتَاهُ؛ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وَأَنَا قَائِمٌ، ثُمَّ رَجَعْتُ تَرْجُفُ بَوَادِرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، حَتَّى ذَهَبَ عَنِّي الرَّوْعُ، ثُمَّ أَتَانِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنَا جِبْرِيلُ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَطْرَحَ نَفْسِي مِنْ حَالِقٍ مِنْ جَبَلٍ، فَتَمَثَّلَ إِلَيَّ حِينَ هَمَمْتُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنَا جِبْرِيلُ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَقْرَأُ؟ قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ..... الحديث". وإسناده أيضًا ضعيف؛ فيه النُّعمان بن راشد، وهو: النُّعمان بن راشد الجَزَريُّ، أبو إسحاق الرَّقيُّ، مولى بني أُميَّة، ذكره ابن حِبّان في الثِّقات (٤)، وقال ابن حجر: صدوق

стр. 67

سيء الحفظ (١)، وقال البخاري: في حديثه وهم كثيرٌ وهو صدوق في الأصل، وقال الإمام أحمد: مضطرب الحديث، روى أحاديث مناكير، وضعّفه ابن معين والنّسائي وابن أبي حاتم، وقال أبو داود: ضعيف في الزُّهْرِيّ (٢). وأخرج الطبري عن يُوْنُس بن عَبْد الأَعْلَى نحو هذا الخبر بعده، ولم يذكر لفظه، قال (٣): "حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: ثني عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ، أَخْبَرَتْهُ وَذَكَرَ، نَحْوَهُ". والطبري يشير هنا إلى لفظ حديث الباب، فقد أخرجه أبو عوانة (٤) عن يُوْنُس بن عَبْد الأَعْلَى، عن ابن وهب، عن يُونُس، عن ابن شِهَابٍ، عن عُرْوَة عن عَائِشَة، ... فذكره بلفظ رواية البخاري. تخريج الحديث: أخرجه مع ذكر البلاغ المذكور في آخره: عبد الرّزّاق (٥) من رواية مَعْمَر بن راشد عن الزُّهْرِيّ، ومن طريق عبد الرّزّاق أخرجه البخاري (٦) والإمام أحمد (٧) وابن حِبَّان (٨). لكن رواية ابن حِبّان وردت دون قوله "فيما بلغنا" (٩)؛ ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن ابن حِبّان رواه عن مُحَمَّد بن الْحَسَن بن قُتَيْبَة عن بن أَبِي السَّرِيّ عن عَبْد الرَّزَّاق

стр. 68

عن مَعْمَر، به، وابن أبي السري هو: محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن الهاشمي مولاهم العسقلاني المعروف بابن أبي السري، قال عنه ابن حجر: "صدوق عارف له أوهام كثيرة" (١)؛ فيكون إسقاطه فيما بلغنا من جملة أوهامه، قال الألباني "إسقاط ابن أبي السريّ من الحديث قوله: "فيما بلغنا" خطأ منه؛ ترتب عليه أن اندرجت القصة في رواية الزُّهْرِيّ عن عائشة، فصارت بذلك موصولة، وهي في حقيقة الأمر معضلة، لأنها من بلاغات الزُّهْرِيّ" (٢). وأخرجه أيضًا وفي آخره الزيادة المذكورة: أبو عوانة (٣) من رواية يونس بن يزيد الأيلي، عن الزُّهْرِيّ، وابن مَنْدَه (٤) من رواية عُقَيْل عن الزُّهْرِيّ به. وأخرجه دون ذكر البلاغ: البخاري (٥) من رواية عُقَيْل، عن الزُّهْرِيّ به. وأخرجه البخاري (٦) ومسلم (٧) والبيهقي (٨) من رواية يونس، عن الزُّهْرِيّ به. ونستنتج مما سبق ما يلي: أن هذه الزيادة مرسلة، وأن القائل: "فيما بلغنا" إنما هو الزُّهْرِيّ.

стр. 69

أن هذا البلاغ لم يتصل لفظه ولا معناه من أي وجه صحيح. أخرج البخاري الحديث في عدة مواضع دون البلاغ المذكور؛ فكأنه أشار إلى بطلان هذه الزيادة. وإنها ليست من الحديث، وإنما هي معلقة. التعليق على الخبر: لم يتصل بلاغ الزُّهْرِيّ عن قصة محاولة النبي ﷺ أن يلقي نفسه من رُءُوسِ شواهقِ الجِبال من أي وجه صحيح، وهي زيادة منكرة من حيث المعنى؛ لأنه لا يليق بالنبي ﷺ المعصوم أن يحاول قتل نفسه بالتردي من الجبل مهما كان الدافع له على ذلك وهو القائل: "مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا" (١)، والبخاري أخرج هذا الحديث في عدة مواضع بدون هذه الزيادة؛ ولعله ذكرها لينبهنا إلى مخالفتها لما صح عنده من حديث بدء الوحي، الذي لم تذكر فيه هذه الزيادة، فكأن ذكره لها أشارة إلى بطلانها. قال الإسماعيلي (٢): مَوَّه بعض الطَّاعنين على المحدِّثين، فقال: كيف يجوز للنبي أن يرتاب في نبوته حتى يوفي بذروة جبل ليلقي منها نفسه على ما جاء في رواية معمر، ولئن جاز أن يرتاب مع معاينة النازل عليه من ربه، فكيف ينكر على من ارتاب فيما جاءه به مع عدم المعاينة (٣).

стр. 70

أقول: قد بينت بالنقد العلمي أن قصة محاولة النبي ﷺ أن يلقي نفسه من رُءُوسِ شواهقِ الجِبال لم تصح من أي وجه، وبفرض صحة هذه القصة جدلًا، فليس فيها ما يعيب شخص النبي ﷺ أو يقدح في عصمته، يتضح ذلك مما يلي: ١ - إن إرادة النبي ﷺ إلقاء نفسه من رؤوس الجبال وردت في موضعين، فعن الموضع الأول قال ابن حجر: أما الإرادة المذكورة في الزيادة الأولى -الواردة في بلاغ الزُّهْرِيّ ورواية ابن سعد- ففي صريح الخبر أنها كانت حزنًا على ما فاته من الأمر الذي بشره به ورقة، وعن الموضع الثاني قال الإسماعيلي: وأما إرادته إلقاء نفسه من رؤوس الجبال بعد ما نبئ -على ما ورد في رواية الطبري- فلضعف قوته عن تحمل ما حمله من أعباء النبوة، وخوفًا مما يحصل له من القيام بها من مباينة الخلق جميعًا، كما يطلب الرجل الراحة من غم يناله في العاجل بما يكون فيه زواله عنه، ولو أفضى إلى إهلاك نفسه عاجلًا، حتى إذا تفكر فيما فيه صبره على ذلك من العقبى المحمودة صبر واستقرت نفسه (١). ٢ - إن تحريم قتل النفس لم يكن نازلاً في شريعته ﷺ ؛ فالقصّة كانت في بداية أمر الوحي، فكيف تكون تلك الحادثة -على فرض صحّتها- مدخلًا للطعن فيه ﷺ ؟ . ٣ - إن العصمة متحققة في هذه الحال، حيث أن الله صرف عن نبيه ﷺ هذا السوء. * * * * * ٦ - أخرج البخاري في صحيحه، قال: وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، سُئِلَ: أَعَلَى مَنْ سَحَرَ مِنْ أَهْلِ العَهْدِ قَتْلٌ؟ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ صُنِعَ لَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْتُ لْ مَنْ صَنَعَهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ (٢).

стр. 71

نسبة البلاغ إلى قائله: القائل: " بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ... " هو الزُّهْرِيّ، كما يتضح من سياق الخبر. كما أكد ذلك القَسْطَلَّاني بقوله: "عن ابن شهاب الزُّهْرِيّ أنه (سُئل) (أعلى من سحر من أهل العهد قتل؟ قال): أي ابن شهاب مجيبًا للسائل (بلغنا أن رسول الله ﷺ ... ) (١). طرق يتصل بها بلاغ الزُّهْرِيّ: قصة سحر النبي ﷺ تتصل من وجوه صحاح ثابتة عنه ﷺ من حديث عائشة ﵂، وزَيْد بن أَرْقَم ﵁: فمن حديث عائشة ﵂ ما أخرجه البخاري (٢) قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ». كما أخرجه مطولًا في مواضع أخرى من صحيحه (٣)، قال (٤): حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُنْذِرٍ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طُبَّ، حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ صَنَعَ الشَّيْءَ وَمَا صَنَعَهُ، وَإِنَّهُ دَعَا رَبَّهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ» فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " جَاءَنِي رَجُلاَنِ، فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، قَالَ: فِي مَاذَا؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي ذَرْوَانَ " - وَذَرْوَانُ بِئْرٌ فِي بَنِي زُرَيْقٍ - قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ» قَالَتْ: فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهَا

стр. 72

عَنِ البِئْرِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلَّا أَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: «أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا». وأخرجه مسلم (١) وابن ماجة (٢) من طريق عبد اللَّه بن نُمَيْر، عن هِشَام، به. ومن حديث زَيْد بن أَرْقَم ﵁ ما أخرجه النّسائي (٣)، قال: أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ ابْنِ حَيَّانَ يَعْنِي يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: فذكره بنحوه. التعليق على الخبر: ثبت من صحيح الآثار أنّ النبي ﷺ سُحر، إلا أنّ ذلك السحر لم يضره ﷺ ؛ لأنه لم يفقده شيئًا من الوحي، ولا دخلت عليه داخلة في الشريعة، وإنما اعتراه شيء من التخيل والتوهم، ثم لم يتركه الله على ذلك، بل تداركه، ثم عصمه، وأعلمه بموضع السحر، وأمره باستخراجه وحله عنه، فعصمه الله من الناس ومن شرهم، كما وعده (٤). قال المازَري عن قصة سحر النبي ﷺ (٥): "وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث من طريق ثابتة، وَزَعَموا أنّه يحطّ مَنصِب النُّبوة ويشكّك فيها، وَكلُّ مَا أدَّى إلى ذلك فهو بَاطل، وزَعَموا أن تجويز هذا يعدم الثقّة بما شرعوه من الشرائع، ولعله يتخيل إليه جبريل ﵇ ولَيس ثمّ ما يراه أو أنّه أوحى إليه وما أوحِيَ إلَيه، وهذا الذي قالوه باطل؛ وذلك أنّ الدّليل قد قام على صدقه فيما يبلّغه عن الله -سبحانه- وعلى عصمته فيه، والمعجزة شاهدة بصدقه وتجويز ما قام الدّليل على خلافه باطل، وما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بِسَبَبِهَا، ولا كان رسولًا مفضّلا من أجلِهَا هو في كثير منه عرضة لما يعتِرض البشَر، فَغير بعيد أن يخيّل إليه في أمور الدّنيا ما لا حقيقة له، وقد قال بعض

стр. 73

النّاس إنَّما المراد بالحديث أنّه كان يخيّل إليه أنه وطِئَ زوجاتِه وليس بواطئ، وقد يَتَخَيَّل في المنام للإنسان مثل هذا المعنى، ولا حقيقة له فلا يبعد أن يكون ﷺ يَتَخَيَّله في اليقظة وإن لم يكن حقيقةً، وقال بعض أصحابنا يمكن أن يكون يُخيَّل إليه الشيء أنّه فعله وما فعله، ولكنه لا يعتقد ما تخيّله أنّه صحِيح؛ فتكون اعتقاداته كلّها على السَّداد فلا يبقى لاعتراض الملحد طريق". * * * * *

стр. 74

المبحث الثاني: بلاغات الزُّهْرِيّ في صحيح مسلم ٧ - أخرج مسلم في صحيحه، قال: وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ، أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِ شَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: أَعْتَمَ (١) رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَهِيَ الَّتِي تُدْعَى الْعَتَمَةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ حِينَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ: «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرُكُمْ»، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الْإِسْلَامُ فِي النَّاسِ زَادَ حَرْمَلَةُ فِي رِوَايَتِهِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنَّ تَنْزُرُوا (٢) رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى الصَّلَاةِ، وَذَاكَ حِينَ صَاحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (٣). نسبة البلاغ إلى قائله: القائل: "وَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ... " هو الزُّهْرِيّ؛ وهو واضح في سياق الخبر. طرق يتصل بها بلاغ الزُّهْرِيّ: لم تتصل هذه الزيادة، ولم أجد من أسندها من الرواة. تخريج الحديث: أخرجه بهذه الزيادة في آخره: مسلم عن حَرْمَلَة بن يَحْيَى، به، وابن حِبّان (٤) عن ابن قُتَيْبَة اللَّخْمِيّ عن حَرْمَلَة بن يَحْيَى، به، وفيه: "تبدروا" (٥)، بدلاً من تَنْزُرُوا.

стр. 75

وأخرجه دون الزيادة: الإمام أحمد (١)، قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوب، قال: حَدَّثَنَا ابن أَخِي ابن شِهَاب، عن عَمِّه، قال: .. فذكره. والبخاري (٢) من طريق (عُقَيْل وصَالِح بن كَيْسَان وشُعَيْب)، والنّسائي (٣) من طريق (مَعْمَر وابن أَبِي عَبْلَة وشُعَيْب) جميعهم عن الزُّهْرِيّ بنحوه، ولم يذكروا فيه "وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الْإِسْلَامُ فِي النَّاسِ"، رواية عُقَيْل إلى قوله" .. مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرَكُمْ"، وزاد مَعْمَر عند النّسائي وشُعَيْب في إحدى روايتيه عند البخاري: "وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ يُصَلِّي غَيْرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ" وزاد صَالِح بن كَيْسَان وابن أَبِي عَبْلَة وشُعَيْب: "قَالَ: وَلاَ يُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ، وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ". التعليق على الحديث: يستفاد من الحديث ما يلي: ١ - ما كان عليه الصحابة من اهتمامهم بصلاة الجماعة؛ حتى يحضر النساء والصبيان (٤). ٢ - مشروعية الإعلام للإمام ليخرج إلى الصلاة (٥). ٣ - استحباب تأخير صلاة العشاء (٦). * * * * *
следующие страницы →