جهد المحتفي
في أمر العالم المختفي
١٤٢٥ هـ ـ ٢٠٠٥ م
جهد المحتفي
في أمر العالم المختفي
تأليف
مرزوق بن هيّاس آل مرزوق الزهراني
الأستاذ المشارك في قسم علوم الحديث
بكلية الحديث والدراسات الإسلامية
بالمدينة النبوية
طبع على نفقة فاعل خير نسال الله لنا وله القبول وجزيل الثواب.
стр. 2
جهد المحتفي
في أمر العالم المختفي
١٤٢٥ هـ ـ ٢٠٠٥ م
جهد المحتفي
في أمر العالم المختفي
تأليف
مرزوق بن هيّاس آل مرزوق الزهراني
الأستاذ المشارك في قسم علوم الحديث
بكلية الحديث والدراسات الإسلامية
بالمدينة النبوية
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4
جهد المحتفي
في أمر العالم المختفي
١٤٢٥ هـ ـ ٢٠٠٥ م
جهد المحتفي
في أمر العالم المختفي
تأليف
مرزوق بن هيّاس آل مرزوق الزهراني
الأستاذ المشارك في قسم علوم الحديث
بكلية الحديث والدراسات الإسلامية
بالمدينة النبوية
стр. 5
ح: مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني، ١٤٢٥ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر.
الزهراني، مرزوق بن هياس آل مرزوق.
جهد المحتفي في أمر العالم المختفي/ مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني، المدينة المنورة، ١٤٢٥ هـ
ص؛ .. سم. ـ (رسائل دعوة وتوجيه؛ ٦)
ردمك: ٨ ـ ٨٩٦ ـ ٤٦ ـ ٩٩٦٠
١ ـ الشياطين والجان أ. العنوان ب. السلسلة
ديوي ٢٤٣ ... ٦٥٦٠/ ١٤٢٥
رقم الإيداع: ٦٥٦٠/ ١٤٢٥
ردمك: ٨ ـ ٨٩٦ ـ ٤٦ ـ ٩٩٦٠
ــ
حقوق الطبع محفوظة.
الطبعة الأولى: ص: ٦٥ - ٢١×١٤، ١٤٢٥ هـ ٢٠٠٥ م
الناشر: المؤلف ... جوال: ٠٥٠٥٣٠٦٣٠٤
مطابع أضواء المنتدى الإسلامي ـ الرياض
стр. 6
الإهداء
إلى إخواني المسلمين أجمعين الذين جعلوا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مستمسكا لعبادتهم ونهجهم القويم في شؤون الدنيا والآخرة، أقدم هذا الجهد احتفاء بكل مسلم ومسلمة، رجاء أن يزدادوا وثوقا بكتاب ربهم وسنة نبيهم، ليصفو اعتقادهم، وتقوى عزائمهم في توحيد الله وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له، وإفراد رسوله ﷺ بالطاعة والإتباع، والتمسك بما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وغلق كل ثغرة يفتحها عليهم شياطين الإنس والجن، فإنه يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، وعدم الاغترار بالدنيا وشهواتها فما هي إلا متاع الغرور، وعليهم الأخذ بالأحوط وعدم التفريط فيما أمروا به، كيما تزكو نفوسهم ويكونوا من عباد الله المخلصين ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١)،
стр. 7
منهج البحث
قبل تحديد خطوات البحث تجدر الإشارة إلى أنني سأقتصر في المنهج على ما يلي:
في توثيق المعلومات على الكتاب والسنة: فكتاب الله العزيز أعذب الموارد، وهو الصافي الذي لا يشوبه كدر، كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (١)، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم) (٢)، والسنة النبوية الغراء، ممثلة فيما هو في الصحيحين: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، أو أحدهما، وأزيد ما دعت إليه الحاجة،
стр. 8
قال رسول الله ﷺ : (ألا إنِّي أوتيت الكتاب ومثله معه، لا يوشك رجلٌ شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن؛ فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلوه وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرموه ... ) (١)، وما كان في غيرهما من أمر يلزم تدوينه لأهميته في البحث، وتوثيق المعلومات، فلا أغفله وبمصدره أوصله.
خطة البحث
ارتأيت أن يكون البحث في مقدمة، وعشرة مباحث هي:
المبحث الأول: تعريف الجن:
المبحث الثاني: أصل خلقهم.
المبحث الثالث: صورهم وتشكلهم.
المبحث الرابع: مشابهتهم
المبحث الخامس: حياتهم ومعاشهم.
المبحث السادس: أقسامهم.
المبحث السابع: منافعهم وحرفهم.
المبحث الثامن: مضارهم.
المبحث التاسع: التعامل معهم.
المبحث العاشر: تسلطهم على بني آدم؟ .
стр. 9
المقدمة
في ليلة الاثنين ١٩/ ٥/ ١٤٢٣ هـ كنت في زيارة لأحد الأصدقاء، وشاهدت مقابلة في قناة الجزيرة، مع الدكتور/ جمال أبو غسان، عضو هيئة التدريس بجامعة الزرقاء الأهلية، وقد أعلن عبرها إنكاره لتلبس الجان بالإنسان، وقال: لا يوجد دليل من كتاب ولا سنة يؤيد تلبس الجان للإنسان، ورد ذلك إلى أوهام وخرافات، وزعم أن ابن تيمية لبّس عليه بعض الصالحين أشياء، صدقها ونشرها في كتبه، وعنه نقل ابن باز، وتأول الآية ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (١)، بالوسوسة، ومعلوم أن الأمثال في لغة العرب تعبر عن شيء واقع ومحسوس، فهي وسيلة إيضاح لتقوية الذهن على استيعاب الخبر وإدراكه، ومعنى يتخبطه: يتملكه ويصرعه، والوسوسة لا تحدث صرعا، والوسوسة يجدها الإنسان في تفكيره وفيما تحدثه به نفسه، ولا يسمعها بخطاب خارج عن ذاته، ولو فهم العلماء غير هذا لوقع خلط وخلل كبير في كثير من النصوص، والأمر الذي استغربته جدا قول د/ جمال: "يجب أن
стр. 10
نفهم السنة على ضوء القرآن، ولا عكس" وهذا كلام خطير أيضا، أما علم الدكتور أن السنة الصحيحة قاضية على الكتاب، ومفسرة لنصوصه؟ ! ، وأنها مصدر للتشريع ينفصل عن الكتاب بالحكم الزائد، كما في تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، الوارد في قول رسول الله ﷺ : (لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها) (١)، وتحديد الصلوات الخمس، من حيث التسمية والعدد، ووقت الأداء، ففي تحديد الوقت روى أبو موسى ﵁ عن رسول الله ﷺ ، "أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئا، قال: فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا، ثم أمره فأقام بالظهر، حين زالت الشمس، والقائل يقول: قد انتصف النهار، وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت، ثم أخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتى انصرف منها، والقائل يقول قد احمرت الشمس، ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول، ثم أصبح
стр. 11
فدعا السائل فقال: الوقت بين هذين" (١)، وكذلك قصر الرباعية، قال: أنس ﵁: "صلى النبي ﷺ بالمدينة الظهر أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين" (٢)، وكذلك صلاة الخوف طبقت عمليا بالسنة قال: جابر ﵁: "غزونا مع رسول الله ﷺ قوما من جهينة، فقاتلونا قتالا شديدا، فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم، فأخبر جبريل رسول الله ﷺ ذلك، فذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ قال: وقالوا: إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد، فلما حضرت العصر، قال: صفّنا صفّين، والمشركون بيننا وبين القبلة، قال فكبر رسول الله ﷺ وكبرنا، وركع فركعنا، ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني، ثم تأخر الصف الأول، وتقدم الصف الثاني، فقاموا مقام الأول، فكبر رسول الله ﷺ وكبرنا، وركع فركعنا، ثم سجد وسجد معه الصف الأول، وقام الثاني، فلما سجد الصف الثاني، ثم جلسوا جميعا، سلم عليهم رسول الله ﷺ " (٣) ومن أين عرفنا السنن الراتبة إلا من السنة، والسنن الراتبة هي: ركعتين قبل صلاة الفجر، لقول عائشة ﵂: "لم يكن النبي ﷺ ، على شيء من النوافل، أشد منه تعاهدا على ركعتي
стр. 12
الفجر" (١)، وقولها: "كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا. ثم يخرج فيصلي بالناس. ثم يدخل فيصلي ركعتين. وكان يصلي بالناس المغرب. ثم يدخل فيصلي ركعتين. ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين" (٢) وما ورد في حديث ابن عمر ﵁ قال: "صليت مع رسول الله ﷺ قبل الظهر سجدتين، وبعدها سجدتين، وبعد المغرب سجدتين، وبعد العشاء سجدتين، وبعد الجمعة سجدتين، فأما المغرب والعشاء والجمعة، فصليت مع النبي في بيته" (٣)، وقد عبر بالسجدتين وهو يعني ركعتين، فيكون المجموع (١٢) ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة، وهو ما ورد في حديث أم حبيبة أنها تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بني له بهن بيت في الجنة) قالت أم حبيبة: "فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ ".
وقال ابن عنبسة: "فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة.
وقال عمرو بن أوس: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة".
стр. 13
وقال النعمان بن سالم: "ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوس" (١)، وكذلك صفة الوضوء إلا من حديث عثمان وغيره وكذلك تحريم بعض المطعومات كالحمر الأهلية، وكذلك تحريم المتعة، كما في حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المتعة عام خيبر، وعن لحوم الحُمُر الإنسية" (٢)، وغير ذلك كثير، ولا أشك في أنها معلومة للدكتور جمال، وظنّي أن قوله ذلك هفوة لسان، وفقنا الله وإياه للصواب.
نعم قد يكون بعض ما يقع من الناس أوهام وترهات، ولكن ليس ذلك مبررا لنفي التلبس، وما يقع من أذى الجان لبني الإنسان، ولا ننكر ما يقع من أذى من بني الإنسان للجان، سيما من لا يذكر الله قبل أي عمل، ولذلك أمر رسول الله ﷺ بإنذار العوامر: الحيات والثعابين والعقارب التي تسكن البيوت، فقال ﷺ : (إن بالمدينة نفرا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان) (٣)، فلم نتهم علماءنا بالغباء؟ ، وهم من أذكى الأذكياء، كابن تيمية وابن باز وغيرهما من الأئمة الكبار، ونقول: إن ابن تيمية لبّس عليه بعض الصالحين
стр. 14
أشياء، صدّقها ونشرها في كتبه، وعنه نقل ابن باز، فيكون ابن تيمية ساذجا لا يفكر فيما يقال له، فيتلقى دون وعي، ويدرج ما سمع في مصنفاته دون تمحيص، وهو الإمام الذي لم نعلم من عصره إلى يومنا هذا من تجاوزه في العلم والذكاء وكثرة التدقيق والتحقيق، ولم يسلم ابن باز من التهمة بما اتّهم به ابن تيمية، فقد علمنا شيخنا الإمام عبد العزيز بصيرا ناقدا متحريا، ملتزما بالسنة رحم الله الجميع رحمة واسعة.
ولما ذكرت خطر لي أن أكتب في هذا الأمر ما تيسر ليكون بيانا لما هو الحق إن شاء الله تعالى، كيما ينتفع به من طالعه، وتأنّى وتدبّر، سيما وقد كثر الدجّالون، وقلّ المخلصون، واختلط على الناس الحابل بالنابل، فتعلق الكثيرون بغير الله ، خوفا من الجان وشرورهم، فانفتح بذلك باب واسع للاحتيال والكسب المحرّم، ومارس الكثيرون الشعوذة باسم الرقية والتعويذة، وقد حال ضعف الهمة وكثرة المشاغل دون تحقيق ما رمت عمله، وكنت أدوّن على مهل ما تيسر لي، إلى أن تمّ لي بعض ما أردت، ليكون موعظة وذكرى، ونحن دائما نحتاج إلى الموعظة والتذكير بما ينفعنا في الدنيا والآخرة، أسأل الله أن يجعله عملا صالحا متقبلا، يثقّل به الموازين يوم القدوم عليه، بفضله ورحمته وهو أرحم الراحمين.
стр. 15
المبحث الأول: تعريف الجن:
هم من خلق الله الذين كلّفوا بعبادته سبحانه، شأنهم في ذلك شأن الإنس، خلقوا للابتلاء فهم داخلون في الخطاب بقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١)، وهم أجسام عاقلة خفية، يرون الإنس ولا يراهم الإنس إلا بتمثل منهم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (٢)، وهم مجزيّون على أعمالهم، فقد خلقوا لعبادة الله ، قال تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ (٣)، وقد أرسل الله إليهم رسلا قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
стр. 16
يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (٢)، وهم مخاطبون بنبوة نبينا محمد ﷺ شأنهم شأن الإنس، قال الله سبحانه تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (٣)، قال رسول الله ﷺ : (إن بالمدينة نفرا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئا من هذه العوامر
стр. 17
فليؤذنه ثلاثا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان) (١)، تلا عبد الله بن مسعود ﵁: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (٢)، قال: "نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون" (٣)، فمن الجن مسلمون مؤمنون يعبدون الله ، على ملة نبينا محمد ﷺ .
والجن فيهم رحمة لبعضهم البعض، قال رسول الله ﷺ : (إن لله مئة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس، والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون) (٤)، ومنهم قرناء لبني آدم، وليسوا مسلمين، إلا قرين رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ ! ، قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير) (٥)، وليس لهم سلطان على عباد الله الصالحين، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ
стр. 18
عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢)، وقال الله : ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (٣)، فلا سبيل إلى السلامة من سلطان الشيطان على الإنسان إلا بالإيمان بالله واتباع شرعه، والتوكل عليه تعالى في كل الأمور، وقد تكفل رب العزة والجلال لهؤلاء بالحفظ والسلامة.
المبحث الثاني: أصل خلقهم:
أبان القرآن الكريم أن أصل خلق الجن، من مارج من نار قال تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ
стр. 19
مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ (١)، وقد ورد ذلك في محاجّة إبليس لرب العزة والجلال، وتكبره عن السجود لآدم عصيانا منه لربه تعالى، واحتقارا لآدم ﵇ وذريته، ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (٢)، قال رسول الله ﷺ : (خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجان من مارج من نار، وخُلق آدم مما وصف لكم) (٣)، وقد كان مع الملائكة وليس منهم فإنهم؛ لأن الملائكة ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٤)، وهو من الجن ففسق ولم يطع قال الله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ
стр. 20
لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (١)، فبذلك الفسوق استحق غضب الله ولعنته إلى يوم الدين، قال الله : ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾ (٢)، فطلب من الرب سبحانه الإمهال إلى يوم البعث، واستحكمت عداوته لآدم وذريته، وتوعد بإضلالهم عن طريق الهدى أجمعين، باستثناء القليل وهم عباد الله المخلصون، وقد ذكر الله هذا في كتابه العزيز فقال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قَالَ رَبِّ بِمَا
стр. 21
أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١).
المبحث الثالث: صورهم وتشكلهم:
خلق الله الجن على هيئة أقدرهم فيها على التلون والتشكل، يظهرون في أي صورة شاؤوا في أشكال الحيات مثلا، قال رسول الله ﷺ : (إن بالمدينة نفرا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان) (٢)، والعوامر هي الحيات والثعابين مما يسكن البيوت وغيرها، قال عبد الله بن عمر ﵄: (فبينا أنا أطارد حية لأقتلها، فناداني أبو لبابة: لا تقتلها، فقلت: إن رسول الله ﷺ قد أمر بقتل الحيات. قال: إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت، وهي العوامر) (٣).
ومما يدل على تشكل الجان حديث أبي ذر ﵁ قال رسول الله: (إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود، قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب
стр. 22
الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان) (١).
ويتكونون في صور بني آدم، الذكور والإناث على حدّ سواء قال عبد الله بن مسعود ﵁: (إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل. فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب. فيتفرقون. فيقول الرجل منهم: سمعت رجلا أعرف وجهه، ولا أدري ما اسمه، يحدث) (٢).
وكذلك المرأة الفاجرة التي تعرض مفاتنها للناس يستغلها الشيطان لزيادة الفتنة والإيقاع فيها قال رسول الله ﷺ : (إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله. فإن ذلك يرد ما في نفسه) (٣)، ومعنى هذا أن الشيطان يكون في صورة المرأة، حينما تخرج عن الآداب الشرعية، فتكون في صورة شيطان ليغري بها الفساق الناهجين نهجها سييئا.
المبحث الرابع: مشابهتهم:
ذكرنا أن الجن خلقهم الله قادرين على التشكل، والتشبه بغيرهم، وهم يشبهون الملائكة من حيث القدرة على
стр. 23
التشكل في غير الصورة الحقيقية، ويفارقهم الملائكة بأنهم لا يتشبهون بالدواب والهوام، فلا يتشبهون إلا بالصورة الحسنة، ولا يصدر منهم الأذى لغيرهم، على خلاف حال الجن، وقد جاء جبريل ﵇ كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال: " بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت ـ قال: فعجبنا له، يسأله ويصدقه ـ قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال ثم انطلق، فلبثت مليا ثم قال لي: يا عمر، أتدري من السائل؟ ، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه
стр. 24
جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (١)، وقد جاء ﵇ في صورة حسنة، وقد يأتي الملك في صورة مرتين في صفتين مختلفتين: كما في قصة النفر الثلاثة وذلك "إن ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، بدا لله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه، فأعطي لونا حسنا، وجلدا حسنا، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل ـ أو قال البقر: هو شك في ذلك: أن الأبرص والأقرع: قال أحدهما: الإبل، وقال الأخر: البقر ـ فأعطي ناقة عشراء، فقال: يبارك لك فيها، وأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا، قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب، وأعطي شعرا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر، قال: فأعطاه بقرة حاملا، وقال يبارك لك فيها. وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إلي بصري، فأبصر به الناس، قال: فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والدا، فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا واد من إبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من غنم، ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، تقطّعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم
стр. 25
بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيرا أتبلغ عليه في سفري. فقال له: إن الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله؟ فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، فرد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذبا صيرك الله إلى ما كنت.
وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، وتقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيرا فقد أغناني، فخذ ما شئت، فو الله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك" (١)، فقد جاء الملك الثلاثة في صورة حسنة، تخالف حال كل منهم، وجاء كلا منهم في المرة الثانية على الحال التي كان عليها كل واحد منهم، وقد يأتي الملك في صورة طائر، كما في قصة شق بطن النبي ﷺ ، قال ﷺ : (فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال الآخر: نعم، فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا، فشقا بطني) (٢)، وقد ظهر جبريل ﵇ مرتين في صورته الحقيقية، ورآه نبينا
стр. 26
محمد ﷺ عليها: مرة عند سدرة المنتهى، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (١)، ومرة ثانية وهو في غار حراء كما في قول عائشة ﵂: "ذاك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجل، وإن أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسدّ الأفق" (٢)، والملائكة خلقهم الله من نور، والجان من مارج من نار، وابن آدم من طين، قال رسول الله ﷺ : (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) (٣)، فسبحان العليم الحكيم، يصنع ما يشاء ويفعل ما يريد.
المبحث الخامس: حياتهم ومعاشهم:
معلوم أن كل المخلوقات تحتاج إلى ما تقوم به حياتها من غذاء وتزاوج وغير ذلك، وقد جعل الله من ذلك لكل مخلوق ما يناسبه، فالإنس والجن مكلفون ومقومات الحياة تتشابه بينهم إلى حد كبير، فالجن كالإنس مكلفون بفرائض الإسلام، وهم يعيشون على ظهر الأرض، وليسوا في باطنها كما يعتقد العوام، ويتزاوجون، كالإنس في الحاجة إلى مقومات الحياة فهم يأكلون، قال
стр. 27
رسول الله ﷺ : (لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن) (١)، وهم يشربون وغير المسلم منهم يتناول ذلك بشماله، قال رسول الله ﷺ : (إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله) (٢)، واسمع هذه القصة عن حذيفة ﵁ قال: "كنا إذا حضرنا مع النبي ﷺ طعاما لم نضع أيدينا، حتى يبدأ رسول الله ﷺ ، فيضع يده، وإنا حضرنا معه، مرة، طعاما، فجاءت جارية كأنها تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع، فأخذ بيده، فقال رسول الله ﷺ (إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخذت بيده، والذي نفسي بيده، إن يده في يدي مع يدها) (٣)، وكذلك قول جابر بن محشي ﵁: كان رسول الله ﷺ جالساً ورجلٌ يأكل، فلم يُسَمِّ حتى لم يبق من طعامه إلا لقمةٌ، فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره، فضحك النبيّ ﷺ ثم قال: (ما زال الشيطان يأكل معه، فلما ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه) (٤).
стр. 28
هذه من معجزات رسول الله إذ أعلمه الله ذلك الحدث، فالتسمية واجبة، ومن تركها عامدا فقد عصى الله ورسوله.
والجن يطبخون على نار، ولهم آنية وآثار كغيرهم من الإنس، وفيهم علماء، ومنهم جهال، وهم عموما لا يعلمون الغيب قال الله في قصة موت سليمان ﵇: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (١)، ويعتريهم ما يعتري الإنس من الخوف والمرض والهرم والموت، إلا إبليس ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢)، فقد أنظره الله إلى يوم الوقت المعلوم وبناء على هذا التقارب بين الإنس والجن الخيّرين من الطرفين، فإن للجن المسلمين على الإنس حقوقا منها: اعتبارهم إخوانا لهم كما نطق بذلك رسول الله (فإنه زاد إخوانكم من الجن) (٣)، والمراد أخوة الإيمان بالله تعالى، وهذا يستلزم عدم إيذائهم بأي شكل من الأذى، وكيف يتم لنا ذلك ونحن لا نراهم؟ ، يتم
стр. 29
لنا ذلك بالحرص على التسمية في كل شأن من شؤوننا، فإنها حرز للجن المسلمين من أذى إخوانهم من الإنس، فإذا قال ذلك الإنسان تنحى عنه الجنى وابتعد عن الأذى، وهي أيضا حرز للإنسان المسلم من أذى فسقة الجن ومردة الشياطين، الذين لا يستجيبون لداعي التسمية، قال علقمة ﵀: "أنا سألت ابن مسعود. فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ ، قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة. ففقدناه.
فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، قال فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال فقلنا: يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم، فقال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم) (١) ففي التسمية منافع عظيمة للإنس والجن على حد سواء، ولا يعني هذا أنهم لا يطعمون إلا هذا، فقد ثبت في قصة أبي هريرة ﵁ الآتية مع الشيطان الذي قبض عليه وهو يسرق من الطعام، فلعلهم أرادوا مشاركة الإنس في أرزاقهم، فكان جوابه ﷺ على نحو
стр. 30
ما تقدم، وليس هذا التقارب قاصرا على المسلمين من الإنس والجن، بل الشريرون منهم بينهم تقارب وتعاون على المعصية، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (١).
المبحث السادس أقسامهم:
الجن شعوب وقبائل، مثلهم مثل بني آدم، منهم مؤمنون قالوا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (٢)، وقالوا: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ (٣)،
وفي المسلمين
стр. 31
منهم فساق غير خارجين من الملة، شأنهم شأن فسقة الإنس، الذين يكذبون ويظلمون ويؤذون الآخرين، فيقع منهم الزنى والسرقة ونحو ذلك، قال أبو هريرة ﵁: "وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي ﷺ : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ ، قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالا فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك، وسيعود، فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله ﷺ : إنه سيعود، فرصدته فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك؟ ، قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه كذبك، وسيعود، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)، حتى تختم الآية، فإنك لن
стр. 32
يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : ما فعل أسيرك البارحة؟ ، قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: ﴿﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح ــ وكانوا أحرص شيء على الخيرـ (١)، فقال النبي ﷺ : أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ ! ، قال: لا، قال: ذاك شيطان) (٢)، ومنهم المردة الذين فسقوا عن أمر الله كإبليس وذريته، قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٣)، فبذلك الفسوق استحق غضب الله ولعنته إلى يوم الدين،
стр. 33
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١)، وهم الشياطين: والشيطان في كلام العرب: كل متمرد من الجن والإنس والدواب، ومن كل شيء، قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٢)، فجعل من الإنس شياطين مثل الذي جعل من الجن، لاتباعهم الشيطان في رد الحق وتزيين الباطل، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ (٣)، ولما ركب عمر بن الخطاب ﵁ "برذونا" (٤)، فجعل البرذون يتبختر به، أخذ عمر ﵁ يضربه، فلا يزداد إلا تبخترا فنزل عنه وقال: (ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى
стр. 34
أنكرت نفسي) (١) وهذا يلفت النظر إلى دقة عمر ﵁ في مراقبة أحوال نفسه، وهكذا ينبغي أن يكون كل مسلم دقيقا في مراقبة أحوال النفس، حتى لا تشطن وتخرج عن طاعة الله ورسوله.
وقد سمي المتمرد من كل شيء شيطانا، لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاق سائر جنسه وأفعاله، وبعده عن الخير، وقول القائل: شطنت داري من دارك: أي بعدت.
ومنه قول نابغة بني ذبيان:
نأت بسعاد عنك نوىً شطون فبانت والفؤاد بها رهين.
وسمّي إبليس وذريته شياطين لمفارقتهم الملائكة والصالحين من بني آدم، وعدم الطاعة لأمر الله تعالى، وأصبح كل شيطان رجيم: أي ملعون مشتوم، وكل مشتوم بقول رديء أو سب فهو مرجوم، وأصل الرجم: الرمي بقول كان أو فعل، ومن الرجم بالقول:
قول أبي إبراهيم، لإبراهيم ﵇: ﴿لئن لم تنته لأرجمنك﴾ (٢) وقد يجوز أن يكون قيل للشيطان: رجيم، لأن الله جل ثناؤه طرده من سماواته، ورجمه بالشهب، فاتضح أن منهم الأبرار ومنهم الفجار، كما حكى الله قولهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ
стр. 35
أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ (١)، وهم أصحاب طرائق متعددة وأهواء شتى، فمنهم الصالح، ومنهم غير ذلك المشرك والمبتدع، والفاسق، شأنهم شأن بني آدم، فهم شركاؤهم في التكليف، وقد حكى الله عنهم ذلك فقال: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ (٢)، فالصالحون من الجن والإنس هم أتباع الرسل، والمفسدون الأشرار من الجن والإنس هم أتباع إبليس ومن نهج نهجه من مردة الجن وفسّاقهم ولذلك قال تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٣)، هكذا العصاة من الجن والإنس موعدهم النار.
стр. 36
المبحث السابع: منافعهم وحرفهم:
ما من شك في أن للجن منافع سيّما المسلمين منهم وذلك أن المسلم الصالح يعين غيره على الخير ويدعوه إليه ويأمره به، لأنه مكلف بذلك شرعا فوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مكتوب عليهم كالإنس تماما، ولذلك كان قرين رسول الله ﷺ لا يذكر إلا الخير، وقد انتفع بالمسلمين منهم النبي سليمان ﵇ سخّرهم الله ليستعملهم فيما شاء من أعماله، من غوص وبناء ونحت، وغير ذلك قال الله : ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ (٢)، فهم طوائف منهم ما هو مستعمل في
стр. 37
الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر, وطائفة غواصون في البحار يستخرجون ما فيها من اللاَلئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ (١)، أما المردة منهم فقد سلط الله سليمان ﵇ عليهم فهم في أغلال مقرونة أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل، وهم كل من تمرد وعصى وامتنع من العمل وأبى, أو أساء في صنيعه واعتدى ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ (٢)، وقد جعل الله هذا عطاء لسليمان ﵇ وحده، فالبناة منهم يصنعون له محاريب وتماثيل، والغواصون يستخرجون له من كنوز البحار ما يشاء، والنحّاتون يصنعون له جفانا كبيرة كالحياض (٣)، وقدورا عظيمة لا تحرك ولا
стр. 38
تنقل من موقعها لكبرها، أما المردة فهم في الأغلال مشدودة أيديهم إلى أعناقهم، وبفضل الله ثم بهذا التسخير انتقل سليمان عرش بلقيس، بعد أن عرض عليه عفريت من الجن أن يأتيه به قبل أن يقوم من مقامه، وكان عرشها في اليمن وسليمان في الشام، فاستبقه الذي عنده علم من الكتاب، فأحضر لسليمان ما طلب ... ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (١)، وقد يتعلم منهم الإنسي ما ينفعه كما حدث لأبي هريرة ﵁، في القصة المتقدم ذكرها، وروى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لقي رجل من أصحاب محمد ﷺ رجلا من لجن، فصارعه فصرعه الإنسي، فقال له الإنسي: إني لأراك ضئيلا شخيتا، كأن ذريعتيك ذريعتا كلب، فكذلك أنتم يا
стр. 39
معشر الجن؟ ، أم أنت من بينهم كذاك؟ ، قال: لا والله إني منهم لضليع، ولكن عاودني الثانية، فإن صرعتني علمتك شيئا ينفعك، فعاوده فصرعه، قال: هات علمني، قال: نعم، قال: تقرأ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)، قال: نعم، قال: فإنك لا تقرؤها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج (٢)، كخبج الحمار، لا يدخله حتى يصبح (٣)، فقد علم الإنسيّ ما ينفعه، ومع هذا فإنه لا يركن إليهم فقد كفانا وإياهم كتاب ربنا وسنة نبينا، ولا مانع من قبول ما يكون صريحا في الخير، وما لا لبس فيه ولا شبة، ولذلك قبل أبو هريرة هذا، وقد يكون هو الرجل المبهم في هذه الرواية، وقد يكون رجلا آخر.
المبحث الثامن: مضارهم:
مضارهم كثيرة سيما الكفار منهم وعصاة مسلميهم، إذا لم يكن الإنسان مؤمنا متوكلا، فهم يصدون بني الإنسان عن سبيل الله ، وكل ما يقرّب إليه، من فرائض ونوافل، وصدقات وصلة، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، والتزام بالقيم الإسلامية، وكل عمل خير يقرب
стр. 40
إلى الله تعالى، وهذا متعلق بغير الصالحين منهم، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢)، والشياطين تستهوي بني آدم إلى ما حرم الله من الشهوات والمعاصي، وسائر الشرور، وقد يأتون الإنسان من قبل ما يحب ويشتهي، فيزيّن للعابد الغلو في عبادته، وللعالم التباهي بعلمه، وربما دفعه إلى الكبر والغرور كقول أحدهم وقد دعي لدعوة الناس وتوجيههم: أنا لا أحاضر