Полный текст (3 288 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وهؤلاء الرافضة البويهيون المشركون هم أول من أظهر تلك المشاهد، حينها حكموا العراق، وأظهروا كثيرًا من البدع والمحدثات، حتى عمَّ الرفض، وكاد الإسلام أن ينمحي وينتقض.
قال الذهبي: "عضد الدولة فناخسرو بن حسن بن بويه الديلمي، كان شيعيًا جلدًا أظهر بالنجف قبرًا زعم أنه قبر الإمام علي، وبنى عليه المشهد، وأقام شعار الرفض، ومأتم عاشوراء، والاعتزال، فنحمد اللَّه على العافية، فلقد جرى على الإسلام في المائة الرابعة بلاء شديد بالدولة العبيدية بالمغرب، وبالدولة البويهية بالمشرق، وبالأعراب القرامطة، فالأمر للَّه تعالى" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ظهر بنو بويه الأعاجم وكان في كثير منهم زندقة وبدع قوية وفي دولتهم قَويَ بنوا عبيد القداح بأرض مصر، وفي دولتهم أُظهر المشهد المنسوب إلى علي ﵁ بناحية النجف، وإلا فقبل ذلك لم يكن أحد يقول: إن قبر علي هناك، وإنها دفن علي ﵁ بقصر الإمارة بالكوفة. . . حتى إنهم كانوا يظهرون في دولتهم ببغداد يوم عاشوراء من شعار الرافضة ما لم يظهر مثله، مثل تعليق المسوح على الأبواب، وإخراج النوائح بالأسواق، وكان الأمر يفضي إلى قتال تعجز الملوك عن دفعه" (٢).
وقال ابن كثير في أحداث سنة ٣٥٨ هـ: "استقرت يد الفاطميين على دمشق في سنة ستين، كما سيأتي، وأُذِّنَ فيها: حي على خير العمل، أكثر من سبعين سنة، وكتبت لعنة الشيخين ﵄، ولعن من لعنهما- على أبواب الجوامع بها وأبواب المساجد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون" (٣).
ولم يكن في دول الإسلام من الشر والضلال والبدع والشرك مثل ما كان في الدولة البويهية، فقد كانت على العكس تمامًا من جميع الدول الإسلامية، وفيها من أصناف البدع والمحدثات والشركيات ما كان له أكبر الأثر على الخلافة العباسية والأمة الإسلامية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفي دولة بني بويه ونحوهم الأمر بالعكس؛ فإنهم كان فيهم أصناف المذاهب المذمومة، قوم منهم زنادقة، وفيهم قرامطة كثيرة ومتفلسفة ومعتزلة ورافضة، وهذه الأشياء كثيرة فيهم غالبة عليهم، فحصل في أهل الإسلام والسنة في أيامهم من الوهن ما لم يُعرف، حتى استولى النصارى على ثغور الإسلام، وانتشرت القرامطة في أرض مصر والمغرب والمشرق وغير ذلك وجرت حوادث كثيرة" (٤).
_________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٦/ ٢٥٠ - ٢٥٢).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٧/ ٤٦٦ - ٤٦٧).
(٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٥/ ٣١٨ - ٣١٩).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٤/ ٢٢).
стр. 37
وتسلُّطُ الأعداءِ لم يكن من الشرق فحسب، بل من جهة الغرب أيضًا من النصارى الحاقدين، فبدأت الحروب الصليبية، واحتلوا بلدانًا إسلامية في الشام وفي مصر، حتى احتلوا بيت المقدس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلما ظهر النفاق والبدع والفجور المخالف لدين الرسول سلطت عليهم الأعداء فخرجت الروم النصارى إلى الشام والجزيرة مرة بعد مرة وأخذوا الثغور الشامية شيئًا بعد شيء إلى أن أخذوا بيت المقدس في أواخر المائة الرابعة، وبعد هذا بمدة حاصروا دمشق وكان أهل الشام بأسوأ حال بين الكفار النصارى والمنافقين الملاحدة، إلى أن تولى نور الدين الشهيد وقام بما قام به من أمر الإسلام وإظهاره والجهاد لأعدائه، ثم استنجد به ملوك مصر بنو عبيد على النصارى فأنجدهم، وجرت فصول كثيرة إلى أن أُخذت مصر من بني عبيد أخذها صلاح الدين" (١).
٢ - الصليبيون الحاقدون من جهة المغرب.
استمرت الفتوحات الإسلامية، واعتنى الخلفاء الراشدون بالجهاد في سبيل اللَّه، وكذلك خلفاء الدولة الأموية، والدولة العباسية، وانتشر الإسلام انتشارًا واسعًا في الشرق والغرب، وسقطت في وقت مبكر أكبر امبراطوريتين: الأكاسرة المجوس والقياصرة الرومان، وكان لذلك أكبر الأثر على الصليبيين، فخافوا منه خوفًا عظيمًا، ولم يستطيعوا أن يبدؤا المسلمين بأي غزو أو قتال.
لكن لما ضعفت الدولة العباسية، وكثرت الدول المستقلة عنها، وتسلط عليها الرافضة والقرامطة والباطنية، وأصبحت لهم دول كالدولة البويهية، والدولة العبيدية في المغرب ثم في مصر، ويتبع لها بعض دول الشام.
حينذاك بدأ الصليبيون بالعزيمة على غزو العالم الإسلامي.
فتزعمت البابويةُ الدعوةَ لتوحيد صفوف النصارى في الشرق والغرب وشنَّ حرب شاملة ضد المسلمين، وكسرَ شوكتهم، واستردادَ القدسَ من أيديهم.
والذي تولى كبرها والدعوة إليها هو البابا أوربان الثاني (٢)، فقد دعا للحملة الصليبية في عدة مدن أوربية، حيث كان يتنقل من مدينة إلى مدينة، وألقى عدة خطابات بهذا الشأن (٣).
_________
(١) انظر: الفرقان بين الحق والباطل ضمن مجموع الفتاوي لابن تيمية (١٣/ ١٧٨).
(٢) أوربان الثاني فرنسي الأصل، وقد كان راهبًا ربيطًا بمدينة كلوني الفرنسية. انظر: الحروب الصليبية لمحمد العروسي (ص ٤٦).
(٣) انظر: الحملة الصليبية الأولى وفكرة الحروب الصليبية. جوناثان سميث (ص ٣٤) ترجمة محمد الشاعر.
стр. 38
"وعقد لذلك عدة مجامع، من آخرها مجمعًا في مدينة كلارمون (١) الفرنسية في عام ٤٨٨ هـ، ولبى الدعوة كثير من الأمراء ورؤساء الكنائس والفرسان ووفود الملوك، زيادة على العامة والطغاة، وعُقد فيه عدة جلسات، لتأكيد ذلك الأمر وشحذ هممهم لقبولها والبدء بها" (٢). وقد تم بالفعل الإعداد لهذه الحملة وجمع العدة والعتاد.
وبدأت الحروب الصليبية في عام ٤٩٠ هـ، فكانت بلدة "نيقية" (٣) هي أول بلدة يحتلونها.
"وفي هذه السنة كان مبدأ تواصل الأخبار بظهور عساكر الافرنج من بحر القسطنطينية في عالم لا يحصى عدده كثرةً وتتابعت الأنباء بذلك فقلق الناس لسماعها وانزعجوا لاشتهارها. . . وقد كان الافرنج عند ظهورهم عاهدوا ملك الروم ووعدوه بأن يسلموا إليه أول بلد يفتحونه، ففتحوا نيقية وهي أول مكان فتحوه فلم يفوا له بذلك ولا سلموها إليه على الشرط، وافتتحوا في طريقهم بعض الثغور والدروب" (٤).
قال الذهبي: "ووصلوا إلى فامية (٥)، وكَفِرْطَاب (٦)، واستباحوا تلك النّواحي، فكان هذا أوّل مظهر الفرنْج بالشّام، قدِموا في بحر القُسطنطينيّة في جَمْعٍ عظيمٍ، وانزعجت الملوك والرّعيّة، وعظُم الخَطْب" (٧).
وفي عام ٤٩١ هـ احتل الصليبيون أنطاكية (٨)، وحاصروا معرة النعمان (٩)، فدخلوها وقتلوا ونهبوا (١٠)، حتى قيل: إنهم قتلوا من أهلها مائة ألف إنسان (١١).
وفي عام ٤٩٢ هـ سقط بيت المقدس في يد الصليبيين وذلك في يوم الجمعة ١٣ شعبان.
_________
(١) مدينة فرنسية بأعلى نهر لالور. انظر: الحروب الصليبية في المشرق والمغرب لمحمد العروسي المطوي (ص ٤٧).
(٢) انظر: نفس المصدر (ص ٤٦ - ٤٧).
(٣) من أعمال استنبول. وهي المدينة التي اجتمع بها آباء الملة المسيحية، فكانوا ثلاثمائة وثمانية عشر. آباء يزعمون أن المسيح كان معهم في هذا المجمع، وهو أول المجامع لهذه الملة. انظر: آثار البلاد للقزويني (ص ٦٠٨).
(٤) انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (١/ ٢١٨ - ٢١٩).
(٥) مدينة كبيرة وكورة من سواحل حمص، وقد يقال لها أفامية، بالهمزة في أوله. انظر: معجم البلدان لياقوت (٤/ ٢٣٣).
(٦) بلدة بين المعرّة ومدينة حلب في بريّة معطشة. المصدر السابق (٤/ ٤٧٠).
(٧) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٠/ ٤٨٥).
(٨) مدينة عظيمة بالشام على ساحل البحر حسنة الموضع كريمة البقعة ليس بعد دمشق أنزه منها داخلًا وخارجًا. انظر: الروض المعطار للحميري (ص ٣٨).
(٩) بليدة بين حلب وحماة، كثيرة التين والزيتون. انظر: آثار البلاد للقزويني (ص ٢٧٢).
(١٠) انظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي (١٧/ ٤٣).
(١١) انظر: النجوم الزاهرة لأبي المحاسن (٥/ ١٤٦).
стр. 39
قال ابن الجوزي: "أخذ الإفرنج بيت المقدس في يوم الجمعة ثالث عشر شعبان، وقتلوا فيه زائدًا على سبعين ألف مسلم، وأخذوا من عند الصخرة نيفًا وأربعين قنديلا فضة كل قنديل وزنه ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا تنور فضة وزنه أربعون رطلًا بالشامي، وأخذوا نيفًا وعشرين قنديلا من ذهب، ومن الثياب وغيره ما لا يحصى، وورد المستنفرون من بلاد الشام، وأخبروا بما جرى على المسلمين، وقام القاضي أبو سعد الهروي (١) قاضي دمشق، وأورد كلامًا أبكى الحاضرين، وندب من الديوان من يمضي إلى العسكر ويعرفهم حال هذه المصيبة، ثم وقع التقاعد فقال أبو المظفر الأبيوردي (٢) قصيدة في هذه الحالة فيها:
وكيفَ تنامُ العينُ ملءَ جفونها … على هَفَواتٍ أيقَظَتْ كُلَّ نائِمِ
وإخوانكم بالشَّامِ يُضحي مقيلهمْ … ظهورَ المذاكي أو بطونَ القشاعمِ
تَسُومُهُمُ الرُّومُ الهَوانَ وأنتُمُ … تجرُّونَ ذيلَ اخفضِ فعلَ المسالمِ
إلى أن قال:
وتلكَ حروبٌ من يَغبْ عن غِمارها … لِيَسْلَمَ يَقْرَعْ بَعْدَها سِنَّ نادِمِ
يَكادُ لَهُنَّ المُسْتَجِنُّ بِطَيْبَةَ … يُنادِي بِأَعْلَى الصَّوْت: يا آلَ هاشِمِ
أرى أمَّتي لا يُشرعونَ إلى العدا … رِماحَهُمُ، وَالدِّينَ واهِي الدَّعائِمِ
ويجتنبونَ النَّارَ خوفًا منَ الرَّدى … ولا يحسبونَ العارَ ضربةَ لازمِ
أترضى صناديدُ الأعاريبِ بالأذى … ويُغضي على ذلٍّ كماةُ الأعاجمِ
فليتهمُ إذْ لم يذودوا حميَّةً … عنِ الدِّينِ ضنُّوا غيرةً بالمحارمِ
وإنْ زهدوا في الأجرِ إذْ حميَ الوغى … فهلَّا أتوهُ رغبةً في الغنائمِ" (٣)
_________
(١) محمد بن نصر بن منصور، القاضي أبو سعد الهروي الحنفي قدم دمشق ووعظ بها، ثم توجه إلى بغداد فولي قضاء الشام، وعاد قاضيا فأقام مدة، ثم رجع إلى العراق، وقد ولي القضاء في مدن كثيرة بالعجم، وكان في صباه يؤدب الصبيان، ثم ترقت حاله وبلغ ما بلغ، وكان من دهاة العالم، قتلته الباطنية لعنهم اللَّه بجامع همدان في هذه السنة ٥١٨ هـ. انظر: التاريخ للذهبي (١١/ ٢٩٧).
(٢) العلامة أبو المظفر محمد بن أحمد الأموي، العنبسي، المعاوي الأبيوردي، اللغوي شاعر وقته وصاحب التصانيف، قال يحيى بن منده: سئل الأديب أبو المظفر عن أحاديث الصفات؟ فقال: تُقَرُّ وتُمَرُّ. توفي سنة ٥١٢ هـ. انظر: السير للذهبي (١٩/ ٢٨٤).
(٣) انظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي (١٧/ ٤٨).
стр. 40
وفي عام ٤٩٤ هـ ملَكَ الفِرَنجُ مدينة سروج (١) من ديار الجزيرة، فقتلوا أهلها وسبوهم، وملكوا أيضًا أرسوف (٢) بساحل عكا (٣) وقيسارية (٤). ولم تكد تخل سنة من السنين من اعتداءات صليبية على بلاد المسلمين.
وكان من تقدير اللَّه ولطفه -ومنذ ذلك العام وما بعده- أن أقامَ لجهادهم مَلِكَ دمشق الملك ظهير الدين طُغْتِكِين (٥) المتوفي سنة ٥٢٢ هـ فرد كثيرًا من العدوان الصليبي على بلاد الشام.
قال الذهبي: "لولا أن اللَّه أقام طُغْتِكِين للإسلام بإزاء الفرنج، وإلا كانوا غلبوا على دمشق، فقد هزمهم غير مرة" (٦).
وكذلك أقام اللَّه تعالى أيضًا القائد كمشتكين بن الدانشمند (٧) فقد كان له بطولات ومعارك حاسمة هزم فيها الصليبيين، وردَّ بها عددا من الحملات الصليبية فرجعت خاسرة مهزومة.
قال ابن الأثير في أحداث سنة ٤٩٣ هـ: "في ذي القعدة من هذه السنة لقي كُمُشْتِكِينُ بن الدانشمند بيمند الفرنجي (٨) -وهو من مقدمي الفرنج- قريب مَلَطْيَةُ (٩)، وكان صاحبها قد كاتبه واستقدمه إليه، فورد
_________
(١) بلدة قريبة من حرّان، من ديار مضر، بينها وبين البيرة مرحلة في الجبال. انظر: مراصد الاطلاع للقطيعي (٢/ ٧١٠).
(٢) مدينة على ساحل بحر الشام بين قيسارية ويافا. انظر: معجم البلدان لياقوت (١/ ١٥١).
(٣) مدينة كبيرة، من ثغور الشام، وهي قاعدة مدن الافرنج بالشام، ومحطَ الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، مجمع السفن والرفاق، وملتقى تجار المسلمين والنصارى من جميع الآفاق، سككها وشوارعها تغص بالزحام، أخذها الفرنج من أيدي المسلمين في العشر الأول من المائة السادسة فعادت مساجدها كنائس، وصوامعها مضارب للنواقس. انظر: الروض المعطار للحميري (ص ٤١٠).
(٤) قيسارية بلد على ساحل بحر الشام تعدّ في أعمال فلسطين بينها وبين طبرية ثلاثة أيام. انظر: معجم البلدان لياقوت (٤/ ٤٢١).
(٥) طغتكين، الأمير أبو منصور، المعروف بأتابك، من أمراء تاج الدولة، زوجه بأم ولده دقاق، وكان مع تاج الدولة لما سار إلى الري القتال ابن أخيه، فلما قتل تاج الدولة رجع إلى دمشق، وصار أتابك دقاق، فلما مات دقاق تملك بدمشق، وكان شهما، مهيبا، شديدا على الفرنج والمفسدين. انظر: التاريخ للذهبي (١١/ ٣٧٨).
(٦) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٩/ ٥١٩).
(٧) كمشتكين بن الدانشمند طايلو، وإنما قيل له ابن الدانشمند لأن أباه كان معليا للتركان وتقلبت به الأحوال، حتى ملك، وهو صاحب ملطية وسيواس وغيرهما. انظر: الكامل لابن الأثير (٨/ ٤٣٨).
(٨) بيمند بن بيمند بن بيمند متملك طرابلس الفرنجي، كان جده نائبا لبنت صنجل الذي تملك طرابلس من ابن عمار في حدود الخمسمائة، فتغلب هذا على البلد لبعدها عنه، ثم استقل بها ولده، ثم حفيده هذا، ولما توفي دفن في كنيسة طرابلس ولما فتحها المسلمون في سنة ٦٨٨ هـ نبش الناس قبره، وأخرجوه منه، وألقوا عظامه على المزابل للكلاب. انظر: البداية لابن كثير (١٧/ ٥١٨).
(٩) بفتح أوله وثانيه، وسكون الطاء، وتخفيف الياء، والعامة تقوله بتشديد الياء وكسر الطاء، هي من بناء الإسكندر وجامعها من بناء الصحابة: بلدة من بلاد الروم مشهورة مذكورة تتاخم الشام وهي للمسلمين. انظر: معجم البلدان لياقوت (٥/ ١٩٢).
стр. 41
عليه في خمسة آلاف، فلقيهم ابن الدانشمند، فانهزم بيمند وأُسِر، ثم وصل من البحر سبعة قيامصة من الفرنج، وأرادوا تخليص بيمند، فأتوا إلى قلعة تُسمى أنكورية (١)، فأخذوها وقتلوا من بها من المسلمين، وساروا إلى قلعة أخرى فيها وحصروها، فجمع ابن الدانشمند جمعًا كثيرًا، ولقي الفرنج، وجُعل له كمينًا، وقاتلهم وخرج الكمين عليهم، فلم يفلت أحد من الفرنج، وكانوا ثلاثمائة ألف، غير ثلاثة آلاف هربوا ليلًا وأفلتوا مجروحين وسار الدانشمند إلى ملطية، فملكها وأسَرَ صاحبها، ثم خرج إليه عسكر الفرنج من أنطاكية، فلقيهم وكسرهم، وكانت هذه الوقائع في شهور قريبة" (٢).
وكذلك من الأبطال المعدودين -الذين قهروا الفرنج وافتتحوا بلدانًا وحصونًا كان قد احتلها الصليبيون- السلطان عماد الدين زنكي بن آقْسُنْقُرَ التركي.
قال الذهبي: "واستنقذ من الفرنج كفر طاب والمعرة ودوخهم، وشغلهم بأنفسهم، ودانت له البلاد، وكان بطلًا شجاعًا مقدامًا كأبيه، عظيم الهيبة. . . وكان يضرب بشجاعته المثل، لا يَقِرُّ ولا ينام. . . وافتتح مدائن عدة، ودوخ الفرنج، وكان أعداؤه محيطين به من الجهات، وهو ينتصف منهم ويستولي على بلادهم" (٣).
وقام بالأمر بعده خير قيام ابنه الملك العادل السلطان نور الدين محمود، ثم تولى بعده زمامَ ذلك السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي، وقد مَرَّ معنا سابقًا الإشارة إلى ذلك.
وفي عام ٦٦٢ هـ نازل السلطان الملك الظاهر بيبرس مدينة قيسارية الشام وأخذها من الفرنج، ثم سار إلى أرسوف وفتحها بالسيف وطرد الفرنج منها (٤).
وكان السلطان الملك الظاهر بيبرس، أسدًا ضاريًا عظيم الجهاد والفتوحات، فلقد هزم الفرنج مرات عديدة، واستنقذ منهم حصونًا كثيرة وبُلدانًا عديدة، تزيد على الأربعين حصنًا وبلدًا (٥).
وفي عام ٦٨٨ هـ فُتحت مدينة طرابلس (٦)، على يد السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي، فنازل طرابلس يوم الجمعة مستهل ربيع الأول، وحاصرها بالمجانيق حصارًا شديدًا، وضيقوا على أهلها تضييقًا
_________
(١) أَنْقِرَة اسم للمدينة المسماة أنكورية. انظر: معجم البلدان لياقوت (١/ ٢٧١).
(٢) انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير (٨/ ٤٣٨).
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٠/ ١٨٩ - ١٩٠).
(٤) انظر: الإعلام والتبيين في خروج الفرنج الملاعين على ديار المسلمين. لأحمد بن علي الحريري (ص ١٠١).
(٥) انظر: المصدر السابق (ص ١٠٦).
(٦) مدينة على شاطئ بحر الروم، عامرة كثيرة الخيرات والثمرات. انظر: آثار البلاد للقزويني (ص ٤٠٨).
стр. 42
عظيمًا، ونصب عليها تسعة عشر منجنيقًا، فلما كان يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر فتحت طرابلس في الساعة الرابعة من النهار عنوة، وشمل القتل والأسر جميع من فيها، وغرق كثير من أهل الميناء ونهبت الأموال، وبيت النساء والأطفال، وأخذت الذخائر واخواصل، وقد كان لها في أيدي الفرنج من سنة ثلاثٍ وخمسمائة إلى هذا التاريخ (١).
وفي سنة ٦٩٠ هـ فُتحت عكا وبقية مدن السواحل التي كانت بأيدي الفرنج من مُدد متطاولة على يد السلطان الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون (٢)، وقد أنشد الرئيس الفاضل شهاب الدين محمود بن سليمان (٣) قصيدة بهذه المناسبة يقول فيها:
اللَّه أكبر ذلَّت دولةُ الصُّلُبِ … وعَزَّ بالتركِ دينُ المصطفى العربي
ما بعد عكا وقد هُدَّت قواعدها … في البحر للشرك عند البر من أرَبِ
عقيلةٌ ذهبت أيدي الدهور بها … دهرًا وشدَّت عليها كفُّ مغتربِ
لم يبق من بعدها للكفر مذ خرجت … في البر والبحر ما يُنجي سِوى الهرَبِ (٤)
وفي عام ٦٩١ هـ افتتح السلطان الملك الأشرف خليل قلعة الروم بالسيف قهرًا في يوم السبت حادي عشر رجب، وجاءت البشارة بذلك إلى دمشق وزُينت البلد سبعة أيام، وكان الفتح بعد حصار عظيم جدًا، مدة ثلاثة وثلاثين يومًا، وكانت المنجنيقات تزيد على ثلاثين منجنيقًا.
وقد أنشد أيضًا شهاب الدين محمود بن سليمان بهذه المناسبة قصيدة يمدح فيها الملك الأشرف خليل، على هذا الفتح الجليل، يقول فيها:
كأنَّ مَثَارَ النَّقْعِ لَيلٌ وَخَفْقَهَا … بُرُوقٌ وأَنتَ البَدرُ والفَلَكُ الجَثْرُ
وَفَتحٌ أتَى في إثْرِ فَتحِ كأنَّمَا … سَمَاءٌ بَدَتْ تَتْرَى كَوَاكبُهَا الزُّهْرُ
_________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٦١٦).
(٢) انظر: موجز تاريخ الحروب الصليبية. لمصطفى وهبة (ص ٥٨).
(٣) محمود بن سليمان بن فهد، القاضي الأوحد البارع العلامة البليغ شهاب الدين أبو محمد الحلبي، ولد سنة ٦٤٤ هـ، كتب بخطه المنسوب الكثير للناس، وساد أهل عصره في الترسل والإنشاء، وترقت حاله إلى أن قر بديوان الإنشاء بمصر، ثم جعل صاحب الديوان الشامي، وكان يكتب التقاليد المطولة بديها بلا مسودة مع التواضع والسكون وكثرة الفضائل، توفي سنة ٧٢٥ هـ. انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (٢/ ٣٣٠).
(٤) انظر: الإعلام والتبيين. للحريري (ص ١٠٧ - ١٠٨).
стр. 43
فَكَمْ قَطَعَتْ طَوْعًا وَكَرْهًا مَعَاقِلًا … مَضَى الدَّهْرُ عَنْهَا وَهْيَ عَاِنسَةٌ بِكْرُ
بَذَلْتَ لَهَا عَزْمًا فَلَوْلَا مَهَابَةٌ … كَسَاهَا الحَيَا جَاءَتْكَ تَسْعَى وَلَا مَهْرُ
قَصَدتَ حِمًى مِنْ قَلْعَةِ الرُّومِ لَمْ يُبَحْ … لِغَيرِكَ إِذْ غَرَّتْهُمُ المُغْلُ فاغْتَرُّوا
وَوَالُوهُمْ سِرًّا لِيُخْفُوا أَذَاهُمُ … وفي آخِرِ الأمرِ اسْتَوَى السِّرُّ والجَهْرُ
صَرَفْتَ إلَيهِمْ هِمَّةً لو صَرَفَتَها … إلى البَحَر لَاستَولَى عَلَى مَدِّهِ الجَزْرُ
وما قَلعَةُ الرُّومِ الَّتِي حُزْتَ فَتْحَهَا … وإنْ عَظُمَتْ إلَّا إِلَى غَيْرِهَا جِسْرُ
طَلِيعَةُ مَا يَأْتِي مِنَ الفَتْحِ بَعدَهَا … كما لَاح قَبلَ الشَّمسِ في الأُفُقِ الفَجْرُ (١)
وهذه -وللَّه الحمد والمنة- كانت نهاية الوجود الصليبي في بلاد الشام.
وفي عام ٧٠٢ هـ فُتحت جزيرة أرواد (٢) على يد السلطان الملك الناصر محمد قلاوون، وهي جزيرة في بحر الروم قبالة أنطرطوس (٣)، قريبًا من الساحل، اجتمع فيها جمع كثير من الفرنج، وبنوا فيها سورًا وتحصنوا في هذه الجزيرة، وكانوا يطلعون منها ويقطعون الطريق على المسلمين، المترددين في ذلك الساحل، فأُرسل أسطول إليها، من الديار المصرية في بحر الروم، ووصلت إليها في المحرم من هذه السنة، وجرى بينهم قتالٌ شديد، ونصر اللَّه المسلمين وملكوا الجزيرة المذكورة، وقتلوا وأسروا جميع أهلها، وخربوا أسوارها، وعادوا إلى الديار المصرية بالأسرى والغنائم (٤).
وهكذا انتهت الحروب الصليبية في تلك العصور بعد مدة قرنين من الزمان، حيث أبعدهم اللَّه تعالى وأزالهم، وهيأ لذلك السلاطين والملوك الأفذاذ، والمجاهدين الأبطال، رحمهم اللَّه تعالى ورضي عنهم، فلله الحمد والمنة.
_________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٦٥٠).
(٢) اسم جزيرة في البحر قرب قسطنطينية، غزاها المسلمون وفتحوها في سنة ٥٤ مع جنادة بن أبي أمية في أيام معاوية بن أبي سفيان وأسكنها معاوية. انظر: معجم البلدان الياقوت (١/ ١٦٢).
(٣) انطرسوس وهي على ضفة البحر صغيرة القدر بها أسواق عامرة وتجارات دائرة ومنها إلى حصن المرقب وهو على جبل منحاز من كل ناحية وبين حصن المرقب وانطرسوس ثمانية أميال. انظر: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق لمحمد الإدريسي (٢/ ٦٤٤).
(٤) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي (٤/ ٤٧).
стр. 44
٣ - الفتن الداخلية، والحروب التي تحصل جراء التنافس على الرئاسة والمناصب.
إن الصراع من أجل السلطة سبب من أسباب ضعف الأمة وتشتتها وفشلها، وإذا كان مجرد النزاع من أسباب الضعف فالصراع من أقوى تلك الأسباب، وقد نهانا اللَّه جل وعلا عن ذلك فقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وكان لتلك الصراعات أضرارٌ عظيمة على بلاد الإسلام والمسلمين، ومن الأمثلة على ذلك:
أ- فتنة البَسَاسِيري:
" كان أرسلان التركي المعروف بالبَسَاسِيري قد عظم أمره واستفحل؛ لعدم أقرانه من متقدمي الأتراك، واستولى على البلاد وطار اسمه وتهيبته أمراء العرب والعجم، ودعي له على كثير من المنابر العراقية والأهواز ونواحيها، ولم يكن الخليفة القائم بأمر اللَّه يقطع أمرا دونه، ثم صح عند الخليفة سوء عقيدته، وشهد عنده جماعة من الأتراك عرفهم وهو بواسط عزمه على نهب دار الخلافة والقبض على الخليفة، فكاتب الخليفة أبا طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق الملقب طغرلبك يستنهضه على المسير إلى العراق، فانفض أكثر من كان مع البَسَاسيري، وعادوا إلى بغداد سريعا، ثم أجمع رأيهم على قصد دار البَسَاسيري وهي في الجانب الغربي فأحرقوها، وهدموا أبنيتها" (١).
وبعد أن قضت الدولة السلجوقية على الدولة البويهية الرافضية الباطنية، وذلك على يد السلطان السلجوقي طغرلبك -كما مر معنا سابقًا- وأزالت مظاهر الرفض والبدع والمحدثات، حصلت فتنة بين السلطان طغرلبك وأخيه إبراهيم ينال الذي كان واليا على الموصل من قبل أخيه، وكان كل ذلك بسبب البَسَاسيري.
"فخالف عليه أخوه إبراهيم وانصرف بجيش عظيم معه يقصد الري، وكان البَسَاسيري راسل إبراهيم يشير عليه بالعصيان لأخيه، ويطمِعه في الملك والتفرد به، ويعده بمعاضدته ومظافرته عليه" (٢).
فهرب إبراهيم ينَّال وترك الموصل، فلحق به أخوه السلطان طغرلبك ليرده إلى الطاعة، فجرت بينهم حروب انتهت بقتله، وأمر السلطان بإبعاد البساسيري، فسار إلى رحبة مالك بالشام، وكاتب العبيدي صاحب مصر بالدخول في طاعته ليمده بالسلاح والمال، فعاد البساسيري واستولى على الموصل، ثم استولى على بغداد
_________
(١) انظر: تاريخ بغداد للخطيب (٩/ ٤٠٧).
(٢) انظر: نفس المصدر (٩/ ٤٠٨).
стр. 45
وذلك في سنة ٤٥٠ هـ، وخلعوا الخليفة العباسي القام بأمر اللَّه، وخطب بجامع المنصور للمستنصر باللَّه العبيدي صاحب مصر، وجعل السكة باسمه، وأمر فَأُذِّنَ بحي على خير العمل، فرجع السلطان طغرلبك إلى بغداد ومعه الجيوش لرد الخليفة العباسي والقضاء على البساسيري وفتنته، فتم ذلك وللَّه الحمد وقُتل البساسيري وصُلب رأسه، وقُضي عليه وعلى فتنته سنة ٤٥١ هـ (١).
ب- صراع السلاجقة فيما بينهم:
• أما في العراق:
فبعد وفاة السلطان السلجوقي ملكشاه بن ألب أرسلان (٢) عام ٤٨٥ هـ عُهد بالسلطة إلى ابنه محمود (٣)، وكان ما يزال حينذاك طفلًا صغيرًا ابن خمس سنين (٤)، فخرج عليه أخوه بَرْكْيَارُوْقُ (٥)، وبدأ بينهما تنافس وصراع على السلطة.
وفي سنة ١٨٦ هـ خَطَب تُتُشَ بن ألب أرسلان (٦) صاحب دمشق لنفسه بالسلطنة، وطلب من الخليفة أن يخطب له بالعراق فحصل التوقف عن ذلك، بسبب ابن أخيه بركياروق بن ملكشاه (٧).
_________
(١) انظر: الكامل لابن الأثير (٨/ ١٢٩ - ١٦١).
(٢) ملكشاه، السلطان جلال الدولة أبو الفتح ابن السلطان ألب أرسلان محمد بن داود السلجوقي، ملك من الأقاليم ما لم يملكه أحد من السلاطين، من أحسن الملوك سيرة، ولذلك كان يلقب بالسلطان العادل، توفي سنة ٤٨٥ هـ. انظر: التاريخ للذهبي (١٠/ ٥٥٢).
(٣) مغيث الدين السلجوقي أبو القاسم محمود بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي، الملقب مغيث الدين، أحد الملوك السلجوقية المشاهير، كان متوقد ذكاء، قوي المعرفة بالعربية، حافظًا للأشعار والأمثال، عارفًا بالتواريخ والسير، شديد الميل إلى أهل العلم والخير، وكانت السلطنة في أواخر أيامه قد ضعفت وقلت أموالها، توفي سنة ٥٢٥ هـ. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (٥/ ١٨٣).
(٤) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص ٣٠٣).
(٥) بركياروق أبو المظفر بن ملكشاه بن ألب آرسلان السلجوقي السلطان الكبير، ركن الدين، أبو المظفر، ويلقب أيضا: بهاء الدولة، تملك بعد أبيه، وناب عنه على خراسان، أخوه السلطان سنجر، وكان بركيا روق شابا شهرا شجاعا لعابا، فيه كرم وحلم، وكان مدمنا للخمر، تسلطن وهو حدث، له ثلاث عشرة سنة، فكانت دولته ثلاث عشرة سنة في نكد وحروب بينه وبين أخيه محمد، يطول شرحها، توفي سنة ٤٩٨ هـ. انظر: السير للذهبي (١٩/ ١٦٩).
(٦) تتش بن ألب أرسلان أبي شجاع الملك أبو سعيد تاج الدولة السلجوقي، تركي محتشم، شجاع، من بيت ملك وتقدم، كان تتش معظما للشيخ أبي الفرج الحنبلي. وقد جرت في مجلسه بدمشق مناظرة عقدها لأبي الفرج وخصومه في قولهم: إن القرآن يسمع ويقرأ ويكتب، وليس بصوت ولا حرف. فقال الملك: هذا مثل قول من يقول: هذا قباء، وأشار إلى قبائه، على الحقيقة، وليس بحرير، ولا قطن، ولا كتان. وهذا الكلام صدر من تركي أعجمي، توفي سنة ٤٨٨ هـ. انظر: التاريخ للذهبي (١٠/ ٥٩٣).
(٧) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ١٣٦).
стр. 46
وفي السنة التي تليها سأل بركياروق من الخليفة العباسي أن يعهد إليه بالسلطة، فخُطب له ببغداد وعُهد إليه بها، وذلك في عام ٤٨٧ هـ (١).
وكذلك امتد الصراع بين بركياروق وبين عمه تُتُشَ بن ألب أرسلان الذي حكم دمشق وحلب وعددًا من بلدان الشام، فحصل بينهما قتال استمر إلى أن تغلب عليه بركياروق وقتله بالقرب من مدينة الري في سنة ٤٨٨ هـ، حيث هزم شش وقتل في المعركة (٢).
وكذلك خرج السلطان محمد بن ملكشاه (٣)، وخطب لنفسه ببغداد، وحصل بينه وبين أخيه بركياروق حروب طويله، وصراع على السلطة، استمر مدة اثنتي عشرة سنة (٤).
قال ابن كثير: "وكانت له مع بركياروق خمس وقعات هائلة" (٥).
وكانا يقتتلان مرات، ويصطلحان مرات، إلى أن تم الصلح بينهما في آخر الأمر (٦).
وقال ابن الأثير: "وكان سببه أن الحروب تطاولت بينهما، وعم الفساد، فصارت الأموال منهوبة، والدماء مسفوكة، والبلاد مخربة، والقرى محرقة، والسلطنة مطموعًا فيها، محكومًا عليها، وأصبح الملوك مقهورين، بعد أن كانوا قاهرين، وكان الأمراء الأكابر يؤثرون ذلك ويختارونه ليدوم تحكمهم، وانبساطهم، وإدلالهم" (٧).
وبعد تلك الحروب والوقائع والخسائر توفي بركياروق.
قال ابن كثير: "جرت له خطوب كثيرة، وحروب هائلة، وأحوال متباينة، خطب له ببغداد ست مرات، وعزل عنها ست مرات، وكان عمره يوم مات أربعًا وعشرين سنة وشهورًا، وقام من بعده ولدُه ملكشاه
_________
(١) انظر: السير للذهبي (١٨/ ٣٢٣).
(٢) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي (١/ ٢١٢).
(٣) السلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه، أول ما خطب له بغداد في ذي الحجة سنة ٤٩٢ هـ وقطعت خطبته عدة مرار، ولقي من المشاق والأخطار ما لم يلقه أحد، إلى أن توفي أخوه بركياروق، فحينئذ استقرت له السلطنة وصفت له، ودانت البلاد وأصحاب الأطراف لطاعته، وكان اجتماع الناس عليه بعد موت أخيه اثنتي عشرة سنة وستة أشهر، وكان عادلًا حسن السيرة شجاعًا وأطلق المكوس والضرائب في جميع البلاد، توفي سنة ٥١١ هـ. انظر: عيون الروضتين لابن خلكان (١/ ١٠٧).
(٤) انظر: المصدر السابق (١/ ١٠١).
(٥) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ١٦٨).
(٦) انظر: السير للذهبي (١٩/ ٤٠٥).
(٧) انظر: الكامل لابن الأثير (٧/ ٤٩٣).
стр. 47
فلم يتم أمره؛ بسبب منازعة عمه محمد له" (١).
وأدى هذا التنافس والاقتتال إلى ظهور فرق الكفر والضلال، وتسلط التتار والصليبيين على بلاد الإسلام.
قال الذهبي: "وفي هذا الوقت كثرت الباطنية بالعراق والجبل، وزعيمهم الحسن بن الصبَّاح، فملكوا القلاع وقطعوا السبل، وأهمَّ الناسَ شأنُهم واستفحل أمرُهم، لاشتغال أولاد ملكشاه بنفوسهم" (٢).
• وأما في الشام:
فبعد مقتل تُتُش بن ألب أرسلان تولى حلب ابنه رضوان (٣)، وتولى دمشق ابنه الآخر دُقَاق (٤)، وبدأ الصراع حين حاول رضوان أن يستولي على دمشق حين غاب عنها أخوه دُقاق، وذلك في سنة ٤٨٩ هـ، فحاصرها ولم يتمكن من دخولها لحصانتها وشدة مقاومة جندها فرجع إلى حلب (٥).
لم ينس دُقاق ما فعله أخوه رضوان من محاولة الاستيلاء على دمشق، وعندما لجا إليه القائد ياغي سيان (٦) صاحب أنطاكية مغاضبًا ومفارقًا الرضوان، حسَّن له محاصرة حلب والاستيلاء عليها جزاءً لمحاصرته دمشق، فلقيت تلك الدعوة قبولًا واستحسانًا من دُقاق، فاستعد لمحاصرة حلب فالتقى الفريقان واقتتلا فانتصر رضوان وهرب دُقاق ورجع لدمشق، ثم تصالحا بعد ذلك (٧).
_________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ١٨٩).
(٢) انظر: العبر للذهبي (٢/ ٣٩٦).
(٣) رضوان بن تتش بن ألب رسلان، قدم دمشق بعد موت أخيه دقاق فحاصرها وقرر له الخطبة والسكة فلم يستتب أمره وعاد إلى حلب وأقام بها وجرت منه أمور غير محدودة في قتال الفرنج، وظهر منه الميل إلى الباطنية، واستعان بهم بحلب، وكان لما ملك حلب قد قتل أخويه: أبا طالب و بهرام ابني تتش، ومات في ٢٨ من جمادى الآخرة سنة ٥٠٧ هـ. انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (١٨/ ١٥٣).
(٤) شمس الملوك أبو نصر دقاق بن السلطان تاج الدولة تتش بن السلطان ألب آرسلان السلجوقي التركي، تملك بعد مقتل أبيه سنة ٤٨٧ هـ، فكان في حلب، فطلبه خادم أبيه ونائب قلعة دمشق سرا من أخيه رضوان صاحب حلب، فبادر دقاق وجاء، فتملك، ثم أشار عليه زوج أمه طغتكين الأتابك بقتل خادمه المذكور ساوتكين لتمكنه، فقتله، ثم أقبل رضوان أخوه محاصرا لدمشق، فلم يقدر عليها، فترحل، ثم استقل دقاق، ثم عرض له مرض تطاول به إلى أن مات سنة ٤٩٧ هـ. انظر: السير للذهبي (١٩/ ٢١٠).
(٥) انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (ص ٢١٥).
(٦) كان حاكمًا لأنطاكية، وتقدمت منه في حق بعض أتباعه إساءة، فتواطأوا مع الإفرنج لدخول انطاكية، ووجدوا الفرصة في برج من أبراج البلد مما يلي الجبل باعوه للأفرنج واطلعوهم إلى البلد منه في الليل وصاحوا عند الفجر فانهزم باغي سيان وخرج في خلق عظيم فلم يسلم منهم شخص، وسقط عن فرسه على الأرض فحمله بعض أصحابه وأركبه فلم يثبت على ظهر الفرس وعاود سقط فمات. سنة ٤٩١ هـ. انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (ص ٢٢٠).
(٧) انظر: الكامل لابن الأثير (٨/ ٤١٢) باختصار وتصرف.
стр. 48
لكن رضوان لم يقنع بهذا الصلح، على رغم قبوله به، فهو يريد أن يكون مَلِكَ الشام الوحيد، فقبل بالدعوة الباطنية من رسول الدولة العبيدية بأن يقطع الدعوة للخليفة العباسي ويدعوا للمستنصر باللَّه العبيدي (١) حاكم مصر ويدخل في طاعته، على أن يُمدوه بالمال والسلاح لكي يستولي على دمشق (٢).
وكان ذلك سببًا لانتشار الباطنية في حلب واشتداد شوكتهم، وكان أمر الباطنية قد قوي بحلب في أيامه، وتابعهم خلق كثير على مذهبهم طلبًا لجاههم، وصار كل من أراد أن يحمي نفسه من قتل أو ضيم التجأ إليهم (٣).
وفي هذا الوقت بسبب التناحر والاقتتال والتنافس على السلطة تمكن الفرنج (٤) الصليبيون ولأول مرة من احتلال أنطاكية.
قال أبو شامة: "وفي مدة تلك الحروب ظهرت الفرنج بالساحل وملكوا أنطاكية أولًا ثم غيرها من البلاد" (٥).
وقال ابن الوردي: "مَلَكَ الفرنج عكا بالسيف بعد قتال شديد، وفعلوا بأهلها الأفعال الشنيعة. . . هذا وملوك الشام مشتغلون بقتال بعضهم بعضا" (٦).
وقال ابن الأثير: "استطال الفرنج -خذلهم اللَّه تعالى- بما ملكوه من بلاد الإسلام، واتفق لهم اشتغال عساكر الإسلام وملوكه بقتال بعضهم بعضًا، تفرقت حينئذ بالمسلمين الآراء، واختلفت الأهواء، وتمزقت الأموال" (٧).
_________
(١) المستنصر باللَّه، أبو تميم معدّ بن الظاهر علي العبيدي الرافضي، صاحب مصر، وكانت أيامه ٦٠ سنة وأربعة أشهر، وقد خطب له ببغداد، في سنة ٤٥١ هـ، ومات في ذي الحجة، عن ٦٨ سنة. عام ٤٨٧ هـ العبر للذهبي (٢/ ٣٥٦).
(٢) انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (ص ٢١٧).
(٣) انظر: زبدة الحلب في تاريخ حلب لابن العديم (ص ٢٥٩).
(٤) انظر: العبر للذهبي (٢/ ٣٩٦).
(٥) انظر: عيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية لأبي شامة (١/ ١٠١).
(٦) انظر: تاريخ ابن الوردي (٢/ ١٤) باختصار.
(٧) انظر: الكامل لابن الأثير (٨/ ٤٩٧).
стр. 49
ج- التحالف مع الصليبيين:
كان من نتيجة الصراع والتنافس على السلطة، أن تحالف بعض ولاة المسلمين مع الصليبيين ضد المسلمين، بل بلغ ببعضهم الحال أن حَرَّضَ الصليبيين على محاصرة المسلمين وقتالهم والاستيلاء على بلادهم، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - في سنة ٤٩١ هـ عصى عمر والي عزاز (١) على الملك رضوان، فخرج عسكر حلب وحصره، فاستنجد بالفرنج، فوصل صنجيل (٢) بعسكر كبير، فعاد عسكر حلب، فنَهب صنجيل ما قدر عليه وعاد إلى أنطاكية، وأَخذ ابن عمر رهينة فمات عنده، فوقع الملك رضوان على عمر إلى أن أخذه من تل هَرَّاق (٣)، فسلم إليه عِزاز وأقام عنده بحلب مدة، ثم قتله (٤).
٢ - في سنة ٥١٨ هـ تعاون بعض حكام المسلمين مع الصليبيين لاحتلال حلب.
فقد "اجتمع على باب حلب ثلاثة ألوية: لواء الملك ابراهيم بن رضوان، ولواء الأمير دُبيس بن صدقه، ولواء الملك بغدوين (٥)، وكان الجوسلين ودبيس قد برزا من تل باشر، وقصدوا ناحية الوادي، وأفسدا كل ما فيه ما قيمته مائة ألف دينار. . . ونزل الفرنج غربي البلد، وغربي قويق (٦) ومعهم علي بن سالم بن مالك، وصاحب بالس (٧) أخو بدر الدولة فقطعوا الشجر، وأخربوا المشاهد الظاهرة، وكان عدد الخيام ثلاثمائة خيمة،
_________
(١) بليدة فيها قلعة ولها رستاق شمالي حلب بينهما يوم. انظر: معجم البلدان لياقوت (٤/ ١١٨).
(٢) الطاغية صَنْجيل الّذي حاصر طرابلس، وبنى بقربها قلعة وكان من شياطين الفرنج ورؤوسهم، ووصل إلى الشام ليحج القدس، فأخذ بأرض صيدا وذهبت حينئذٍ عينه، ودار في بلاد الشام بزيّ التُّجّار؛ فلمّا تُوُفّي السلطان ملكشاه واختلفت الكلمة دخل إلى بلاده، وجمع الفرنج للحج، وقدم أنطاكيّة، وحارب المسلمين مرّات، وتمكّن، ثمّ شنّ الغارة من حصنه، فبرز لَهُ ابن عمّار من طرابُلُس، وكبس الحصن بغتة، فقتل من فيه، ورمي النيران في جوانبه، ورجع صَنْجيل، فدخل الحصن، فانخسف به سقف، ثم مرض وغُلِب، فصالح صاحب طرابُلُس، ثمّ مات في سنة ٤٩٨ هـ. انظر: التاريخ للذهبي (١٠/ ٦٨٩).
(٣) من حصون حلب الغربية. معجم البلدان لياقوت (٢/ ٤٥).
(٤) انظر: زبدة الحلب في تاريخ حلب لابن العديم (ص ٢٤٣ - ٢٤٤).
(٥) بغدوين الرويس ملك الافرنج صاحب بيت المقدس بعكا في يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر رمضان منها وكان شيخًا قد عركه الزمان بحوادثه وعانى الشدائد من نوائبه وكوارثه ووقع في أيدي المسلمين عدة دفعات أسيرا في محارباته، ومصافاته وهو يتخلص منهم بحيله المشهورة وخدعه المخبورة ولم يخلف بعده فيهم صاحب رأي صائب ولا تدبير صالح. هلك سنة ٥١٦ هـ. انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (ص ٣٦٩ - ٢٧٠).
(٦) نهر مدينة حلب. انظر: معجم البلدان لياقوت (٤/ ٤١٧).
(٧) بلدة بالشام بين حلب والرّقة. المصدر السابق (١/ ٣٢٨).
стр. 50
مائة للمسلمين، ونبش الفرنج القبور وأخربوا الموتى بأكفانهم، وعمدوا إلى من كان طريا فشدوا الحبال في أرجلهم وسحبوهم مقابل المسلمين" (١).
وكان دُبيس بن صَدقة المار ذكره رافضيًا صاحب شر وفتن وقلاقل، فقد جَرَّ الويلات على دار الخلافة العباسية ببغداد، وبلدان الشام.
قال الذهبي: "وكانت الفرنج لما ملكوا صور طمِعوا، وقويت نُفُوسهم، ثمّ وصل إليهم دُبَيْس بن صَدَقة قبّحه اللَّه، فطمَّعهم أيضًا في المسلمين، وقال: إنّ أهل حلب شيعة ويميلون إلي، ومتى رأوني سلّموها إلي فأكون نائبًا لكم. فساروا معه وحاصروا حلب حصارًا شديدًا" (٢).
٣ - نتيجة لتلك التحالفات صار الصليبيون يحتلون بلاد المسلمين دون أن يجدوا أي مقاومة من أحد من ولاة المسلمين ففي عام ٦٠٣ هـ تمكنت قوات الكُرْج (٣) الصليبية من احتلال حِصْنَ قُرْسِ بمدينة خلاط (٤) بالشام، ورغم استغاثة ولاتها وندائهم المتعدد للمسلمين بنصرتهم والذود عنهم، إلا أن دعوتهم تلك لم تُجب ولم يُوجد لها مُلبٍّ، فاحتلها الصليبيون وأصبحت بلد شرك بعد أن كانت بلد إسلام.
قال ابن الأثير: "في هذه السنة مَلَكَ الْكُرْجُ حِصْنَ قُرْسَ، من أعمال خِلَاطَ، وكانوا قد حصروه مدة طويلة، وضيقوا على من فيه، وأخذوا دَخْلَ الْوِلَايَةِ عدة سنين، وكل من يتولى خِلاط لا ينجدهم، ولا يسعى في راحة تصل إليهم، وكان الوالي بها يواصل رسله في طلب النجدة، وإزاحة من عليه من الْكُرْجِ، فَلَا يُجَابُ لَهُ دُعَاءٌ، فلما طال الأمر عليه، ورأى أن لا ناصر له، صالح الْكُرْجِ على تسليم القلعة على مال كثير وإقطاع يأخذه منهم، وصارت دار شرك بعد أن كانت دار توحيد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، ونسأل اللَّه أن يسهل للإسلام وأهله نصرًا من عنده، فإن ملوك زماننا قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم وظلمهم عن سد الثغور وحفظ البلاد" (٥).
_________
(١) انظر: بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم (٧/ ٣٤٨٣ - ٣٤٨٢).
(٢) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١١/ ١٦٣).
(٣) الْكُرْجِ: جيل من الناس نصاري كانوا يسكنون في جبال القبق وبلد السرير فقويت شوكتهم حتى ملكوا مدينة تفليس، ولهم ولاية تنسب إليهم وملك ولغة برأسها وشوكة وقوّة وكثرة عدد. انظر: معجم البلدان لياقوت (٤/ ٤٤٦).
(٤) مدينة كبيرة مشهورة قصبة بلاد أرمينية، ذات خيرات واسعة وثمرات يانعة، بها المياه الغزيرة والأشجار الكثيرة. وأهلها مسلمون ونصارى. وكلام أهلها العجمية والأرمنية والتركية. انظر: آثار البلاد للقزويني (ص ٥٢٤).
(٥) انظر: الكامل لابن الأثير (١٠/ ٢٤٩).
стр. 51
د- التحالف مع التتار:
كان من نتائج الصراع والتنافس على السلطة أيضًا، أن تحالفَ بعضُ ولاةِ المسلمين مع التتار ضد المسلمين، وبلغ الحال ببعضهم كذلك إلى مراسلة التتار وترغيبهم وحثهم على الاستيلاء على بلاد المسلمين واحتلالها، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - ما قام به الأمير سليمان بن المؤيد بن عامر المقدسي العقربائي الطبيب، الزين الحافظي (١)، حيث أطمع هولاكوا باحتلال بلاد الشام، وذلك أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز محمد الأيوبي عام ٦٦٠ هـ.
قال ابن شاكر الكتبي: "لما جاءت رسل التتار يطلبون البلاد، ويشترطون ما يحمل إليهم من المال فبعث الملك الناصر زين الدين رسولًا إلى هولاكو، فأحسن إليه واستماله، فصار من جهته، ومازج التتار، وتردد في المراسلات مرات، وأطمع التتار في البلاد، وهول على الملك الناصر أمرهم وعظَّم شأنهم، ووصف عساكرهم وصغر شأن الناصر ومن معه من العساكر حتى أوقفه على الحرب؛ فلما جاءت التتار إلى حلب ونازلها هولاكو، هرب الناصر من دمشق إلى مصر، وخرجت عساكر مصر وملكها قطز، فانكسر الناصر وملكت التتار دمشق، وصار زين الدين يأمر بها وينهى، وبقي معه جماعة، حتى كانوا يدعونه الملك زين الدين، ولما كُسر التتارُ على عين جالوت، وانهزم ملك التتار ومن معه من دمشق، توجه زين الحافظي معهم خوفًا على نفسه من المسلمين، وبعد مُدة أحضره هولاكو بين يديه وقال له: ثبتِ عندي خيانتك وتلاعبك بالدول: خدمت صاحب بعلبك (٢)، ثم خدمت صاحب جَعْبَرٍ (٣)، وصاحب دمشق، وخُنتَ الجميع، وانتقلتَ إليَّ
_________
(١) سليمان بن المؤيد بن عامر العقرباني المعروف بالزين الحافظي، وقال له: قد ثبت عندي خيانتك. وقد كان هذا المغتر لما قدم التتار مع هولاكو دمشق وغيرها مالأ على المسلمين وآذاهم، ودل على عوراتهم، حتى سلطهم اللَّه عليه بأنواع العقوبات والمثلات، وفي الجملة من أعان ظالما سلط عليه، فإن اللَّه ينتقم من الظالم بالظالم، ثم ينتقم من الظالمين جميعا. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٤٥٨).
(٢) مدينة بينها وبين دمشق ثلاثة أيام، بها أبنية عجيبة وآثار عظيمة، وقصور على أساطين الرّخام، لا نظير لها في الدنيا. انظر: مراصد الاطلاع للقطيعي (ص ٢٠٨).
(٣) قلعة جعبر على الفرات بين بالس والرّقّة قرب صفّين، وكانت قديما تسمّي دوسر فملكها رجل من بني قشير أعمى يقال له جعبر بن مالك. انظر: معجم البلدان لياقوت (٢/ ١٤٢).
стр. 52
فأحسنتُ إليك، فشرعت تكاتبُ صاحبَ مصر، وعدد ذنوبه ثم قتله، وقتل أولاده وأقاربه وكانوا نحوًا من خمسين نفرًا" (١).
٢ - في عهد الملك السلطان المنصور قلاوون سنة ٦٧٩ هـ، خرج عليه نائيه بالشام الأمير سنقر الأشقر (٢)، وجمَعَ الأمراء وأوهمهم أن السلطان قد قُتل، ودعاهم إلى طاعته وحلَّفهم على موافقته، وتلقب بالملك الكامل وركب بشعار السلطنة، وخُطب له على منبر الجامع بدمشق، فكتب السلطان إلى الأشقر يقبح فعله، وكتب أمراء مصر إليه بذلك ويحثونه على الإذعان وترك الفتنة، فلم يستجب لذلك، فأرسل السلطان إليه جيشًا لمحاريته، فأنزلوا به الهزيمة، وتفرق عنه جيشه، وأُسر عدد من قواده، فهرب سنقر الأشقر، وكتب إلى الملك أبغا بن هولاكو (٣) يحثه على الحضور لأخذ البلاد الشامية وكتب معه أيضا الأمير عيسي (٤) بمثل ذلك، وهجمت طوائف التتار على أعمال حلب فدخلوها وقد خلت من العسكر فقتلوا ونهبوا وسبوا وأحرقوا الجامع والمدارس ودار السلطنة ودور الأمراء، وأقاموا بها يومين يكثرون الفساد بحيث لم يسلم منهم إلا من اختفي في المغائر والأسرية، ثم رحلوا عنها عائدين إلى بلادهم بما أخذوه وتفرقوا في مشاتيهم (٥).
وبهذا يتبين أن الصراع والتنافس على السلطة من الأسباب التي أدت إلى وهن المسلمين وضعفهم وتفرقهم وتسلط الأعداء عليهم.
_________
(١) انظر: فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي (٢/ ٧٧ - ٧٨).
(٢) شُنْقُر الأشقر، الأمير الكبير، الملك الكامل، شمس الدِّين الصّالحيّ، من أعيان البحريّة، حبسه الملك الناصر بحلب أو غيرها، فَلَمّا استولى هولاكو على الشَّام وجده محبوسًا فأخرجه وأنعم عليه وأخذه معه، فبقي عند التَّتَار مُكَرَّمًا وتأهَّل وجاءته الأولاد، وخُلّص وقِدم، فأكرمه الملك الظاهر وسُرّ بقدومه وأعطاه مائة فارس، ثُمَّ وُلّي نيابة دمشق سنة ثمان وسبعين، ثُمَّ تسلطن بدمشق فِي آخر السَّنَة، وآخر أمرة أنّ الملك الأشرف صلاح الدِّين فِي آخر العام خنقه. انظر: التاريخ للذهبي (١٥/ ٧٢٨).
(٣) أبْغا بُن هولاكو، ملك التّتار، وصاحب العراق والجزيرة وخُراسان وغير ذلك، ويقال فيه: أباقا. مات بنواحي همذان بين العيدين، وله نحوٌ من ٥٠ سنة، كان كافر النّفس، سفّاكًا للدماء، قتل فِي الروم خلْقًا كثيرًا؛ لكونهم دخلوا في طاعة الملك الظاهر، وفرحوا بمجيئه إليهم، مات سنة ٦٨٠ هـ، فكانت أيامه ١٧ سنة وثمانية أشهر. انظر: المصدر السابق (١٥/ ٣٨٧).
(٤) عيسي بْن مُهَنًا، أمير عرب الشّام وشيخ آل فضل، الأمير شَرَف الدّين. كَانَ ذا منزلة عظيمة عند السّلطان الملك المنصور، وقد ملّكه السلطان مدينة تدْمُر بحكم البيع وأورد عَنْه ثمنها، وكان كريم الأخلاق، حَسَن الجوار، مكفوف الشّرّ، يرجع إلى خير وعقل ورياسة، ولم يكن أحدٌ يضاهيه من ملوك العرب، وله أثر صالح فِي يوم المصافّ بحمص مَعَ مَنْكُوتمُر. توفي سنة ٦٨٣ هـ. نفس المصدر (١٥/ ٥٠٢).
(٥) انظر: السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (٢/ ١٢٧ - ١٣٦).
стр. 53
الحالة العلمية
كانت الحالة العلمية في بلاد الشام في هذا القرن تتسم بالنشاط وغزارة التأليف، والموسوعية في التصنيف، وقد كان لذلك أسباب عدة وهي:
أولًا: هجرة العلماء إلى بلاد الشام:
فقد أدى الغزو المغولي للعراق في منتصف القرن السابع إلى هجرة كثير من العلماء إلى الشام ومصر والحجاز.
وكانت بغداد مليئة بالعلم والعلماء والقضاة من المذاهب الأربعة إلى أن هجم التتار عليها وأفسدوا فيها وأهلكوا الحرث والنسل.
قال عنها الإمام الذهبي: "هي أعظم بلاد العراق بُنيت في آخر أيام التابعين، وأولُ من بثّ فيها الحديث هشام بن عروة، وبعده شعبة، وهشيمٌ، وكثر بها هذا الشأن، فلم تزل معمورةً بالأثر والخبر إلى زمن الإمام أحمد بن حنبل، ثم أصحابه، وهي دار الإسناد العالي والحفظ، ومنزل الخلافة والعلم، إلى أن استؤصِلت في كائنة التتار الكفرة، فبقيت على نحو الربع" (١).
قال الحافظ السخاوي معلقا على ذلك: "ثم تزايد خرابها حتى لم يبق فيها من يعرف شيئًا من العلم، والأمر للَّه تعالى" (٢).
وهناك من العلماء من هاجر إلى الشام لغير ذلك، إما بحثا عن العلم وأهله، أو تنقلًا من بلد إلى بلد طلبًا للرزق، ونحو ذلك.
وهذه أمثلة لبعض العلماء الذين هاجروا من العراق ومن غيرها من البلدان إلى الشام:
١ - الإمام تاج الدين أبو اليُمن الكندي المتوفى سنة ٦١٣ هـ:
زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن، تاج الدين أبو اليُمن الكندي البغدادي ثم الدمشقي النحوي اللغوي المقرئ الحافظ المحدث الجامع لأسباب الفضائل، محط الركبان، حسنة الزمان، كان أعلى أهل الأرض إسنادا في القراءات، سمع الحديث على الكبار، وبقي مسند الزمان في القراءات والحديث، ولد ببغداد في شعبان سنة عشرين وخمسمائة، وتوفي بدمشق سنة ثلاث عشرة وستمائة، فانقطع بموته إسناد عظيم وكتب كثيرة (٣).
_________
(١) انظر: الأمصار ذوات الآثار للذهبي (ص ٣٣ - ٣٤).
(٢) انظر: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ للسخاوي (٢٨١).
(٣) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٣/ ٣٦٤) ومعجم الأدباء لياقوت الحموي (٣/ ١٣٣٠ - ١٣٣١).
стр. 54
٢ - الإمام الأصولي المتكلم سيف الدين الآمدي المتوفي سنة ٦٣١ هـ:
العلامة المصنف فارس الكلام سيف الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي الآمدي الحنبلي، ثم الشافعي، ولد سنة نيف وخمسين، وقرأ القراءات، وتفنن في حكمة الأوائل، فرَقَّ دِينه وأظلم، وكان يتوقد ذكاء وألف في الأصلين، والحكمة المشؤومة، والمنطق، والخلاف، وله كتاب "أبكار الأفكار" في الكلام، و"منتهى السول في الأصول"، وطريقة في الخلاف، وله نحو من عشرين تصنيفا، ثم تحول إلى دمشق، ودرس بالعزيزية مدة، ثم عزل عنها لسبب اتهم فيه، وأقام بطالًا في بيته، ومات في رابع صفر، سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وله ثمانون سنة، قال ابن تيمية: يغلب على الآمدي الحيرة والوقف حتى إنه أورد على نفسه سؤالا في تسلسل العلل، وزعم أنه لا يعرف عنه جوابا، وبنى إثبات الصانع على ذلك، فلا يقرر في كتبه إثبات الصانع، ولا حدوث العالم، ولا وحدانية اللَّه، ولا النبوات، ولا شيئًا من الأصول الكبار (١).
٣ - الإمام الحافظ سبط ابن الجوزي المتوفي سنة ٦٥٤ هـ:
أبو المظفر شمس الدين يوسف بن قزاوغلي بن عبد اللَّه البغدادي ثم الدمشقي، الواعظ المشهور سبط الإمام أبي الفرج ابن الجوزي، محدث، حافظ، فقيه، مفسر، مؤرخ، واعظ، ولد ببغداد سنة ٥٨١ هـ، وقدم دمشق فوعظ بها وحصل له القبول العظيم للطف شمائله وعذوبة وعظه، وكان وافر الحرمة عند الملوك، كانت وفاته بالشام حيث توفى بمنزله في سفح قاسيون بدمشق، في شهر ذي الحجة سنة ٦٥٤ هـ (٢).
٤ - الإمام المفتي جمال الدين الأنباري المتوفي سنة ٦٦١ هـ:
عبد الرحمن بن سالم بن يحيى بن خميس بن يحيى بن هبة اللَّه، الإمام المفتي جمال الدين أبو محمد الأنصاري الأنباري الأصل البغدادي ثم الدمشقي الفقيه الحنبلي، نسخ بخطه كثيرًا من كتب العلم، وكان صحيح النقل، جيد الشعر، دينا، صالحا، ومات في سلخ ربيع الآخر، ودفن بسفح قاسيون، وكان يسكن بالجامع، بالمنارة الغربية (٣).
٥ - الإمام شيخ العربية والنحاة ابن مالك الجياني المتوفى سنة ٦٧٢ هـ:
محمد بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن مالك، العلامة الأوحد، جمال الدين، أبو عبد اللَّه الطائي، الجياني، الشافعي، النحوي، نزيل دمشق، ولد سنة ستمائة أو سنة إحدى وستمائة، وسمع بدمشق وأخذ العربية عن غير
_________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٢/ ٣٦٤).
(٢) انظر: ذيل مرآة الزمان لقطب الدين اليونيني (١/ ٣٩) ومعجم المؤلفين لعمر بن رضا كحالة (١٣/ ٣٤٢).
(٣) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٥/ ٣٩).
стр. 55
واحد، وتصدر بحلب لإقراء العربية وصرف همته إلى إتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغاية، وحاز قصب السبق، وأربى على المتقدمين، وكان إماما في القراءات وعللها؛ صنف فيها قصيدة دالية مرموزة في مقدار "الشاطبية"، وأما اللغة فكان إليه المنتهى في الإكثار من نقل غريبها والإطلاع على وحشيها، وأما النحو والتصريف فكان فيه بحرًا لا يجاري وحَبرًا لا يبارى، وأما أشعار العرب التي يستشهد بها على اللغة والنحو فكانت الأئمة الأعلام يتحيرون فيه ويتعجبون من أين يأتي بها، وكان نظم الشعر سهلا عليه، رجزه وطويله وبسيطة وغير ذلك، هذا مع ما هو عليه من الدين المتين وصدق اللهجة وكثرة النوافل، وحسن السمت، ورقة القلب وكمال العقل والوقار والتؤدة، أقام بدمشق مدة يصنف ويشغل. وتصدر بالتربة العادلية وبالجامع المعمور وتخرج به جماعة كثيرة.
وصنف كتاب "تسهيل الفوائد في النحو" وكتاب "سبك المنظوم وفك المختوم"، وكتاب "الشافية الكافية"، وكتاب "الخلاصة" وشرحها، وكتاب "إكمال الإعلام بتثليث الكلام"، و"المقصور والممدود"، و"فعل وأفعل"، و"النظم الأوجز فيما يهمز"، و"الاعتقاد في الطاء والضاد" وتصانيف أخر مشهورة، توفي ﵀ في ثاني عشر شعبان، وقد نيف على السبعين (١).
٦ - الإمام الفقيه المؤرخ أبو بكر أحمد بن خلكان المتوفى سنة ٦٨١ هـ:
أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان، قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس البرمكي الإربلي الشافعي، ولد بإربل سنة ثمان وستمائة، وسمع بها "صحيح البخاري" وكان إمامًا فاضلًا بارعًا متفننًا عارف بالمذهب، حسن الفتاوى جيد القريحة بصيرًا بالعربية، علامة في الأدب والشعر وأيام الناس، كثير الاطلاع حلو المذاكرة، وافر الحرمة، من سروات الناس، قدم دمشق في شبيبته، وقد تفقه بالموصل، ودخل الديار المصرية، وسكنها مدة وتأهل بها، ثم قدم الشام على القضاء في ذي الحجة سنة تسع وخمسين منفردًا بالأمر، ثم أقيم معه القضاة الثلاثة في سنة أربع وستين، وقدم من الديار المصرية، فدخل دخولًا لم يبلغنا أن قاضي دخل مثله من الاحتفال والزحمة وأصحاب البغلات والشهود، وكان يومًا مشهودًا. وجلس في منصب حكمه وتكلمت الشعراء، وكان كريمًا جوادًا مدحًا، وقد جمع كتابًا نفيسًا في "وفيات الأعيان" وتوفي عشية نهار السبت ٢٦ من رجب، وشيعة خلائق (٢).
_________
(١) انظر: المصدر السابق للذهبي (١٥/ ٢٤٩ - ٢٥١).
(٢) انظر: نفس المصدر للذهبي (١٥/ ٤٤٥).
стр. 56
٧ - أسرة الأئمة آل تيمية:
وهي من الأسر العلمية المشهورة، وقد هاجرت من حران إلى الشام.
قال الحافظ ابن عبد الهادي في ترجمة شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولد شيخنا أبو العباس بحران يوم الاثنين عَاشر -وقيل ثاني عشر- شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وسافر والداه بِهِ وبإخوته إلى الشام عند جور التتار، فساروا بالليل وَمَعَهُمْ الْكتب على عجلة لعدم الدَّوَابّ، فكاد الْعَدو يلحقهم ووقفت العجلة، فابتهلوا إلى اللَّه واستغاثوا به فنجوا وسَلِموا، وقدموا دمشق في أثنَاء سنة سبع وستين وستمائة" (١).
٨ - الإمام المحدث الحافظ سعد الدين الحارثي الحنبلي المتوفى سنة ٧١١ هـ:
مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد بن عياش الحارثي البغدادي، ثم المصري الفقيه، المحدث الحافظ، قاضي القضاة سعد الدين أبو محمد، وأبو عبد الرحمن: ولد سنة اثنين -أو ثلاث- وخمسين وستمائة عني بالحديث، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه الكثير. وخرج لجماعة من الشيوخ معاجم، وكان يكتب خطا حسنا حلوا متقنا. وخطه معروف، وحج غير مرة. ودرس بعدة أماكن، كالمنصورية، جامع الحاكم، وولي القضاء سنتين ونصفا. وكان سُنيًا أثريًا، متمسكًا بالحديث.
قال الذهبي في معجمه: "كان فقيهًا مناظرًا مفتيًا، عالمًا بالحديث وفنونه، حسن الكلام عليه وعلى الأسماء، ذا حظ من عربية وأصول، خرج لغير واحد، وأقرأ المذهب ودرس، ورأس الحنابلة".
وقال في المعجم المختص: "كان عارفا بمذهبه، بصيرا بكثير من الحديث وعلله ورجاله. مليح التخريج، من كبار أهل الفن، وتوفي في سحر يوم الأربعاء رابع عشر في الحجة سنة إحدى عشرة وسبعمائة بالقاهرة، ودفن من يومه بالقرافة" (٢).
٩ - الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥ هـ:
عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسين بن محمد بن مسعود، الشيخ العلامة الحافظ الزاهد شيخ الحنابلة، زين الدين أبو الفرج بن الشيخ الإمام المقرئ المحدث شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي قدم مع والده وهو صغير وأجازه ابن النقيب وأجاز له النووي وسمع بنفسه بمكة على الفخر عثمان بن يوسف واشتغل بسماع الحديث باعتناء والده. . . وله مصنفات مفيدة شرح الترمذي وشرح أربعين النواوي وشرح في شرح البخاري سماه فتح الباري في شرح البخاري ونقل فيه كثيرا من كلام المتقدمين وكتاب اللطائف في الوعظ
_________
(١) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي (ص ١٨ - ١٩).
(٢) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي (٤/ ٣٩٨).
стр. 57
وأهوال القبور والقواعد الفقهية تدل على معرفة تامة بالمذهب وله طبقات الحنابلة وغير ذلك درس بحلقة الثلاثاء والمدرسة الحنبلية وكان لا يعرف شيئًا من أمور الناس ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات وكان يسكن المدرسة السكرية بالقصاعين توفي ليلة الاثنين رابع رمضان سنة خمس وتسعين وسبعمائة" (١).
ثانيًا: جهود العلماء في نشر العلم:
لقد اجتهد كثير من العلماء في تلك القرون في نشر العلم والتأليف فيه، وتميزت دمشق من بين بلدان الشام بأنها منارة للعلم والعلماء، جمعت المحدثين والمقرئين والفقهاء، وهاجر إليها أثناء وقعت التتار كثير من العلماء.
قال الذهبي: "نزلها عدّةٌ من الصحابة منهم بلال الصحابيّ والمؤذن لرسول اللَّه ﷺ له وغيرُه، وكثر بها العلم في زمن معاوية، ثم في زمن عبد الملك وأولاده، وما زال بها الفقهاء، والمقرئون، والمحدّثون في زمن التابعين وتابعيهم. . . وهي دار قرآنٍ وحديثٍ وفقهٍ، وتناقص العلم بها في المائة الرابعة، والخامسة، وكثر بعد ذلك، ولا سيّما في دولة نور الدين، وأيام محدّثها ابن عساكرٍ، والمقادسة النازلين بسفحها، ثم تكاثر بعد ذلك بابن تيميّة، والمزّيّ، وأصحابها، وللَّه الحمد" (٢).
ثالثًا: اعتناء الملوك والسلاطين بالعلم والعلماء:
ظهر في تلك القرون اعتناء الملوك والسلاطين بالعلم والعلماء، فبنوا الجوامع والمدارس، وأوقفوا الأوقاف عليها، وجالسوا العلماء وتعلموا منهم ورووا عنهم، ومن الأمثلة لذلك:
١ - لما استقر الإمام أبو اليُمْن الكندي بالشام أصبح ملك الشام الملك المعظم بن الملك العادل يحضر دروسه، وكذلك حضرها عدد من القادة والرؤساء.
قال الإمام ياقوت الحموي: "رأيت الملك المعظم بن الملك العادل، وهو صاحب الشام والمتملك عليها، وهو يقصد منزله راجلًا ليقرأ عليه النحو، ولا يكلّفه مشقة المجيء إلى خدمته، ورأيت على بابه من المماليك الأتراك وغيرهم ما لا يكون إلا على باب ملك" (٣).
_________
(١) انظر: المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد لابن مفلح (٢/ ٨١ - ٨٢).
(٢) انظر: الأمصار ذوات الآثار للذهبي (ص ٢٣ - ٢٧).
(٣) انظر: معجم الأدباء لياقوت الحموي (٣/ ١٣٣٣).
стр. 58
٢ - عندما أقام سيف الدين الآمدي بدمشق واجه مصاعب، بسبب ميله للكلام والفلسفة، ومع إجلال ملوك الشام للعلماء إلا أنهم أبغضوه لذلك.
كان أولاد الملك العادل كلهم يكرهونه لما اشتهر عنه من الاشتغال بالمنطق وعلم الأوائل، وكان يدخل على المعظم -والمجلس غاص بأهله- فلم يتحرك له، فقلت له: قم له عوضا عني، فقال: ما يقبله قلبي. ومع ذلك ولاه تدريس العزيزية، فلما مات المعظم، أخرجه منها الأشرف، ونادي في المدارس: من ذكر غير التفسير والفقه أو تعرض لكلام الفلاسفة نفيته، فأقام السيف خاملًا في بيته قد طفئ أمره إلى أن مات، ودفن بقاسيون بتربته (١).
٣ - ما اشتهر به الملك العادل السلطان نور الدين محمود بن زنكي ﵀ من تعظيم للعلم والعلماء، وإنشاء دار للحديث بدمشق، وهو أول من فعل ذلك ﵀.
قال ابن الأثير عنه: "كان يفعل بالعلماء من التعظيم والتوقير والاحترام، ويجمعهم عنده للبحث والنظر، فقصدوه من البلاد الشاسعة من خراسان وغيرها، وبنى بدمشق أيضًا دارًا للحديث، ووقف عليها وعلى من بها من المشتغلين بعلم الحديث وقوفًا كثيرة، وهو أول من بنى دارًا للحديث فيما علمناه، وكان مجلسه كما روي في صفة مجلس رسول اللَّه ﷺ مجلس حلم وحياء لا تؤبن فيه الحُرُم، وهكذا كان مجلسه لا يُذكر فيه إلا العلم والدين وأحوال الصالحين، والمشورة في أمر الجهاد وقصد بلاد العدو، ولا يتعدى هذا" (٢).
٤ - عناية السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي ﵀ بالعلم والرواية، وخاصة القرآن الكريم والحديث الشريف، فكان يحضر مجالس الرواية، ويعتني بها، ويحرص على الأسانيد العالية.
قال ابن شداد عنه: "وكان رحمه اللَّه تعالى يحب سماع القرآن العظيم ويستجيد إمامه ويشترط أن يكون عالمًا بعلم القرآن العظيم متقنًا لحفظه، وكان يستقرئ من يحرسه في الليل وهو في برجه الجزأين والثلاثة والأربعة وهو يسمع، وكان يستقرئ وهو في مجلسه العام من جرت عادته بذلك الآية والعشرين والزائد على ذلك، وكان ﵀ شديد الرغبة في سماع الحديث ومتى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير فإن كان ممن يحضر عنده استحضره وسمع عليه فأسمع من يحضره في ذلك المكان من أولاده وماليكه المختصين به وكان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالًا له. وإن كان ذلك الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين
_________
(١) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٤/ ٥٠).
(٢) انظر: التاريخ الباهر لابن الأثير (ص ١٧١ - ١٧٣).
стр. 59
ويتجافى عن الحضور في مجالسهم سعى إليه وسمع عليه. تردد إلى الحافظ الأصفهاني (١) بالإسكندرية حرسها اللَّه تعالى وروى عنه أحاديث كثيرة، وكان رحمه اللَّه تعالى يحب أن يقرأ الحديث بنفسه وكان يستحضرني في خلوته ويحضر شيئًا من كتب الحديث ويقرأها هو فإذا مر بحديث فيه عبرة رق قلبه ودمعت عينه" (٢).
٥ - ما تميز به السلطان الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الألفي الصالحي المتوفي عام ٧٤١ هـ من صفات جليلة، واهتمام بالعلم والعلماء، وعنايته بمجالس العلم والرواية، واختيار من هو أهلٌ للمناصب الشرعية.
قال الحافظ ابن حجر: "ولم ير أحدٌ مثل سَعَادَةِ مُلْكِهِ وعَدم حَرَكةِ الأعادي عليه برًا وبحرًا مع طول المدة، فمنذ وقعة شَقْحَب إلى أن مات لم يخرج عليه أحد، ووجدت له إجازة بخط البرزالي من ابن مُشرق وعيسى المغاري وجماعة، وسمع من ست الوزراء، وابن الشحنة، وخرج له بعض المحدثين جزءًا، وكان مطاعًا مهيبًا عارفًا بالأمور، يُعظِّمُ أهلَ العلم، والمناصب الشرعية لا يقرر فيها إلا من يكون أهلًا لها ويتحرى لذلك ويبحث عنه ويبالغ" (٣).
بهذا كانت الأمة منصورة، ودول الكفر مقهورة، فالعلم هو خير ما سَعى له المرء وبه عَمِل، والعلماء هم ورثة الأنبياء والرسل.
رابعًا: بناء دور الحديث والمدارس:
لقد اهتم العلماء والسلاطين ببناء دور الحديث والمدارس، وعينوا علماء شيوخًا يتولونها، ورتبوا أوقافًا للشيوخ والطلاب، لتقوم بكفايتهم في ما يحتاجونه من المأكل والملبس والمسكن، وكان لتلك المدارس ودور الحديث وللشيوخ والعلماء أكبر الدور في نشر العلم وحفظه.
ومن أمثلة ذلك:
أ- دار الحديث الضيائية:
تقع في جبل قاسيون ظاهر دمشق، وهي منسوبة للإمام الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل، أبو عبد اللَّه السعدي المقدسي، ثم الدمشقي الصالحي المتوفى سنة ٦٤٣ هـ.
_________
(١) هو الإمام المشهور أبو طاهر السِّلفي الأصبهاني.
(٢) انظر: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لبهاء الدين بن شداد (ص ٣٦ - ٣٧).
(٣) انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (٥/ ٤٠٨).
стр. 60
قال الذهبي: "بنى مدرسة على باب الجامع المظفري، وأعانه عليها بعض أهل الخير، وجعلها دار حديث، وأن يسمع فيها جماعة من الصبيان، ووقف بها كتبه وأجزاءه، ووقف بها كتبه وأجزاءه، وفيها من وقف الشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، والحافظ عبد الغني، وابن الحاجب، وابن سلام، وابن هامل، والشيخ علي الموصلي" (١).
وكان الإمام ضياء الدين المقدسي قد رحل في طلب الحديث والعلم إلى أقطار شتى، وحصل الكثير من الكتب والأصول النفيسة هبةً وشراءً ونسخًا، وجعل كل ذلك مع كتبه القيمة التي ألفها وقفًا في دار الحديث الضيائية.
قال ابن كثير: "سمع الحديث الكثير، وكتب كثيرًا، ورحل وطاف وجمع وصنف وألف كتبًا مفيدة حسنة كثيرة الفوائد، من ذلك كتاب "الأحكام" ولم يتمه، وكتاب "المختارة" وفيه علوم حسنة حديثية، وهي أجود من "مستدرك الحاكم" لو كمل، وله "فضائل الأعمال"، وغير ذلك من الكتب الحسنة الدالة على حفظه واطلاعه وتضلعه من علم الحديث متنًا وإسنادًا، وكان ﵀ في غاية العبادة والزهادة والورع والخير، وقد وقف كتبًا كثيرة عظيمة بخطه خزانة المدرسة الضيائية التي وقفها على أصحابهم من أهل الحديث والفقهاء، وقد وقفت عليها أوقافٌ أُخَر كثيرة بعد ذلك" (٢).
وقال الصفدي: "وقدم دمشق بعد خمسة أعوام بعلم كثير وحصل أصولا نفيسة فتح اللَّه بها عليه هبةً وشراءً ونسخًا" (٣).
وقال يوسف بن عبد الهادي: "وكان بهذه المدرسة كتب الدنيا والأجزاء الحديثية، حتى يُقال إنه كان فيها خط الأئمة الأربعة، حتى يُقال: إنه كان فيها التوراة والإنجيل" (٤).
وكان من أشهر القيّمين عليها الأثمة آل المحب الصامت ﵏.
ومن أشهرهم المؤلف الإمام شمس الدّين أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن المحب الصامت المقدسي الحنبلي ﵀.
_________
(١) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٤/ ٤٧٦).
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٢٨٥).
(٣) انظر: الوافي بالوفيات للصفدي (٤/ ٨٨).
(٤) انظر: القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية لابن طولون (١/ ١٣٨).
стр. 61
قال يوسف بن عبد الهادي في ترجمته: "وكانت معهم خزانة الضيائية، فمن ثمَّ كثر سماعهم واتسعت معارفهم بذلك. . . وقلَّ جزء من أجزاء الضيائية أو من كتب الحديث إلا وعليه خطّه. . . وسمعنا قديمًا وشاهدنا من صورة الحال: قَلَّ كتاب من كتب الدنيا لا سند فيه لابن المحب" (١).
ب- دار الحديث السُّكَّرِيَّةِ:
كانت بيتًا لأحد الرؤساء العدول يقال له: شرف الدين بن السُّكَّري، فجعلها دارًا للحديث وأوقفها على العلماء وطلبة العلم من أهل الحديث توفي عام ٧٦١ هـ.
قال الذهبي: "شرف الدين ابن السكري، عدلٌ رئيسٌ مشهورٌ، وقف داره بالقصاعين لأهل العلم والحديث، وهي التي يسكنها شيخنا ابن تيمية" (٢).
وأول من تولى مشيخة هذه الدار الإمام عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، وبعد وفاته تولاها ابنه شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية.
قال ابن كثير: "الشيخ الإمام العالم شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة مجد الدين عبد السلام بن عبد اللَّه بن أبي القاسم بن تيمية الحراني -والد شيخنا العلامة العلم تقي الدين ابن تيمية- مفتي الفرق، الفارق بين الفرق، كانت له فضيلة حسنة ولديه فوائد كثيرة، وكان له كرسي بجامع دمشق يتكلم عليه عن ظهر قلبه، وولي مشيخة دار الحديث السكرية بالقصَّاعين، وبها كان مسكنه، ثم درَّس ولده الشيخ تقي الدين بها بعده في السنة الآتية" (٣).
وكان هذا الدرس الذي ألقاه شيخ الإسلام ابن تيمية درسا هائلًا، عظيم النفع والفوائد، حتى إن شيخه تاج الدين الفزاري شيخ الشافعية كتبه بخطه لكثرة فوائده.
قال الذهبي عن الشيخ تاج الدين الفزاري: "وكان يبالغ في تعظيم الشيخ تقي الدين ابن تيمية بحيث أنه علق بخطه درسه بالسكرية" (٤).
وقال ابن كثير: "في يوم الاثنين ثاني المحرم منها درس الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني بدار الحديث السكرية التي بالقصاعين، وحضر
_________
(١) انظر: الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد ليوسف بن عبد الهادي (ص ١٢٠ - ١٢١).
(٢) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٤/ ٤٧٦).
(٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٥٩٢).
(٤) انظر: المعجم المختص بالمحدثين للذهبي (ص ١٦٣).
стр. 62
عنده قاضي القضاة بهاء الدين بن الزكي الشافعي، والشيخ تاج الدين الفزاري شيخ الشافعية، والشيخ زين الدين ابن المرحل، وزين الدين بن المنجا الحنبلي، وكان درسًا هائلًا حافلًا، وقد كتبه الشيخ تاج الدين الفزاري بخطه لكثرة فوائده، وكثرة ما استحسنه الحاضرون، وقد أطنب الحاضرون في شكره على حداثة سنه وصغره، فإنه كان عمره إذ ذاك عشرين سنة وسنتين" (١).
ج - دار الحديث الأشرفية الجوانية:
بناها الملك الأشرف أبو الفتح مظفَّر الدين موسى بن الملك العادل محمد الأيوبي، حيث أُسست بدمشق سنة ٦٢٨ هـ (٢)، وتم افتتاحها سنة ٦٣٠ هـ ليلة النصف من شعبان من تلك السنة، وقُرئ بها أولًا صحيح البخاري. قال الذهبي في أحداث سنة ٦٣٠ هـ: "وفيها فراغُ دار الحديث الأشرفية، وفتحت ليلة نصف شعبان، وقرئ بها "البخاري" على ابن الزبيدي (٣)، وسمعه خلائق" (٤).
وكان شرطُ واقِفها فيمن يتولى مشيختها: أن يكون على مذهب الشافعي وأن تجتمع فيه الرواية والثاني الدراية، فإذا انفرد اثنان أحدهما مختص بالرواية والآخر بالدراية قُدِّمَ من اختص بالرواية (٥).
وهناك عدد من العلماء الكبار الذين تولوا مشيخة هذه الدار، وألفوا مؤلفات قيمة قُرئت فيها على مدى الأيام، واشتهرت بين الأنام، ومنهم:
١ - الشيخ تقي الدين بن الصلاح الكردي الشهرزوري الشافعي المتوفى سنة ٦٤٣ هـ:
وهو أول من تولى التدريس بها. قال ابن خلكان: "ولما بنى الملك الأشرف بن الملك العادل بن أيوب رحمه اللَّه تعالى دار الحديث بدمشق فوض تدريسها إليه" (٦).
_________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٥٩٣).
(٢) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٦/ ٣٧٢).
(٣) الشيخ الإمام الفقيه الكبير مسند الشام، سراج الدين، أبو عبد اللَّه الحسين بن أبي بكر المبارك بن محمد بن يحيى بن مسلم الربعي الزبيدي الأصل البغدادي البابصري الحنبلي، ولد سنة ٥٤٥ هـ وروى ببغداد، ودمشق، وحلب. وكان إماما دينا، خيرا، متواضعا، صادقا فرح الأشرف صاحب دمشق بقدومه، وأخذه إلى عنده في أثناء رمضان من العام، وسمع منه "الصحيح" في أيام معدودة، وأنزله إلى دار الحديث، وقد فتحت من نحو شهر، فحشد الناس وازدحموا، وسمعوا الكتاب، ثم أخذه أهل الجبل، وسمعوا منه الكتاب ومسند الشافعي، واشتهر اسمه، ورد إلى بلده، فقدم متعللا، وتوفي سنة ٦٣١ هـ. انظر: المصدر السابق (٢٢/ ٣٥٩).
(٤) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٣/ ٦٦٠).
(٥) انظر: أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي (٥/ ٦٤٨ - ٦٥٠) وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ٧٥).
(٦) انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢٤٤).
стр. 63
وقال الذهبي: "كان حسن الاعتقاد على مذهب السلف، يرى الكف عن التأويل، ويؤمن بما جاء عن اللَّه ورسوله على مرادهما، ولا يخوض ولا يتعمق" (١).
٢ - الإمام عماد الدين ابن الحرستاني عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد الأنصاري الخزرجي الشافعي المتوفي سنة ٦٦٢ هـ:
قال عنه الذهبي: "ولي قضاء القضاة بعد والده من جهة السلطان الملك العادل، وقد ناب عن والده في القضاء ثم عُزل. . . وولي الخطابة مدة، وكان من كبار الأئمة وشيوخ العلم، مع التواضع والديانة وحسن السمت والتجمل، وولي مشيخة الأشرفية بعد ابن الصلاح" (٢).
٣ - الإمام شهاب الدين أبو شامة المقدسي الشافعي المتوفى سنة ٦٦٥ هـ:
قال ابن كثير: "في جمادى الآخرة منها درس الشيخ شهاب الدين أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي بدار الحديث الأشرفية، بعد وفاة القاضي عماد الدين بن الحرستاني، وحضر عنده القاضي شمس الدين ابن خلكان وجماعة من الفضلاء والأعيان، وذكر خطبة كتابه "المبعث" وأورد الحديث بسنده ومتنه، وذكر فوائد كثيرة مستحسنة، ويقال: إنه لم يراجع شيئًا حتى أورد درسه، ومثله لا يستكثر عليه ذلك" (٣).
وقال الذهبي: "ولي مشيخة القراءة بتربة الملك الأشرف، ومشيخة دار الحديث، وكان مع فرط ذكائه وكثرة علمه، متواضعا مطرحا للتكلف" (٤).
٤ - الإمام النووي يحيى بن شرف الحزامي الشافعي المتوفى سنة ٦٧٦ هـ:
قال الذهبي: "الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام علم الأولياء، محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري الحزامي الحوراني الشافعي، صاحب التصانيف النافعة: مولده في المحرم سنة ٦٣١ هـ. . . سمع الكتب الستة والمسند والموطأ وشرح السنة للبغوي وسنن الدارقطني وأشياء كثيرة. . . لازم الاشتغال والتصنيف ونشر العلم والعبادة والأوراد والصيام والذكر والصبر على العيش الخشن في المأكل والملبس ملازمة كلية لا مزيد عليها. . مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه والعمل بدقائق الورع والمراقبة وتصفية النفس
_________
(١) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٤/ ٤٧٥).
(٢) انظر: نفس المصدر للذهبي (١٥/ ٥٦).
(٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٤٥٤).
(٤) انظر: معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار للذهبي (١/ ٣٦٢).
стр. 64
من الشوائب ومحقها من أغراضها كان حافظًا للحديث وفنونه ورجاله وصحيحه وعليله رأسًا في معرفة المذهب. . . ولي مشيخة دار الحديث. . . سنة خمس وستين بعد أبي شامة إلى أن مات" (١).
وقال تلميذه ابن العطار: "قرئ عليه "البخاري" و"مسلم" بدار الحديث الأشرفية بحثًا وسماعًا، وحَضَرْتُ مسلمًا وأكثر البخاري، وقطعة من سنن أبي داود" (٢).
٥ - الإمام شيخ الشافعية زين الدين الفارقي المتوفى سنة ٧٠٣ هـ:
قال ابن كثير: "زين الدين الفارقي عبد اللَّه بن مروان بن عبد اللَّه بن فهر بن الحسن، أبو محمد الفارقي شيخ الشافعية، ولد سنة ٦٣٣ هـ، وسمع الحديث الكثير، واشتغل ودرس في عدة مدارس، وأفتى مدة طويلة، وكانت له همة، وشهامة، وصرامة، وكان يباشر الأوقاف جيدا، وهو الذي عمر دار الحديث بعد خرابها زمن قازان، وقد باشرها سبعا وعشرين سنة من بعد النووي إلى حين وفاته" (٣).
٦ - الإمام شيخ الشافعية صدر الدين بن الوكيل الشافعي المتوفى سنة ٧١٦ هـ:
وقد ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية سبع سنين (٤).
قال ابن كثير: "صدر الدين بن الوكيل، هو العلامة أبو عبد اللَّه محمد بن الشيخ الإمام مفتي المسلمين زين الدين عمر بن مكي بن عبد الصمد، المعروف بابن المرحل وبابن الوكيل، شيخ الشافعية في زمانه، وأشهرهم في وقته بالفضيلة، وكثرة الاشتغال، والمطالعة، والتحصيل، والافتنان في العلوم العديدة، وقد أجاد معرفة المذهب والأصلين، ولم يكن في النحو بذاك القوي، فكان يقع منه اللحن الكثير، مع أنه قرأ فيه "المفصل" للزمخشري، وكانت له محفوظات كثيرة، ولد في شوال سنة خمس وستين وستمائة، وسمع الحديث على المشايخ، من ذلك "مسند الإمام أحمد" على ابن علان، و"الكتب الستة"، وقرئ عليه قطعة كبيرة من "صحيح مسلم" بدار الحديث. . . وكان يتكلم على الحديث بكلام مجموع من علوم كثيرة من الطب والفلسفة وعلم الكلام -وليس ذلك بعلم- وعلوم الأوائل، وكان يكثر من ذلك، وكان يقول الشعر جيدًا، وله ديوان مجموع مشتمل على أشياء لطيفة، وكان له أصحاب يحسدونه ويحبونه، وآخرون يحسدونه ويبغضونه، وكانوا يتكلمون فيه بأشياء، ويرمونه بالعظائم، وقد كان مسرفا على نفسه، قد ألقى جلباب الحياء فيما يتعاطاه من القاذورات
_________
(١) انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٧٤ - ١٧٦).
(٢) انظر: تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين لعلاء الدين علي بن إبراهيم بن العطار (ص ٦١).
(٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٣٨).
(٤) انظر: فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي (٤/ ١٤).
стр. 65
والفواحش، وكان ينصب العداوة للشيخ ابن تيمية، ويناظره في كثير من المحافل والمجالس، وكان يعترف للشيخ تقي الدين بالعلوم الباهرة ويثني عليه، ولكنه كان يجاحف عن مذهبه وناحيته وهواه، وينافح عن طائفته، وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يثني عليه، وعلى علومه، وفضائله، ويشهد له بالإسلام إذا قيل له عن أفعاله وأعماله القبيحة، وكان يقول: كان مخلطًا على نفسه، متبعًا مراد الشيطان منه، يميل إلى الشهوة والمحاضرة، ولم يكن كما يقول فيه بعض أصحابه ممن يحسده ويتكلم فيه، هذا أو ما هو في معناه، وقد درس بعدة مدارس بمصر والشام. . .ودار الحديث الأشرفية، وولي في وقت الخطابة أياما يسيرة كما تقدم، ثم قام الخلق عليه وأخرجوها من يده، ولم يرق منبرها" (١).
٧ - الإمام كمال الدين الزَّملكاني الشافعي المتوفي سنة ٧٢٧ هـ:
قال الذهبي: "محمد بن علي بن عبد الواحد، ابن خطيب زملكا، شيخنا قاضي القضاة عالم العصر كمال الدين أبو المعالي الأنصاري السِّمَاكِي الزَّمَلْكَانِيُّ، طلب بنفسه وقتا، وقرأ على الشيوخ، ونظر في الرجال والعلل شيئًا، وكان عذب القراءة سريعها، وكان من بقايا المجتهدين ومن أذكياء أهل زمانه، درس وأفتى وصنف وتخرج به الأصحاب، توفي سنة ٧٢٧ هـ" (٢).
وقال ابن كثير: "وفي يوم الخميس سادس عشر شعبان باشر الشيخ كمال الدين بن الزملكاني مشيخة دار الحديث الأشرفية، عوضًا عن ابن الوكيل، وأخذ في التفسير، والحديث، والفقه، فذكر من ذلك دروسًا حسنة، ثم لم يستمر بها سوى خمسة عشر يوما حتى انتزعها منه كمال الدين بن الشريشي، فباشرها يوم الأحد ثالث شهر رمضان" (٣).
٨ - الإمام كمال الدين بن الشريشي المتوفي سنة ٧١٨ هـ:
قال ابن كثير: "الشيخ كمال الدين بن الشريشي أحمد بن الإمام العلامة جمال الدين أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن سحمان البكري الوائلي الشريشي، كان أبوه مالكيا كما تقدم، واشتغل هو في مذهب الشافعي، فبرع، وحصل علوما كثيرة، وكان خبيرا بالكتابة مع ذلك، وسمع الحديث، وكتب الطباق وقرأه بنفسه، وأفتى، ودرس، وناظر، وباشر عدة مدارس ومناصب كبار. . .ومشيخة دار الحديث الأشرفية ثمان سنين، وكان مشكور السيرة فيما تولاه من الجهات كلها، وقد عزم في هذه السنة على الحج، فخرج بأهله،
_________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ١٦٠ - ١٦٢).
(٢) انظر: المعجم المختص بالمحدثين للذهبي (ص ٢٤٦ - ٢٤٧).
(٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ١٠٥).
стр. 66
فأدركته منيته. . .في سلخ شوال من هذه السنة ﵀، وتولى بعده دار الحديث الأشرفية الحافظ جمال الدين المزي" (١). قال الصفدي: "وكان ابن الشريشي قد وليها بعد الشيخ كمال الدين بن الزملكاني" (٢).
وقال ابن كثير: "وذلك بإشارة الشيخ تقي الدين ابن تيمية" (٣).
٩ - الإمام الحافظ أبو الحجاج المزي المتوفي سنة ٧٤٢ هـ:
قال الذهبي: "هو حَافظ الْعَصْر ومحدث الشَّام ومصر، وحامل لِوَاء الْأَثر، وعالم أنواع نعوت الخبر، صاحب معضلاتنا وموضح مشكلاتنا، الشيخ جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف ابن علي بن عبد الملك ابن أبي الزهر القضاعي الكلبي المزي، الحلبي المولد، خاتمة الحفاظ وناقد الأسانيد والألفاظ، مولده بظاهر حلب في عاشر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وستمائة وطلب الحديث في أول سنة خمس وسبعين وهلم جرا وإلى الآن لا فتر ولا قصر، ولا عن العلم والرواية تأخر. . .وسمع الكتب الأمهات المسند والكتب الستة، والمعجم الكبير، والسيرة، والموطأ من طرق، والزهد، والمستخرج على مسلم، والحلية، والسنن للبيهقي، ودلائل النبوة، وتاريخ الخطيب، والنسب للزبير، وأشياء يطول ذكرها، ومن الأجزاء ألوفًا ومشيخته نحو الألف. . .ولقد كان بين المزي وابن تيمية صحبة أكيدة، ومرافقة في السماع، ومباحثة واجتماع، وود وصفاء، والشيخ هو الذي سعى للمزي في توليته دار الحديث" (٤).
قال ابن قاضي شهبة: "برع في فنون الحديث، وأقر له الحفاظ من مشايخه وغيرهم بالتقديم، وحدث بالكثير نحو خمسين سنة، فسمع منه الكبار والحفاظ، وولي دار الحديث الأشرفية ثلاثًا وعشرين سنة ونصفًا" (٥).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما باشر المزي دار الحديث الأشرفية: "لم يلِ هذه المدرسة من حين بنائها الى الآن أحق بشرط الواقف منه" (٦). تقول الواقف: "فإن اجتمع من فيه الرواية ومن فيه الدراية قدم من فيه الرواية" (٧).
_________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ١٨٧ - ١٨٨).
(٢) انظر: أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي (٤/ ٦٨٤).
(٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٣٢).
(٤) انظر: ثلاث تراجم نفيسة للمزي وابن تيمية والبرزالي للذهبي (ص ٥٠ - ٥٦).
(٥) انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ٧٥).
(٦) انظر: أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي (٥/ ٦٤٨ - ٦٥٠).
(٧) انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ٧٥).
стр. 67
قال ابن كثير: "وفي يوم الخميس ثالث عشرين ذي الحجة باشر الشيخ الإمام العلامة الحافظ الحجة، شيخنا ومفيدنا، أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي مشيخة دار الحديث الأشرفية عوضًا عن كمال الدين بن الشريشي، ولم يحضر عنده كبير أحد لما في نفوس بعض الناس من ولايته لذلك، مع أنه لم يتولها أحد قبله أحق بها منه، ولا أحفظ منه، وما عليه منهم إذ لم يحضروا عنده، فإنه لا يوحشه إلا حضورهم عنده، وبعدهم عنه أُنْس" (١).
د - دار الحديث الأشرفية البرانية:
ويقال لها أيضًا المقدسية، وقد أنشأها كذلك الملك الأشرف أبو الفتح مظفَّر الدين موسى بن الملك العادل محمد الأيوبي، وجعلها خاصة بالحنابلة، وكان ابتداء بنائها سنة ٦٢٩ هـ، وجُعل شيخها الإمام جمال الدين عبد اللَّه بن تقي الدين عبد الغني بن علي بن سرور المقدسي، فتوفي قبل أن يليها.
قال ابن مفلح: "عبد اللَّه بن عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي ثم الدمشقي الحافظ بن الحافظ جمال الدين. . .كتب بخطه الكثير وجمع وصنف وأفاد وقرأ القرآت. . .قال الحافظ الضياء: كان علامة وقته، وقال ابن الحاجب: لم يكن في عصره مثله في الحفظ والمعرفة والأمانة، وكان كثير الفضل وافر العقل متواضعًا مهيبًا جوادًا سخيًا له القبول التام مع العبادة والورع والمجاهدة، قال الذهبي: بنى له الملك الأشرف دار الحديث بالسفح وجعله شيخها وقرر له معلوما فمات قبل فراغها، توفي يوم الجمعة خامس رمضان سنة تسع وعشرين وستمائة ودفن بالسفح" (٢).
وأول من تولى مشيختها:
١ - الإمام شيخ الإسلام شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي الحنبلي المتوفي سنة ٦٨٢ هـ.
قال ابن كثير: "شيخ الجبل الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام شمس الدين أبو محمد عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي أول من ولي قضاء الحنابلة بدمشق -ثم تركه وتولاه ابنه نجم الدين- وتدريس الأشرفية بالجبل، وقد سمع الحديث الكثير، وكان من علماء الناس وأكثرهم ديانة في عصره وأمانة، مع هدي صالح وسمت حسن وخشوع ووقار" (٣).
_________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ١٨١).
(٢) انظر: القلائد الجوهرية لابن طولون (١/ ١٥٦) والمقصد الأرشد لابن مفلح (٣/ ٤٠ - ٤١).
(٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٥٩١).
стр. 68
وقال ابن مفلح: "عُني بالحديث وكتب بخطه الأجزاء والطباق وتفقه على عمه، فقَرأ عليه المقنع وأذن له في إقرائه وإصلاح ما يراه فيه، وشرحه في عشر مجلدات مستمدًا من المغني، وأخذ الأصول عن السيف الآمدي، درس وأفتى وأقرأ العلم زمانًا طويلًا، وانتفع به الناس، وانتهت إليه رئاسة المذهب في عصره بل رئاسة العلم في زمانه، وكان معظمًا عند الخاص والعام، ولقد أثنى عليه الأئمة. . .وكان الشيخ محيى الدين النووي يقول: هو أجل شيوخي، وهو أول من ولى قضاء الحنابلة بالشام، فوليه مدة تزيد على اثنتي عشرة سنة على كره منه، ولم يتناول عليه معلومًا، ثم عزل نفسه في آخر عمره، وبقي قضاء الحنابلة شاغرًا مدة حتى وليه ولده نجم الدين، وكان رحمة للمسلمين، ولولاه لراحت أملاك الناس لمَّا تعرض إليها السلطان، فقام فيها قيام المؤمنين وأثبتها لهم، وعاداه جماعة الحكام، وعملوا في حقه المجهود، وتحدثوا فيه بما لا يليق، ونصره اللَّه عليهم بحسن نيته، ويكفيه هذا عند اللَّه تعالى" (١). وتولى مشيختها بعده عدد من العلماء منهم على سبيل المثال:
٢ - ابنه قاضي القضاة نجم الدين أبو العباس بن شمس الدين بن أبي عمر المتوفى سنة ٦٨٩ هـ.
قال ابن رجب: "أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة الشيخ الإمام قاضي القضاة نجم الدين أبو العباس بن شيخ الإسلام شمس الدين ابن أبي عمر، كان شابًا سليمًا مهيبًا تام الشكل، ليس له من اللحية إلا شعيرات يسيرة، وكان له مع القضاء خطابة الجامع بالجبل والإمامة بحلقة الحنابلة، وكان حسن السيرة في أحكامه مليح الدرس، له قدرة على الحفظ، وله مشاركة جيدة في العلوم، تولى القضاء في أيام والده لما عزل نفسه، توفى ثالث عشر جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وستمائة، ودفن بمقبرة جده من الغد وشيعه خلق وعاش ثمان وثلاثين سنة" (٢).
٣ - قاضي القضاة الحسن بن عبد اللَّه بن الشيخ أبي عمر المقدسي المتوفى سنة ٦٩٥ هـ.
قال ابن كثير: "قاضي القضاة شرف الدين أبو الفضل الحسن بن الشيخ الإمام الخطيب شرف الدين أبي بكر عبد اللَّه بن الشيخ أبي عمر المقدسي، سمع الحديث وتفقه، وبرع في الفروع واللغة، وفيه أدب وحسن محاضرة، مليح الشكل، تولى القضاء بعد نجم الدين بن الشيخ شمس الدين في أواخر سنة تسع وثمانين، ودرس بدار الحديث الأشرفية بالسفح، وكانت وفاته ليلة الخميس الثاني والعشرين من شوال، وقد قارب الستين" (٣).
_________
(١) انظر: المقصد الأرشد لابن مفلح (٣/ ١٠٧ - ١٠٩).
(٢) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي (٤/ ١٢٧ - ١٢٨).
(٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٦٨٩).
стр. 69
وقال ابن رجب: "تفقه وبرع في المذهب. وشارك في الفضائل. وولي القضاء بعد نجم الدين أحمد ابن الشيخ شمس الدين. واستمر إلى حين وفاته. قال البرزالي: كان قاضيا بالشام على مذهب الإمام أحمد، ومدرسا بدار الحديث الأشرفية بسفح قاسيون، ومدرسة جده، وكان مليح الشكل، حسن المناظرة، كثير المحفوظ، عنده فقه ونحو ولغة، وقال الذهبي: كان من أئمة المذهب، بقي في القضاء ست سنين، ومات في ليلة الخميس ثاني عشر شوال سنة خمس وتسعين وستمائة" (١).
وقال ابن كثير: "سمع الحديث وتفقه، وبرع في الفروع واللغة، وفيه أدب وحسن محاضرة، مليح الشكل، تولى القضاء بعد نجم الدين بن الشيخ شمس الدين في أواخر سنة تسع وثمانين، ودرس بدار الحديث الأشرفية بالسفح، وكانت وفاته ليلة الخميس الثاني والعشرين من شوال، وقد قارب الستين" (٢).
٤ - قاضي القضاة تقي الدين سليمان بن حمزة قدامة المقدسي المتوفى سنة ٧١٥ هـ.
قال ابن رجب: "سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي. ثم الصالحي. قاضي القضاة، تقي الدين أبو الفضل: ولد في منتصف رجب، سنة ثمان وعشرين وستمائة، وحضر على ابن الزبيدي صحيح البخاري، والحافظ ضياء الدين وغيرهم، وأكثر عن الحافظ ضياء الدين حتى قال: سمعت منه نحو ألف جزء. وقرأ بنفسه على ابن عبد الدايم وغيره كثيرًا من الكتب الكبار والأجزاء، وأجاز له خلق من البغداديين، ومن المصريين، ومن الأصبهانيين، وطائفة وجماعة من الشاميين وغيرهم، ولازم الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وأخذ عنه الفقه والفرائض، وغير ذلك، قال البرزالي: شيوخه بالسماع نحو مائة شيخ، وبالإجازة: أكثر من سبعمائة، وخُرِّجتْ له المشيخات، والعوالي والمصافحات، والموافقات، ولم يزل يقرأ عليه إلى قبيل وفاته بيوم، قال: وكان شيخًا جليلًا فقيهًا كبيرًا، بهي المنظر، وضيء الشيبة، حسن الشكل، مواظبًا على حضور الجماعات، وعلى قيام الليل والتلاوة والصيام، له أوراد وعبادة، وكان عارفًا بالفقه، خصوصًا كتاب "المقنع" قرأه وأقرأه مرات كثيرة، وكان يذكر الدرس ذكرًا حسنًا متقنًا، ويحفظه من ثلاث مرات ونحوها، وكان قوي النفس، لين الجانب، حسن الخلق، متوددًا إلى الناس، حريصًا على قضاء الحوائج، وحدث بثلاثيات البخاري سنة ست وخمسين وستمائة، وحدث بجميع الصحيح سنة ستين، وولي القضاء سنة خمس
_________
(١) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي (٤/ ٢٧٥ - ٢٧٦).
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٦٨٩).
стр. 70
وتسعين، قال الذهبي: كان فقيهًا إمامًا محدثًا، أفتى نيفًا وخمسين سنة، وتوفي ليلة الاثنين حادي عشر ذي القعدة سنة خمس عشرة وسبعمائة" (١).
وقال ابن كثير: "القاضي المسند المعمر الرحلة، تقي الدين سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر المقدسي الحنبلي، الحاكم بدمشق، ولد في نصف رجب سنة ثمان وعشرين وستمائة، وسمع الحديث الكثير، وقرأ بنفسه وتفقه وبرع، وولي الحكم، وحدث، وكان من خيار الناس، وأحسنهم خلقا، وأكثرهم مروءة، توفي فجأة عقيب صلاة المغرب ليلة الاثنين حادي عشرين ذي القعدة، ودفن من الغد بتربة جده، وحضر جنازته خلق كثير وجم غفير، ﵀" (٢).
٥ - شهاب الدين العابر أحمد بن عبد الرحمن المقدسي النابلسي المتوفى سنة ٦٩٧ هـ.
قال الذهبي: "أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور، الشيخ الإمام الكبير شهاب الدين المقدسي، النابلسي، الحنبلي، مفسر المنامات، ولد بنابلس في ثالث عشر شعبان سنة ثمان وعشرين وستمائة، وروى الكثير بدمشق والقاهرة، وكان إليه المنتهى في تعبير الأحلام، قد اشتهر عنه في ذلك عجائب وغرائب، ويخبر صاحب المنام بمغيبات لا يقتضيها المنام أصلا، وبعض الناس يعتقدون فيه الكشف والكرامات، وبعضهم يقول: ذلك مستنبط من المنامات، وبعضهم يقول: ذلك كهانات أو إلهامات، ولكل منهم في دعواه شُبه وعلامات، حدثني الشيخ تقي الدين ابن تيمية أن الشهاب العابر كان له رئي من الجن يخبره المغيبات، والرجل فكان صاحب أوراد وصلوات، وما برح على ذلك حتى مات، وله الباع الطويل في التعبير، صنف في ذلك مقدمة سماها "البدر المنير" قرأها عليه علم الدين البرزالي، وسمعنا منه أجزاء، وكان عارفًا بالمذهب، وكان شيخًا حسن البشر، وافر الحرمة، معظما في النفوس" (٣).
وقال ابن رجب: "الشيخ الإمام الزاهد العالم شهاب الدين بن الشيخ جمال الدين، كان علامة في تعبير الرؤيا وحكى الناس عنه فيها الغرائب قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية وقد ذكر مرة الرجل: إذا فتح عليه في علم قال فيه ما أراد، مات في ذي القعدة سنة سبع وتسعين وستمائة" (٤).
_________
(١) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي (٤/ ٣٨٩ - ٤٠٣).
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ١٤٨).
(٣) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٥/ ٨٥٠ - ٨٥١).
(٤) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي (٤/ ١٢٦ - ١٢٧).
стр. 71
هـ- دار الحديث النورية:
بناها الملك السلطان العادل نور الدين محمود بن زنكي ﵀، وقد مرت الإشارة إلى ذلك، وهو أول من بنى دارًا للحديث.
قال أبو شامة عنه: "وبنى بدمشق أيضًا دار الحديث، ووقف عليها وعلى من بها من المشتغلين بعلم الحديث وقوفًا كثيرة، وهو أول من بنى دارًا للحديث فيما علمناه" (١).
وقد تولى مشيخة هذه الدار عدد من العلماء الكبار منهم:
١ - الإمام الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ.
قال ابن كثير: "الحافظ أبو القاسم بن عساكر علي بن الحسن بن هبة اللَّه بن عساكر أبو القاسم الدمشقي، أحد أكابر حفاظ الحديث ومن عني به سماعا وجمعا وتصنيفا واطلاعا وحفظا لأسانيده ومتونه وإتقانا لأساليبه وفنونه صنف "تاريخ الشام" في ثمانين مجلدة فهي باقية بعده مخلدة، وقد برز على من تقدمه من المؤرخين وأتعب من يجيء بعده من المتأخرين فحاز فيه قصب السباق وجاز حدا يأمن فيه اللحاق، ومن نظر فيه وتأمله ورأى ما وصفه فيه وأصله، حكم بأنه فريد في التواريخ، وأنه في الذروة العليا من الشماريخ هذا مع ما له في علوم الحديث من كتب مفيدة، وما كان مشتملا عليه من العبادة والطرائق الحميدة، فلهُ "أطراف الكتب الستة" و"الشيوخ النبل" و"تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري" وغير ذلك من المصنفات الكبار والصغار والأجزاء والأسفار، وقد أكثر في طلب الحديث من الترحال والأسفار، وجاب المدن والأقاليم والأمصار وجمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من الحفاظ نسخا واستنساخا ومقابلة وتصحيحًا للألفاظ، وكان من أكابر بيوتات الدماشقة، ورياسته فيهم عالية باسقة، من ذوي الأقدار والهيئات والأموال الجزيلة والصلات" (٢).
وقال ابن الجوزي: "سمع الحديث الكثير وكانت له معرفة وصنف تاريخا لدمشق عظيمًا جدًا يدخل في ثمانين مجلدة كبارًا، وكان شديد التعصب لأبي الحسن الأشعري" (٣).
_________
(١) انظر: الروضتين في أخبار الدولتين لأبي شامة (١/ ١٠٧).
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٥١٤ - ٥١٥).
(٣) انظر: المنتظم لابن الجوزي (١٨/ ٢٢٤ - ٢٢٥).
стр. 72
وقال الذهبي: "وهو مع جلالته وحفظه يروي الأحاديث الواهية والموضوعة ولا يبينها، وكذا كان عامة الحفاظ الذين بعد القرون الثلاثة، إلا من شاء ربك فليسألنهم اللَّه تعالى عن ذلك، وأي فائدة بمعرفة الرجال ومصنفات التاريخ والجرح والتعديل إلا كشف الحديث المكذوب وهتكه؟ " (١).
٢ - الحافظ المحدث القاسم بن أبي القاسم بن عساكر المتوفى سنة ٦٠٠ هـ:
وهو ابن الحافظ الكبير السابق أبي القاسم ابن عساكر الدمشقي.
قال الذهبي: "القاسم ابن الحافظ الكبير أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة اللَّه الحافظ المحدث الفاضل بهاء الدين أبو محمد ابن عساكر الدمشقي، مصنف "فضائل القدس"، وكان محدثًا صدوقًا متوسط المعرفة مكرمًا للغرباء له أنسة بالحديث وخطه ضعيف رديء، وصنف كتابًا في الجهاد، وأملى مجالس وخرج لنفسه الأبدال العالية نقاها من مصنف والده، وكان يبالغ في التعصب لمقالة أبي الحسن الأشعري من غير أن يحققها، ولي مشيخة الدار النورية بعد أبيه، وإلى أن مات فيها أخذ من الجامكية شيئًا، بل جعله مرصدًا لمن يقدم عليه من الطلبة" (٢).
٣ - الإمام زين الدين خالد بن يوسف بن سعد النابلسي المتوفى سنة ٦٦٣ هـ:
قال ابن جماعة: "خالد بن يوسف بن سعد بن الحسن بن بدر بن المفرج بن بكار النابلسي الشافعي أبو البقاء، أحد المحدثين المشهورين والحفاظ المعروفين، كان خيرا صالحا، حسن الأخلاق، ملازما بقراءة الحديث والنظر في الأسانيد، حافظا لكثير من اللغة والأسماء المشتبهة، والنسب المختلفة، كثير المذاكرة بذلك والسؤال عنه والامتحان به للطلاب، خبيرًا بالكتب ومصنفيها، عارفًا بخطوط الفضلاء، انقضى عمره في خدمة الحديث قراءة، ومطالعة، وسماعًا وإسماعًا بدمشق، وضبطًا وتحريرًا، أكثر من المسموعات والشيوخ وحدث قديما في سنة ست وعشرين وست مائة. . .مولده في سنة ست وثمانين وخمس مائة، وولي في آخر عمره مشيخة دار الحديث النورية" (٣).
وقال ابن كثير: "الشيخ زين الدين الحافظ، شيخ دار الحديث النورية بدمشق، كان عالمًا بصناعة الحديث، حافظًا لأسماء الرجال، اشتغل عليه في ذلك الشيخ محيي الدين النواوي وغيره، وتولى بعده مشيخة
_________
(١) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٢/ ٥٠٢).
(٢) انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٠٨ - ١٠٩).
(٣) انظر: مشيخة بدر الدين بن جماعة (٤/ ٢٥١ - ٢٥٣).
стр. 73
النورية الشيخ تاج الدين الفزاري، وكان الشيخ زين الدين حسن الأخلاق، فَكِهَ النفس، كثير المزاح على طريقة المحدثين، وكان قد رحل إلى بغداد، فاشتغل بها، وسمع الحديث، وكان فيه خير وصلاح وعبادة" (١).
٤ - الإمام عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي الحنبلي المتوفى سنة ٦٨٨ هـ:
قال الذهبي: "عبد الرحمن بن يوسف بن محمد بن نصر بن أبي القاسم بن عبد الرحمن، المفتي، القدوة، فخر الدين، أبو محمد البعلبكي الحنبلي، ولي تدريس الحلقة بالجامع، ومشيخة النورية، وروى الكثير وأفتى واشتغل وتخرج به جماعة من الفضلاء، وكان عديم المثل كبير القدر، سألت أبا الحجاج الكلبي عنه فقال: هو أحد عباد اللَّه الصالحين، وأحد من كان يُظن به أنه لا يحسن يعصي اللَّه" (٢).
وقال ابن كثير: "الشيخ فخر الدين أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي الحنبلي، شيخ دار الحديث النورية ومشهد ابن عروة، وشيخ الصدرية، كان يفتي ويفيد الناس مع ديانة وصلاح وزهادة وعبادة" (٣).
٥ - الإمام شيخ الشافعية تاج الدين الفزاري المتوفى سنة ٦٩٠ هـ.
قال الذهبي: "عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع بن ضياء، العلامة الإمام، مفتي الإسلام، فقيه الشام، تاج الدين أبو محمد الفزاري البدري، المصري الأصل، الدمشقي الشافعي الفركاح، وخرج من تحت يده جماعة من القضاة والمدرسين والمفتين، ودرس وناظر وصنف، وانتهت إليه رياسة المذهب كما انتهت إلى ولده وكان من أذكياء العالم ومن بلغ رتبة الاجتهاد، و محاسنه كثيرة، وهو أجل من أن ينبه عليه مثلي. . .وكان ﵀ عنده من الكرم المفرط وحسن العشرة وكثره الصبر والاحتمال، وعدم الرغبة في التكثر من الدنيا والقناعة والإيثار والمبالغة في اللطف ولين الكلمة والأدب ما لا مزيد عليه، مع الدين المتين وملازمة قيام الليل والورع وشرف النفس وحسن الخلق والتواضع والعقيدة الحسنة في الفقراء والصلحاء وزيارتهم، وله تصانيف مفيدة تدل على محله من العلم وتبحره فيه، وكانت له يد في النظم والنثر. . .في المذهب وهو شاب وجلس للإشغال وله بضع وعشرون. ودرس في سنة ثمان وأربعين. وكتب في الفتاوى وقد كمل ثلاثين سنة. . .وكانت الفتاوى تأتيه من الأقطار، وكان إذا سافر إلى زيارة بيت المقدس يتنافس أهل البر في الترامي عليه، وإقامة الضيافات له، وكان أكبر من النواوي -رحمهما اللَّه- بسبع سنين، وكان أفقه نفسا وأذكى قريحة وأقوى مناظرة من الشيخ محيي الدين
_________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٤٥٩).
(٢) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٥/ ٦٠٨).
(٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٦٢٢).
стр. 74
بكثير، لكن كان محيي الدين أنقل للمذهب وأكثر محفوظا منه، وهؤلاء الأئمة اليوم هم خواص تلامذته. . . وكان قليل المعلوم، كثير البركة، مع الكرم والإيثار والمروءة والتجمل. . .وهو والشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر أجل من روي "صحيح البخاري" عن ابن الزبيدي" (١).
وقال ابن كثير: "وقد تخرج به جماعة كثيرون، وأمم لا يحصون من قضاة، وقضاة قضاة، وعلماء، وفقهاء، وسادة، وقادة رؤوس، ورؤساء، وأئمة وكبراء، وكان له فنون في الشرعيات من فقه وحديث وتفسير وعلوم الإسلام" (٢).
٦ - الإمام الخطيب شرف الدين أبو العباس أحمد بن أحمد بن نعمة المقدسي الشافعي المتوفى سنة ٦٩٤ هـ.
قال الذهبي: "أحمد بن أحمد بن نعمة بن أحمد، الإمام العلامة، أقضي القضاة خطيب الشام، شرف الدين أبو العباس النابلسي، المقدسي، الشافعي، بقية الأعلام، كان إماما، فقيها، محققا، متقنا للمذهب والأصول والعربية والنظر، حاد الذهن، سريع الفهم، بديع الكتابة، إمامًا في تحرير الخط المنسوب، ولي دار الحديث النورية، ثم ولي الخطابة. ثم مات حميدًا، فقيدًا، سعيدًا، تخرج به جماعة من الأئمة، وانتهت إليه رياسة المذهب بعد الشيخ تاج الدين، وأذن لجماعة في الفتوى، وكان متواضعًا متنسكًا كيسًا، حسن الأخلاق، لطيف الشمائل، طويل الروح على التعليم، وكان ينشئ الخطب ويخطب بها، وكان متين الديانة، حسن الاعتقاد، سلفي النحلة، ذكر لنا الشيخ تقي الدين ابن تيمية أنه قال قبل موته بثلاثة أيام: "اشهدوا أني على عقيدة أحمد بن حنبل" (٣).
وقال ابن كثير: "الشيخ الإمام الخطيب المدرس المفتي شرف الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ كمال الدين أحمد بن نعمة بن أحمد بن جعفر بن حسين بن حماد المقدسي الشافعي، ولد سنة ثنتين وعشرين وستمائة، وسمع الكثير، وكَتَبَ حَسَنًا، وصنف فأجاد وأفاد، وولي القضاء نيابة بدمشق والتدريس والخطابة بدمشق، وكان مدرس دار الحديث النورية مع الخطابة، وأذن في الإفتاء لجماعة من الفضلاء منهم: الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، وكان يفتخر بذلك ويفرح به ويقول: "أنا أذنت لابن تيمية بالإفتاء" وكان
_________
(١) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٥/ ٦٦٠ - ٦٦٢).
(٢) انظر: طبقات الشافعيين لابن كثير (ص ٩٢٢).
(٣) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٥/ ٧٨١).
стр. 75
يُتقن فنونًا كثيرة من العلوم، وله شعر حسن، وصنف كتابًا في أصول الفقه جمع فيه شيئًا كثيرًا، وهو عندي بخطه الحسن" (١).
٧ - الإمام العالم علاء الدين علي بن إبراهيم العطار المتوفى سنة ٧٢٤ هـ:
قال الذهبي: "علي بن إبراهيم بن داود بن سليمان المفتي الصالح المحدث علاء الدين أبو الحسن الدمشقي ابن العطار الشافعي، ولد سنة ٦٥٤ هـ، خرَّجتُ له معجمًا، واشتغل مدة على النواوي وصَحِبَهُ، وكتب وجمع ودرس وأفتى، واشتهر ذكره" (٢).
وقال ابن كثير: "الشيخ الإمام العالم علاء الدين علي بن إبراهيم بن داود بن سليمان بن العطار، شيخ دار الحديث النورية، ولد يوم عيد الفطر سنة ٦٥٤ هـ، وسمع الحديث، واشتغل على الشيخ الإمام العالم العلامة محيي الدين النواوي، ولازمه حتى كان يقال له: مختصر النواوي، وله مصنفات، وفوائد ومجاميع، وتخاريج، وباشر مشيخة النورية من سنة أربع وتسعين إلى هذه السنة، مدة ثلاثين سنة، توفي يوم الاثنين منها مستهل ذي الحجة، فولي بعده النورية علم الدين البرزالي" (٣).
٨ - الإمام العلامة المحدث المؤرخ علم الدين البرزالي المتوفى سنة ٧٣٩ هـ:
قال الذهبي: "القاسم ابن شيخنا الإمام العدل الكبير الورع بهاء الدين أبي الفضل محمد بن يوسف بن محمد، الإمام الحافظ المتقن الصادق الحجة مفيدنا ومعلمنا ورفيقنا محدث الشام مؤرخ العصر، علم الدين أبو محمد البرزالي الإشبيلي الأصل الدمشقي الشافعي. . .فمشيخته بالإجازة والسماع فوق الثلاثة آلاف، وكتبه وأجزاؤه الصحيحة في عدة أماكن، وهي مبذولة للطلبة، وقراءته المليحة الفصيحة مبذولة لمن قصده، وتواضعه وبِشْرُه مبذول لكل غني وفقير" (٤).
وقال ابن ناصر الدين: "الشيخ الإمام الحافظ الثقة الحجة مؤرخ الشام وأحد محدثي الإسلام. . .صاحب التاريخ الخطير والمعجم الكبير، كان بأسماء الرجال بصيرًا، وناقلا لأحوالهم نحريرًا. . . وسمعت بعض مشايخنا يذكر أن الحفاظ الثلاثة المزي والذهبي والبرزالي اقتسموا معرفة الرجال: فالمزي احكم
_________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٦٧٨ - ٦٧٩).
(٢) انظر: معجم الشيوخ للذهبي (٢/ ٧).
(٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٢٥١ - ٢٥٢).
(٤) انظر: معجم الشيوخ للذهبي (٢/ ١١٥ - ١١٦).
следующие страницы →