← Акыда

Акыда · id 132403

صفات رب العالمين - رسائل جامعية - ناقص

ابن المحب الصامت

Полный текст (3 288 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

صفات رب العالمين، لابن المحب الصامت (٧١٢ هـ - ٧٨٩ هـ) _________ التحقيق: رسائل ماجستير، قسم العقيدة - كلية أصول الدين - جامعة أم القرى بمكة المكرمة ١ - صقر بن حسن الغامدي: من (أول الكتاب) إلى (باب أن الفعل غير المفعول، والخلق غير المخلوق) ٢ - فواز بن فرحان الشمري: من (باب الرزق) إلى (باب نزول الله جلَّ ثناؤه يوم القيامة) ٣ - أمامة بنت محمد المهدي: من (باب ما ذكر في الساعد والذراع والباع والراحة والكتف والصدر) إلى (باب ذكر الصوت) ٤ - جابر بن عقيل العبدلي: لم نقف عليها ٥ - إنعام بنت عبد العزيز المنصور: من (باب قول النبي ﷺ : «قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض» وقول الله تعالى: ﴿وخلق كل شي فقدره تقديرا﴾) إلى (باب الوباء والفناء) ٦ - أميمة بنت عيسى محمد المسملي: من (باب في أهل البدع والأهواء والظنون) إلى (نهاية الكتاب)

стр. 2

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة أم القرى كلية الدعوة وأصول الدين قسم العقيدة كتاب صفات رب العالمين لابن المحب الصامت من أول الكتاب إلى باب خلق الملائكة والجن والحور العين والروح. (٧١٢ هـ - ٧٨٩ هـ) رسالة مُقدّمة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير في العقيدة دراسة وتحقيق: الطالب: صقر بن حسن الغامدي الرقم الجامعي: ٤٣٠٨٨٠٨١ إشراف: د. هشام بن إسماعيل الصيني الأستاذ المشارك بقسم العقيدة كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى ١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م

стр. 3

- أ - شكر وتقدير الحمد للَّه على عظيم إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، والصلاة والسلام على نبيه وخيرته من خلقه، أما بعد: فإني أشكر اللَّه أولًا وآخرًا على ما أنعم به علي من اختيار هذا الكتاب العظيم الموسوم بـ (كتاب صفات رب العالمين) وتحقيق جزء منه، ووفقني إلى إنجازه فله الحمد في الأولى والآخرة. ثم أخص بالشكر الجزيل، والديَّ الكريمين على ما قدماه وبذلاه لي من تربية وإعانة ودعاء وحرص وتعليم فجزاهما اللَّه عني خير الجزاء وأوفاه. وأثلث بالشكر الجزيل لفضيلة شيخنا -المشرف على هذه الرسالة- الأستاذ الدكتور: هشام بن إسماعيل الصيني حفظه اللَّه ورعاه على ما بذله من علم وتوجيه وفوائد جليلة، والذي كان له الفضل بعد اللَّه تعالى في الإشراف على هذا التحقيق والاهتمام به، وتوجيهي -أحسن اللَّه إليه- بتوجيهاته النافعة وآرائه الصائبة؛ مما كان له أثر كبير في تقويم هذه الرسالة؛ وإخراجها على هذه الصورة، واللَّه تعالى أسأل أن يجزيه خير الجزاء وأوفاه وأن يبارك له في علمه وعمله، إنه سميع مجيب. كما أشكر كلًا من المناقشين الكريمين؛ لتفضلها بتقويم الرسالة ومناقشتها، مواصلين السعي لإكمال الفائدة منها، تقبل اللَّه ذلك العمل منها، وأثقل به ميزان حسناتهما. كما أني أتقدم أيضًا بالشكر العاطر لكل من كانت له يد في المساعدة والتوجيه والإرشاد، داعيًا للجميع بالتوفيق والسداد، والهداية إلى سبيل الرشاد.

стр. 4

- ب - ملخص الرسالة العنوان: صفات رب العالمين لابن المحب الصامت من أول الكتاب إلى باب خلق الملائكة والجن والحور العين والروح. الدرجة العلمية: الماجستير. موضوع الرسالة: صفات رب العالمين. أقسام الرسالة: القسم الأول: الدراسة وتشتمل على فصول ومباحث. تمهيد: الحالة السياسية. الحالة العلمية. الحالة الاجتماعية. المبحث الأول: ترجمة المؤلف. المبحث الثاني: توثيق نسبة الكتاب لمصنفه. المبحث الثالث: منهج المؤلف. المبحث الرابع: دراسة لأهم موضوعات الكتاب. المبحث الخامس: وصف النسخة الخطية. القسم الثاني: تحقيق الكتاب. الفهارس. * * *

стр. 5

- هـ - المقدمة الحمد للَّه رب العالمين، المتصف بصفات الجلال والكمال والجمال، جل عن الشبيه والمثل والنظير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وأشهد أن لا إله إِلَّا اللَّه وحده لا شريك له، الملك الحق العليّ الكبير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله البشير النذير، المرسل إلى الناس كافة بالمحجة البيضاء، والحنيفة السمحة، والهُدي المنير. وبعد فإن العقيدة هي أساس الدين، وعليها تُبني جميع تصرفات العبد وأعماله، فبحسب صحتها يكون قبول الأعمال أو ردها؛ لذا فقد عني القرآن الكريم ببناء العقيدة الصحيحة، فلا تكاد تخلو آية منه من شد الإنسان بكليته إلى ربه، وربط كل تصرف منه بهذه العقيدة التي هي مناط الدين وقوامه. فكان عنوانه هو: (كتاب صفات رب العالمين لابن المحب الصامت من أول الكتاب إلى باب خلق الملائكة والجن والحور العين والروح). * أهداف التحقيق: ١ - إخراج كتاب صفات رب العالمين لابن المحب الصامت ﵀ من عالم المخطوطات إلى المطبوعات. ٢ - خدمة كتاب صفات رب العالمين لابن المحب الصامت ﵀، تحقيقًا له وإبرازًا لما فيه من دُرر نادرة وفوائد مهمة. ٣ - بيان عقيدة الإمام ابن المحب الصامت ﵀ وجهده في نشر اعتقاد أهل السنة والجماعة، والتأليف فيه. ٤ - الكشف عن حلقة مضيئة من حياة الإمام ابن المحب الصامت ﵀ وما صاحبها من علم وتعليم وبذل وتأليف.

стр. 6

- و - * أهمية الكتاب: ١ - أن مؤلفه الإمام شمس الدين أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن المحب الصامت المقدسي الحنبلي ﵀ من العلماء الكبار المتقدمين البارزين في علم الحديث والفقه واللغة، وخاصة أنه من تلاميذ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية والحافظ أبي الحجاج المزي رحمها اللَّه تعالى. ٢ - أنه بخط مؤلفه، وقد جعله مسودَّة، يضيف إليه ما يراه من الآيات، والأحاديث والآثار، وأقوال أهل العلم. ٣ - أنه يحتوي على أبواب كثيرة في العقيدة من صفات اللَّه تعالى وأفعاله، وأشراط الساعة، وأحاديث الخوارج، والشفاعة، والصحابة، والفتن، والوعد والوعيد، وغيرها. ٤ - أنه ينقل كثيرًا من كتب أئمة أهل السنة سواءً كانت مفقودة أو ناقصة، كما سيأتي بيانه في منهج المؤلف ﵀. ٥ - إخراج هذا الكتاب؛ لأهميته كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 7

- ز - * أسباب اختيار الموضوع: ١ - أن هذا المخطوط -بعد البحث- لم يسبق دراسته وتحقيقه ونشره دراسةً وتحقيقًا علميًا أكاديميًا. ٢ - أنه يشتمل على نصوص كثيرة من الأحاديث والآثار، والتي لا توجد إلا فيه. ٣ - أنه ينقل عن كتب أئمة السلف أهل السنة والجماعة، وكثير منها إما مفقود لم يصل إلينا، أو ناقص لم يوجد منه إلا قطعة، وسيأتي بيان بتلك الكتب عند الحديث عن منهج المؤلف إن شاء اللَّه تعالى. ٤ - أنه ينقل عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في مواطن كثيرة من هذا الكتاب، وهناك نقولات فريدة عنه، كما سيتبين ذلك خلال التحقيق إن شاء اللَّه تعالى. ٥ - أن هذا المخطوط يعتبر مصدرًا مهمًا من كتب أهل السنة في الاعتقاد، لما فيه من الآثار المسندة الكثيرة، والتحقيقات العلمية.

стр. 8

- حـ - الدراسات السابقة: عند البحث عن الدراسات الأكاديمية السابقة المتعلقة بالإمام محمد بن أحمد بن المحب الصامت المقدسي الحنبلي رحمه اللَّه تعالى، لم أجد شيئًا يتعلق بهذا الإمام، إلا دراسة واحدة لجزء من كتابه القيم "ترتيب مسند الإمام أحمد" وهذا الجزء هو مسند أبي سعيد الخدري ﵁ تحقيق حسين بن عكاشة بن رمضان. * الصعوبات التي واجهت الباحث: هناك عدد من الصعوبات والمشاكل واجهت الباحث أثناء تحقيق هذا المخطوط، ويمكن إيجازها فيما يلي: ١ - أن الكتاب مسودَّة للمؤلف، يضيف إليه بين الحين والآخر ما يراه من الآيات والأحاديث والآثار. ٢ - التداخل في عدد من صفحات الكتاب بين الأسطر مما يجعل الباحث يقف محتارًا في تمييز بعضها عن بعض. ٣ - ما يجده الباحث من صعوبة كبيرة في التوفيق بين عدد كبير من الجُمَل في عدد من لوحات المخطوط؛ وذلك لعدم انتظامها في سطر واحد مرتب متتابع. ٤ - صعوبة خط المؤلف رحمه اللَّه تعالى، وذلك راجع للأسباب التالية: أ - قلة الإعجام لدرجة يصعب معها قراءة الكلمة، أو الكلمات، لاحتمالها عدة أوجه. ب - وصل بعض الكلمات مع كلمات أخرى، مما يحصل معه الاشتباه والخطأ عند قراءتها. ٥ - ضعف التصوير في بعض ألواح المخطوط، مما يؤدي إلى اختفاء بعض الكلمات أو عدم وضوحها. ٦ - التشابه في أسماء الرواة الواردة في أسانيد الأحاديث، مما يجعل الباحث يتردد كثيرا في تحديد ذلك الراوي. ٧ - وجود خلل في ترتيب بعض الألواح، مما يجعل الباحث في حيرة طويلة، وتأخر في التحقيق. ٨ - عدم وجود عدد من المصادر التي ينقل عنها المؤلف ﵀ إما بإسناده إليها، أو بنقله عنها، مما ينتج عنه صعوبة المقارنة بينها. هذه بعض المشاكل التي واجهت الباحث في تحقيق هذا المخطوط، ولكن وللَّه الحمد والمنة، تغلب على كثير منها.

стр. 9

القسم الأول: الدراسة

стр. 10

القسم الأول: الدراسة. وتحته ستة مباحث: تمهيد: الحالة السياسية. الحالة العلمية. الحالة الاجتماعية. المبحث الأول: ترجمة المؤلف. المبحث الثاني: توثيق نسبة الكتاب لمصنفه. المبحث الثالث: منهج المؤلف. المبحث الرابع: دراسة لأهم موضوعات الكتاب. المبحث الخامس: وصف النسخة الخطية. المبحث السادس: منهج التحقيق.

стр. 11

تمهيد إن مما لاشك فيه أن هناك تأثيرًا كبيرًا على الإنسان من البيئة التي يعيش فيها؛ لأن الصلة بينهما ثابتة لا يمكن فصلها بأي حال من الأحوال؛ لذلك كان من المهم عند دراسة حال شخص ما أن نتعرف على الزمان والمكان الذي عاش فيه، ومدى تأثره بذلك، وأيضًا مدى تأثيره هو في مجتمعه وعصره، وذلك من خلال الكلام في الحالة السياسية، والعلمية، والاجتماعية. أولًا: الحالة السياسية. عاش الإمام شمس الدين أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن المحب الصامت المقدسي الحنبلي في القرن الثامن الهجري (٧١٢ هـ - ٧٨٩ هـ). وقبل هذا القرن عاشت الأمة الإسلامية وخاصة بلاد ما وراء النهر وخراسان والعراق والشام فترة من أصعب الأوقات التي مر بها العالم الإسلامي، ويمكن أن نلخص تلك المصائب التي وقعت في تلك العصور فيما يلي: ١ - التتار المغول من جهة المشرق. ٢ - الصليبيون الحاقدون من جهة المغرب. ٣ - الفتن الداخلية، والحروب التي تحصل جراء التنافس على الرئاسة والمناصب. ومن سَلِمَ مِنَ المسلمين من الأولى والثانية، فإنه لم يسلم من الثالثة. يقول ابن الأثير: "ولقد بُلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم، منها هؤلاء التتر، قبحهم اللَّه، أقبلوا من المشرق، ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها، وستراها مشروحة متصلة، إن شاء اللَّه تعالى، ومنها خروج الفرنج، لعنهم اللَّه، من المغرب إلى الشام، وقصدهم ديار مصر، وملكهم ثغر دمياط منها، وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها على أن يملكوها لولا لطف اللَّه تعالى ونصره عليهم، وقد ذكرناه سنة ٦١٤ هـ، ومنها أن الذي سلم من هاتين الطائفتين فالسيف بينهم مسلول، والفتنة قائمة على ساق، وقد ذكرناه أيضًا، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون" (١). _________ (١) انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري (١٠/ ٣٣٥).

стр. 12

١ - أما التتار: فكان لتسلطهم على بلاد المسلمين أسباب كثيرة منها: أ - ضعف الخلافة العباسية حتى سقوطها. ب - استقلال كثير من البلدان الإسلامية عن الخلافة العباسية. ج - ظهور البدع والنفاق والزندقة، والسحر والشعوذة. أ - أما ضعف الخلافة العباسية: فإنه بعد قتل الخليفة المتوكل على اللَّه جعفر بن المعتصم باللَّه بن هارون الرشيد (١)، بدأ الضعف والتفرق والانقسام يظهر في الخلافة العباسية منذ حينئذٍ، فبدأ الأتراك يفرضون إرادتهم على الخلفاء حيث سيطروا على الدولة العباسية ومؤسساتها وبيت المال فيها بعد قتلهم المتوكل وتنصيب ابنه المنتصر باللَّه محمد خليفة (٢) بعده، وسَخَّروا جميع ذلك لخدمة مصالحهم وأطماعهم، حتى أصبح خلفاء بني العباس ألعوبة بأيديهم، يعزلون ويقتلون من شاءوا ويولون من شاءوا، وكذلك تنافسوا على جمع الأموال والثروات الطائلة، وأخفقت كل محاولات الخلفاء بعد ذلك في استرداد هيبة الخلافة وقوتها، وفي عهد الخليفة المعتمد على اللَّه أحمد بن المتوكل (٣) رجع للخلافة شيء من قوتها وهيبتها إلى وفاته، لكن سرعان ما سيطر القادة الأتراك على الدولة بعد ذلك، ولم يبق للخلفية من الأمر شيء سوى الاسم والدعاء له على المنابر فقط. حتى أنه في خِلافة المستعين _________ (١) جعفر المتوكل على اللَّه أبو الفضل بن المعتصم باللَّه أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد القرشي العباسي البغدادي، الخليفة العباسي العاشر، كان أسمر، مليح العينين، نحيف الجسم، خفيف العارضين، إلى القصر أقرب، وأمه أم ولد، أظهر السنة، وتكلم بها في مجلسه، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة وإظهار السنة، وبسطها ونصر أهلها، يعني محنة خلق القرآن، توفي سنة ٢٤٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٥/ ١٠٩٧). (٢) محمد بن المتوكل، وقيل: الزبير، ولد سنة ٢٢٢ هـ كان أعين، قصيرًا، أقنى، أسمر، ضخم الهامة، عظيم البطن، جسيما، مليح الوجه، مهيبا، بويع بالخلافة في صبيحة الليلة التي قتل فيها المتوكل، ولم تطل مدته فقد توفي سنة ٢٤٨ هـ. انظر: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك لابن الجوزي (١١/ ٣٥٣) وما بعدها. تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا. الناشر: دار الكتب العلمية بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ. (٣) أحمد بن المتوكل على اللَّه جعفر بن المعتصم، أبو العباس، المعتمد على اللَّه: خليفة عباسي، ولد بسامراء، وولي الخلافة سنة ٢٥٦ هـ بعد مقتل المهتدي باللَّه بيومين. وطالت أيام ملكه، وكانت مضطربة كثيرة العزل والتولية، بتدبير الموالي وغلبتهم عليه، فقام وليّ عهده أخوه الموفق باللَّه طلحة فضبط الأمور، وصلحت الدولة وانكفَّت يد المعتمد عن الحكم، توفي سنة ٢٧٩ هـ. انظر: الأعلام لخير الدين الزركلي (١/ ١٠٦).

стр. 13

باللَّه أبي العباس أحمد (١) لم يكن له من الخلافة إلا الاسم، وكان المماليك الأتراك مستولين على المُلْك، وكان الأمر جميعه لكبِيرَي الأتراك وَصِيف (٢) وبُغَا (٣) التُّركيِّين حتى قيل في ذلك: خَلِيفَةٌ فِي قَفَصٍ … بيْنَ وَصيفٍ وبُغَا يَقُولُ ما قَالَا لهُ … كما تقُولُ البَبَّغا (٤) ولما خُلع الخليفة المستعين باللَّه، قال بعض الشعراء أبياتًا يصف ما آلت إليه تلك الأحوال: خُلعَ الْخَلِيفَةُ أحمدُ بنُ محمدٍ … وسيُقتلُ التَّالي لهُ أو يُخلَعُ ويزولُ مُلْكُ بني أبيهِ ولا يُرى … أحدٌ تمَلَّكَ مِنهمُ يَستَمْتِعُ إيهًا بني العباسِ إن سبيلَكُم … في قتلِ أعبُدكم طَريقٌ مَهْيَعُ رَقَّعتُمُ دُنياكُمُ قتُمزَّقَتْ … بكمُ الحياةُ تَمزُّقًا لا يُرقَعُ (٥) ونتيجة لهذه الفوضى قام الخليفة الراضي باللَّه أبو العباس محمد (٦) بإنشاءِ منصب "أمير الأمراء"؛ وذلك بقصد إنقاذ الخلافة العباسية من التدهور والضعف، وإعادة الهيبة والقوة لها، والحد من تسلط الأتراك، وأعطى صاحب هذا المنصب الصلاحيات الواسعة سواءً كانت إداريةً أو عسكريةً أو ماليةً. _________ (١) أحمد بن محمد بن المعتصم باللَّه، وكنيته أبو العباس، ولي إلى أن خلع بسر من رأى بعد دخوله بغداد، وذلك لثلاث عشرة خلت من المحرم سنتين وتسعة أشهر وتسعة أيام، ومات بالقادسية، وكان عمره أربعة وعشرين سنة. انظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (٦/ ٢٥٥). (٢) وَصيف التركي القائد، من كبار الأمراء، استولى على المعتز واحتجر عليه، واصطفى لنفسه الأموال والذخائر، خرج في طائفة يسيرة إلى الخليفة فوثبوا عليه فقتلوه بالدبابيس، وقطعوا رأسه، ونصبوا الرأس على رمح، قُتل وصيف في سنة ٢٥٣ هـ، قبل بغا بيسير، وكانا الفاتقة والراتقة زمن المتوكل، والمستعين، والمعتز. انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (٦/ ٢٢٦). (٣) بُغا الصغير الشّرابيّ، وكان قد تمرّد وطغى، وراح نظيره وصيف، فتفرد واستبد بالأمور، وكان المعتز باللَّه يقول: لا أستلذ بحياة ما بقي بغا، ثم إن بُغا وثب فأخذ من الخزائن مائتي ألف دينار، وتمرد فُقتل بعد ذلك سنة ٢٥٤ هـ. انظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي (٣/ ٢٤٢). (٤) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (٦/ ٥٧) والوافي بالوفيات للصفدي (١٠/ ١١٠) وسط النجوم للعصامي (٣/ ٤٧٣). (٥) انظر: تاريخ الرسل والملوك لمحمد بن جرير الطبري (٩/ ٣٥٠). (٦) الراضي باللَّه أبي العباس محمد بن المقتدر، كانت مده خلافته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام، توفي سنة ٣٢١ هـ. انظر: صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي (١١/ ٢٨٤).

стр. 14

لكن الإصلاح عبر هذا المنصب لم يدم إلا اثنتي عشرة سنة، فكان بعد ذلك سببًا لظهور التنافس الشرس من قِبل الأمراء الأتراك على هذا المنصب، فتمكن بعضهم بسببه من الاستيلاء على بغداد وأصبح بيدهم تولية الخليفة وعزله. وحصل بسببه الاضطراب السياسي، وضعفت نتيجة لذلك كلِّهِ سلطة الخليفة، بحيث أصبح مجردًا من صلاحياته ولم يبق له من الخلافة إلا اسمها. واستمر هذا الحال إلى خلافة المستكفي باللَّه (١)، حيث دخل بنو بويه (٢) بغداد في سنة ٣٣٤ هـ بقيادة أبي الحسين أحمد بن بويه، مع أخَويه أبي الحسن على بن بويه، وأبي على الحسن بن بويه، "ووقف أحمد بن بويه بين يدي الخليفة طويلًا وأخذت عليه البيعة للمستكفي باللَّه واستحلف له بأغلظ الأيمان، ووقعت الشهادة على المستكفي باللَّه وعلى الأمير أبي الحسين، ثم ليس الأمير الخلع ولُقِّبَ بـ "معز الدولة" ولُقِّبَ أخوه أبو الحسن على بن بويه بـ "عماد الدولة" وأخوه أبو علي الحسن بن بويه بـ "ركن الدولة" وأمر أن تُضرب ألقابُهم وكُناهم على الدنانير والدراهم وانصرف بالخلع إلى دار مؤنس، ونزل الديلم والجيل والأتراك دور الناس فلحق الناس من ذلك شدة عظيمة وصار رسمًا عليهم إلى اليوم" (٣). لم يدم الأمر طويلًا فلقد قُبض على الخليفة المستكفي باللَّه من على كرسيه واقتيد وخُلع، ومن حينئذ خضعت الخلافة العباسية للبويهيين خضوعًا تامًا مدة مائةٍ وسبعةٍ وعشرين سنة (٤). وكان آخر أمرائهم أبو نصر "الملك الرحيم" خسرو فيروز بن عماد الدين مرزبان، حيث خُلع سنة ٤٤٧ هـ، وبعد ذلك سُجن ومات مسجونًا (٥). وفي تلك السنة دخل السلاجقة بغداد بقيادة طغرلبك السلجوقي وقضوا على نفوذ البويهيين وأعادوا للخلافة العباسية هيبتها. _________ (١) المستكفي عبد اللَّه بن على المكتفي، ويكنى أبا القاسم، وأمه أم ولد رومية تسمى غصن، ولي الخلافة، وسنه يومئذ إحدى وأربعون سنة وسبعة أيام، وكان في سن المنصور يوم ولي، وكانت خلافته سنة واحدة وأربعة أشهر، وسُملت عيناه، وله ثمان، وقيل ثلاث وأربعون سنة وأشهر. انظر: التنبيه والإشراف للمسعودي (١/ ٣٤٥). (٢) دولة رافضية أعجمية انتشرت بسببها البدع والمحدثات في بلاد العراق. انظر: صفحة (٤٧) من هذا البحث. (٣) انظر: تجارب الأمم وتعاقب الهمم لابن مسكويه (٥/ ٢٧٥) باختصار وتصرف. (٤) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (٩/ ٦١٣). (٥) انظر: تاريخ ابن الوردي لابن الوردي (١/ ٣٤٤ و ٣٥٣).

стр. 15

قال ابن القلانسي:"ولم يزل الأمر على ذلك مستمرًا إلى أن ظهر أمر السلطان ركن الدنيا والدين طغرلبك محمد بن ميكان بن سلجوق (١) وقويت شوكة الترك وانخفضت الدولة البويهية واضمحلت وانقرضت" (٢). وكان دخوله بغداد بسبب مكاتبة الخليفة له واستدعاءه لكف شر البويهيين ووزرائهم (٣). قال الذهبي: "ومَلَكَ طغرلبك العراق، وقمع الرافضة، وزال به شعارهم، وكان عادلًا في الجملة، حليمًا كريمًا محافظًا على الصلوات، يصوم الاثنين والخميس، ويعمر المساجد" (٤). وبهذا يكون قد بدأ عصرٌ جديدٌ من عصور الدولة العباسية حكم فيه السلاجقة العراق وتوسعوا شرقًا وغربًا، واستمرت دولتهم قرنًا ونصف القرن، وسقطت مع سقوط الخلافة العباسية على يد المغول، حيث بدأ اجتياح المغول للبلدان الإسلامية سنة ٦١٧ هـ، فدخلوا بلاد ما وراء النهر خراسان (٥) فدمروها وأفسدوا فيها، وأحرقوا مساجدها وقتلوا كثيرًا من علمائها وأهلها وأتلفوا الكتب، فلم يسلم إلا القليل من الناس (٦). وقال ابن الأثير: "لقد بقيتُ عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسيًا منسيًا، إلا أنني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعا، فنقول: هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق، وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم من خلق اللَّه آدم إلى الآن، لم يبتلوا بمثلها، لكان صادقا، فإن التواريخ _________ (١) السلطان طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق السلطان الكبير ركن الدين أبو طالب طغرلبك أول ملوك السلجوقية أصلهم من بر سنجار وهم قوم لهم عدد وقوة كانوا لا يدخلون تحت طاعة السلطان وإذا قصدهم من لا طاقة لهم به دخلوا المفاوز. انظر: الوافي بالوفيات للصفدي (٥/ ٧٠). (٢) انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (ص ٤٤٢). (٣) انظر: العِبر في خبر من غبر للذهبي (٢/ ٢٨٩). (٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٠٤). (٥) بلاد واسعة، أول حدودها مما يلي العراق ازاذوار قصبة جوين وبيهق، وآخر حدودها مما يلي الهند طخارستان وغزنة وسجستان وكرمان، وتشتمل على أمهات من البلاد منها نيسابور وهراة ومرو، وهي كانت قصبتها، وبلخ وطالقان ونسا وأبيورد وسرخس وما يتخلل ذلك من المدن التي دون نهر جيحون. معجم البلدان لياقوت بن عبد اللَّه الرومي الحموي (٢/ ٣٥٠). (٦) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبري (١/ ٥٨٣).

стр. 16

لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها، ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بخت نصر (١) ببني إسرائيل من القتل وتخريب البيت المقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس؟ وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا؟ فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم، وتفنى الدنيا، إلا يأجوج ومأجوج" (٢). وفي عام ٦٥٦ هـ احتلوا بغداد عاصمة الخلافة العباسية، وقتلوا خليفة المسلمين المستعصم باللَّه العباسي (٣)، واستباحوا بغداد قتلًا وسلبًا ونهبًا. قال الحافظ ابن كثير في أحداث تلك السنة: "فيها أخذت التتار بغداد وقتلوا أكثر أهلها حتى الخليفة وانقضت دولة بني العباس منها" (٤). وقال الذهبي: "ثم دخلت حينئذ التتار بغداد وبذلوا السيف واستمر القتل والسبي نيفًا وثلاثين يومًا، فقَلَّ من نجا، فيقال: إن هولاكو أمر بعد القتلى فبلغوا ألف ألف وثمانمائة ألف وكسر فعند ذلك نودي بالأمان، واشتد الوباء بالشام ولاسيما بدمشق وحلب لفساد الهواء" (٥). وقُتل كثيرٌ من المسلمين، من العلماء والوزراء والعامة، حتى النساء والأطفال لم يسلموا من القتل. قال ابن كثير: "ومالوا على البلد، فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقني الوسخ، وكمنوا كذلك أياما لا يظهرون، وكان الفئام من الناس يجتمعون في الخانات، ويغلقون عليهم الأبواب، فتفتحها التتار إما بالكسر أو بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي المكان، فيقتلونهم في الأسطحة، حتى تجري الميازيب من _________ (١) اسمه نبوخذ نصَّر بن سنحاريب بن كيحسري، من الفرس الأُوَل قبل النبط وقبل بني ساسان وكان يقال للفرس الأول الأشكنان وللنبط الاردوان. انظر: المحبر لمحمد بن حبيب البغدادي (ص ٣٩٤). (٢) انظر: الكامل لابن الأثير (١٠/ ٣٣٣). (٣) آخر خلفاء بني العباس ببغداد، وكانت مدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيامًا، وتقدير عمره سبعًا وأربعين سنة، وكان متدينًا متمسكًا بمذهب أهل السنة والجماعة، على ما كان عليه والده وجده رحمهم اللَّه تعالى، ولم يكن على ما كانوا عليه من التيقظ والهمة، بل كان قليل المعرفة والتدبير والتيقظ نازل الهمة، محبًا للمال مهملًا للأمور يتكل فيها على غيره. انظر: الوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ٢٣١). (٤) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٣٥٦). (٥) انظر: العبر في خبر من غبر للذهبي (٣/ ٢٧٨).

стр. 17

الدماء في الأزقة، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى، ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي (١)، وطائفة من التجار أخذوا لهم أمانا بذلوا عليه أموالا جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم. وعادت بغداد بعدما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها أحد إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة. . . وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين، فقيل: ثمانمائة ألف، وقيل: ألف ألف وثمانمائة ألف. وقيل: بلغت القتلى ألفي ألف نفس. . وقُتل الخطباء والأئمة، وحملة القرآن، وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد. . ولما انقضى أمد الأمر المقدور، وانقضت الأربعون يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها، ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر، فتغيرت صورهم، وأنتنت البلد من جيفهم، وتغير الهواء، فحصل بسببه الوباء الشديد، حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون" (٢). وكان دخولهم بغداد في العشرين من محرم (٣). قال ابن كثير: "وما زال السيف يقتل أهلها أربعين صباحًا، وكان قتل الخليفة المستعصم باللَّه أمير المؤمنين يوم الأربعاء رابع عشر صفر، وعفا قبره، وكان عمره يومئذ ستًا وأربعين سنة وأربعة أشهر، ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام" (٤). وكانت هذه الفتنة العظيمة التي حلت بالمسلمين بسبب الرافضة الحاقدين، وسعيهم لهدم الخلافة والقضاء على الإسلام والمسلمين. قال الذهبي: "كان وزير العراق مؤيّد الدين ابن العَلْقمي رافضيًا جَلْدًة خبيثًا داهيةً، والفتن في استعارٍ بين السّنّة والرّافضة حتّى تجالدوا بالسّيوف، وقُتِل جماعة من الرّوافض ونُهِبوا، وشكا أهل باب البصرة إلى _________ (١) محمد بن محمد بن علي بن أبي طالب الوزير الكبير، المدير المبير مؤيد الدين ابن العلقمي البغدادي، الشيعي الرافضي، وزير الخليفة الإمام المستعصم باللَّه، ولي وزارة العراق أربع عشرة سنة، فأظهر الرفض قليلًا، وكان في قلبه غل على الإسلام وأهله، فأخذ يكاتب التتار، ويتخذ عندهم يدا ليتمكن من أغراضه الملعونة. وهو الذي جرأ هولاكو وقوي عزمه على المجيء، وقرر معه لنفسه أمورا انعكست عليه، وندم حيث لا ينفعه الندم، وولي الوزارة للتتار على بغداد مشاركا لغيره، ثم مرض ولم تطل مدته، ومات غمها وغبنا، فواغبناه كونه مات موتا حتف أنفه، وما ذاك إلا ليدخر له النكال في الآخرة. انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (٣/ ٨٤١ - ٨٤٣). (٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٣٥٩ - ٣٦٢). (٣) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي (٣/ ١٩٣). (٤) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٣٦١).

стр. 18

الأمير رُكْن الدين الدوَيْدار (١) والأمير أبي بكر ابن الخليفة (٢) فتقدّما إلى الجند بنهب الكرخ، فهجموه ونهبوا وقتلو، وارتكبوا من الشّيعة العظائم، فحنق الوزير ونوى الشّرّ، وأمر أهل الكَرْخ بالصبْر والكفّ، وكان المستنصر باللَّه قد استكثر من الْجُنْد حتى بلغ عدد عساكره مائة ألف فيما بَلَغَنَا، وكان مع ذلك يصانع التّتار ويُهاديهم ويُرضيهم. فلمّا استخلف المستعصم كان خليّا من الرّأي والتّدبير، فأشير عليه بقطع أكثر الْجُنْد، وأنّ مصانعة التّتار وإكرامهم يحصل بها المقصود، ففعل ذلك، وأمّا ابن العلْقمي فكاتَبَ التّتار وأطمعهم فِي البلاد، وأرسل إليهم غلامه وأخاه، وسهّل عليهم فتْحَ العراق، وطلب أن يكون نائبَهم، فوعدوه بذلك وتأهّبوا لقصد بغداد (٣). ولكن لم يتم لابن العلقمي الرافضي ما أراد، فلم يَسْلَمْ من القتلِ أهلُ ملتهِ من الرافضة، بل نالتهم السيوف، ولحقت بهم الحتوف. قال ابن الوردي: "أراد ابن العلقمي نُصْرَة الشيعة فنُصر عَلَيْهِم، وحاول الدّفع عنهُم فدُفع إليهم، وسعى وَلَكِن في فسادهم، وعاضد وَلَكِن على سبي حريمهم وَأَوْلَادهم، وَجَاء بجيوش سلبت عَنهُ النِّعْمَة، ونكبت الإِمَامَ والأمَّة، وسفكت دِمَاء الشِّيعَة وَالسّنة، وخلدت عَلَيْهِ الْعَار واللعنة: وأتى الخائنُ الْخَبيث بمُغْلٍ … طبقَ الأَرْضَ بَغْيُهُمْ تَطبيقَا هَكَذَا يَنصُرُ الجَهولُ أَخَاهُ … وَمِنَ البرِّ مَا يكون عُقُوقَا (٤) بعد ذلك توجه التتار لغزو الشام، فأرسل هولاكوا عدة رسائل إلى سلاطين المماليك بالشام يطلب منهم الاستسلام ويتهددهم ويتوعدهم (٥). وبدأ تحركهم نحو الشام "ففي جمادى الأولى من سنة سبع وخمسين وستمائة نزل حرّان (٦) واستولى عليها وملك بلاد الجزيرة (٧)، ثمّ سيّر ولده أشموط بن هولاكو إلى الشام وأمره بقطع الفرات وأخذ البلاد الشاميّة، _________ (١) الملك، مقدم جيش العراق، مجاهد الدين أيبك الدويدار الصغير أحد الأبطال المذكورين والشجعان الموصوفين الذي كان يقول: لو مكنني أمير المؤمنين المستعصم، لقهرت التتار، ولشغلت هولاكو بنفسه. انظر: السير للذهبي (٢٣/ ٣٧١). (٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٣٦١). (٣) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٤/ ٦٧٠). (٤) انظر: تاريخ ابن الوردي (٢/ ١٩٠). (٥) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٤/ ٦٧٠ - ٦٧٧). (٦) مدينة عظيمة مشهورة من جزيرة أقور، وهي على طريق الموصل والشام والروم. انظر: معجم البلدان لياقوت (٢/ ٢٣٥). (٧) بلاد يحيط بها من جهاتها الأربع نهر دجلة والفرات. انظر: حدود العالم من المشرق إلى المغرب (١/ ١٦٢).

стр. 19

وسيّره في جمع كثيف من التّتار، فوصل إلى نهر الجوز (١) وتلّ باشر (٢)، وأخذوا حلب (٣) في ثاني صفر من سنة ثمان وخمسين وستمائة وحاصروها حتّى استولوا عليها في تاسع صفر بالأمان، فلمّا ملكوها غدروا بأهل حلب وقتلوا ونهبوا وسبوا وفعلوا تلك الأفعال القبيحة على عادة فعلهم. وكان رسل التّتار بقرية حَرَسْتَاء (٤) فدخلوا دمشق ليلة الاثنين سابع عشر صفر، وقرئ بعد صلاة الظهر فرمان -أعني مرسوما- جاء من عند ملك التّتار يتضمن الأمان لأهل دمشق وما حولها، وشرع الأكابر في تدبير أمرهم. ثم وصلت التّتار إلى دمشق في سابع عشر شهر ربيع الأوّل، فلقيهم أعيان البلد أحسن ملتقى وقرئ ما معهم من الفرمان المتضمّن الأمان، ووصلت عساكرهم من جهة الغوطة (٥) مارّين من وراء الضّياع إلى جهة الكُسْوة (٦)، وأهلكوا في ممّرهم جماعة كانوا قد تجمّعوا وتحزّبوا، فقتلوا الرجال وسَبَوا النساء والصّبيان، واستاقوا من الأسرى والأبقار والأغنام والمواشي شيئًا كثيرًا" (٧). عزم التتار بعد ذلك على التوجه إلى مصر لاحتلالها كما احتلوا قبلها العراق ثم الشام، وكان سلطان دمشق هو الملك الناصر (٨)، وسلطان مصر الملك المظفر قطز (٩)، فتوجه الملك المظفر قطز ومعه الملوك والأمراء _________ (١) ناحية ذات قرى وبساتين ومياه بين حلب والبيرة التي على الفرات وأهل قراها كلهم أرمن. انظر: معجم البلدان لياقوت (٢/ ١٨٣). (٢) قلعة حصينة، وكورة واسعة في شماليّ حلب، بينها وبين حلب يومان. انظر: مراصد الاطلاع لعبد المؤمن القطيعي (١/ ٢٦٩). (٣) مدينة عظيمة واسعة كثيرة الخيرات طيبة الهواء صحيحة الأديم والماء. انظر: معجم البلدان لياقوت (٢/ ٢٨٢). (٤) قرية كبيرة عامرة وسط بساتين دمشق على طريق حمص، بينها وبين دمشق أكثر من فرسخ. انظر: نفس المصدر (٢/ ٢٤١). (٥) هي الكورة التي منها دمشق، كلها أشجار وأنهار متصلة قلّ أن يكون بها مزارع للمستغلّات إلا في مواضع كثيرة، وهي بالإجماع أنزه بلاد اللَّه وأحسنها منظرا، وهي إحدى جنان الأرض الأربع. انظر: معجم البلدان لياقوت (٤/ ٢١٩). (٦) ضيعة ومنزل ومنها إلى دمشق اثنا عشر ميلا. انظر: المسالك والممالك الحسن المهلبي العزيزي (١/ ٦٣). (٧) انظر: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لأبي المحاسن ابن تغري بردي (٧/ ٧٤ - ٧٩). (٨) الملك الناصر صلاح الدين بن يوسف بن العزيز محمد بن الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين، ولد سنة ٦٢٧ هـ وسلطنوه بعد أبيه سنة ٦٣٤ هـ، كان حليمًا جوادًا موطأ الأكتاف حسن الأخلاق محببًا إلى الرعية فيه عدل في الجملة وقلة جور وصفح، خُدع وعُمل عليه حتى وقع في قبضة التتار فذهبوا به إلى هلاوو فأكرمه، ثم قتله بعد ذلك سنة ٦٥٩ هـ. انظر: العبر للذهبي (٣/ ٢٩٧). (٩) السلطان الشهيد الملك المظفر، سيف الدين المعزي، كان أكبر مماليك الملك المعز أيبك التركماني، وكان بطلًا شجاعًا، مقدامًا، حازمًا، حسن التدبير، يرجع إلى دين وإسلام وخير، وله اليد البيضاء في جهاد التتار، فعوض اللَّه شبابه بالجنة ورضي عنه، توفي سنة ٦٥٨ هـ. انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٤/ ٨٨٧).

стр. 20

والقواد لملاقاة التتار وقتالهم، فالتقوا في عين جالوت (١)، فهزم اللَّهُ التتار شر هزيمة، وانتصر المسلمون انتصارًا عظيمًا وذلك في سنة ٦٥٨ هـ. قال ابن كثير: "واتفق وقوع هذا كله في العشر الأخير من رمضان من هذه السنة، فما مضت سوى ثلاثة أيام حتى جاءت البشارة بنصرة المسلمين على التتار بعين جالوت وللَّه الحمد، وذلك أن الملك المظفر قطز صاحب الديار المصرية لما بلغه أن التتار قد فعلوا بالشام ما ذكرنا، وقد نهبوا البلاد كلها حتى وصلوا إلى غزة (٢)، وقد عزموا على الدخول إلى الديار المصرية، وقد عزم الملك الناصر صاحب دمشق على الرحيل إلى مصر، وليته فعل، وكان في صحبته الملك المنصور (٣) صاحب حماة، وخلق من الأمراء وأبناء الملوك، وقد وصل إلى قَطْيَة (٤)، وتهيأ الملك المظفر للقائه وأرسل إليه وإلى المنصور مستحثين، وأرسل إليه يقول: تقدم حتى نكون كتفًا واحدًا على التتار. . . والمقصود أن المظفر لما بلغه ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة وأنهم عازمون على الدخول إلى الديار المصرية بعد تمهيد مملكتهم بالشام بادرهم هو قبل أن يبادروه، وبرز إليهم، أيده اللَّه تعالى، وأقدم عليهم قبل أن يقدموا عليه، فخرج بالعساكر المصرية، وقد اجتمعت الكلمة عليه، حتى انتهى بمن معه من العساكر المنصورة إلى الشام واستيقظ له عسكر المغول، فكان اجتماعهم على عين جالوت يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان، فاقتتلوا قتالًا عظيمًا شديدًا، فكانت النصرة وللَّه الحمد للإسلام وأهله، فهزمهم المسلمون هزيمة هائلة. . . واتبعهم الجيش الإسلامي يقتلونهم في كل موضع وفي كل مأزق. . . وهرب من بدمشق منهم، وكان هربهم منها يوم الأحد ٢٧ من رمضان صبيحة النصر الذي جاءت فيه البشارة بالنصرة على عين جالوت، فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون ويأسرون وينهبون الأموال فيهم، ويفكون الأسارى من أيديهم قهرًا، وللَّه الحمد والمنن على جبره الإسلام، ومعاملته إياهم بلطفه الحسن، وجاءت بذلك البشارة السارة، فجاوبتها البشائر من القلعة المنصورة وفرح المؤمنون يومئذ بنصر اللَّه فرحًا شديدًا، وأيد اللَّه الإسلام _________ (١) بليدة بين بيسان ونابلس من فلسطين. انظر: نهر الذهب في تاريخ حلب لكامل بن حسين الغزي (٣/ ١٣٥). (٢) مدينة في أقصى الشام من ناحية مصر، وهي من نواحي فلسطين غربي عسقلان. معجم البلدان الياقوت (٤/ ٢٠٢). (٣) الملك المنصور، ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي صاحب حماة، وأبو ملوكها، كانت دولته ثلاثين سنة، وقد هزم الفرنج مرتين، جمع في خزانته من الكتب ما لا مزيد عليه، وكان في خدمته ما يناهز مائتي معمم من الفقهاء والأدباء والنحاة والمنجمين والفلاسفة والكتبة، وكان كثير المطالعة والبحث، بنى سورا لحماة ولقلعتها. توفي سنة ٦٨٣ هـ. انظر: السير للذهبي (٢٢/ ١٤٦). (٤) قرية في طريق مصر في وسط الرمل قرب الفرما. معجم البلدان لياقوت (٤/ ٣٧٨).

стр. 21

وأهله تأييدًا، وكُبِتَ أعداءُ اللَّه النصارى واليهودُ والمنافقون، وظهر دين اللَّه وهم كارهون، ونصر اللَّه دينه ونبيه ولو كره الكافرون" (١). عاد التتار بعد ذلك لغزو بلاد الشام في شهر رجب عام ٦٨٠ هـ، وأفسدوا في طريقهم ودخلوا حماة فقتلوا وأحرقوا، وكان المسلمون بقيادة السلطان المنصور سيف الدين قلاوون، فعسكروا بظاهر حمص (٢)، فلما كان يوم الخميس رابع عشره التقى الجمعان عند طلوع الشمس، وكان عدد التتار على ما قيل مائة ألف فارس أو يزيدون، وعسكر المسلمين على مقدار النصف من ذلك أو أقل، وتواقعوا من ضحوة النهار إلى آخره، وكانت وقعة عظيمة لم يشهد مثلها في هذه الأزمان، ولا من سنين كثيرة. . واضطربت ميمنة المسلمين، وحمل التتار على ميسرة المسلمين، فكسروها وانهزم من بها، وكذلك جناح القلب الأيسر، وثبت الملك المنصور سيف الدين قلاوون في جمع قليل بالقلب ثباتًا عظيمًا، ووصل جماعة كثيرة من التتر خلف المنكسرين من المسلمين إلى بحيرة حمص، وأحدق جماعة من التتر بحمص، وهي مغلقة الأبواب، وبذلوا نفوسهم وسيوفهم في من وجدوه من العوام، والسوقة، والغلمان، والرجالة المجاهدين ظاهرها، فقتلوا منهم جماعة كثيرة، وأشرف الإسلام على خطة صعبة، ثم أن أعيان الأمراء ومشاهيرهم وشجعانهم. . . لما رأوا ثبات السلطان ردوا على التتار وحملوا فيهم عدة حملات فكسروهم كسرة عظيمة، فتمت هزيمتهم، وقتلوا مقتلة عظيمة تجاوز الوصف. . . فضربت البشائر على قلعة دمشق وسر الناس، وزينت القلعة والمدنية، وأوقدت الشموع" (٣). وفي عام ٦٩٩ هـ تواترت الأخبار بقصد التتر إلى بلاد الشام، وقد خاف الناس من ذلك خوفًا شديدًا، وجفل الناس من بلاد حلب وحماة، وخرج السلطان من الديار المصرية قاصدًا الشام، ولما وصل السلطان إلى وادي الخزندار (٤) عند وادي سَلَمْيَة (٥)، التقى التتار هناك يوم الأربعاء السابع والعشرين من ربيع الأول، فالتقوا معهم، فكَسَروا المسلمين، وولى السلطان هاربًا، وقد هرب جماعة من أعيان البلد وغيرهم إلى الديار المصرية، وكان سلطان التتار قد قصد دمشق بعد الوقعة، فاجتمع أعيان البلد والشيخ تقي الدين ابن تيمية _________ (١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٣٩٩ - ٤٠٢). (٢) بلد مشهور قديم كبير مسوّر، وهي بين دمشق وحلب في نصف الطريق. انظر: نفس المصدر لياقوت (٢/ ٣٠٢). (٣) انظر: ذيل مرآة الزمان لقطب الدين اليونيني (٤/ ٩١ - ٩٥) والمختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي (٤/ ١٤). (٤) وادي يقع على بعد ثلاثة فراسخ من حمص. انظر: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل اللَّه العمري (٢٧/ ٤٨٤). (٥) بلد من أعمال قنسرين بثغور الشام على طرف البادية، بينه وبين حمص مرحلة. انظر: الروض المعطار لمحمد الحِميري (١/ ٣٢٠).

стр. 22

واتفقوا على المسير إلى قازان (١) لتلقيه، وأخذ الأمان منه لأهل دمشق، فتوجهوا يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر، فاجتمعوا به وكلمه الشيخ تقي الدين ابن تيمية كلامًا قويًا شديدًا، فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين، وفي يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى توجه السلطان قازان إلى بلاده نحو بلاد العراق، وترك نوابه بالشام في ستين ألف مقاتل، وجاء كتابه: إنا قد تركنا نوابنا بالشام في ستين ألف مقاتل، ومن عزمنا العود إليها في زمن الخريف، والدخول إلى الديار المصرية وفتحها (٢). وفي عام ٧٠٢ هـ عاد التتار لغزو بلاد الشام بقيادة قازان، وفي الثاني من شهر رمضان حصلت معركة عظيمة بِمَرْجِ الصُّفَّرِ (٣) في وادي شَقْحَبٍ (٤) بين المسلمين والتتار، انتهت بانتصار الإسلام وأهله انتصارًا عظيمًا (٥). وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ممن جاهد ونصح وشجع، وكان قبل ذلك قد ذهب لمصر ودخل على السلطان الملك الناصر فاجتمع بأركان الدولة واستصرخ بهم وحضهم على الجهاد وتلا عليهم الآيات والأحاديث وأخبرهم بما أعد اللَّه للمجاهدين من الثواب فاستفاقوا وقويت هممهم (٦)، فكان له ﵀ ورضي عنه دورٌ عظيمٌ في تشجيع الناس وحثهم على القتال، وأقسم لهم بأنهم منصورون، وأفتاهم بجواز الفطر في نهار رمضان ليتقووا على الجهاد، ولم ينصرف عنهم بل جاهد بنفسه وقاتل قتالًا يفوق الوصف. قال ابن كثير: "وكان الشيخ تقي الدين ابن تيمية يحلف للأمراء والناس: إنكم في هذه الكرة منصورون على التتار، فيقول له الأمراء: قل إن شاء اللَّه، فيقول: إن شاء اللَّه تحقيقًا لا تعليقًا، وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب اللَّه" (٧). _________ (١) قازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طلو بن جنكزخان، هلك بنواحي الري، في أواخر سنة ٧٠٣ هـ، وكان قد ملك في أواخر سنة ٦٩٤ هـ، فيكون مدة مملكته ثمان سنين وعشرة أشهر، وكان قد اشتد همه بسبب هزيمة عسكره وكسرتهم على مرج الصفر سنة ٧٠٣ هـ، فلحقه حمى حادة ومات مكمودًا. انظر: المختصر لأبي الفداء الأيوبي (٤/ ٥٠). (٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٧١٨ - ٧٢٥). (٣) صحراء بين دمشق والجولان، وهو مرج الصّفّر، بضم أوله، وفتح ثانيه، وتشديده، وبعده راء مهملة. انظر: مراصد الاطلاع للقطيعي (٢/ ٨٤٤). (٤) قرية شقحب من عمل دمشق. خطط الشام لمحمد بن عبد الرزاق بن محمد، كُرْد علي (١/ ٢٧٦). (٥) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي (٤/ ٤٨)، والبداية والنهاية لابن كثير (١٤/ ٢٩). (٦) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي (ص ١٣٥). (٧) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٢٣).

стр. 23

وقال ابن عبد الهادي: "وفي أول شهر رمضان من سنة ٧٠٢ هـ كانت وقعة شَقحَب المشهورة وحصل للناس شدة عظيمة وظهر فيها من كرامات الشيخ وإجابة دعائه وعظيم جهاده وقوة إيمانه وشدة نصحه للإسلام وفرط شجاعته ونهاية كرمه وغير ذلك من صفاته ما يفوق النعت ويتجاوز الوصف" (١). وكانت هذه آخر غزوة للتتار على بلاد الإسلام حيث هزمهم اللَّه شر هزيمة، ولم يقم لهم بعد ذلك قائمة، وللَّه الحمد والمنة. ب - وأما استقلال كثير من البلدان الإسلامية عن الخلافة العباسية: فمنذ ضَعْفِ الدولةِ العباسيةِ -كما مر معنا سابقًا- أخذتِ الدُّولُ المستقلةُ تنتشر في العالم الإسلامي، وهذا أدى في بعض الأحيان إلى مزيد من الضعف والتشرذم والتناحر على المُلك والسلطة، بل أصبح بعضهم يتسمى باسم "أمير المؤمنين". وغلبت على الدنيا الطوائف، فصارت واسط (٢) والبصرة (٣) والاهواز (٤) في يدي البريدي (٥)، وفارس (٦) في يد _________ (١) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي (ص ١٩١). (٢) مدينة بين الكوفة والبصرة من الجانب الغربي، كثيرة الخيرات وافرة الغلات. تشقها دجلة. انظر: آثار البلاد للقزويني (ص ٤٧٨). (٣) البصرة بالعراق، وهي كانت قبة الإسلام، ومقر أهله، بنيت في خلافة عمر ﵁ سنة أربع عشرة واختط عتبة بن غزوان المنازل بها وبنى مسجدًا من قصب. انظر: الروض المعطار لمحمد الحِميري (ص ١٠٥). (٤) الأهواز جمع هوز، وأصله حوز، فلما كثر استعمال الفرس لهذه اللفظة غيّرتها حتى أذهبت أصلها جملة لأنه ليس في كلام الفرس حاء مهملة، وإذا تكلّموا بكلمة فيها حاء قلبوها هاء فقالوا في حسن هسن، وفي محمّد مهمّد، ثم تلقّفها منهم العرب فقلبت بحكم الكثرة في الاستعمال، وعلى هذا يكون الأهواز اسما عربيًا سمّي به في الإسلام، وكان اسمها في أيام الفرس خوزستان. معجم البلدان (٤/ ٢٨٤) وقال القزويني: ناحية بين البصرة وفارس، ويقال لها خوزستان، بها عمارات ومياه وأودية كثيرة، وأنواع الثمار والسكر والرز الكثير. انظر: آثار البلاد (ص ١٥٢). (٥) أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد البريدي كان وزيرا للمقتفي العباسي، ثم خلعه واستولى على الأهواز والبصرة، وكان قد قتل أخاه لكونه يذكر عيوبه فلم يمتع بعده وأخذته الحمى أسبوعا فهلك في سنة ٣٣٣ هـ. انظر: التاريخ للذهبي (٧/ ٦٣٠). (٦) ولاية واسعة وإقليم فسيح، أول حدودها من جهة العراق أرّجان ومن جهة كرمان السّيرجان ومن جهة ساحل بحر الهند سيراف ومن جهة السند مكران، قال أبو علي في القصريات: فارس اسم البلد وليس باسم الرجل ولا ينصرف لأنه غلب عليه التأنيث كنعمان وليس أصله بعربي بل هو فارسيّ معرب أصله بارس وهو غير مرتضى فعرّب فقيل فارس. المعجم لياقوت (٤/ ٢٢٦).

стр. 24

علي بن بويه (١)، وكرمان (٢) في يد أبي على بن إلياس (٣)، والري (٤) وأصبهان (٥) والجبل في يد ركن الدولة أبي علي بن بويه ووشمكير (٦)، والموصل وديار ربيعه (٧) وديار بكر (٨) في يد بني حمدان (٩)، ومصر والشام في يد محمد بن طغج (١٠)، والمغرب وإفريقية في يد أبي تميم (١١)، والأندلس في يدي الأموي (١٢)، وخراسان وما وراء النهر في يد _________ (١) كان علي بن بويه أحد قواد مرداويج الديلمي، فانفرد عنه وحارب أمير فارس محمد بن ياقوت فهزمه واستولى على مملكة فارس، وهذا أول ظهور بني بويه، وكان أبوه بويه من أوساط الناس. انظر: العبر للذهبي (٢/ ١٣). (٢) ولاية مشهورة وناحية كبيرة معمورة بين فارس ومكران وسجستان وخراسان. المصدر السابق (٤/ ٤٥٤). (٣) انظر: الكامل لابن الأثير (٧/ ١٦ و ٣٨). (٤) كورة معروفة تنسب إلى الجبل وليست منه بل هي أقرب إلى خراسان، انظر: الروض المعطار للحميري (ص ٢٧٨). (٥) منهم من يفتح الهمزة، وهم الأكثر، وكسرها آخرون، منهم: السمعاني وأبو عبيد البكري الأندلسي: وهي مدينة عظيمة مشهورة من أعلام المدن وأعيانها، ويسرفون في وصف عظمها حتى يتجاوزوا حدّ الاقتصاد إلى غاية الإسراف، وأصبهان: اسم للإقليم بأسره، انظر: معجم البلدان لياقوت (١/ ٢٠٦). (٦) وشمكير بن زيار ملك الديلم بعد أخيه مرداويج، وحكم على مدائن الجبل وغيرها، وكان بنو بويه من أمراء أخيه مرداويج، ثم استقلوا عنهم، وقتل وشمكير سنة ٣٥٦ هـ. انظر: المختصر لأبي الفداء الأيوبي (٢/ ١٠٧). (٧) ديار ربيعة بين الموصل إلى رأس عين، نحو بقعاء الموصل ونصّيبين ورأس عين ودنيسر والخابور جميعه، وما بين ذلك من المدن والقرى وربما جمع ذلك بين ديار بكر وديار ربيعة وسمّيت كلّها ديار ربيعة لأنهم كلهم ربيعة. مراصد الاطلاع للقطيعي (٢/ ٥٤٨). (٨) ديار بكر ناحية ذات قرى ومدن كثيرة بين الشام والعراق قصبتها الموصل وحران وبها دجلة والفرات. انظر: آثار البلاد للقزويني (١/ ٣٦٨). (٩) أسرة عربية تغلبية، ينتسبون إلى حمدان بن حمدون التغلبي، كانوا شيعة رافضة، وكانت ابتداء دولتهم في أوائل القرن الرابع الهجري، وحكموا الموصل وحلب وغيرها، ونشروا البدع الرافضية وأخفوا معالم السنة الحنيفية، وانقرضت دولتهم في أواخر ذلك القرن. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٤٠٥) وديوان المبتدأ والخبر لابن خلدون الإشبيلي (٤/ ٢٩٠). (١٠) الإخشيد، أبو بكر محمد بن طغج بن جفّ التركي الفرغاني، صاحب مصر والشام، ولي ديار مصر سنة إحدى وعشرين، ثم أضيف إليه دمشق وغيرها في سنة ثلاث وعشرين. والإخشيد بالتركي: ملك الملوك؛ وطغج عبد الرحمن، وهو من أولاد ملوك فرغانة، وكان جدّه جفّ من الترك الذين حملوا إلى المعتصم، فأكرمه وقرّبه. توفي سنة ٣٣٤ هـ. العبر للذهبي (٢/ ٤٥). (١١) أبو تميم المعز لدين اللَّه مَعَد العبيدي أحد ملوك العبيديين الذين حكموا مصر، توفي سنة ٣٦٥ هـ. انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (ص ٢٧). (١٢) أمير المؤمنين الناصر لدين اللَّه عبد الرحمن بن محمد الأموي، دامت دولته خمسين سنة، صاحب الفتوحات الكثيرة، والغزوات المشهورة، وهو أول من تلقب بألقاب الخلافة، وذلك لما بلغه قتل المقتدر، ووهن الخلافة العباسية، فقال: أنا أولى بالاسم والنعت. توفي سنة ٣٥٠ هـ. انظر: السير للذهبي (١٥/ ٥٦٣).

стр. 25

نصر بن أحمد (١)، وطبرستان (٢) وجرجان (٣) في يد الديلم (٤)، واليمامة (٥) والبحرين (٦) في يد أبي طاهر (٧) الجنابي" (٨). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "حين تولى المقتدر ولم يكن بلغ بعد وهو مبدأ انحلال الدولة العباسية؛ ولهذا سُمِّي حينئذ بأمير المؤمنين الأموي الذي كان بالأندلس، وكان قبل ذلك لا يسمى بهذا الاسم ويقول: لا يكون للمسلمين خليفتان. فلما ولي المقتدر قال: هذا صبي لا تصح ولايته، فسُمي بهذا الاسم، وكان بنو عبيد اللَّه القداح الملاحدة يُسمون بهذا الاسم" (٩). _________ (١) نصر بن أحمد بن إسماعيل الساماني صاحب خراسان وما وراء النهر، وقد مرض قبل موته بالسل سنة وشهرا، واتخذ في داره بيتا سماه بيت العبادة، فكان يلبس ثيابا نظافا، ويمشي إليه حافيا، ويصلي فيه، ويتضرع ويكثر الصلاة، وكان يجتنب المنكرات والآثام إلى أن مات ﵀. توفي سنة ٣٣١ هـ. البداية والنهاية لابن كثير (١٥/ ١٥١). (٢) بلدان واسعة كثيرة يشملها هذا الاسم، خرج من نواحيها من لا يحصى كثرة من أهل العلم والأدب والفقه، والغالب على هذه النواحي الجبال، فمن أعيان بلدانها دهستان وجرجان واستراباذ وآمل، وهي قصبتها، وسارية، وهي مثلها، وشالوس، وهي مقاربة لها، وربما عدّت جرجان من خراسان إلى غير ذلك من البلدان. معجم البلدان لياقوت (٤/ ١٣). (٣) مدينة جرجان على نهر الديلم. افتتح بلد جرجان سعيد بن عثمان في ولاية معاوية، ثم انغلقت وارتدّ أهلها عن الإسلام حتى افتتحها يزيد بن المهلّب في ولاية سليمان بن عبد الملك بن مروان. البلدان لليعقوبي (ص ٩٢). (٤) المقصود بهم بنو بويه الرافضة. انظر: السير للذهبي (٨/ ٧٦). (٥) بين اليمامة والبحرين عشرة أيام، وهي معدودة من نجد وقاعدتها حجر، وتسمى اليمامة جوّا والعروض، بفتح العين، وكان اسمها قديما جوّا فسميت اليمامة باليمامة بنت سهم بن طسم. معجم البلدان لياقوت (٥/ ٤٤٢). (٦) اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان، قيل هي قصبة هجر، وقيل: هجر قصبة البحرين وقد عدّها قوم من اليمن وجعلها آخرون قصبة برأسها، وفيها عيون ومياه وبلاد واسعة، وربما عدّ بعضهم اليمامة من أعمالها والصحيح أن اليمامة عمل برأسه في وسط الطريق بين مكة والبحرين. معجم البلدان لياقوت (١/ ٣٤٧). (٧) عدو اللَّه، ملك البحرين، أبو طاهر سليمان بن حسن القرمطي الجنابي الأعرابي، الزنديق، الذي سار إلى مكة في سبع مائة فارس، فاستباح الحجيج كلهم في الحرم، واقتلع الحجر الأسود، وردم زمزم بالقتلى، فقتل في سكك مكة وما حولها زهاء ثلاثين ألفا، وسبى الذرية، وأقام بالحرم ستة أيام، بذل السيف في سابع ذي الحجة، وعرى البيت، وأخذ بابه، ورجع إلى بلاد هجر، وبقي الحجر الأسود عندهم نيفا وعشرين سنة ثم هلك بالجدري -لا ﵀ في رمضان سنة ٣٠٢ هـ بهجر كهلا. السير للذهبي (١٥/ ٣٢٠). (٨) انظر: صلة تاريخ الطبري لعريب القرطبي (١١/ ٣٠٧). (٩) انظر: الفرقان بين الحق والباطل ضمن مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٣/ ١٧٨).

стр. 26

لقد ظهرت دول كثيرة واستقلت عن الخلافة العباسية وإن كان بعضها يتبع لها اسميًا فقط، وقد مرَّ بنا سابقًا ذكرُ عدد من تلك الدول كالبويهيين الرافضة والسلاجقة السنية، ونذكر هنا -على سبيل المثال لا الحصر- بعضًا آخر من تلك الدول التي استقلت عن الخلافة العباسية: - الدولة الطولونية: ومؤسسها بمصر أحمد بن طولون التركي (١) كان مملوكًا تركيًّا، وقد استمرت من سنة ٢٥٤ هـ حتى سنة ٢٩٢ هـ (٢). - الدولة العبيدية: دولة باطنية أسسها عبيد اللَّه بن محمد المهدي (٣)، أُسست في سجلماسة (٤) في بلاد المغرب العربي سنة ٢٩٧ هـ، وقد أسقطت كثيرًا من الدول القائمة ببلاد المغرب (٥)، سموا أنفسهم بالفاطميين نسبة إلى فاطمة ﵂، ودخل قائدهم ومقدم جيوشهم جوهر الصقلي (٦) مصر سنة ٣٥٨ هـ (٧)، ثم انتقل حاكمهم المتسمي _________ (١) أمير الديار المصرية والشامية أبو العباس أحمد بن طولون، كان له أربعة عشر ألف مملوك، وكان كريمًا شجاعًا مهيبًا حازمًا لبيبًا، كان طائش السيف. فأحصي من قتله صرًا، أو مات في سجنه. فكانوا ثمانية عشر ألفًا، وكان يحفظ القرآن، وأوتي حسن الصوت به. وكان كثير التلاوة. وكان أبوه أحمد من مماليك المأمون مات سنة ٢٤٠ هـ، وملك أحمد الديار المصرية ست عشر سنة، توفي سنة ٢٧٠ هـ. انظر: العبر للذهبي (١/ ٣٨٩). (٢) انظر: المنتظم لابن الجوزي (١٢/ ٢٣١) والكامل لابن الأثير (٦/ ٥٤٣). (٣) أول من قام من الخلفاء الخوارج العبيدية الباطنية الذين قلبوا الإسلام، وأعلنوا بالرفض، وأبطنوا مذهب الإسماعيلية (٢)، وبثوا الدعاة، يستغوون الجبلية والجهلة. وادعى هذا المدبر، أنه فاطمي من ذرية جعفر الصادق. انظر: السير للذهبي (١٥/ ١٤٨). (٤) مدينة في جنوبي المغرب في طرف بلاد السودان، بينها وبين فاس عشرة أيّام تلقاء الجنوب، وهي في منقطع جبل درن، وهي في وسط رمال كرمال زرود ويتصل بها من شماليها جدد من الأرض. انظر: معجم البلدان لياقوت (٣/ ١٩٢). (٥) انظر: اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء للمقريزي (١/ ٦٦). (٦) جوهر أبو الحسن الرومي المُعزي قدم من جهة مولاه المعز في جيش عظيم في سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، فاستولى على إقليم مصر وأكثر الشام، واختط القاهرة، وبنى بها دار الملك، وكان عالي الهمة نافذ الأمر، وتهيأ له أخذ البلاد بمكاتبة من أمراء مصر، قلت عليهم الأموال، وكان جوهر هذا حسن السيرة في الرعايا عاقلا أدبيا شجاعا مهيبا، لكنه على نحلة بني عبيد التي ظاهرها الرفض، وباطنها الانحلال، وعموم جيوشهم بربر وأهل زعارة وشر لا سيما من تزندق منهم، فكانوا في معنى الكفرة، فيا ما ذاق المسلمون منهم من القتل والنهب وسبي الحريم ولا سيما في أوائل دولتهم، مات سنة ٣٨١ هـ. انظر: السير للذهبي (١٦/ ٤٦٨). (٧) انظر: اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء للمقريزي (١/ ١١٤).

стр. 27

بالمعز لدين اللَّه إلى مصر سنة ٣٦٢ هـ (١)، وأصبحت مصر دار حكمهم، واستقر بهم المقام فيها، وقد استمر حكمهم أكثر من قرنين من الزمان، وانتهى بالمتسمي بالعاضد لدين اللَّه عبد اللَّه بن يوسف (٢) عام ٥٦٧ هـ (٣)، حيث أسقط حكمهم صلاح الدين الأيوبي ﵀ ورضي عنه، وكانوا أهل ضلال وإلحاد، باطنية قرامطة، انتسبوا زورًا إلى فاطمة ﵂ وهي منهم براء. قال أبو شامة: "يدَّعون الشرف ونسبتهم إلى مجوسي أو يهودي، حتى أشتهر لهم ذلك بين العوام فصاروا يقولون: الدولة الفاطمية والدولة العلوية، وإنما هي الدولة اليهودية أو المجوسية الباطنية الملحدة" (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهم ملاحدة في الباطن، خارجون عن جميع الملل، أكفر من الغالية كالنصيرية، ومذهبهم مركب من مذهب المجوس والصابئة والفلاسفة، مع إظهار التشيع، وجدهم رجل يهودي كان ربيبة لرجل مجوسي، وقد كانت لهم دولة وأتباع" (٥). - الدولة السامانية: ومؤسسها هو السلطان إسماعيل بن أحمد الساماني في سنة تسع وسبعين ومائتين (٦)، ولم يُر مثله في ضبطه وسياسته فإنه نزل في هذه النواحي وكان نزوله في أيام الحصاد في دخل رجل من أصحابه بيدرا ولا كرما ولا أخذ قفين شعير إلا بالثمن ومع ذلك استحل من أرباب الضياع وأجازهم بال وانصرف إلى خراسان _________ (١) انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (١/ ٢٧). (٢) عبد اللَّه العاضد لدين اللَّه، أبو محمد بن يوسف العبيدي المصري الرافضي الذي يزعم هو وبيته أنهم فاطميون وهو آخر خلفاء مصر، كان رافضيا سبابا خبيثا، إذا رأى سنيا استحل دمه، وأزال اللَّه تلك الدولة المخذولة. وكانوا أربعة عشر متخلفا لا مستخلفا، توفي العاضد سنة ٥٦٧ هـ. انظر: التاريخ للذهبي (١٢/ ٣٩٧). (٣) انظر: السير للذهبي (١٥/ ٢٠٧). (٤) انظر: الروضتين في أخبار الدولتين لأبي شامة (٢/ ٢١٦). (٥) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٨/ ٢٥٨). (٦) انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (٦/ ٤٢٤).

стр. 28

والناس يدعون له، وكان إسماعيل أول ملوك السامانية، توفي ببخاري (١) سنة ٢٩٥ هـ، منعوتا بالعدل والرافة موسوما بطاعة الخلافة ﵀ (٢)، واستمرت حتى سنة ٣٩٥ هـ (٣). - الدولة الغَزنوية: ومن أشهر سلاطينها السلطان يمين الدولة محمود بن سُبُكتكين الغزنوي (٤) حيث بلغت الدولة الغزنوية في عهده ذروة ازدهارها، فألغى الدعوة للسامانيين في الخطبة بمملكته، وخطب للخليفة العباسي القادر باللَّه (٥)، "وكان الخليفة قد بعث إليه الخلع ولقبه بيمين الدولة وأمين الملة ثم أضيف إلى ذلك نظام الدين ناصر الحق" (٦) وهو "أول من لُقب بالسلطان لم يلقب به أحد قبله" (٧) وقد استمرت من سنة ٣٦٩ هـ حتى سنة ٥٧٨ هـ. و"كان ابتداء دولتهم سنة ٣٦٦ هـ، وملكوا مائتي سنة وثلاث عشرة سنة تقريبًا، فيكون انقراض دولتهم في سنة ٥٧٨ هـ، وكان ملوكهم من أحسن الملوك سيرة" (٨). _________ (١) أعظم مدن ما وراء النهر وأجلّها، يعبر إليها من آمل الشّطّ، وبينها وبين جيحون يومان من هذا الوجه، وكانت قاعدة ملك السامانية. انظر: معجم البلدان لياقوت (٥/ ٤٤٢). (٢) انظر: التدوين في أخبار قزوين لعبد الكريم بن محمد القزويني (٢/ ٢٨٩). (٣) انظر: تاريخ بيهق لعلي بن زيد البيهقي الشهير بابن فندمه (ص ١٧٧ - ١٧٩). (٤) الملك العادل الكبير المرابط المؤيد، المنصور المجاهد، يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سُبكتكين، صاحب بلاد غزنة وتلك الممالك الكبار، وفاتح أكثر بلاد الهند قهرا، وكاسر بدودهم وأوثانهم كسرا، وقاهر هنودهم وسلطانهم الأعظم قهرا، وقد تمرض نحوا من سنتين لم يضطجع فيها على فراش ولا توسد وسادا، بل كان ينام قاعدا حتى مات كذلك، وذلك لشهامته وصرامته وقوة عزمه، وله من العمر ستون سنة، ﵀، سنة ٤٢١ هـ. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٥/ ٩٢٨). (٥) القادر باللَّه أحمد ابن الأمير إسحاق بن المقتدر الخليفة، أبو العباس أحمد ابن الأمير إسحاق ابن المقتدر جعفر بن المعتضد العباسي، البغدادي. مولده: سنة ٣٣٦ هـ، كان أبيض كث اللحية يخضب دينا عالما متعبدا وقورا من جلة الخلفاء وأمثلهم، عده ابن الصلاح في الشافعية، قال الخطيب: كان من الدين وإدامة التهجد وكثرة الصدقات على صفة اشتهرت عنه، وصنف كتابا في الأصول، ذكر فيه فضل الصحابة، وإكفار من قال: بخلق القرآن، وكان ذلك الكتاب يقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث، ويحضره الناس مدة خلافته، وهي إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر، توفي سنة ٦٢٢ هـ. انظر: السير للذهبي (١٥/ ١٢٧ - ١٣٧). (٦) انظر: المنتظم لابن الجوزي (١٥/ ٢١١). (٧) انظر: الكامل لابن الأثير (٧/ ٤٨٩). (٨) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي صاحب حماة (٣/ ٢٥).

стр. 29

- الدولة الغورية: وقد بدأت أيام الدولة الغزنوية وكان أول ظهورهم سنة ٥٤٣ (١) وانقرضت الدولة الغزنوية على أيديهم سنة ٥٧٩ هـ (٢) ومن ملوكهم غياث الدين محمود. وهو آخر ملوك الغورية، ولقد كانت دولتهم من أحسن الدول سيرة، وأعدلها وأكثرها جهادًا، وكان محمودُ هذا عادلًا حليمًا كريمًا، من أحسن الملوك سيرة وأكرمهم أخلاقا، رحمه اللَّه تعالى" (٣) وانتهت دولتهم بقتله وذلك في سنة ٦٠٥ هـ (٤). - الدولة الزنكية: وتنتسب إلى قسيم الدولة عماد الدين زنكي بن آقسنقر التركي. وقد ولاه السلطان محمود بن ملكشاه البصرة في سنة ثمان عشرة وخمسمائة، ثم ملك الموصل في سنة ٥٢١ هـ، وملك كثيرًا من البلدان الشامية، واشتغل بمحاربة الصليبيين، ففتح من أيديهم عدة مدن وحصون (٥). "وكان له أثرٌ عظيم في نصرة الإسلام، وكف عادية الفرنج ومهد لمن بعده فتح البلاد، بعد أن كان الفرنج قد ضايقوا مدينة حلب واستولوا على حصونها، وأخذوا المناصفة من المسلمين إلى بابها، فأغاثهم اللَّه بزنكي وبولده من بعده، وكان زنكي ملكًا عظيمًا وشجاعًا جبارًا، كثير العظمة والتجبر، وهو مع ذلك يراعي أحوال الشرع وينقاد إليه، ويكرم أهل العلم، وبلغني أنه كان إذا قيل له: أما تخاف اللَّه؟ خاف من ذلك، وتصاغر في نفسه، فأظهر اللَّه تعالى سره المحمود في ولده محمود" (٦). _________ (١) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١١/ ٧٥٤). (٢) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي صاحب حماة (٣/ ٢٥). (٣) انظر: الكامل لابن الأثير (١٠/ ٢٥٨). (٤) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي صاحب حماة (٣/ ١١٠). (٥) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٠/ ١٨٩ - ١٩٠). (٦) انظر: بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم (٨/ ٣٨٤٩).

стр. 30

وبعد موت زنكي سنة ٥٤٠ هـ انقسمت مملكته إلى قسمين، قسم بالموصل ويحكمه ابنه سيف الدين غازي (١)، وقسم بحلب ويحكمه ابنه الآخر نور الدين محمود (٢). وكان لها رحمها اللَّه تعالى دور عظيم في الجهاد في سبيل اللَّه ضد الصليبيين، ولكن للملك العادل نور الدين محمود في ذلك دورٌ عظيمٌ، إضافة إلى إقامة السُّنة والدين ونشر العدل، والقضاء على بدع الرافضة وغيرهم، "فلما انقضى أجله ﵀ قام ابنه نور الدين محمود مقامه في ولاية الإسلام ثم قصد حلب ودخل قلعتها المحروسة على أسعد طائر وأيمن بركة يوم الاثنين سابع ربيع الآخر ورتب في القلعة والمدينة النواب وأنعم على الأمراء وخلع عليهم وأظهر بحلب السنة حتى أقام شعار الدين وغير البدعة التي كانت لهم في التأذين وقمع بها الرافضة المبتدعة ونشر فيها مذاهب أهل السنة الأربعة وأسقط عنهم جميع المؤن، ومنعهم من التوثب في الفتن، وبنى بها المدارس، ووقف الأوقاف، وأظهر فيها العدل والإنصاف" (٣). وقد ضم الملك العادل نور الدين محمود إلى مملكته دمشق، فاستم له حكم الشام، وضم بعد ذلك مصر، وأنهى حكم الدولة الباطنية العبيدية بها (٤). وكان من قواد الملك نور الدين محمود، الأمير أسد الدين شيركوه (٥) وابن أخيه السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي، وكان لصلاح الدين الأيوبي بعد ذلك عظيم الدور في قتال الصليبيين وفتح بيت المقدس وتطهيره من رجس الصليبيين. _________ (١) غازي بن زنكي بن آقسنقر التركي، السلطان سيف الدين ابن الأتابك عماد الدين صاحب الموصل، كان منطويا على خير وديانة، يحب العلم وأهله، وفيه كرم، وشجاعة وإقدام، وبنى بالموصل مدرسة، ولم تطل مدته حتى توفي في جمادى الآخرة، وقد جاوز الأربعين، توفي سنة ٥٤٤ هـ. انظر: التاريخ للذهبي (١١/ ٨٦٣). (٢) انظر: الكامل لابن الأثير (٩/ ١٤٤). (٣) انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (٥٧/ ١١٨ - ١٢١). (٤) انظر: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لبهاء الدين بن شداد (ص ٧٨). (٥) شيركوه بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدويني، الملك المنصور، فاتح الديار المصرية، أسد الدين شيركوه بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدويني، الكردي، أخو الأمير نجم الدين أيوب، قدم الأخوان الشام، وخدما، وتنقلت بها الأحوال إلى أن صار شيركوه من أكبر أمراء نور الدين، وصار مقدم جيوشه، وكان أحد الأبطال المذكورين، والشجعان الموصوفين، ترعب الفرنج من ذكره، ثم جهزه نور الدين في جيش إلى مصر لاختلال أمرها، وطمع الفرنج فيها، وتوفي فيها سنة ٥٦٤ هـ. انظر: السير للذهبي (٢٠/ ٥٨٧).

стр. 31

وتوفي الملك العادل نور الدين في عام ٥٦٩ هـ، وتولى بعده ابنه الملك الصالح إسماعيل (١)، وعمره إحدى عشرة سنة، وحلف له العسكر بدمشق، وأقام بها، وأطاعه صلاح الدين بمصر، ثم قدم صلاح الدين بعد ذلك إلى الشام، فملكها بعد محاولات متعددة، وسقط بذلك حكم آل زنكي بها (٢). - الدولة الأيوبية: تأسست الدولة الأيوبية على يد السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي الأيوبي، وذلك في سنة ٥٦٧ هـ عندما مات آخر حكام الدولة العبيدية الباطنية العاضد لدين اللَّه، "كان موته في يوم الاثنين العاشر من المحرم سنة سبع وستين واستقر الملك للسلطان وكان خَطَبَ لبني العباس في أواخر أمر العاضد وهو حي وكانت الخطبة ابتداؤها للمستضيء بأمر اللَّه واستمرت القواعد على الاستقامة" (٣). فأول الأعمال العظيمة التي قام بها الملك الناصر صلاح الدين هي إسقاطه للدولة الباطنية العبيدية، وقطع الخطبة باسمهم، والخطبة باسم الخليفة العباسي. وأرسل أخاه توران شاه إلى بلاد اليمن عام ٥٦٩ هـ فدخلها وتملكها (٤). وذُكر فيما سبق أنه بعد موت نور الدين دخلت منطقة الشام تحت حكم الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، فكان أن ضرب أروع الأمثلة في الجهاد وقتال الصليبيين. وانتصر عليهم انتصارات عديدة وكان من تلك الانتصارات الكبيرة معركة حطين التي وقعت في يوم السبت ٢٥ ربيع الآخر سنة ٥٨٣ هـ. وكذلك في يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب من نفس العام فتح بيت المقدس وخلصه من الصليبيين ومن دَنَسِهم، والذي دام تحت احتلالهم إحدى وتسعين سنة (٥). _________ (١) الملك الصالح إسماعيل بن الملك نور الدين صاحب حلب، شاب حسن الصورة، وهي المنظر، ولم يبلغ عشرين سنة، وكان من أعف الملوك، ومن أشبه أباه فما ظلم، وصف له الأطباء في مرضه شرب الخمر، فاستفتى بعض الفقهاء في شربها تداويا، فأفتاه بذلك، فقال له: أيزيد شربها في أجلي، أو ينقص منه شيئًا؟ قال: لا. قال: فواللَّه لا أشربها فألقى اللَّه وقد شربت ما حرمه علي. توفي سنة ٥٧٧ هـ. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٥٥١ - ٥٥٢). (٢) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي (٣/ ٥٦). (٣) انظر: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لابن شداد (ص ٨٦). (٤) انظر: نفس المصدر (ص ٨٧). (٥) انظر: الفتح القسي في الفتح القدسي لعماد الدين الكاتب الأصفهاني (ص ٦٩).

стр. 32

قال ابن الأثير: "وهذه المكرمة من فتح البيت المقدس لم يفعلها بعد عمر بن الخطاب ﵁ غير صلاح الدين ﵀، وكفاه ذلك فخرًا وشرفًا" (١). لم تدم الدولة الأيوبية طويلا فلقد انتهت بعد مقتل الملك المعظم توران شاه بن الملك الصالح نجم الدين أيوب عام ٦٤٨ هـ (٢)، وابتدأت دولة المماليك منذ ذلك الحين. - دولة المماليك: ينقسم المماليك إلى قسمين: ١ - المماليك البحرية، وقد حكموا مصر والشام من عام (٦٤٨ هـ - ٧٨٤ هـ). وسبب نشأتهم أن الملك الصالح نجم الدين أيوب اشتراهم وأحضرهم إلى مصر واتخذهم جندًا له لكي يحمونه ويدافعون عنه، وأيضًا ليتقوى بهم في أي قتال قد يطرأ ضده. قال المقريزي: "والملك الصَّالح هو الذي أنشأ المماليك البحرية بديار مصر؛ وذلك أنه لما مر بِهِ مَا تقدم ذكره في الليلة التي زَالَ عنهُ مُلكه بتفرُّق الأكراد وغيرهم من العَسكَر عَنهُ حتى لم يثبت مَعَه سوى مماليكه رعي لَهُم ذَلِك، فَلَمَّا استولى على مملكة مصر أَكثر من شِرَاء المماليك وجعلهم مُعظم عسكره وقبض على الْأُمَرَاء الذين كَانُوا عِنْد أَبِيه وأخيه واعتقلهم وَقطع أخبازهم وَأعْطي مماليكه الإمريات فصاروا بطانته والمحيطين بدهليزه وَسَمَّاهُمْ بالبحرية لسكناه مَعَه فِي قلعة الرَّوْضَة على بَحر النّيل" (٣). وكان لهم دورٌ عظيم في رد الغزو المغولي التتري على بلاد الشام، وكذلك رد الحملات الصليبية. وأول مَن حكم منهم هو الملك المعز عز الدين أيبك الجاشنكير الصالحي التركماني (٤). وآخرهم الملك الصالح صلاح الدين أمير حاج ابن السلطان الملك الأشرف شعبان، حيث توفي في عام ٨١٤ هـ (٥). _________ (١) انظر: الكامل لابن الأثير (١٠/ ٣٨). (٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٣٠٧). (٣) انظر: السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (١/ ٤٤١). (٤) الملك المعز التركماني أيبك بن عبد اللَّه الصالحي الملك المعز عز الدين المعروف بالتركماني كان مملوك الملك الصالح نجم الدين أيوب اشتراه في حياة أبيه الكامل وتنقلت به الأحوال عنده ولازمه في الشرق وغيره وجعله جاشنكيره وكان عز الدين أيبك معروفا بالسداد وملازمة الصلاة ولا يشرب خمرا وعنده كرم وسعة صدر ولين جانب وهو من أوسط الأمراء فاتفقوا وسلطنوه سنة ٦٤٨ هـ، توفي مقتولًا سنة ٦٥٥ هـ. انظر: الوافي بالوفيات للصفدي (٩/ ٢٩٣ - ٢٦٥) والمختصر لأبي الفداء الأيوبي (٣/ ١٨٣). (٥) السلطان الملك الصالح صلاح الدين أمير حاج ابن السلطان الملك الأشرف شعبان ابن الأمير الملك الأمجد حسن بن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون وهو الرابع والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية، تسلطن بعد وفاة أخيه سنة ٧٨٣ هـ، تسلطن مرتين وخلع مرتين، وتوفي سنة ٨١٤ هـ. انظر: النجوم الزاهرة لأبي المحاسن (١١/ ٣٨٠).

стр. 33

٢ - المماليك البُرجية: وقد حكموا من عام (٧٨٤ هـ - ٩٢٣ هـ). وسبب تسميتهم بالبرجية هو أن الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي قد استكثر منهم حتى بلغوا سبعة آلاف، وأنزلهم معه، وجعلهم في أبراج القلعة وسماهم البرجية (١). وأول من تسلطن منهم السلطان الملك الظاهر سيف الدين أبو سعيد برقوق بن آنص الجركسي (٢) "وكان ابتداؤها يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة، فكان أول ملوك الجراكسة بمصر الظاهر برقوق بن آنص العثماني" (٣). وقال ابن العماد: "فيها كان ابتداء دولة الجراكسة، فإنه خُلع الصالح القلاووني، وتسلطن برقوق، ولقّب الظّاهر، وهو أول من تسلطن من الجراكسة" (٤). وآخرهم السلطان الأشرف طومان باي (٥) آخر سلاطين المماليك الشراكسة في مصر، فقد توفي مشنوقًا بعد أن قبض عليه السلطان العثماني سليم خان (٦) عام ٩٢٣ هـ (٧). _________ (١) انظر: السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (٢/ ٢١٨). (٢) برقوق بن آنص بن عبد اللَّه الجركسي العثماني، انفرد برقوق بتدبير أمور المملكة إلى أن دخل شهر رمضان سنة أربع وثمانين وهو في غضون ذلك يدبر أمر الاستقلال بالسلطنة إلى أن تم له ذلك، فجلس على تخت الملك في ثامن عشر الشهر المذكور ولقب بالملك الظاهر، وخلع من السلطة وبعد حروب عاد إليها متمكنًا، استقرت قدمه في المملكة إلى أن مات على فراشه في ليلة النصف من شعبان سنة ٨٠١ هـ، وكان شهمًا شجاعًا ذكيًا خبيرًا بالأمور إلا أنه كان طماعًا جدًا لا يقدم على جمع المال شيئًا ولقد أفسد أحوال المملكة بأخذ البذل على الولايات حتى وظيفة القضاء والأمور الدينية، وكان جهوري الصوت كث اللحية واسع العينين عارفًا بالفروسية خصوصًا اللعب بالرمح، وكان يحب الفقراء ويتواضع لهم ويتصدق كثيرًا ولا سيما إذا مرض، وأبطل في ولاياته كثيرًا من المكوس. انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر (٢/ ٦٦ - ٦٩). (٣) انظر: بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس (١/ ٣١٢). (٤) انظر: شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (٨/ ٦٧٨). (٥) الملك الأشرف طومان باي الجركسي ابن أخي الغوري، وقع بينه وبين السلطان سليم حروب يطول ذكرها، ثم سلّم نفسه طائعا فقتل بباب زويلة، وأمر السلطان سليم بدفنه بجانب مدفن الغوري المشهور، وبه انقرضت دولة الجراكسة. المصدر السابق (١٠/ ١٦١). (٦) السلطان الأعظم سليم، فاتح مصر والشام وسائر ممالك العرب في سنة ٩١٧ هـ، فأقام تسع سنين وثمانية أشهر، وتوفي سنة ٩٢٦ هـ، وكان سلطانًا قهارًا، وملكًا جبارًا، كثير السفك قوي البطش، كثير الفحص عن أخبار الناس، ولما فرغ من دفن والده، خرج لقتال أخيه أحمد، فهزم عسكره وأسره، ثم أمر بخنقه، ثم قتل إخوته جميعًا وأولادهم، حتى تم أمره. انظر: نزهة الناظرين في تاريخ من ولي مصر من الخلفاء السلاطين لمرعي بن يوسف الكرمي (ص ٢٤٥ - ٢٤٦). (٧) انظر: بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس (٥/ ١٧٩).

стр. 34

وقد عاش الإمام أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن المحب الصامت في القرن الثامن الهجري كما سبق بيانه، وحينما ولد كانت الشام في ذلك الوقت تحت الحكم المملوكي، وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون ﵀. وعاش إلى عهد السلطان الملك الظاهر سيف الدين برقوق بن آنص الجركسي حيث توفي في عام ٧٨٩ هـ رحمه اللَّه تعالى. وكان عصر المماليك من العصور القوية التي استطاع المسلمون فيها دحر القوات المغولية، وكذلك الحملات الصليبية، بالإضافة إلى إرجاعهم للخلافة العباسية التي سقطت في العراق، وتنصيبهم للخليفة العباسي في مصر (١). وظهرت كذلك جهود العلماء في الدفاع عن الإسلام وأهله ونشر العلم الشرعي وبذله. ومع هذا كله فقد تخلل ذلك عدد من الفتن الداخلية بسبب التنافس على السلطة بين حكام المماليك، كما سيأتي بيان شيء من ذلك إن شاء اللَّه تعالى. ج - وأما ظهور النفاق والزندقة: فإن النفاق والزندقة والبدع والشركيات، والانحرافات العلمية والعملية، إذا ظهرت وانتشرت، وضعفت مقاومتها والرد عليها، فإن ذلك يؤدي إلى ضعف الأمة وتناحرها وتشتتها وتسلط الأعداء عليها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان بعض المشايخ يقول: هولاكو ملك الترك التتار الذي قهر الخليفة بالعراق وقتل ببغداد مقتلة عظيمة جدًا يقال: قتل منهم ألف ألف وكذلك قتل بحلب دار الملك حينئذ، كان بعض الشيوخ يقول: هو للمسلمين بمنزلة بخت نصر لبني إسرائيل. وكان من أسباب دخول هؤلاء ديار المسلمين ظهور الإلحاد والنفاق والبدع، حتى أنه صنف الرازي (٢) كتابًا في عبادة الكواكب والأصنام وعمل السحر سماه "السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم" ويقال: إنه صنفه لأم السلطان علاء الدين محمد بن _________ (١) انظر: الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر لمحيي الدين بن عبد الظاهر (ص ٩٩). (٢) الفخر الرازي المتكلم، صاحب التفسير والتصانيف: محمد بن عمر بن الحسين بن علي القرشي التيمي البكري الإمام، أبو عبد اللَّه وأبو المعالي، المعروف بالفخر الرازي، ويقال له: ابن خطيب الري الفقيه الشافعي أحد المشاهير بالتصانيف الكبار والصغار نحو من مائتي مصنف، وكان مع غزارة علمه في فن الكلام يقول: من لزم مذهب العجائز كان هو الفائز. وقد ذكرت وصيته عند موته، وأنه رجع فيها إلى طريقة السلف، وتسليم ما ورد على الوجه المراد اللائق بجلال اللَّه تعالى، وكانت وفاته في ذي الحجة سنة ٦٠٦ هـ. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ١١ - ١٢).

стр. 35

تِكش بن جلال الدين خوارزم شاه (١) وكان من أعظم ملوك الأرض، وكان للرازي به اتصال قوي، حتى أنه وصى إليه على أولاده، وصنف له كتابًا سماه "الرسالة العلائية في الاختيارات السماوية" وهذه الاختيارات لأهل الضلال بدل الاستخارة التي علمها النبي ﷺ المسلمين. . . فلما ظهر بأرض المشرق بسبب مثل هذا المَلِكِ ونحوِهِ ومثل هذا العالم ونحوه ما ظهر من الإلحاد والبدع سلط اللَّه عليهم الترك المشركين الكفار فأبادوا هذا المَلِكَ وجرت له أمور فيها عبرة لمن يعتبر" (٢). وكانت دولة البويهيين من أكبر أسباب انتشار الشرك والرفض والتجهم، وتعظيم القبور وبناء المشاهد عليها، وإظهار شعار الرافضة من الحزن والضرب في يوم عاشوراء، وفي زمنهم كُتبت رسائل إخوان الصفا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا نزاع بين العقلاء أن رسائل إخوان الصفا إنها صنفت بعد المائة الثالثة في دولة بني بويه قريبًا من بناء القاهرة" (٣). وقال أيضًا: "فلما كان بعد زمن البخاري من عهد بني بويه الديلم فشا في الرافضة التجهم وأكثر أصول المعتزلة، وظهرت القرامطة ظهورًا كثيرًا وجرى حوادث عظيمة" (٤). وقال الذهبي: "منعت الديلم -يعني بني بويه- الناس عن ذكر فضائل الصحابة وكتبوا سب السلف على أبواب المساجد" (٥). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "حدثت هذه المشاهدُ بعدَ القرونِ المفضلة التي أثنى عليها النبي ﷺ القرنِ الذي بُعِث فيهم ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونهم، وإنما انتشرتْ في دولة بني بُوَيْه ونحوهم من أهل البدع والجهل" (٦). _________ (١) مُحَمَّد بن تِكش بن ألب أرسلان بن آتْسِز بن مُحَمَّد بن نوشتِكين، السُّلْطَان علاء الدين خُوَارِزْم شاه، أَبَاد مُلوك العالم، ودانت لَهُ الممالك، واستولى عَلَى الْأقاليم، كَانَ صبُورًا عَلَى التّعب وإدمان السَّيْر، غير مُتَنَعم ولا مُقْبل عَلَى اللذّات؛ إنها تَهْمته في المُلك وتدبيره وحِفْظِه وحفظ رعيته، وَكَانَ فاضلًا، عالمًا بالفقه والْأصول وغيرهما، وَكانَ مُكرِمًا للعلماء محبًا لهم، محسنًا إليهم، يحبّ مناظرتهم بين يديه، ويُعظِّم أهل الدين ويتبرك بهم. توفي سنة ٦١٧ هـ. انظر: التاريخ للذهبي (١٣/ ٥١٥ - ٥٢٥). (٢) انظر: الفرقان بين الحق والباطل ضمن مجموع الفتاوي لابن تيمية (١٣/ ١٨٧ - ١٨٢). (٣) انظر: بغية المرتاد لابن تيمية (ص ٣٢٩). (٤) انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٦/ ٣٦٩). (٥) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (٨/ ٧٦). (٦) انظر: جامع المسائل لابن تيمية (٤/ ١٦٣).

стр. 36

وهؤلاء الرافضة البويهيون المشركون هم أول من أظهر تلك المشاهد، حينها حكموا العراق، وأظهروا كثيرًا من البدع والمحدثات، حتى عمَّ الرفض، وكاد الإسلام أن ينمحي وينتقض. قال الذهبي: "عضد الدولة فناخسرو بن حسن بن بويه الديلمي، كان شيعيًا جلدًا أظهر بالنجف قبرًا زعم أنه قبر الإمام علي، وبنى عليه المشهد، وأقام شعار الرفض، ومأتم عاشوراء، والاعتزال، فنحمد اللَّه على العافية، فلقد جرى على الإسلام في المائة الرابعة بلاء شديد بالدولة العبيدية بالمغرب، وبالدولة البويهية بالمشرق، وبالأعراب القرامطة، فالأمر للَّه تعالى" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ظهر بنو بويه الأعاجم وكان في كثير منهم زندقة وبدع قوية وفي دولتهم قَويَ بنوا عبيد القداح بأرض مصر، وفي دولتهم أُظهر المشهد المنسوب إلى علي ﵁ بناحية النجف، وإلا فقبل ذلك لم يكن أحد يقول: إن قبر علي هناك، وإنها دفن علي ﵁ بقصر الإمارة بالكوفة. . . حتى إنهم كانوا يظهرون في دولتهم ببغداد يوم عاشوراء من شعار الرافضة ما لم يظهر مثله، مثل تعليق المسوح على الأبواب، وإخراج النوائح بالأسواق، وكان الأمر يفضي إلى قتال تعجز الملوك عن دفعه" (٢). وقال ابن كثير في أحداث سنة ٣٥٨ هـ: "استقرت يد الفاطميين على دمشق في سنة ستين، كما سيأتي، وأُذِّنَ فيها: حي على خير العمل، أكثر من سبعين سنة، وكتبت لعنة الشيخين ﵄، ولعن من لعنهما- على أبواب الجوامع بها وأبواب المساجد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون" (٣). ولم يكن في دول الإسلام من الشر والضلال والبدع والشرك مثل ما كان في الدولة البويهية، فقد كانت على العكس تمامًا من جميع الدول الإسلامية، وفيها من أصناف البدع والمحدثات والشركيات ما كان له أكبر الأثر على الخلافة العباسية والأمة الإسلامية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفي دولة بني بويه ونحوهم الأمر بالعكس؛ فإنهم كان فيهم أصناف المذاهب المذمومة، قوم منهم زنادقة، وفيهم قرامطة كثيرة ومتفلسفة ومعتزلة ورافضة، وهذه الأشياء كثيرة فيهم غالبة عليهم، فحصل في أهل الإسلام والسنة في أيامهم من الوهن ما لم يُعرف، حتى استولى النصارى على ثغور الإسلام، وانتشرت القرامطة في أرض مصر والمغرب والمشرق وغير ذلك وجرت حوادث كثيرة" (٤). _________ (١) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٦/ ٢٥٠ - ٢٥٢). (٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٧/ ٤٦٦ - ٤٦٧). (٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٥/ ٣١٨ - ٣١٩). (٤) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٤/ ٢٢).

стр. 37

وتسلُّطُ الأعداءِ لم يكن من الشرق فحسب، بل من جهة الغرب أيضًا من النصارى الحاقدين، فبدأت الحروب الصليبية، واحتلوا بلدانًا إسلامية في الشام وفي مصر، حتى احتلوا بيت المقدس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلما ظهر النفاق والبدع والفجور المخالف لدين الرسول سلطت عليهم الأعداء فخرجت الروم النصارى إلى الشام والجزيرة مرة بعد مرة وأخذوا الثغور الشامية شيئًا بعد شيء إلى أن أخذوا بيت المقدس في أواخر المائة الرابعة، وبعد هذا بمدة حاصروا دمشق وكان أهل الشام بأسوأ حال بين الكفار النصارى والمنافقين الملاحدة، إلى أن تولى نور الدين الشهيد وقام بما قام به من أمر الإسلام وإظهاره والجهاد لأعدائه، ثم استنجد به ملوك مصر بنو عبيد على النصارى فأنجدهم، وجرت فصول كثيرة إلى أن أُخذت مصر من بني عبيد أخذها صلاح الدين" (١). ٢ - الصليبيون الحاقدون من جهة المغرب. استمرت الفتوحات الإسلامية، واعتنى الخلفاء الراشدون بالجهاد في سبيل اللَّه، وكذلك خلفاء الدولة الأموية، والدولة العباسية، وانتشر الإسلام انتشارًا واسعًا في الشرق والغرب، وسقطت في وقت مبكر أكبر امبراطوريتين: الأكاسرة المجوس والقياصرة الرومان، وكان لذلك أكبر الأثر على الصليبيين، فخافوا منه خوفًا عظيمًا، ولم يستطيعوا أن يبدؤا المسلمين بأي غزو أو قتال. لكن لما ضعفت الدولة العباسية، وكثرت الدول المستقلة عنها، وتسلط عليها الرافضة والقرامطة والباطنية، وأصبحت لهم دول كالدولة البويهية، والدولة العبيدية في المغرب ثم في مصر، ويتبع لها بعض دول الشام. حينذاك بدأ الصليبيون بالعزيمة على غزو العالم الإسلامي. فتزعمت البابويةُ الدعوةَ لتوحيد صفوف النصارى في الشرق والغرب وشنَّ حرب شاملة ضد المسلمين، وكسرَ شوكتهم، واستردادَ القدسَ من أيديهم. والذي تولى كبرها والدعوة إليها هو البابا أوربان الثاني (٢)، فقد دعا للحملة الصليبية في عدة مدن أوربية، حيث كان يتنقل من مدينة إلى مدينة، وألقى عدة خطابات بهذا الشأن (٣). _________ (١) انظر: الفرقان بين الحق والباطل ضمن مجموع الفتاوي لابن تيمية (١٣/ ١٧٨). (٢) أوربان الثاني فرنسي الأصل، وقد كان راهبًا ربيطًا بمدينة كلوني الفرنسية. انظر: الحروب الصليبية لمحمد العروسي (ص ٤٦). (٣) انظر: الحملة الصليبية الأولى وفكرة الحروب الصليبية. جوناثان سميث (ص ٣٤) ترجمة محمد الشاعر.

стр. 38

"وعقد لذلك عدة مجامع، من آخرها مجمعًا في مدينة كلارمون (١) الفرنسية في عام ٤٨٨ هـ، ولبى الدعوة كثير من الأمراء ورؤساء الكنائس والفرسان ووفود الملوك، زيادة على العامة والطغاة، وعُقد فيه عدة جلسات، لتأكيد ذلك الأمر وشحذ هممهم لقبولها والبدء بها" (٢). وقد تم بالفعل الإعداد لهذه الحملة وجمع العدة والعتاد. وبدأت الحروب الصليبية في عام ٤٩٠ هـ، فكانت بلدة "نيقية" (٣) هي أول بلدة يحتلونها. "وفي هذه السنة كان مبدأ تواصل الأخبار بظهور عساكر الافرنج من بحر القسطنطينية في عالم لا يحصى عدده كثرةً وتتابعت الأنباء بذلك فقلق الناس لسماعها وانزعجوا لاشتهارها. . . وقد كان الافرنج عند ظهورهم عاهدوا ملك الروم ووعدوه بأن يسلموا إليه أول بلد يفتحونه، ففتحوا نيقية وهي أول مكان فتحوه فلم يفوا له بذلك ولا سلموها إليه على الشرط، وافتتحوا في طريقهم بعض الثغور والدروب" (٤). قال الذهبي: "ووصلوا إلى فامية (٥)، وكَفِرْطَاب (٦)، واستباحوا تلك النّواحي، فكان هذا أوّل مظهر الفرنْج بالشّام، قدِموا في بحر القُسطنطينيّة في جَمْعٍ عظيمٍ، وانزعجت الملوك والرّعيّة، وعظُم الخَطْب" (٧). وفي عام ٤٩١ هـ احتل الصليبيون أنطاكية (٨)، وحاصروا معرة النعمان (٩)، فدخلوها وقتلوا ونهبوا (١٠)، حتى قيل: إنهم قتلوا من أهلها مائة ألف إنسان (١١). وفي عام ٤٩٢ هـ سقط بيت المقدس في يد الصليبيين وذلك في يوم الجمعة ١٣ شعبان. _________ (١) مدينة فرنسية بأعلى نهر لالور. انظر: الحروب الصليبية في المشرق والمغرب لمحمد العروسي المطوي (ص ٤٧). (٢) انظر: نفس المصدر (ص ٤٦ - ٤٧). (٣) من أعمال استنبول. وهي المدينة التي اجتمع بها آباء الملة المسيحية، فكانوا ثلاثمائة وثمانية عشر. آباء يزعمون أن المسيح كان معهم في هذا المجمع، وهو أول المجامع لهذه الملة. انظر: آثار البلاد للقزويني (ص ٦٠٨). (٤) انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (١/ ٢١٨ - ٢١٩). (٥) مدينة كبيرة وكورة من سواحل حمص، وقد يقال لها أفامية، بالهمزة في أوله. انظر: معجم البلدان لياقوت (٤/ ٢٣٣). (٦) بلدة بين المعرّة ومدينة حلب في بريّة معطشة. المصدر السابق (٤/ ٤٧٠). (٧) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٠/ ٤٨٥). (٨) مدينة عظيمة بالشام على ساحل البحر حسنة الموضع كريمة البقعة ليس بعد دمشق أنزه منها داخلًا وخارجًا. انظر: الروض المعطار للحميري (ص ٣٨). (٩) بليدة بين حلب وحماة، كثيرة التين والزيتون. انظر: آثار البلاد للقزويني (ص ٢٧٢). (١٠) انظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي (١٧/ ٤٣). (١١) انظر: النجوم الزاهرة لأبي المحاسن (٥/ ١٤٦).

стр. 39

قال ابن الجوزي: "أخذ الإفرنج بيت المقدس في يوم الجمعة ثالث عشر شعبان، وقتلوا فيه زائدًا على سبعين ألف مسلم، وأخذوا من عند الصخرة نيفًا وأربعين قنديلا فضة كل قنديل وزنه ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا تنور فضة وزنه أربعون رطلًا بالشامي، وأخذوا نيفًا وعشرين قنديلا من ذهب، ومن الثياب وغيره ما لا يحصى، وورد المستنفرون من بلاد الشام، وأخبروا بما جرى على المسلمين، وقام القاضي أبو سعد الهروي (١) قاضي دمشق، وأورد كلامًا أبكى الحاضرين، وندب من الديوان من يمضي إلى العسكر ويعرفهم حال هذه المصيبة، ثم وقع التقاعد فقال أبو المظفر الأبيوردي (٢) قصيدة في هذه الحالة فيها: وكيفَ تنامُ العينُ ملءَ جفونها … على هَفَواتٍ أيقَظَتْ كُلَّ نائِمِ وإخوانكم بالشَّامِ يُضحي مقيلهمْ … ظهورَ المذاكي أو بطونَ القشاعمِ تَسُومُهُمُ الرُّومُ الهَوانَ وأنتُمُ … تجرُّونَ ذيلَ اخفضِ فعلَ المسالمِ إلى أن قال: وتلكَ حروبٌ من يَغبْ عن غِمارها … لِيَسْلَمَ يَقْرَعْ بَعْدَها سِنَّ نادِمِ يَكادُ لَهُنَّ المُسْتَجِنُّ بِطَيْبَةَ … يُنادِي بِأَعْلَى الصَّوْت: يا آلَ هاشِمِ أرى أمَّتي لا يُشرعونَ إلى العدا … رِماحَهُمُ، وَالدِّينَ واهِي الدَّعائِمِ ويجتنبونَ النَّارَ خوفًا منَ الرَّدى … ولا يحسبونَ العارَ ضربةَ لازمِ أترضى صناديدُ الأعاريبِ بالأذى … ويُغضي على ذلٍّ كماةُ الأعاجمِ فليتهمُ إذْ لم يذودوا حميَّةً … عنِ الدِّينِ ضنُّوا غيرةً بالمحارمِ وإنْ زهدوا في الأجرِ إذْ حميَ الوغى … فهلَّا أتوهُ رغبةً في الغنائمِ" (٣) _________ (١) محمد بن نصر بن منصور، القاضي أبو سعد الهروي الحنفي قدم دمشق ووعظ بها، ثم توجه إلى بغداد فولي قضاء الشام، وعاد قاضيا فأقام مدة، ثم رجع إلى العراق، وقد ولي القضاء في مدن كثيرة بالعجم، وكان في صباه يؤدب الصبيان، ثم ترقت حاله وبلغ ما بلغ، وكان من دهاة العالم، قتلته الباطنية لعنهم اللَّه بجامع همدان في هذه السنة ٥١٨ هـ. انظر: التاريخ للذهبي (١١/ ٢٩٧). (٢) العلامة أبو المظفر محمد بن أحمد الأموي، العنبسي، المعاوي الأبيوردي، اللغوي شاعر وقته وصاحب التصانيف، قال يحيى بن منده: سئل الأديب أبو المظفر عن أحاديث الصفات؟ فقال: تُقَرُّ وتُمَرُّ. توفي سنة ٥١٢ هـ. انظر: السير للذهبي (١٩/ ٢٨٤). (٣) انظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي (١٧/ ٤٨).

стр. 40

وفي عام ٤٩٤ هـ ملَكَ الفِرَنجُ مدينة سروج (١) من ديار الجزيرة، فقتلوا أهلها وسبوهم، وملكوا أيضًا أرسوف (٢) بساحل عكا (٣) وقيسارية (٤). ولم تكد تخل سنة من السنين من اعتداءات صليبية على بلاد المسلمين. وكان من تقدير اللَّه ولطفه -ومنذ ذلك العام وما بعده- أن أقامَ لجهادهم مَلِكَ دمشق الملك ظهير الدين طُغْتِكِين (٥) المتوفي سنة ٥٢٢ هـ فرد كثيرًا من العدوان الصليبي على بلاد الشام. قال الذهبي: "لولا أن اللَّه أقام طُغْتِكِين للإسلام بإزاء الفرنج، وإلا كانوا غلبوا على دمشق، فقد هزمهم غير مرة" (٦). وكذلك أقام اللَّه تعالى أيضًا القائد كمشتكين بن الدانشمند (٧) فقد كان له بطولات ومعارك حاسمة هزم فيها الصليبيين، وردَّ بها عددا من الحملات الصليبية فرجعت خاسرة مهزومة. قال ابن الأثير في أحداث سنة ٤٩٣ هـ: "في ذي القعدة من هذه السنة لقي كُمُشْتِكِينُ بن الدانشمند بيمند الفرنجي (٨) -وهو من مقدمي الفرنج- قريب مَلَطْيَةُ (٩)، وكان صاحبها قد كاتبه واستقدمه إليه، فورد _________ (١) بلدة قريبة من حرّان، من ديار مضر، بينها وبين البيرة مرحلة في الجبال. انظر: مراصد الاطلاع للقطيعي (٢/ ٧١٠). (٢) مدينة على ساحل بحر الشام بين قيسارية ويافا. انظر: معجم البلدان لياقوت (١/ ١٥١). (٣) مدينة كبيرة، من ثغور الشام، وهي قاعدة مدن الافرنج بالشام، ومحطَ الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، مجمع السفن والرفاق، وملتقى تجار المسلمين والنصارى من جميع الآفاق، سككها وشوارعها تغص بالزحام، أخذها الفرنج من أيدي المسلمين في العشر الأول من المائة السادسة فعادت مساجدها كنائس، وصوامعها مضارب للنواقس. انظر: الروض المعطار للحميري (ص ٤١٠). (٤) قيسارية بلد على ساحل بحر الشام تعدّ في أعمال فلسطين بينها وبين طبرية ثلاثة أيام. انظر: معجم البلدان لياقوت (٤/ ٤٢١). (٥) طغتكين، الأمير أبو منصور، المعروف بأتابك، من أمراء تاج الدولة، زوجه بأم ولده دقاق، وكان مع تاج الدولة لما سار إلى الري القتال ابن أخيه، فلما قتل تاج الدولة رجع إلى دمشق، وصار أتابك دقاق، فلما مات دقاق تملك بدمشق، وكان شهما، مهيبا، شديدا على الفرنج والمفسدين. انظر: التاريخ للذهبي (١١/ ٣٧٨). (٦) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٩/ ٥١٩). (٧) كمشتكين بن الدانشمند طايلو، وإنما قيل له ابن الدانشمند لأن أباه كان معليا للتركان وتقلبت به الأحوال، حتى ملك، وهو صاحب ملطية وسيواس وغيرهما. انظر: الكامل لابن الأثير (٨/ ٤٣٨). (٨) بيمند بن بيمند بن بيمند متملك طرابلس الفرنجي، كان جده نائبا لبنت صنجل الذي تملك طرابلس من ابن عمار في حدود الخمسمائة، فتغلب هذا على البلد لبعدها عنه، ثم استقل بها ولده، ثم حفيده هذا، ولما توفي دفن في كنيسة طرابلس ولما فتحها المسلمون في سنة ٦٨٨ هـ نبش الناس قبره، وأخرجوه منه، وألقوا عظامه على المزابل للكلاب. انظر: البداية لابن كثير (١٧/ ٥١٨). (٩) بفتح أوله وثانيه، وسكون الطاء، وتخفيف الياء، والعامة تقوله بتشديد الياء وكسر الطاء، هي من بناء الإسكندر وجامعها من بناء الصحابة: بلدة من بلاد الروم مشهورة مذكورة تتاخم الشام وهي للمسلمين. انظر: معجم البلدان لياقوت (٥/ ١٩٢).
следующие страницы →