جامعة عين شمس
كلية البنات للآداب والعلوم والتربية
قسم اللغة العربية
قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه
رسالة لنيل درجة الدكتوراة
إعداد الطالب
إيهاب عبد الحميد عبد الصادق سلامة
تحت إشراف
الأستاذة الدكتورة: أميرة أحمد يوسف (أستاذ النحو والصرف)
الأستاذة الدكتورة: حسنة الزهار (أستاذ علم اللُّغَة)
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
المقدمة
الحمد لله كثيرا، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت. اللهم إنِّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يُسمع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبيِّنا ومصطفانا محمدٍ ــ ﷺ ــ في الأوَّلين والآخرين، وصلِّ اللهم عليه في كل وقت وحين.
يُعَدُّ علم النحو من أهم العلوم اللُّغَوِيَّة في العربِيَّة، فهو عَصَبُها، وركنها الرَّكين، وله في خدمة العربِيَّة القِدْحُ المُعَلَّى، والقدمُ الأولى، وهو من الفضل عليها بأعلى مناط العِقدِ. وقد كان على مرِّ الأزمان أحد خطوط الدفاع الأولى التي حَمَتِ العربِيَّة، وحافظت عليها على مدار الأعوام والسنين؛ فَسَلِمَت الأجيالُ للإعراب، وتَقَوَّمَت الألسن من هُجْنَة اللحن وخطأ القول. إِنَّه العلم الذي زاد عن حياضِ العربية الجهلاءَ أعداءَ اللهِ والدِّين؛ فكانت به عزيزة الجانب، منيعة الحَوْزَة حصينة الناحية.
وقد أحببنا علم النحو، وأحببنا دراسته، وأخذ الشغفُ به بمجامع قلوبنا، منذ أَنْ قَدَّرَ الله أَنْ نلتقي بأساتذة أجلَّاء غرسوا فينا هذا الحبَّ، وكشفوا لنا عن علاقته بكتاب الله وسُنَّةِ نبِيِّه ــ ﷺ ــ. وزاد هذا الحبُّ وتعمَّق فينا أكثر وأكثر عندما أوقفنا أسلافُ أُمَّتِنا على فضله، فقالوا:
- قال الخليل: «النحو للسان بمنزلة الطعام للأبدان») (١).
- وقال الزُّهْرِيُّ: «ما أحدث الناسُ مروءةً أحبَّ إليَّ من طلب النحو») (٢).
- وقال حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ: «من يطلب الحديث ولا يعرف النحو، مثل الحمار عليه مخلاة ليس فيها شعير») (٣).
стр. 4
- وروي عن الأصمعيِّ أنَّه قال: «أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أَنْ يَدخُلَ في جُمْلةِ قولِ النبي ــ ﷺ ــ: ((منْ كذب عليّ متعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار)) (١)؛ لأَنَّه [ ﷺ ] لم يكن يلحن، فمهما رَوَيْتَ عنه ولحنت فقد كذبت عليه» (٢).
- ومن نفائس أقوال الإمام الشافعي ــ ﵀ ــ عن هذا العلم الجليل قوله: «من تبحّر في النحو اهتدى إلى جميع العلوم»، وقوله: «لا أُسْأَلُ عن مسألة في الفقه إلّا أجبت عنها من قواعد النحو» (٣).
ويضيق المقام بتتَبُّع هذه الأقوال، فهي أكثر من تحصى، أو يأتي عليها العد. وجميعها توضح أهمِيَّة هذا العلم الجليل.
وإبَّانُ الدراسة الجامعية وجَّه نظرَنا أستاذُنا الدكتور كمال بشر إلى علم مُهِمّ من العلوم اللُّغَوِيَّة الحديثة التي تدرس اللُّغَة، ذاك هو علم اللُّغَة الاجتماعِيّ، ونبَّهنا سيادته إلى أهمِيَّة هذا العلم وأهمِيَّة البعد الاجتماعِيّ والسِّياقي في دراسة اللُّغَة، وأظهر لنا العلاقة الوثيقة بين المجتمع واللُّغَة، وأنَّه من الخطأ البَيِّنِ إهمال هذا البعد الاجتماعِيّ في دراسة اللُّغَة.
كان من نتيجة هذه الدراسة لعلم اللُّغَة الاجتماعِيّ مع أستاذنا د. كمال بشر أَنْ وَقَر في الذهن أهمِيَّة هذا الربط؛ ومدى الفوائد القيِّمة التي تعود على اللُّغَة من ذلك؛ فتولدت الأمنيةُ والرغبةُ الشديدةُ لدي الباحث في متابعة الدراسة في هذا المجال، مجال ربط السِّياق بدراسة اللُّغَة وبخاصة قواعدها؛ وقَطَعَ الباحثُ بينه وبين نفسه العزمَ على المضي قُدُما في استكناه هذه العلاقة، وأمضى النيَّة أَنْ يكون هذا مجال بحثه.
وسعينا راجين من الله التوفيق. ولما كانت الدوريات والمجلات اللُّغَوِيَّة والأدبيَّة مظانَّ لأفكار كثيرة يكتبها المتخصِّصون في مختلف الفروع اللُّغَوِيَّة فقد اتجه الباحث إلى هذه الدوريَّات، وبالأخص منها مجلة مجمع اللُّغَة العربِيَّة بالقاهرة، عساه أَنْ يجد فكرة هنا أو هناك في مقال من مقالاتها القيِّمة ترضي الرغبة في دراسة علاقة السِّياق بالقواعد النحوِيَّة.
стр. 5
وكان من فضل الله أَنْ عثرنا على مقال بعنوان ((الجملة في كتاب سيبويه)) للأستاذ الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح، ووقفنا فيها على بعض العبارات المُهِمَّة لسيادته عن كتاب سيبويه قال
فيها:
« ... الملاحظات كثيرة جدا في الكتاب، وهي تخص أحوال الخطاب مقترنا بأحوال المخاطب: علم المخاطب وجهله واستحالة الإخبار عن منكور، اللهم إلا إذا احتاج المخاطب إلى تحديد هذا المنكور بأنْ يعين حلية خاصة به تميزه عن غيره. ويمكن بالدراسة المتعمقة لهذه الملاحظات أَنْ تُسْتَخرج قوانينُ التخاطب الحقيقيَّة») (١).
ويشير في موضع ثانٍ من مقالته:
« ... ولا بد أَنْ نُنَبِّه القارئ الكريم أَنَّ مثل هذا الكلام عن ((علم المخاطب)) وسائر أحواله لا يمكن أَنْ نعثر عليه في كتب الآخرين؛ فالقواعد الجامدة الخاطئة أحيانا قد حلت محل الملاحظات العلميَّة، (تكلموا مثلا عن شروط الابتداء بالنكرة فقط وبدون أَنْ يفسروا ظواهر الخطاب بالكيفية العلميَّة الوصفيَّة والتعليليِّة معا)» (٢).
كانت جملة د. عبد الرحمن الحاج صالح في نصه السابق: «الملاحظات كثيرة جدا في الكتاب، وهي تخص أحوال الخطاب مقترنا بأحوال المخاطب: علم المخاطب وجهله واستحالة الإخبار عن منكور» باعثة على التفكير والتأَمُّل، ودفعت في ذهن الباحث بالسؤال الآتي: أليست أحوال الخطاب المقترنة بأحوال المخاطب ــ على حد تعبير د. عبد الرحمن ــ تدلُّ على وقوف سيبويه على علاقة ما بين السِّياق والقاعدة النحوِيَّة التي يقعد لها؟ والإجابة بعد تحليل عبارة د. عبد الرحمن: بلى، إِنَّ كلامه يشير إلى وجود تلك العلاقة، ويشير كلامه أيضا أَنَّ النُّحَاة من بعد سيبويه لم يلتفتوا إلى تلك العلاقة.
هنا عثر الباحث على طِلْبَته التي كان يبحث عنها، ووضع يده على ما يحقق رغبته العلميَّة وبعد تفكير ليس بالطويل ظهر موضوع البحث، وهو: «قرينة السِّياق ودورها في التَّقْعِيد النَّحْوِيّ والتوجيه الإعرابِيّ في كتاب سيبويه».
كان هذا هو الموضوع الذي أمُلت أَنْ أقع على مثله بحثا ودراسة، وأَنْ أقضي فيه بعضا من وقتِيّ مشبعا لرغبتي في بحث العلاقة بين السِّياق والقواعد النحوِيَّة.
стр. 6
وعند الشروع في الدراسة، ومرور الوقت، والتعمُّق في هذا الموضوع ازداد التعلُّق به، وانكشفت للباحث جوانب مُهِمَّة عن أهمِّيَّته دَلَّت على توفيق الله لنا ــ وله الحمد والشكر ــ في اختياره موضوعا للبحث والدراسة.
ومن جوانب الأهمية التي بدَتْ للباحث قبل الشروع في دراسة الموضوع:
١ ــ الحقيقة النحوِيَّة ــ كأَيَّة حقيقة أخرى ــ لها أبعاد مختلفة، وجوانب متعددة، منها الجانب الاجتماعِيّ، وليس من الموضوعية في شيء أَنْ يُنْظَر إلى الصورة من زاوية واحدة وتُتْرَك بقية الزوايا.
٢ ــ التعمُّق في هذا الموضوع يضع أيدينا على قوانين التخاطب الحقيقيَّة، ويُوقِفُنَا على بعض القواعد الجامدة الخاطئة التي حلَّت محل الملحوظات العلمية كما أشار د. عبد الرحمن صالح في مقالته السابقة.
٣ ــ أن البحث سيكون مع عَلَم من أعلام النحو العربي وإمام من أئمتهم، وكتابه «أصل الكتب المُصَنَّفَة في النحو واللغة» كما يقول السيوطي في الاقتراح، وإثبات وجود علاقة بين السِّياق والقاعدة النحوِيَّة عند هذا العَلَم أمرٌ سيثير سؤلا مهمًّا هو: لماذا لم يهتم النحاة بهذا الجانب الاجتماعي بشكل أوضح في مؤلفاتهم؟ ولماذا كان الاهتمام منصبًّا على نظرية العامل؟
٤ ــ دراسة هذا الموضوع ستضع أيدينا على كيفية استغلال السياق في الجوانب التعليميَّة
والأدبيَّة.
وبعد الاستقرار على عنوان هذا البحث بدأ الباحثُ رحلة القراءة في كتاب سيبويه، وأخذ الباحث على نفسه أَنْ يُدارس الكتاب في وَنَاءٍ وعلى مَهَلٍ مدارسةً متقنةً جادّةً غير هازلة، مشحوذةً بالتنبُّه، مصقولةً بحسن التمييز والتدبُّر، قدر استطاعته وقدر ما وسعه الجُهْد. ويعلم الله كم كانت هذه الرحلة وهذه القراءة شاقَّة وعسيرة، وكم من الصعوبات التي لقيها الباحث في أثناء تتَبُّعه لعبارات الكتاب محاولا فك معاقدها ومطاويها! وما زال الباحث يذكر كيف كان يقضي سحابة نهاره واقفا أمام نصّ واحد من نصوص الكتاب يحاول فهم ما يريده سيبويه.
لقد حاول الباحث على مُكْثٍ تحليل نصوص الكتاب تحليلا متأنِّيًا، محاولا أَنْ يسوس عبارات الكتاب حتى تُفضي إليه بذات معناها، وتمنحه بعض إِتَائِها، وما تحتقِبُه من دلالات، لقد قرأ الباحث نصوص الكتاب متأمِّلا ومقلبا لها يمنة ويسرة؛ فيخرجُ وقد نجح حينا، أو يخرجُ خاوي الوفاض أحيانا أخرى، وفي أثناء هذه الوقفات فهم الباحث بشكل أعمق وأثبتَ الأمرَ عن معاينة: لماذا كان العلماء يَعُدُّون من مناقبهم قراءتَهم لكتاب سيبويه، أو شرحهم له؟
стр. 7
وبعد قراءتي لكتاب سيبويه أعتقد أَنَّه ما زال ثَرِيًّا بالأفكار، وأنَّ تلك الأفكار تنتظر من يُخرجها.
• الدراسات السابقة:
رُزِق كتاب سيبويه القبول من علماء الأمة وأئِمَّتِها، فكثرت حوله الدراسات والشروح والأبحاث التي لا يعلم عددها إلا الله، فهي من الكثرة بحيث تندُّ عن الحصر والإحصاء.
ولعلَّ أقرب الدراسات التي وقعت بين يدي وقريبة من بحثنا الأبحاث التالية:
١ ــ عناصر النظَرِيَّة النحوِيَّة في كتاب سيبويه محاولة لإعادة التشكيل في ضوء الاتجاه المعجمي الوظيفي، د. سعيد بحيري، مكتبة الأنجلو، ط ١، ١٩٨٩ م
٢ ــ التراكيب النحوِيَّة في كتاب سيبويه، محمد عطية محمد، رسالة دكتوراة، دار العلوم، ٢٠٠٢ م.
٣ ــ ما خرج عن الفصحى في كتاب سيبويه وعلاقته بالأصول النحوِيَّة، متولي محمد، ماجستير دار العلوم، ٢٠٠١ م.
٤ ــ المسائل النحوِيَّة والصَّرْفِيَّة التي تحتمل وجهين أو أكثر في كتاب سيبويه: دراسة وتحليل ونقد رشيد بن حويل، دكتوراة، دار العلوم، ٢٠٠٣ م.
تلك أهم الدراسات التي وقعت بين يديَّ، وكما تشير عناوين هذه الأبحاث والرسائل فهي بعيدة بشكل ما عن موضوعنا.
• منهج البحث في أثناء الدراسة:
كانت الخطة التي انتهجتها لنفسي في عملي هنا هي أنَّني في أثناء جمع المادة العلميَّة أتَّبِعُ منهجا إِحْصَائِيًّا تجميعيًّا تصنيفيًّا تحليليًّا. فعند قراءتي للكتاب كنت أقف عند النصوص التي ألمح فيها علاقة بموضوع بحثي، وأحاول جُهْدي التثبُّتَ من صواب فهمي لهذا النَّصِّ أو ذاك ومدى ارتباطه بالبحث من خلال شرح المحقِّق حينا أو من الشروح التي وضعت للكتاب أحيانًا أخرى. وبعد الانتهاء من تحديد النصوص وإحصائها صنَّفْتُ كلَّ مجموعة نصوص مترابطة ومتشابهة مع بعضها بحسب خطة البحث الموضوعة، ثُمَّ تحليل نصوص كلِّ مجموعة على حدى لاستخلاص أهم النتائج.
• خطة البحث:
تبدأ هذه الرسالة بتمهيد تناولت فيه التعريف بسيبويه: نشأته، وأسفاره العلميَّة، ووفاته. والتعريف بكتاب سيبويه ووقت تأليفه، والقيمة العلميَّة له، ومنهج سيبويه في هذا الكتاب كما لاحظه العلماءُ السابقون الذين درسوا الكتاب. كما تناول التمهيد أيضا تحديدَ أهمِّ المصطلحات المستخدمة
стр. 8
في البحث: «السِّياق»، و «التَّقْعِيد النَّحْوِيّ»، و «التوجيه النَّحْوِيّ»، و «الأصل»، و «الغالب، الكثير القليل، الضعيف، الشاذ، الردئ». كما تناول بالمعالجة والبيان أهمِيَّة اعتبار السِّياق عند التَّقْعِيد لِلُّغَة وأهميته كذلك للتوجيه الإعرابِيّ، والنصوص المعتمد عليها في التَّقْعِيد عند سيبويه، والقواعد العلميَّة التي يجب مراعاتها عند القيام بالتَّقْعِيد عامة.
وكان من اللازم ابتداء عند إبراز دور السِّياق في التَّقْعِيد النَّحْوِيّ والتوجيه الإعرابِيّ عند سيبويه أَنْ نجيب أولا عن السؤال التالي: «هل كان سيبويه يقوم بتقعيده النَّحْوِيّ وتوجيهه الإعرابِيّ من خلال نصوص مكتوبة أم مسموعة؟ هل كان يقوم بهاتين العمليتين من خلال المطالعة لدواوين الشعراء وقراءة المصحف مثلا؟ أم كان يقوم بهاتين العمليتن من خلال السماع ومعايشة الحدث الكلامي نطقا وإنشادا؟ »، بعبارة أخرى: «ما الظروف والملابسات التي أحاطت بسيبويه عند تقعيده
وتوجيهه؟ ».
وإذا كان هذا التَّقْعِيد يتمُّ من خلال اللُّغَة الحَيَّة المنطوقة، فهل كان سيبويه يعتبر السِّياق الذي نُطقت فيه هذه النصوص أم لا؟ هل كان يعتمد على نظَرِيَّة العامل بشكل أساسي في كل قواعده؟ أم كانت هناك فسحةٌ لتدخُّل السِّياق في هذا التَّقْعِيد؟ وإذا كان هناك تدخلٌ للسياق في تقعيد سيبويه للقاعدة، فما الإجراءات التي كان يتبعها عند هذا التَّقْعِيد المرتبط بالسِّياق؟ وبعبارة أُخرى: ما المنهج الذي اتَّبَعه سيبويه عند تقعيده وتوجيهه؟
من خلال هذه الأسئلة وهذا التصور جاء عنوان الفصل الأول من موضوع البحث: «السياق والمنهج عند سيبويه»، المبحث الأول فيه بعنوان «سيبويه والسِّياق»، والمبحث الثاني «خطوات إجرائِيَّة ومنهجِيَّة قبل التَّقْعِيد النَّحْوِيّ والتوجيه الإعرابِيّ عند سيبويه».
وبإثبات أَنَّ سيبويه تَأَثَّرَ بالسِّياق عند تقعيده وتوجيهه؛ كان لا بد من تقديم أدلة علمِيَّة من كتاب سيبويه تثبت هذا التأثُّر على مستوى التوجيه وعلى مستوى التَّقْعِيد، فجاءت الفصول «الثاني والثالث والرابع» لتقديم هذه الإثباتات. فكان الفصل الثاني بعنوان «دور السِّياق في التوجيه الإعرابِيّ» وجاء الفصل الثالث بعنوان: «دور السِّياق في التَّقْعِيد النَّحْوِيّ عند سيبويه»، وتجمعت بين يدي الباحث مادة معقولة توضح تأثيرًا للسياق على الجانب الصَّرْفِيّ؛ فظهر الفصل الرابع من هذا البحث
بعنوان: «السِّياق والقواعد الصَّرْفِيَّة».
ومن أهم الفوائد العَمَلِيَّة التي يمكن أَنْ نخرج بها من إبراز علاقة سيبويه بالسِّياق تقعيدا وتوجيها، وذكر العديد من الأمثلة والنماذج من الكتاب التي تثبت هذه العلاقة ــ أهمِيَّةُ الدعوة إلى إعادة النظر في نظرية العامل وتضافر جهود العلماء لوضع نظَرِيَّة نحوِيَّة للعربية يكون لُحمتُها وسُدَاها السِّياق؛ لذلك أتى الفصل الخامس متضمنا هذه الدعوة، وكان عنوانه «السِّياق وسيبويه والنظَرِيَّة النحوِيَّة».
стр. 9
كان هذا هو المخطط العام للرسالة، والتصور الذي بنى عليه الباحثُ خطته، وعليه جاءت خطة الرسالة كما يلي:
- التمهيد: وشمل:
• ترجمة لسيبويه ومنزلة كتابه.
• أهم المصطلحات العلميَّة المستخدمة في البحث.
• أهمِيَّة اعتبار السِّياق عند تحليل اللُّغَة ودراستها.
• النصوص المعتمد عليها في التَّقْعِيد.
• القواعد العلميَّة المراعاة عند التَّقْعِيد.
- الفصل الأول: «السياق والمنهج عند سيبويه»: وشمل مبحثين:
• الأول: سيبويه والسِّياق.
• والثاني: خطوات إجرائِيَّة ومنهجِيَّة قبل التوجيه الإعرابِيّ والتَّقْعِيد النَّحْوِيّ عند سيبويه.
- الفصل الثاني: «دور السِّياق في التوجيه الإعرابِيّ عند سيبويه»: ويشمل ثلاثة مباحث:
• الأول: أهمِيَّة السِّياق في التوجيهات النحوِيَّة عند سيبويه.
• الثاني: إثراء السِّياق للتوجيهات الإعرابِيّة والدِّلالِيَّة.
• الثالث: تَحَرُّك سيبويه بحُرِّيَّة في توجيهاته النحوِيَّة في حالة عدم اللَّبس.
- الفصل الثالث: «دور السِّياق في التَّقْعِيد النَّحْوِيّ عند سيبويه»: ويشمل خمسة مباحث:
• الأول: السِّياق والجملة الاسمِيَّة.
• والثاني: السِّياق والجملة الفعلِيَّة.
• الثالث: السِّياق والتوابع.
• الرابع: السِّياق والأساليب النحوِيَّة.
• الخامس: السِّياق والأدوات النحوِيَّة.
• السادس: سياق الحال والتنوين والتنكير والتعريف:
- الفصل الرابع: «السِّياق والقواعد الصَّرْفِيَّة»: ويشمل مبحثين:
• الأول: السِّياق ودلالة الفعل والمصادر والمشتقات.
• والثاني: السِّياق ومعاني الأوزان الصَّرْفِيَّة.
- الفصل الخامس: «السِّياق وسيبويه والنظَرِيَّة النحوِيَّة»: ويشمل مبحثين:
• الأول: تعريف مصطلح النظَرِيَّة.
• والثاني: النظَرِيَّة النحوِيَّة السِّياقِيَّة.
стр. 10
وقد بذل الباحثُ جُهْدَهُ في أَنْ يكون بنيان الرسالة سَوِيَّ الخَلْق ومترابط الأجزاء قدر
استطاعته.
وفي ختام كلامي، أسأل الله أَنْ أكون قد وفقت في بحثي هذا، وأَنْ يكون من العلم الذي يُنتفع به، وينفع الإسلام وأهله.
الطالب / إيهاب عبد الحميد عبد الصادق سلامة.
стр. 11
تمهيد
- ترجمة سيبويه:
o الاسم والنشأة والوفاة.
o أسفاره العلمِيَّة.
o شيوخه.
o منزلة سيبويه العلميَّة.
o كتاب سيبويه:
••وقت تأليفه.
••القيمة العلميَّة للكتاب.
••منهج الكتاب.
- أهم المصطلحات المستخدمة في البحث.
- أهمِيَّة اعتبار سياق الحال عند تحليل اللُّغَة ودراستها.
- النصوص المعتمد عليها في التَّقْعِيد.
- القواعد العلميَّة المراعاة عند تقعيد القاعدة.
стр. 12
تمهيد
- ترجمة سيبويه
o الاسم والنشأة والوفاة:
هو عمرو بن عثمان بن قَنْبَر، كنيته أبو بشر) أو أبو الحسن (، ولقبه سيبويه.
لم تُحَدِّد كتبُ التراجم عامَ مولده، وتذكر أَنَّهُ ولد في قرية يقال لها «البيضاء من قرى شيراز من عَمَل فارس» (١)، وأنَّه «قدِم البصرة وهو غلام» (٢)، وكان «منشؤه بها» (٣).
واضطربت المصادر في تحديد وقت وفاة سيبويه، وفي المكان الذي تُوفِّي فيه، وفي عمره وقت الوفاة:
- ففي العام الذي توفِّي فيه قيل إِنَّهُ توفِّي في «١٧٧ هـ» (٤)، وقيل: «١٨٠ هـ» (٥)، وقيل:
«١٦٠ هـ، وقيل: ١٨٨ هـ، وقيل: ١٩٤ هـ» (٦). والأصوب أَنَّ تاريخ الوفاة هو ١٨٠ هـ؛ لأَنَّ «سيبويه مات قبل يُونُس، ويُونُس مات سنة ١٨٣ هـ» (٧).
- وفي مكان وفاته، قيل: توفي في «البيضاء، وقيل: بالبصرة، وقيل: بساوة» (٨).
стр. 13
- وأما عن عمره وقت وفاته فقيل: «توفي عن ٣٢ عاما، وقيل: توفي وله نَيِّف
وأربعون» (١). وقد صحَّح ياقوتُ التحديدَ الأخير (٢).
o أسفاره العلميَّة:
لعلَّه من المفيد لبحثنا تتَبُّع البيئة) أو البيئات (العلميَّة التي نشأ فيها سيبويه، وتردَّد عليها فلا شك أَنَّ البيئة العلميَّة بما فيها من خلفيَّات ثقافيَّة وفكرية تؤثِّر في مَنْ يحيا بها، وتؤثر بالضرورة في إنتاجه العلمي، وكما يقول الفلاسفة: «إِنَّهُ لا سبيل لنا إلى فهم تاريخ الأعمال إِنْ لم نرجع أولا وقبل كل شيء إلى تاريخ الأفكار» (٣).
تشير كتب التراجم إلى ثلاثة أماكن تردَّدَ بينها سيبويه ولم تذكر سواها، وهي:
١ ــ البيضاء من قرى شِيراز من عَمَل فارس. وتلك القرية شهدت مولده وفترة قصيرة من صباه، وشهدت أيضا ختام حياته ووفاته.
٢ ــ البصرة، وهي المدينة التي «قدِم إليها وهو غلام، وبها أكمل دراساته وأتمَّ كتابه» (٤)، فالبصرة هي المدينة التي «نشأ بها» (٥)، وقضى بها جلَّ عمره؛ بل إِنَّ القِفْطِي نقل عن أحد العلماء قوله أَنَّهُ «من أهل البصرة» (٦)؛ وهذا يعني أَنَّ تكوينه العلميّ والثقافيّ اكتمل واختمر بالبصرة.
وقد تميزت البصرة بخصوصية جغرافية أدَّت إلى «تَفَرُّدِها» بطابع ثقافيّ مُعَيَّن؛ فقد «أفاد نحاة البصرة من موقع مدينتهم أعظم إفادة؛ فكانوا يرحلون إلى البادية تارة، ويستقبلون الأعراب القادمين من البادية إلى مدينتهم تارة أخرى ... أَمَّا قدوم الأعراب من البادية إلى البصرة فقد ظهر في صور متعددة، فمنهم من كان يمكث فترة قصيرة، ومنهم من كان يمكث فترة طويلة، ثُمَّ يعود إلى باديته، ومنهم من كان يطيب له المقام فلا يعود، وكان طلاب اللُّغَة وآدابها يُقْبلون على هؤلاء الأعراب للاستماع إليهم، وأخذ اللُّغَة عنهم» (٧).
стр. 14
وكانت البصرة «مرفأ تجاريًّا للعراق على الخليج العربي؛ فنزلتها عناصر أجنبيَّة كثيرة، ساعدت على اتصالها بالثقافات الأجنبية، وبفلسفة اليونان، وما وضعه أرسططاليس من المنطق وحدوده وأقيسته ... ؛ وعلى ذلك كان طبيعِيًّا أَنْ تختلط الدراسات اللُّغَوِيَّة بمباحث الفلسفة، وأَنْ يهتمَّ النَّحْوِيّون بالجانب الفلسفي المنطقي في وضع قواعدهم») (١).
ولأمر ما «سُمِّيَ نحاةُ البصرة بأهل المنطق، ولهذه التسمية ما لها من دلالة») (٢). ويقرِّرُ الأستاذ أحمد أمين أَنَّ العراقيين ــ بوجه عام ــ «بزُّوا الحجازيِّين في الرأي وهو ما يسمى القياس») (٣)، وأنَّ القياس قد لعب «دورا كبيرا في العصر العباسيّ، وشغل حيزا كبير من العلوم؛ فالقياس في أصول الفقه، وفي فقه اللُّغَة وفي النحو وفي المنطق»، كما توسعوا في «التعليل العقلي والتوسع في الاستنباط، والدِّقَّة في استخراج وجوه الشبه ووجوه الفروق») (٤). وقد ظهر تأثيرٌ واضحٌ وجليٌّ لبيئة البصرة على سيبويه، تأثيرٌ له أماراته الجليَّة وآياته الظاهرة وشواهده الصادقة لمن تأمَّلَ ودقَّقَ في الكتاب.
٣ ــ بغداد، وكانت زيارته لها زيارة عابرة؛ إذ وفدها «يطلب الشهرة في دار الخلافة؛ فناظره الكسائي مؤدِّب الأمين بن الرشيد في مسألة الزنبور وغلبه الكسائي؛ فعاد إلى وطنه فارس ومات
هناك» (٥).
o شيوخه:
لا تضم قائمة أسماء شيوخ سيبويه كثيرا من الأسماء، وتحدثنا كتب التراجم أَنَّ منهم:
«حَمَّادَ بنَ سَلَمَة، يُونُس بن حبيب، أبا الخطاب الأخفش الكبير، عيسى بن عمر الثَّقَفِي») (٦).
стр. 15
ويمكن أَنْ نفسر اقتصار كتب التراجم على ذكر هؤلاء العلماء كشيوخ لسيبويه بسببين:
- إمَّا لقِلَّة أسفار سيبويه العلميَّة، ومحدوديَّة تنقلاته كما أسلفنا.
- وإمَّا أَنَّ هؤلاء العلماء والأشياخ هم أكثر من لازمهم سيبويه، وأكثر من جلس إليهم، وهذا هو الراجح؛ إذ المادة العلميَّة التي في الكتاب مادة ضخمة ناضجة، تحتاج إلى جهد عدد كبير من العلماء؛ فلا بدَّ من أَنَّه قد جالس غيرهم.
على أَنَّ أعظم شيوخه قاطبةً الخليل بن أحمد الفُرهودي، فيلسوف دولة الإسلام كما قال
ياقوت (١). وتُحدِّثُنا كتب التراجم أَنَّ العلاقة توثَّقَت بين الرجلين، وكان سيبويه أحبَّ تلاميذه إليه، يحسن استقباله قائلا: «مرحبًا بزائر لا يُمَلُّ» (٢)، لا يقولها إلا إليه. وسمح هذا الحبُّ أَنْ يلازم سيبويهُ الخليلَ، وأن «يصنِّف كتابا من ألف ورقة من علم الخليل» (٣)، وأَنْ يكون «أثبت من حمل عن الخليل بن أحمد» (٤)، بل أَنْ يكون أبرع تلامذة الخليل في النحو (٥).
وكان تأثير الخليل على سيبويه وكتابه عظيما، ولقد نقل العلماء جانبا من هذا التأثير فقالوا:
١ ــ «سيبويه حامل علم الخليل وأوثق الناس في الحكاية عنه» (٦).
٢ ــ «عامة الحكاية في كتاب سيبويه عن الخليل» (٧).
٣ ــ «كان سيبويه الفارسي أشهر تلاميذ الخليل، ومصنِّف أول كتاب جمع ما ابتكره الخليل إلى محصول الباحثين السابقين» (٨).
стр. 16
٤ ــ « ... زعموا أَنَّ للخليل ثلاثة أياد عند العرب كبار لم يسدِ مثلها إليهم عربيٌّ منهم: أحدها ما نهج لتلميذه سيبويه من التأتي لتأليف كتابه حتى علّمه كيف يفرّق جمهور النحو أبوابا، وتُجَنَّسُ الأبوابُ أجناسا، ثُمَّ تنوع الأجناس أنواعا حتى أخرجه معجز التأليف؛ فَقَيَّدَ به على العرب منطقهم؛ حتى سلم أعقابهم للإعراب وتقويم اللسان من هُجْنَة اللحن وخطأ القول» (١).
٥ ــ «اجتمع على صنعة كتاب سيبويه اثنان وأربعون إنسانا منهم سيبويه، والأصول والمسائل للخليل» (٢).
ومجموع هذه النقول وخاصة الأخير منها يُعَبِّر عن «حقيقة علمِيَّة حتمية، وهي أَنَّ كتاب سيبويه إِنَّمَا هو لقاح جهود النُّحَاة الذين سبقوه؛ إذ لا يعقل أَنْ يبدع سيبويه هذا العلم المتكامل دون أَنْ يفيد من تلك الجهود الأصيلة التي رسمت كثيرا من أصول النحو ومسائله ومقاييسه وعلله» (٣).
وقد سجل سيبويه بنفسه بعض الحوارات التي دارت بينه وبين الخليل، فكان سيبويه يسأل والخليل يجيب، ولعل أطول هذه الحوارات الحوار الذي دار في الكتاب في باب النداء) (٤).
وإثبات العلماء لهذا التأثير ونصِّهم عليه أمر له تَبِعاته العلميَّة، فما يُسْتخلَص من نتائج في هذا البحث لن يكون خالصا لسيبويه من دون الخليل، والمقولة الخطيرة التي أوردها ياقوت في نصه السابق من نهج الخليل الطريق لكتاب سيبويه تؤكد على أحقيته في هذه النتائج، وأنَّه سبب فيها.
o منزلة سيبويه العلميَّة:
كان سيبويه نسيجَ وحدِهِ، منقطع النظير، لا تُفْتَحُ العينُ على مثله، من أعلم الناس باللُّغَة؛ قال الزجاج: «إذا تأملت الأمثلة في كتاب سيبويه تبيَّنت أَنَّهُ أعلم الناس باللُّغَة» (٥). وكان «غاية الخلق في النحو» (٦)؛ قال ابن خلكان: «كان أعلم المتقدمين والمتأخرين بالنحو، ولم يوضع فيه مثل كتابه. وذكره الجاحظ يوما فقال: لم يكتب الناس في النحو مثله، وجميع كتب الناس عليه
стр. 17
عيال» (١). وأصبح اسمه بمرور الأيام «صفة غير محضة» ــ إِنْ جاز هذا التعبير ــ على من برع في النحو؛ فيقال عنه «هو سيبويه عصره» (٢).
وكان ثقة صدوقا يتثبَّت من أحكامه قبل أَنْ يلقيها (٣)؛ فعندما سُئِل الأخفش سعيد بن مسعدة عن الثقة المأمون المقدم من أصحاب الخليل الذي يوثق بعلمه قال: «النَّضْر بن شُمَيْل، وسيبويه، ومُؤَرِّج السَّدُوسي» (٤).
o كتاب سيبويه:
لا يجوز أَنْ يكون هناك حديث عن سيبويه ولا يُتَصَوَّرُ أَنْ يكون هناك حديث يصاحب ذلك عن مُؤَلَّفِهِ «الكتاب» وخاصة أَنَّ عليه المُعْتَمَد في دراستنا هنا. هذا المُؤَلَّفُ الذي استوعب أصول علم النحو، وأحاط بفروعه أو كاد، لم يُصَنَّف في بابه أجمع منه، ولا أرصف تعبيرا، ولا أمتن سردا.
• وقت تأليفه:
من المهم أَنْ نقف على وقت تأليف الكتاب؛ لأَنَّ لذلك قيمة علمِيَّة؛ فليس ما يكتبه العلماء في الشَّبِيبَة والحداثة مثل ما يكتبونه في مختتم أعمارهم.
ولا نجد أَيَّةَ إشارة تعيننا على تحديد وقت مُحَدَّد لتأليف الكتاب. ولكن من خلال التأمُّل في نصوص الكتاب نفسه، وما ضممتُه إليها من بعض المعلومات التاريخِيَّة من كتب التراجم يمكن أَنْ نستنبط أَنَّهُ كتبه في أواخر حياته، أو على الأَقَلّ في آخر خمس سنوات منها (٥).
стр. 18
وهذا يعني أَنَّ الكتاب ألفه صاحبه وهو في قمة نضجه العلمي والفكري، وضمَّنه لما وقف عليه من شتيت الفوائد، ومنثور المسائل، وما بدا له من أصول وفروع، وتمحيص الحقائق واستبطان الدخائل؛ فأتى الكتاب محكم السبك مستوٍ على سوقه يعجب من يقرؤه.
وكان هذا التأليف بعد موت الخليل، بدليل إشارة سيبويه في كتابه: «وحدَّثني من لا أتَّهم عن الخليل ... ») (١). ففي هذا القول دليل على أَنَّ تأليف الكتاب كان بعد وفاة الخليل ــ ﵀ ــ؛ إذ لو كان حيا وقتها لراجعه في هذه المسألة التي كان يبحثها. ويستنبط د. على النجدي من خلال بعض الإشارات في الكتاب استنباطا غير مؤكد أَنَّ سيبويه بدأ تأليف الكتاب في حياة الخليل وأكمله بعد وفاته) (٢).
• القيمة العلميَّة للكتاب:
نال «الكتاب» من مدائح العلماء وثنائهم الكثير والكثير، فقد أفرغه صاحبه في قالب الكمال، ولا تُفْتَحُ العين على أتمَّ منه حسنًا في بابه، وأصبحت كلمة «الكتاب» ــ كما يقول الزَّمَخْشَرِيّ ــ إذا أفردت بالحديث علمًا على «كتاب سيبويه») (٣)؛ وقد قال العلماء فيه:
١ ــ قال السيرافي: «عمل سيبويه كتابه الذي لم يسبقه إلى مثله أحد» (٤).
٢ ــ وكان المُبَرد يقول لمن أراد أَنْ يقرأ عليه كتاب سيبويه «أركبت البحر؟ » (٥) تعظيما واستصعابا
٣ ــ وذكر صاعد بن أحمد الجُبَّائِي ــ من أهل الأندلس ــ: «لا أعرف كتابا أُلف في علم من العلوم قديمها وحديثها؛ فاشتمل على جميع ذلك العلم وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب ... والثالث: كتاب سيبويه» (٦).
стр. 19
٤ ــ قال ياقوت: «لأهل البصرة ثلاثة كتب يفتخرون بها على الأرض: كتاب النحو لسيبويه، وكتاب الحيوان للجاحظ، وكتاب أبي حاتم في القراءات» (١).
٥ ــ قال كارل بروكلمان: «كتاب سيبويه أقدم مصنف جمع مسائل النحو العربي كافة، وقد زاد المتأخرون كثيرا من تحديد مقاصد النحو، وتبيين حدوده، ولَكِنَّهم لم يكادوا يضيفون إليه شيئا ذا بال من الملاحظات الهامة والأنظار الجديدة» (٢).
٦ ــ ويقول د. على النجدي ناصف: «وأحسب أَنْ لو وزن الكتاب بكتب النحو كافة لرجحها وزنا، وأربى عليها قيمة، لا من الناحية التاريخِيَّة وحدها، ولكن من الناحية العلميَّة قبلها، ففيه كل ما فيها وزيادة، من النفائس المصونة والكنوز المذخورة») (٣).
٧ ــ وقال د. شوقي ضيف: إِنَّ «الكتاب يُعَدُّ آية خارقة من آيات العقل العربي؛ حتى سمَّاه بعضهم قرآن النحو») (٤) و «كتاب سيبويه لا يُعَلِّمُ العربِيَّة وقواعدها فحسب، بل يُعَلِّم أيضا أساليبها ودقائقها التعبيرية») (٥).
لقد أقام هذا العبقري الفَذّ هذا السِفر العظيم في ساحة الخلد أثرا، وأرسله مع الأيام ذكرا، وادخره للعربية كنزا، وندبه في العالمين شاهدا على براعته في العربِيَّة، ونفاذه إلى أسرارها، وإمامته في الاشتراع لها.
• منهج الكتاب:
لا شك ولاجدال أَنَّ سيبويه كان يسير على «منهج» في كتابه. ومن الأهمِيَّة بمكان ــ فيما أعتقد ــ الوقوف على هذا المنهج وآلياته التي كان سيبويه ينتهجها ويعمل وفقها؛ لأَنَّ هذا يمكننا من الفهم الدقيق لأقواله.
стр. 20
وقد قسمت حديثي عن منهج سيبويه إلى قسمين يُكمل بعضهما بعضا:
- قسم أخذته من أقوال العلماء.
- وقسم آخر من واقع دراستي الشخصيَّة لنصوص الكتاب نفسها) (١).
أما القسم الأول فإِنَّهُ من خلال النصوص التي جمعتُها من أقوال العلماء وإشاراتهم يمكن تحديد أركان هذا المنهج في النقاط التالية:
أتوثيق الرواية والتثبت فيما ينقله من كلام العرب وكلام العلماء:
بنى سيبويه كتابه على التوثيق والتثبُّت، فهو «يتحرَّى الدِّقَّةَ في العرض، ويُعنَى بتمييز الصريح من المشوب، والتنبيه على ما يصادف من المنحول») (٢). ويظهر هذا جليًّا في إشارات متفرقة للعلماء في كتب التراجم التي ترجمت له، من هذه الإشارات:
- قوله: «حدَّثني من أثق بعربِيَّته» (٣)، ومثل قوله: «أخبرني الثقة» (٤).
- قول الأخفش عن سيبويه: «كان سيبويه إذا وضع شيئا من كتابه عرضه على» (٥).
- وحينما قيل ليُونُس بعد موت سيبويه: «إِنَّ سيبويه صنَّف كتابا في ألف ورقة من علم
الخليل؛ فقال: ومتى سمع سيبويه هذا كله من الخليل؟ ! جيئوني بكتابه. فلما رآه قال: يجب أَنْ يكون قد صدق فيما حكاه عن الخليل؛ كما صدق فيما حكاه عني» (٦).
- قال البغدادي) ت ١٠٩٣ هـ (: «ويؤخذ من هذا أنَّ الشاهد المجهول قائله وتتمته إنْ صدر من ثقة يعتمد عليه قُبل؛ وإلا فلا. ولهذا كانت أبيات سيبويه أصحَّ الشواهد، اعتمد عليها خلفٌ بعد سلف، مع أنَّ فيها أبياتا عديدة جُهل قائلوها، وما عِيب بها ناقلوها، وقد خرج كتابه إلى الناس والعلماء كثير، والعناية بالعلم وتهذيبه وكيدة») (٧).
стр. 21
ويبدو أَنَّ هذا التثبُّت والتوثيق فيما ينقله أو يعرضه نابع من تَأَثُّره بأهل الحديث ومنهجهم، فقد كان سيبويه سُنِّيًا على السُّنَّةِ، و «سيبويه كان في أول أمره يطلب الحديث» (١)، و «يطلب الآثار والفقه» (٢)، وكان «يصحب الفقهاء» (٣). بل إِنَّ له رواية للحديث، قال السيوطي: «أسندنا حديثه في الطبقات الكبرى، وتكرر في جمع الجوامع» (٤).
وله مناظراته ومراجعاته العلميَّة مع أهل هذا الفن (٥).
إِنَّ وقوفنا على هذا الجانب عند سيبويه ومدى تَثَبُّتِهِ فيما ينقل يجعلنا نطمئن أَنَّهُ كان يعتمد على اللُّغَة كما قيلت عن أشخاص محددين في سياقات محددة، وهو بذلك يفيدنا في الدراسة التي نحن بصددها.
ب الاعتماد على المشهور:
من المعلومات القيِّمة التي ذكرها الإمام السيوطي معلومة أشار فيها إلى عنصر من عناصر منهج سيبويه، وتُلَخِّصُ جزءًا كبيرا من طريقته في تأليف كتابه، يقول: « ... ؛ ولذلك لم يُودِع) سيبويه (في أبواب الكتاب إلا المشهور الذي لا يُشَكُّ في صحته» (٦).
لقد كان سيبويه يجمع نصوص اللُّغَة ويدرسها ويصنِّفها، ثُمَّ يصدر فيها أحكاما، يدرس
«أساليب الكلام في الأمثلة والنصوص؛ ليكشف عن الرأي فيها صحة وخطأ، أو حسنا وقبحا» (٧)
إن اعتماد سيبويه على المشهور في كتابه يتفق مع ما تُقِرُّهُ المدارس اللُّغَوِيَّة الحديثة؛ فما كثر شيوعه وزادت نسبة وروده يُقاس عليه، وتؤسس عليه القاعدة، ويستنبط منها الصحيح المقبول
«وتلك هي الطريقة العلميَّة الحديثة في تقعيد القواعد، واستخراج مسائل اللُّغَة» (٨).
стр. 22
إن الاعتماد على المشهور من التراكيب اللُّغَوِيَّة يعني موافقة الجماعة اللُّغَوِيَّة على هذا التركيب، وهذه الموافقة تعني أَنَّ هذا التركيب «يُقَرر ويثبت ... ويجد طريقه إلى نظام اللُّغَة» (١).
ت الاعتماد على سياق الحال في التَّقْعِيد:
هذا العنصر استنبطناه من نصّ أورده الزبيدي والقفطي، كلٌّ في كتابه عن أبي العباس أحمد بن يحيي ثعلب، يقول فيه:
«العربُ تُخرجُ الإعرابَ على اللَّفظ دون المعاني، ولا يفسِد الإعرابُ المعنى، فإذا كان الإعرابُ يُفسد المعنى فليس من كلام العرب. وإنَّما صحَّ قول الفرَّاء؛ لأنَّهُ عمل العربِيَّة والنحو على كلام العرب، فقال: كلُّ مسألة وافق إعرابُها معناها، ومعناها إعرابَها فهو الصحيح. وإِنَّمَا لَحِق سيبويه الغلطُ لأنَّهُ حمل كلامَ العرب على المعاني، وخلَّى عن الألفاظ، ولم يوجدْ في كلام العرب ولا أشعار الفحول إلا ما المعنى فيه مطبّق
للإعراب، والإعراب مطبّقٌ للمعنى. وما نقله هشام عن الكِسائيِّ فلا مطعَن فيه، وما قاسه فقد لحِقه الغمْز؛ لأنَّهُ سلك بعضَ سبيل سيبويه، فعمل العربِيَّة على المعاني وتركَ الألفاظ؛ والفرَّاء حمَل العربِيَّة على الألفاظ والمعاني فبَرع واستحقَّ التَّقْدِمة، وذلك كقولك: ((مات زيدٌ))؛ فلو عاملت المعنى لوجب أَنْ تقول: ((مات زيدًا))؛ لأَنَّ الله هو الذي أماته، ولكنك عاملت اللفظ، فأردتَ: سكنتْ حركاتُ زيد» (٢).
يهمنا في هذا النَّصّ كلمة «المعاني» التي وردت على لسان ثعلب، ومن خلال السِّياق الذي وردت فيه هذه الكلمة؛ فَإِنَّ معنى كلمة «المعاني» تشير إلى أَنَّهُ يقصد بها «سياق الحال» بدليل
قوله: «فلو عاملت المعنى لوجب أَنْ تقول: ((مات زيدًا))؛ لأَنَّ الله هو الذي أماته)). فثعلب يشير أَنَّنا لو أخذنا بالمعنى) وهو إماتة الله للعبد (لوجب أَنْ نقول كذا؛ فهو يربط المعنى بشيء خارج اللُّغَة وهي الخلفيَّة الثقافيَّة) العَقِيدِيّة (عند المسلمين Background knowledge، وهذه الخلفيَّة من مكونات سياق الحال. فثعلب ينعَى على سيبويه ــ بغض النظر عن صحة وجهة نظر ثعلب أم لا ــ لجوئه للمعاني) سياق الحال (.
ث اعتماد القياس:
وهذا العنصر مستخلص من قول الجَرْمِي: «أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه؛ فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: أنا رجل مكثر من الحديث، وكتاب سيبويه يعلمني القياس،
стр. 23
وأنا أقيس الحديث وأفتي به» (١). وفي رواية الزجاجي: «وذاك أَنَّ أبا عمر كان صاحب حديث، فلما علم كتاب سيبويه تفقه في الدين والحديث، إذ كان ذلك يتعلم منه النظر والتفتيش» (٢).
والذي يُفهَم من النَّصّ أَنَّ سيبويه اعتمد على القياس في كتابه، وأنَّ الجرمي أخذ طريقته في القياس وطبقها على فتاويه في الفقه. وهنا سؤال: ما خطوات هذا القياس التي كان يقوم بها الجرمي التي أخذها من سيبويه؟ يمكن أَنْ نجتهد في الإجابة عن هذا السؤال، ونكون بإجابتنا عنه قد أجبنا ضمنا عن: ما المقصود بالقياس وطريقته عند سيبويه؟ .
إِنَّ القياس لغة «تقدير شيء على مثال شيء آخر وتسويته به»، واصطلاحا عند الأصوليين:
«حمل فرع على أصل في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بجامع بينهما هو العلة» (٣)، وعند الفقهاء: «إلحاق أصل بفرع في الحكم لاتحادهما في العلة» (٤)، وعند النُّحَاة: «حمل غير المنقول على المنقول إذا كان في معناه» (٥). فالمعنى اللغويّ والاصطلاحي قريبان من بعضهما، وعليه يمكن فهم القياس في عبارة الجرمي كما يلي: تجميع الأحاديث التي تدور حول موضوع واحد لتخصيص العام منها، وتوضيح المجمل، ثُمَّ استخلاص «علة الحكم» التي تطبق على كل حالة إفتاء مشابهة. وإذا طبقنا هذا على سيبويه يمكننا القول إِنَّهُ: يجمع الجمل ذات التراكيب المتشابهة بتوثيق وتثبت بسياقاتها التي تقال فيها) إذ لا كلام بدون سياق (، ثُمَّ استخلاص «تركيب ما» مستنبط من مجموع هذه الجمل المتشابهة، مع ذكر البدائل المختلفة لهذا التركيب. هذا التركيب المستخلص هو «العلة» التي يقاس إليها غيرها من الكلام) (٦).
стр. 24
ج الميل للشعر عند التَّقْعِيد:
اعتمد سيبويه في كتابه على مادة تتكون من:
١ ــ عبارات مروِيَّة، وأخرى غير مروِيَّة.
٢ ــ ومفردات عربيَّة وأخرى أعجميَّة، خالصة أو معربة.
٣ ــ مسائل مفترضة قيست على نظائر لها في اللُّغَة.
٤ ــ شواهد من القرآن وأخرى من الشعر والرجز) (١).
ولقد مال سيبويه ــ كما لا حظ د. إبراهيم أنيس ــ للشواهد الشعرِيَّة «اعتقادا منه أَنَّ رواية الشعر أدق من رواية النثر، وأَنْ تذكر المنظوم أيسر من تذكر المنثور، وأنَّ احتمال التغيير والتبديل في الشعر أقل من احتماله في المروي من النثر» (٢)، ومن يحصِ الشواهد المروية في الكتاب يجد «عدد شواهد الكتاب الشعرية ألفا وخمسين شاهدا) ١٠٥٠ (، وعدد الأمثال مع الأساليب والنماذج النحوية) أعني الشواهد النثرية (الواردة في الكتاب ثلاث مئة وخمسين. هذا عن كلام العرب. أمَّا القرآن الكريم فعدد الآيات المستشهد بها في الكتاب أربع مئة وسبع وأربعون آية، والأحاديث الشريفة فيه ثمانية ... أي أن هناك) ١٠٥٠ (شاهدا من الشعر مقابل) ٨٠٥ (شواهد من كل ما عداه. فإذا اتخذنا «الكتاب» مثلا للمؤلفات اللغوية ــ وإنَّه لكذلك في غير متن اللغة والدلالة ــ فإن هذا البيان لنوعيَّات الشواهد، وعدد كل منها فيه، يثبت اعتماد الأحكام اللغوية في جمهورها الأعظم على الشعر») (٣).
إن الاحتجاج بالشعر ــ ليس عند سيبويه فقط بل في غالب المؤلفات النحوية ــ «أفشى وأشيع كثيرا من الاحتجاج بكلام العرب النثري، ولعل هذا سببه شيوع حفظ الشعر») (٤).
стр. 25
ولا نعتقد أَنَّ سيبويه في اعتماده على الشعر سيكون بعيدا عما هو مرتبط به، فالشعر كفَنٍّ «صدى للبيئة التي يعيش فيها، ومرآة تنعكس عليها ظروفها وأحداثها، ما دام الفن جانبا حيويا من جوانب الحياة، يتصل بها، ويؤثِّر فيها، ويتَاَثَّرَ بها، ولا يعيش بمعزل عنها. ولا نكاد نتصور أَنَّ الفن ــ مهما يؤمن أصحابه بأنَّه للفن ــ يعيش في برج عاجي أو في منطقة معزولة، بعيدا عن قانون التأثر والتأثير، أو تعبير عن شخصيات أصحابه فحسب دون أَنْ يكون تعبيرا عن البيئة أيضا؛ فالفن ــ كما نراه ــ تعبير عن الشخصيَّة والبيئة معا، أو ــ بتعبير أدق ــ تعبير عن تَأَثُّر الشخصيَّة بالبيئة أو تأثير البيئة في الشخصيَّة» (١).
****
- أهم المصطلحات المستخدمة في البحث:
من الأمور التي يجب أَنْ نشير إليها، وتحثُّنا عليها طبيعة البحث العلمي ــ تحديدُ أهم المصطلحات المستخدمة في البحث.
والمصطلح Term ــ كما تعرفه المعاجم اللُّغَوِيَّة ــ هو: «كلمة أو مجموعة كلمات phrase من خلالها يُعَبِّر عن شيء ثابت ومُحَدَّد») (٢). ويعرفه بعض العلماء ب أَنَّه: «اللفظ أو الرمز اللغويّ الذي يستخدم للدلالة على مفهوم علمِيّ أو عَمَلِيّ أو فنِيّ أو أي موضوع ذي طبيعة خاصة») (٣).
ويتفق العلماء على أهمِيَّة توحيد معني المصطلح وعلى أهمِيَّة معرفة مصطلح علم من العلوم؛ لأَنَّ ذلك من شأنه أَنْ «يُوَحِّدَ بساط البحث الذي من الممكن أَنْ يلتقي عليه العلماء , وتسهم بشكل فعَّال في التنسيق بين مختلف أبحاثهم ودراساتهم. كما أنَّها تزيد من اتصال القارئ العادي غير المتخصص بهذا العلم أو ذاك نتيجة القضاء على الاضطراب المصطلحي؛ وبالتالي البلبلة
الفكرية») (٤).
من هذا المنطلق سنحدد أهم المصطلحات التي سنتكئ عليها في بحثنا هنا، وفيما يلي أهمها:
стр. 26
- المصطلح الأول (( ... السِّياق)):
مصطلح السِّياق من أهم المصطلحات في بحثنا هنا، وعلى أساسه سيجري كثيرٌ من النقاش والتأسيس لبعض الجوانب العلميَّة؛ لذلك علينا أَنْ نستوفي كُلَّ الأمور المتعلقة به، ونُثْبِتُها على مُكْثٍ، ليس فقط من حيث التعريف والتحديد لمعناه، بل لا بد أَنْ نتطرق معه إلى:
أتأثير سياق الحال على اللُّغَة / الكلام.
ب اهتمام علمائنا الأقدمين بالسِّياق.
ت مكونات سياق الحال وما يشتمل عليه.
وتنبع أهمِيَّة هذا «الحديث» من أَنَّهُ سيكون «الخلفيَّة العلميَّة» التي تُعِيننا على حسن التَّهَدِّي لموضوعنا، ومنطلقا ننطلق منه ونحتكم إليه ونسير في ضوئه عند بحثنا لدور سياق الحال في التَّقْعِيد النَّحْوِيّ والتوجيه الإعرابِيّ عند سيبويه.
• تعريف السِّياق:
إذا تتبَّعنا معنى كلمة «السِّياق context» في المعاجم اللُّغَوِيَّة العامَّة نجد أنَّها تشير إلى معنيين:
أمعنى عام يشمل اللُّغَة وغيرها:
تقول بعض هذه المعاجم إِنَّ السِّياق هو «البيئة أو الظروف أو الحقائق والوقائع المحيطة التي تساعد على إعطاء صورة شاملة عن شيء ما» (١)، أو «تؤثر على شيء ما» (٢). أو إِنَّهُ:
«الموقف الذي فيه يحدث شيءٌ ما أو الذي يتسبَّبُ في حدوث شيء ما» (٣).
ب ومعنى خاص مرتبط باللُّغَة:
والمعنى الثاني الذي تعطيه المعاجم اللُّغَوِيَّة العامَّة وبعض المعاجم المتخصِّصَة هو معنى مرتبط باللُّغَة خاصة، فتقول: إِنَّهُ «سياق الكلام» (٤).
أو «بيئة الكلام ومحيطه وقرائنه» (٥)،
стр. 27
أو هو «الكلمات التي تأتي قبل) أو بعد (كلمة أو عبارة أو جملة، وتساعد على فهم معناها» (١).
هذا السِّياق المرتبط باللُّغَة قسمه علماء اللُّغَة المتخصِّصون إلى قسمين:
- سياق لغوي Linguistic context ــ Verbal context .
- سياق غير لغوي contextNon-linguistic) (٢) .
أما السِّياق اللغويّ فـ «يتمثَّلُ في الأصوات والكلمات والجمل كما تتتابع في حدث كلامِيّ معين أو نصّ لغوي» (٣). فالوحدات الدِّلالِيَّة المكونة لكلام أو نصّ ما «تقع في مجاورة وحدات أخرى وإنَّ معاني هذه الوحدات لا يمكن وصفها أو تحديدها إلا بملاحظة الوحدات الأخرى التي تقع مجاورة لها» (٤).
أما السِّياق غير اللغويّ أو سياق الحال Context of situation فإِنَّهُ يعني «الجو الخارجيّ الذي يحيط بالكلام من ظروف وملابسات» (٥). أو هو «البيئة غير اللُّغَوِيَّة لكلام ما» (٦).
ويُزِيد ديفيد كريستال David Crystal هذا المصطلح إيضاحا في معجمه «A Dictionary Of Linguistics And Phonetics» فيقول: «إِنَّ سياق الحال يشير إلى كُلِّ جوانب هيئة العالم الخارجيّ التي يجب أَنْ تؤخذ في الاعتبار عند تحليل «كلام ما» إلى مستوياته) الأصوات، القواعد الدِّلَالَة (لوثاقة هذه الجوانب بهذا التحليل» (٧). ويقول في موضع ثان: «وفي أوسع معنى لسياق
стр. 28
الحال فإِنَّهُ يشمل الخلفيَّة غير اللُّغَوِيَّة لنص أو كلام ما كاملة وبكل ما فيها، ويشمل ذلك الموقف الحالي الذي يستخدم فيه النَّصّ أو الكلام، ووعي المُتَكَلِّم والسامع لما قيل قبلُ، وأَيَّة معتقدات أو افتراضات سابقة خارِجِيَّة» (١). إِنَّ سياق الحال «يمثِّله العالم الخارج عن اللُّغَة بما له من صلة بالحدث اللغويّ أو النَّصّ، ويتمثل في الظروف الاجتِماعِيَّة والنفسِيَّة والثقافيَّة للمتكلم والمشتركين في الكلام أيضا» (٢).
والمصطلحات التي تعبر عن السِّياق غير اللغويّ أو سياق الحال كثيرة) (٣).
ومن خلال دراسة هذا المصطلح، ودراسة كتاب سيبويه نفسه يمكن تقسيم سياق الحال من حيث «الوقتِيَّة والديمومة» إلى قسمين:
• سياق حال لحظِيّ وقتِيّ عابر.
• سياق حال شبه ثابت، يتمثل مثلا في العرف الاجتماعِيّ والعادات والتقاليد، والخلفيَّة العَقِيدِيّة.
• تأثير سياق الحال على اللُّغَة / الكلام:
من الأمور التي يجب إبرازها ومناقشتها وتسليط الضوء عليها بعد أَنْ انتهينا من تعريف سياق الحال وذكر أهم مصطلحاته ــ تأثيرُ سياق الحال على اللُّغَة / الكلام. وهي نقطة جوهرِيَّة في موضوع بحثنا، تستحق وقفة متأنيَّة بعض الشيء.
وقبل إبراز هذا التأثير ينبغي أولا تسليط بعض الضوء على العلاقة بين اللُّغَة والكلام، تلك الثُّنائِيَّة التي جاءت بها بعض المدارس اللُّغَوِيَّة الحديثة.
فإذا تحَدَّثنا عن تأثير سياق الحال على اللُّغَة؛ فهل يعني هذا إهمال جانب الكلام؟ وإذا تحَدَّثنا عن تأثير سياق الحال على الكلام؛ فهل يعني هذا إهمال جانب اللُّغَة؟ أم أَنَّ حديثنا عن تأثير سياق الحال يعني ضمنا الحديث عن التأثير في هذه الثُّنائِيَّة معًا؟
إنَّ مسَوِّغ هذه المناقشة أَنَّنا سنتحدث عن السِّياق ودوره في التَّقْعِيد والتوجيه النَّحْوِيّين عند سيبويه، وسيتمخض عن هذا بعض النتائج والقواعد، فهل هذه النتائج تتَعَلَّق باللُّغَة أم بالكلام؟
стр. 31
• اللُّغَة والكلام:
لَعلَّ من أهم الأفكار التي أتى بها العالم اللغويّ الفذ فرديناند دي سوسير Ferdinand de Saussure (١) فكرة التفرقة بين «اللُّغَة المُعَيَّنَة) اللسان (Le langue» و «والكلام Le parole» وحدد دي سوسير اللُّغَة المُعَيَّنَة بأنَّها «نظام من الرموز التي يستدعيها حدوث الكلام الفعلي» (٢). وهي
«مجموعة القواعد والضوابط اللُّغَوِيَّة المخزونة في ذهن الجماعة صاحبة اللُّغَة المُعَيَّنَة» (٣)، وهي «وظيفة جماهير المُتَكَلِّمين في البيئة اللُّغَوِيَّة المُعَيَّنَة» (٤).
أما الكلام فهو «الأحداث الفعلِيَّة المنطوقة من الفرد المُعَيَّن في موقف معين» (٥). أو هو
«وظيفة الفرد المُتَكَلِّم فعلا، وهو عبارة عن أحداث لغَوِيَّة يُحدثها المُتَكَلِّم وقت الكلام الفعلي» (٦)، وإذا كانت اللُّغَة نظاما من رموز صوتيَّة مخزونة؛ فَإِنَّ الكلام «نشاط مترجم لهذه الرموز الموجودة بالقوة إلى رموز فعلية حقيقيَّة» (٧).
فاللُّغَة إذن بتصوُّر سوسير ومن تبعه من علماء اللُّغَة المحدثين «ثابتة ومُستقِرَّة نسبيا إذا قورنت بالكلام، وبالرغم من خضوعها للتغيير والتطور فهي تسير في هذا الاتجاه ببطء شديد، كما أَنَّ بعض التغيرات الرئيسيَّة التي تصيب اللُّغَة قد تستغرق أجيالا بل قرونا طويلة» (٨). أَمَّا الكلام
«فهو عابر وزائل، وهو شيء ثانوي» (٩)، وأَنَّنا «يمكن أَنْ ندرس اللُّغَة دون الكلام» (١٠).
стр. 32
ولقد أخرج دي سوسير الكلام من النظر والبحث في إطار علم اللُّغَة و «انصرفت جهوده كلها إلى اللُّغَة تاركا الكلام لقوم آخرين هم علماء النفس» (١). وباستمرار الدراسة بما وضعه من منهج أصبحت اللُّغَة عنده «هيكلا أو بناء أو جهازا منعزلا عن كل ما يحيط به من ظروف وملابسات خارِجِيَّة» (٢)، أي أَنَّنا نستطيع أَنْ نُقَرِّر أَنَّهُ لم يكن لدى سوسير نصيب في الدرس اللغويّ الاجتماعِيّ
وبعد سوسير أتى نعوم تشومسكي Noam Chomsky (٣)،
وأظهر لنا ما سمَّاهُ بـ «البنية العميقة Deep Structure» و «البنية السطحيَّة Surface Structure»، ويقصد بهذا «أَنَّ اللُّغَة عنده جانبان: أحدهما ما سمَّاه الكفاية أو القدرة، وثانيهما: أطلق عليه الأداء، وهو في هذا التفريق يقترب مما عناه دي سوسير بالتفريق بين اللُّغَة والكلام ولكن مع فارق دقيق» (٤).
وأهم المعالم أو المبادئ التي تميز اتجاه تشومسكي في نظريته اللُّغَوِيَّة هو قيامها على
«إنسان متكلم ــ مستمع مثالي، تابع لبيئة لغَوِيَّة متجانسة تماما، ويعرف لغته جَيِّدا» (٥).
стр. 33
ثُمَّ ظهرت المدرسة الاجتِماعِيَّة في دراسة اللُّغَة، التي تبحث في اللُّغَة من منظور اجتماعي، بريادة العالم اللغويّ فيرث Firth (١) الذي رأى أَنَّ موضوع علم اللُّغَة هو «اللُّغَة في موقف كلامي فِعْلِي لأَنَّ استخدام اللُّغَة ما هو إلا شكل من أشكال الحياة الإنسانيَّة» (٢)، و «أَنَّ دراسة الكلام دون الرجوع إلى المجتمع الذي يتحدَّث به هو استبعاد لاحتمالات وجود تفسيرات اجتماعيَّة للأبنية والصيغ المستخدمة في الكلام» (٣).
وأنكرت هذه المدرسة «ثنائية» دي سوسير وتشومسكي، ورأت «أَنَّ الحديث اللغويّ) كلمة أو عبارة أو جملة (وحدة متكاملة لا انفصام لجانبيها؛ ومن ثَمَّ وجب تحليلها على هذا الأساس» (٤)، ولم يخطر «ببال الاجتماعِيّين اللغويّين هذه الثُّنائِيَّة بوجهيها نظرا وتطبيقا» و «لم يفرقوا بين اللُّغَة والكلام» (٥). وهذا المبدأ نابع من أَنَّ التفرقة بين اللُّغَة والكلام عندهم «ليس له ما يبرِّره من حيث المنطق والواقع؛ إذ هما جانبان لشيء واحد، أو هما مصطلحان يطلقان على مسمّى واحد، وكل منهما اجتماعي وفردي، كل منهما عقلي ومادي، وهما متداخلان إلى درجة يصعب التفريق بينهما فكلام الفرد ليس إلا أسلوبا أو مثلا من كلام الجماعة، وكلام الجماعة ليس إلا حصيلة كلام الأفراد» (٦).
والباحث يميل بعض الميل إلى المدرسة الاجتِماعِيَّة في إنكار هذه الثُّنائِيَّة، ويأخذ بمنهجها في دراسة اللُّغَة.
стр. 34
أمّا أَنَّنا نميل بعض الميل للمدرسة الاجتِماعِيَّة في إنكار هذه الثُّنائِيَّة فلأنَّ:
١ ــ اللُّغَة «ظاهرة اجتماعيَّة، وهي ضرب من السلوك الاجتماعِيّ والثقافي»؛ لذلك «فاللُّغَة لا يمكننا فهمها أو درسها وتحليلها أو تعليمها وتعلمها منعزلة عن سياقها الاجتماعِيّ؛ فالمجتمع بكل ما فيه ومن فيه لا بد أَنْ يؤثِّر في اللُّغَة بكل مستوياتها أصواتا وصرفا ونحوا ودلالة وألفاظا» (١)، والحق ــ كما يقول د. محمود عياد ــ «إِنَّ أَيَّة محاولة لتفسير الظواهر اللُّغَوِيَّة المختلفة دون الرجوع إلى المجتمع ــ وذلك ما قامت به المدرسة التوليدِيَّة التحليلِيَّة بكافة فروعها ــ إِنَّمَا هو محاولة عبثِيَّة تنطوي على مثالِيَّة متطرفة، ولن تؤدي هذه المحاولة إلا إلى إجداب الدراسات اللُّغَوِيَّة، فاللُّغَة سلوك اجتماعي يحدده المجتمع في المقام الأول» (٢).
٢ ــ وجود علاقة وثيقة بين اللُّغَة والكلام، فـ «الكلام هو ضرب من السلوك الاجتماعِيّ، ودراسته دون الرجوع إلى المجتمع الذي يستخدم فيه تُعَدُّ عملا خطيرا لعلم اللُّغَة ذاته؛ إذ إِنَّ حرمانه من النظرة الاجتِماعِيَّة يعني الحرمان من تفسيرات اجتماعيَّة للأبنية والصيغ المستخدمة فيه، وهي في نهاية الأمر ــ بعد قبولها ــ لا بدَّ أَنْ ترتَدّ إلى اللُّغَة وتصبح جزءا لا يتجزأ من نظامها الذي تدور حوله اهتمامات علم اللُّغَة» (٣). إِنَّ من المقرر «أَنَّ الأحداث اللُّغَوِيَّة الفعلِيَّة تقع أولا وبتكرارها ووقوعها مرَّات ومرَّات في سياقاتها الاجتِماعِيَّة تحدث انطباعات لها تستقر في ذهن الجماعة أو الفرد، وتصبح بمثابة الأنماط العامة التي يمكن أَنْ تستدعى وتخرج حقيقة واقعة في التعامل في ظروفها المناسبة. ومهما يكن الأمر فالجانبان مترابطان ومتلازمان وجودا وعدما واستقرارا وتطورا، والتجديد في الأول ــ وهو جانب الطاقة أو القواعد والقوانين ــ يأتي نتيجة للتعديل أو التغيير والتطور في الثاني» (٤).
٣ ــ إِنَّنَا في البحوث العلميَّة «لا نُفَرِّق بين ما يسمى لغة الفرد ولغة الجماعة؛ إذ أَنَّنا نعُدّ الفرد جزءا من بيئته، وهو ممثل صحيح لها، وهو في كلامه يراعي ــ بطريق شعوري أو لا شعوري ــ النماذج اللُّغَوِيَّة التي تعارف عليها أعضاء المجتمع» (٥).
стр. 35
٤ ــ إنَّ إحدى سهام النقد التي صُوبَت إلى رُوّاد المدرسة البنيوية بعد ذيوعها وانتشارها أنَّهم
«تعاملوا مع اللُّغَة كما يتعاملون مع المواد الكيمياوية التي يمكن تحليلها في المختبر بطريقة علمِيَّة موضوعية لا علاقة لها بالفكر أو المعنى، أو كما يتعاملون مع الظواهر الطبيعِيَّة أو النظريات الرياضية، وأهملوا إهمالا تاما علاقة اللُّغَة بالعقل، كما أهملوا علاقتها القوية جدا بالمجتمع») (١).
وأمَّا ميلنا للمنهج الاجتماعِيّ نفسه فلأَنَّ:
أالأخذ بالمنهج الاجتماعِيّ السِّياقي واعتناق المبادئ التي يقولها «يجعل المعنى سهل الانقياد للملاحظة والتحليل الموضوعي، كما أَنَّ الأخذ به يبعد عن فحص الحالات العقلِيَّة الداخليَّة التي تُعَدُّ لغزا» (٢).
ب في مناهج هذه المدرسة «ما يكفل لنا الوصول إلى نتائج صحيحة خالية من الاضطراب والخلط» (٣).
ت المدرسة التوليدِيَّة التَّحويلِيَّة تنطلق من مبدأ خيالي «هو افتراض وجود متكلم ــ سامع مثالي غير متأثر بالتنوعات أو الفروق الكلامِيَّة في المجتمع». ومن الجدير بالذكر أَنَّ تعديلات أُدخلت على نظَرِيَّة تشومسكي وثنائيته، وقد حاولت هذه التعديلات في نهاية المطاف «الربط بين القواعد الجراماتيكية العميقة) التي تمثل الطاقة (والعمليات الاجتِماعِيَّة، وتحققت فيما سُمِّيَ بعدُ بالطاقة الاتصالِيَّة Commutative Competence» (٤) .
نخلص مما سبق أَنَّ العلاقة بين اللُّغَة والكلام علاقة وثيقة، فاللُّغَة تؤثِّر في الكلام والكلام يؤثِّر في اللُّغَة، فعلاقة التأثير والتأثُّر علاقة متبادلة بين الطرفين. وعند الحديث عن تأثير لسياق الحال على اللُّغَة يعني هذا ضمنا وجود تأثير على الكلام والعكس بالعكس.
بعد إبراز هذه العلاقة الوطيدة بين اللُّغَة والكلام، نتساءل: هل يمكن أَنْ يكون تأثير السِّياق على هذه العلاقة محل نقاش أو جدل؟ ! نقول إِنَّ تأثير سياق الحال على اللُّغَة / الكلام ليس محل نظر، فهو أمر لاجدال فيه، وهذا ما تتابعت أقوال العلماء على تأكيده على اختلاف مشاربهم واهتماماتهم وتخصصاتهم، وتلك طائفة من أقوالهم الصريحة المباشرة التي تبرز هذا التأثير:
стр. 36
••يقول الإمام ابن قيم الجوزية ــ ﵀ ــ: «السِّياق يرشد إلى تبيين المُجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد ... وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المُتَكَلِّم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته» (١).
••ويذكر ابن جني: «فلو كان استماع الأذن مغنيا عن مقابلة العين مجزئا عنه لما تكلَّف القائل ولا كلَّف صاحبه الإقبال عليه والإصغاء إليه» (٢).
• ويشير د. إبراهيم أنيس: «أين هذا الكلام المستقل بالفهم الذي لا نستعين فيه بكلام سبقه ولا بتجارب ماضية ولا بإشارات الأيدي وتعابير الوجوه في كثير من الأحيان؟ » (٣).
• ونجد قول د. كمال بشر: «الكلام منعزلا عن مسرحه أو مقامه ضرب من الضوضاء ... وعزل الكلام عن هذا الموقف الحي يحيله إلى شيء مُشَوَّه ممسوخ» (٤).
• ويؤكد د. بدراوي زهران: «اللُّغَة تنبع من واقع حي تتفاعل معه عناصرها المختلفة؛ فتحمل من ظلال هذا الواقع وإيحاءاته عناصر كثيرة تمتزج بعناصر بنيتها الأساسيَّة ... إنها تنبثق عن أحوال المخلوقين وعاداتهم وما فُطروا عليه في ظاهر أمرهم وموضوع جبلتهم» (٥).
• ويقول د. عبد العزيز موافي: «النَّصّ ــ أي نصّ ــ هو رسالة لا يمكن أَنْ تكونَ موجَّهة إلى لا أحد وإلا تحولت إلى فعل عبثي» (٦).
стр. 37
اهتمام علمائنا الأقدمين بالسِّياق:
تجعلنا طِدَةَ العلاقةِ بين اللُّغَة والكلام، وتأكيد العلماء على تأثُّر هذه العلاقة بالسِّياق أَنْ نتساءل: ما مدى وعي علمائنا الأقدمين بتأثير السِّياق على اللُّغَة؟ هل كان وعيهم بهذا التأثير على المستوى النظري فقط أم كان وعيا نظريا وتطبيقا معا؟
ولأهمِيَّة سياق الحال وسلطانه على الكلام لا نتوقَّع أَنْ يغفل عنه علماء أمتنا، وألا تبعد خطورة هذا التأثير وهذا السلطان عن فطنتهم وإدراكهم. وتكفي إطلالة يسيرة على تراثنا لنثبت عمق فهم علمائنا لقضية السِّياق، وإدراكهم لأثره النظري والتطبيقي، وتحكمه في تكوين الدِّلَالَة المستنبطة من النَّصّ. ولم يكن هذا الإدراك مقصورا على فئة من العلماء دون أخرى بل شمل جُلَّ العلماء على اختلاف مشاربهم وتخصُّصاتهم.
ويأتي على رأسهم البلاغيون واللغويُّون وبعض النحاة، ومن إشاراتهم:
- نجد شيخ اللغويّين ابن جني يعقد فصلا في كتابه «الخصائص» بعنوان: «باب مراتب الأشياء، وتنزيلها تقديرا وحكما، لا زمانا ووقتا»، يتحدَّث فيه عن دور السِّياق فيقول في آخر هذا العنوان: «ومن ذلك ما أقيم من الأحوال المشاهدة مقام الأفعال الناصبة، نحو قولك إذا رأيت قادمًا: خير مقدم؛ أي قدمت خير مقدم. فنابت الحال المشاهدة مناب الفعل الناصب. وكذلك قولك للرجل يُهوي بالسيف ليضرب به: عمرًا، وللرامي للهدف إذا أرسل النزع فسمعت صوتًا: القرطاس والله؛ أي اضرب عمرًا، وأصاب القرطاس») (١).
- ونجد ابن هشام عند حديثه عن الفعل المتعدي يقول: «كونه مذكورا هو الأصل ... وقد يضمر جوازا إذا دَلَّ عليه دليل مقالي أو حالي؛ فالأول نحو: ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾ النحل: ٣٠؛ أي أنزل ربنا خيرا بدليل ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ النحل: ٢٤، والثاني: نحو قولك لمن تأهَّب لسفر:
«مَكَّةَ؟ » بإضمار «تريد»، ولمن سدَّد سهما: «القرطاسَ»؛ بإضمار تصيب») (٢).
- وها هو ذا الإمام السيوطي يقول في كتابه المختصر «جمع الجوامع» عند حديثه عن أقسام
«أل» وأنواعها ما نصه: «فإنْ عُهِد مصحوبها بحضور حسِّي أو علمي فعهديَّة، ويَعْرِض فيها الغَلَبة واللمح، وإلا فجنسيَّة؛ فإنْ لم يخلفها كل فلتعريف الماهيَّة، أو خلفها حقيقة فللشمول»، ثُمَّ يشرح قوله هذا في كتابه «همع الهوامع» فيقول: «أل نوعان: عهديَّة وجنسيَّة
стр. 38
فالأولى ما عهد مدلول مصحوبها بحضور حسي؛ بأن تقدم ذكره لفظا فأعيد مصحوبا بأل نحو: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ المزمل: ١٥ - ١٦، أو كان مشاهدا، كقولك: القرطاس لمن سدَّد سهما أو، علمي بأن لم يتقدم له ذكر ولم يكن مشاهدا حال الخطاب نحو ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ التوبة: ٤٠») (١). فالإمام السيوطي يستعين هنا بالسِّياق لكي يحدد دلالة «أل».
- وإمام البلاغيين عبد القاهر الجرجاني إمام اللُّغَة في عصره، والنَّحْوِيّ المفتن في العربِيَّة ونحوها الذي تُشَدُّ إليه الرحال طلبا لِلُّغَة والنحو، والذي برع في مجال النحو التقليدي ومجال التفسير ــ يرى أَنَّ «التحليل العلمي المنصف للبناء اللغويّ لا يتم إلا من خلال مسرح الحدث الذي دار عليه» (٢). وأنه يجب مراعاة أحوال المخلوقين، وأنَّ «التأويلات النحوِيَّة المنبثقة عن التقديرات العقلِيَّة فقط تغفل طبيعة اللُّغَة، وتسيئ إلى فهمها إساءة شديدة» (٣).
وينبِّه النُّحَاة إلى أَنَّ «بعض التأويلات النحوِيَّة التي تعتمد على الجانب العقلي المحض دون تدخل في اعتبار واقع اللُّغَة وحال المخاطبين قد تقود إلى عظيم وهو الكفر» (٤).
- ومن أئمة اللُّغَة والنحو والبلاغة والتفسير نجد الإمام الزَّمَخْشَرِيّ يعتبر السِّياق ويشير إليه إشارات صريحة في تفسيره؛ فيقول مثلا: «فإنْ قلت: هل يصحُّ: ربح عبدك وخسرت
стр. 39
جاريتك، على الإسناد المجازى؟ قلت: نعم؛ إذا دَلَّت الحال. وكذلك الشرط في صحَّة: رأيت أسدًا، وأنت تريد المقدام إِنْ لم تقم حال دالة لم يصح») (١).
• السِّياق كقرينة:
ونجد أيضا في تراثنا النَّحْوِيّ حديثا عن السِّياق من خلال الحديث عن «القرائن»، فمن يتأمَّل تعريف القرينة يلمح ثَمَّة علاقة بينها وبين السِّياق، فالقرينة هي «الدِّلَالَة اللفظِيَّة أو المعنوِيَّة التي تُمَحِّضُ المدلولَ وتصرفه إلى المراد منه، مع منع غيره من الدخول فيه») (٢). وفي تعريفات الجرجاني: «القرينة ــ في الاصطلاح ــ أمر يشير إلى المطلوب، وهي إما حالِيَّة أو معنوِيَّة أو لفظِيَّة») (٣).
وقد اهتَمَّ النُّحَاة وغيرهم من العلماء بالقرائن؛ وذلك لأَنَّ القرينة تعتبر «تُكَأَةً» يُتَّكَأُ عليها عند تحليل النصوص، فهي «عنصر مُهِمّ لفهم الجملة، فبها نعرف الحقيقة من المجاز، ونعرف المقصود للألفاظ المشتركة، ونعرف الذكر والحذف، وخروج الكلام عن ظاهره، وما إلى ذلك مما يحتمل أكثر من دلالة») (٤)؛ لذلك نجدهم يردِّدون مصطلح القرينة والقرائن في كتبهم، من ذلك مثلا:
• قال ابن مالك: «ويحذف الخبر جوازا لقرينة») (٥). وقال: «ومن القرائن المُحَسِّنَةِ لحذف المبتدأ وجود فاء الجزاء داخلة على ما لا يصلح أَنْ يكون مبتدأ، كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ فصلت: ٤٦؛ أي: فصلاحه لنفسه، وإساءته عليها. فحذف المبتدأ لهذه القرائن وأشباهها جائز») (٦).
• وقال ابن يعيش: «اعلم أنّ الحال قد يُحذف عاملُه إذا كان فعلًا وفي الكلام دلالةً عليه، إمّا قرينةُ حالٍ، أو مَقالٍ») (٧).
стр. 40
• وقال الصَّبَّان في حاشيته: «والصحيح أَنَّ الاستثناء حقيقة في المتصل مجاز في المنقطع لتبادر المتصل منه إلى الفهم عند التجَرُّد عن القرائن») (١).
وقد قام الأستاذ الدكتور تَمَّام حسان ــ ﵀ ــ بوضع نظَرِيَّة للقرائن، وقام بتقسيمها إلى القرائن المَادِيَّة، والقرائن العقلِيَّة، وقرائن التعليق، وقسم هذه الأخيرة إلى: مقالِيَّة) معنوِيَّة / لفظِيَّة (وحالِيَّة (٢). وفي مقال في مجلة فصول أشار د. تَمَّام إلى أصناف من القرائن، وهي:
أالقرائن اللفظِيَّة: البنية، الإعراب، الربط، الرتبة، المطابقة، التضام.
ب القرائن المعنوِيَّة: التي هي أصول الوظائف النحوِيَّة.
ت القرائن الحالِيَّة: كأنواع الانفعالات، وتقطيبات الوجه، وطريقة الأداء الصوتي والإشارات.
ث القرائن الخارِجِيَّة: وهي ما يسمونه Context of Situation أو الظروف التي صاحبت إنتاج النَّصّ، ومنها أسباب نزول الآيات القُرْآنِيَّة، وذكر الظروف التي قيلت من أجلها القصيدة) (٣).
وفي أكثر من موضع أشار د. تَمَّام إلى أَنَّ قرينة السِّياق «هي كبرى القرائن اللفظِيَّة») (٤)؛ وذلك لأَنَّ «الكلام وهو مجلى السِّياق لا بُدَّ أَنْ يحمل من القرائن المقالِيَّة «اللفظِيَّة» والمقامية
«الحالِيَّة» ما يعيِّن معنًى واحدًا لكل كلمة. فالمعنى بدون المقام «سواء أكان وظيفيًّا أم معجميًّا» متعدد ومحتمل؛ لأَنَّ المقام هو كبرى القرائن، ولا يتعيّن المعنى إلّا بالقرينة») (٥).
وإذا نظرنا إلى علاقة القرينة بالسِّياق نجد أَنَّ مصطلح القرينة أعم والسِّياق أخصُّ، أي أَنَّ السِّياق قرينة من القرائن؛ وقد جعل د. فاضل السامرائي السِّياق القرينة الخامسة في التقسيم التفصيلي للقرائن الذي ذكره في كتابه «الجملة العربِيَّة والمعنى») (٦).