← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 132406

قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه

إيهاب سلامة

Полный текст (384 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

••يقول الإمام ابن قيم الجوزية ــ ﵀ ــ: «السِّياق يرشد إلى تبيين المُجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد ... وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المُتَكَلِّم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته» (١). ••ويذكر ابن جني: «فلو كان استماع الأذن مغنيا عن مقابلة العين مجزئا عنه لما تكلَّف القائل ولا كلَّف صاحبه الإقبال عليه والإصغاء إليه» (٢). • ويشير د. إبراهيم أنيس: «أين هذا الكلام المستقل بالفهم الذي لا نستعين فيه بكلام سبقه ولا بتجارب ماضية ولا بإشارات الأيدي وتعابير الوجوه في كثير من الأحيان؟ » (٣). • ونجد قول د. كمال بشر: «الكلام منعزلا عن مسرحه أو مقامه ضرب من الضوضاء ... وعزل الكلام عن هذا الموقف الحي يحيله إلى شيء مُشَوَّه ممسوخ» (٤). • ويؤكد د. بدراوي زهران: «اللُّغَة تنبع من واقع حي تتفاعل معه عناصرها المختلفة؛ فتحمل من ظلال هذا الواقع وإيحاءاته عناصر كثيرة تمتزج بعناصر بنيتها الأساسيَّة ... إنها تنبثق عن أحوال المخلوقين وعاداتهم وما فُطروا عليه في ظاهر أمرهم وموضوع جبلتهم» (٥). • ويقول د. عبد العزيز موافي: «النَّصّ ــ أي نصّ ــ هو رسالة لا يمكن أَنْ تكونَ موجَّهة إلى لا أحد وإلا تحولت إلى فعل عبثي» (٦).

стр. 37

اهتمام علمائنا الأقدمين بالسِّياق: تجعلنا طِدَةَ العلاقةِ بين اللُّغَة والكلام، وتأكيد العلماء على تأثُّر هذه العلاقة بالسِّياق أَنْ نتساءل: ما مدى وعي علمائنا الأقدمين بتأثير السِّياق على اللُّغَة؟ هل كان وعيهم بهذا التأثير على المستوى النظري فقط أم كان وعيا نظريا وتطبيقا معا؟ ولأهمِيَّة سياق الحال وسلطانه على الكلام لا نتوقَّع أَنْ يغفل عنه علماء أمتنا، وألا تبعد خطورة هذا التأثير وهذا السلطان عن فطنتهم وإدراكهم. وتكفي إطلالة يسيرة على تراثنا لنثبت عمق فهم علمائنا لقضية السِّياق، وإدراكهم لأثره النظري والتطبيقي، وتحكمه في تكوين الدِّلَالَة المستنبطة من النَّصّ. ولم يكن هذا الإدراك مقصورا على فئة من العلماء دون أخرى بل شمل جُلَّ العلماء على اختلاف مشاربهم وتخصُّصاتهم. ويأتي على رأسهم البلاغيون واللغويُّون وبعض النحاة، ومن إشاراتهم: - نجد شيخ اللغويّين ابن جني يعقد فصلا في كتابه «الخصائص» بعنوان: «باب مراتب الأشياء، وتنزيلها تقديرا وحكما، لا زمانا ووقتا»، يتحدَّث فيه عن دور السِّياق فيقول في آخر هذا العنوان: «ومن ذلك ما أقيم من الأحوال المشاهدة مقام الأفعال الناصبة، نحو قولك إذا رأيت قادمًا: خير مقدم؛ أي قدمت خير مقدم. فنابت الحال المشاهدة مناب الفعل الناصب. وكذلك قولك للرجل يُهوي بالسيف ليضرب به: عمرًا، وللرامي للهدف إذا أرسل النزع فسمعت صوتًا: القرطاس والله؛ أي اضرب عمرًا، وأصاب القرطاس») (١). - ونجد ابن هشام عند حديثه عن الفعل المتعدي يقول: «كونه مذكورا هو الأصل ... وقد يضمر جوازا إذا دَلَّ عليه دليل مقالي أو حالي؛ فالأول نحو: ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾ النحل: ٣٠؛ أي أنزل ربنا خيرا بدليل ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ النحل: ٢٤، والثاني: نحو قولك لمن تأهَّب لسفر: «مَكَّةَ؟ » بإضمار «تريد»، ولمن سدَّد سهما: «القرطاسَ»؛ بإضمار تصيب») (٢). - وها هو ذا الإمام السيوطي يقول في كتابه المختصر «جمع الجوامع» عند حديثه عن أقسام «أل» وأنواعها ما نصه: «فإنْ عُهِد مصحوبها بحضور حسِّي أو علمي فعهديَّة، ويَعْرِض فيها الغَلَبة واللمح، وإلا فجنسيَّة؛ فإنْ لم يخلفها كل فلتعريف الماهيَّة، أو خلفها حقيقة فللشمول»، ثُمَّ يشرح قوله هذا في كتابه «همع الهوامع» فيقول: «أل نوعان: عهديَّة وجنسيَّة

стр. 38

فالأولى ما عهد مدلول مصحوبها بحضور حسي؛ بأن تقدم ذكره لفظا فأعيد مصحوبا بأل نحو: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ المزمل: ١٥ - ١٦، أو كان مشاهدا، كقولك: القرطاس لمن سدَّد سهما أو، علمي بأن لم يتقدم له ذكر ولم يكن مشاهدا حال الخطاب نحو ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ التوبة: ٤٠») (١). فالإمام السيوطي يستعين هنا بالسِّياق لكي يحدد دلالة «أل». - وإمام البلاغيين عبد القاهر الجرجاني إمام اللُّغَة في عصره، والنَّحْوِيّ المفتن في العربِيَّة ونحوها الذي تُشَدُّ إليه الرحال طلبا لِلُّغَة والنحو، والذي برع في مجال النحو التقليدي ومجال التفسير ــ يرى أَنَّ «التحليل العلمي المنصف للبناء اللغويّ لا يتم إلا من خلال مسرح الحدث الذي دار عليه» (٢). وأنه يجب مراعاة أحوال المخلوقين، وأنَّ «التأويلات النحوِيَّة المنبثقة عن التقديرات العقلِيَّة فقط تغفل طبيعة اللُّغَة، وتسيئ إلى فهمها إساءة شديدة» (٣). وينبِّه النُّحَاة إلى أَنَّ «بعض التأويلات النحوِيَّة التي تعتمد على الجانب العقلي المحض دون تدخل في اعتبار واقع اللُّغَة وحال المخاطبين قد تقود إلى عظيم وهو الكفر» (٤). - ومن أئمة اللُّغَة والنحو والبلاغة والتفسير نجد الإمام الزَّمَخْشَرِيّ يعتبر السِّياق ويشير إليه إشارات صريحة في تفسيره؛ فيقول مثلا: «فإنْ قلت: هل يصحُّ: ربح عبدك وخسرت

стр. 39

جاريتك، على الإسناد المجازى؟ قلت: نعم؛ إذا دَلَّت الحال. وكذلك الشرط في صحَّة: رأيت أسدًا، وأنت تريد المقدام إِنْ لم تقم حال دالة لم يصح») (١). • السِّياق كقرينة: ونجد أيضا في تراثنا النَّحْوِيّ حديثا عن السِّياق من خلال الحديث عن «القرائن»، فمن يتأمَّل تعريف القرينة يلمح ثَمَّة علاقة بينها وبين السِّياق، فالقرينة هي «الدِّلَالَة اللفظِيَّة أو المعنوِيَّة التي تُمَحِّضُ المدلولَ وتصرفه إلى المراد منه، مع منع غيره من الدخول فيه») (٢). وفي تعريفات الجرجاني: «القرينة ــ في الاصطلاح ــ أمر يشير إلى المطلوب، وهي إما حالِيَّة أو معنوِيَّة أو لفظِيَّة») (٣). وقد اهتَمَّ النُّحَاة وغيرهم من العلماء بالقرائن؛ وذلك لأَنَّ القرينة تعتبر «تُكَأَةً» يُتَّكَأُ عليها عند تحليل النصوص، فهي «عنصر مُهِمّ لفهم الجملة، فبها نعرف الحقيقة من المجاز، ونعرف المقصود للألفاظ المشتركة، ونعرف الذكر والحذف، وخروج الكلام عن ظاهره، وما إلى ذلك مما يحتمل أكثر من دلالة») (٤)؛ لذلك نجدهم يردِّدون مصطلح القرينة والقرائن في كتبهم، من ذلك مثلا: • قال ابن مالك: «ويحذف الخبر جوازا لقرينة») (٥). وقال: «ومن القرائن المُحَسِّنَةِ لحذف المبتدأ وجود فاء الجزاء داخلة على ما لا يصلح أَنْ يكون مبتدأ، كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ فصلت: ٤٦؛ أي: فصلاحه لنفسه، وإساءته عليها. فحذف المبتدأ لهذه القرائن وأشباهها جائز») (٦). • وقال ابن يعيش: «اعلم أنّ الحال قد يُحذف عاملُه إذا كان فعلًا وفي الكلام دلالةً عليه، إمّا قرينةُ حالٍ، أو مَقالٍ») (٧).

стр. 40

• وقال الصَّبَّان في حاشيته: «والصحيح أَنَّ الاستثناء حقيقة في المتصل مجاز في المنقطع لتبادر المتصل منه إلى الفهم عند التجَرُّد عن القرائن») (١). وقد قام الأستاذ الدكتور تَمَّام حسان ــ ﵀ ــ بوضع نظَرِيَّة للقرائن، وقام بتقسيمها إلى القرائن المَادِيَّة، والقرائن العقلِيَّة، وقرائن التعليق، وقسم هذه الأخيرة إلى: مقالِيَّة) معنوِيَّة / لفظِيَّة (وحالِيَّة (٢). وفي مقال في مجلة فصول أشار د. تَمَّام إلى أصناف من القرائن، وهي: أالقرائن اللفظِيَّة: البنية، الإعراب، الربط، الرتبة، المطابقة، التضام. ب القرائن المعنوِيَّة: التي هي أصول الوظائف النحوِيَّة. ت القرائن الحالِيَّة: كأنواع الانفعالات، وتقطيبات الوجه، وطريقة الأداء الصوتي والإشارات. ث القرائن الخارِجِيَّة: وهي ما يسمونه Context of Situation أو الظروف التي صاحبت إنتاج النَّصّ، ومنها أسباب نزول الآيات القُرْآنِيَّة، وذكر الظروف التي قيلت من أجلها القصيدة) (٣). وفي أكثر من موضع أشار د. تَمَّام إلى أَنَّ قرينة السِّياق «هي كبرى القرائن اللفظِيَّة») (٤)؛ وذلك لأَنَّ «الكلام وهو مجلى السِّياق لا بُدَّ أَنْ يحمل من القرائن المقالِيَّة «اللفظِيَّة» والمقامية «الحالِيَّة» ما يعيِّن معنًى واحدًا لكل كلمة. فالمعنى بدون المقام «سواء أكان وظيفيًّا أم معجميًّا» متعدد ومحتمل؛ لأَنَّ المقام هو كبرى القرائن، ولا يتعيّن المعنى إلّا بالقرينة») (٥). وإذا نظرنا إلى علاقة القرينة بالسِّياق نجد أَنَّ مصطلح القرينة أعم والسِّياق أخصُّ، أي أَنَّ السِّياق قرينة من القرائن؛ وقد جعل د. فاضل السامرائي السِّياق القرينة الخامسة في التقسيم التفصيلي للقرائن الذي ذكره في كتابه «الجملة العربِيَّة والمعنى») (٦).

стр. 41

تلك كانت اقتباسات من بعض اللغويّين والبلاغيين والنُّحَاة توضح أَنَّ السِّياق كان حاضرًا لديهم مطبَّقًا في إنتاجهم العلمي) (١). إِنَّ إثبات هذا الحضور يمهِّد الطريق لبحثنا هنا وغيره من الأبحاث التي تحاول فحص العلاقة بين السِّياق واللُّغَة واستشفافها، ويعطيه مسَوِّغا ومشروعيَّة للمضي فيه. ونحبُّ أنْ نضيف أن سياق الحال ــ باعتباره ملمحًا اجتماعيًّا ــ يمكن أَنْ «يُعَدُّ أصلا يضاف إلى أصول نظَرِيَّة النُّحَاة العرب، فإِنَّهُ أصل مستأنس لديهم باطراد، مستشعَر في تحليلاتهم على نحو يمثل استخراجه إحياء لأصل من أصولهم صدروا عنه، وإن لم يصرحوا به» (٢). إِنَّ للنحاة واللغويّين العرب «اتجاها اجتماعيًّا في النظر اللغويّ، وأنَّ المقام) أو سياق الحال (يمثل ركنا مهمًّا من أركان هذا الاتجاه»، وأنَّهُم في جملة أعمالهم «كانوا يعتمدون على الأخذ من الكلام الحي المنطوق، والكلام بهذه الصفة لا يتصور وقوعه أو حدوثه إلا في مسرح لغوي متكامل الجوانب من مرسل ومتلق وظروف وملابسات متعلقة بموضوع الحديث» (٣). في نهاية هذا المطاف يحقُّ لنا أَنْ نقول ونقرِّر مطمئنين تلك الحقيقة ألا وهي أَنَّ السِّياق كان له من السلطة والسلطان قولا وفعلا، نظرا وتطبيقا على الكلام ونصوصه عند علمائنا؛ وهذا ما يجعلنا نقول بحق أَنَّهُ لا نصّ بدون سياق. • مكونات سياق الحال وما يشتمل عليه: من المنطقيّ أَنْ يتبادر إلى الذهن بعد التأكيد على أهمِيَّة السِّياق وأثره على اللُّغَة أسئلة مُهِمَّة وهي: إذا كان السِّياق بهذه الأهمِيَّة وأنَّه محيط الكلام الذي يتحكم فيه وفي عناصره ــ كما يقول ديفيد كريستال ــ فما مكونات هذا السِّياق؟ وما العناصر التي يشتمل عليها؟ وما طبيعتها؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة ستعيننا ولا شك في مناقشة موضوع بحثنا، وتمكننا بدقَّة من معرفة العناصر التي اعتمد عليها سيبويه في التَّقْعِيد والتوجيه النَّحْوِيّين. بعد استقصاء مصطلح السِّياق في عدد من المصادر والمراجع يمكن القول إِنَّ أهم العناصر التي يتكون منها السِّياق هي: ١ ــ المُتَكَلِّم: ويتعلق به:

стр. 42

أعاطفته ومشاعره وحالته النفسِيَّة: الحَنَق أو العقاب أو التهديد أو الغضب أو الرضا أو التشجيع أو القبول أو الدهشة (١)، وبما تحدِّثُه نفسه) (٢). ب النبر وما تواكبه من تلوينات صوتيَّة. ت درجة الصوت من ارتفاع وانخفاض وما يرتبط بهذا أو ذاك من تلوين موسيقى الكلام التنغيم (٣)، وإيقاعه (٤)، والتأفُّف والفحفحة والتأَوُّه وأصوات الشفتين المختلفة (٥)، وضغط المُتَكَلِّم على بعض أجزاء كلامه أو مقاطعه أو حروفه، ونوع سكتاته ووصلاته وهمساته وسرعته في الكلام أو بطئه (٦)، والشدة التي يركزها على هذه الكلمة أو تلك (٧). ونوع الأصوات) (٨). ث كونه ذكرًا أو أنثى (٩). ج درجة انتباهه وتركيزه العقلي فيما يقول) (١٠). قدرته على التذكر) (١١). ح إلى من يُتَوَجَّه بالحديث إذا كان المخاطَبون كثيرين) (١٢).

стр. 43

خ توقُّع ما يرد على ذهن المخاطب) (١). د إشارات اليدين والإيماءة وتعبيرات الملامح وغمزات العينين ورفع الحاجب وهز الرأس (٢). ذ ما يوجد في المُتَكَلِّم من عيوب وعاهات) (٣). ر العقيدة التي يؤمن بها) (٤). ز الفترة الزمنية المتاحة للمتكلم) (٥). س العلاقة بين المُتَكَلِّم والمخاطب وسبق المعرفة بينهما) (٦). ٢ ــ السامع والمخاطب: أمن يشهد الكلام والمشاهدون وأعمالهم (٧)، وكيفية رد المُتَكَلِّم على الخطاب (٨). ب وما يصحبهم من إشارات اليد أو النظرات ذات الدِّلَالَة بالعين أو هَزّ الكتفين أو التصفيق والغمغمة ومصِّ الشفاة (٩)، أو استجابة ورفض أو اشمئزار أو سخرية أو ضحكة أو غمزة ولمزة. ت والمستوى العلمي والثقافي الذي عليه المُتَكَلِّم، فكلامنا للمتعلِّمين لن يكون بنفس الصورة للعامَّة، وكلامنا لمن هم في المراحل العمرية الأولى لن يكون بنفس أسلوب كلامنا للمراحل

стр. 44

المتقدِّمة، وكلامنا للمُتَخَصِّصين أو المهتمِّين بأمر ما لن يكون عين كلامنا لغير المتخصِّصِين أو غير المهتمِّين بنفس هذا الأمر) (١). ث والعقيدة التي يعتنقها المخاطب) (٢). ٣ ــ البيئة المحيطة بالكلام، وتشمل: أالأجناس وما تتعارف عليه من نظم سياسية واجتماعيَّة وثقافيَّة وحضارِيَّة وتربوِيَّة (٣). ب الأوضاع الاجتِماعِيَّة والاقتصادية المتصلة بالحدث اللغويّ (٤). ت السِّياق الثقافيّ ومستواه والخلفيَّة المعرفيَّة Background knowledge، والمستوى الاجتماعيّ والثقافة الشعبِيَّة ونسيجها (٥). ث الاعتبارات التاريخِيَّة والجُغْرافِيَّة. وأحوال المخلوقين وعاداتهم وظاهر أمرهم وموضوع جِبِلَّتهم. ج عدد المشاركين، ومستوى الشكليات أو الرسميات وطبيعة الأنشطة الجارية والدائرة) (٦)

стр. 45

٤ ــ الشيء أو الموضوع المُتَحَدَّثُ عنه، فإِنَّنا «نَتَكَلَّم في العادة من أجل أَنْ نبلغ هدفا، هذا الهدف يؤثِّر لا محالة في القول الذي نقول» (١). ٥ ــ الظروف والملابسات المحيطة بالكلام) سياق الموقف (، وهذا يشمل: المكان والزمان وأسباب النزول) مع الآيات القُرْآنِيَّة (، والإيقاع (٢). ٦ ــ طبيعة النَّصّ، فـ «نوع النَّصّ يؤثِّر في دلالته، فإذا كان اللفظ واردا في نصّ شرعي انصرف المعنى إلى الدِّلَالَة الشَّرْعِيَّة» (٣). ٧ ــ مقدار الفترة الزَّمَنِيَّة المُخَصَّصَة للكلام) (٤). ٨ ــ أثر الحدث اللغويّ في المشتركين في الكلام والحضور من حيث الإقناع، الفرح، الألم، التصديق، التكذيب (٥). ٩ ــ الوظيفة الكلامِيَّة: مدح، هجاء، طلب ... (٦). والسِّياق العاطفي والقيمة العاطِفِيَّة (٧). ١٠ ــ سياق التخَصُّص والمهنة، مثل: السِّياق الموسيقيّ، السِّياق الأدبيّ ... . (٨).

стр. 46

تلك هي العناصر التي يتكون منها سياق الحال وفقا لما بحثت) (١). في ختام توضيحنا لمصطلح السِّياق نوجِّه النظر هنا بشِدَّة إلى أَنَّ تركيزنا الأساسي في هذا البحث منصبٌّ على سياق الحال، ولم نتطرق إلى السِّياق اللُّغَوِيَّ إلا في مواضع قليلة. - المصطلح الثاني (( ... التَّقْعِيدالنَّحْوِيّ)): ننتقل إلى المصطلح الثاني من المصطلحات المستخدمة في بحثنا هنا، وهو مصطلح «التَّقْعِيدالنَّحْوِيّ». والتَّقْعِيد مصدر الفعل «قَعَّد»، وجاء في «معجم اللُّغَة العربِيَّة المعاصرة»: «قَعَّد اللُّغَة ونحوها: وضع لها قواعد يُعْمَل بموجبها») (٢). وبناء على هذا فَإِنَّ «التَّقْعِيد» هو: «صناعة القاعدة ووضعها») (٣). ويقوم التَّقْعِيد بـ «التعميم الذي يخرج بنا من الواقعة أو الواقعات المفردة إلى القانون الذي ينطبق على ما لا يحصى من النماذج والوقائع») (٤).

стр. 47

- المصطلح الثالث (( ... التوجيه الإعرابِيّ)): التوجيه يُرَادُ به في النحو: «بيان أَنَّ رواية البيت أو القراءة القُرْآنِيَّة لها وجهٌ في العربِيَّة وموافقة لضوابط النحو؛ فيقولون مثلا: وتوجيه الرواية أو البيت أو القراءة كذا وكذا») (١). والإعراب هو: «الإبانة عن المعاني باختلاف أواخر الكلم، لتعاقب العوامل في أولها») (٢)، ويتفق النُّحَاة على أَنَّ «الإعراب يُبِينُ عن المعاني ويكشف عنها، ولولاه لكان الكلام مبهما غير مفهوم ولا معلوم») (٣)، وأنَّ «القول بأن الإعراب إِنَّمَا هو للدلالة على المعاني المختلفة حقيقة لغوية ليس فيها شك») (٤). وتلعب العلامة الإعرابية دورًا في تجلية المعنى وإظهار مراد المتكلم، مثال ذلك قول الأشموني: «النصب في في نحو: ((ذنوب ماءً)) و ((حُبّ عسلا)) أولى من الجر؛ لأنَّ النصب يدلُّ على أنَّ المتكلم أراد أنَّ عنده ما يملأ الوعاء المذكور من الجنس المذكور؛ وأما الجر فيحتمل أن يكون مراده ذلك وأن يكون مراده بيان أن عنده الوعاء الصالح لذلك») (٥). ومصطلح الإعراب يراد به أمران في نصوص تراثنا النَّحْوِيّ: «أولهما: ما يرادف علم النحو Syntax، فهو إذا أعمُّ من العلامات الإعرابِيّة وحدها، وهو بهذا الفهم يصلح أَنْ يقال عنه إِنَّهُ يميز بين المعاني، مع مراعاة أَنَّ المقصود بالمعاني هنا المعاني الوظيفية في الجملة من فاعلية ومفعولية وغيرهما؛ لأَنَّ الإعراب إذا مجموعة القرائن التي تتضافر معا من أجل تماسك الجملة وأدائها لوظيفتها ... ثانيهما: العلامات الإعرابِيّة، وهو إذا يعد قرينة واحدة من مجموعة القرائن اللفظِيَّة في الجملة») (٦). وعند إطلاق مصطلح التوجيه الإعرابِيّ في هذا البحث سيقصد به المعنى الأول الأعم الذي يميز بين المعاني الوظيفية في الجملة.

стр. 48

ومن جميل إشارات العلماء إلى أسباب تعَدُّد الرويات إعرابيا قولهم: «وحين لاحت ضرورة وضع قواعد نحوِيَّة لِلُّغَة العربِيَّة اتجه العلماء إلى ديوان العربِيَّة، وهو الشعر، فاستخرجوا من أنساقه قواعد التركيب، كما استخرجوا من مفرداته قواعد الصوغ القياسي، وبنوا مقاييس اللُّغَة على نسبة الشيوع، ثُمَّ جعلوا الأَقَلّ استثناء من المقياس العام. وعلى الرغم مما لابس عَمَلِيَّة التَّقْعِيد من خلط ــ أحيانا ــ بين اللهجات، أو بينها وبين المستوى الفصيح ــ فقد كان الأساس المشترك دائما هو ما روي عن الشعراء والخطباء من أقوال سارية على الألسن، فاشية في الناس. ولقد تقَبَّل النُّحَاة ما بدا من تضارب في الشواهد المرويَّة؛ ليجعلوا في المسألة الواحدة قولين أو أكثر، دون أَنْ يجدوا في ذلك غضاضة، أو يحسوا حرجا، حتى إِنَّ النحو قد انتهى إلى الأجيال اللاحقة مطبوعا بطابع الاختلاف وتعَدُّد الأقوال، بل وربما سلك مسلك التناقض. وما نحسب أَنْ تعَدُّد الأقوال أو تضاربها يعزى إلى اختلاف القبائل فحسب؛ أي: إلى اختلاف مصادر الرواية، بل إِنَّهُ يرجع أساسا ــ وفي تقديرنا ــ إلى أَنَّ مصدر التَّقْعِيد كان أدبيًّا، ومن شأن اللُّغَة الأدبِيَّة أَنْ تختلف في الجانب التركيبِيّ اختلافا بَيِّنا من فرد إلى فرد، ومن شاعر إلى شاعر، بل من شاعر في موقف معين إلى نفس الشاعر في موقف آخر؛ نتيجة اختلاف المشاعر، وتباين الأحاسيس، وتغَيُّر الظروف البيئِيَّة والنفسِيَّة، هذه حقيقة علمِيَّة مسلمة») (١). والعلاقة بين التوجيه والتَّقْعِيد النَّحْوِيّين أَنَّ التوجيه مرحلة تالية بعد التَّقْعِيد، فمن يقوم بالتوجيه لا بد أَنْ تكون تحت يديه القواعد التي يُخَرِّجُ عليها هذا التوجيه، فالتَّقْعِيد تنظير، والتوجيه تطبيق لهذا التنظير. - المصطلح الرابع (( ... الأصل)): هذا المصطلح من المصطلحات التي استخدمها سيبويه في الكتاب، وسَيَرِدُ هذا المصطلح في حديثنا، وسنرتب عليه بعض النتائج؛ لذلك من اللازم الوقوف عنده وإيضاح المقصود منه. لهذا المصطلح دلالة مُعَيَّنَة على الجانب النَّحْوِيّ ودلالة أخرى على الجانب الصَّرْفِيّ، وسنبدأ بتحديد المقصود به على الجانب النَّحْوِيّ أولا. » معنى مصطلح «الأصل» على المستوى النَّحْوِيّ:

стр. 49

قبل تحديد دلالة هذا المصطلح على المستوى النَّحْوِيّ عند سيبويه نُمهِّد لهذا بقولنا: كان سيبويه يقوم بتحديد المسألة النحوِيَّة التي يريد التَّقْعِيد لها، ويتَتَبَّعها في النصوص التي أمامه وبين يديه تَتَبُّعا «تزامُنِيًّا وتواقُتِيًّا» وتَتَبُّعًا «تاريخِيًّا»، أو بتعبير آخر تَتَبُّعًا رأسِيًّا وأفقِيًّا. أما التتبُّع التزامُنِيّ التواقُتِيّ فتشي به عبارات كثيرة في الكتاب، مثل قوله: «سمعنا، سألنا، أُنشِدْنا ... ». أَمَّا التَتَبُّع التاريخي فيظهر في مواضع قليلة من الكتاب، منها مثلا الموضع الذي يناقش فيه مسألة في الممنوع من الصرف، يقرِّرُ فيها أَنَّ الأعلام التي تأتي على وزن «فَعَالِ» إذا سُمِّيَتْ بها امرأة فَإِنَّ بني تميم ترفعها وتنصبها؛ أي لا تُجَرُّ بالكسرة، على عكس الحجازيّين الذين يجرونها بالكسرة، ويستثنى من هذه الأعلام المؤنثة الأعلام المنتهية بالراء فَإِنَّها عند التميميين والحجازيين تجر بالكسرة، يقول سيبويه: «فأَمَّا ما كان آخِرُه راءً فإنَّ أهل الحجاز وبني تميم فيه مُتَّفِقون، ويختار بنو تميم فيه لغة أهل الحجاز كما اتَّفقوا في يَرَى، والحجازيَّةُ هي اللُّغَة الأولى القُدْمَى») (١). ويهمنا في هذا النَّصّ عبارته الأخيرة التي تشير إلى البعد التاريخي الذي نقصده، وتدُلُّ على التَتَبُّع الرأسي للمسألة النحوِيَّة. بعد هذا التَتَبُّع كان سيبويه يُخْرِج «تركيبًا أساسيًّا» للمسألة التي يناقشها ويقعد لها، ويذكر أيضا التراكيب البديلة للتركيب الأساسيّ لنفس المسألة النحوِيَّة التي يعالجها. والتركيب الأساسي للمسألة النحوِيَّة هو التركيب الذي يحظى بأعلى نسبة تكرار في النصوص اللُّغَوِيَّة، أَمَّا التراكيب البديلة هي التراكيب الأَقَلّ تكرارا وتَرَدُّدًا من التركيب الأساسي. بعد هذا التمهيد البسيط نقول إِنَّ مصطلح «الأصل» على المستوي النَّحْوِيّ يُقصد به عند سيبويه: «التركيب الأساسي الي يحظى بأعلى نسبة تكرار في النصوص اللُّغَوِيَّة، كما أَنَّهُ هو الذي يحظى بثبات تاريخي». ولابد أَنْ يكون الأصل هو ما يدلُّ على الأكثر نقلا وعقلا، فأَمَّا نقلا فهو ما نلمحه في قول سيبويه: «وليس كل شيء يكثر في كلامهم يغيَّر عن الأصل، لأَنَّه ليس بالقياس عندهم، فكرهوا ترك الأصل») (٢).

стр. 50

أَمَّا عقلا فلا يعقل أَنْ يكون الأَقَلّ هو الأصل والأساس الذي يُحْتَكَمُ إليه، ويعوَّل عليه، ويناقش في ضوئه الأكثر، خاصة إذا علمنا أَنَّ الأصل Origin ــ كما يعرفه علماء الكلام والفلسفة ــ هو «ما يبنى عليه الشيء أو ما يتوقَّف عليه») (١). أو هو بعبارة أخرى «ما يبنى عليه غيره») (٢). ولا يعقل أَنَّ ما يبنى عليه هو الأَقَلّ في وجود الأكثر. » معنى مصطلح «الأصل» على المستوى الصَّرْفِيّ: من يتَتَبَّع مصطلح «الأصل» على المستوى الصَّرْفِيّ يجد أَنَّ هذا المصطلح له عدة معاني: - الأول: ارتباط صيغة مُعَيَّنَة بقسم معين من أقسام الكلام، مثل قوله: «ألا ترى أَنَّ: تَفْعَلُ ويَفْعَلُ في الأسماء قليل. وكان هذا البناء إِنَّما هو في الأصل للفعل») (٣). - الثاني: ارتباط صيغة مُعَيَّنَة بحالة عَدَدِيَّة مُعَيَّنَة، مثل: «واعلم أَنَّ لأدنى العدد أبنيةٌ هي مختصَّة به، وهي له في الأصل») (٤). - الثالث: الدِّلَالَة على أصول الكلمة ثلاثِيَّة أو رباعِيَّة أو خماسِيَّة سواء من حيث عددها أو من حيث ترتيبها أو من حيث الضبط، مثل: «هذا باب الإضافة إلى ما فيه الزوائد من بنات الحرفين، فإنْ شئت تركته في الإضافة على حاله قبل أَنْ يضيف، وإن شئت حذفت الزوائد ورددت ما كان له في الأصل. وذلك: ابنٌ واسمٌ ... فإذا تركته على حالة قلت: اسمىٌّ ... وابنىٌّ واثنىٌّ في اثنين واثنتين») (٥). ومثل: «ومثل ذلك القيسيُّ إِنَّما هي في الأصل القووس») (٦). ومثل: «هذا باب ما يسكن استخفافًا وهو في الأصل متحرك») (٧). - الرابع: الطريقة الثابتة في الصياغة والاشتقاق، مثل: «قلت: فما بال ياء التصغير ثانيةً في ذا حين حقرت؟ قال: هي في الأصل ثالثة») (٨). ويقصد أَنَّ الأصل في التحقير أَنْ يكون بطريقة مُعَيَّنَة؛ وإذا أتى على خلاف هذه الطريقة فهو على خلاف الأصل.

стр. 51

وأعتقد أَنَّ مصطلح الأصل يساوي عند سيبويه ما يسميه «المطرد»، نستشف هذا من قوله: «لا ينبغي لك أَنْ تكسر الباب وهو مطرد وأنت تجد له نظائر») (١). - المصطلحات (( ... الغالب، الكثير، القليل، الضعيف، الشاذ، الردئ ... )): هذه المصطلحات من المصطلحات التي تَتَرَدَّد عند سيبويه، وهي أيضا ستتردَّد في بحثنا تباعا؛ لذلك فهي تحتاج إلى فضل توضيح وبيان. وهذه المصطلحات ابتداء تعبِّر عن تراكيب نحوِيَّة لها ــ بدرجة ما ــ نسبةُ تكرار أو تردُّد في النصوص اللُّغَوِيَّة. وإذا ضممنا إلى هذه المصطلحات مصطلح الأصل؛ فإِنَّنا يمكن أَنْ نرتب هذه المصطلحات ترتيبا من الأكثر إلى الأَقَلّ كما يلي: «الأصل) المطَّرد (، الغالب، الكثير) الجَيِّد (، القليل، الضعيف، الشاذ، الردئ». وفي كتاب «الاقتراح» للسيوطي نجد نصا مهما ينقله عن غيره من العلماء يذكر فيه عددا من المصطلحات التي تدل على الترتيب ونسبة التكرار للتراكيب النحوِيَّة، يقول فيه: «وقال الشيخ جمال الدين بن هشام: اعلم أنَّهم يستعملون غالبا وكثيرا ونادرا وقليلا ومطردا. فالمطرد لا يتخلَّف، والغالب أكثر الأشياء ولَكِنَّه يتخلف، والكثير دونه، والقليل دونه، والنادر أقل من القليل؛ فالعشرون بالنسبة بالنسبة إلى ثلاثة وعشرين غالب، والخمسة عشر بالنسبة إليها كثير لا غالب، والثلاثة قليل والواحد نادر فاعلم بهذا مراتب ما يقال فيه ذلك») (٢). ويمكن أَنْ نجمع بين مصطلحات سيبويه ومصطلحات السيوطي في الجدول الآتي: مصطلحات سيبويه - ملحوظات - مصطلحات السيوطي - ملحوظات ١ - الأصل قد أثبتنا أَنَّ هذه المصطلح يساوي مصطلحا آخر هو ((المطرد))، وقد يصف سيبويه هذا الأصل أحيانا بـ «الوجه، الوجه الأكثر والأعرف، حد الكلام، المستقيم الحسن») (٣). المطرد

стр. 52

٢ - الغالب - استخدم سيبويه هذا المصطلح في معظم المواضع التي وردت فيه ليصف نوعا من الأسماء أسماه ((الاسم الغالب)). الغالب ٣ - الكثير - في بعض المواضع كان سيبويه يصف الكثير بـ ((الجَيِّد والعربي والقوي والحسن)) (١). الكثير ٤ - القليل - وصف سيبويه هذا المصطلح أحيانا بالردئ (٢). القليل ٥ - الضعيف - وقد وصف سيبويه هذا الضعيف أحيانا بـ ((القبح)) (٣) وأحيانا بـ ((الخبث)) (٤) ٦ - الشاذ - وفي بعض الأحيان استُصْحِبَ بلفظ غريب وغلط) (٥). النادر - لم يرد استعمال هذا اللفظ عند سيبويه. ٧ - الردئ ومن خلال تأمل هذا الجدول السابق نلاحظ أَنَّ:

стр. 53

• المصطلحات الأربعة الأولى متشابهة عند سيبويه والسيوطي. • المصطلحات الثلاث الأخيرة اختصرت لاحقا عند السيوطي تحت مصطلح «النادر». ولم يرد عند السيوطي مصطلح الأصل، ويعتقد الباحث أَنَّ مصطلح «الأصل» هو الأولى بالاستعمال من مصطلح «المطرد»؛ لأَنَّ الأصل هو ما يبنى عليه غيره وهذا ما كان يقوم به سيبويه؛ حيث يستخدم الأكثر لبناء القاعدة) (١). - أهمِيَّة اعتبار سياق الحال عند تحليل اللُّغَة ودراستها: من الأسئلة المنطقية التي ثارت في ذهن الباحث، وكان لا مَعْدَى له عن الإجابة عنها السؤال التالي: ما خطورة غياب السِّياق عن تحليل اللُّغَة والتَّقْعِيد لها؟ وما تَبِعاته التي قد تنجم عن ذلك؟ كانت الإجابة عن هذا السؤال مُهِمَّة للغاية؛ فوجود بعض الخطورة يمكن أَنْ تقع عند غياب السِّياق في تحليل اللُّغَة ــ يعني أَنَّنا لمسنا وطرا حساسا في دراستها، ويعطي مسَوِّغا لبحثنا ويمنحه بعض القيمة العلميَّة. يمكن أَنْ نقول إِنَّ غياب سياق الحال عن تحليل اللُّغَة ودراستها يؤدي إلى:

стр. 54

o اضطراب القاعدة النحوِيَّة أحيانا: غياب سياق الحال وإهماله عن التَّقْعِيد لِلُّغَة أمر خطير؛ إذ قد يؤدي إلى الاضطراب في وضع القاعدة وتضاربها في بعض الأحيان وعدم دقتها. ومن الأمثلة التي رصدها الباحث وتدل على ذلك الأمثلة التالية: أجموع القِلَّة والكثرة: يقول النحاة إنَّ العربية تفرق بين الجموع؛ فتجعل من الصيغ ما يفيد القِلَّة، ومنها ما يفيد الكثرة. قال ابنُ عقيل في شرحه على ألفية ابن مالك بعد أنْ أورد بيت ابن مالك عن جموع القِلَّة: أَفْعِلَةٌ أَفْعُلُ ثُم فِعْلَه ... ثُمَّتَ أَفْعَالٌ جموع قِلَّة «جمع التكسير: هو ما دلَّ على أكثر من اثنين، بتغيير ظاهر ... ، وهو على قسمين: جمع قلة، وجمع كثرة، فجمع القِلَّة يدلُّ حقيقة على ثلاثة فما فوقها إلى العشرة، وجمع الكثرة يدلُّ على ما فوق العشرة إلى غير نهاية، ويستعمل كل منهما في موضع الآخر مجازا») (١). ويذهبون إلى أَنَّ الجمع الصحيح مثل «مسلمين ــ مسلمات» يفيد القِلَّة، ويعبِّر عن عدد في حدود العشرة، قال السيوطي: «ومن جموع القِلَّة جمع التصحيح قال تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ البقرة: ٢٩، ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ يوسف: ٤٣») (٢). وأَنَّها ــ أي جموع القِلَّة ــ تدل على عدد «مبهم ــ أي لا تحديد ولا تعيين لمدلوله ــ ولَكِنَّه لا يقل عن ثلاثة ولا يزيد على عشرة، بشرط ألا توجد قرينة تدلُّ على أَنَّ المراد الكثرة أو القِلَّة، فعند عدم القرينة تتعيَّن القِلَّة حتمًا» (٣)، ويزعم النُّحَاة والبلاغيون «أَنَّ العرب كثيرا ما تستعمل جمع القِلَّة مكان جمع الكثرة أو العكس لحكمة ما» (٤)، وأنَّ الجموع «يقع بعضها موقع بعض؛ لاشتراكها في مطلق الجمع» (٥). ويرى د. إبراهيم أنيس عدم دِقَّة هذا الربط، ويشير إلى أَنَّ «فكرة اختصاص القِلَّة بصيغ، والكثرة بصيغ لم تكن من الظواهر الملتزمة في العربِيَّة» (٦) وأنَّ قول النُّحَاة «أَنَّ العرب كثيرا ما

стр. 55

تستعمل جمع القِلَّة مكان جمع الكثرة أو العكس» «يحمل في ثناياه دليل ضعف الرأي الذي ذهبوا إليه» (١). ويرى د. أنيس أَنَّ الأولى بالنُّحَاة «تفسير مثل تلك الكلمات لا على أَنَّها جمع؛ بل على أَنَّ بعض الكلمات المجموعة قد تفقد فكرة الجمعيَّة على مرِّ الأيام، وتصبح لكثرة دورانها على الألسن والأسماع كَأَنَّما هي مفردة؛ فإذا أريد جمعها اتخذت أمثال تلك الصيغ» (٢). ومما يؤَيِّد د. أنيس فيما ذهب إليه: • وجود النصوص الفصيحة الصحيحة التي تشير إلى خلاف ذلك، أي التي تشير إلى عدم دقة ربط أوزان مُعَيَّنَة من الأساس بدلالة جمع قِلَّة أو كثرة، ومن هذه النصوص: » قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] إِنَّ «المجموع بالألف والتاء للقِلَّة؛ وغرف الجنة لا تحصى» (٣). » وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] » وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] » وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] » ومثل قول حسان بن ثابت: لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلمَعنَ بِالضُحى ... وَأَسيافُنا يَقطُرنَ مِن نَجدَةٍ دَما [بحر الطويل] • ونجد إشارات في كتاب سيبويه تشير إلى تردُّد هذه الجموع بين القِلَّة والكثرة، منها قوله: «واعلم أَنَّ لأدنى العدد أبنيةٌ هي مختصَّة به، وهي له في الأصل، وربَّما شركه فيه الأكثر، كما أَنَّ الأدنى ربَّما شرك الأكثر») (٤)، وقوله: «وربَّما عنوا ببناء أكثر العدد أدنى العدد، كما فعلوا ذلك بما ذكرنا من بنات الثلاثة، وذلك قولهم: ثلاثةُ جدرٍ») (٥). • وها هو الزَّمَخْشَرِيّ يؤكد نفس الفكرة فيقول: «الجموع يتعاور بعضها موقع بعض، لالتقائهما في الجمعيَّة، كقوله ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ الدخان: ٢٥») (٦).

стр. 56

إِنَّ سياق الحال حاضر في رأي د. أنيس في نقده لهذه القاعدة، والباحث يؤَيِّد هذا الرأي ويقول إِنَّ الحكم على دلالة جمع ما بقِلَّة أو بكثرة متروك للسياق، بدون ربط «حتمي» لأوزان مُعَيَّنَة بدلالةٍ على القِلَّة أو الكثرة كما نصّ صاحب النحو الوافي، وفيما أوردنا من أمثلة ما يؤَيِّد ذلك، ولما يقرِّرُه علمُ الدِّلَالَة من أَنَّ المفردات لا تستقرُّ على حال؛ وذلك لأَنَّ «الحياة تشجِّع على تغير المفردات؛ لأَنَّها تضاعف الأسباب التي تؤثر في الكلمات، فالعلاقات الاجتِماعِيَّة والصناعات، والعُدد المتنوعة تعمل على تغير المفردات، وتقصي الكلمات القديمة، أوتحور معناها، وتتطلب خلق كلمات جديدة» (١). ومن النُّحَاة المعاصرين الذين تناولوا هذه القضية أيضا د. فاضل السامرائي، وأشار سيادته إلى أَنَّه «قد يستغنى بجمع عن جمع؛ فيستعمل جمع القِلَّة للقِلَّة والكثرة») (٢). وأضاف أَنَّه يعدل عن استعمال القِلَّة موضع الكثرة والعكس «لضرب من البلاغة») (٣). أنفي النفي: تتردد في كثير من المراجع النحوِيَّة هذه المقولة: • «نفي النفي إثبات» (٤)، • وأحيانا ترد «نفي النفي إيجاب» (٥)، • وفي أحيان ثالثة ترد «نفي النفي إزالة للنفي» (٦). وهذه المقولة تُورَدُ مورد الحقيقة المُسَلَّم بها، بلا نقاش وبلا جدال؛ لأَنَّها حقيقة «معروفة ولازمة ومقطوع بها» عند كثير من العلماء: • يقول ابن الحاجب: « ... ؛ فيؤدي إلى معنى الإثبات؛ إذ نفي النفي إثبات قطعًا») (٧).

стр. 57

• وجاء في حاشية الصَّبَّان: «ونفي النفي يستلزم الثبوت») (١). • ويقول الأستاذ عباس حسن: « ... ومثل نفي آخر بعده يزيل أثره، ويجعل الكلام مثبتا؛ لأَنَّ نفي النفي إثبات كما هو معروف») (٢). • ومن المفسرين من قال: «ومن المعلوم أَنَّ نفي النفي إثبات») (٣). والحق أَنَّ هذه العبارة تتردِّدُ بكثرة في كثير من المصادر والمراجع. ولَعلَّ أول من تنبَّه لعدم دِقَّة هذه المعلومة وأنَّ فيها نظرًا العلامةُ محمد محيي الدين عبد الحميد (٤) ــ طيَّب الله ثراه ــ في كتابه «الانتصاف من الإنصاف» الذي طبع على هامش كتاب «الإنصاف في مسائل الخلاف»، فقال ــ ﵀ ــ في نقد هذه المقولة: «هذه مغالطة ظاهرة، لا يجوز أَنْ تأخذ بها، ولا أَنْ تجدها صحيحة ... ، وذلك لأَنَّ النفي إذا دخل على النفي لا يكون الكلام إيجابًا على الإطلاق، وبيان هذا أَنَّ النفي الداخل على النفي يكون على أحد وجهين: الأول: أَنْ يكون المراد به نفي النفي الأول، وحينئذ يكون الكلام إثباتا وإيجابا؛ لأَنَّ نفي النفي إيجاب، والوجه الثاني: أَنْ يكون المراد بالنفي الثاني تأكيد النفي الأول، وحينئذ يكون الكلام نفيًا مؤكدًا، ولا يكون إثباتا أصلا، وذلك وارد) أي يشبه (في التوكيد اللفظي فإِنَّهُ إعادة اللفظ الأول بنفسه أو بمرادفه» (٥). وبالتأكيد لا نقول إِنَّ نفي النفي يفيد التوكيد وهو الوجه الثاني الذي أشار إليه الشيخ محيي الدين إلا بالاعتماد على سياق الحال. وهذا ما يؤكده د. إبراهيم أنيس عند حديثه عن النفي اللغويّ

стр. 58

فقال إِنَّ: «المُتَكَلِّم يريد أَنْ ينفي جملة من الجمل أو معنى من المعاني وقد تدفعه حالته النفسِيَّة أو ظروف الكلام إلى تأكيد هذا النفي؛ فيكرر أداة النفي مثنى وثلاث ورباع» (١). بل إِنَّنَا نفهم من كلام د. أنيس أَنَّهُ يكاد ينفي الوجه الأول من نفي النفي حين يقول: «فاللغات حين تكرر الأداة في موضع ما من الجملة إِنَّمَا تهدف إلى توكيد فكرة النفي لا إلى الإثبات» (٢). إِنَّ مسألة نفي النفي مثال جَيِّد على خطورة إهمال السِّياق، وأنَّ إهماله قد يجعل المستمع أو المخاطب يفهم عكس المراد تماما من النَّصّ أو الكلام) (٣). o عدم استيعاب التوجيه النَّحْوِيّ، وصيرورة اللُّغَة إلى فوضى، وإجداب الدراسات اللُّغَوِيَّة: هذا هو الأمر الثاني من خطورة غياب السِّياق عند التَّقْعِيد. إِنَّ كثيرا من التوجيهات النحوِيَّة والبَلاغِيَّة تعتمد على سياق الحال، ولا يمكن أَنْ يتمَّ هذا التوجيه وفهمه إلا بمعونته. ومثال ذلك: • كيف يتم استيعاب حذف النعت «صالحة» بعد منعوتها «سفينة» في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] بدون فهم القصة التي قيلت فيها هذه الآية؟ ومثله قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ الأنعام: ٦٦؛ أي: المعاندون، وقوله: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ هود: ٤٦؛ أي: الناجين، ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ البقرة: ٧١؛ أي: الواضح، ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ

стр. 59

شَيْءٍ﴾ الأحقاف: ٢٥؛ أي: سُلِّطَت عليه، وقول النبي ــ ﷺ ــ «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»؛ أي: لا صلاة كاملة. • قال النُّحَاة: إذا وقع بعد جملة الجواب مضارع مقرون بالواو أو الفاء جاز فيه ثلاثة أوجه إعرابية (١). ويعلِّق الأستاذ عباس حسن على هذه المسألة وعلى اختيار الوجه المناسب في «النحو الوافي ٤/ ٤٧٧»، قائلا: «يختار منها المُتَكَلِّم والمعرب ما يناسب السِّياق، ويساير التركيب». ويضيف في الهامش الأول من نفس هذه الصفحة كلاما نفيسا ومهمًّا جدا. يقول فيه: «كل وجه من هذه الثلاثة يقوم على اعتبار معنوي خاص به، يخالف الآخر، وواجب المُتَكَلِّم والمعرب اختيار الوجه الإعرابِيّ الذي يقوم على الاعتبار المناسب للسياق، ولما يقتضيه المعنى. ومن الخطأ الزعم أَنَّ هذه الأوجه الثلاثة تصلح لكل أسلوب، وتباح في كل تركيب بغير تقيد بهذا الاعتبار المُعَيَّن الخاص، وإلا صارت اللُّغَة فوضى بسبب محو القيود، أو إهمالها، وإهمال الاعتبارات التي تميز المعاني بعضها من بعض» (٢). ويفهم من كلام أ / عباس حسن أَنَّه لا يجوز تقديم توجيهات نحوِيَّة طالما أَنَّ هناك قرينة سِيَاقِيَّة تُحَدِّد توجيها مُعَيَّنًا؛ وبمفهوم المخالفة نفهم أَنَّه في غياب القرينة المحدِّدة لمعنى معيَّن يجوز تقديم كل التوجيهات النحوِيَّة والدِّلالِيَّة؛ لأَنَّ هذا مما يثري المعنى؛ فالمُعَوَّلُ عليه القرينةُ في التوجيه فإذا كان «تعَدُّد المعنى يكشف عن عدم كفاية القرائن») (٣)؛ فَإِنَّ كفاية القرائن تدلُّ على تحديد المعنى • أساليب التوكيد والحذف والنداء، لا يمكن استيعابها إلا من خلال السِّياق، فأسلوب التوكيد بأشكاله وألفاظه المختلفة وصوره المتنوعة «ذات ارتباط وثيق بالمقام»، والحذف «في كثير من حالاته يعتمد في تعيينه وفهمه وتحليله على مشاهدة الحال؛ أي المقام وما يلفُّه من ظروف وملابسات اجتماعِيَّة»، والنداء يعدُّ «كله وما حواه من أحكام وقوانين يمثل ضربا من

стр. 60

الخطاب الكلامي الذي لا يؤدي دوره في التواصل إلا بوصفه عنصرا من عناصر مسرح اجتماعي يضم مرسلا ومستقبلا أو مخاطبا ومتلقيا» (١). • دلالة الأفعال على زمن معين مرتبطة بالسِّياق، فدلالة الفعل الماضي مثلا لا تخلص دائما للمضي، فـ «الماضي له أربع حالات من ناحية الزمن، تتعين كل واحدة منها عند عدم قرينة تعارضها») (٢). • وكذلك الفعل المضارع) (٣). • عمل بعض المشتقات عمل الفعل مرتبط بالزمن وبالدِّلَالَة على الحال أو الاستقبال، وهذا لا يكون إلا من خلال الوقوف على سياق الحال. • وهناك كثير من الأمور البَلاغِيَّة التي لا يمكن أَنْ نتذوقها ونتفاعل معها بلاغيا بدون «الخلفيَّة الثقافيَّة») العَقِيدِيّة، الاجتِماعِيَّة، ... (التي نمتلكها. من ذلك مثلا: » «وضع الخبر موضع الطلب» في قوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، يقول البلاغيون: «الخبر هنا للأمر» (٤). » وضع الأمر للخبر، مثل قوله تعالى: «فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا» [التوبة ٨٢] «أي: أنهم: سيضحكون قليلا ويبكون كثيرا») (٥).

стр. 61

o تَفَكُّك أوصال النَّصّ: إن وجود السِّياق «يسهل عَمَلِيَّة ربط الكلام وبناء النَّصّ بناء محكما في بدئه وخاتمته والحبكة بينهما» (١). وبمفهوم المخالفة فَإِنَّ عدم وجود السِّياق يؤدي إلى عكس ما سبق. ومن الأمور التي اهتَمَّ بها علماء «نحو النَّصّ» قضيَّة «الاتساق النصي ووسائله»، واهتموا بوجه خاص بما أسموه بـ «الإحالة Reference» كإحدى الوسائل المُهِمَّة لتحقيق هذا الاتساق أو السبك Cohesion . وأشاروا إلى عدة أنواع من الإحالة: «إحالة نصية) داخل النَّصّ (، إحالة مقامية) خارج النَّصّ (، إحالة بينية») (٢). وقالوا عن «الإحالة خارج النَّصّ»: «إِنَّنَا في بعض الأحيان نجد أَنَّ الإحالة لا تصدق على شيء داخل النَّصّ، بل تمتد إلى شيء خارج النَّصّ؛ مِمَّا يدلُّ على وجود علاقات متشابكة ومتفاعلة بين اللُّغَة والمواقف الاجتِماعِيَّة والثقافيَّة العامَّة، بل بينها وبين الخطاب بشكل عام؛ لأَنَّ الإحالة تقوم على مبدأ التفاعل بين المتلقي والنَّصّ والمواقف العامة الخارجة عن النَّصّ، وبدون هذا التفاعل يصير الانتفاع بقراءة النَّصّ شيئا غير مؤكد، أو ربما غير موجود») (٣). o الوقوع في مأزق عَقِيدِيّ خاصة عند التعامل مع الآيات القُرْآنِيَّة والأحاديث النبَوِيَّة الصحيحة: سبق أَنْ أشرنا إلى ما قاله د. بدراوي زهران من أَنَّ عبد القاهر «انتهى إلى أَنَّ التأويلات النحوِيَّة المنبثقة عن التقديرات العقلِيَّة فقط تغفل طبيعة اللُّغَة وتسيء إلى فهمها إساءة شديدة، بل الأكثر من ذلك أَنَّها قد توقعهم في ضلالة كبيرة، وقد تقودهم إلى الكفر والعياذ بالله» (٤). إِنَّ هذه النتيجة وحدها كفيلة بأن تلفت بشِدَّة الانتباه إلى سياق الحال ومدى ما يمكن أَنْ يُقَدِّمه للنص قيد التحليل. ****

стр. 62

- النصوص المعتمد عليها في التَّقْعِيد: من الأمور التي تستحق فضل بيان وإلقاء بعض الضوء عليها في هذا التمهيد الإشارة إلى طبيعة النصوص المعتمد عليها في التَّقْعِيد النَّحْوِيّ في العربِيَّة ونقول: إِنَّ أنماط النصوص التي اعتمد عليها النُّحَاة عند تقعيدهم هي: الآيات القُرْآنِيَّة، كلام العرب: شعره ونثره، وأحيانا الحديث النبوي للائتناس والاسترشاد. وأول ما نَوَدّ إثباته هنا أَنَّه إذا كان الكلام العادي مرتبط بالسِّياق بطبيعته، فأنماط هذه النصوص أشد ارتباطا به. فالقرآن الكريم ــ الذي يأتي على قمة اللسان العربي من حيث «انتظامه خواص العربِيَّة ومميزاتها: قواعد وتراكيب وعلم نظم وأسلوب ــ بُلِّغَ إلى الرسول ــ ﷺ ــ منطوقا منجَّمًا بحسب الأحوال والظروف، وموزعة آياته وسوره على الزمان والمكان» (١)، وهو «جاء على ما يقع في أنفس المخلوقين من السؤال ... [و] خوطب [به العرب] بما يتعارفونه، وسلك باللطف معهم المسلك الذي يسلكونه» (٢). والشعر وارتباطه بالسِّياق الذي يقال فيه لا يحتاج إلى بيان؛ فكل «شاعر أو ناثر يصدر عن ذات نفسه وفقا لثقافته وحياته الاجتِماعِيَّة، ووفقا للغرض الذي يتناوله، والمقام أو المسرح اللغويّ الاجتماعِيّ المُعَيَّن»، وأَيَّة رسالة أدبيَّة شعرِيَّة أو نثرِيَّة تفرض أَنْ «يطعم المرسِل) الناثر أو الشاعر (أو أَنْ يلون رسالته بألوان لغَوِيَّة جديدة، بوصفها أوقع في نفس المستقبل وأقرب إلى موقعه الثقافي الاجتماعِيّ، ويستوي في ذلك أَنْ تكونَ هذه الألوان صوتيَّة أو صرفِيَّة أو نحوِيَّة» (٣). والحديث النبوي «كان موجَّها إلى الناس أجمعين، بكل فئاتهم وطبقاتهم وبيئاتهم الثقافيَّة والاجتِماعِيَّة ... فكان من الطبيعي أَنْ تأتي كلماته وأساليبه مطابقة للظروف والحال والغرض الذي يقصد إرساله أو التعبير عنه أو توصيله إلى الناس» (٤). ومن النصوص المُهِمَّة التي ذكرها العلماء عن سيبويه ما رواه البغدادِيّ في خزانة الأدب عن الأخفش الأصغر على بن سليمان إذ يقول: «وعمل سيبويه كتابه على لغة العرب وخطبها وبلاغتها فجعل فيه بيتا مشروحا وجعل فيه مشتبها ليكون لمن استنبط ونظر فضلٌ» (٥).

стр. 63

وتستوقف القارئ كلمة البغدادِيّ في هذا النَّصّ «وخطبها وبلاغتها»، وهي عبارة مثيرة تثير التساؤل فما المقصود بأن سيبويه عمل كتابه على لغة العرب وخطبها وبلاغتها؟ يمكن تفسير هذه اللفظة في ضوء سياقها الذي وردت فيه بأنَّ سيبويه اعتمد عند تقعيده على لغة العرب وخطبها وعلى النصوص البليغة التي يطابق فيها الكلام مقتضى الحال. وفي هذا ولا شك إشارة للعنصر الاجتماعِيّ سياق الحال الذي اعتمد عليه سيبويه. **** - القواعد العلميَّة المراعاة عند تقعيد القاعدة: ومما أَجِدُهُ واجب الإشارة إليه في هذا التمهيد الحديث عن القواعد العلميَّة المراعاة عند تقعيد القاعدة. والإشارة هنا إشارة معيارية؛ بمعنى أَنَّها ستكون المعيار الذي نحتكم إليه عند مناقشتنا لدور السِّياق في التَّقْعِيد والتوجيه الإعرابِيّ عند سيبويه؛ لإظهار مدى «علمِيَّة» ما نقوله. من خلال ما سبق، وما أقرَّهُ العلماء يمكن أَنْ نضع بعض الشروط للوصول إلى قاعدة لغَوِيَّة سليمة، منها: ١ ــ ملاحظة مسرح الحدث اللغويّ والعنصر الاجتماعِيّ: ينبغي عند التَّقْعِيد ملاحظة الجانب الاجتماعِيّ ومسرح الحدث اللغويّ؛ فإهماله يؤدي إلى اضطراب القاعدة، وإشاعة الفوضي كما بيَّنا. كما أَنَّ اعتباره أيضا يقلِّلُ من اختلافات النُّحَاة في التوجيهات الإعرابِيّة والنحوِيَّة. ويرسِّخ هذا المعنى علمٌ من أعلام العربِيَّة هو أبو حيان في مقابساته عند تفريقه بين النحو والمنطق، فيؤكد أَنَّ «النحو»: •• «يرتب اللفظ ترتيبًا يؤدي إلى الحق المعروف أو إلى العادة الجارية». •• «والشهادة في النحو مأخوذة من العرف». •• «ودليل النحو طباعي». •• «والنحو يتبع ما في طباع العرب، وقد يعتريه الاختلاف». •• «والنحو تحقيق المعنى باللفظ، والمنطق تحقيق المعنى بالعقل». •• «والنحو يدخل المنطق، ولكن مرتبًا له، والمنطق يدخل النحو، ولكن محققًا له». •• «والنحو أشد التحامًا بالطبع». •• «والنحو شكل سمعي، والمنطق شكل عقلي».

стр. 64

•• «وشهادة النحو طباعية، وشهادة المنطق عقلية» (١). كل ما سبق من أقوال أبي حيان مُؤَدّاه أَنَّ القاعدة يجب أَنْ تؤخذ من «العرف وعادة أصحاب اللُّغَة، فما تعودوه من أساليب التعبير، وما جرت به ألسنتهم، وما ألفوه في كلامهم من طرق مُعَيَّنَة في التعبير بالألفاظ؛ كل هذا هو المصدر الوحيد لنحو كل لغة» (٢). ويتأكَّد لدينا أهمية ملاحظة مسرح الحدث اللغوي والجانب الاجتماعي إذا نظرنا إلى كتب القواعد الحديثة في اللُّغَة الإنجليزية، فسنجد هذه الكتب تهتم برسم مسرح للحدث اللغويّ قبل الشروع في شرح القاعدة من خلال «الرسوم الكاريكاتورية والصور الفوتوغرافية»، وبين يدي كتابان من أشهر كتب القواعد الإنجليزية المتداولة بين المتخصصين في اللُّغَة الإنجليزية يعتمدان هذه التقنية، وهما: - English Grammar In Use, Raymond Murphy , Cambridge University Press . - Oxford Practice Grammar, John Eastwood , Oxford University Press . من يتصفح هذين الكتابين يجد الرسوم والصور الفوتوغرافية مبثوثة فيهما من أول الكتابين إلى آخرهما وليُنظَر الكتاب الأول على سبيل المثال عند شرحه للأزمنة في اللُّغَة الإنجليزية. إن استغلال الرسوم والصور في شرح القاعدة أمر يتَّجه إليه الشارحون للقواعد في مختلف اللغات؛ لأَنَّه أمر يسهل الشرح ويثبت القاعدة في الأذهان) (٣). والصورة «لم تعد تساوي ألف كلمة ــ كما جاء في القول الصيني المأثور ــ بل صارت بمليون كلمة، وربما أكثر. لقد أصبحت الصور مرتبطة الآن على نحو لم يسبق له مثيل، بكل جوانب حياة الإنسان») (٤). لقد «ساهمت علوم الصورة وتقنياتها وتجلياتها في عمليات التربية والتعليم من خلال الصور التوضيحية والرسوم

стр. 65

المصاحبة للكلمات، أو من خلال تقنيات الفيديو والسينما، وأجهزة عرض البيانات») (١). ونتيجة لذلك «ينصح كثير من خبراء التربية والتعليم بأهمية المزواجة بين الكلمة والصورة في المراحل المختلفة لتعليم الصغار والكبار أيضا») (٢). ونتمنى أَنْ تطبق تلك التقنية في كتب القواعد للناشئة. وإن شاء الله فيما يلي سنبيِّنُ أَنَّ سيبويه في بعض الأحيان كان يهتمُّ برسم مسرح لغوي بسيط ــ حواري غالبا ــ قبل إقرار القاعدة. ٢ ــ الاعتماد على الأكثر: فما كثر شيوعه وزادت نسبة وروده يُقاس عليه، وتؤسس عليه القاعدة، ويستنبط منها الصحيح المقبول «وتلك هي الطريقة العلميَّة الحديثة في تقعيد القواعد، واستخراج مسائل اللُّغَة» (٣). ٣ ــ الاعتماد على القياس الاستقرائي: وهو الذي يكون فيه «الانتقال من الجزئيّات إلى الكليّات، وهو الأصلح في تقعيد القواعد» (٤). ولذلك لعله من أفضل التعريفات التي نراها معبِّرة عن علم النحو التعريف الذي يقال فيه: «النحو في الاصطلاح هو العلم المستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصِّلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها») (٥). ***

стр. 66

الفصل الأول السياق والمنهج عند سيبويه - المبحث الأول: سيبويه والسِّياق: o سيبويه يقوم بالتَّقْعِيد النَّحْوِيّ والتوجيه الإعرابِيّ من خلال النصوص الحَيَّة المنطوقة. o اعتبار سيبويه للسياق. o المُتَكَلِّم والمخاطب أبرز عناصر سياق الحال التي اهتَمَّ بها سيبويه. - المبحث الثاني: خطوات إجرائِيَّة ومنهجِيَّة قبل التقيعد النَّحْوِيّ والتوجيه الإعرابِيّ عند سيبويه: o تصنيف اللُّغَة إلى تراكيب نمطِيَّة مُجَرَّدة. o الإحصاء العددي للتراكيب النَّمَطِيَّة. o تَتَبُّع التركيب اللغويّ المُعَيَّن قيد البحث في السِّياقات المختلفة وربطه بدلالة السِّياق إِنْ وجدت. o معايشة التراكيب اللُّغَوِيَّة في نصوصها المنطوقة.

стр. 67

الفصل الأول: السياق والمنهج عند سيبويه مقدمة: إذا كان موضوع بحثنا يبحث علاقة السِّياق بالتَّقْعِيد والتوجيه عند سيبويه فهذا يُمْلِي علينا في البدء وقبل خوض البحث أسئلةً مُهِمَّة هي: هل توفرت أصلا وفي الأساس لدى سيبويه الظروف السِّياقِيَّة المقاميَّة المناسبة لكي نقول بوجود تأثير للسياق على التَّقْعِيد والتوجيه عنده؟ ! هل كان سيبويه يقوم بالتَّقْعِيد والتوجيه من خلال النصوص المنطوقة أم المكتوبة؟ وإذا افترضنا أَنَّ الظروف السِّياقِيَّة والمقامِيَّة وُجِدَتْ وتهيَّأت لسيبويه عند التَّقْعِيد والتوجيه؛ فهل كان يَعْتبِر هذه الظروف؟ وهل أَثَّرَ السِّياقُ في تقعيده وتوجيهه؟ أم أنَّه أغفلها واعتمد نظَرِيَّة العامل بشكل أساسي متأثرا بالبيئة الفلسفِيَّة في البصرة؟ ! وإذا ثبت تأثيرُ السِّياق في التَّقْعِيد والتوجيه عنده فهل كانت كلُّ مكونات السِّياق التي ذكرناها قبلُ لها تأثير متساوٍ في هذا التَّقْعِيد؟ أم أَنَّ بعض مكونات السِّياق كان لها دور أكثر بروزا من غيرها؟ وأثارت مجموعةُ الأسئلة السابقة مجموعةً أخرى غيرها هي: هل كانت هناك خطوات مُعَيَّنَة يقوم بها سيبويه قبل التَّقْعِيد والتوجيه؟ وبغض النظر عن تَأَثُّره بالسِّياق أم لا، هل كان هناك منهج مُحَدَّد يسير عليه في تقعيده وتوجيهه؟ ! إن الإجابة عن هذه الأسئلة ستجعلنا نفهم بشكل أدقّ وأعمق دور السِّياق في عَمَلِيَّة التَّقْعِيد والتوجيه؛ لذلك جعلنا عنوان هذا الفصل: السياق والمنهج عند سيبويه، وقسَّمتُه إلى مبحثين: أسيبويه والسِّياق. ب خطوات إجرائِيَّة ومنهجِيَّة قبل التوجيه الإعرابِيّ والتَّقْعِيد النَّحْوِيّ عند سيبويه. ****

стр. 68

المبحث الأول: سيبويه والسِّياق: في هذا المبحث سيدور الكلام حول ثلاث نقاط: أـ إثبات أَنَّ سيبويه كان يضع قواعده من خلال النصوص الحَيَّة المنطوقة. ب ــ توجيه النظر إلى أَنَّ سيبويه كان يعتبر سياق الحال عند تقعيده للقواعد. ج ـ إيضاح أَنَّ المخاطب والمُتَكَلِّم كانا أبرز عناصر سياق الحال التي اهتَمَّ بها سيبويه. ومن خلال الحديث في هذه النقاط الثلاث وإبرازها نُثبت علاقة سيبويه بالسِّياق وخاصة سياق الحال، ونظهر مكنون هذه العلاقة. وأعتقد أَنَّ إثبات هذه العلاقة أمر مُهِمّ لموضوع البحث، إذ كيف نتحدث عن دور سياق الحال في التَّقْعِيد النَّحْوِيّ والتوجيه الإعرابِيّ في كتاب سيبويه دون أَنْ نثبت ابتداء وجود ثَمَّة علاقة بين سيبويه وسياق الحال؟ وكيف نخطو خطوات في بحثنا دون أَنْ نبيِّنَ مدى تَلبُّس سيبويه بهذه العلاقة؟ وأول ما يساعدنا على إثبات هذه العلاقة إظهار أَنَّ سيبويه كان يعتمد في تقعيده النَّحْوِيّ على اللُّغَة الحَيَّة المنطوقة، وثانيا أَنَّ هذه اللُّغَة الحَيَّة المنطوقة قادته إلى اعتبار سياق الحال في دراسته وتقعيده لِلُّغَة؛ لما لاحظه من وجود تأثير له عليها، وثالثا أَنَّ وعيه بأهمِيَّة سياق الحال في دراسة اللُّغَة تقعيدا وتوجيها وتفاعله معه أوقفه على أَنّهُ ليست كلُّ العناصر المُكوِّنة لسياق الحال على درجة واحدة من الأهمِيَّة، وأنَّ أبرز هذه العناصر أهمِيَّةً المخاطبُ والمُتَكَلِّم. - سيبويه يقوم بالتَّقْعِيدالنَّحْوِيّ والتوجيه الإعرابِيّ من خلال النصوص الحَيَّة المنطوقة: من المبادئ اللُّغَوِيَّة التي يُقرُّها اللغويّون أَنَّ اللُّغَة المنطوقة «تتسم بسمات معيَّنة حُرِمَتْ منها اللُّغَة المكتوبة، ففي النطق والأداء الصوتي لِلُّغَة خواصّ لا يمكن أَنْ تُفصح عنها النصوص المكتوبة فهذه النصوص في صورتها العامَّة جامدة ساكنة، خالية من الخواص النطقيَّة البالغة الأهمِيَّة في عَمَلِيَّة الإيصال والتوصيل، كالنبر، وموسيقى الكلام) التنغيم (، والفصل والوصل، وما يَلُفُّ كلَّ ذلك من ظروف ومناسبات في مقامات الكلام وسياقه الاجتماعِيّ» (١). وما هذا المبدأ مبدأ الاعتماد على اللُّغَة الحَيَّة المنطوقة عن سيبويه ببعيد؛ فمن يدرس الكتاب ويسبر غوره، يجد أَنّهُ يعتمد في تقعيده وتوجيهه النَّحْوِيّين على اللُّغَة الحَيَّة المنطوقة. والشواهد على ذلك كثيرة ومتنوعة، منها:

стр. 69

ــ تكرار سيبويه لكلمة «سمعنا» وتصريفاتها، التي تسبق النصوص والاستشهادات التي يوردها للتدليل على القاعدة التي يشرحها ويقرِّرها، فقد دأب على مدار الكتاب على تأكيده لهذا «السماع»، وبلغ عدد المواضع التي ذكر فيها «سماعه» للنص من أفواه العرب ومن نقل عنهم أكثر من مِئتَين وست وأربعين مَرَّة) ٢٤٦ مَرَّة (. ومن أقواله في هذا: - «وسمعنا من العرب من يقول ممن يوثق به ... » (١). - «وسمعنا عربيًّا موثوقا بعربِيَّته ... » (٢). - «فكلّ هذه البيوت سمعناها من أهل الثقة هكذا» (٣). - «سمعنا أكثر العرب يقولون في بيت امرئ القيس ... » (٤). وفي بعض الأحيان لا ينص فقط على سماعه، بل ينص على عدالة وفصاحة ومن تُرْضى عربِيَّته ويُوثَق بهم ممن أخذ منهم، يقول: - «وسمعنا ممن تُرْضى عربِيَّته ... » (٥). - «وقد قال قومٌ من العرب تُرضىَ عربيَّتُهم ... » (٦). وهذه العبارة وسابقتها توحيان بأَنَّه يقسم القبائل العربِيَّة قسمين: قسم تُرْضَى عربِيَّته؛ يؤخذ منه، وقسم لا تُرضى عربِيَّته؛ يحاول قدر الإمكان تجنُّبه، وإن ذكره يذكره على سبيل الشذوذ. - «وسمعنا فصحاء العرب ... » (٧). - «وحدَّثني من لا أتَّهم عن رجل من أهل المدينة موثوق به أَنّهُ سمع عربيًّا يتكلَّم ... » (٨). فليس الأمر مجرد سماع، بل سماع من ثقة عَدْل، وأعتقد أَنَّ سيبويه تَاَثَّرَ بمنهج المحدِّثين وطريقتهم في التثبُّت من الأخبار؛ إذ طلب في بداية حياته الحديث والفقه. ويُعَبِّر سيبويه عن هذا السماع بطريق غير مباشر بأنْ يقول إِنَّ هذا النَّصّ أو ذاك تكلَّمت أو لم تتكلَّم به العرب، يقول مثلا:

стр. 70

- « ... وكلُّ ذلك تَكَلَّم به عامَّة العرب» (١). - «ولا تكاد العرب تَكَلَّم به ... » (٢). - «وليس في كل شيء يقال إلا أَنْ تقيس شيئا وتعلم أَنَّ العرب لم تَكَلَّم به» (٣). وإذا اضطره التفسير والشرح إلى اللجوء لجملة مصنوعة ليس لها نموذج حيّ وواقعيّ في اللُّغَة نبَّه على ذلك بجملة تكررت كثيرا في كتابه يقول فيها: «وهذا تمثيل لم يتكلَّم به» (٤). ويحرص بعد تقديمه لعدة توجيهات نحوِيَّة أَنْ يوضح أَنَّها مستعملة. ففي حديث له عن نصب الاسم المشغول عنه أو رفعه، وأيُّهما أجود، يقول: «وكلُّ هذا من كلامهم») (٥). وسيبويه في حرصه على السماع يتحرك ميدانيًّا للسماع المباشر من أصحاب اللُّغَة، لكي يقف على اللُّغَة غضة كما ينطقها أصحابها، يقول: «وسألنا العرب فوجدناهم يوافقونه) أي: الخليل (» (٦). وهو في تَحَرُّكه الميداني يسأل من ينتمون إلى القبائل العربِيَّة؛ فيقف على ما هو مشترك بينها، وما تَتَمَيَّز به قبيلةٌ معيَّنة من تركيب نحوي معيَّن أو بناء صرفي ما، يقول: • «وسألنا العُلْويين والتميميِّين فرأيناهم يقولون ... » (٧). • «وإِنَّمَا يقولها من العرب بنو العَنْبَر ... » (٨). وينصُّ سيبويه عند ذكره لكثير من أبيات شواهده الشعرِيَّة على أَنّهُ سمعها وهي في حالة «إنشاد». يقول في بعض هذه المواضع: - «وزعم أبو الخَطَّاب أَنّهُ سمع بعض العرب الموثوق بهم ينشد هذا البيت ... » (٩).

стр. 71

- «وسمعناهم ينشدون هذا البيت ... » (١). - «وأنشدناه هكذا أعرابي من أفصح الناس، وزعم أَنّهُ شعر أبيه» (٢). وقد عقد سيبويه بابا من أبواب كتابه سماه «باب وجوه القوافي في الإنشاد» قال فيه: «الشعر وضع للغناء والتَّرَنُّم» (٣). وقد أشار سيبويه لهذا الإنشاد في أكثر من ٤٥ موضعا. ولا شك أَنَّ حالة الإنشاد هذه التي يقوم بها الشاعر أو من ينوب عنه يصاحبها رفع الصوت، وكثير من الإشارات الجسدِيَّة والهيئة والإيقاع والتقطيع والتشدُّق وكل ما يُعين مُلْقِي القصيدة على التعبير عن قصيدته وما بها من معان (٤). ومن إشارات البغدادي لهذا الأمر قوله: «العرب كان بعضهم يُنشد شعره للآخر؛ فيرويه على مقتضى لغته التي فطره الله عليها وبسببه تكثر الروايات في بعض الأبيات») (٥). من إشارة البغدادي نعلم أنَّ تناشُد الشعر كان أمرا مألوفا بين العرب، وأن العرب كانت تُنشد شعرها لبعضها البعض، وهذا يعني ــ من وجهة نظر الباحث ــ أنَّ الملابسات السياقيَّة للنصِّ الشعريّ المُنشَد ستكون حاضرة مع كل قصيدة. كل الملابسات السياقية بما فيها النواحي الصوتية للمنشِد وتعبيرات الوجه والجسد وغيرها. ومما قرأه الباحث ــ ويجِدُهُ قريبا مما نتحدِّث عنه هنا ــ كلامًا عن «الثقافة الشفاهيَّة» في كتاب «الشفاهيَّة والكتابيَّة Orality and Literacy») (٦) لمؤلفه والتر ج. أونج. وهو كتاب يبرز الفرق بين الثقافة الشفاهيَّة ــ أي التي تقوم على المشافهة ــ، والثقافة الكتابيَّة ــ أي التي يقوم على الكتابة ــ ومن المبادئ التي أرساها والتر ج. أونج في هذا الكتاب: أ « ... أَمَّا في الكلام الشفاهيّ، فلا بدَّ أَنْ تشمل الكلمة هذا التنغيم أو ذاك كأنْ تكون الكلمة حيوية أو مثيرة أو هادئة أو ساخطة أو مذعنة، أو أيًّا ما كانت، فمن المحال نطق كلمة ما شفاهة دون أي تنغيم ... والممثلون ينفقون الساعات لتقرير كيف ينطقون الكلمات في النَّصّ

стр. 72

الذي أمامهم. فمن الممكن أَنْ يلقي أحد الممثِّلين فقرة ما بصوت جهير ويلقيها آخر همسا. ولا يكون السِّياق خارج النَّصّ غائبا لدى القراء فحسب، بل لدى الكاتب كذلك، وافتقاد السِّياق الذي يمكن التحقق منه هو عادة ما يجعل الكتابة نشاطا متعبا إلى حد يفوق الإلقاء الشفاهي على جمهور حقيقي») (١). ب «وتنتج الثقافات الشفاهية ــ في الواقع ــ أداءات لسانية مليئة بالقوة والجمال، وذات قيمة فنية وإنسانية عالية، أداءات لا تعود ممكنة في اللحظة التي تستحوذ فيها الكتابة على النفس البشرية») (٢). ت «تختلف حالة الكلمات في نصّ ما اختلافا تامًّا عن حالتها في الخطاب المنطوق. وعلى الرغم من أَنَّ الكلمات المكتوبة تشير إلى الأصوات، وأَنَّها لا يكون لها معنى إلا إذا أمكن وصلها ــ ظاهريا أو في الذهن ــ بالأصوات، وعلى نحو أدقّ بالفونيمات التي تحولها إلى رموز؛ فَإِنَّها تظل معزولة عن السِّياق الكامل الذي تبرز من خلاله الكلمات المنطوقة إلى الوجود؛ فالكلمة في موطنها الشفاهيّ الطبيعي تمثل جزءا من حاضر وجودي حقيقي، والقول المنطوق إِنَّمَا يصدر عن شخص حقيقي حيّ إلى شخص أو أشخاص آخرين حقيقيِّين أحياء، في لحظة زمَنِيَّة بعينها في موقف حقيقي يتضمن دائما ما يتجاوز مجرد الكلمات. فالكلمات المنطوقة هي دائما تعديلات على موقف يضم أمورا غير الكلام أيضا فهي لا تقوم أبدا بذاتها، في سياق لا يشمل سوي الكلمات») (٣). ث «وتشترك هذه الخصائص في سمة أساسية، تتمثل في العلاقة الفريدة للصوت بدخيلة الإنسان، وذلك عندما نقارن الصوت ببقية الحواس، وهذه العلاقة مُهِمَّة بسبب داخلية كل من الوعي والتواصل الإنسانيين») (٤). من خلال الاقتباسات السابقة يضع والتر ج. أونج أيدينا على مجموعة الحقائق المُهِمَّة التالية: » الكلام الشفاهي مرتبط لا محالة بالتنغيم. » الكلام الشفاهي يرتبط بأداءات لسانية مليئة بالقوة والجمال ذات قيمة إنسانية وفنية عالية، لا يمكن أَنْ توجد في الكتابة. » الكلام الشفاهي يرتبط بشخص حي في لحظة زمَنِيَّة بعينها في موقف حقيقي.

стр. 73

» الكلام الشفاهي يرتبط بالصوت الذي يرتبط بدوره بدخيلة الإنسان. وإذا ضممنا إلى مجموعة الحقائق السابقة مجموعة الحقائق التالية التي تقول: أ ((الإنشاد: رفع الصوت، ومنه إنشاد الشعر)) (١). و ((أنشد القصيدة إنشادا: إذا رفع صوته في إلقائها)) (٢). ب ويتضح من تَتَبُّع مصطلح الإنشاد في المعاجم أَنَّه مرتبط بالشعر. ت وأَنَّ حُسْنَ إنشاد الشعر كان مثار تفاضل بين الرواة، يُعَدُّ حسنُ الإنشاد منقبةً لأحدهم يفتخر بها وقد يُذَمُّ المنشد بسوء الإنشاد أيضا، ونقرأ أحيانا في كتب التراجم أَنَّ فلانا «من أحسن الناس إنشادا للشعر») (٣). ث ويحدِّثُنا المؤرخون أَنَّه قبل انقضاء القرن الثاني الهجري امَّحت أسواق الجاهلية، «ولكن سوقا واحدة نشأت في الإسلام احتفظت بكثير من خصائص أسواق الجاهلية، وزادت عليها بميزات واسعة ... تلك هي سوق المِرْبَد في البصرة، السوق التي استطاعت أَنْ تكون مرآة تعكس حياة العرب في الجاهلية كما تصور حضارتهم في الإسلام») (٤). صارت هذه السوق على عهد الأمويين سوقا «تتَّخذ فيها المجالس، يخرج إليها الناس كُلَّ يوم، كُلٌّ إلى فريقه وحلقته وشاعره، وتتعدد فيه الحلقات يتوسطها الشعراء والرجاز، ويؤمُّها الأشراف وسائر الناس يتناشدون ويتفاخرون») (٥). فالمربد «معرض لكل قبيلة، تُعرض فيه شعرها ومفاخرها، وهو مجتمع العرب ومُتَحدَّثهم ومتنزه البصريين ... وما زال يعلو شأنه وتستجيب له أسباب الكمال حتى اشتد ولوع الناس به وارتيادهم له») (٦)، وبه «كانت مفاخرات الشعراء والخطباء») (٧)، وكان «يعج بأعلام اللُّغَة والأدب والشعر والنحو، معهم محابرهم ودفاترهم يكتبون عن فصحاء الأعراب فيه»، وكان «لكل شاعر حلقة، ولكل متهاجيين مجلس، ولكل قبيلة ناد وشاعر يذود عنها ويردّ عدوان قريعه من القبيلة الثانية: فللعجاج ولرؤبة حلقة، ولأبي النجم العجلي حلقة، ولجرير حلقة،

стр. 74

والفرزدق وراعي الإبل وذي الرمة حلقة») (١). ويتفرد المربد بأمر علمي محض «لم يكن له في عكاظ من أَثر، وهو أَنَّه أرفد اللُّغَة بمادة كثيرة، عليها أسس النُّحَاة قواعدهم وأصلحوها، وذلك بما كانوا يقصدون له فصحاء العرب يسألونهم فيما فيه يختلفون ... [و] تجد أَنَّ أكثر مادتها فيما يتعلق بالعصر الأول والثاني للهجرة») (٢). ولا يمكن أَنْ يكون سيبويه الذي نشأ وتربى في البصرة أَنْ يكون بمعزل عن هذه السوق وهذه البيئة العلميَّة التي يُنْشَدُ فيها الشعر من رواة متقنين. ج قال البغدادِيّ: «وعمل سيبويه كتابه على لغة العرب وخطبها وبلاغتها» (٣). إذا وضعنا هاتين المجموعتين من الحقائق إزاء بعضهما نخرج بحقيقة علمِيَّة مُؤَدّاها أَنَّ سيبويه ــ لا محالة ــ وضع قواعده من خلال لغة مُنشَدة منطوقة حية تتفاعل مع الواقع تفاعلا، وأَنَّه قد أسس قواعده على ثقافة شفاهيَّة تتمتع بكل ما نقلناه عن والتر ج. أونج. وقد علمنا في التمهيد من قبل أن سيبويه كان جل اعتماده على الشعر في تقعيده. ومما يثير الدهشة والعجب لدى المتأمِّل لنصوص الكتاب انتباه سيبويه لتفاصيل دقيقة جدا أثناء عَمَلِيَّة السماع للنصوص الشعرِيَّة والنثرِيَّة، تفاصيل لا تحتاج فقط إلى تركيز سمعي بل أيضا إلى تركيز بصري فائق. • من هذه التفاصيل الدقيقة مثلا انتباهه للاختلافات الصَّوْتِيَّة الدقيقة التي تحتاج إلى سمع مرهف خبير بالأصوات، فنجده مثلا يلاحظ الاختلافات الصَّوْتِيَّة لحرف «الزاي» وأنَّ له اختلافات في النطق، فيقول: «وسمعنا العرب الفصحاء يجعلونها زايا خالصة» (٤). ونجده يرصد صوتيًّا ما يحدث لحرف العين من تغير صوتي إذا أتي مع حرف الهاء؛ فيقول: «ومما قالت العرب تصديقا لهذا في الإدغام قولُ بني تميم: مَحُّمْ، يريدون: معهم، ومَحَّاولاءِ، يريدون: مع هؤلاءِ» (٥). • وفي الحقيقة إِنَّ باب الإدغام في كتاب سيبويه يدلُّ على براعته الفائقة ودِقَّتِه في ملاحظة الفروق الصَّوْتِيَّة بين الحروف.

стр. 75

• ومن هذه التفاصيل أيضا ما لاحظه من قيام بعض رواة الشعر من «إشمام» للأبيات التي يروونها، يقول: «وقد يُسكِّن بعضُهم في الشعر ويُشمُّ، وذلك قول الشاعر امرئ القيس: فاليومَ أَشْرَبْ غيرَ مُسْتَحِقبٍ ... إثمًا من الله ولا واغل [بحر السريع]» (١). وقال عند قول الشاعر: متى أَنَامُ لا يُؤَرِّقْني الكَرَى ... ليلًا ولا أسمعُ أجراسَ المَطِي [بحر الرجز] «وقد سمعنا من العرب مَن يُشِمُّه الرَّفْعَ، كَأَنَّه يقول: متى أنام غير مُؤَرَّق» (٢). والإشمام مصطلح عند النُّحَاة يراد به «تهيئة الشفتين للتلفظ بالضم ولكن لا يتلفظ به ... [و] يراد به أيضا تصوير الفم عند حذف الحركة بالصورة التي تعرض عند التلفظ بتلك الحركة بلا حركة ظاهرة ولا خفية، وعلامته في الكتابة نقطة بين يدي الحرف» (٣). أو هو بعبارة أخرى: «نوع من أنواع الوقف على المتحرك، وهو قسيم الإسكان والروم والتضعيف والنقل. والوقف بالإشمام هو ضم الشفتين بعد تسكين الحرف الأخير، ولا يكون إلا فيما حركته ضمة») (٤)؛ أي أَنَّ الإشمام يُدْرَكُ عن طريق البصر، وهذا يتطلب أَنْ يكون المستمع والرائي قريبين من المنشِد أو المتحدِّث ليتمكنا من رؤية حركة الشفتين. كما أَنَّ الأذن هنا لعبت دورا دقيقا؛ إذ أدركت عدم النطق بالضم. ما سبق يجعلنا نُقَرِّر أَنَّه إذا كان سيبويه ينتبه إلى هذه الفروق الدقيقة جدا التي تتطلب انتباها وتركيزا فائقين من صاحبها فمن باب أولى أَنْ ينتبه لما هو أكثر قابلية للملاحظة من عناصر سياق الحال المختلفة التي سبق أَنْ سردناها في التمهيد السابق، التي تؤثر لا محالة في اللُّغَة. إن اهتمام سيبويه بالسماع وقيامه بالتَّقْعِيد لمعظم القواعد التي سطَّرها في كتابه على الشعر الذي سمعه في حالة «إنشاد» يدلان على أَنَّه اعتمد على اللُّغَة الحَيَّة المنطوقة في وقته؛ وهذا يضمن أَنَّ قواعده التي استخلصها تمثل اللُّغَة تمثيلا صادقا. وقد كانت إحدى الميزات التي تميزت بها المدرسة البنيوية في بدايتها اعتمادها على اللُّغَة الحَيَّة المنطوقة لغة الحديث الفعلِيَّة، وقد كانت تلك مِيزةٌ احتفى بها اللغويّون أيما احتفاء. يقول
следующие страницы →