والعلماء يقسمون الاستئناف إلى نوعين: استئناف بياني، واستئناف نحوي) (١). ويهمنا هنا الاسئناف النَّحْوِيّ الذي يقصد به: «عدم تعلق الجملة نحويا بما قبلها، تعلق إتباع أو إخبار أو وصف إو حال أو صلة؛ أي أَنَّهُ يؤدي إلى انفصال الجملة المستأنفة عن الجملة السابقة عليها إعرابيا») (٢).
ومن أنواع الاستئناف النَّحْوِيّ نوع «يتضمن الجمل المقطوعة عما قبلها بواسطة حرف من أحرف العطف الآتية: أو، الواو، الفاء، ثُمَّ، حتى، أم المنقطعة، بل، لكن») (٣).
ويقول المرادي عن الواو وأنواعها: «الثاني من أقسام الواو: واو الاستئناف، ويقال: واو الابتداء. وهي الواو التي يكون بعدها جملة غير متعلقة بما قبلها، في المعنى، ولا مشاركة له في الإعراب. ويكون بعدها الجملتان: الاسمية والفعلية ... وذكر بعضهم أنَّ هذه الواو قسم آخر، غير الواو العاطفة. والظاهر أنَّها الواو التي تعطف الجمل، التي لا محل لها من الإعراب، لمجرد الربط، وإنَّما سميت واو الاستئناف، لئلا يتوهم أنَّ ما بعدها من المفردات، معطوف على ما قبلها») (٤).
وإلى الاستئناف النَّحْوِيّ يشير سيبويه قائلا: «وتقول: ما عبدُ الله خارجًا ولا مَعْنٌ ذاهبٌ، تَرفعه على أَنْ لا تُشركَ الاسمَ الآخِرَ في ما ولكن تَبْتَدِئُهُ، كما تقول: ما كان عبدُ الله منطلقا ولا زيدٌ ذاهبٌ، إذا لم تجعله على كانَ وجعلتَه غير ذاهب الآن. وكذلك ليس. وإن شئت جعلتها لا التي يكون فيها الاشتراك فتنصب، كما تقوم في كان: ما كان زيدٌ ذاهبا ولا عمرو منطلقا. وذلك
قولُك: ليس زيدٌ ذاهبا ولا أخوك منطلقا، وكذلك: ما زيدٌ ذاهبا ولا معنٌ خارجا») (٥).
جملة «ما كان عبد الله منطلقا ولا زيد ذاهبا» يمكن أَنْ تُجعل «لا» لتأكيد النفي الذي قبلها، ويُعطَف آخر الكلام على أوله من خلال العطف بالواو على العامل الذي قبلُ، كما قال السيرافي.
ويمكن أَنْ تقال الجملة السابقة كما يلي: «ما كان عبد الله منطلقا ولا زيدٌ ذاهبٌ» برفع
«ذاهب». ويوجه سيبويه هذا التوجيه على أَنَّ «لا» لا تشرك الاسم الآخر في ما، ولكن تبتدئه) أي تستأنفه (إذا لم تجعله على كان وجعلته غير ذاهب الآن.
стр. 247
وهناك فرق في المعنى بين الجملتين، فالجملة الأولى: «ولا زيدٌ ذاهبًا»: «إِنَّمَا تنفي انطلاقه فيما مضى»، وإذا قلت: «ولا زيدٌ ذاهبٌ» فَإِنَّما «تنفي انطلاقه الساعة») (١).
إن الخيارات النحوِيَّة التي يكون الاستئناف سببا فيها مرتبطة ولا شك بالسِّياق كما يبدو من المعاني التي يُقَدِّمها السيرافي في هذه الجملة.
***
المبحث الرابع: سياق الحال والأساليب النحوِيَّة:
سنرصد هنا علاقة سياق الحال بالأساليب النحوِيَّة المختلفة، وسيكون منهجنا في ذلك تجميع المادة العلميَّة التي يظهر فيها تأثير سياق الحال على تلك الأساليب، ثُمَّ تصنيف هذا المادة، وتحديد ما يخص كل أسلوب على حدى. وذلك كله بالطبع من خلال نصوص سيبويه.
١ ــ أسلوب الاستفهام:
أسلوب الاستفهام في صميمه يعتمد على سياق حال، فالاستفهام هو: «استعلام ما في ضمير المخاطب») (٢). وهو «عند أهل العربِيَّة من أنواع الطلب الذي هو من أقسام الإنشاء، وهو كلام يدلّ على طلب فهم ما اتصل به أداة الطلب ... ، ولكون الاستفهام طلب ارتسام صورة ما في الخارج في الذهن لزم أنْ لا يكون حقيقة إلّا إذا صدر عن شاكّ يصدق بإمكان الإعلام فَإِنَّ غير الشاك إذا استفهم يلزم منه تحصيل الحاصل، وإذا لم يصدق بإمكان الإعلام انتفت فائدة الاستفهام») (٣).
إن الاستفهام في الأصل يكون عندما يوجد إنسان عاقل يجهل شيئا، أو يطلب فهم شيء لا يفهمه. وهذا الأسلوب عقلا ومنطقا يتطلب ثلاثة أطراف: متكلم مستفهِم، ومخاطَب مستفهَم، ومستفهَم عنه. ونلاحظ على هذا الأسلوب أَنَّهُ من الأساليب التي لا يُبتَدأُ بها الكلام عادة، فهو من الأساليب التي تأتي لاحقا فيه؛ أي أنها تستلزما سياقا ما وقع قبلها.
وقد رصد سيبويه بطريقته الاختزالية النَّمَطِيَّة التي أوضحناها مسبقا تأثير سياق الحال على هذا الأسلوب، فأوضح أَنَّ السِّياق قد ينقل الاستفهام عن وجهته الاستفهامية إلى أغراض أخرى، مثل:
стр. 248
• التوبيخ والتقرير والشتم:
يقول: «تقول للرجل: أطربًا! وأنت تعلم أَنَّهُ قد طرب، لتوبَّخه وتقِّرره») (١). ويقول في نصّ آخر: «قولك: أَتمَيميًّا مَرَّة وقَيْسِيًّا أُخْرَى. وإنَّما هذا أنَّك رأيتَ رجلاً في حال تلوُّنٍ وتنقُّلٍ، فقلت: أتميمًا مَرَّة وقيسيًّا أُخْرَى، كَأَنَّك قلت: أتحول تميميًا مَرَّة وقيسيًا أخرى. فأنت فى هذه الحال تعمل في تثبيت هذا له، وهو عندك فى تلك الحال في تلوُّنٍ وتنقُّلٍ، وليس يَسأله مسترشِدًا عن أمرٍ هو جاهلٌ به ليفهَّمَه إيّاه ويُخبِرَه عنه، ولَكِنَّه وبَّخه بذلك») (٢).
ويؤكد سيبويه هذا في قوله: «وذلك قولك: تمَيميًّا قد عَلِمَ اللهُ مَرَّة وقيسيًا أُخرى. فلم ترد أَنْ تخبر القوم بأمر قد جهلوه، ولكنك أردت أَنْ تشتمه بذلك، فصار بدلاً من اللفظ بقولك: أَتَتَمَّمُ مَرَّة وتَتَقَيَّسُ أخرى، وأَتَمضون وقد استَقبلكم هذا، وتَنَقَّلُون وتَلَوَّنُون») (٣).
فالأسئلة: «أطربا؟ »، «أَتمَيميًّا مَرَّة وقَيْسِيًّا أُخْرَى؟ »، «تمَيميًّا قد عَلِمَ اللهُ مَرَّة وقيسيًا
أُخرى؟ » ليست على حقيقتها؛ لأنَّها لا تصدر عن «شاكٍّ»، بل هي لأغراض سياقية أخرى، فإذا رأينا رجلا في حال «تلوُّن وتنقُّل في مواقف سياقية متعددة ومن خلال خبرات سابقة» قلنا له:
«أَتمَيميًّا مَرَّة وقَيْسِيًّا أُخْرَى؟ » أي: «أتتخلق مرة بأخلاق تميم، وتارة بأخلاق قيس، ولا تعتمد على خلق واحد منهما. كأنَّه يثبت له هذه الحال ويوبخه عليها، وليس يسترشده عما يجهله، وإن كان بلفظ الاستفهام») (٤).
فالمتكلم حذف الفعل المقدر «أتتحول وتتلون، وأغناه عن ذكر الفعل ما شاهد من الحال») (٥). وإذا أثار أحدهم حفيظة المتكلم في مقام ما قال له: «تمَيميًّا قد عَلِمَ اللهُ مَرَّة وقيسيًا أُخرى» شتما له.
• التنبيه:
قال سيبويه في باب «ما ينتصب من الأسماء التى أُخذت من الأفعالِ انتصابَ الفعل، استفهمتَ أو لم تَستفهم»: «قولك: أَقائمًا وقد قَعَدَ الناسُ، وأَقاعِدًا وقد سار الرَّكْبُ. وكذلك إِنْ أردتَ هذا
стр. 249
المعنى ولم تَستفهم ... ؛ وذلك أَنَّهُ) أي المُتَكَلِّم (رأى رجلاً فى حال قيامٍ أو حال قُعودٍ، فأراد أَنْ يُنَبِّهه، فكأَنّه لَفَظَ بقوله: أتقومُ قائما وأَتَقُعد قاعدا، ولَكِنَّه حذف استغناءً بما يرى من الحال») (١).
ويقول: «وحدّثنا بعضُ العرب، أنّ رجلًا من بنى أَسَدٍ قال يومَ جَبَلَةَ واستَقبله بَعِيرٌ أَعْوَرُ فتَطَيَّرَ منه، فقال: يا بنى أسد، أَعْوَرَ وذا نابٍ! فلْم يرد أَنْ يَسترشدهم ليُخبِروه عن عَوَرِه وصحّته، ولَكِنَّه نَبَّهَهم، كأَنه قال: أَتَستقبلون أَعْوَرَ وذا ناب! فالاستقبالُ فى حال تنبيهه إيّاهم كان واقعا») (٢).
وينبغي أَنْ تصاحِب الجملة «أَعْوَرَ وذا نابٍ» بعض التلوينات الصَّوْتِيَّة التي تحول الجملة من الخبرِيِّة إلى الاستفهامية. وقد حذف حرف الاستفهام والعامل من الجملة «أَعْوَرَ وذا نابٍ» لدلالة السِّياق على ذلك.
إن ربط سيبويه الاستفهام بالتنبيه في هذه النصوص تارة وبالتوبيخ والتقرير والشتم تارة أخرى لا يكون بدون استحضار السِّياق وملابساته حتى وإن لم ينص على ذلك. فدلالة قولنا «أقائما وقد قعد الناس؟ » على التنبيه لا تُستَخْلَصُ إلا بالسِّياق، ولا مانع أَنْ تدلَّ نفس الجملة في سياق آخر على التوبيخ أو التعجب أو الاستنكار.
وأعتقد أَنَّ سيبويه برصده لدلالات سِيَاقِيَّة لأسلوب الاستفهام قد فتح الباب لمن بعده من علماء علم المعاني لحصر بقية الدلالات التي يمكن أَنْ يحملها هذا الأسلوب. ويحق لنا أَنْ نردد مع د. عبد الحكيم راضي قوله: «ولم نجد عند علمائنا الأقدمين هذا الفصل الحاد بين علوم اللسان العربي فـ ((كتاب)) سيبويه مثلا ساهم في الدراسات الأدبيَّة إسهاما ملحوظا، ويكفي دلالة على دوره في تنمية البحث الفني في لغة الأدب رجوع عبد القاهر الجرجاني إلى الأصول التي سنها سيبويه، والأمثلة التي أوردها في كثير من قضايا اللُّغَة الأدبيَّة» (٣).
وفي بعض مواضع من الكتاب يرصد سيبويه التفاعل الذي يدور بين المُتَكَلِّم والمخاطب، وكيف يعكس أسلوب الاستفهام هذا التفاعل.
يقول: « ... لأَنَّكَ إِنَّمَا تسألهم على ما وضع عليه المُتَكَلِّم كلامه») (٤). ويقول في باب
«من إذا كنت مستفهما عن نكرة»: «اعلم أَنَّكَ تثنى مَن ... ، وذلك قولك: رأيت رجلين، فتقول: مَنَيْن ... ، وأتاني رجلان فتقول: مَنان، وأتاني رجال فتقول: مَنون. وإذا قال: رأيت رجالا قلت:
стр. 250
مَنين، . .، وإن قلت رأيت امرأة قلت: مَنَهْ؟ ... ، وإن قال رأيت امرأتين قلت: مَنَتيْن كما قلت أيّتَين، إلا أَنَّ النون مجزومة. فإنْ قال: رأيت نساءَ قلت: مَناتْ») (١).
ونلاحظ هذا التفاعل بين المُتَكَلِّم المُخْبِر والمخاطب المستفهِم، وكيف أَنَّ رد المخاطب الراغب في معرفة مَنْ الأشخاص الذين أتوا إلى المُتَكَلِّم يتوافق مع إخبار المُتَكَلِّم معنًى من حيث النوع والتعريف والتنكير، وإعرابا:
- رأيت رجلين. . . . مَنَيْنِ؟
- أتاني رجلان. . . . مَنَان؟
- أتاني رجال. . . . مَنون؟
- رأيت رجالا. . . . مَنِين؟
- رأيت نساء. . . . مناتِ؟
ونلاحظ أَنَّ إجابة المخاطب المستفهم على المُتَكَلِّم المخبر هنا تدل على حالة التنبُّه والتركيز الشديدين اللذين يكونان من المخاطب؛ حتى يتوافق ردُّه إعرابا ونوعا مع كلام المُتَكَلِّم. ونلاحظ أيضا أَنَّ إجابة المخاطب بـ «مَن أو منين ... » مرتبطة بكون المستفهم عنه نكرة، أي غير مُحَدَّد وغير معروف لدى المخاطب، وهذا ما دفعه إلى الاستفهام. أَمَّا إذا كان المستفهم عنه معرفة فلا تجوز أَنْ تكونَ إجابة المخاطب: من ... ، يقول في باب «ما لا تحسن فيه من كما تحسن فيما
قبله»: «وذلك أَنَّهُ لا يجوز أَنْ يقول الرجل: رأيت عبدَ الله، فتقول: مَنَا؛ لأنَّهُ إذا ذكر) أي المُتَكَلِّم (عبد الله فَإِنَّما يذكر رجلا تعرفه بعينه أو رجلا أنت عنده ممن يعرفه بعينه فَإِنَّما تسأله) أي المخاطب (على أَنَّكَ ممن يعرفه بعينه، إلا أَنَّكَ لا تدرى الطويلُ هو أم القصير أم ابنُ زيد أم ابن عمرو؟ فكرهوا أَنْ يُجرى هذا مجرى النكرة إذا كانا مفترقين») (٢).
أي أَنَّ المُتَكَلِّم الذي يريد أَنْ يخبر المخاطب عن شخص لابد أَنْ يعرف مسبقا أَنَّ المخاطب يعلم شيئا عن المستفهم عنه، أو الشيء محل الإخبار، وإلا كان هذا لبسًا في الكلام. فإذا رد المخاطب بـ «من» فَإِنَّ هذا دليل على أَنَّهُ لم يستحضر صورة «عبد الله» أو لا يعرفه أصلا. وإذا تم استحضار صورة «عبد الله» في ذهن المخاطب اختفى الاستفهام من المخاطب ولم يعد له قيمة.
стр. 251
ويزيد السيرافي هذه النقطة وضوحا فيقول: «وكَأَنَّ السائل سأل على ما كان ينبغي للمتكلم أَنْ يكلمه به إذا لم يعرف ... فلما غلط المُتَكَلِّم في توهمه على المخاطب أَنَّهُ يعرفه رده المخاطب إلى الحق في حال نفسه أَنَّهُ غير عارف بمن ذكره وسأل عن ذلك») (١).
ويشير سيبويه أَنَّهُ إذا كان المسئول عنه من غير الإنس فالجواب «الهنُ والهنةُ، والفلانُ والفلانة؛ لأَنَّ ذلك كناية عن غير الآدميين») (٢)؛ وفي هذا دليل على أَنَّ اللُّغَة في بعض قواعدها تفرق بين ما هو للإنسان العاقل، وما هو للحيوان الأعجم.
ومن أشكال التفاعل التي يعكسها أسلوب الاستفهام التي تكون بين المُتَكَلِّم والمخاطب هذا التفاعل الذي يأخذ شكلا من أشكال «الإنكار»، ففي باب من أبوابه بعنوان: «باب ما تلحقه الزيادة في الاستفهام إذا أنكرتَ أَنْ تُثبت رأيَه على ما ذكر أو تنكر أَنْ يكون رأيه على خلاف ما ذكر» خصَّه بالحديث عما أسماه «إثبات العلامة للإنكار»، في مثل: «قول الرجل: ضربت زيدًا؛ فتقول منكرا لقوله: أزيدَنيه؟ ! ») (٣).
стр. 252
ويوضح السيرافي طبيعة هذا الإنكار في هذا الباب بقوله: «الباب كله في إثبات العلامة للإنكار، وجعل الإنكار على وجهين: أحدهما: أَنْ ينكر كون ما ذكر كونه، ويكذب به أو يبطله، كرجل قال لك: أتاك زيد، وزيد ممتنع إتيانه عندك؛ فينكره بطلانه عندك، فهذا معنى قوله: أنكرت أَنْ تثبت رأيه على ما ذكره. والوجه الآخر: أَنْ يقول: أتاك زيد، وزيد من عادته إتيانك؛ فتنكر أَنْ يكون ذلك؛ لا كما قال») (١).
ونضيف هنا أَنَّهُ لا بدَّ للتعبير عن حالة الإنكار هذه من تلوينات صوتيَّة وتعبيرات تظهر على الوجه للدلالة على هذا الإنكار، فيما سمي بـ «لغة الجسد Body Language») (٢) .
ونعود إلى سيبويه فنجده يشير أَنَّ العلامة التي تزاد «نيه»، تصير «علما لهذا المعنى كعلم الندبة») (٣). أي أَنَّ العلامة «نيه» تصير لكثرة الاستخدام والاستعمال علما على الإنكار.
ويؤكد سيبويه هذا الأسلوب الإنكاري المستخدم فيه الأداة «نيه» بإيراد أمثلة أخرى، مثل:
«وسمعنا رجلا من أهل البادية قيل له: أتخرج إِنْ أخصبت البادية؟ فقال: أنا إنِيهْ؟ منكِرًا لرأيه أَنْ يكون على خلاف أَنْ يخرج. ويقول: قد قدم زيد، فتقول: أزيدُنِيهْ؟ غيرَ راد عليه متعجبا أو منكرا عليه أَنْ يكون رأيهُ على غير أَنْ يقدم؛ أو أنكرتَ أَنْ يكون قدِم فقلت: أزيدُنيه؟ ») (٤).
ويضيف أَنَّ من العرب من يجعل بين هذه الزيادة «نيه» وبين الاسم «إن» ثمة ترابط، فيقول: «واعلم أَنَّ من العرب من يجعل بين هذه الزيادة وبين الاسم إنْ فيقول: أعُمَرُ إنِيهْ، وأزيدُ إنيهْ،
стр. 253
فكَأَنَّهم أرادوا أَنْ يزيدوا العلمَ بيانا وإيضاحا») (١). أي زيادة التأكيد على الإنكار، ولا بد أَنْ يكون هذا بدافع سِياقِيّ.
ويشير في موضع آخر أَنَّ العلامة «نيه» في حالة «الاستفهام الإنكاري» ليست واجبة الإلحاق فـ «إِنْ شئت تركت العلامة في هذا المعنى كما تركت علامة الندبة») (٢). ويصرح أيضا أَنَّ السِّياق إذا لم يدل على «الاستفهام الإنكاري»، ودل فقط على «الاستثبات والاسترشاد»؛ امتنعت هذه العلامة. يقول: «وإن كنت متثبتا مسترشدا إذا قال ضربت زيدا، فَإِنَّك لا تُلحق الزيادة. وإذا قال ضربتُه فقلت: أقلتَ ضربتُه؟ لم تلحق الزيادة أيضا؛ لأَنَّكَ إِنَّمَا أوقعت حرف الاستفهام على قلت، ولم يكن من كلام المسئول، وإِنَّمَا جاء على الاسترشاد، لا على الإنكار») (٣).
***
٢ ــ أسلوب النفي:
لن يدور الحديث هنا عن أسلوب النفي إلا فيما يخص علاقته بسياق الحال من خلال نصوص سيبويه. ولم نتمكن من الوقوف على هذه العلاقة إلا من خلال حديث سيبويه عن النكرة التي تأتي في أسلوب نفي. فهذا هو الموضع الوحيد التي يمكن من خلاله ــ فيما أعتقد ــ رصد علاقة لسياق الحال بهذا الأسلوب.
وبداية وقبل إيضاح هذا الموضع نذكر أَنَّهُ من القواعد التي يُقرُّها علم أصول الفقه: أنَّ النكرة في سياق نفي تفيد العموم، قال الرازي) ٦٠٦ هـ (: «الفصل الرابع في أن النكرة في سياق النفي تعمُّ وذلك لوجهين ... ») (٤)، ويقول الآمديُّ) ٦٣١ هـ (: «الصنف السادس في المطلق والمقيد. أما المطلق فعبارة عن النكرة في سياق الإثبات. فقولنا: ((نكرة)) احتراز عن أسماء المعارف وما مدلوله واحد معين أو عام مستغرق. وقولنا: ((في سياق الإثبات)) احتراز عن النكرة في سياق النفي، فإنَّها تعم جميع ما هو من جنسها») (٥).
стр. 254
فعند قولنا: «لا رجلَ في الدار، وما رأيت رجلا في الدار»؛ فَإِنَّ «الصورتين [تثبتان] العموم للنكرة «رجل»؛ وذلك ضرورة واقتضاء، لا لمعنى في نفس الصيغة؛ إذ إِنَّ النكرة في الإثبات والنفي أو النهي لا تتناول إلا واحدا») (١). «إِنَّ النكرة المنفية بـ «لم، لا، ليس، لن» تفيد العموم سواء دخل حرف النفي على فعل، نحو: «ما رأيت رجلا»، أو على اسم، نحو: «لا رجل في الدار»، ونحو: «ما أحد قائما، أو ما قام أحد» ... ») (٢).
ولكن يبدو أَنَّ هذا الأمر ليس على إطلاقه، وأنَّ لسياق الحال دخلا في هذه القاعدة، هذا ما نفهمه من نصٍ لسيبويه، لا يُسَلِّمُ من يفهمه بالقاعدة الأصولية السابقة. يقول سيبويه: «ولا يجوز
لـ «أحدٍ» أَنْ تَضعه في موضعِ واجبٍ، لو قلتَ: كان أحد من آل فلان لم يجز؛ لأنَّهُ إِنَّمَا وقع في كلامهم نفْيًا عامًا. يقول الرجلُ: أتاني رجلٌ، يريد واحدًا في العدد لا اثنين؛ فيقال: ما أتاك رجلٌ؛ أي أتاك أكثرُ من ذلك، أو يقول أتاني رجلٌ لا امرأةٌ فيقال: ما أتاك رجل؛ أي امرأة أتتْك.
ويقول: أتاني اليومَ رجلٌ؛ أي في قوّته ونفاذه، فتقُول: ما أتاك رجلٌ؛ أي أتاك الضُّعفاءُ. فإذا
قال: ما أتاك أحدٌ صار نفيًا عامّا لهذا كلَّه، فَإِنَّما مجراه في الكلام هذا») (٣).
إن معنى كلمة «رجل» في مثال سيبويه «ما أتاك رجل» تحتمل المعاني الآتية:
- ما أتاك رجل، أي: أكثر من رجل واحد.
- ما أتاك رجل، أي: امرأة أتتك.
- ما أتاك رجل، أي: رجل ضعيف ليس بالقوي.
هذه المعاني المستنبطة لا بدَّ أَنْ يكون لسياق الحال دخل في استنباطها، حتى وإن لم ينص سيبويه على ذلك.
إن نصّ سيبويه السابق يُلزم القاعدة الأصولية السابقة التي تقول «النكرة في سياق النفي تفيد العموم» بوضع قيد إليها، ويعاد صياغتها كما يلي: «النكرة في سياق النفي تفيد العموم إذا لم يتعارض هذا مع السِّياق». ونص سيبويه هنا يشير أيضا إلى أهمِيَّة السِّياق في التحديد الدِّلَالِيّ الدقيق للاسم النكرة عموما. وقد تنبَّه بعض متأخري الأصوليين لهذا الأمر، فنجد الإمام القَرافي
стр. 255
(٦٨٤ هـ) مثلا يقول: «وأما النكرة في سياق النفي فهي من العجائب في إطلاق العلماء من النحاة والأصوليين يقولون النكرة في سياق النفي تعم، وأكثر هذا الإطلاق باطل») (١).
***
٣ ــ أسلوب التفضيل:
ناقش سيبويه أسلوب التفضيل في الجملة «هذا بسرًا أطيب منه رُطَبًا»، وقال في أثناء المناقشة لهذه الجملة: «فإنْ شئت جعلته حينًا قد مضى، وإن شئت جعلته حينا مستقبلا») (٢).
ويقصد أَنَّهُ يجوز: «أَنْ يكون الزمان الذي فضل فيه ماضيا وأنْ يكون مستقبلا») (٣).
إن سيبويه يربط بين هذه الجملة التي تحتوي على أسلوب تفضيل وبين الزمن الماضي أو المستقبل. والجملة لا تعطي زمان التفضيل الذي أشار إليه سيبويه بنفسها؛ فلا بد إذن من قرينة سياق الحال التي تمكننا من تحديد زمن التفضيل. هذه القرينة يوضحها السيرافي قائلا: «فإذا قلت: هذا بسرا أطيب منه تمرا، وكانت الإشارة إليه في حال ما هو تمر أو رطب فالتفضيل لما
مضى») (٤) أي أَنَّ المُتَكَلِّم إذا قال الجملة والتمر قد أصبح تمرا ناضجا؛ فالتفضيل لا شك أَنَّهُ لما مضى، وإذا كانت الإشارة للتمر في بداية نموه فَإِنَّ الزمن لا شك في المستقبل. ولا نجد مثالا كهذا وضوحا في أهمِيَّة السِّياق في التحليل الزمني للجملة.
ونلاحظ أَنَّ سيبويه يوجُّه إعراب «بسرا وتمرا» على الحال، فهما حالان من المشار إليه في زمنين. ويعلل ابن القيم في بدائع الفوائد اختيار سيبويه للنصب على الحال بقوله: «؛ لأَنَّ المعنى عليه فَإِنَّ المخبر إِنَّمَا يفضِّله على نفسه باعتبار حالين من أحواله [و] لولا ذلك لما صحَّ تفضيل الشيء على نفسه؛ فالتفضيل إِنَّمَا صح باعتبار الحالين فيه») (٥). فابن القيم يعتبر «هيئة التمر» في التفضيل وأنَّ الجملة برمتها تعتمد على الهيئة؛ وهيئة التمر أمر لا يخص اللُّغَة لا من بعيد أو من قريب.
ويشير سيبويه إلى فرق دلالي دقيق بين قول من يقول «ما أبغضني له» وبين «ما أبغضه
إلي»، فيقول: «ما أبغضني له، وما أمقتني له، وما أشهاني لذلك. إِنَّمَا تريد أَنَّكَ ماقتٌ، وأنَّك
стр. 256
مبغضٌ، وأنك مشتهٍ. فإنْ عنيت قلت: ما أفعله، إِنَّمَا تعني به هذا المعنى. وتقول: ما أمقته وما أبغضه إلي، إِنَّمَا تريد أَنَّهُ مقيتٌ، وأنَّه مبغضٌ إليك») (١).
والفرق الدِّلَالِيّ الذي يريد سيبويه أَنْ يثبته في صيغة اسم التفضيل هذه، هو أَنَّ «كلّ ما كان بـ) اللاّم (فهو للفاعل، وما كان بـ) إلى (فهو للمفعول؛ فإذا قلتَ: ما أبغضني له، فأنت المُبْغِضُ الكارهُ، وإذا قلتَ: ما أبغضني إليه، فأنت المَبْغُوضُ المَكْرُوه») (٢). ولا شكَّ أنَّ اختيار التركيب المناسب يتوقف على ما يدور في نفس المتكلم وسياقه.
***
٤ ــ أسلوب النداء:
أسلوب النداء من الأساليب التي تتصل بسياق الحال، وهو من ألصق الأساليب به. وهو أسلوب لا بدَّ أَنْ يكون بين طرفين: «مُنَادَى»، «مُنادِي».
وأُوْلَى الملحوظات المُهِمَّة التي يسجلها سيبويه عن النداء، أَنَّهُ الأسلوب الذي يُبْدَأُ به الكلام أبدا. فما من كلام يبدأ إلا بالنداء. يقول في نصّ مُهِمّ وخطير:
«ولأَنَّ أوَّل الكلام أبدا النداء، إلا أَنْ تدعه استغناء بإقبال المخاطَب عليك، فهو أول كل كلام لك به تعطف المكلَّم عليك، فلما كثر وكان الأول في كل موضع، حذفوا منه تخفيفا؛ لأنهم مما يغيرون الأكثر في كلامهم») (٣).
هذا النَّصّ من النصوص التي يجب أَنْ تسترعي انتباه الباحثين دراسة وفهمًا. إِنَّ مما يبوح به هذا النَّصّ أَنَّ الاستخدام الأساسي للنداء هو «عطفُ المُكَلَّم للمتكلم»؛ وهذا يعني أَنَّ أي كلام لا بد أَنْ يكون له طرفان: «مُنَادَى مخاطب»، «مُنادِي متكلم». والحوار الذي يدور بين متكلم ومخاطب لا بد أَنْ يسبق بسياق يجمع بين الطرفين؛ إذ لا يعقل أَنْ يتكلم شخص مع شخص آخر بدون سبب سِياقِيّ، لذلك قال الرَّضِيّ: «النداء ليس مقصودا بالذات، بل هو لتنبيه المخاطب ليصغي إلى ما يجئ بعده من الكلام المنادى له») (٤).
стр. 257
وقد قررنا عند الحديث عن الجملة الاسمِيَّة أنَّ المُتَكَلِّم لا بدَّ أَنْ يبدأ بـ «الأعرف» بينه وبين المخاطب لكي ينجح الاتصال بين المُتَكَلِّم والمخاطب ولكي ينمو الكلام ويتطور. أي لا بد أَنْ تكونَ هناك «نقطة لقاء معرفية» تجمع بين الطرفين لبدء الكلام، ولا بدَّ أَنَّ للسياق دورا في تحديد نقطة اللقاء المعرفيَّة هذه.
ومما يؤكده هذا النَّصّ أيضا أَنَّهُ لا يوجد كلام يُلْقَى في الفراغ بدون سياق وإلا كان عبثا.
ويدأب سيبويه في نصوص متعددة ومواضع مختلفة على تأكيد طِدَة العلاقة بين النداء والسِّياق، فهو يقرِّر أَنَّ أسلوب النداء «لا يجوز إلا لحاضر») (١)؛ أي: «لا ينادى إلا الحاضر») (٢).
ويرصد علاقة السِّياق بأحرف النداء نفسها. فهو يحدد ابتداء أحرف النداء بأنَّها: «يا، أيا، هيا، أي، الألف»، ويقسمها إلى قسمين: قسم يضم «يا، أيا، هيا، أي»، وحدد استعمالها في أنَّها تستعمل إذا أراد المُتَكَلِّمون «أَنْ يمدوا أصواتهم للشيء المتراخى عنهم، والإنسان المعرض عنهم، الذي يَرَون أَنَّهُ لا يُقبل عليهم إلا بالاجتهاد، أو النائم المستثقَل. وقد يستعملون هذه التي للمد في موضع الألف ولا يستعملون الألف في هذه المواضع التي يمدون فيها. وقد يجوز لك أَنْ تستعمل هذه الخمسة ... إذا كان صاحبك قريبا منك، مقبِلاً عليك، توكيدًا. وإن شئت حذفتهن كلهن استغناء ... ، وذلك أَنَّهُ جعلهم بمنزلة مَن هو مقبِلٌ عليه بحضرته يخاطبه») (٣).
يحدد سيبويه في هذا النَّصّ استخدام أدوات النداء «يا، أيا، هيا، أي» في الحالات التالية:
• الشيء المتراخي البعيد عن المنادِي.
• الإنسان المعرض عن المنادِي الذي يرى أَنَّهُ لا يقبل عليه إلا باجتهاد.
• النائم المستثَقل.
وهذه كلها أغراض مرتبطة بسياق الحال كما هو واضح، وخاصة الغرض الثاني، فالمُتَكَلِّم المنادِي سيستخدم هذه الأدوات إذا علم مسبقا ومن خلال سياق فائت أَنَّ المخاطب المنادَى معرضا عنه لسبب ما، وأنه يحتاج إلى كثير من الاجتهاد لكي يُقبل على المُتَكَلِّم ويسمع منه؛ أي أَنَّ استخدام هذه الأدوات قد يعكس جانبا نفسِيّا مما عليه المخاطب المنادَى.
وبالطبع فَإِنَّ أداة النداء «أ» تستخدم في عكس ما سبق؛ أي: تستخدم في: القريب من المُتَكَلِّم، المقبل عليه، النشيط المستيقظ.
стр. 258
ويجوز كما أشار سيبويه استخدام القسم الأول مكان أداة النداء «أ» وذلك لغرض بلاغي هو «التأكيد». وقد علمنا مسبقا مدى ارتباط التوكيد بالسِّياق) (١).
ونسجل هنا ملحوظة بسيطة تشير إلى أَنَّ بعض العلماء خرجوا على تقسيم سيبويه الثنائي لأدوات النداء) قريب وبعيد (، وقالوا بتقسيم رباعي، فقالوا:
• أيا، هيا: للبعيد.
• الهمزة، للقريب.
• أي، للمتوسط.
• يا، للجميع) (٢).
ونعتقد أَنَّ هذه التقسيمات سواء أكانت ثنائية أم ثلاثِيَّة أم رباعِيَّة تخضع في المقام الأول والأخير لسياق الحال الذي يقال فيه الأسلوب، فهو الفيصل الأخير في هذه المسألة.
وترتبط أداة النداء «يا» بنمط مُعَيَّن من السِّياقات، هي السِّياقات الاستغاثية والتعجبية، فهي لازمة لهذا النمط لا تفارقه على حد تعبير سيبويه الذي يقول: «وأما المستغاث به فيا لازمة له؛ لأنَّهُ يجتهد. فكذلك المتعجَّب منه، وذلك: يا لَلناس ويا لَلماء. وإِنَّمَا اجتهد لأَنَّ المستغاث عندهم متراخ أو غافل والتعجب كذلك») (٣).
وهذا الربط لأداة النداء «يا» من أدوات النداء بـ «أسلوب الاستغاثة أو التعجب» لا بد أَنْ يكون بعد تقصي سيبويه للنصوص في السِّياقات الحَيَّة المنطوقة.
ويظهر سؤال منطقي هنا هو: لماذا تختص «يا» من بين أدوات النداء بـ «أسلوب الاستغاثة أو التعجب»؟
قد يكون السبب في هذا أَنَّ الأداة «يا» هي الأنسب «صوتيا» للاستغاثة أو التعجب؛ حيث تنتهي هذه الأداة بألف المد التي تسمح بإطلاق الدفقة الصَّوْتِيَّة العفوية التلقائية غير الإرادية التي لا تحتاج إلى مراجعة ذهنية الناتجة عن التعجب أو الاستغاثة دفعة واحدة وبمقطع واحد طويل مفتوح) صامت + حركة طويلة (، وهو ما لا تسمح به الأداة «أَيْ» التي لا تنتهي بحرف مد يسمح
بـ «تنفيس» دفقة التعجب أو الاستغاثة، ولا الأداة «أَ» التي لا تسمح باكتمال هذه الدفقة الاستغاثية
стр. 259
التعجبية، ولا الأداتان «أيا، هيا» التي ستجعل المُتَكَلِّم ينطق بمقطعين: مقطع قصير مفتوح «أَ، هَ») صامت + حركة قصيرة (+ مقطع طويل مفتوح «يا») صامت + حركة طويلة (. وهذا الانتقال المقطعي يعوق الدفقة الصَّوْتِيَّة التلقائية العفوية اللاإرادية المعبِّرة عن التعجب أو الاستغاثة.
هذا بالإضافة إلى ما يقرره علماء اللغة المحدثون من أن «الأصوات الصامتة أقل وضوحا في السمع من أصوات المد واللين، وأن أبرز خاصية من خواص أصوات المد) الحركات الخالصة (هي قوة الوضوح السمعي ... ولعله لذلك نجد أن المدود ــ بجميع أنواعها ــ لها مكانة خاصة في تجويد تلاوة القرآن، وأنها هي التي تعطي الفرصة للقارئ الذي يريد أن يظهر تفوقه أو قوة صوته بسبب تمكنه من إطلاق النفس مع هذه الأصوات في حرية تامة. ثم إن ألف المد ــ بوجه خاص ــ هي أقوى هذه الأصوات وضوحًا؛ لأن ظاهرة حرية مرور الهواء وانطلاقه أثناء النطق بها تكون أوضح ما تكون») (١). والنفس «أثناء النطق بالفتحة الطويلة) طا ــ ها ــ حا ... (يبلغ أقصى درجات انطلاقه وحريته؛ مما يعطي الصوت قوة ويسلمه إلى الحرف التالي قويا كذلك») (٢).
وإذا استأنسنا باللُّغَة العامية في هذا نجد أَنَّ هذه الأداة «يا» هي الأداة الطبيعِيَّة التلقائية التي تعبِّر عن الاستغاثة أو التعجب.
ونكمل حديثنا عن النداء فنقول: يتطرق سيبويه في بعض المواضع إلى الأغراض السِّياقِيَّة التي يمكن أَنْ يقوم بها أسلوب النداء، فيشير إلى أَنَّهُ قد يأتي:
١ ــ لتنبيه المنادَى ولفت انتباهه لأمر أو نهي أو إخبار المنادِي:
يقول: «وأما ((يا)) فتنبيه. ألا تراها في النداء وفي الأمر كَأَنَّك تنبِّه المأمور») (٣). ويقول: «ولا تدخل ((يا)) ها هنا) أي: أسلوب الاختصاص (؛ لأَنَّكَ لست تنبه غيرك») (٤).
ويشير إلي أَنَّ من وظيفة النداء إيصال أمر أو نهي أو إخبار المُتَكَلِّم المنادِي إلى المنادى. يقول: « ... كما المنادَى مختص من بين أمته لأمرك ونهيك أو خبرك») (٥).
стр. 260
ومن الطريف واللافت للنظر أَنَّ سيبويه لم يسم أدوات النداء بأدوات النداء، بل سماها بـ «هذا باب الحروف التي يُنَبَّه بها المدعوُّ») (١). وكونه يجعل التنبيه في العنوان المحدِّدَ لهذه الحروف، فَإِنَّ هذا يشير إلى أهمِيَّة هذه الحروف في هذا الغرض، وأنَّ جُلَّ استعمالها له.
٢ ــ التوكيد: وقد يأتي أسلوب النداء للتوكيد. يقول: «كما تقول للذي هو مقبلٌ [عليك] بوجهه مستمعٌ منصِتٌ لك: كذا كان الأمر يا أبا فلان، توكيدًا») (٢).
وعند مناقشته لعدم كون الكاف من الأسماء) الضمائر (مع لفظة ((رويد)) أشار في معرض الحديث عن غرض التوكيد للنداء. يقول: «وممّا يدلّك على أَنَّهُ ليس باسمٍ قولُ العرب: أَرَأَيْتَكَ فلانًا ما حالُه، فالتاءُ علامة المضمر المخاطَب المرفوع، ولو لم تُلحِق الكافَ كنتَ مستغنيًا كاستغنائك حين كان المخاطَبُ مقبِلاً عليك عن قولك: يا زيدُ، ولحَاقُ الكاف كقولك: يا زيدُ، لمَنْ لو لم تَقُلْ له يا زيدُ استغنيتَ. فإِنَّما جاءت الكاف فى أَرأيتَ والندَّاءُ فى هذا الموضع توكيدًا») (٣).
نفهم من هذا الكلام أَنَّهُ إذا أتى أسلوب النداء وكان المخاطب مقبلا على المُتَكَلِّم؛ فَإِنَّ الوظيفة التي يقوم بها النداء في هذه الحالة هي تأكيد الكلام. إذن من المعاني التي يؤديها أسلوب النداء التوكيد بشرط قرينة سياق الحال، وأنَّ من علامة أسلوب النداء الذي يأتي للتوكيد صحة الاستغناء عنه من الكلام. كما نفهم من النَّصّ أَنَّهُ لا داعي لاستعمال أسلوب النداء إذا كان المخاطب مقبلا على المُتَكَلِّم.
٣ ــ التعجب والاستغاثة:
أيضا من الوظائف والأغراض التي يمكن أَنْ يؤدِّيها أسلوب النداء التي يمكن أَنْ تُضَمَّ إليه «التعجب والاستغاثة». يقول: «وقالوا: يا لَلعجب، ويا لَلفليقة؛ كَأَنَّهم رأوا أمرا عجبا ... ، وقالوا: يا لَلعجب ويا لَلماء، لما رأوا عجبا أو رأوا ماء كثيرا، كَأَنَّه يقول: تعالَ يا عجبُ») (٤).
ومن اللافت للنظر أَنَّ التركيب: «يا + اللام المفتوحة + اسم محلى بأل» يصح في سياق ولا يصح في سياق آخر، فهو يصح في سياق التعجب ولا يصح في غير هذا. يقول: «كل هذا في معنى التعجب والاستغاثة، وإلا لم يجز. ألا ترى أَنَّكَ لو قلت يا لَزيد وأنت تحدثه لم يجز») (٥).
стр. 261
وإشارة سيبويه «وأنت تحدثه» مثيرة للاهتمام، ويفهم منها أَنَّ التركيب «يا + اللام المفتوحة + اسم محلى بأل» لكي يكون للتعجب والاستغاثة لا يجوز إذا كان المتعجب منه أو المستغاث به شخصا موجودا أمام من يقوم بالتعجب والاستغاثة. فكَأَنَّ سيبويه يضع شرطا سياقيا إضافيا ضمنيا لهذا التركيب وهو: أَنَّ هذا الأسلوب أو التركيب لا يصح، إذا كان المستغاث أو المتعجب منه موجودا أمام من يستغيث.
وفي هذا النَّصّ دليل على أهمِيَّة السِّياق في تحديد صحة التركيب النَّحْوِيّ وعدم صحته.
تلك كانت أهم الأغراض الدِّلالِيَّة السِّياقِيَّة التي يمكن أَنْ يؤديها أسلوب النداء.
ومن الأمور المتصلة بالنداء وسياق الحال ــ «النكرة» التي تأتي في أسلوب النداء كمنادَى. فهذه الكلمة النكرة تتحول من التنكير إلى التعريف فتصبح معرفة بمجرد دخولها في أسلوب النداء. فالسِّياق الذي يأتي فيه النداء وتكون فيه النكرة منادَى كفيل بـ ((تحديد)) دائرة هذه النكرة وتضييقها، ونقلها من العمومية إلى هذا التحديد. يقول: «وزعم الخليل ــ ﵀ ــ أَنَّ الألف واللام إِنَّمَا منعهما أَنْ يدخلا في النداء من قبل أَنَّ كل اسم في النداء مرفوع معرفة. وذلك أَنَّهُ إذا قال: يا رجل ويا فاسقُ، فمعناه كمعنى يا أيُّها الفاسقُ، ويا أيها الرجل، وصار معرفة لأَنَّكَ أشرت إليه وقصدت قصدَه، واكتفيت بهذا عن الألف واللام، وصار كالأسماء التي هي للإشارة نحو لهذا وما أشبه
ذلك وصار معرفة بغير ألف ولام لأَنَّكَ إِنَّمَا قصدت قصدَ شيء بعينه») (١).
من خلال هذا الكلام وما سبقه نستطيع أنْ نقول إِنَّ تحديد كون الكلمة نكرة أو معرفة ــ بوجه عام ــ يتوقَّف على السِّياق؛ فالسِّياق هو الذي «يُنكِّر» وهو الذي «يُعَرِّف».
ويتصل سياق الحال بالنداء من جهة أخرى، وهي جهة حذف الفعل العامل في المنادى، هذا الفعل الذي حُذِف «لكثرة استعمالهم هذا في الكلام، وصار ((يا)) بدلا من اللفظ بالفعل؛ كَأَنَّه
قال: يا، أريد عبد الله، فحذف أريد، وصارت ((يا)) بدلا منها؛ لأَنَّكَ إذا قلت: يا فلانُ؛ علم أَنَّكَ تريده») (٢)؛ أي أَنَّ الحذف دلَّ عليه دليل من السِّياق الحالي الذي يقال فيه الجملة. وقد أشرنا عند الحديث عن الحذف أَنَّهُ لكثرة الاستعمال مرتبط بالسِّياق بوجه من الوجوه.
ويلعب السِّياق أيضا دورا في تحديد طبيعة المنادى هل هو ــ كما قال النُّحَاة اللاحقون ــ
«نكرة مقصودة» أم «نكرة غير مقصودة». ففي قول الشاعر:
стр. 262
أَدارًا بِحُزوى هِجتِ لِلعَينِ عَبرَةً ... فَماءُ الهَوى يَرفَضُّ أَو يَتَرَقرَقُ [بحر الطويل]
يبرِّرُ سيبويه النصب في المنادَى النكرة «دارا»؛ لأَنَّها «طالت بما بعدها من الصفة، وهي الجار والمجرور») (١). ونصب المنادى النكرة هنا يدل على أَنَّهُ «نكرة غير مقصودة».
وفي بيت مشابه للبيت السابق هو:
يا دارُ أَقوَت بَعدَ أَصرامِها ... عامًا وَما يُبكيكَ مِن عامِها [بحر السريع]
نجد المنادَى «دار» مبني على ما يرفع به؛ أي أَنَّهُ هنا «نكرة مقصودة»، ولا فارق بين المنادي في البيتين، فكلاهما نكرة، وكلاهما متبوع بما يمكن اعتباره نعتا؛ ولكن يمكن لسياق الحال أَنْ يتدخل هنا ويترك التنوين في المنادي في البيت الثاني؛ لأَنَّ الشاعر «لم يجعل ((أقوَتْ)) من صفة الدار ولَكِنَّه قال: يا دارُ، ثُمَّ أقبل بعدُ يحدث عن شأنها، فكَأَنَّه لما قال: يا دارُ، أقبل على إنسان فقال: أقوتْ وتغيّرتْ، وكَأَنَّه لما ناداها قال: إنها أقوتْ يا فلان») (٢).
لقد تخيل هنا سيبويه مسرحا لغويا: شاعرا ينادي الدار الماثلة أمامه؛ فلما لم يُجِبْهُ إلا السكوت، أقبل على صديق له يَبُثُّهُ شكواه ويَخُصُّهُ بنجواه.
وتوجيه سيبويه هنا يؤكِّدُ فكرةً سبق أَنْ أشرنا إليها وهي فكرة «التكييف السِّياقي»، فإِنَّنَا نستطيع أَنْ نُخَرِّجَ إعرابا ما إذا نجحنا في تخيل سياق ما يستوعب هذا التوجيه.
ومما هو قريب من النداء ويتصل بسياق الحال ما يسميه العلماء بـ «الندبة». ويعرِّفُها العلماء بـ «إعلان المتفجع باسم من فَقده لمَوْت أَو غيبَة») (٣)، أو هي: «نداء المتفجع عليه لفقده حقيقة أو حكما، أو المتوجع منه لكونه محل ألم، أو سببا له؛ مثل: واعمراه، وارأساه») (٤).
ويشير بعض العلماء إلى ارتباط الندبة أكثر بالنساء، يقول ابن جني: «اعْلَم أَن الندبة إِنَّمَا وَقعت فِي الْكَلَام تفجعًا على الْمَنْدُوب وإعلامًا من النادب أَنَّهُ قد وَقع فِي أَمر عَظِيم وخطب جسيم وَأكْثر من يتَكَلَّم بهَا النِّسَاء») (٥).
стр. 263
ويظهر من كلام العلماء السابق، وكلام سيبويه اللاحق عن هذا الأسلوب أَنَّهُ واقع لا محالة تحت سيطرة سياق الحال، ودليل هذه السيطرة أَنَّنا لا نندب باسم «مبهم»، مثل: رجل أو هذا؛ ففي الندبة يجب أَنْ «يُخَص» الاسم المندوب؛ لأَنَّها بيان؛ ولأَنَّ التبيين في الندبة عذر للتفجع، فالندبة تقتضي موقفا فيه تفجُّع وألم من شيء مُحَدَّد وقع للنادب. يقول سيبويه «وذلك قولك: وارَجُلاه ويا رُجلاه. وزعم الخليل ﵀ ويُونُس أَنَّهُ قبيح، وأنَّه لا يقال. وقال الخليل ﵀: إِنَّمَا قبح لأَنَّكَ أبهمت. ألا ترى أَنَّكَ لو قلت واهذاه، كان قبيحا، لأَنَّكَ إذا ندبت فَإِنَّما ينبغي لك أَنْ تفجع بأعرف الأسماء، وأنْ تخص ولا تُبهم؛ لأَنَّ الندبة على البيان ... ، وإِنَّمَا كرهوا ذلك أَنَّهُ تفاحَش عندهم أَنْ يختلطوا وان يتفجعوا على غير معروف. فكذلك تفاحش عندهم في المبهَم لإبهامه؛ لأَنَّكَ إذا ندبت تُخبر أَنَّكَ قد وقعت في عظيم، وأصابك جسيمٌ من الأمر، فلا ينبغي لك أَنْ تُبهم») (١).
وقال أيضا: «وزعم أَنَّهُ لا يستقبح وامَن حفر بئر زَمزماه؛ لأَنَّ هذا معروف بعينه، وكَأَنَّ التبيين في الندبة عذر للتفجع. فعلى هذا جرت الندبة في كلام العرب، ولو قلت هذا لقلت وامن لا
يعنيني أمرُهوه. فإذا كان ذا تُرك لأنَّهُ لا يُعذر على أَنْ يُتفجّع عليه، فهو لا يُعذر بأن يتفجع ويُبهم، كما لا يُعذر على أَنْ يتفجع على من لا يعنيه أمره») (٢).
إن تأكيد سيبويه على تحديد المندوب أمر في منتهي المنطقية؛ إذ كيف يندب النادب مندوبا لم يكن بينه وبين هذا المندوب أَيَّة علاقة بل ليست أَيَّة علاقة، إنَّها علاقة في غاية الحميمية والارتباط، تجعل القلب ينتفض، والعين تدمع لفراق من أحبَّهم.
وإن شرط عدم الإبهام أيضا فيه مراعاة لجانب المخاطب؛ إذ إِنَّ إبهام المندوب سيوقع المخاطب في لبس، وستتأخر مشاركته الوجدانية التي يحتاجها النادب.
стр. 264
ومن الحروف التي خصصتها اللُّغَة للندبة «وا»، وهو حرف لا يندب به «إلا المعرفة، أو المضاف إلى معرفة، أو الموصول المشهور بصلته الخالي من ((أل))») (١). وهذا يتسق مع كون الندبة لا تكون إلا معرفة مخصصة بالنسبة للنادب.
ومما يقرره النُّحَاة عن هذا الحرف أَنَّهُ لا يصح حذفه) (٢)؛ لأنَّهُ أصبح كالعلم على معنى الندبة أو الاستغاثة) (٣)؛ أي أَنَّ هذا الحرف «وا» مرتبط في ذهن متكلم اللُّغَة بهذا المعنى، معنى الاستغاثة والندبة، فبمجرد ذكره يستصحب ويُستحضَر هذا المعنى. ونلاحظ مدى المناسبة الصَّوْتِيَّة بين هذه الأداة التي تنتهي بألف المد وبين حالة الندب أو الاستغاثة.
وللمندوب استعمالات ثلاثة: «أَنْ يعامل معاملة المنادى ... ، أَنْ تزاد ألف على آخر المندوب تسمى ألف الندبة ... ، أَنْ تزاد هاء السكت بعد ألف الندبة عند الوقف، نحو: واخالداه، واصلاح الدنياه، وامن فتح الأندلساه») (٤). وقد تزاد أيضا بعد الاسم المندوب بالإضافة للألف الواوُ والياء، مثل: «وواغلامَهُوه، ووا ذهاب غلامهيه») (٥).
ومن الواضح إِنَّ الزيادات التي تزاد على آخر المندوب مرتبطة بإرادة المُتَكَلِّم الموجود حتما في سياق ما. وهذا ما يبرزه سيبويه في قوله: ((وقد يلحقون في الوقف هذه الهاء الألف التي في النداء؛ والألف والياء والواو في الندبة؛ لأنَّهُ موضع تصويت وتبيين، فأرادوا أَنْ يمدوا فألزموها الهاء في الوقف لذلك، وتركوها في الوصل؛ لأنَّهُ يستغنى عنها كما يستغنى عنها في المتَحَرُّك في الوصل لأنَّهُ يجيء ما يقوم مقامها. وذلك قولك: يا غلامان، ووازيداه، وواغلامهوه، وواذهاب غلامهيه») (٦).
إن زيادة الواو والياء مع الاسم المندوب مرتبطة برغبة المُتَكَلِّم في «التصويت والتبيين»؛ فقام لذلك بـ «مد الصوت». ولا شك أَنَّ النادب لا يريد أَنْ يصوت أو يبين إلا للتنفيس عن حالته النفسِيَّة الواقعة تحت ألم الموقف أو الحال.
***
стр. 265
٥ ــ أسلوب التحذير والإغراء والاختصاص:
من الأساليب التي لا يمكن تحديديها إلا في ضوء سياق الحال أسلوب التحذير والإغراء. فالأسلوبان يعتمدان على السِّياق ويتصلان به، فأسلوب التحذير عند النُّحَاة هو: «تنبيه المخاطب على أمر مكروه؛ ليجتنبه») (١). وهذا التعريف يقتضي عدة أطراف: «أولها: المحذِّر، وهو المُتَكَلِّم الذي يوجه التنبيه لغيره. ثانيها: المحذَّر، وهو الذي يتَّجه إليه التنبيه. ثالثها: المحذور، أو المحذَّر منه، وهو: الأمر المكروه الذي يصدر بسببه التنبيه») (٢). ولا بد من مسرح لحدث لغوي يجمع هذه الأطرف الثلاثة. يقول سيبويه: «وأَمَّا النَّهْى فإِنَّهُ التحذيرُ، كقولك: الأَسَدَ الأَسَدَ، والجِدارَ الجِدارَ والصبىَّ الصبىَّ») (٣).
وحصر سيبويه النهي في التحذير يتضمن إشارة للسياق، فالنهي لا بدَّ له من ناهٍ) المحذِّر (، ومنهي) المحذَّر (، ومنهي عنه) المحذور (. ومسرح يشمل هذه الأطراف. وسيبويه وإن لم يشر إلى السِّياق إلا أَنَّهُ يفهم ضمنا من قوله «وأَمَّا النَّهْى فإِنَّهُ التحذير».
ومن الأمثلة اللافتة للنظر التي يذكرها سيبويه لهذا الأسلوب قوله: «إيّاىَ والشَّر ... كأَنَّه
قال: إيّاىَ لأَتّقِيَنَّ والشَّر. فإِيَّاكَ مُتَّقىً والأسدُ والشرُ مُتَّقَيانِ، فكلاهما مفعول ومفعول منه») (٤). إِنَّنَا نعلم من منهج سيبويه أَنَّ الأمثلة التي يُقَدِّمها إِنَّمَا تمثل تراكيب شائعة في الكلام، وقام بتتَبُّعها في سياقات مختلفة، أي أَنَّ الجملة التي يستشهد بها تمثل نمطا موجودا في الكلام. وقد يفهم المرء أَنَّ شخصا يحذر شخصا آخر في موقف وسياق ما، ولكن تحذير المرء نفسه أمر غريب، فلا يحذر الإنسان نفسه إلا:
»
في حالة وجود صراع داخلي بين المخاطب ونفسه، وهذا يتطلب لا محالة خلفية اجتماعِيَّة أو ثقافيَّة لهذا الصراع؛
» أو أَنَّ القائل يبدأ بنفسه ليقتدي به الآخرون ويكون التحذير أقوى وأبلغ. وهذا ما يفسر استخدام الضمير «إياي» في التحذير. وقد يكون قريبا من هذا المعنى قول د. فاضل السامرائي إذ يقول في هذه المسألة: « ... إمَّا أنْ يكون المقصود به المخاطب، مع وروده بأسلوب تحذير النفس، وهو نحو قول عمر ــ ﵁ ــ: «وإيّاي وأن يحذف أحدكم الأرنب»: وهو إنْ كان أخرجه
стр. 266
مخرج التحذير للنفس، فإنَّ المقصود به المخاطب، وهو نظير قولك: «لا أرينَّك هنا بعد اليوم» فهو وإن كان بأسلوب النهي للمتكلم إلا أنَّ المقصود المخاطب») (١).
ومما يتصل بأسلوب التحذير ويرتبط بالسياق بوجه ما ــ ما أشار إليه سيبويه من تقدير الفعل الذي يأتي مع الضمير «إيّاك». يقول سيبويه:
• «هذا باب ما جرى منه على الأمر والتحذير وذلك قولك إذا كنتَ تحذِّر: إيَّاكَ. كإِنَّك قلت: إيَّاكَ نَحِّ، وإيّاك باعِدْ، وإيّاك اتّقِ، وما أشبه ذا») (٢).
• «وكذلك أنْ تَفْعَلَ، إذا أردتَ إيّاك والفعلَ. فإِذا قلت: إيّاك أن تفعلَ، تريد إيَّاكَ أَعِظُ مَخافة أنْ تفعل أو من أجل أن تفعل جاز») (٣).
فسيبويه لم يقدِّر فعلا محددًا مع الضمير «إيّاك» في أسلوب التحذير، بل قدَّر معه: «نَحِّ، باعِد، اتَّقِ، أَعِظُ ... »، فـ «كل ما يؤدي المعنى صحَّ تقديره») (٤)؛ ولا شك أن تقدير الفعل المناسب يتوقف على الحال والمقام.
ويشير سيبويه إلى تأثير السِّياق على هذا الأسلوب عند حديثه عن سبب حذف الفعل العامل فيه؛ فيقول: «مثل ذلك: أَهْلَكَ والليلَ، كأَنّه قال: بادِرْ أهلَك قبل الليل، وإنَّما المعنى أَنْ يحذَّره أَنْ يُدرِكه الليلُ. والليلُ محذَّرٌ منه، كما كان الأسدُ محتفَظا منه. ومن ذلك قولهم: مازِ رأسَك والسيفَ كما تقول: رأسَك والحائطَ وهو يحذَّره، كأَنّه قال: اتقِ رأسَك والحائطَ. وإنّما حذفوا الفعلَ فى هذه الأشياءِ حين ثَنَّوْا لكثرتها فى كلامهم، واستغناءً بما يرون من الحال، ولما جرى من الذكر») (٥).
أي أَنَّ الحال والمقام الذي يرد فيه الأسلوب هما ما يبرران حذف هذا الفعل العامل.
ويفسر بعض النحاة حذف الفعل العامل في أسلوب التحذير تفسيرًا سياقيا ذكيا، فيذكر أنَّ السبب الذي يمنع المتكلم من ذكر العامل هو «ضيق الوقت»؛ فالمتكلم قد يستغرق وقتا في النطق بالعامل، وقد يترتب على هذا عدم إمكانية التحذير، قال الرَّضِيّ: «وحكمةُ اختصاص وجوب الحذف بالمحذر منه المكرَّر كونُ تكريره دالا على مقاربة المحذَّر منه للمحذَّر، بحيث يضيق الوقت إلا عن ذكر المحذَّر منه على أبلغ ما يمكن، وذلك بتكريره، ولا يتسعُ لذكر العامل مع هذا
стр. 267
المكرر») (١). وقال: «وإنَّما وجب الحذف في الأول والثاني لأنَّ القصد ــ كما قلنا في النداء ــ أن يفرُغَ المتكلمُ سريعًا من لفظ التحذير؛ حتى يأخذ المخاطبُ حِذْرَه من ذلك المحذوف؛ وذلك لأنَّه لا يَستَعمِل هذه الألفاظَ إلا إذا شارفَ المكروه أن يرهَقَ») (٢). ويؤكد الإمام السيوطي نفس هذا المعنى فيقول: «ومنها التنبيه على أن الزمان يتقاصر عن الإتيان بالمحذوف وأن الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهم وهذه هي فائدة باب التحذير والإغراء») (٣).
وبقي أنْ نشير أن التركيب:
«فعل محذوف) يُقدَّر حسب المقام (+ مفعول به + و) عاطفة أو للمعية (+ مفعول به لفعل محذوف»
الذي تمثله في نص سيبويه السابق الجمل: «أهلَك والليلَ، رأسك والحائط، رأسك والسيف» ــ لا يكون دوما دالا على التحذير، بل إنَّه قد يأتي في سياق آخر على عكس ذلك، يقول سيبويه:
«ومن ذلك: رأسَه والحائطَ، كأَنّه قال: خَلِّ أو دَعْ رأسَه والحائط، فالرأسُ مفعولٌ والحائط مفعول معه، فانتصبا جميعًا. ومن ذلك قولهم: شأنَكَ والحجَّ، كأنَّه قال: عليك شأنَك مع الحجّ. ومن ذلك: امْرَأَ ونفسَه، كأَنّه قال: دَعَ امرَأً مع نفسه») (٤).
فالجمل التي وردت في هذا النص: «رأسَه والحائطَ، شأنَكَ والحجَّ، امرأً ونفسَه» والمُوافِقة للتركيب السابق ليست من التحذير في شيء، بل هي بعيدة كل البعد عن التحذير، وهذا يشي بأهمية المقام في تحديد دلالة هذا التركيب، كما يشي بما أثبتناه عن منهج سيبويه، وكيف أنَّه يقوم بتتبع التركيب المعيَّن في السياقات المختلفة.
أما أسلوب الاختصاص ففيه يختص الاسم؛ «ليُعْرف بما حمل على الكلام الأوَّل») (٥). ويتجلى تأثير السِّياق على أسلوب الاختصاص في أَنَّه إذا وجد السِّياق الدال على الافتخار والتعظيم أو السِّياق الذي يرغب فيه المُتَكَلِّم في التأكيد؛ فإن هذا يستدعي هذا الأسلوب ويكون سببا في وجوده
стр. 268
يقول سيبويه عن هذا الأسلوب: «وفيه معنى الافتخار») (١)، ويقول: «وإذا صغّرتَ الأمر فهو بمنزلة تعظيم الأمر في هذا الباب، وذلك قولك: إِنَّا معشرَ الصعاليك لا قوةَ بنا على المُروّة») (٢).
ولطبيعة السِّياق الذي يأتي فيه الاختصاص فإِنَّهُ «لا يجوز لك أَنْ تُبهم في هذا الباب؛
فتقول: إني هذا أفعلُ كذا وكذا، ولكن تقول: إني زيدا أفعلُ. ولا يجوز أَنْ تذكر إلا اسما معروفا؛ لأَنَّ الأسماء إِنَّمَا تذكرها توكيدًا وتوضيحا هنا للمضمَر وتذكيرا، وإذا أبهمتَ فقد جئت بما هو أشكلُ من المضمَر ... ، ولكن هذا موضعُ بيان كما كانت الندبةُ موضعَ بيان، فقبُح إذ ذكروا الأمر توكيدًا لما يعظمون أمرَه أَنْ يذكروا مبهما») (٣).
إن الإبهام مع الاسم المختص لا يجوز بأيِّ شكل من الأشكال؛ إذ كيف سيخُصُّ من يقوم بالاختصاص اسما غير معروف، وكيف يكون محل «افتخار أو تعظيم» ما هو في عداد النكرة غير المعروفة، وبمن سيناط الفخر والتعظيم إذا كان المختص نكرة أو غير معروف. إِنَّ هذا لايجوِّزُه عقل ولا منطق ولا سياق؛ لذلك منع النحاة في أسلوب الاختصاص أن يكون الاسم المختص اسم إشارة أو اسم موصول؛ لأنَّها «كنايات أيضا وليست تصريحًا، وإذا جئت بها فقد جئت بما هو أشكل») (٤).
وقد أشار سيبويه إلى معنى دلاليٍّ دقيق مع أسلوب الاختصاص هو «أنَّهم لا يريدون أن يَحملوا الكلامَ على أوَّله، ولكنَّ ما بعده محمولٌ على أوله. وذلك نحو قوله، وهو عمرو بن الأهتَم:
إنَّا بنى مِنْقَرٍ قَوْمٌ ذَوُو حَسَبٍ ... فينا سَراةُ بنى سَعْدٍ ونادِيَها [بحر البسيط]») (٥).
فقد أوضح سيبويه أن العرب في الاختصاص لا يريدون أن يحملوا الكلام على أوله، ولكن على أنَّ ما بعده محمول على أوله، «وذلك نحو قول [الشاعر]: «إنَّا بنى مِنْقَرٍ قَوْمٌ ذَوُو حَسَبٍ»؛ فإنَّه لم يرد أنْ يخبر بأنَّهم بنو مِنْقَر، وإنما أراد أنْ يخبر بأنهم قوم ذوو حسب، وأوضح المقصود بالضمير
فقال: «إنَّا بنى مِنْقَرٍ»؛ أي: أعني بني منقر، ولو رفع فقال: «إنَّا بنو منقر» لكان المعنى أنَّه أراد أن يخبر عن نفسه وجماعته بأنَّهم بنو منقر») (٦).
стр. 269
٦ ــ أسلوب الاستثناء:
الاستثناء يراد به: «الإخراج بإلا أو إحدى أخواتها لما كان داخلًا أو منزلًا منزلة الداخل ... وما كان داخلًا يشمل الداخل حقيقة والداخل تقديرًا وهو المفرغ») (١).
ونقل سيبويه عن الخليل حد الاستثناء المنفي؛ فقال: «الاستثناء إِنَّمَا حده أَنْ تَدارَكَه بعد ما تنفى فتُبدِله») (٢). ويأتي أسلوب الاستثناء المنفي «لما ينكره المخاطب، كأنْ تقول: (( ... ما ضربه إلا قاسم)) إذا كان المخاطب يُنكر أن يكون الضارب قاسما») (٣).
ولأسلوب الاستثناء المنفي وظيفة دلالية أخرى غير دفع الإنكار الذي يبدو على المخاطب وهي «دلالة التعميم»، يقول سيبويه عند مناقشته للجملة القائلة «ما مررت بأحد إلا زيدٌ خير منه» يقول: «ما مررتُ بأحد إلا زيدٌ خيرٌ منه، كَأَنَّك قلت: مررت بقوم زيدٌ خيرٌ منهم، إلا أَنَّكَ أدخلت إلَّا لتجعل زيدا خيرا من جميع من مررتَ به. ولو قال: مررتُ بناس زيدٌ خيرٌ منهم، لجاز أَنْ يكون قد مرَّ بناس آخرين هم خيرٌ من زيد، فَإِنَّما قال: ما مررتُ بأحدٍ إلا زيدٌ خيرٌ منه ليخبر أَنَّهُ لم يمر بأحدٍ يفضل زيدا») (٤).
في هذا النَّصّ لدينا جملتان:
أمررت بناس زيدٌ خيرٌ منهم.
ب ما مررت بأحد إلا زيدٌ خيرٌ منه.
الجملة الأولى تعني: أنني مررت بناس يجوز أَنْ يكون زيد خيرهم، ويجوز أَنْ أكون قد مررت بناس آخرين هم خير من زيد. والثانية: تعني أَنَّ زيدا خير من مررت به على الإطلاق؛ أي أَنَّ الجملة الثانية أفادت دفع الإنكار والتعميم وذلك من خلال استخدام أداة الاستثناء إلا. قال ابن يعيش: «وتقول في الصفة: ((ما مررت بأحدٍ إلا زيدٌ خيرٌ منه))، فقولك: ((زيدٌ خيرٌ منه)) ... جملة من مبتدأ وخبر في موضع مخفوض، نعت لـ ((أحدٍ))، كأنك قلت: ((مررت بقوم زيدٌ خيرٌ منهم))، وأفادت
((إلا)) انتفاء مرورك بغير من هذه صفتهم») (٥).
стр. 270
ولا شك أَنَّ استخدام الاستثناء للتعبير عن التعميم أو دفع الإنكار مرتبط بإرادة المُتَكَلِّم ومقصده، وهما بدورهما مرتبطان بالسِّياق.
- إعراب المستثنى في أسلوب الاستثناء التام المنفيّ:
أشار سيبويه إلى إعراب المستثنى في الأسلوب التام المنفيّ فقال:
أ «هذا باب ما يكون المستثنى فيه بدلا مما نفى عنه ما أُدخل فيه، وذلك قولك: ما أتاني أحدٌ إلا زيدٌ، وما مررتُ بأحدٍ إلا زيدٍ، وما رأيتُ أحدًا إلا زيدًا، جعلتَ المستثنى بدلا من الأوَّل فكأنَّكَ قلت: ما مررتُ إلا بزيدٍ، وما أتاني إلا زيدٌ، وما لقيتُ إلا زيدا. كما أنَّكَ إذا قلتَ: مررت برجلٍ زيدٍ، فكأنَّك قلت: مررتُ بزيدٍ. فهذا وجهُ الكلام أن تجعل المستثنى بدلا من الذي قبله، لأنك تُدخِله فيما أخرجتَ منه الأول») (١).
ب «هذا باب النصب فيما يكون مستثنًى مبدَلاً، حدَّثنا بذلك يونس وعيسى جميعًا أنَّ بعض العرب الموثوقَ بعربيته يقول: ما مررتُ بأحدٍ إلا زيدًا، وما أتاني أحدٌ إلا زيدًا. وعلى هذا: ما رأيتُ أحدًا إلا زيدًا، فينصبُ زيدًا على غير رأيتُ؛ وذلك أنَّك لم تجعل الآخِر بدلاً من الأوَّل، ولكنَّك جعلته منقطعًا مما عَمل في الأوَّل») (٢).
في هذين النصين يتحدث سيبويه عن إعراب المستثنى في الأسلوب التام المنفي، ويعطي إعرابين:
» الاتباع على البدلية.
» النصب على الاستثناء.
والضميران الموجودان في الفعلين «تدخله، جعلته» في نصي سيبويه السابقين يعودان على المتكلم ويشيران إلى حرِّيته في اختيار الإعراب المناسب له ولسياقه:
• فإذا أراد المتكلم أن «يُدْخِل المستثنى فيما أخرج منه الأوَّل» كان الاتباع على البدلية.
• وإذا أراد المتكلم أنْ «يجعل المستثنى منقطعًا ممَّا عمل في الأول» كان النصب على الاستثناء.
وقد تتجه إرادة المتكلم إلى البدليَّة إذا أراد أيضا:
١. أن يؤكد أنَّ المستثنى بعض من المستثنى منه.
٢. إلصاق المستثنى بالمستثنى منه.
وتتجه إلى النصب إذا أراد أيضا:
стр. 271
١. احتمالية أن يكون المستثنى بعضا من المستثنى منه أو لا.
٢. إرادة البعد عن المستثنى منه جنسا أو نوعًا أو غيرهما، أو التبعيد عنه؛ أي: تنزيله منزلة البعيد.
٣. إرادة ردّ كلام سابق، كأنْ يقول القائل: «قام القوم إلا محمدًا»؛ فتجيب: «ما قام إلا محمدًا») (١).
***
٧ ــ أسلوب القسم:
أسلوب القسم يشتمل على ثلاثة أشياء: «جملة مؤكِّدة، جملة مؤكَّدة، وهي جواب القسم، اسم مقسم به») (٢).
والاسم المقسم به ــ أو كما يسمِّيه سيبويه ((المحلوف به)) ــ: «كل اسم من أسماء الله تعالى وصفاته؛ ونحو ذلك مما يُعظَّم») (٣). ويتحدَّث سيبويه عن القسم وأدواته، ويقرِّر أَنَّ أكثرها: «الواو ثُمَّ الباء، يدخلان على كل محلوف به، ثُمَّ التاء. ولا تدخل إلا في واحد، وذلك قولك: والله لأفعلن وبالله لأفعلن، و ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾») (٤).
وأسلوب القسم من الأساليب التي ترتبط كينونتها بالسِّياق، فالقسم حَلِف، «والحلف توكيد») (٥). والاسم المقسم به، أو المحلوف به «مؤكَّد به الحديث») (٦). وقد أشرنا مرارا فيما مضى إلى مدى ارتباط التوكيد بالسِّياق.
ويقر سيبويه أَنَّ اسم ذات الجلالة «الله» الذي يستخدم في هذا الأسلوب يلازمه معنى التعجب سواء اتصلت به التاء أو اللام. يقول: «تقول: تالله! وفيها معنى التعجب. وبعض العرب يقول في هذا المعنى: لله، فيجيء باللام، ولا تجيء إلا أَنْ يكون فيها، معنى التعجب.
قال أميَّة بن أبي عائذٍ:
стр. 272
لِله يَبْقَى على الأيام ذو حيدٍ ... بمشمخرٍّ به الظَّيان والآسُ [بحر البسيط]») (١).
ويؤكد على أَنَّ التاء لا تحذف من لفظ الجلالة «الله» إذا أردنا معنى التعجب، و «لله» مثلها ومن العرب من يحذف التاء؛ فيقول: «الله لأفعلنَّ، وذلك أَنَّهُ أراد حرف الجر، وإياه نوى، فجاز حيث كثر في كلامهم، وحذفوه تخفيفا وهم ينوونه») (٢).
وسيبويه لن يقر ارتباط «تالله أو لله» بمعنى التعجب بدون تتَبُّع لهذا الأسلوب أو هذا التركيب اللغويّ في السِّياقات اللُّغَوِيَّة المختلفة، فهو لا يفتات على اللُّغَة ولا يتزيَّد عليها كما علمنا من منهجه.
ولا يُظَنُّ أَنَّ «تالله» بملازمتها لمعنى التعجب تتخلى عن معنى التوكيد. فهذا اللفظ المرتبط بالتاء يحمل المعنيين: التوكيد والتعجب. ومن مفسري القرآن من يربط المعنيين بالتاء نفسها التي قد توجد مع لفظ الجلالة، فيقول عند قوله تعالى ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾:
«وتالله: وهو قسم والأصل في القسم الباء الموحدة والواو بدل منها والتاء بدل من الواو وفيها مع كونها بدلاً زيادة على التأكيد التعجب») (٣).
وقد تتدخل إرادة المُتَكَلِّم أو حالته النفسِيَّة من حيث الانتباه والتركيز في تكرار الاسم المُقسَم
به. يقول: «ولو قال: وحقِّك وحقِّ زيد على وجه النِّسيان والغلط جاز. ولو قال: وحقِّك وحقِّك، على التوكيد جاز، وكانت الواو واو الجر») (٤).
إن المحلل للنص اللغويّ يجب أَنْ يتنبَّه إلى أَنَّ تكرار القسم فقد يكون السبب فيه إرادةَ المُتَكَلِّم المرتبطة بالسِّياق، أو إنَّه جاء على سبيل الخطأ والنسيان.
***
٨ ــ النصب على التعظيم أو الذم:
من المواضع التي ينصب فيها الاسم «النصب على التعظيم أو الشتم»، نصّ على ذلك سيبويه في بعض المواضع، منها الموضع التالي:
стр. 273
«واعلم أَنَّهُ ليس كلُّ موضع يجوز فيه التعظيمُ، ولا كلُّ صفة يحسن أَنْ يعظَّم
بها. لو قلت: مررت بعبد الله أخيك صاحبَ الثياب أو البزّاز، لم يكن هذا مما يعظَّم به الرجل عند الناس ولا يفخَّم به. وأما الموضع الذي لا يجوز فيه التعظيم فأن تذكر رجلاً ليس بنبيهٍ عند الناس، ولا معروفٍ بالتعظيم ثُمَّ تعظمه كما تعظم النبيه. وذلك قولك: مررت بعبد الله الصالح. فإنْ قلت مررت بقومك الكرام الصالحين ثُمَّ قلت المُطعِمين في المَحْل) المَحْلُ: الجَدبُ، وهو انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلاء (، جاز لأنَّهُ إذا وصفهم صاروا بمنزلة من قد عُرف منهم ذلك، وجاز له أَنْ يجعلهم كَأَنَّه قد عُلموا. فاستحسن من هذا ما استحسن العربُ، وأجِزْه كما أجازته») (١).
ومن خلال تأمل نصّ سيبويه هنا نضع أيدينا على الحقائق التالية:
أالتعظيم يرتبط بمواقف سِيَاقِيَّة مُعَيَّنَة ومخصوصة.
ب يحتاج النصب على التعظيم إلى صفات مُعَيَّنَة «تعارف» الناس فيما بينهم على أنَّها صفات «عظيمة» يُفَخَّمُ ويُبَجَّلُ ويُكَبَّرُ صاحبُها، مثل ــ كما ذكر سيبويه في نصه ــ:
«النباهة»، «والإطعام وقت المَحْل»، «والصلاح». ويجب أَنْ يُعْرَف ما من الصفات يميل بها العُرْفُ إلى استخدامها مع البشر، وما يميل بها العُرْفُ إلى ستخدامه التعظيم «الذات الإلهية».
ت وأنْ يكون صاحب الصفة «معروفا» عند الناس.
ث وأنْ تكون الصفة محل التعظيم «متأصِّلة» في صاحبها.
أي أَنَّنا لكي «ننصب على التعظيم» يجب أَنْ نوفر الشروط الآتية: وجود سياق تعظيمي مُعَيَّن، صفة من الصفات التي يتعارف الناس فيما بينهم على التعظيم بها، وأنْ يُعْرَفَ صاحبُها، وأَنْ تكون هذه الصفة متأصِّلة فيه، ويعرف كونها خاصة بالبشر أم خاصة بالذات الإلهية.
وينبغي أَنْ نشير هنا أَنَّ أحد أسرار النصب على التعظيم ــ كما يفهم من كلام سيبويه ــ
«العُرْف»، وما «يتعارف» عليه الناس من صفات التعظيم.
وقد يرد على الذهن سؤال هو: هل هناك فرق بين قولنا «نصب على التعظيم» و «نصب على المدح»؟
أقول إنّ هناك فرقا دقيقا بين قولنا «نصب على التعظيم» وقولنا «نصب على المدح»، وقد كان سيبويه ــ شيخ العربِيَّة ــ على وعي بهذا الفرق، ولم يضطرب في استخدام المصطلحين.
стр. 274
ولكي نظهر هذا الفرق الدقيق بين استخدام مصطلحي: المدح والتعظيم، يجب أولا الوقوف على «الخصائص الدِّلالِيَّة التكوينية الاستعمالية لكلمة المدح».
في هذا الشأن تحدثنا معاجم الفروق اللُّغَوِيَّة أَنَّ كلمة «المدح» لها الخصائص الدِّلالِيَّة التكوينية الاستعمالية الآتية:
١ ــ المدح يكون للحي وغير الحي كاللؤلؤ واليواقيت الثمينة.
٢ ــ يكون قبل الإحسان وبعده.
٣ ــ وأنَّه قد يكون منهيًّا عنه شرعا.
٤ ــ أنَّه قد يكون بأقوال تدلُّ على أَنَّ صاحبها مختص بنوع من أنواع الفضائل باختياره وبغير اختياره.
٥ ــ أنَّه يكون بالفعل والصفة؛ وذلك أَنْ يمدح الرجل بإحسانه إلى نفسه وإلى غيره وأَنْ يمدحه بحسن وجهه، وطول قامته، ويمدحه بصفات التعظيم من نحو قادر، وحكيم) (١).
ونخرج من هذه الملامح بأمرين:
» أن التعظيم أخص من المدح؛ فليس كل مدح تعظيما.
» وواضح من هذه الصفات والملامح الدِّلالِيَّة أَنَّ العرف يتدخل بطريق غير مباشر في تحديدها، فليس من العرف أَنْ يمدح اللؤلؤ والياقوت، وليس من العرف أَنْ يمدح المحسن قبل إحسانه، وليس من العرف المبالغة والإكثار من المدح مما يستوجب نهي الشارع، وليس من العرف المدح بجمال الوجه وطول القامة.
أي أَنَّ العرف يفرق بين ما قد يكون مدحا وبين ما قد يكون تعظيما.
فعندما أقول: «مررت بعبد الله جميلَ الوجه»؛ و «وسلمت على محمدٍ طويلَ القامة» فَإِنَّ الكلمتين «جميل، طويل» قد تنصبان ويكون النصب على المدح؛ أي بتقدير أمدح، ولا يصح النصب على التعظيم؛ لأَنَّ جمال الوجه وطول القامة ليسا من الصفات «المتعارف عليها بين الناس بالتعظيم والتفخيم والتبجيل والتكبير».
وعندما نقول: «مررت بعبد الله الصالحَ»، إذا أردنا النصب فَإِنَّ الأفضل والأحسن ــ إذا عُرف عن عبد الله صفة الصلاح وتهيَّأت ظروف سِيَاقِيَّة مُعَيَّنَة ــ أَنْ نقول إِنَّ كلمة «الصالحَ» منصوبة على التعظيم.
إنَّ الفرق بين التعظيم والمدح كان واضحا في ذهن سيبويه، لذلك كان في منتهى الدقة عند استعماله لمصطلح التعظيم.
стр. 275
ولا شك أَنَّ تلك الشروط التي استنبطناها من نصّ سيبويه للنصب على التعظيم هي شروط سِيَاقِيَّة بامتياز، فالنصب على التعظيم يحتاج إلى موقف له خصوصية سِيَاقِيَّة مُعَيَّنَة، وهي في الغالب مواقف المدح والثناء، والعرف يتدخل في تحديد الصفة التي يعظم بها، والصفات التي يُعَظَّم بها تختلف من جماعة إلى أخرى، ومن وقت إلى آخر، والشخص المعظم يجب أَنْ يكون معروفا بين جماعته اللُّغَوِيَّة بهذه الصفات؛ لهذا قال السيرافي: «يحتاج التعظيم إلى اجتماع معنيين في
المعظم: أحدهما أَنْ يكون الذي عُظِّم به فيه مدح وثناء ورفعة. والآخر: أَنْ يكون المعظم قد عرفه المخاطب وشهر عنده بما عظم به، أو يتقدَّم من كلام المُتَكَلِّم ما يتقرر به عند المخاطب حال مدح وثناء وتشريف في المذكور يصح أَنْ يورد بعدها التعظيم») (١).
وما يصحُّ للتعظيم لذات الله ــ ــ قد لا يصح للبشر، والعكس بالعكس، فـ «ليس كل شيء من الكلام يكون تعظيما لله يكون تعظيما لغيره من المخلوقين: لو قلت: الحمدُ لزيد تريد العظمةَ لم يجز، وكان عظيمًا)؛ أي كان أمرا عظيما غير مغتفر (») (٢).
ومن خلال السِّياق نُفَرِّق بين النصب على التعظيم أو الشتم وبين النصب على أساس أي معني آخر، فمثلا:
- قول الشاعر:
لا عَيبَ بِالقَومِ مِن طولٍ وَلا عِظَمٍ ... جِسمُ البِغالِ وَأَحلامُ العَصافير [بحر البسيط]
«فلم يردْ أَنْ يجعله شتما، ولَكِنَّه أراد أَنْ يعدد صفاتهم ويفسرها، فكأَنَّه قال: أَمَّا أجسامهم فكذا وأمَّا أحلامهم فكذا») (٣).
- وقول الشاعر:
وما غرّني حوزُ الرِّزاميّ مِحصَنًا ... عَواشِيَها بالجَوّ وهو خصيبُ [بحر الطويل]
«ومِحصن: اسم الرزامى، فنصبه على أعني، وهو فعل يظهر، لأنَّهُ لم يرد أكثر من أَنْ يعرفه بعينه، ولم يرد افتخارا ولا مدحا ولا ذما») (٤).
стр. 276
ومن خلال السِّياق أيضا نُفَرِّق بين ما هو «للتعظيم»، وما هو «للترحُّم»، فـ «مذهب الترحم على غير منهاج التعظيم والشتم ... [فـ] الترحم إِنَّمَا هو رقة وتحنن، يلحق الذاكر على المذكور في حال ذكره إياه رقة عليه وتحننا») (١). يقول سيبويه: «ومن هذا الترحم، والترحم يكون بالمسكين والبائس ونحوه، ولا يكون كل صفة ولا كل اسم، ولكن ترحم بما ترحم به العرب») (٢).
المبحث الخامس: سياق الحال والأدوات النحوِيَّة:
قبل أَنْ نشرع في إيضاح علاقة بعض الأدوات النحوِيَّة بالسِّياق من خلال نصوص سيبويه نُصَدِّرُ كلامنا بقولٍ مُهِمّ لأستاذنا تَمَّام حسان عن «الأدوات» يقول فيه: «إِنَّ المعاني التي تؤدِّيها الأدواتُ جميعا هي من نوع التعبير عن علاقات في السِّياق، وواضح أَنَّ التعبير عن العلاقة معنى وظيفي لا معجمي؛ فلا بيئة للأدوات خارج السِّياق؛ لأَنَّ الأدوات كما ذكرنا ذات افتقار إلى الضمائم أو بعبارة أخرى: ذات افتقار متأصل إلى السِّياق») (٣). أي أَنَّ الأدوات النحوِيَّة هي من أهم ما يبرز دور السِّياق ويوضح أهميته.
وفيما يلي مجموعة من الحروف والأدوات النحوِيَّة التي لاحظنا تدخُّلَ سياق الحال في تحديدها وفي خصائصها، وهي كما يلي:
١ ــ أمَّا الشرطيِّة:
من الأدوات التي نظنُّ أَنَّ سياق الحال له دور في تحديد معناها النَّحْوِيّ عند سيبويه الأداة «أَمَّا» فقد ذكر لها معني نحويا لا يُتَأَتَّى إليه إلا من خلال نصوص لها سياقاتها. يقول: «أَمَّا وإذا يُقطَعُ بهما الكلامُ، وهما من حروف الابتداء يَصرفانِ الكلامَ إلى الابتداء») (٤). والقطع مصطلح نحوي يراد به في النحو: «عدم ربط الكلمة بما قبلها في الإعراب، وتُعد جزءا من جملة جديدة») (٥).
وجملة سيبويه التي وردت في الجملة السابقة «يُقطَعُ بهما الكلامُ» تقتضي أمرين:
» وجود ذات واعية) متكلم (تقوم بقطع الكلام.
стр. 277
» وجود كلام يُقطَع، والكلام الجديد يجب أَنْ يرتبط بسياق سابق معلوم بين المُتَكَلِّم والمخاطب؛ حتى يكون الكلام مفهوما ومقبولا.
بناء على ما سبق يمكن أَنْ نقول إِنَّ «أَمَّا» من استخداماتها قطع الكلام، وتحويله إلى سياق جديد. والسِّياق الجديد يتطلب ((مبتدأ، أو مسندا إليه)) جديدا يدور حوله الكلام؛ لأَنَّ سيبويه في آخر المقولة السابقة «يصرفان الكلام إلى الابتداء».
وقد علمنا من سابق كلامنا أَنَّ المُتَكَلِّم لا يبدأ الكلام في الغالب إلا بجملة اسمية، وهي تقتضي مبتدأ معروفًا سلفا بين المُتَكَلِّم والمخاطب.
ويؤكد السيرافي هذا المعنى بألفاظ واضحة؛ فيقول: «و ((أمَّا)) يُبْتَدأ بها، وإن وردت بعد كلام صرفت ما بعدها إلى الابتداء وقطعته عن الأول») (١).
ومما يسترعي الانتباه أَنَّ السيوطي في الإتقان خصَّ «أَمَّا» بحديثٍ ذكر فيه أَنَّ من معاني
«أَمَّا» أنَّها: «حرف شرط وتفصيل وتوكيد») (٢)، ولم يشر إلى ما قد تتضمنه «أَمَّا» من ابتداء، وتبعه في ذلك الأستاذ عباس حسن، فذكر نفس الكلام عند حديثه عن معنى «أَمَّا» الشرطيِّة) (٣)، ولم يشر إلى أنَّها تأتي قاطعة للكلام، ويُبدَأ بها سياقٌ جديد) (٤).
ويمكن أَنْ نستغل عدم إشارة النحاة ــ حسبما وقف الباحث ــ للمعنى الذي أشار إليه سيبويه هنا فنقول: إِنَّ هذا قد يُستشْهَد به على أَنَّ عدم استقراء الكلام في سياقاته المختلفة ــ كما يفعل سيبويه ــ قد يؤدِّي إلى أَنَّ القاعدة النحوِيَّة قد تأتي ناقصة مضطربة، أو غير جامعة مانعة) (٥).
٢ ــ ألف التَّرَنُّم وياؤه وواوه:
تتبَّع الباحث مصطلح «التَّرَنُّم» عند العلماء ووقف على الحقائق الآتية:
- أنَّ التَّرَنُّم هو: «مدُّ الصوت بمدة تجانس حركة الروِي») (٦).
стр. 278
- وأنَّه: «التطريب والتغني وتحسين الصوت») (١)، و «ترديد الصوت بضرب من
التلحين») (٢).
- وأنَّه: «يحصل بأحرف الإطلاق لقبولها لمد الصوت فيها») (٣).
- وأنَّ «الشعر وضع للغناء والتَّرَنُّم») (٤)، وأَنَّه «الشعر موضع التَّرَنُّم والغناء وترجيع الصوت ولا سيما في أواخر الأبيات، وحروفُ الإطلاق: أي الألف والواو والياء هي المتعينة من بين الحروف للترديد والترجيع الصالحة لها؛ فمن ثم تلحق في الشعر لقصد الإطلاق كلماتٍ لا تلحقها في غير الشعر») (٥).
- وأَنَّه اختياري للمتكلم، وأَنَّ «ناسا كثيرين من بني تميم يبدلون مكان المدة النون؛ لما لم يريدوا التَّرَنُّم؛ أبدلوا مكان المدة نونا، ولفظوا بتمام البناء») (٦).
ونص سيبويه الذي يشير فيه إلى هذا التَّرَنُّم هو: «أَمَّا إذا ترنموا فإِنَّهُم يلحقون الألف والياء والواو ما ينون وما لا ينون، لأنهم أرادوا مد الصوت، وذلك قولهم ــ وهو لامرئ القيس:
قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ ... [بحر الطويل]
وقال في النصب ليزيد بن الطثرية:
فَبِتنا تحيد الوَحشُ عَنّا كَأَنَّنا ... قَتيلانِ لَم يَعلَم لَنا الناسُ مَصرَعا [بحر الطويل]
وقال في الرفع، للأعشى:
هُرَيرَةَ وَدَّعها وَإِن لامَ لائِمُ ... غَداةَ غَدٍ أَم أَنتَ لِلبَينِ واجِمُ [بحر الطويل]
هذا ما ينون فيه؛ وما لا ينون فيه قولهم، لجرير:
أَقِلّي اللَومَ عاذِلَ وَالعِتابا ... وَقولي إِن أَصَبتُ لَقَد أَصابا [بحر الوافر]») (٧).
стр. 279
إن التَّرَنُّم يُأتَى به لـ «التطريب والتغني وتحسين الصوت وتلحينه»، وأنَّ موضعه الشعر، وأَنَّه اختياري، ويتم من خلال أحرف الإطلاق: الواو والألف والياء.
وهنا يُثار سؤال: لمن يقوم الشاعر بهذا التطريب والتغني وتحسين الصوت؟ ولماذا يلجأ الشاعر إليه طالما أَنَّهُ اختياري؟
إن الشاعر لن يترنَّم ويرغب في تحسين الصوت وتلحينه إلا لمن يسمعه، أي لا بدَّ من وجود سياق حال يجمع بين المُتَكَلِّم الشاعر المنشد، والمخاطب المستمع الذي يستمتع بإلقاء الشاعر
لشعره، إِنَّ الشاعر في ترنُّمه مقصدُه المستمع، فما أتي بهذا التَّرَنُّم إلا إليه؛ ودليل هذه القصدية أَنَّ التَّرَنُّم اختياري من الشاعر، يمكنه أَنْ يستغني عنه.
إذن فسياق الحال يتحكم في التَّرَنُّم وهو سبب وجوده؛ فرغبة المُتَكَلِّم الذي هو أحد أهم عناصر سياق الحال هي المسئولة عن هذا التَّرَنُّم وجودا وعدما. ومصداق هذا قول سيبويه في نصه السابق: «لأنَّهم أرادوا مد الصوت».
ويمكننا القول أيضا ــ استنتاجا واستنباطا ــ إِنَّ القافية وحركة روِيِّها تتَأَثَّران بالحالة النفسِيَّة للمتكلم المنشد.
ومما يمكن أَنْ يلحق بألف التَّرَنُّم في كونها تأتي للترنم أيضا وإن كان هذا التَّرَنُّم فيه نوع حزن وتفجع ــ «ألف الندبة». يقول: «اعلم أَنَّ المندوب مدعوٌّ ولَكِنَّه متفجع عليه، فإنْ شئت ألحقتَ في آخر الاسم الألف، لأَنَّ الندبة كأَنَّهم يترنمون فيها؛ وإن شئت لم تُلحق كما لم تلحق في النداء») (١).
وإلحاق ألف الندبة كما يقول سيبويه اختياري يتوقَّف على إرادة المُتَكَلِّم إذا أراد أَنْ يبرز مزيدا من الأسى والحزن على المُتَفَجَّع عليه من خلال ألف الندبة، وكَأَنَّ اللُّغَة تساعد المُتَكَلِّم على التنفيس عن مشاعره بكل الأوجه الممكنة، وتهيِّئ له ذلك بكل السبل.
***
٣ ــ الأداة ((أل)):
هذه الأداة نالت عناية النُّحَاة وانتباههم؛ فبينوا أقسامها ومعانيها، فذكروا أنَّها:
• ((أل)) الموصولة: وذلك إذا اتصلت بها صفة صريحة.
• ((أل)) التعريفية، وهي تنقسم إلى:
- الجنسية، وهي تنقسم إلى:
» مطلق، يعرف بها الجنس مع إيهام كل فرد من أفراده، فهي في قوة ((أي))، نحو الرجل أقوى من المرأة. ومعناها: أي رجل أقوى من أي امرأة.
стр. 280
» نسبيٌّ، يعرف بها الجنس والمقصود إما عام للجنس كله أو خاص لأحد أفراده، فهي في قوة الضمير عموما، [مثل]: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ النازعات: ٤٠: نهى نفسه عن هواها.
- العهدية، وهي تنقسم إلى:
» العهد الذكري، تعرف مذكورا سابقا، وتكون في قوة ضمير الغائب، مثل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾.
» العهد الذهني، تعرف مفهوما مشتركا بين المُتَكَلِّم والسامع إذا ذكر انصرف الذهن إليه، فهي في قوة ضمير الإشارة، مثل قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ = هذا النبي الذي تعرفونه.
» العهد الحضوري: يعرف بها حاضر يراه المُتَكَلِّم والسامع، فهي أيضا في قوة ضمير الإشارة، نحو: من الرجل؟ = من هذا الرجل) (١).
يتضح من التقسيم السابق مدى ارتباط هذه الأداة بالسِّياق، فلا يمكن الوقوف على كلِّ هذه المعاني السِّياقِيَّة لتلك الأداة إلا بمعونته. ويقرر د. تَمَّام حسان أَنَّ «أل» التي تأتي موصولة أو للجنس النسبي أو للعهد الذكرى يربط بها السِّياق، وأَنَّها جميعها «في قوة الضمير الغائب») (٢). ويُعلَم أَنَّ الضمائر تلعب دورا أساسيا في تماسك النَّصّ.
وإذا كانت «أل» مثل الضمير، والضمير لا يُأْتَى به، ولا يحل محل اسم إلا إذا عرف المُتَكَلِّم مرجع هذا الضمير وما المقصود به؛ فَإِنَّ هذا الكلام ينسحب أيضا على «أل»؛ أي أَنَّ السِّياق في نهاية الأمر يتحكم في أل كما يتحكم في الضمير.
ويشير سيبويه إلى دور السِّياق في تحديد دلالة تلك الأداة بقوله: «وأما الألف واللام فنحو الرجل والفرس والبعير وما أشبه ذلك. وإِنَّمَا صار معرفة لأَنَّكَ أردت بالألف واللام الشيء بعينه دون سائر أمته، لأَنَّكَ قلت: مررتُ برجلٍ، فَإِنَّك إِنَّمَا زعمت أَنَّكَ إِنَّمَا مررت بواحدٍ ممن يقع عليه هذا الاسمُ، لا تريد رجلا بعينه يعرفه المخاطَب. وإذا أدخلتَ الألف واللام فَإِنَّما تُذكّره رجلا قد عرَفه، فتقول: الرجل الذي من أمره كذا وكذا؛ ليتوهم الذى كان عهدَه ما تذكر من أمره») (٣).
стр. 281
يشير هنا إلى أل التي تأتي للعهد الذهني، التي تكون لشيء معهود بين المُتَكَلِّم والسامع، والوحيد الذي يستطيع تحديد دلالة الكلمة المحلاة بأل العهدية الذهنية هو المخاطب الذي يعرف من خلال سياق سابق مدلول هذه الكلمة، وعلى من تنطبق. أي أَنَّنا في تحديدنا لدلالة الكلمة المحلاة بأل نحتاج إلى السِّياق أيّما احتياج للوقوف على هذه الدِّلَالَة. لذلك نجد سيبويه يشير إلى هذا السياق في قوله: «وإذا أدخلتَ الألف واللام فَإِنَّما تُذكّره رجلا قد عرَفه، فتقول: الرجل الذي من أمره كذا وكذا؛ ليتوهم الذى كان عهدَه ما تذكر من أمره».
ويؤكد سيبويه على أهمِيَّة السِّياق في تحديد دلالة أل في نصّ ثان، فيقول: «وإِنَّمَا يُدخلون الألف واللام ليعرفوك شيئا بعينه قد رأيتَه أو سمعت به، فإذا قصدوا قصد الشيء بعينه دون غيره وعنوه، ولم يجعلوه واحدا من أمة، فقد استغنوا عن الألف واللام. فمن ثم لم يُدخلوهما في هذا ولا في النداء») (١).
إنَّ «أل» العهدية لكي يصح استعمالها فَإِنَّها يجب أنْ «تُربَطَ» بأمر «رآه المُتَكَلِّم وسمع به من قبل» إما في بداية موقف الكلام نفسه) أل العهدية (، وإما في موقف سابق على موقف الكلام) أل العهد الذهني (.
ويُستغنَى عن «أل» كلية إذا هيَّأ السِّياق والموقفُ الكلامَ ووجهه مباشرة إلى «فرد مُعَيَّن من أفراد أمة ما» ــ بحسب تعبير سيبويه ــ؛ أي أَنَّنا استغنينا عن «أل» لتعبِّرَ عن المُتَحَدَّثِ عنه عندما انتقل من حالة «الغياب عن السِّياق» إلى حالة «الحضور في السِّياق»، وبعد أنْ كان المُتَحَدَّثُ عنه غائبا أصبح حاضرا، وأقدرنا هذا على الانتقال والاستغناء عن «أل».
ومن نصّ سيبويه نقف أيضا على أهمِيَّة الأداة «أل» في «الربط»، ربط ما هو غائب عن السِّياق بما هو حاضر فيه. وقد سمَّى علماء نحو النَّصّ هذا الربط بـ «الإحالة الخارِجِيَّة»، وهي ــ أي الإحالة الخارِجِيَّة ــ مع «الإحالة الداخلية» من أهم وسائل «السبك Coheision» . وهي «من المعايير المُهِمَّة التي تسهم بشكل فعَّال في الكفاءة النصية، تلك الوسيلة من أهم الوسائل المتعددة والمتنوعة لسبك العبارات») (٢).
***
стр. 282
٤ ــ كسر همزة إِنَّ وفتحها:
قبل أَنْ نناقش علاقة سياق الحال بـ «أَنَّ» نثبت أولا أَنَّ النُّحَاة اقتصروا في هذه المسالة على أنْ قالوا: «يجب كسر همزة: إِنَّ فى كل موضع لا يصح أَنْ تُسبَكَ فيه مع معموليها بمصدر») (١)، ويجب فتحها «فى موضع واحد، هو: أَنْ تقع مع معموليها جزءا من جملة مفتقرة إلى اسم مرفوع، أومنصوب، أو مجرور، ولا سبيل للحصول على ذلك الاسم إلا من طريق مصدر منسبك من أنّ مع معموليها. ففى مثل: شاع أَنَّ المعادنَ كثيرةٌ فى بلادنا. سرنى أَنَّكَ بارٌّ بأهلك، لا نجد فاعلا للفعل: شاع، ولا للفعل: سَرَّ؛ مع حاجة كل فعل للفاعل، ولا وسيلة للوصول إليه إلا بسبك مصدر مؤول من: أنّ مع معموليها») (٢).
لقد اكتفى معظم أئمتنا النُّحَاة بتقرير هذه القواعد عن إنَّ وأنَّ بدون إشارة ملحوظة وواضحة لعلاقتها بالسِّياق، على الرغم من الإشارات المبكرة لسيبويه لهذا الربط السِّياقي.
ومن العبارات اللافتة للنظر التي عثرنا عليها في الكتاب التي تدل على هذا الربط السِّياقي عبارة سيبويه التي يقول فيها عن الحرف «أنَّ»: «وأنَّما وأنَّ إِنَّمَا يصيِّران الكلام شأنًا وحديثًا، فلا يكون الخبر ولا الحديث الرجل ولا زيدًا، ولا أشباه ذلك من الأسماء») (٣).
ويقول في موضع ثان عن أَنَّ: «أَنَّ تجعل الكلام شأنا») (٤). ويخصص بابا يعنونه بـ «باب تكون فيه أَنَّ بدلا من شيء هو الأول» يذكر فيه: «وذلك قولك: بلغتني قصَّتك أَنَّكَ فاعلٌ، وقد بلغني الحديثُ أنَّهم منطلقون، وكذلك القصة وما أشبهها») (٥).
وقد حار الباحث فيما يقصده صاحب الكتاب بهذه الجملة «أَنَّ تجعل الكلام شأنا»، إلى أنْ عثر على تفسير لها عند ابن السرّاج؛ يقول فيه: «أَنَّ المفتوحة الألف مع ما بعدها بتأويل المصدر وهي تجعل الكلام: شأنًا وقصة وحديثًا، ألا ترى أَنَّكَ إذا قلت: علمت أَنَّكَ منطلق، فَإِنَّما هو: علمت
стр. 283
انطلاقك، فكَأَنَّك قلت: علمت الحديث، ويقول القائل: ما الخبر؟ فيقول المجيب: الخبر أَنَّ الأمير قادم») (١).
إن تفسير ابن السرّاج لفتح همزة «أَنَّ» يربطها بالسِّياق ربطا، فجملة «علمت أَنَّكَ منطلق» يسبقها سياق ومقام، فالمُتَكَلِّم علم أَنَّ المخاطب من خلال قصة أو حديث وقع أمامه أَنَّهُ منطلق؛ فأتى بالجملة على هذا الوجه. فبفتح همزتها يُعْلَم أنَّها تعبر عن شأن وقصة وحديث سابق، أي أنَّها تأتي بعد مرحلة تالية من الكلام، ولا تأتي في بدايته.
ألا ما أجمل إشارة سيبويه عن «أَنَّ» من حيث إنَّها تجعل الكلام شأنا؛ أي شأنا وقصة وحديثا سابقا على ذكرها. إنَّها إشارة عميقة تدلُّ على ربطه الأداة بالسِّياق، وتدُلُّ على اعتباره للسياق عند التَّقْعِيد، كما تدلُّ على دقة الملاحظة، ولم نقف على هذه الفائدة السِّياقِيَّة القيمة
لـ «أَنَّ» إلا في كتاب سيبويه.
ومن مواضع كسر همزة إِنَّ أَنْ تقع بعد «القول مباشرة، وتكون مع معموليها محكية بالقول، نحو قوله تعالى ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾؛ فإنْ لم تُحكَ بالقول وأجري القول مُجرى الظن؛ فتحت الهمزة، نحو: أتقول أَنَّ العدل معدوم، أي: أتظن») (٢).
والذي يحدِّد هل القول للحكاية أم يفيد الظن السِّياقُ، فإليه المرجع في هذا التحديد؛ وهذا يعني أَنَّ السِّياق المعتبر يتحكم في كسر همزة إِنَّ أو فتحها. يقول سيبويه: «وسألت يُونُس عن
قوله: متى تقول أَنَّهُ منطلقٌ؟ فقال: إذا لم ترد الحكاية وجعلت تقول مثل تظنُّ») (٣).
وهنا نؤكد على أَنَّ كسر همزة إِنَّ أو فتحها له دلالة؛ فعندما نقول: «أتقول أَنَّ العدل
معدوم» ــ بفتح همزة إِنَّ ــ فالمُتَكَلِّم قد يكون في حالة ظن أو قد لا يكون، وإن قلت: «أتقول إِنَّ العدل معدوم»؛ فالمُتَكَلِّم يحكي وينقل ما سمعه عن غيره كما هو؛ فالفعل «قال» في هذه الحال ــ كما يقول سيبويه ــ «لا يغّيَّر الكلام عن حاله قبل أَنْ تكونَ فيه قال») (٤).
стр. 284
ويوجِّهُ قراءة الكسر في قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ على الحكاية، يقول:
«كان عيسى يقرأ هذا الحرف: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾؛ أراد أَنْ يحكي» (١).
ومن نصوص سيبويه التي خصصها للحديث عن «إِنَّ» ــ بكسر الهمزة ــ قوله: «وإِنَّ توكيدٌ لقوله: زيدٌ منطلقٌ. وإذا خفَّفْتَ فهي كذلك تؤكِّد ما يتكلم به ولَيثبت الكلام، غير أَنَّ لام التوكيد تلزمها عوضًا مما ذهب منها») (٢).
ويستوقفنا عند تحليل هذا النَّصّ قوله: «وإِنَّ توكيدٌ لقوله: زيدٌ منطلقٌ»؛ فماذا يقصد بهذه العبارة؟
إن الهاء في كلمة «لقوله» في هذه العبارة ضمير يعود على المُتَكَلِّم المفترض، والجملة الاسمِيَّة: «زيدٌ منطلقٌ» تعني أَنَّ «زيدًا» معروف بين المُتَكَلِّم والمخاطب، وأنَّ «الانطلاق» معروف لدى المُتَكَلِّم فقط مجهول لدى المخاطب، وأنَّ المُتَكَلِّم يريد أَنْ ينقل معرفته بهذا الانطلاق للمخاطب. ولا معنى لجملة سيبويه: «وإِنَّ توكيدٌ لقوله: زيدٌ منطلقٌ» هنا إلا أَنَّ المخاطب شك في نسبة الانطلاق إلى زيد؛ فأتى المُتَكَلِّم بـ «إِنَّ» لتأكيد هذه النسبة.
وإحساس المُتَكَلِّم بهذا الشك من قبل المخاطب لا بدَّ أَنْ يتولد من خلال ملابسات سياق مُعَيَّن فليست كل جملة اسمية يقولها المُتَكَلِّم محل شك من المخاطب.
ومجئ «إِنَّ» لتأكيد نسبة الخبر إلى المبتدأ حقيقة أقرها النُّحَاة من بعد سيبويه؛ فقالوا عن التوكيد الذي تفيده «إِنَّ، أَنَّ»: «المراد: توكيد النسبة؛ أي: توكيد نسبة الخبر للمبتدأ، وإزالة الشك عنها أو الإنكار، فكلا الحرفين في تحقيق هذا الغرض بمنزلة تكرار الجملة، ويفيد ما يفيده التكرار؛ ففي مثل: إِنَّ المال عماد العمران؛ تغني كلمة «إِنَّ» عن تكرار جملة: المال عماد العمران») (٣).
ومن الملحوظات القيمة للأستاذ عباس حسن على «إِنَّ، أَنَّ» قوله: «ومن الخطأ البلاغي استخدامهما إلا حيث يكون الخبر موضع الشك أو الإنكار. والتأكيد بهما يدلُّ على أَنَّ خبرهما محقق عند المُتَكَلِّم، وليس موضع شك. ولا يستعملان إلا في تأكيد الإثبات») (٤).
стр. 285
إِنَّنَا بعد مناقشتنا لـ «أَنَّ، إِنَّ» هنا يمكن أَنْ نعبر عن كسرها أو فتحها من خلال اعتبار السِّياق وبفهم سيبويه نقول: تكسر إِنَّ إذا أتت بداية الكلام وفي مراحله الأولى، وتفتح إذا أتت بعد قصة أو حديث أو شأن سابق.
٥ ــ الضمائر:
أورد الجرجاني عدة تعريفات للضمير منها: «ما وضع لمتكلم، أو مخاطب، أو غائب تقدم ذكره، لفظا، نحو: زيد ضربتُ غلامه، أو معنى، بأن ذكر مشتقه، كقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ المائدة: ٨)؛ أي: العدل أقرب لدلالة «اعدلوا» عليه (، أو حكمًا؛ أي ثابتًا في الذهن، كما في ضمير الشأن، نحو: هو زيد قائم») (١). ومنها أيضا: «عبارة عن اسم يتضمن الإشارة إلى المتكلم أو المخاطب أو غيرهما، بعدما سبق ذكره، إما تحقيقا أو
تقديرا») (٢).
ومن الواضح ــ كما في التعريفين السابقين ــ أَنَّهُ لا يجوز أَنْ يحل الضمير محل الاسم إلا إذا عرف المخاطب من المقصود بالضمير، وإلا ضاع منه الكلام وتعذَّر فهمه له. فإذا دخل شخص في حوار يدور بين اثنين يتكلمان عن شخص غير موجود بضمير الغائب؛ فَإِنَّ الشخص الداخل في الحوار لن يفهم الكلام، ولن يتفاعل مع الحوار حتى يعرف مرجع الضمير الذي يدور حوله الحديث يؤكد هذا سيبويه قائلا:
• «وإِنَّمَا صار الإضمار معرفة لأَنَّكَ إِنَّمَا تضمِر اسما بعد ما تعلم أَنَّ مَنْ يحدَّث قد عرف مَن تعنى وما تعنى، وأَنَّك تريد شيئا يعلمه») (٣).
• ويقول: «وإِنَّمَا يضمِر إذا علم أَنَّكَ عرفت من يعنى») (٤).
• وهذا ما يفهم أيضا من قوله تعليقا على قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا﴾: «كَأَنَّه قال: ولا يحسبنَّ الذين يبخلون البُخل هو خيرا
لهم. ولم يذكر البخل اجتزاء بعلم المخاطَب بأنَّه البخل، لذكره يبخلون») (٥).