← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 132406

قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه

إيهاب سلامة

Полный текст (384 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وواضح أَنَّ المُتَكَلِّم وهو أحد عناصر سياق الحال، يتحكم في هذه المسألة تحكما، بدليل أَنَّهُ إذا أراد المواصلة والكثرة استخدم التركيب الأول «ما أنت إلا سيرًا»، وإذا أراد مجرد الإخبار استخدم التركيب الثاني «إِنَّمَا أنت سيرٌ». ومن المواضع التي يحذف فيها عامل المصدر أَنْ يكون التركيب في أسلوب إنشائي طلبي. ويراد بالأساليب الإنشائِيِّة الطلبية هنا «ما يكون فيها المصدر المؤكِّد النائب دالا على أمر، أو نهي، أو دعاء، أو توبيخ، والكثير أَنْ يكون التوبيخ مقرونا بالاستفهام») (١). وذكر سيبويه مثالا في حال الاستفهام فقال: «وأما ما ينتصب في الاستفهام من هذا الباب فقولك: أقيامًا يا فلان والناس قعود، وأجلوسا والناس يفرون. لا يريد) المُتَكَلِّم (أَنْ يخبر أَنَّهُ يجلس ولا أَنَّهُ قد جلس وانقضى جلوسه؛ ولَكِنَّه يخبر أَنَّهُ في تلك الحال في جلوس وقيام») (٢). وذلك على سبيل التوبيخ والإنكار، قال المبرد: «قولك: أقياما وقد قعد الناس لم تقل هذا سائلا، ولكن قلته موبِّخا منكرا لما هو عليه، ولولا دلالة الحال على ذلك لم يجز الإضمار؛ لأنَّ الفعل إنَّما يضمر إذا دلَّ عليه دال؛ كما أنَّ الاسم لا يضمر حتى يذكر، وإنَّما رأيته فى حال قيام فى وقت يجب فيه غيره فقلت له منكرا») (٣). والجزء الأخير من كلام سيبويه في نصه السابق يربط فيه هذا التركيب بسياق حال مُعَيَّن هو ما سماه العلماء فيما بعد بـ «الاستفهام التوبيخي». وسيبويه لم يصرح بوضوح ــ في كلامه هذا ــ الربط بهذا السِّياق المُعَيَّن، ولكن السيرافي ــ أفضل من شرحوا الكتاب ــ ربط هذا التركيب بهذا السِّياق بوضوح قائلا: «وهذا الكلام يقوله الإنسان عند فعل يشاهده مما ينكر عليه من أجل شيء آخر») (٤). ومما يشبه المصدر في الاستفهام التوبيخي في هذا التركيب قول سيبويه في اسم الفاعل: «أقائما وقد قعد الناس، وأقاعدًا وقد سار الركب») (٥).

стр. 212

- دور قرينة السِّياق في إعمال ظن وأخواتها أو إلغاء عملها: ومما يمكن ضمه إلى الجملة الفعلِيَّة هنا الحديث عن ظنَّ وأخواتها ودور السِّياق في إعمالها أو إلغائها، ونقول: إِنَّ مجموعة الأفعال التي وضعها النَّحْوِيّون تحت عنوان «ظن وأخواتها» نالت اهتماما كبيرا وعناية ملحوظة منهم. لقد درسوا أهم الأحكام المتعلقة بها دراسة متأنيَّة. من تلك الأحكام حكم الإلغاء، ويقصدون به «منع الناسخ من نصب المفعولين معًا، لفظا ومحلا منعًا جائزًا ــ في الأغلب ــ لا واجبا») (١). وهذا المصطلح يقابل مصطلح الإعمال الذي يعني أَنَّ المفعولين اللذين يأتيان مع هذه الأفعال نُصِبا بهذه الأفعال الناسخة. ويعلل النُّحَاة لسبب الإلغاء بأنَّه ناتجٌ عن «إمَّا توسُّط الناسخ بين مفعوليه مباشرة بغير فاصل آخر بعده يوجب التعليق، وإما تأخره عنهما») (٢). ويكتفي معظمهم بهذا سببا لإلغاء عمل ظن وأخواتها، وهذا السبب يحتاج إلى فضل تأمُّل وإنعام نظر. إِنَّ العلَّة في الإلغاء كما يقولون «توسط الناسخ بين مفعوليه»، وهذه العلة تثير تساؤلا مُؤَدّاه: أنَّى للناسخ أَنْ يتوسط بين مفعوليه بدون تدخل خارجي من إرادة واعية؟ أم أَنَّ التوسط يكون من تلقاء نفسه؟ وما السبب الذي جعل هذه الإرادة تقوم بهذا التوسط؟ إن تفسير الإلغاء بسبب التوسط فقط بدون الإشارة إلى السياق ودوره في هذا أمر يحتاج إلى فضل مراجعة وإيضاح. إِنَّ لكل حادث سببا كما يقول المناطقة، والتوسُّط لا بدَّ له من إرادة نابعة من متكلم، والمُتَكَلِّم لا يتكلَّم إلا وهو في سياق ما، وإغفال النُّحَاة للسياق جعلهم يعللون للإلغاء بهذا التعليل الذي قد تشوبه شائبة غموض. ومما يثير العجب أَنَّ سيبويه إمام النُّحَاة وجَّه النظر إلى السِّياق في علاج هذه المسألة، واستطاع من خلاله تفسير الإلغاء، فقال في باب «الأفعال التي تستعمل وتُلغى»: «وكلَّما أردتَ الإِلغاء فالتأخيرُ أقوى. وكلٌّ عربىٌّ جَيِّد ... ، وإِنَّمَا كان التأخير أقوى؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يجيء بالشكّ بعدما يَمْضِى كلامُه على اليقين، أو بعدما يبتدئ وهو يريد اليقينَ ثُمَّ يُدْرِكُه الشكُّ، كما تقول: عبدُ الله صاحبُ ذاك بلغَنى ... ، فأَخّرَ ما لم يَعمَلْ في أول كلامه. وإِنَّمَا جعل ذلك فيما بلغه بعدما مَضى

стр. 213

كلامُه على اليقين، وفيما يَدرى. فإذا ابتدأ كلامَه على ما فى نيّته من الشكَ أَعْملَ الفعلَ قدّم أوْ أخَّر، كما قال: زيدًا رأيتُ، ورأَيتُ زيدا») (١). يُفْهَمُ من النَّصّ السابق أَنَّ جملة مثل «أظن زيدا قائمًا» يكون فيها الشك مسيطرًا على المُتَكَلِّم قبل أَنْ يتكلم؛ لذلك أعمل الفعل. أَمَّا الجملتان: «زيدٌ أظن قائمٌ» و «زيدٌ قائمٌ أظن» فَإِنَّ اليقين مسيطر على المُتَكَلِّم في بداية الكلام ثُمَّ طرأ عليه الشك؛ إذن فتردد المُتَكَلِّم بين الشك واليقين ظهر أثره الفوري على التركيب المشتمل على ظن وأخواتها. وعليه فإِنَّه يتوجب علينا عند معالجة ظاهرة الإلغاء أَنْ نستصحب سياق الحال الذي يوجد فيه المُتَكَلِّم، ولا يكتفى بذكر أَنَّ سبب الإلغاء هو التوسط. ولعل هذا الاستنتاج الذي أخذناه من نصّ سيبويه يتوافق مع كلام أستاذنا فاضل السامرائي حول هذه المسألة إذ يقول: «إِنَّ قول النُّحَاة أَنَّه يجوز إلغاء الفعل إذا توسط أو تأخَّر قد يُفهم منه أَنَّه يسوغ ذلك متى شاء المُتَكَلِّم دون نظر إلى المعنى. والحق أَنَّ معنى الإلغاء غير معنى الإعمال والمُتَكَلِّم مقيَّد بالمعنى؛ فليس له أَنْ يُعمل أو يُلغي من دون نظر إلى القصد والمعنى») (٢). وأعتقد أَنَّ أستاذنا السامرائي يقصد بالمعنى والقصد هنا السِّياق. ولا يفوتنا في ختام هذه النقطة أَنْ نشير إلى أَنَّ العلامة الإعرابِيّة تَأَثَّرت بالسِّياق، وظهر أثره فيها بشكل فوري وظاهر. ويمكن أَنْ نستغل حديثنا هنا عن تأثير السِّياق في جملة ظن في الحديث عن تأثير سياق الحال على معنى الفعل ظن نفسه، فعندما نقول: «ظننت زيدًا» وتصبح جملة مفيدة يحسن السكوت عليها؛ فلا بد أَنَّ معنى ظن لا يفيد الشك ولا الرجحان. يقول سيبويه: «قد يجوز أَنْ تقول: ظننتُ زيدًا، إذا قال: من تظنُّ، أى من تَتَّهمُ؟ فتقول: ظننتُ زيدًا، كأَنَّه قال: اتَّهَمْتُ زيدا. وعَلَى هذا قيل: ظَنينٌ؛ أى مُتَّهَمٌ») (٣). أي أَنَّ الفعل ظن قد تتغير وظيفته النحوِيَّة، ويصبح ذا مفعول واحد إذا تغيَّر معناه الدِّلَالِيّ وأصبح بمعنى «اتهم») (٤).

стр. 214

والفعل «علم» قد يلغى عمله بلام التوكيد، ويأتي في الجملة لإفادة التوكيد و «عدم التظنِّي» وألا يحيل المُتَكَلِّم على علم غيره. يقول سيبويه: «ومن ذلك: قد علمتُ لَعبدُ الله خيرٌ منك. فهذه اللامُ تمنَعُ العملَ ... ؛ لأَنَّها إنَّما هى لامُ الابتداء، وإِنَّمَا أَدخلتَ عليه علمتُ لتُؤكَّدَ وتجعلَه يقينًا قد علمتَه، ولا تُحيلَ على علم غيرك») (١). فـ «علم» تفيد اليقين، ومع زيادة المبنى بدخول لام الابتداء زاد المعنى، وهو: عدم الإحالة على علم الغير. وهذا المعنى لا يمكن أَنْ يوقف عليه إلا بتتَبُّع استقصائي لهذا التركيب في السِّياقات المختلفة. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر كما يقولون؛ فإِنَّنَا يمكن أَنْ نذكر جملة من الأفعال التي يتوقَّف عملها النَّحْوِيّ على معناها الدِّلَالِيّ الذي يحدده السِّياق، بعضها من أخوات ظن، منها: » الفعل جعل: من الأفعال التي يؤثِّر سياق الحال على معناها، وينعكس على وظيفتها النحوِيَّة الفعل «جعل»، فالجملة التي تقول: «جعلت متاعك بعضَه فوق بعض» بنصب «بعضه» يمكن توجيه النصب على ثلاثة أوجه: ١ ــ أن تكون ((جعل)) بمعنى ((صنع أو عمل))؛ فينصب مفعولا واحدًا؛ وتكون ((فوق في موضع الحال)) (٢). ٢ ــ أن تكون «جعل» بمعنى «ألقى أو أسقط»، وتكون «بعضه فوق بعض» في هذا «كالمفعول، لا في موضع الحال؛ لأنَّهُ في جملة الفعل الذي هو ألقيت») (٣). ٣ ــ أن تكون «جعل» بمعنى «صيَّر»؛ «فينصب مفعولين؛ فتصبح فوق في موضع المفعول الثاني») (٤). ويُجمل بعض العلماء هذه المعاني للفعل جعل ويتتبعها تاريخيا فيقول: «وأصل الجعل حِسِّيّ، تقول: جعل الشيء يجعله جعلا؛ أي: وضعه، وجعله: صنعه، وجعله: صيره ... ، ثم نقل إلى معنى الظن والاعتقاد») (٥).

стр. 215

ولا شك أَنَّ تلك المعاني يتوقَّف تحديدها على سياق الحال؛ فبه يتحدّد معنى جعل الذي يترتب عليه التوجيه الإعرابِيّ السليم. » الأفعال رأى، وجد، علم: يبين سيبويه تأثير السِّياق على معنى هذه الأفعال قائلا: «وإن قلت رأيتُ فأردْتَ رؤيةَ العين، أو وجدتُ فأردْتَ وِجدانَ الضالة؛ فهو بمنزلة ضربتُ، ولكنّك إِنَّمَا تريد بوجدت عَلِمْتُ، وبرأيت ذلك أيضًا. ألا ترى أَنَّهُ يجوز للأَعمى أنْ يقول: رأيتُ زيدًا الصالحَ. وقد يكون علمتُ بمنزلة عرفتُ لا تريد إلاعِلْمَ الأوّل») (١). ويقول العلماء عن الفعل «وجد» وتنقله الدلالي أنَّه «منقول من وجد الشيء ولقيه، وأصله في الأمور الحسية، ثم نقل معناه إلى الأمور القلبية، فعندما تقول: «وجدت الظلم وخيم العاقبة»، كان معناه أنَّك وجدت هذا الأمر وأصبته كما تُصاب الأمور المحسوسة ليس في ذلك شك، فنقل من هذا المعنى المادي إلى الأمر المعنوي، ولما كان وجدان الشيء ولقيه أمرًا يقينًا كان الأمر العقلي بمنزلته») (٢). وكذلك الفعل «رأى» فإنّه «منقول من الرؤية البصرية، فأنت إذا رأيت شيئا فقد تيقَّنت منه وعلمته، ثم نقل من هذا المعنى إلى الأمور القلبية، فإذا قلت مثلا: «رأيت الباطل زهوقا» كان المعنى كأنَّك رأيت هذا الأمر بعينك، فكما أنَّه ليس في الرؤية العينية شك، كان هذا بمنزلته») (٣). إذن بحسب معاني هذه الأفعال في سياقاتها يكون عملها النَّحْوِيّ. » الفعل دعا: يشير سيبويه إلى الفعل «دعا» في باب الأفعال التي تنصب مفعولين فيقول: «دعَوْتُه زيدًا إذا أردت دعوته التي تجري مجرى سميته، وإن عنيت الدعاء إلى أمر لم يجاوز مفعولا واحدًا») (٤). إذا أتى الفعل دعا بمعنى ((سمّى)) نصب مفعولين، وإن عنيت الدعاء نصب مفعولا واحدًا. وجملة سيبويه الأخيرة تشير إلى إرادة المُتَكَلِّم التي لا بدَّ أنَّها مرتبطة بالسِّياق. » كان التامَّة (وكذلك: دام، أصبح، أمسى): يأتي الفعل كان على حالين، تاما وناقصا. وقيل إِنَّ كان التامة تكون كذلك «لاكتفائها بالفاعل، وقيل لدلالتها على الحدث والزمان؛ فلا تحتاج إلى اسم أو خبر؛ وتكون بمعنى: حصل،

стр. 216

أو حدث، أو وقع، أو وجد، أو جاء») (١). يقول سيبويه: «وقد يكون لكانَ موضعٌ آخَرُ يُقتصَرُ على الفاعل فيه، تقول: قد كان عبدُ الله؛ أي قَد خُلِق عبدُ الله. وقد كان الأمرُ؛ أي وقعَ الأمرُ وقد دام فلانٌ؛ أي ثبت») (٢). من خلال نصه لا يمكن أَنْ نحكم على جملته «كان عبد الله» أَنَّ كان تامة بدون سياق، وما كان لسيبويه ولا لغيره أَنْ يصل إلى هذه القاعدة بدون اعتباره. - الحذف في الجملة الفعلِيَّة: الحذف ظاهرة لغوية ثابتة وموجودة، تحدَّث عنها العلماء، وبيَّنوا معنى الحذف وشروطه وعلاقته بسياق الحال؛ فقالوا: «الاختصار أصل بلاغيّ، لا يختص بباب، ولا يقتصر على مسألة، ويراد به: حذف ما يمكن الاستغناء عنه من الألفاظ لداع يقتضيه. وهو جائز بشرطين: أأن يوجد دليل يدل على المحذوف، ومكانه)؛ لأَنَّ عدم معرفة المحذوف يفسد المعنى فسادًا كاملًا، وعدم معرفة مكانه يؤثِّر في المعنى قليلًا أو كثيرًا (؛ فلوضع الكلمة في الجملة أثر في المعنى. ولا فرق في الدليل) القرينة (بين أَنْ يكون مَقَاليًّا؛ ) أي: قولًا يدل على المحذوف (وأَنْ يكون حاليًا؛ ) أي: أمرًا آخر مفهومًا من الحال والمقام، بغير نطق ولا كلام (. ب وألا يرتب على حذفه إساءة للمعنى، أو إفسادٌ فى الصياغة اللفظِيَّة») (٣). أي أَنَّ المُتَكَلِّم الموجود في سياق الحال لا يملك أَنْ يحذف أي جزء من الجملة إلا إذا تأكَّد من أَنَّ هذا لا يؤثِّر في فهم المخاطب للكلام من خلال قرينة قوية كقرينة سياق الحال أو الحال الحاضرة كما يسمِّيها السيرافي. وقد سبق سيبويه غيره في التأكيد على هذا فقال في باب «ما جرى من الأمر والنهى على إضمار الفِعل المستعمَلِ إظهارُه إذا عَلِمْت أنّ الرجل مُسْتَغْن عن لَفْظِكَ بالفِعل»: «وذلك قولك: زيدًا، وعمرًا، ورأسَه. وذلك أنَّك رأيت رجلا يَضْرِبُ أو يَشْتِمُ أو يَقتل، فاكتفيتَ بما هو فيه من عمله أَنْ تَلفظَ له بعمله؛ فقلت: زيدًا؛ أى أَوْقِعْ عملَك بزيدٍ. أو رأيتَ رجلاً يقول: أَضْرِبُ شَّر الناسِ؛ فقلتَ: زيدا. أو رأيتَ رجلا يحدَّثُ حديثا فقَطَعَهُ؛ فقلتَ: حديثَك. أو قَدِمَ رجلٌ من سفرٍ فقلت: حديثَك؛ استغنيتَ عن الفعل بعلمه أَنَّهُ مستخبرٌ») (٤).

стр. 217

وقد يكون من المفيد أَنْ نذكر أَنَّه تتردد عند سيبويه عدة مصطلحات ترادف مصطلح الحذف، منها ما أسماه بـ «الاختزال». يقول: «وإِنَّمَا اختُزِل الفعل هاهنا؛ لأنهم جهلوه بدلا من اللفظ بالفعل») (١)، وقال: « ... فلذلك اختَزَلَوا الفعلَ هنا، كما اختزلوه فى قولهم: الحَذَرَ») (٢). وقد انفرد سيبويه بهذا المصطلح، فكان أول من صكه، قال الزَّبِيدِي: «الاختزال الحذف، قال ابن سِيدة: ولا أعرفه عن غير سيبويه») (٣). وأصبح فيما بعد من المصطلحات التي يرددها علماء اللُّغَة بمعنى الحذف، يقول الزركشي: «الاختزال وهو الافتعال ... ، نقل في الاصطلاح إلى حذف كلمة أو أكثر») (٤). ومن المصطلحات التي ترددت عند سيبويه والقريبة أيضا من مصطلح الحذف مصطلح «الاستخفاف»، ويعرِّفه سيبويه بأنَّه «إضمار ما يقع مظهرا») (٥). ويقرُّ سيبويه أَنَّ الذي يسمح بهذا الاستخفاف «علم المخاطب» و «كثرة التكرار») (٦)، يقول: «وإِنَّمَا أضمروا ما كان يقع مظهرا استخفافا؛ ولأَنَّ المخاطب يعلم ما يعني؛ فجرى بمنزلة المثل، كما تقول: لا عليك، وقد عرف المخاطب ما تعني، أَنَّهُ لا بأس عليك، ولا ضر عليك، ولَكِنَّه حذف لكثرة هذا في كلامهم») (٧).

стр. 218

وما يفهم من النَّصّ السابق أَنَّ الاستخفاف مرتبط بالتراكيب كثيرة الاستعمال التي تشبه الأمثال التي تتردَّد على الألسنة. ومن الأمثلة التي ذكرها على الحذف استخفافا قولنا: «الله أكبر ومعناه: الله أكبر من كل شيء») (١). نأتي هنا إلى تفصيل الكلام عن علاقة الحذف في الجملة الفعلِيَّة بسياق الحال بشيء من التفصيل. ونقول ابتداء إِنَّ السِّياق مُهِمّ لكي يكون للحذف مشروعية، بل هو مُهِمّ لإدراك الحذف أصلا، ومُهِمٌّ في تقدير المحذوف وتحديد معناه كما سبق وأن قررنا. فمن الأمثلة على أَنَّ تقدير المحذوف وتحديد معناه يتوقَّف لا محالة على سياق الحال؛ قولنا: «زيدًا فقد تعني: اقتل زيدًا، أكرم زيدًا، اشتم زيدًا») (٢). يقول سيبويه: «وذلك أنَّك رأيت رجلا يَضْرِبُ أو يَشْتِمُ أو يَقتل؛ فاكتفيتَ بما هو فيه من عمله أَنْ تَلفظَ له بعمله فقلت: زيدًا؛ أى أَوْقِعْ عملَك بزيدٍ») (٣). ومن خلال السِّياق نحدد نوع العنصر المحذوف الذي قد يكون: - المفعول به، يقول: «ومما يقوَّى تركَ نحوِ هذا لعلم المخاطَب، قولُه : ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾، فلم يُعْمِل الآخِرَ فيما عمل فيه الأوّلُ استغناءً عنه ومثلُ ذلك: ونَخْلَعُ ونَتْرُكُ من يَفْجُرك») (٤). قال السيرافي: «فقد ترك إما مفعول نخلع، وإما مفعول نترك اكتفاء بعلم المخاطب») (٥). - الفعل الأمر، يقول: «حدثنا أبو الخطاب أَنَّهُ سمع بعض العرب وقيل له: لِمَ أفسدتم مكانكم هذا؟ فقال: الصبيان بأبي. كَأَنَّه حذِر أَنْ يلام؛ فقال: لُمِ الصبيان») (٦). قال ابن يعيش: «ومن ذلك ما حكاه سيبويه عن أبي الخطاب الأخفش ــ وكان من مشايخ سيبويه ــ أنَّه سمع بعض العرب، وقد قيل له: «لم أفسدتم مكانكم؟ » فقال: «الصبيان بأبي»، كأنَّه خاف أن يلام، فقال: لم الصبيان، فأضمر ما ينصب») (٧).

стр. 219

- الفعل الماضي: من المصادر والصفات التي تنصب بسبب إضمار فعل مجموعة المصادر التالية «سَقيًا وَرْعيًا، وخَيْبةً، ودَفرًا، وجَدْعًا وعَقْرًا، وبؤُسًا، وأُفَّةً وتُفَّةً، وبُعْدًا وسُحْقا، وتَعْسًا وتَبًّا، وجُوعًا وجُوسًا، وبهرا، هنيئا مريئا». يقول سيبويه: «وإِنَّمَا يَنتصب هذا وما أشبهه إذا ذُكر مذكورٌ فدعوتَ له أو عليه، على إضمار الفعل، كأَنّك قلت: سَقاك الله سَقيًا ورَعاك الله رعيًا، وخيبك الله خيبة») (١). وقال في الصفات «هنيئا مريئا»: «وإنَّما نصبتَه لأنَّهُ ذَكر لك خيرًا أًصابه رجلٌ؛ فقلتَ: هنيئًا مريئًا، كأَنّك قلت: ثَبَتَ ذَلك له هنيئًا مريئًا أو هنأه ذلك هنيئًا؛ فاختُزِلَ الفعلُ») (٢). إن سيبويه يعلل حذف الفعل الماضي مع هذه المصادر والصفات بسبب سِياقِيّ فيقول: «ذُكر مذكورٌ فدعوتَ له ... »، «ذُكِر لك خيرا أصابه رجل ... »؛ فسمح هذا باختزال الفعل. - أداة النداء والمنادى: قد تحذف أداة النداء والمنادى لدلالة السِّياق، يقول: «فلَحاقُ الكاف كقولك: يا فلانُ، للرَّجُل حتَّى يُقْبِلَ عليك. وتركُها كقولك للرجل: أنت تَفعلُ، إذا كان مُقْبِلا عليك بوجهه مُنْصِتًا لك. فتركتَ يا فلانُ حين قلت: أنت تَفعَلُ؛ استغناءً بإِقبالِه عليك») (٣). - الجملة بكاملها: قد يكون المحذوف المفهوم من خلال السِّياق «جملة كاملة»، قال سيبويه: «ومن ذلك أيضًا أَنْ ترى رجلاً قد أوْقَعَ أمرًا أو تعرَّض لِه، فتقول: متعرَّضًا لعنن لم تعنه، أى: دنا من هذا الأمر متعرَّضًا لعَنَن لم يَعنِه. وتَرَكَ ذكرَ الفعل لما يَرى من الحال. ومثله: بَيْعَ المَلَطَى لا عهدَ ولا عقَدَ، وذلك إنْ كنتَ فى حال مساومةٍ وحالِ بيعٍ، فتَدَعُ أُبايِعُك استغناءً لما فيه من الحال») (٤). - ويمكن أَنْ يكون المحذوف جمل بكاملها تمثل قصة وقع فيها مَثَلٌ من الأمثلة. فعندما نضرب مثلا من الأمثال فنحن نستحضر تباعًا الموقف أو السِّياق الأول الذي وقع فيه المثل والذي هو بدوره موجود في أذهاننا سلفا من خلال معرفتنا بملابسات هذا المثل. وقد يكون لاتجاه الكلام بين عدد من الأشخاص، وحضورهم وغيابهم عن موقف الكلام تأثير على صحة الحذف وعدمه، فقد يصح الحذف إذا توجه الكلام إلى الشخص «أ»، ولا يصح إذا توجَّه إلى الشخص «ب»، مع أَنَّ من يتوجه إليهما الكلام أوب يجمعهما سياق واحد.

стр. 220

ونضرب لذلك مثلين من كلام سيبويه: » النص الأول: «واعلم أَنَّهُ لا يجوز أَنْ تقول: زيدٌ، وأنت تريدُ أَنْ تقول: لِيُضْرَبْ زيدٌ، أو لِيَضْرِبْ زيدٌ إذا كان فاعلا، ولا زيدًا، وأنت تريد ليَضرب عمرو زيدًا. ولا يجوز: زيدٌ عمرا؛ إذا كنتَ لا تُخاطِبُ زيدًا؛ إذا أردتَ لِيَضْرِب زيدٌ عمرًا وأنت تخاطِبُنى، فإِنَّما تريد أَنْ أُبْلِغَه أنا عنك أَنَّكَ قد أمرته أَنْ يضرب عمرًا، وزيدٌ وعمروٌ غائبانِ، فلا يكون أَنْ تُضْمِرَ فِعْلَ الغائبِ. وكذلك لا يجوز زيدا، وأنت تريد أَنْ أُبْلِغَه أنا عنك أَنْ يَضْرِبَ زيدًا؛ لأَنَّكَ إذا أضمرتَ فعل الغائب ظنَّ السامعُ الشاهدُ إذا قلت: زيدًا أَنَّكَ تأْمُرُه هو بزيد؛ فكرهوا الالتباس هنا ككراهيتهم فيما لم يؤخذْ من الفعل نحوُ قولك: عَليكَ، أَنْ يقولوا عليه زيدًا، لئلاَّ يشبَّهَ ما لم يؤخَذْ من أمثلة الفعل بالفعل. وكرهوا هذا فى الالتباس وضَعُفَ حيث لم يُخاطبِ المأمورَ») (١). ولنفهم ما يقصده سيبويه في هذا الاقتباس نتخيل أَنَّ لدينا موقفا أو سياقا يضم أربعة أشخاص: «المُتَكَلِّم، المخاطب، زيد، عمرو»، ونتأمل الجدول التالي: م ... الجمل التي لا تجوز في النَّصّ السابق ... ما يريده المُتَكَلِّم ... السبب في عدم الجواز ... استنتاج ١ ... زيدٌ ... لِيُضْرَب زيدٌ أو لِيَضْرِبَ زيدٌ ... غياب زيد ... تجوز هذه الجملة إذا كان زيد حاضرا، وتوجه إليه المُتَكَلِّم بالكلام، وعلم من خلال السِّياق أَنَّ المُتَكَلِّم يريد منه أَنْ يضرب أو يُضرب. ٢ ... زيدًا ... ليضربَ عمرو زيدًا ... غياب عمرو وزيد عن موقف الكلام ... تجوز الجملة السابقة إذا كان عمرو وزيد حاضرين أمام المُتَكَلِّم، وعلم عمرو من السِّياق أَنَّ المُتَكَلِّم يريد منه أن يضرب زيدًا.

стр. 221

٣ ... زيدٌ عمرا ... يريد المُتَكَلِّم أَنْ ينقل المخاطبُ الأمرَ إلى زيد الغائبِ أَنْ يضرب عمرا ... أن المُتَكَلِّم لا يخاطب زيدا مباشرة؛ لأَنَّه غائب وأنَّ المُتَكَلِّم يتَّجه بالخطاب إلى المخاطب ... تجوز العبارة السابقة إذا كان زيد حاضرا الكلام وتوجه المُتَكَلِّم إليه مباشرة بالكلام. ٤ ... زيدا ... يريد المُتَكَلِّم أَنْ ينقل المخاطبُ الأمرَ إلى عمرو أَنْ يضرب زيدا ... غياب عمرو وزيد، والتباس الكلام على السامع والشاهد أَنَّ الأمر له. نخلص من هذا الجدول أَنَّ اتجاه الكلام وإلى من يتوجه يتحكم في حذف بعض عناصر الجملة، وأنَّ حذف الفعل لا يجوز إذا اتجه الكلام إلى شخص غائب عن موقف الكلام، ويصح الحذف إذا كان من يتوجه إليه بالكلام حاضرا شاهدا له. » النص الثاني: يقول: «وإِنَّمَا أضمرت الفعل ها هنا وأنت تخاطب؛ لأَنَّ المخاطَب المُخبَرَ لستَ تجعلُ له فعلا آخَرَ يعمل فى المُخْبَرِ عنه. وأنت فى الأمر للغائب قد جعلتَ له فعلا آخَرَ يعمل، كأَنّك قلت: قُلْ له لِيَضربْ زيدًا، أو قل له: اضربْ زيدًا، أو مُرْهُ أَنْ يَضْرِبَ زيدًا، فضَعُفَ عندهم مع ما يَدخل من اللَّبس فى أمرٍ واحدٍ أَنْ يُضْمَرَ فيه فِعْلانِ لشيئينِ») (١). ومقصود سيبويه في هذا النَّصّ «أَنَّ إضمار الفعل مع إرادة الأمر إِنَّمَا يكون مع المخاطب، ولا يصح إضماره مع إرادة الأمر للغائب، إذا قلت: زيدًا وأنت تريد ليضرب زيدًا؛ لأنَّهُ يصير بمنزلة قولك: قل له ليضرب زيدًا») (٢). ذلك مثلان يبيِّنان أَنَّ الحذف قد يصحُّ إذا اتجه الكلام لشخص ما، وقد لا يصح إذا اتجه لشخص آخر في نفس الموقف ونفس السِّياق. ومن أسباب الحذف التي أقرها سيبويه «كثرة الاستعمال»، ففي كثير من النصوص ذكر أَنَّهُ قد حذف عنصر من عناصر الجملة والسبب هو كثرة الاستعمال. بل إِنَّهُ خصص بابا في الكتاب

стр. 222

جعل عنوانه «هذا باب يحذف منه الفعل لكثرته في كلامهم حتى صار بمنزلة المثل») (١). وذكر مجموعة من الجمل ينطبق عليها هذا الوصف: أ «هذا ولا زعماتك»؛ ) أي: ولا أتوهم زعماتك (. ب «كليهما وتمرًا»؛ ) أي كَأَنَّه قال: أعطني كليهما وتمرا (. ت «كلّ شيء ولا شتيمة حر»؛ ) أي: ائتِ كل شيء ولا ترتكب شتيمة حر (. ث «كلاهما وتمرًا»؛ ) أي كَأَنَّه قال: كلاهما لي ثابتان وزدني تمرا (. ج قول الشاعر: دِيارَ مَيَّةَ إِذ مَيُّ تُساعِفُنا ... وَلا يَرى مِثلَها عُجمٌ وَلا عَرَبُ [بحر البسيط]) أي كَأَنَّه قال: أذكر ديار مية (. الفعل المحذوف من هذه الأمثلة حذف لكثرة الاستعمال ولعلم المخاطب بالمحذوف. وهذا يعني أَنَّ الحذف هنا يستند إلى الخبرة السابقة عند المخاطب) (٢) الذي سمع هذه الجملة التي تشبه المثل أكثر من مَرَّة قبل ذلك، ويعلم مسبقا من خلال سياقات سابقة مرت عليه أَنَّ هذا التركيب يقصد هذا المعنى أو ذاك؛ أي أَنَّ كثرة الاستعمال ترتبط بوجه ما بسياق الحال؛ هذا الربط يظهر في مناقشة سيبويه للجملة الأولى في المجموعة السابقة، حيث يقول: «ولم يَذكر: ولا أتوهَّمُ زعماتِك لكثرة استعمالهم إيَّاه، ولاستدلاله مما يَرَى من حاله أَنَّهُ يَنْهاه عن زَعْمه») (٣). وينقل سيبويه نفس التعليل السابق) كثرة الاستعمال (عن الخليل لمجموعة من الجمل حذف فيها الفعل وهي: «وراءك أوسع لك، حسبك خيرًا لك، قوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾» فيقول: «حذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه في الكلام، ولعلم المخاطب أَنَّهُ محمول على أمر») (٤). وقبل أَنْ ننتقل إلى فكرة أخرى نثبت هنا فائدة مستخلصة من عنوان سيبويه السابق الذي قال فيه: «هذا باب يحذف منه الفعل لكثرته في كلامهم حتى صار بمنزلة المثل»، وهذه الفائدة هي أَنَّ من خصائص المثل التي يمكن أَنْ تضاف إليه «كثرة الاستعمال وارتباطه بسياق حال ما»، وتضاف

стр. 223

هذه الخصيصة لخصائص المثل العامة، وهي: الإيجاز البليغ، إصابة المعنى، حسن التشبيه، جودة الكناية إذا كان المثل من باب الكنايات) (١). وباستدعاء سيبويه للمثل في عنوانه السابق، وربط كثرة الاستعمال به يعطي إشارة سريعة إلى أهمِيَّة السِّياق بالنسبة للمثل اللغويّ وما به من حذف، فقد أفصح سيبويه عن هذه العلاقة بشكل صريح في أحد نصوصه، حيث أبان أَنَّنا لا نستطيع تفسير المحذوف الموجود في المثل اللغويّ بدون استحضار السِّياق الذي يقال فيه هذا المثل، يقول: «من ذلك قولُ العرب فى مَثَلٍ من أمثالهم: «اللَّهُمَّ ضَبُعًا وذِئبًا» إذا كان يدعو بذلك على غنم رجُل. وإذا سألتَهم ما يَعْنُون قالوا: اللهُمَّ اجْمَعْ أو اجعلْ فيها ضَبُعًا وذئبا. وكلُّهم يفسَّرُ ما يَنْوِى. وإنَّما سَهُلَ تفسيرُه عندهم؛ لأَنَّ المضمَر قد استُعمل فى هذا الموضعِ عندهم بإِظهارٍ») (٢). • سعة الكلام وسياق الحال: مما يتصل بالحذف في هذا المقام أيضا ما سماه سيبويه بسعة الكلام. والسعة يراد بها في كتاب سيبويه «الاختصار والإيجاز والحذف») (٣). فهو يقر أَنَّ اللُّغَة تتجه إلى سعة الكلام والاتساع فيه، يقول: «ومن ذلك أَنْ تقول: كم وُلِد له؟ فيقول: ستون عاما. فالمعنى: ولد له الأولاد ستين عاما ولَكِنَّه اتسع وأوجز») (٤). وهو يعطي سلطة الاختصار والإيجاز والحذف للمتكلم بدليل قوله في النَّصّ السابق «اتسع وأوجز»؛ أي: اتسع المُتَكَلِّم وأوجز. ويقول في موضع ثان: «ومما جاء على اتساع الكلام واختصار قوله تعالى جده: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾؛ إِنَّمَا يريد: أهل القرية؛ فاختصر») (٥). وقد نتساءل ونقول: ما حدود هذا الحذف والاختصار؟ وهل يجوز في كل وقت أم لا؟ قيد سيبويه الحذف والاختصار والإيجاز في الجملة بعلم المخاطب بالمعنى، فالاعتماد عليه في ذلك، ولا يجوز الحذف ولا الاختصار إلا بمراعاته. يقول: «ومثله في الاتساع قوله عز

стр. 224

وجل: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾، فلم يُشبَّهوا بما يَنْعق، وإِنَّمَا شُبهوا بالمنعوق به ... ولَكِنَّه على سعة الكلام والإيجاز لعلم المخاطب بالمعنى») (١). أي أَنَّ فهم المخاطب للمعنى، وعدم وجود أي لبس في المعنى الذي يصله هو أساس الإيجاز والاختصار، بمعنى أَنَّه: - إذا فهم المخاطب المعنى جاز التوسع في الكلام، توسع اختصار وإيجاز وحذف. - إذا اضطرب المعنى والتبس على المخاطب فهمه؛ لم يجز التوسع في الكلام. ومن خلال فهم المخاطب للمعنى الذي لا بد أَنْ يوجد في سياق حال ما ــ يمكن أَنْ يُحَدَّد المحذوف والمختصر من الكلام ذات الدلالة المُعيَّنة الذي حذفه المُتَكَلِّم. يقول: «بنو فلان يطؤهم الطريق، يريد يطؤهم أهل الطريق، وقالوا: صدنا قنوين، وإِنَّمَا يريد صدنا بقنوين، أو صدنا وحش قنوين، وإِنَّمَا قنوان اسم أرض») (٢). ومن الأمثلة الأخرى التي ذكرها سيبويه على هذا الاتساع: «أكلت أرض كذا كذا، وأكلت بلدة كذا وكذا؛ إِنَّمَا أراد أصاب من خيرها») (٣)، و «اجتمع القيظ؛ أي: اجتمع الناس في القيظ») (٤). وأَكَّد سيبويه على أَنَّ السعة في الكلام أكثر من أَنْ يحصيها) (٥). ولا شك أَنَّ سعة الكلام التي يقوم بها المتكلم كما ألمح سيبويه تؤثر بمرور الأيام في المعنى الدِّلَالِيّ المعجمي للألفاظ؛ أي أَنَّه يصح لنا أَنْ نقول إِنَّ السِّياق لا يساهم فقط في الإثراء الدلالي للتراكيب النحوية بل يساهم أيضا في الإثراء الدِّلَالِيّ المعجمي لِلُّغَة بمرور الوقت) (٦). ويمكن أَنْ نقول أيضا إِنَّ الحذف يثبت أهمِيَّة سياق الحال في تحليل الكلام، وذلك أَنَّ الكلمة المفردة التي لا تكون في تركيب لغوي أو في سياق ما لا تملك من المعاني إلا معناها المعجمي، أَمَّا

стр. 225

إذا وجدت مفردة في تركيب ما محذوفا بعض عناصره فقد تملك بجوار معناها المعجمي معان أخرى منها المعنى النَّحْوِيّ. ويبقى أيضا إثبات إشارة سيبويه أَنَّهُ إذا طال الكلام كان الحذف أجمل؛ كَأَنَّه شيء يصير بدلا من شيء) (١). *** بقي من المادة التي جمعها الباحث وتتَعَلَّق بالجملة الفعلِيَّة وسياق الحال تلك الإشارات السريعة: ١ ــ الظرف وسياق الحال: يتمثل تأثير سياق الحال على الظرف في أَنَّ النُّحَاة قرروا أَنَّ من أسماء المكان التي تصلح للنصب على الظرفية «الأسماء المبهمة»، وقرروا أَنَّ «الأماكن المختصة التي لا تقع ألفاظها على كل مكان لا تستعمل ظروفا») (٢). لذلك فقد حكم سيبويه بالشذوذ على قول من قال: «ذهبت الشامَ» بنصب الشام؛ لأَنَّه اسم مختص لا يقع على كل مكان، يقول موضحا ومعللا: «وقد قال بعضهم ذهب الشامَ، يشبّهه بالمبهَم، إذ كان مكانًا يَقع عليه المكانُ والمذهبُ. وهذا شاذٌ؛ لأنَّهُ ليس في ذهبَ دليلٌ على الشام، وفيه دليلٌ على المذهبِ والمكانِ») (٣). إن سيبويه يعتبر إعراب الشام هنا ظرفا شذوذا؛ لأَنَّ كلمة «الشام» لفظ مختص غير مبهم عنده؛ أي أَنَّ سيبويه يحتكم إلى عرف الناس واتفاقهم على أَنَّ الشام اسم مكان مُحَدَّد؛ لذلك حكم بشذوذ الإعراب هنا. وهذا يعنى أَنَّ الناس لو تعارفوا على أَنَّ الشام اسم مبهم لأجاز الإعراب هنا بلا شذوذ. وهذا يعني أيضا بالنسبة للباحث أَنَّ هناك تأثيرا لسياق الحال) متمثل في عرف الناس، وهو أمر خارج اللُّغَة (في إعراب الظرف هنا. ومن النصوص التي نلاحظ أَنَّ سياق الحال) متمثلا في العرف والعادة أيضا (يتدخل فيها مع الظرف قول سيبويه: «فأما ضحوةٌ وعشيةٌ فلا يكونان إلاَّ نكرةً على كلّ حال، وهما كقولك: آتيك غدًا وصباحًا ومساءً. وقد تقول: أتيتك ضحوةً وعشيةً، فيُعلَمَ أَنَّكَ تريد عشيّةَ يومك وضحوته، كما تقول: عامًا أول؛ فيُعَلَم أَنَّكَ تريد العام الذي يليه عامك») (٤).

стр. 226

لماذا عندما يذكر المُتَكَلِّم «أتيتك ضحوةً وعشيةً» يعلم المخاطب «أَنَّكَ تريد عشيّة يومك وضحوته»؟ ولماذا عندما يذكر المُتَكَلِّم «عامًا أول» يعلم المخاطب «أَنَّكَ تريد العام الذي يليه عامك»؟ لماذا لا تدل الكلمات «ضحوةً وعشيةً» على العموم وخاصة أَنَّها نكرة؟ ما نعرفه من منهج سيبويه أَنَّهُ لا يفتات على اللُّغَة ولا يتقول عليها ولا ينسب إليها شيئا رآه هو، بل هو كما علمنا يتَتَبَّع التركيب المُعَيَّن في السِّياقات المختلفة ويحدد الدِّلَالَة المشتركة لهذا التركيب بين كل السِّياقات، وهذا ما فعله هنا. لقد تتبع سيبويه هذه الظروف في السِّياقات المختلفة فوجدها تدل هذه الدِّلَالَة، ووجد أَنَّ بين المُتَكَلِّم والمخاطب «عُرفا» يسيران عليه مع هذه الظروف؛ فأقرَّ هذا العرف هنا وقعَّده قاعدة نحوِيَّة، وقد أبطل هذا العرفُ «عمومية التنكير» هنا) (١). إِنَّنَا إذا قلنا إِنَّ التنكير في «أتيتك ضحوةً وعشيةً ... » يفيد العموم وأنَّه يُقصَدُ به أَيَّة ضحوة أو عشية لوقع المخاطب في لبس؛ فأَيَّة ضحوة أو عشية يقصدها المُتَكَلِّم؟ ! وهنا يتدخل العرف والعادة ليحدد أَنَّ المقصود ضحوة المخاطب وعشيته. ٢ ــ تحَدَّثنا عن فكرة البناء بين المبتدأ والخبر في الجملة الاسمِيَّة، وهذه الفكرة موجودة أيضا في الجملة الفعلِيَّة، حيث يُبنَى الفاعل على الفعل. يقول: «فأما ضربت وقتلت ونحوهما، فَإِنَّ الأسماء بعدهما بمنزلة المبني على المبتدأ») (٢). ٣ ــ ضمير الفاعل العائد على ما يفهم من سياق الحال: قد يلعب سياق الحال دورا مهما مع الفاعل الضمير الذي ليس له عائد. وقد سبق أَنْ تكلمنا عن هذا الأمر فيما مضى عند حديثنا عن أهمِيَّة سياق الحال في التوجيهات الإعرابِيّة عند سيبويه. ***

стр. 227

المبحث الثالث: سياق الحال والتوابع: ــ أولا البدل: يقوم البدل بعدة وظائف دلالية في الجملة، هذه الوظائف ذكرها سيبويه في نصوص عدة ومتفرقة. وهذه الوظائف هي: ١. التوكيد: من الوظائف التي يؤديها البدل ـ ونص عليها سيبويه ــ توكيد المعنى. وأبان هذا في قوله: «فأما نفسه حين قلت: رأيته إياه نفسه، فوصفٌ بمنزلة هو، وإياه بدل، وإِنَّمَا ذكرتهما توكيدًا») (١). وقوله: «قولك: رأيتُ قومَك أكثرَهم، ورأيتُ بنى زيد ثُلُثَيْهم، ورأيتُ بنى عمّك ناسًا منهم، ورأيتُ عبدَ الله شخصهَ، وصَرفْتُ وجوهها أولها. فهذا يجيء على وجهينِ: على أَنَّهُ أراد: رأيتُ أكثرَ قومك، ورأيت ثُلُثَى قومك، وصرفتُ وجوهَ أوّلِها، ولَكِنَّه ثَنَّى الاسمَ توكيدًا») (٢). ٢. التبيين والتوضيح والتفسير: قد يأتي البدل للتوضيح والتبيين والتفسير، يقول: «ومثلُ ما أتاني إلا زيدٌ إلا أبو عبد الله، إذا أردت أَنْ تبيّن وتُوضحَ قوله: ما لك من شيخِك إلاّ عملُه إلاّ رسيمُه وإلاّ رَمَلُهْ [بحر المنسرح]») (٣). ويقول الأستاذ هارون معلقا على البيت السابق: «والشاهد فيه أَنَّ: رسيمه ورمله بدل تفصيل من عمله وتبيين له») (٤). ويقول سيبويه نقلا عن الخليل عند قول الشاعر: مَتى تَأتِنا تُلمِم بِنا في دِيارِنا ... تَجِد حَطبًا جَزلًا وَنارًا تَأَجَّجا [بحر الطويل] «تلمم بدل من الفعل الأول ... ؛ فأراد أَنْ يفسر الإتيان بالإلمام») (٥). ٣. الاستدراك والإضراب: يقول في أحد النصوص: «قولك: مررتُ برجلٍ حِمارٍ. فهو على وجهٍ محالٌ، وعلى وجهٍ حَسَنٌ. فأَمَّا المحُالُ فأَن تَعنَى أنَّ الرجلَ حِمارٌ. وأَما الذى يَحسُن فهو أَنْ تقول: مررتُ برجلٍ، ثُمَّ

стр. 228

تُبْدِلَ الحِمارَ مَكَانَ الرجل فتقولَ: حِمارٍ، إمَّا أَنْ تكونَ غلِطتَ أو نَسِيتَ فاستَدركتَ، وإمّا أَنْ يَبْدُوَ لك أَن تُضربَ عن مرورك بالرجل وتَجعلَ مكانه مرورَك بالحمار بعد ما كنتَ أردتَ غيْرَ ذلك») (١). أي أَنَّ من الوظائف التي يؤديها البدل أيضا الاستدراك والإضراب. وهذا البدل الذي يفيد الاستدراك والإضراب لا يأتي في قرآن ولا شعر ولا كلام مستقيم، قال المبرد: «فهذا البدل لا يكون مثله في قرآن ولا شعر ولكن إذا وقع مثله في الكلام غلطا أو نسيانا فهكذا إعرابه») (٢). وقال السيوطي: «قال المبرد على سعة حفظه: بدل الغلط لا يكون مثله في كلام الله، ولا في شعر، ولا في كلام مستقيم. وقال خطاب: لا يوجد في كلام العرب، لا نثرها ولا نظمها، وقد عنيت بطلب ذلك في الكلام والشعر فلم أجده») (٣). ٤. الترحم: يقول في أحد المواضع: «وزعم الخليل أَنَّهُ يقول: مررت به المسكين، على البدل، وفيه معنى الترحم») (٤). تلك هي الوظائف الدِّلالِيَّة التي يؤديها البدل، وهي وظائف في أساسها مرتبطة بالسِّياق وبدافع منه؛ فالمُتَكَلِّم الذي يأتي بالبدل يريد أَنْ يؤكِّد أو يبين أو يفسِّر أو يستدرك أو يترحم. والسؤال: يريد المُتَكَلِّم أَنْ يؤكد لمن؟ ويبين لمن؟ ويفسر لمن؟ ويستدرك لمن؟ ويترحم على مَن؟ وما الداعي الذي يجعل المُتَكَلِّم يؤكِّد أو يبيِّن أو يفسِّر أو يستدرك أو يترحم؟ إن المُتَكَلِّم يريد أَنْ يبين ويؤكد ويفسر ويستدرك للمخاطب؛ لأنَّهُ في سياق يستدعي ذلك، يستدعي التأكيد والتوضيح والتفسير والاستدراك والترحم. وقد سبق أَنْ أوضحنا علاقة السِّياق بالتوكيد خاصة في موضع سابق. وإذا أتينا لذكر بعض الجوانب التي يؤثِّر فيها سياق الحال على البدل نقول:

стр. 229

• إنه مما يُؤَثِّر في البدل الحال الذهنية للمتكلم ــ وهو من أبرز عناصر سياق الحال كما أوضحنا قبل. فهو أي البدل يتَأَثَّر بمدى انتباه المُتَكَلِّم ومدى تركيزه الذهني. يوضح سيبويه ذلك بما أسماه «بدل الغلط والنسيان»، يقول في بعض النصوص: «لو قلت: ما أتاني إلا زيدٌ إلا أبو عبد الله كان جَيِّدا، إذا كان أبو عبد الله زيدا ولم يكن غيره؛ لأَنَّ هذا يكرَّر توكيدًا، كقولك: رأيت زيدا زيدا. وقد يجوز أَنْ يكون غيرَ زيد على الغلط والنسيان، كما يجوز أَنْ تقول: رأيتُ زيدًا عمرًا، لأنَّهُ إِنَّمَا أراد عمرا فنسى فتدارك») (١). وفي نصّ آخر أوضح من سابقه يقول: «ولا يجوز أَنْ تقول: رأيتُ زيدا أباه، والأبُ غيرُ زيد، لأَنَّكَ لا تبينَّه بغيره ولا بشيء ليس منه ... . وإنّما يجوز رأيتُ زيدًا أباه، ورأيت زيدًا عمرًا، أَنْ يكون أراد أَنْ يقول: رأيتُ عمرا أو رأيتُ أبا زيد، فَغَلِطَ أو نَسِىَ، ثُمَّ استَدرك كلامَه بعدُ؛ وإمّا أَنْ يكون أَضْرَبَ عن ذلك فنَحَّاه وجعل عمرًا مكانَه») (٢). ويخصص السيرافي «بدل الغلط» بنمط مُعَيَّن من الكلام له خصوصية سِيَاقِيَّة، فيقول: «وبدل الغلط لا يجوز أَنْ يقع في شعر ولا قرآن ولا كلام معمول محكم؛ إِنَّمَا يجئ في الكلام الذي يبتدؤه الإنسان على جهة سبق اللسان إلى الشيء الذي يريده فيلغيه، حتى كَأَنَّه لم يذكره بلفظ مما يريده») (٣). وهي الحقيقة التي أكدها غيره من النحاة كما ذكرنا قريبا. أي أَنَّ النصوص «المعمولة المحكمة» مثل: القرآن والحديث والشعر لا يجوز فيها هذا النوع من البدل، فلا يصح أَنْ يقع في القرآن؛ لأنَّهُ كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا الحديث لعصمة قائله ــ ﷺ ــ، ولا الشعر لوجود الوزن المنبِّه للشاعر على عدم الاستقامة. ونص السيرافي هنا يقود إلى أَنَّنا يمكن أَنْ نقسم كلامنا إلى قسمين: قسم معمول محكم، وقسم غير معمول ولا محكم. وقطعا فَإِنَّ القسم المعمول المحكم هو الذي ينال رعاية قائله، ولا مجال فيه للأخطاء، ويوافق السِّياق الذي يقال فيه. • ويؤثِّر سياق الحال في البدل بشكل آخر هو أَنَّ البدل يَرِدُ أحيانا ليكون إجابة أو ردًا من المُتَكَلِّم على سؤال متوقع من المخاطب:

стр. 230

يقول: «أَمَّا بدل المعرفة من النكرة فقولك: مررتُ برجلٍ عبدِ الله. كَأَنَّه قيل له: بمَن مررت؟ أو ظنّ أَنَّهُ يقال له ذاك، فأبدل مكانه ما هو أعرفُ منه») (١). إن حساسية المُتَكَلِّم للموقف وتوقعه وظنه أن المخاطب قد يسأل عن المبدل منه، ومدى استيعاب المخاطب لما يقوله المُتَكَلِّم جعلت المُتَكَلِّم يتَّجه إلى إيضاح ما يريده عن طريق البدل. ونلاحظ هنا في هذا البدل الذي ننتقل فيه من النكرة إلى المعرفة أنَّه لا بد أَنْ يكون معروفا مسبقا لدي المخاطب ومعهودا لديه قبل؛ وإلا لما كان لهذا الانتقال فائدة، ونكون قد شبهنا الماء بعد الجهد بالماء. • والزمن ــ وهو عنصر من عناصر سياق الحال ــ قد يؤثِّر في بعض الأحيان على البدل: هل يمكن أَنْ يرتبط البدل بالزمن؟ أو بصيغة أدق: هل يرتبط معنى «البدلية» بالزمن؟ بمعنى: هل يمكن أَنْ تكونَ الكلمة بدلا في جملة لها زمن مُعَيَّن، فإذا تغير الزمن امتنع أَنْ تكونَ بدلا أو امتنعت البدلية؟ في أحد نصوص سيبويه يفهم منه ذلك، أي يُفهم منه أَنَّ «البدلية» تتَأَثَّر بالزمن. يقول في هذا النَّصّ: «قولك: دخلوا الأول فالأول، وجرى على قولك واحدًا فواحدًا، ودخلوا رجُلا رَجُلا. وإن شئت رفعتَ فقلت: دخَلوا الأوّلُ فالأوّلُ، جعله بدلا وحمله على الفعل، كَأَنَّه قال: دخل الأوّلُ فالأوّلُ، وإن شئت قلت: دخلوا رجلٌ فرجلٌ، تجعله بدلا كما قال : ﴿بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ فإِن قلتَ: ادْخُلوا، فأمرتَ؛ فالنَّصبُ الوجهُ، ولا يكون بدلاً؛ لأَنَّكَ لو قلت: ادْخُلِ الأوّلُ فالأوّلُ أو رجلٌ رجلٌ، لم يجز، ولا يكون صفةً، لأنَّهُ ليس معنى الأوّلِ فالأوّلِ أَنّك تريد أَنْ تعرفه بشيء تحلِّيه به») (٢). ما يفهم من نصّ سيبويه أَنَّ: • «دَخَلُوا الأولَ فالأولَ» يجوز الرفع على البدل، ويجوز النصب على الحال. • وأنْ «اُدْخُلُوا الأول فالأول»، فالوجه النصب على الحال، ولا يجوز البدل) (٣).

стр. 231

والفرق بين الجملتين في الزمن، الأولى في زمن الماضي والثانية في المستقبل؛ إذن الزمن) الماضي (هو الذي أتاح البدلية في الجملة الأولى وزمن المستقبل هو الذي منعه من الجملة الثانية نص سيبويه الذي أمامنا ينطق بذلك بلسان الحال لا بلسان المقال. وهذا بالطبع يُثير سؤالا: لماذا سمح زمن الماضي بالبدلية في الجملة الأولى ومنعه في الجملة الثانية عند سيبويه؟ يمكن أَنْ نعلل لهذا بقولنا: » الجملة الأولى ذات الزمن الماضي تمَّ فيه الدخول وانتهى، ووقعت هيئة الترتيب، وثبتت في ذهن المُتَكَلِّم، وعرف من هو الشخص الأوَّل ومن الذي يليه، أي أَنَّ صفة «الأولويَّة» نِيطت بشخص مُعَيَّن مُحَدَّد قد عُرف. فنحنُ في حال النصب على الحال نخبر عن هيئة قد وقعت وتمَّت، وفي حال الرفع على البدلية نؤكِّد ونبيِّن ونوضح أَنَّ الجماعة التي دخلت قد دخلت بالفعل دخولا مرتبا. » أما الجملة الثانية فلا تجوز فيها البدلية؛ لأَنَّ صفة «الأولويَّة» غير منوطة بأحد؛ فلا يُعرَف من هو الأوَّل الذي يمكن أَنْ يحلَّ محل واو الجماعة في قوله «ادخلوا»، فإذا عرف الأول من الآخر جاز الرفع على البدل، قال: «وقال الخليل: ادخلوا الأوَّل فالأول والوسط والآخِرُ. لا يكون فيه غيرُه وقال: يكونُ على جواز كلُّكم، حملَه على البدل») (١). هذا ما استطعتُ رصده عن علاقة السِّياق بالبدل، ونخلص من النصوص السابقة أَنَّ البدل يتَأَثَّر بالسِّياق من خلال: » الحالة الذهنية للمتكلم. » توقع المُتَكَلِّم لما يريده المخاطب أو السامع. » الزمن الذي يقال فيه البدل. وقبل الانتقال إلى التابع التالي يجب الإجابة عن هذا السؤال: ما الفرق بين التوكيد الذي يفيده البدل والتوكيد الذي يفيده التوكيد اللفظي والمعنوي؟ يختلف توكيد البدل عن توكيد التوكيد اللفظي والمعنوي في أَنَّ توكيد البدل يتَّجه إلى التابع نفسه) البدل (، أَمَّا توكيد التوكيد اللفظي والمعنوي فيتَّجه إلى المتبوع) المؤكد (. ونختم أيضا بهذه الملحوظة القيَّمة لبعض العلماء يقول فيها: «إِنَّ الفائدة من ذكر المبدل منه في الكلام هو التمهيد والتهيئة لذكر الثانية) البدل (، فكَأَنَّك ذكرت الجملة مرتين، مَرَّة مجملة ومَرَّة

стр. 232

أخرى واضحة محددة، فيكون المقصود النهائي من الجملة أرسخ في الذهن وهذا هو السرُّ في قولهم: البدل في حكم تكرير العامل») (١). وبناء على هذا الكلام فَإِنَّ البدل يأتي لتأكيد شيء معروف ومعهود عند المُتَكَلِّم والمخاطب. وهنا سؤال: هل يجوز استخدام البدل لشيء غير معروف عند المُتَكَلِّم أو المخاطب؟ والإجابة أَنَّهُ لا يجوز هذا؛ لأَنَّ هذا يتنافى مع طبيعة البدل؛ فإذا قلت: «بى المسكينَ كان الأمر، أو بك المسكينَ مررت، فلا يحسن فيه البدل؛ لأَنَّكَ إذا عنيت المخاطَب أو نفسَك فلا يجوز أَنْ يكون لا يدرى من تعنى، لأَنَّكَ لست تحدث عن غائب») (٢). ــ ثانيا التوكيد: باب التوكيد من الأبواب المرتبطة بسياق الحال أشدَّ الارتباط، فهو سبب وجود هذا الباب في الكلام أصلا. فالمُتَكَلِّم ــ محكوما بالسِّياق ومدفوعا به ــ يلجأ إلى التوكيد لتأكيد «المعنى» الذي يرغب بشِدَّة في إيصاله إلى «المخاطب»، فالتوكيد وجودًا وعدمًا سببه المُتَكَلِّم والمخاطب والسِّياق المحيط بهما. وهذا ما يقوله المنطق والعقل، وما تقوله دراسات علمائنا السابقين القدامى عن التوكيد التي سبق وأشرنا إليها) (٣). ويشير سيبويه إلى وظيفة ألفاظ التوكيد قائلا عنها أنَّها: «توصَف بها الأسماء ولا تُبنى على شيء. وذاك أَنَّ موضعها من الكلام أَنْ يُعمّ ببعضها، ويؤكد ببعضها بعد ما يُذكر الاسم)) (٤). وجملة سيبويه عن ألفاظ التوكيد «لا تبنى على شيء» تعني أنَّها لا تأتي في المراحل الأولى للكلام ولا يُبدَأُ بها الجملة، فهي تأتي بعد «البناء»: بناء الخبر على المبتدأ، أو بناء الفاعل على الفعل. وهذا يعنى أيضا أَنَّ ما يأتي إليه التوكيد ليزيله أو يؤكد عليه لا يكون مع بداية الكلام بالتبعية فالشك والتوَهُّم والتثبت لا يظهر إلا في مراحل متأخرة من الكلام. وعلى هذا نقول أيضا: إِنَّ ممَّا يتصدر الكلام في الغالب الجملة الاسمِيَّة وبعدها الفعلِيَّة. وممَّا أثبته سيبويه أيضا أَنَّ وظيفة ألفاظ التوكيد أنها «يُعَمُّ ببعضها»؛ أي أَنَّ بعضها يفيد العموم، ووظيفة بعضها «التوكيد» بعد الاسم؛ أي أَنَّ بعضها: يأتي لإزالة الشك من نفس المخاطب

стр. 233

أو تقرير المؤكد في نفس السامع أو المخاطب، أو دفع المُتَكَلِّم توهم غفلة في كلامه. ولا شك أَنَّهُ يقصد هنا ألفاظ التوكيد المعنوي. ولسيبويه نصوص يشير فيها إلى تأثير سياق الحال في التوكيد اللفظي، ويوضح كيف يؤثِّر سياق الحال على هذا التوكيد. ففي سياق قد يُقبل تكرار اللفظ على أَنَّهُ توكيد لفظي، وفي سياق آخر يكون هذا التكرار جملة. يقول في نصّ له: «وتقول: أنت أنت، تكررها، كما تقول للرجل: أنتَ وتسكت، على حد قولك: قال الناس زيد. وعلى هذا الحد تقول: قد جُرّبْتَ فكنتَ كنت، إذا كررتها توكيدًا») (١). أي أَنَّ قول القائل: «كنت كنت» قد يكون كررها توكيدًا بحسب السِّياق. ويقول في نصّ ثانٍ: «وتقول: قد جرّبتُك فوجدتُك أنت أنت، فأنتَ الأولى مبتدأة والثانية مبنية عليها، كَأَنَّك قلت فوجدتُك وجهُك طليق. والمعنى أَنَّكَ أردت أَنْ تقول: فوجدتك أنت الذي أعرف. ومثل ذلك: أنت أنت، وإن فعلتَ هذا فأنت أنت، أي فأنت الذي أعرف، أو أنت الجواد والجَلْد، كما تقول: الناس الناس، أي الناس بكل مكان وعلى كل حال كما تعرف») (٢). فعندما نقول: «أنت أنت» فهذان الضميران قد يكونان جملة اسمية كما أشار النَّصّ السابق، وقد يكونان في سياق آخر مجرد توكيد لفظي. وفي بعض الأحيان لا يصح أَنْ يقع ضمير الغائب بعد الفعل إلا إذا كان هذا في إطار سياق التأكيد الذي يأتي به المُتَكَلِّم. يقول: « ... [و] لو قلت فعل هو لم يجز إلا أَنْ يكون صفة. ولا يجوز أَنْ يكون هُما في موضع الألف التي في ضربا، والألف التي في يضربان، لو قلت ضرب هُما أو يضربُ هُما لم يجز. ولا يقع هُم في موضع الواو التي في ضربوا، ولا الواو التي مع النون في يضربون. لو قلت ضرب هُم أو يضربُ هُم لم يجز. وكذلك هي، لا تقع موضع الإضمار الذي في فعلتْ، لأَنَّ ذلك الإضمار بمنزلة الإضمار الذي له علامة. ولا يقع هُنّ في موضع النون التي في فعلْنَ ويفعلنَ، لو قلت فعل هُنّ لم يجز إلا أَنْ يكون صفة») (٣). وكلمة «صفة» التي وردت في النَّصّ السابق فسَّرها الأستاذ هارون قائلا: «هو ما يسمى بالتوكيد») (٤). إذن فضمير الغائب لا يصلح هنا إلا إذا كان الكلام على سبيل التوكيد؛ وهذا يعني

стр. 234

أَنَّ التركيب النَّحْوِيّ: «فعل + فاعل ضمير مستتر هو + ضمير ظاهر هو» لا يصح نحويا إلا على سبيل التوكيد المرتبط بالسياق. وكما تتجه إرادة المُتَكَلِّم عند قصدها إزالة الشك من نفس المخاطب، أو تقرير المؤكَّد في نفس السامع أو المخاطب، أو دفع توهم غفلة ــ إلى ألفاظ التوكيد المعنوي، أو التوكيد اللفظي، فَإِنَّ هذه الإرادة قد تتجه إلى استخدام بعض المصادر الفردية لنفس هذا القصد. ففي باب «ما ينتصب من المصادر توكيدًا لما قبله») (١) ذكر سيبويه مجموعة من المصادر تأتي في الكلام على سبيل التوكيد، وهي: - «حقًا»، في مثل: هذا عبد الله حقا. - «الحق لا الباطل»، في مثل: هذا زيد الحق لا الباطل. - «غير ما تقول»، في مثل: وهذا زيد غير ما تقول. - «أجدك لا تفعل كذا وكذا؟ »، كَأَنَّه قال: «أحقا لا تفعل كذا وكذا؟ » - «ألبتة»، في قولك: قد قعد ألبتة. فهذه الألفاظ تتبَّعها سيبويه في السِّياقات المختلفة كما نعلم ذلك من منهجه، ووجد أنَّها ترتبط بالتوكيد في الاستعمال اللغويّ، فلا تذكر إلا للتوكيد، أي لا تذكر إلا لإزالة شك من نفس المخاطب أو تقرير المؤكَّد في نفس السامع أو المخاطب، أو دفع توهم غفلة. وقال النحاةُ من بعد سيبويه عن هذه الألفاظ مبيِّنين وموضحين بصورة أشد علاقتها بالسياق: - قال ابن يعيش: «اعلم أنَّ ((حقًّا)) و ((الحَقَّ)) ونحوهما مصادرُ، والناصبُ لها فعلٌ مقدَّرٌ قبلها دلّ عليه معنى الجملة، فتؤكِّد الجملةَ، وذلك الفعل أحقُّ، وما جرى مجراه، وذلك أنَّك إذا قلت: ((هذا عبد الله)) جاز أن يكون إخبارُك عن يقين منك وتحقيق، وجاز أن يكون على شكٍّ، فأكدتَه بقولك: ((حقًّا))، كأنَّك قلت: ((أَحُقُّ ذلك حقًّا))») (٢). - قال الشيخ خالد الأزهري: «المسألة ((الرابعة: أن يكون المصدر مؤكدًا لنفسه))، ((أو)) مؤكدا ((لغيره، فالأول))، وهو المؤكِّد لنفسه، هو ((الواقع بعد جملة هي نص في معناه ... )) ((والثاني))، وهو المؤكد لغيره؛ هو ((الواقع بعد جملة تحتمل معناه وغيره))، ويقع منكرًا ومعرفًا، فالأول نحو: ((زيد ابني حقًّا))، فجملة ((زيدٌ ابني)) تحتمل الحقيقة والمجاز، ولكنَّها صارت نصًّا بالمصدر؛ لأنَّ قولك: ((حقًّا)) يرفع المجاز ويثبت الحقيقة، وسمّي مؤكِّدًا لغيره؛ لأنَّه يجعل ما قبله نصًّا بعد أن كان محتملًا، فهو مؤثِّر، والمؤكد به متأثّر، والمؤثر غير المتأثر. ((و)) الثاني

стр. 235

قسمان: ما هو جائز التعريف، وما هو واجبه، فالأول نحو: ((هذا زيد الحق لا الباطل)) فجملة ((هذا زيدٌ)) تحتمل الصدق والكذب، فإذا قلت: ((الحق))، فقد حققت أحد الاحتمالين، فرفعت الاحتمال الآخر، وكأنَّك قلت: أحقُّ ذلك الحق أو حقًّا، فإن كان المخاطب يعتقد خلاف ما ذكرت، وأردت قصر القلب قلت: ((لا الباطل)) بالنصب عطفًا على ((الحق)). ((و)) الثاني: ((لا أفعل كذا البتة))، فجملة ((لا أفعل كذا)) تحتمل استمرار النفي وانقطاعه، فإذا قلت: ((البتة)) حققت استمرار النفي، ورفعت انقطاعه») (١). - ويقول السيرافي إذا قال القائل: «هذا عبد الله حقا؛ [فَإِنَّ] قوله: «هذا عبد الله» من قبل أَنْ تذكر حقا يجوز أَنْ يظن أَنَّ ما قاله حق، وأنْ يظن أَنَّ ما قاله باطل، فتأتي بـ «حقا»؛ لتجعل الجملة مقصورة على أحد الوجهين المحتملين عند السامعين») (٢). وفي هذا الكلام دليل على أَنَّ إرادة المُتَكَلِّم هي المتحكمة في التوكيد واستعماله. ــ ثالثا النعت: يعرف النُّحَاة النعت بأنَّه: «التابع الذي يُكَمِّلُ متبوعه، بدلالته على معنى فيه، أو فيما يتعلق به») (٣). ويعلق الشيخ العلامة محمد محيي الدين عبد الحميد ــ ﵀ ــ على جزء من التعريف السابق وهو «يُكَمِّلُ متبوعه» قائلا: «اعلم أَنَّ النُّحَاة يفسِّرون قولهم في تعريف النعت «المتمِّم لمتبوعه» بأحد تفسيرين: الأول: أَنَّ معناه «المفيد لما يطلبه المتبوع بحسب المقام»، وممن اختار هذا التفسير الأشموني، وهو تفسير شامل لكل المعاني التي يرد لها النعت من: التوضيح والتخصيص والمدح والذم والترحم والإبهام والتوكيد والتفصيل، فلا يرد عليه الاعتراض بأنَّه غير جامع ... ، والتفسير الثاني حاصله أَنَّ معنى «المتمِّم لمتبوعه» الموضح له في المعارف والمخصص له في النكرات، وهو تفسير قاصر») (٤).

стр. 236

في هذا الكلام ينقل الشيخ محيي الدين ــ طيب الله ثراه ــ تفسيرين للنحاة، يفسرون به الجملة «يُكَمِّلُ متبوعه» التي وردت في التعريف أحد التفسيرين أَنَّ الجملة تعني «المفيد لما يطلبه المتبوع بحسب المقام»، وهذا التفسير شامل لكل المعاني التي يرد لها النعت من: التوضيح والتخصيص والمدح والذم والترحم والإبهام والتوكيد والتفصيل. وأنَّ الأشموني اختار هذا التفسير، وهو التفسير الأصح لعدم ورود ما يعترض به عليه كما قال الشيخ محيي الدين، خلافا للتفسير الثاني. وهذا التفسير يربط في وضوح بين النعت وسياق الحال الذي يوجد فيها المُتَكَلِّم، فهو لا يلجأ إلى النعت إلا إذا أحسَّ من سياق الحال أَنَّهُ يريد أَنْ يؤكد أو يوضح أو يمدح أو يذم أو يترحم أو ... فإذا طلب المقامُ إيضاحا للمتبوع أُتي بالنعت للإيضاح، وإذا طلب المقام مدحا أو ذما للمتبوع أُتي بالنعت للمدح أو الذم؛ أي أَنَّ المقام أو سياق الحال هو الذي يتحكَّم في النعت ووظيفته الدِّلالِيَّة في نهاية المطاف. ويوضح سيبويه أَنَّ النعت يأتي في مرحلة تالية من الكلام، وأنه لا يبدأ به. يقول: «إِنَّمَا تبتدئ بالاسم ثُمَّ تصفه») (١). وهذا يعني أَنَّ المُتَكَلِّم لديه فرصة في تحديده وإيقاعه ملائما للموقف الذي يقال فيه. ويوضح سيبويه في نصوص عدة وظيفة النعت والمعاني التي ترتبط بالسِّياق، منها: أالتخصيص: من وظائف النعت التي أشار إليها سيبويه التخصيص، يتضح هذا من خلال قوله: «فأمَّا النَّعت الذى جرى على المنعوت فقولك: مررتُ برجُلٍ ظَريفٍ قَبْلُ، فصار النعتُ مّجرورًا مثلَ المنعوت لأنّهما كالاسم الواحدِ. وإِنَّمَا صارا كالاسم الواحد من قِبَلِ أنَّك لم تُرِدِ الواحدَ من الرجال الَّذين كل واحدٍ منهم رجُلٌ، ولكنَّك أردت الواحدَ من الرجال الَّذين كلُّ واحد منهم رجُلٌ ظريفٌ، فهو نكرةٌ، وإنَّما كان نكرةً لأنَّهُ من أُمّةٍ كلُّها له مثلُ اسمه. وذلك أَنَّ الرجالَ كلُّ واحدٍ منهم رجلٌ، والرَّجالُ الظرفاءُ كلُّ واحد منهم رجلٌ ظريفٌ، فاسمُه يَخِلطه بأُمّته حتَّى لا يُعْرَفَ منها. فإِنْ أَطلتَ النعتَ فقلتَ: مررتُ برجل عاقِلٍ كَريمٍ مُسْلمٍ، فأَجْرِه على أوّله») (٢). أي أَنَّ المُتَكَلِّم حينما أراد أَنْ يخصص ويحدد من يتحدَّث عنه استخدم النعت في هذا التحديد والتخصيص) (٣)، قال ابن يعيش: «وإنما قلنا: إنَّهما كالشيء الواحد من قبل أنَّ النعت يخرج

стр. 237

المنعوت من نوع إلى نوع أخص منه، فالنعت والمنعوت بمنزلة نوع أخص من نوع المنعوت وحده، ... وإذا قلت: مررت برجل ظريف، فهو من الرجال الظرفاء الذين كل واحد منهم رجل ظريف، فالرجال الظرفاء جملة لرجل ظريف، كما أنَّ الرجال جملة لرجل، فرجل ظريف جزء للرجال الظرفاء وهو أخص من رجل، ألا ترى أن كل رجل ظريف رجل، وليس كل رجل رجلا ظريفا») (١). ب التوضيح: يقول موضحًا هذه الوظيفة: «ومن النعت أيضًا: مررتُ برجلٍ لا قائمٍ ولا قاعدٍ، جُرّ لأنَّهُ نعتٌ كأَنَّك قلت: مررتُ برجلٍ قائمٍ، وكأَنّك تحدِّثُ مَن فى قلبه أَنَّ ذاك الرجلَ قائمٌ أو قاعدٌ، فقلتَ: لا قائم ولا قاعد، لتُخْرِجَ ذلك من قلبه») (٢). إن المُتَكَلِّم يتَأَثَّر بحالة المخاطب وما يدور في نفسه، فعندما شعر أَنَّ المخاطب يعتقد أَنَّ المُتحدَّث عنه قائم أو قاعد، وهو ليس بذلك؛ أتى بالنعت لكي يُزيل ما في قلب المخاطب؛ أي أَنَّ النعت في هذا النَّصّ أتى لسبب سياقي وهو التوضيح والتبيين وإزالة ما في قلب المخاطب. ويقول في موضع ثان: «إِنَّمَا تكون المعرفة مبنيا عليها أو مبنية على اسم أو غير اسم، وتكون صفة لمعروف لتبينه وتؤكده أَنْ تقطعه من غيره») (٣). ت رفع الالتباس إِنْ خيف منه: من المعاني التي يؤديها النعت أيضا رفع الالتباس) (٤)، والحذر من اللَّبس والغموض في الكلام من الأمور التي نبَّه عليها سيبويه مرارا وتكرارا. يقول في عدة نصوص: ١ ــ «وقد تقول: كان زيدٌ الطويلٌ منطلقًا، إذا خفت التباسَ الزيدَيْنِ») (٥).

стр. 238

٢ ــ «وإِنَّمَا يُحتاج الى الصفة إذا خاف الالتباس من الأسماء الغالبة») (١). ٣ ــ «وليس ذا بمنزلة قولك يا زيدُ الطويل، من قبل أَنَّكَ قلت يا زيدُ وأنت تريد أَنْ تقف عليه، ثُمَّ خِفْتَ أنْ لا يُعرف فنعته بالطويل») (٢). ث المدح والمبالغة فيه ورفعة شأن المنعوت: إذا أراد المُتَكَلِّم المبالغة في مدح شخص أو شيء وجد النعت طوع أمره في هذا، يقول: «ومن الصفة: أنت الرجل كلُّ الرجل، ومررت بالرجل كلِّ الرجل. فإنْ قلت: هذا عبد الله كلُّ الرجل، أو هذا أخوك كلُّ الرجل، فليس في الحُسن كالألف واللام؛ لأَنَّكَ إِنَّمَا أردت بهذا الكلام هذا الرجل المبالغ في الكمال، ولم ترد أَنْ تجعل كل الرجل شيئا تعرف به ما قبله وتبيِّنُه للمخاطب، كقولك: هذا زيدٌ. فإذا خفت أَنْ يكون لم يُعرَف قلت: الطويل، ولكنك بنيت هذا الكلام على شيء قد أثبت معرفته، ثُمَّ أخبرت أَنَّهُ مستكمِلٌ للخِصال») (٣). وواضح من كلامه أَنَّ إثبات المبالغة من خلال النعت تأتي بعد أَنْ يكون المنعوت واضحا معروفا للمخاطب من خلال كلام سابق ومقام فائت؛ أي أَنَّهُ لا مبالغة بالنعت إلا من خلال معرفة مسبقة، يعرف فيها المُتَكَلِّم أَنَّ المنعوت مستكمل للخصال، ولا بد أَنْ يكون هذا مخالطةً وإثباتًا بالمعاينة. ويقول في نصّ آخر: «وتقول: مررتُ برجلٍ الأسدِ شدة، كَأَنَّك قلت: مررتُ برجلٍ كامل، لأَنَّكَ أردت أَنْ ترفع شأنَه») (٤). ويقول: «مررت برجلٍ أسد أبوه، إذا كنت تريد أَنْ تجعله شديدا») (٥). ونلاحظ في هذين المثالين أَنَّ سيبويه ينعت بما يمكن أَنْ نسميه بـ «اسم الجنس»، وهذا النوع من الأسماء يجوز أَنْ ينعت به «إذا خرجا على دلالتهما الأصلية، وأريد بهما معنى اشتهرا به؛ كدلالة حاتم على: الكرم، والرجل على: الكامل، والنمر على: الغادر ... . فعلى هذا القصد مع ما يؤَيِّده من قرينة يصح تأويلهما بالمشتق. ووقوعهما نعتين») (٦). فإذا دَلَّ اسم الجنس على معنى اشتهر به مع وجود القرينة التي يجب أَنْ يكون منها سياق الحال جاز النعت به.

стр. 239

ج التوكيد: ومن الوظائف الدِّلالِيَّة التي يُقَدِّمها النعت أيضا التوكيد، يقول: «ومثل ذلك الجماء الغفير، فالغفير وصفٌ لازم، وهو توكيد لأَنَّ الجماء الغفير مَثَل») (١). تلك هي الوظائف التي يؤديها النعت عند سيبويه من خلال النصوص التي استطعنا أَنْ نستخلص منها هذه الوظائف. - حذف النعت: مما أقره النحاة أنَّ الصفة قد تحذف «وتدلُّ عليها حال المتكلم، وللنغْمَة الصوتيَّة أثر في إيضاحها») (٢). وفي أحد أبواب الكتاب «باب ما يكونُ في المصدر حِينًا لسعة الكلام والاختصار» يُورد سيبويه النص التالي: «وكذلك: سير عليه ليلاً ونهارا، إذا أردت ليلَ ليلِتك ونهارَ نهارِك، لأنَّه إنَّما يُجْرَى على قولك: سير عليه بَصَرًا، وسير عليه ظَلاما، إلاّ أن تريدَ معنى سير عليه ليلٌ طويلٌ ونهارٌ طويلٌ، فهو على ذلك الحدّ غيرُ متمكِّن، وفى هذا الحال متمكِّنٌ») (٣). ما يُفهَم من النص أنَّ سيبويه يوضح معنى الجملة «سِير عليه ليلا ونهارا»، ويقدم التوجيهات الإعرابية المختلفة لكلمة «ليل». ويُفهم من النص أن كلمة «ليل» في الجملة «سِير عليه ليلا ونهارا» يجوز فيها النصب كما يجوز فيها الرفع. وفي حالة الرفع تكون كلمة الليل «منعوتا» والنعت «محذوف» تقديره مثلا «طويل»، وكأنَّ الجملة: «سِير عليه ليلٌ طويلٌ». والذي يُبَرِّر حذف النعت هنا «إرادة المتكلم المدفوعة بسياق الحال». هذا الفهم لنص سيبويه السابق وهذا التبرير لحذف النعت فيه أخذناه من شيخ العربية ابن جني، إذ يذكر في أحد مواضع الخصائص نصًّا رائعا يورد فيه نص سيبويه السابق فيقول: «وقد حُذِفَت الصفة ودلَّت الحال عليها. وذلك فيما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: «سِير عليه ليل»، وهم يريدون: ليل طويل. وكأنَّ هذا إنَّما حذفت فيه الصفة لما دلَّ من الحال على موضعها. وذلك أنك تحسّ في كلام القائل لذلك من التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله: طويل أو نحو ذلك. وأنت تحسّ هذا من نفسك إذا تأمَّلته. وذلك أنْ تكون في مدح إنسان والثناء عليه، فتقول: كان والله رجلًا؛ فتزيد في

стр. 240

قوّة اللفظ بـ «الله» هذه الكلمة، وتتمكَّن في تمطيط اللام وإطالة الصوت بها وعليها؛ أي رجلًا فاضلًا أو شجاعًا أو كريمًا أو نحو ذلك. وكذلك تقول: سألناه فوجدناه إنسانًا، وتمكّن الصوت بإنسان وتفخَّمه؛ فتستغني بذلك عن وصفه بقولك: إنسانًا سمحًا أو جوادًا أو نحو ذلك. وكذلك إن ذممته ووصفته بالضيق قلت: سألناه وكان إنسانًا! وتَزْوي وجهك وتقطِّبه؛ فيغني ذلك عن قولك: إنسانًا لئيمًا أو لَحِزًا أو مبخَّلًا أو نحو ذلك») (١). في هذا النص المبين استطاع باقتدار ابن جني أن يوضِّح كيف يعين سياق الحال على تفهُّم حذف النعت، وما يستعاض به عنه من «التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم والتمطيط وإطالة الصوت». والحقُّ إنَّه لولا تنبيه ابن جني لتأثير السياق على حذف النعت في هذا الموضع ما تنبَّه الباحث له، وهذا يؤكد ما أثبتناه قبل من وجود مواضع وقواعد استخدم فيها سيبويه السياق ضمنا تحتاج إلى فضل تأمُّل للوقوف عليها. - النعت الجامد: الأصل في النعت أن يكون مشتقًا، «وقد ينعت بالجامد كثيرا كالمنسوب، نحو: «مررت برجل بصري»، والموصول، نحو: «مررت بالشخص الذي فاز»، والمقادير والأعداد، نحو: «أقبل رجالٌ مائةٌ»، و «أقبل رجالٌ سبعةٌ» ... ») (٢). ومن إشارات سيبويه لهذا النعت الجامد قوله: «ومن النعت أيضًا: مررتُ برجلٍ أَيِّما رجلٍ، فأَيُّما نعتٌ للرجل فى كماله وبَذِّه غيرَه، كأَنَّه قال: مررتُ برجلٍ كاملٍ») (٣). و«أَيّ» من الألفاظ «الجامدة» التي يُؤْتَى بها أحيانا للنعت، وهي «التي تسمَّى أيَّا الكماليَّة، ويراد بها التعجب والمبالغة في المدح، وتنعت بها النكرة») (٤). وعبارة سيبويه في نصه السابق «أَيُّما نعتٌ للرجل فى كماله وبَذِّه غيرَه، كأَنَّه قال: مررتُ برجلٍ كاملٍ» تؤكد ما ذكرناه من منهجه من تتبُّعه للتركيب المعين في السياقات المختلفة، فقد تتبع التركيب

стр. 241

« ... منعوت نكرة + أيّ + المنعوت الأول مكررا»، وربطه بدلالة سياقية معينة، وهي هنا الدلالة على «الكمال والتعجب والمبالغة في المدح». وقد تتبع بعض النُّحَاة من بعد سيبويه «أَيَّ» تاريخيًّا ودلاليًّا، وذكروا أَنَّها نقلت عن الاستفهام، وأكدوا الجانب الدلالي السياقي الذي ذهب إليه سيبويه، يقول الرَّضِيّ: «والذي يقوى عندي أن «أيَّ رجل» لا يدل بالوضع على معنى في متبوعه، بل هو منقولٌ عن «أَيٍّ» الاستفهامية، وذلك أنَّ الاستفهامية موضوعة للسؤال عن التعيين، وذلك لا يكون إلا عند جهالة المسؤول عنه، فاستعيرت لوصف الشيء بالكمال في معنى من المعاني، والتعجب من حاله، والجامع بينهما أنَّ الكامل البالغ غاية الكمال بحيث يتعجب منه يكون مجهول الحال، بحيث يُحتاج إلى السؤال عنه») (١). بقي من أمور النعت المرتبطة بسياق الحال التي أشار إليها سيبويه ما يلي: • يشير سيبويه إلى أَنَّ النعت إذا جاء للمدح لابد أَنْ يكون المنعوت الممدوح معروفا مسبقا عند المُتَكَلِّم، فلا يجوز المدح بالنعت لمن لا يعلمه المُتَكَلِّم، يقول: «[إنك] لا تُثني إلا على من أثبته وعلمتَه، ولا يجوز أَنْ تَخلِط من تعلم ومن لا تعلم فتجعلهما بمنزلة واحدة، وإِنَّمَا الصفة علَمٌ فيمن قد علمتَه») (٢). أي أَنَّ إجازة المدح بالنعت مرتبطة بمعرفة المُتَكَلِّم السابقة بهذا المنعوت الممدوح، وما يعرفه عنه من الخصال الكريمة ما جعله يمدحه ويقبل مدحه، وهذا ما أثبتناه قريبا. • الأمر الثاني: أَنَّ النعت الذي لا يفيد معنى أو فائدة لا يجوز أَنْ يكون نعتا. وذلك مثلا بأن ينعت العام بالخاص، يقول: » «ومن قال: إِنَّ هذا أخاك منطلقٌ قال: إِنَّ الذي رأيتُ أخاك ذاهبٌ. ولا يكون الأخ صفة للذي؛ لأَنَّ أخاك أخصُّ من الذي، ولا يكون له صفة من قبل أَنَّ زيدا لا يكون صفة لشيء») (٣). » «وإِنَّمَا منع أخاك أَنْ يكون صفة للطويل أَنَّ الأخ إذا أضيف كان أخصَّ، لأنَّهُ مضاف إلى الخاص وإلى إضماره، فَإِنَّما ينبغي لك أَنْ تبدأ به وإن لم تكتفِ بذلك زدتَ من المعرفة ما تزداد به معرفة. وإِنَّمَا منع هذا أَنْ يكون صفة للطويل والرجل أَنَّ المخبِر أراد أَنْ يقرب به شيئا ويشير إليه لتعرفه بقلبك وبعينك، دون سائر الأشياء. وإذا قال الطويل

стр. 242

فَإِنَّما يريد أَنْ يعرفك شيئا بقلبك ولا يريد أَنْ يعرفكه بعينك، فلذلك صار هذا يُنعت بالطويل ولا يُنعت الطويل بهذا؛ لأنَّهُ صار أخصَّ من الطويل حين أراد أَنْ يعرفه شيئا بمعرفة العين ومعرفة القلب. وإذا قال الطويل فَإِنَّما عرَّفه شيئا بقلبه دون عينه، فصار ما اجتمع فيه شيئان أخص») (١). ومن النَّصّ الأخير يستفاد أَنَّ المخاطب يلعب دورا غير مباشر في اختيار النعت، فهو المقصود به فإذا لم يستفد المخاطب فائدة من النعت فلا يجوز استخدامه، وليست هناك حاجة إليه. ــ رابعا العطف: وقف الباحث على نصوص قليلة في الكتاب تبرز علاقة السِّياق بحروف العطف، منها: ١ ــ نص يفيد أَنَّ اختيار حرف العطف المناسب في الكلام يتوقَّف على السِّياق وإرادة المُتَكَلِّم، يقول: «ومما يدلك أيضًا على أَنَّ الفاء ليست كالواو قولك: مررت بزيد وعمرو، ومررت بزيد فعمرو، تريد أَنْ تُعلِم بالفاء أَنَّ الآخرَ مُرَّ به بعد الأول») (٢). إنَّ اختيار الفاء أو الواو يتوقَّف على السِّياق وإرادة المُتَكَلِّم؛ فإذا أراد المُتَكَلِّم أنْ يُعلِم المخاطب أَنَّ المعطوف عليه يقع أولا ثُمَّ المعطوف على سبيل الترتيب استخدم الفاء؛ وإن أراد مطلق الجمع ولم يرد ترتيبا استخدم الواو. ٢ ــ وفي نصّ ثان يوضح أَنَّ السِّياق قد يُثري المعنى الدِّلَالِيّ مع حرف العطف «أو»، يقول: «ومثل ذلك أَنْ تقول: ادخل على زيد أو عمروٍ أو خالدٍ، أي: لا تدخل على أكثر من واحدٍ من هؤلاء. وإن شئت جئت به على معنى ادخل على هذا الضرب») (٣). إن جملة «ادخل على زيد أو عمروٍ أو خالدٍ» لها معنيان: الأول: أَنَّ المُتَكَلِّم يأمر المخاطب أَنْ يدخل على أحد هذه الأشخاص المُعَيَّنَة المحددة نفسها، والثاني: أَنَّهُ يأمره أَنْ يدخل على ما يشبه في الطباع والخصائص والأخلاق مثلا هؤلاء الثلاثة. وهذا ما يفهم من كلمة «الضرب» في كلام سيبويه، التي تعني: «الصنف والمثل والشكل والنوع») (٤). ولا شك أنَّ الفَيْصل بين المعنيين هو السياق. ونضيف أَنَّ المعنى الثاني لـ «أو» في النص السابق يجعلها تفيد ــ كما يقول العلماء ــ «الإباحة» ويستبعَد عنها معنى «التخيير»؛ لأن «التخيير لا

стр. 243

يبيح الجمع بين الشيئين أو الأشياء، والإباحة تبيحه، فإذا قلت: «خذ قلمًا أو دفترًا»؛ لم يجز له أخذهما جميعا، وإذا قال: «جالس العلماء أو الزهاد»، جاز له أن يجالسهم جميعا؛ إذ المقصود: جالس هذا الضرب من الناس») (١). ٣ ــ وفي نصّ ثالث نلمح منه أَنَّ ما بعد حرف العطف «الواو» قد يتَأَثَّر بسياق الحال؛ فيمنع عطفه على ما قبله. ففي قوله تعالى: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ﴾ (٢) من الممكن ــ بعيدا عن سياق الآية ومعناها ــ نصب الفعل ﴿وَنُقِرُّ﴾؛ ولكن معنى الآية وسياقها يمنع النصب ويوجب الرفع على تقدير: «ونحن نقر في الأرحام؛ لأنَّهُ ذكر الحديث للبيان ولم يذكره للإقرار») (٣). قال ابن يعيش: «وقوله تعالى: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ﴾، لم يأت «ونقر»، إلا مرفوعا على الابتداء والاستئناف، كأنَّه قال: و «نحن نقر في الأرحام»، ولو نصب، لاختل المعنى، إذ كان بعد إذ ذلك لنبين لكم القدرة على البعث؛ لأنَّه إذا كان قادرا على ابتداع هذه الأشياء بعد أن لم تكن كان أقدر على إعادتها إلى ما كانت عليه من الحياة؛ لأنَّ الإعادة أسهل من الابتداع») (٤). ٤ ــ ويلعب السِّياق دورا ملحوظا مع حرف العطف «أم»، ولكن قبل إبراز هذا الدور نقول: إِنَّ «أم» التي تأتي متصلة لإفادة التعيين تأتي في مرحلة لاحقة من بداية الكلام؛ إذ إِنَّ «أم» التي تفيد التعيين ــ كما قال صاحب النحو الوافي ــ «تكون متوسطة بين شيئين، ينسب لواحد منهما أمر يعلمه المُتَكَلِّم، ولَكِنَّه لا يعلم ــ على وجه التعيين ــ صاحبه منهما، وقبلهما معا همزة استفهام يراد منها ومن أم تعيين أحد هذين الشيئين، وتحديد المختص منهما بالأمر الذي يعرفه المُتَكَلِّم، ويسأل عن صاحبه الحقيقي؛ ليعرفه على وجه اليقين لا التردد والشك») (٥).

стр. 244

وواضح من الكلام هنا أَنَّ «أم» التي تفيد التعيين يجب أَنْ تسبق بسياق على الجملة التي تحتويها فهناك أمر يعلمه المُتَكَلِّم، وهناك شيئان يحار المُتَكَلِّم لأيِّهما ينسب هذا الأمر، وهو يأتي بـ «أم التعيينية» لتحديد ذلك. وكلام صاحب النحو الوافي يدل على أَنَّهُ يجب أَنْ يكون هناك مخاطب يتولي هذا التحديد الذي يطلبه المُتَكَلِّم منه عن طريق الاستفهام الموجود في بداية الكلام. يؤكد سيبويه هذا المعنى في أحد نصوصه قائلا: «وذلك قولك: أزيدٌ عندك أم عمروٌ، وأزيدًا لقيت أم بشرًا؟ فأنت الآن مدَّع أنَّ عنده أحدهما؛ لأَنَّكَ إذا قلت: أيهما عندك، وأيَّهما لقيت؛ فأنت مدّعٍ أَنَّ المسئول قد لقي أحدهما، أو أَنَّ عنده أحدهما، إلَّا أَنَّ علمك قد استوى فيهما لا تدري أيهما هو») (١). أي أَنَّ المُتَكَلِّم في جملة «أزيدًا لقيت أم بشرًا؟ » متأكد من حدوث «لقاء» قد تمَّ ووقع، وما يريده فقط أَنْ يحدد لمن من المُعَيَّنَين كان اللقاء. و«أم» بهذا تختلف عن حرف العطف «أو» عندما نقول: «ألقيت زيدا أو عمرا أو خالدا، وأعندك زيد أو خالدٌ أو عمروٌ، كَأَنَّك قلت: أعندك أحدٌ من هؤلاء، وذلك أنّك لم تدَّع أَنَّ أحدًا منهم ثُمَّ») (٢). فهنا المُتَكَلِّم ليس على علم بـ «لقاء أو وجود» أحد هؤلاء الثلاثة من الأصل ولا يطلب تعيين اللقاء أو الوجود لأحد هؤلاء الثلاثة، بل الجملة استفهام عن مجرد كينونة اللقاء أو الوجود. وعلى هذا فَإِنَّ سياق الكلام يتدخل في اختيار المُتَكَلِّم لحرفي العطف «أم» أو «أو»، يقول سيبويه: «وتقول: أتجلس أو تذهب أو تحدثنا، وذلك إذا أردت هل يكون شيءٌ من هذه الأفعال. فأمَّا إذا ادَّعيت أحدهما فليس إلاَّ أتجلس أم تذهب أم تأكل، كأنَّك قلت: أيَّ هذه الأفعال يكون منك») (٣). ويقول في نصّ ثان: «ولو قلت: لأضربنَّه أذهب أو مكث لم يجز، لأَنَّكَ لو أردت معنى أيهما قلت: أم مكث، ولا يجوز لأضربنَّه مكث») (٤). ومن الطريف أَنْ نذكر أَنَّ سيبويه يسمي السِّياق الذي يسبق «أم» بـ «القصة»، يقول: « ... لأنَّهُ قَصَدَ قَصْد أحد الاسمين، فبدأ بأحدهما؛ لأَنَّ حاجته أحدهما، فبدأ به مع القصة التي لا يسأل عنها؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يسأل عن أحدهما من أجلها، فَإِنَّما يفرغ مما يقصد قصده بقصته ثُمَّ

стр. 245

يعدله بالثاني») (١). ومن خلال هذا النَّصّ يمكن أَنْ نقول إِنَّ من المصطلحات التراثيَّة التي تطلق على سياق حال) سابق (القصة. ولا ينحصر تأثير السِّياق على أم في كونها تفيد التعيين أم لا، بل قد يُخرج السِّياق هذا التعيين المستفاد من «أم» إلى غرض بلاغي، مثل «تنبيه المُتَكَلِّم للمخاطب وتبصيره وإعلامه» كما لاحظ سيبويه، يقول: «ألا ترى أَنَّ الرجل يقول للرجل: آلسعادة أحب إليك أم الشقاء؟ وقد علم أَنَّ السعادة أحب إليه من الشقاء، وأنَّ المسئول سيقول: السعادة، ولَكِنَّه أراد أَنْ يبصر صاحبه وأنْ يعلمه») (٢). قال المبرد: «كقولك للرجل: السعادة أحب إليك أم الشقاء؛ لتوقفه أنَّه على خطأ وعلى ما يصيِّره إلى الشقاء») (٣). ويؤثِّر السِّياق أيضا في «أم»، فقد تأتي لتعبِّر عن حالة من الشك أو الظن يقع فيها المُتَكَلِّم يقول: «ومن ذلك أيضًا: أعندك زيدٌ أم لا، كَأَنَّه حيث قال: أعندك زيدٌ، كان يظن أَنَّهُ عنده ثُمَّ أدركه مثل ذلك الظن في أَنَّهُ ليس عنده فقال: أم لا») (٤). وتأتي «أم» وتفيد «الانقطاع»، وتسمى أم «المنقطعة»، وهي: «التي تقع ــ في الغالب ــ بين جملتين مستقلتين في معناهما، كل منهما معنى خاص يخالف معنى الآخر، ولا يتوقَّف أداء أحدهما وتمامه على الآخر؛ فليس بين المعنيين ما يجعل أحدهما جزءًا من الثاني») (٥). ويُعَبِّر سيبويه عن هذا الانقطاع من خلال تخيل سياق حال بسيط مكون من متكلم ومخاطبين، يقول: «ويدلك على أَنَّ هذا الآخر منقطعٌ من الأول قول الرجل: إنِّها لإبلٌ، ثُمَّ يقول: أم شاءٌ يا قوم») (٦). ويمكن أَنْ نكمل نحن الجوانب الناقصة من هذا المشهد؛ فنقول: إِنَّ المُتَكَلِّم وحوله مجموعة من الناس، نظر فرأى على بعد مجموعة من الإبل فجزم على سبيل اليقين أنَّها إبل، ثُمَّ أخذ يدقِّق النظر، وبعد حين يتبيَّن له أنَّها شاء. ٥ ــ ومما يرتبط بسياق الحال ويُؤَثِّر في أسلوب العطف ما يسميه العلماء بـ «الاستئناف».

стр. 246

والعلماء يقسمون الاستئناف إلى نوعين: استئناف بياني، واستئناف نحوي) (١). ويهمنا هنا الاسئناف النَّحْوِيّ الذي يقصد به: «عدم تعلق الجملة نحويا بما قبلها، تعلق إتباع أو إخبار أو وصف إو حال أو صلة؛ أي أَنَّهُ يؤدي إلى انفصال الجملة المستأنفة عن الجملة السابقة عليها إعرابيا») (٢). ومن أنواع الاستئناف النَّحْوِيّ نوع «يتضمن الجمل المقطوعة عما قبلها بواسطة حرف من أحرف العطف الآتية: أو، الواو، الفاء، ثُمَّ، حتى، أم المنقطعة، بل، لكن») (٣). ويقول المرادي عن الواو وأنواعها: «الثاني من أقسام الواو: واو الاستئناف، ويقال: واو الابتداء. وهي الواو التي يكون بعدها جملة غير متعلقة بما قبلها، في المعنى، ولا مشاركة له في الإعراب. ويكون بعدها الجملتان: الاسمية والفعلية ... وذكر بعضهم أنَّ هذه الواو قسم آخر، غير الواو العاطفة. والظاهر أنَّها الواو التي تعطف الجمل، التي لا محل لها من الإعراب، لمجرد الربط، وإنَّما سميت واو الاستئناف، لئلا يتوهم أنَّ ما بعدها من المفردات، معطوف على ما قبلها») (٤). وإلى الاستئناف النَّحْوِيّ يشير سيبويه قائلا: «وتقول: ما عبدُ الله خارجًا ولا مَعْنٌ ذاهبٌ، تَرفعه على أَنْ لا تُشركَ الاسمَ الآخِرَ في ما ولكن تَبْتَدِئُهُ، كما تقول: ما كان عبدُ الله منطلقا ولا زيدٌ ذاهبٌ، إذا لم تجعله على كانَ وجعلتَه غير ذاهب الآن. وكذلك ليس. وإن شئت جعلتها لا التي يكون فيها الاشتراك فتنصب، كما تقوم في كان: ما كان زيدٌ ذاهبا ولا عمرو منطلقا. وذلك قولُك: ليس زيدٌ ذاهبا ولا أخوك منطلقا، وكذلك: ما زيدٌ ذاهبا ولا معنٌ خارجا») (٥). جملة «ما كان عبد الله منطلقا ولا زيد ذاهبا» يمكن أَنْ تُجعل «لا» لتأكيد النفي الذي قبلها، ويُعطَف آخر الكلام على أوله من خلال العطف بالواو على العامل الذي قبلُ، كما قال السيرافي. ويمكن أَنْ تقال الجملة السابقة كما يلي: «ما كان عبد الله منطلقا ولا زيدٌ ذاهبٌ» برفع «ذاهب». ويوجه سيبويه هذا التوجيه على أَنَّ «لا» لا تشرك الاسم الآخر في ما، ولكن تبتدئه) أي تستأنفه (إذا لم تجعله على كان وجعلته غير ذاهب الآن.

стр. 247

وهناك فرق في المعنى بين الجملتين، فالجملة الأولى: «ولا زيدٌ ذاهبًا»: «إِنَّمَا تنفي انطلاقه فيما مضى»، وإذا قلت: «ولا زيدٌ ذاهبٌ» فَإِنَّما «تنفي انطلاقه الساعة») (١). إن الخيارات النحوِيَّة التي يكون الاستئناف سببا فيها مرتبطة ولا شك بالسِّياق كما يبدو من المعاني التي يُقَدِّمها السيرافي في هذه الجملة. *** المبحث الرابع: سياق الحال والأساليب النحوِيَّة: سنرصد هنا علاقة سياق الحال بالأساليب النحوِيَّة المختلفة، وسيكون منهجنا في ذلك تجميع المادة العلميَّة التي يظهر فيها تأثير سياق الحال على تلك الأساليب، ثُمَّ تصنيف هذا المادة، وتحديد ما يخص كل أسلوب على حدى. وذلك كله بالطبع من خلال نصوص سيبويه. ١ ــ أسلوب الاستفهام: أسلوب الاستفهام في صميمه يعتمد على سياق حال، فالاستفهام هو: «استعلام ما في ضمير المخاطب») (٢). وهو «عند أهل العربِيَّة من أنواع الطلب الذي هو من أقسام الإنشاء، وهو كلام يدلّ على طلب فهم ما اتصل به أداة الطلب ... ، ولكون الاستفهام طلب ارتسام صورة ما في الخارج في الذهن لزم أنْ لا يكون حقيقة إلّا إذا صدر عن شاكّ يصدق بإمكان الإعلام فَإِنَّ غير الشاك إذا استفهم يلزم منه تحصيل الحاصل، وإذا لم يصدق بإمكان الإعلام انتفت فائدة الاستفهام») (٣). إن الاستفهام في الأصل يكون عندما يوجد إنسان عاقل يجهل شيئا، أو يطلب فهم شيء لا يفهمه. وهذا الأسلوب عقلا ومنطقا يتطلب ثلاثة أطراف: متكلم مستفهِم، ومخاطَب مستفهَم، ومستفهَم عنه. ونلاحظ على هذا الأسلوب أَنَّهُ من الأساليب التي لا يُبتَدأُ بها الكلام عادة، فهو من الأساليب التي تأتي لاحقا فيه؛ أي أنها تستلزما سياقا ما وقع قبلها. وقد رصد سيبويه بطريقته الاختزالية النَّمَطِيَّة التي أوضحناها مسبقا تأثير سياق الحال على هذا الأسلوب، فأوضح أَنَّ السِّياق قد ينقل الاستفهام عن وجهته الاستفهامية إلى أغراض أخرى، مثل:

стр. 248

• التوبيخ والتقرير والشتم: يقول: «تقول للرجل: أطربًا! وأنت تعلم أَنَّهُ قد طرب، لتوبَّخه وتقِّرره») (١). ويقول في نصّ آخر: «قولك: أَتمَيميًّا مَرَّة وقَيْسِيًّا أُخْرَى. وإنَّما هذا أنَّك رأيتَ رجلاً في حال تلوُّنٍ وتنقُّلٍ، فقلت: أتميمًا مَرَّة وقيسيًّا أُخْرَى، كَأَنَّك قلت: أتحول تميميًا مَرَّة وقيسيًا أخرى. فأنت فى هذه الحال تعمل في تثبيت هذا له، وهو عندك فى تلك الحال في تلوُّنٍ وتنقُّلٍ، وليس يَسأله مسترشِدًا عن أمرٍ هو جاهلٌ به ليفهَّمَه إيّاه ويُخبِرَه عنه، ولَكِنَّه وبَّخه بذلك») (٢). ويؤكد سيبويه هذا في قوله: «وذلك قولك: تمَيميًّا قد عَلِمَ اللهُ مَرَّة وقيسيًا أُخرى. فلم ترد أَنْ تخبر القوم بأمر قد جهلوه، ولكنك أردت أَنْ تشتمه بذلك، فصار بدلاً من اللفظ بقولك: أَتَتَمَّمُ مَرَّة وتَتَقَيَّسُ أخرى، وأَتَمضون وقد استَقبلكم هذا، وتَنَقَّلُون وتَلَوَّنُون») (٣). فالأسئلة: «أطربا؟ »، «أَتمَيميًّا مَرَّة وقَيْسِيًّا أُخْرَى؟ »، «تمَيميًّا قد عَلِمَ اللهُ مَرَّة وقيسيًا أُخرى؟ » ليست على حقيقتها؛ لأنَّها لا تصدر عن «شاكٍّ»، بل هي لأغراض سياقية أخرى، فإذا رأينا رجلا في حال «تلوُّن وتنقُّل في مواقف سياقية متعددة ومن خلال خبرات سابقة» قلنا له: «أَتمَيميًّا مَرَّة وقَيْسِيًّا أُخْرَى؟ » أي: «أتتخلق مرة بأخلاق تميم، وتارة بأخلاق قيس، ولا تعتمد على خلق واحد منهما. كأنَّه يثبت له هذه الحال ويوبخه عليها، وليس يسترشده عما يجهله، وإن كان بلفظ الاستفهام») (٤). فالمتكلم حذف الفعل المقدر «أتتحول وتتلون، وأغناه عن ذكر الفعل ما شاهد من الحال») (٥). وإذا أثار أحدهم حفيظة المتكلم في مقام ما قال له: «تمَيميًّا قد عَلِمَ اللهُ مَرَّة وقيسيًا أُخرى» شتما له. • التنبيه: قال سيبويه في باب «ما ينتصب من الأسماء التى أُخذت من الأفعالِ انتصابَ الفعل، استفهمتَ أو لم تَستفهم»: «قولك: أَقائمًا وقد قَعَدَ الناسُ، وأَقاعِدًا وقد سار الرَّكْبُ. وكذلك إِنْ أردتَ هذا

стр. 249

المعنى ولم تَستفهم ... ؛ وذلك أَنَّهُ) أي المُتَكَلِّم (رأى رجلاً فى حال قيامٍ أو حال قُعودٍ، فأراد أَنْ يُنَبِّهه، فكأَنّه لَفَظَ بقوله: أتقومُ قائما وأَتَقُعد قاعدا، ولَكِنَّه حذف استغناءً بما يرى من الحال») (١). ويقول: «وحدّثنا بعضُ العرب، أنّ رجلًا من بنى أَسَدٍ قال يومَ جَبَلَةَ واستَقبله بَعِيرٌ أَعْوَرُ فتَطَيَّرَ منه، فقال: يا بنى أسد، أَعْوَرَ وذا نابٍ! فلْم يرد أَنْ يَسترشدهم ليُخبِروه عن عَوَرِه وصحّته، ولَكِنَّه نَبَّهَهم، كأَنه قال: أَتَستقبلون أَعْوَرَ وذا ناب! فالاستقبالُ فى حال تنبيهه إيّاهم كان واقعا») (٢). وينبغي أَنْ تصاحِب الجملة «أَعْوَرَ وذا نابٍ» بعض التلوينات الصَّوْتِيَّة التي تحول الجملة من الخبرِيِّة إلى الاستفهامية. وقد حذف حرف الاستفهام والعامل من الجملة «أَعْوَرَ وذا نابٍ» لدلالة السِّياق على ذلك. إن ربط سيبويه الاستفهام بالتنبيه في هذه النصوص تارة وبالتوبيخ والتقرير والشتم تارة أخرى لا يكون بدون استحضار السِّياق وملابساته حتى وإن لم ينص على ذلك. فدلالة قولنا «أقائما وقد قعد الناس؟ » على التنبيه لا تُستَخْلَصُ إلا بالسِّياق، ولا مانع أَنْ تدلَّ نفس الجملة في سياق آخر على التوبيخ أو التعجب أو الاستنكار. وأعتقد أَنَّ سيبويه برصده لدلالات سِيَاقِيَّة لأسلوب الاستفهام قد فتح الباب لمن بعده من علماء علم المعاني لحصر بقية الدلالات التي يمكن أَنْ يحملها هذا الأسلوب. ويحق لنا أَنْ نردد مع د. عبد الحكيم راضي قوله: «ولم نجد عند علمائنا الأقدمين هذا الفصل الحاد بين علوم اللسان العربي فـ ((كتاب)) سيبويه مثلا ساهم في الدراسات الأدبيَّة إسهاما ملحوظا، ويكفي دلالة على دوره في تنمية البحث الفني في لغة الأدب رجوع عبد القاهر الجرجاني إلى الأصول التي سنها سيبويه، والأمثلة التي أوردها في كثير من قضايا اللُّغَة الأدبيَّة» (٣). وفي بعض مواضع من الكتاب يرصد سيبويه التفاعل الذي يدور بين المُتَكَلِّم والمخاطب، وكيف يعكس أسلوب الاستفهام هذا التفاعل. يقول: « ... لأَنَّكَ إِنَّمَا تسألهم على ما وضع عليه المُتَكَلِّم كلامه») (٤). ويقول في باب «من إذا كنت مستفهما عن نكرة»: «اعلم أَنَّكَ تثنى مَن ... ، وذلك قولك: رأيت رجلين، فتقول: مَنَيْن ... ، وأتاني رجلان فتقول: مَنان، وأتاني رجال فتقول: مَنون. وإذا قال: رأيت رجالا قلت:

стр. 250

مَنين، . .، وإن قلت رأيت امرأة قلت: مَنَهْ؟ ... ، وإن قال رأيت امرأتين قلت: مَنَتيْن كما قلت أيّتَين، إلا أَنَّ النون مجزومة. فإنْ قال: رأيت نساءَ قلت: مَناتْ») (١). ونلاحظ هذا التفاعل بين المُتَكَلِّم المُخْبِر والمخاطب المستفهِم، وكيف أَنَّ رد المخاطب الراغب في معرفة مَنْ الأشخاص الذين أتوا إلى المُتَكَلِّم يتوافق مع إخبار المُتَكَلِّم معنًى من حيث النوع والتعريف والتنكير، وإعرابا: - رأيت رجلين. . . . مَنَيْنِ؟ - أتاني رجلان. . . . مَنَان؟ - أتاني رجال. . . . مَنون؟ - رأيت رجالا. . . . مَنِين؟ - رأيت نساء. . . . مناتِ؟ ونلاحظ أَنَّ إجابة المخاطب المستفهم على المُتَكَلِّم المخبر هنا تدل على حالة التنبُّه والتركيز الشديدين اللذين يكونان من المخاطب؛ حتى يتوافق ردُّه إعرابا ونوعا مع كلام المُتَكَلِّم. ونلاحظ أيضا أَنَّ إجابة المخاطب بـ «مَن أو منين ... » مرتبطة بكون المستفهم عنه نكرة، أي غير مُحَدَّد وغير معروف لدى المخاطب، وهذا ما دفعه إلى الاستفهام. أَمَّا إذا كان المستفهم عنه معرفة فلا تجوز أَنْ تكونَ إجابة المخاطب: من ... ، يقول في باب «ما لا تحسن فيه من كما تحسن فيما قبله»: «وذلك أَنَّهُ لا يجوز أَنْ يقول الرجل: رأيت عبدَ الله، فتقول: مَنَا؛ لأنَّهُ إذا ذكر) أي المُتَكَلِّم (عبد الله فَإِنَّما يذكر رجلا تعرفه بعينه أو رجلا أنت عنده ممن يعرفه بعينه فَإِنَّما تسأله) أي المخاطب (على أَنَّكَ ممن يعرفه بعينه، إلا أَنَّكَ لا تدرى الطويلُ هو أم القصير أم ابنُ زيد أم ابن عمرو؟ فكرهوا أَنْ يُجرى هذا مجرى النكرة إذا كانا مفترقين») (٢). أي أَنَّ المُتَكَلِّم الذي يريد أَنْ يخبر المخاطب عن شخص لابد أَنْ يعرف مسبقا أَنَّ المخاطب يعلم شيئا عن المستفهم عنه، أو الشيء محل الإخبار، وإلا كان هذا لبسًا في الكلام. فإذا رد المخاطب بـ «من» فَإِنَّ هذا دليل على أَنَّهُ لم يستحضر صورة «عبد الله» أو لا يعرفه أصلا. وإذا تم استحضار صورة «عبد الله» في ذهن المخاطب اختفى الاستفهام من المخاطب ولم يعد له قيمة.
следующие страницы →