ويتحقق التنكير كذلك بالجمع أو التثنية، فكلمة محمد علم معرفة؛ فإذا ثني أو جمع شاع وتنكر وجاز دخول أل عليه؛ فيقال: المحمدان والمحمدون») (١).
ونضيف هنا موضعا آخر من المواضع التي يُجْلَبُ فيها التنكير إلى المعرفة وذلك بأن تأتي المعرفة) العلم (في سياق نفي لـ «لا» النافية للجنس اعتمادا على «علم المخاطب».
يقول سيبويه: «واعلم أَنَّ المعارف لا تجرى مجرى النكرة في هذا الباب؛ لأَنَّ ((لا)) لا تعمل في معرفة أبدا. فأما قول الشاعر:
* لا هيثَمَ الليلةَ للمَطيّ *
فإِنَّهُ جعله نكرة كَأَنَّه قال: لا هيثمَ من الهيثمَين. ومثل ذلك: لا بصرةَ لكم ... وتقول: قضية ولا أبا حسن، تجعله نكرة. قلت: فكيف يكون هذا وإِنَّمَا أراد عليا رضى الله عنه فقال) (٢): لأنَّهُ لا يجوز لك أَنْ تُعمِل لا في معرفة، وإِنَّمَا تعملها في النكرة فإذا جعلت أبا حسنٍ نكرة حسن لك أَنْ تعمِل لا، وعلم المخاطَب أَنَّهُ قد دخل في هؤلاء المنكورين عليٌّ، وأنه قد غُيِّب عنها») (٣).
من هذا النَّصّ نفهم:
- أنَّ من خصائص لا النافية للجنس أَنْ يكون اسمها نكرة.
- وأنَّه في بعض الأحيان قد يأتي المُتَكَلِّم باسمها معرفة علما، وأنَّ العلم في هذه الحالة يفيد التنكير؛ أي أَنَّ العلم في هذه الحالة «علم في اللفظ والشكل»، «نكرة في الدِّلَالَة».
وهنا نلاحظ أَنَّ الأعلام المستخدمة في هذه الحالة التي أتى بها المُتَكَلِّم التي تعبر عن نكرة هي أعلام لابدَّ أَنْ تكون لها خصائص سِيَاقِيَّة اجتماعِيَّة مُعَيَّنَة، فهي أعلام معروفة للناس ومشهورة بأمور مُعَيَّنَة تخصُّها:
» أبو الحسن على بن أبي طالب ... الفطنة والذكاء والعبقرية والفصل في القضايا.
» البصرة ... الناحية الثقافيَّة والعلميَّة والاقتصادية.
» هيثم ... حُدَاء المطي.
وعندما نستدعي هذه الأعلام مع «لا» النافية للجنس فإِنَّنَا نستدعي معها هذه الخلفيَّة الاجتِماعِيَّة؛ لأَنَّنا نقصد هذه الخلفيَّة الاجتِماعِيَّة، ونريد توظيفها سياقيًّا لأمر ما. ولكي يتفاعل المخاطب مع هذه الجمل ويتقبل معناها يجب أَنْ يعلم مسبقا هذه الخصوصية الاجتِماعِيَّة لهذه
стр. 317
الأعلام؛ أي أَنَّ الخلفيَّة الاجتِماعِيَّة هنا ومدى إلمام المخاطب بها تتحكمان في صحة هذا التركيب وتؤثِّران عليه، والدليل على صحة هذا التأثير أَنَّنا لو ترجمنا هذه الجمل ترجمة حرفية إلى لغة أخرى غير العربِيَّة كالإنجليزية أو الفرنسية لما فهم صاحب هذه اللُّغَة شيئا من هذه العبارة؛ لعدم إلمامه بالخلفيَّةالاجتِماعِيَّة السِّياقِيَّة لها.
أي أَنَّ ما يبرر تنكير المعرفة في هذا الأسلوب علم المخاطب والخلفيَّة الاجتِماعِيَّة لهذه الأعلام) (١).
ويدعو الأستاذ عباس حسن إلى عدم التوسُّع في هذا الأسلوب؛ أي: عدم التوسع في مجيء اسم لا النافية للجنس معرفة، وعدم القياس عليه. يقول: «علينا أَنْ نتقبَّل تلك النصوص بحالها الظاهر دون محاكاتها، ونقتصر فى استعمالنا على اللُّغَة الشائعة المشهورة التى تشترط الشروط التى
عرفناها؛ توحيدًا لأداة التفاهم، ومنعًا للتشعيب بين المتخاطبين بلغة واحدة») (٢).
ونقدم هنا رأيا قد يخالف معلمنا الأستاذ عباس حسن، هذا الرأي يقول إنَّه لا مشكلة في التوسُّع في مثل هذا الأسلوب، وأَنْ نأتي باسم لا النافية للجنس معرفة بشرطين:
• أَنْ يكون عَلَمًا.
• وأَنْ يكون هذا العلم مشهورا ومعروفا عند عامة الناس.
والشرط الثاني هنا يساوي ما قالة الخليل في النَّصّ السابق «وعلم المخاطَب أَنَّهُ قد دخل ... ». فنحن يمكن مثلا أنْ نقول:
» معركة حربية ولا خالد بن الوليد لها.
стр. 318
» مشكلة سياسية ولا عمر لها.
» لغز علمي ولا زويل له.
» معادلة رياضية ولا أينشتاين لها ... وهكذا.
وما أشار إليه الأستاذ عباس من خطورة هذا على «توحيد أداة التفاهم»، وأنَّ هذا يؤدي إلى
«التشعيب بين المتخاطبين بلغة واحدة» هو ــ كما نظن ــ ليس في محله، وأمر مبالغ فيه، وأنَّ سياق الحال يضمن عدم الوقوع في هذا.
ويحدثنا النُّحَاة عن التعريف، ويقولون عنه أَنَّهُ هو: «تحويل النكرة إلى معرفة») (١). ويحدثوننا عن أنواعه، فيذكرون أَنَّهُ نوعان: أحدهما ذاتي، والآخر عارض مجلوب. ويقصدون بالتعريف الذاتي الذي «يتحقق للضمائر والأعلام وأسماء الإشارة والأسماء الموصولة. وأما التعريف المجلوب فيتحقق لفظا أو معنى للمجرد من أل بإدخال أل عليه، وللمضاف بإضافته إلى المعرفة، وللمنادى بالإقبال عليه بالنداء») (٢).
لكن هل يوجد «تنكير مجلوب» للمعرفة كما وجد «تعرف مجلوب» للنكرة؟ أشار سيبويه إلى هذا في موضعين من كتابه:
- الموضع الأول:
ذكره عند حديثه عن الاسم العلم الممنوع من الصرف الذي يصرف. وقبل ذكر هذا الموضع نقدم بين يديه بقولنا إِنَّ النُّحَاة قالوا في الممنوع من الصرف الذي يصرف أَنَّهُ ينوَّن عند الحاجة، وقالوا إِنَّ هذه الحاجة تتحقق في النثر والشعر.
«في النثر: لإرادة التناسب، وذلك أَنْ تكونَ بعض الكلمات منونة والأخرى غير منونة فتنون الأخيرة لتناسب ما جاءت معه من الكلمات المنونة ومن ذلك: جاء في القرآن: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾، فكلمة سلاسل ممنوعة من الصرف، وكلمة أغلالا مصروفة، وقد قرئت الآية بتنوين الكلمة الأولى لتناسب الثانية، وجاءت القراءة: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ لقصد التناسب. [و] في الشعر: للضرورة، والمقصود بذلك ضرورة موسيقى الشعر ونغمه التي تتمثل في أوزانه وقوافيه، فإذا لم تستقم هذه الموسيقى إلا بتنوين الاسم الممنوع من الصرف، كانت تلك ضرورة تبيح للشعراء هذا التنوين») (٣).
стр. 319
لكن يبدو من الموضع الذي معنا من نصّ سيبويه أَنَّه يضيف موضعا آخر من المواضع التي يمكن فيها صرف الممنوع من الصرف في النثر لغير التناسب مرتبطا بسياف الحال. يقول في هذا الموضع: «فإنْ قلت: عمرٌ آخر صرفته؛ لأنَّهُ نكرة؛ فتحول عن موضع عامر معرفة») (١).
لم يشر سيبويه في النَّصّ إلى أي «تناسب» يبرِّر صرف كلمة عمر، ولا يمكن فهم صرف عمر في الجملة السابقة إلا في ضوء سياق الحال. فيمكن أَنْ نتخيل سياقا يضم متكلما يتحدَّث إلى مخاطب «ضرب من قبل شخص يسمى عمر»، فيقول المُتَكَلِّم للمخاطب ــ مشيرا إلى صورة
مثلا ــ: أهذا عمرُ الذي ضربك؟ ، فيقول: لا، بل عمرٌ آخر.
إنه السِّياق الذي نقل العلم من التعريف إلى التنكير بلا شك؛ وسمح بتنكير كلمة عمر، كما أشار سيبويه في نصه السابق، وهو وإن لم يشر إلى ذلك إلا أَنَّهُ ينبغى أَنْ يكون كذلك) (٢).
- الموضع الثاني:
وهو موضع بعيد عن سياق الحال نسبيا، ولكنا نقوله زيادة للفائدة وهو إضافة المعرفة إلى
النكرة. يقول: «ألا ترى أنَّك لو قلت: هذا زيدُ رجلٍ صار نكرةً، فليس بالعلم الغالب؛ لأَنَّ ما بعده غيَّره، وصار يكون معرفةً ونكرةً به») (٣). أي أَنَّ المعرف «إذا أضيف إلى النكرة فهو نكرةٌ») (٤).
***
стр. 320
الفصل الرابع
سياق الحال والقواعد الصَّرْفِيَّة
ويشمل المبحثين التاليين:
- المبحث الأول: سياق الحال ودلالة الفعل والمصادر والمشتقات.
- المبحث الثاني: سياق الحال ومعاني الأوزان الصَّرْفِيَّة.
стр. 321
الفصل الرابع: سياق الحال والقواعد الصَّرْفِيَّة
سنحاول أَنْ نرصد هنا علاقة سياق الحال ببعض الأمور الصَّرْفِيَّة. وكما سرنا في الفصول السابقة سنسير هنا؛ أي أَنَّنا سنجمع كل القواعد والمسائل الصَّرْفِيَّة التي لها علاقة بسياق الحال، ونصنّف كل مجموعة نصوص تتناول مسألة واحدة مع بعضها.
- المبحث الأول: سياق الحال ودلالة الفعل الزَّمَنِيَّة والمصادر والمشتقات
أ - سياق الحال والدِّلَالَة الزَّمَنِيَّة للفعل:
عند حديث سيبويه عن الفعل في بداية الكتاب ذكر النَّصّ التالي: «وأمَّا الفعل فأمثلة أُخذتْ من لفظ أحداث الأسماء، وبُنيتْ لما مضى، ولما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينَقطع. فأمَّا بناء ما مضى فذَهَبَ وسَمِعِ ومَكُث وحُمِدَ. وأمَّا بناء ما لم يقع فإِنَّهُ قولك آمِرًا: اذهَب واقتُلْ واضرِبْ، ومخبرًا: يَقْتُلُ ويَذهَبُ ويَضرِبُ ويُقْتَلُ ويُضرَبُ. وكذلك بناء ما لم يَنقطع وهو كائن إذا أخبرتَ») (١).
إذا حللنا هذا النَّصّ نجد أَنَّ سيبويه يقسِّم الزمن إلى ثلاثة أقسام:
١ ــ الزمن الماضي.
٢ ــ الزمن الكائن الذي لم ينقطع (الحال ــ المضارع).
٣ ــ ما يكون ولم يقع (المستقبل).
ويخصِّص للقسم الثالث الأمثلة التالية:
» أفعال الأمر: «اذهب، اقتل، اضرب».
» والأفعال: «يقتل، يذهب، يضرب».
أما القسم الثاني (الكائن الذي لم ينقطع)، فيفهم من الكلام أَنَّهُ يخصص له نفس الأمثلة
«يقتل، يذهب، يضرب»؛ أي أَنَّ هذه الأفعال عينها تعبِّر عن قسمين من أقسام الفعل: المضارع أو الحال والمستقبل، فالفعل المضارع في الجملة الآتية: «يضرب محمدٌ عليًّا» له دلالتان
زمنيّتان: الحال والاستقبال. ونحن بالطبع لا نستطيع أَنْ نحدِّد الدِّلَالَة الزَّمَنِيَّة المقصودة للفعل بدون سياق الحال.
إن نصّ سيبويه يتضمن إشارة ضمنية إلى السِّياق وأهميته في تحديد الدِّلَالَة الزَّمَنِيَّة للفعل. وتلك الإشارة المبكرة في بدايات الكتاب أشارت إلى أمر منهجي عند سيبويه، وهو أَنَّهُ لن يقر قاعدة ما إلا من خلال استقرائها في النصوص المختلفة، واستحضار السِّياق في هذا الاستقراء، وإثبات ما يدل عليه من دلالات.
стр. 322
وإذا استغللنا هذه الإشارة المنهجية وطبَّقناها وفعَّلناها في دراستنا للدلالة الزمنية لفعل «الأمر» مثلا يمكن أن نخرج ببعض النتائج، التي منها أنَّ فعل الأمر:
أ - قد يكون «دالا على الحال، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ الدخان: ٤٨ - ٤٩، فزمن الذوق مصاحب لصبِّ الحميم» (١).
ب - دلالة الأمر على الماضي، «وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ يوسف: ٩٩، فقوله: «ادخلوا مصر» كان بعد دخولهم إياها؛ فهو أمر يفيد المضي») (٢). ومثل قول النبيِّ ــ ﷺ ــ للرجل الذي أتاه في الحجِّ فقال: «يا رسول الله، ذبحْتُ قبل أنْ أرمِيَ ــ أي: ذبحت أولا ثم رمَيْتُ ثانيا ــ فقال ــ ﷺ ــ: ارمِ ولا حرَج») (٣). قال ابن هشام: «ارمِ ولا حرج: فإنَّهُ بمعنى رَمَيْت والحالة هذه، وإلَّا لكان أمرًا له بتجديد الرمي، وليس
كذلك») (٤).
ت - الأمر المستمر: «وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ البقرة: ٨٣») (٥).
ث - وربما كان فعل الأمر مطلقا غير مقيد بزمن لكونه دالا على الحقيقة، أو لكونه دالا على التوجيه والحكم أو لغير ذلك) (٦)، وذلك كقول الشاعر:
كُنِ ابنَ مَن شِئتَ واِكتَسِب أَدَبًا ... يُغنيكَ مَحمُودُهُ عَنِ النَسَبِ [بحر المنسرح]
وقبل الانتقال إلى جزئية جديدة من بحثنا ننقل هنا تعليق عالمين جليلين على مقولة سيبويه السابقة عن ((تعريف الفعل)).
стр. 323
التعليق الأول لعبد القاهر الجرجاني، يقول فيه: «لا نعلم أحدا أتى في معنى هذا الكلام بما يوازنه أو يدانيه، ولا يقع في الوهم أيضا أَنَّ ذلك يُستطاع. ألا ترى أَنَّه إِنَّمَا جاء في معناه قولهم: والفعل ينقسم بأقسام الزمان: ماضٍ، وحاضر، ومستقبل، وليس يخفى ضَعْفُ هذا في جنبه، وقصوره عنه») (١).
والتعليق الثاني لشيخنا محمود شاكر يشرح عبارة سيبويه ويشفعه بالثناء والمدح قائلا:
«فأنت تراه عيانا الآن أَنَّ سيبويه قد استطاع في جملة واحدة قصيرة لا تتجاوز سطرا واحدا، استطاع أَنْ يُلم بجميع الأزمنة المقترنة بأمثلة الفعل، دون أَنْ يُخل بشيء منها فهي جملة محكمة شديدة الإحكام عجز النُّحَاة من بعده أَنْ يلموا بها في حدودهم التي كتبوها عن الفعل، فأي رجل مُبينٍ كان سيبويه؟ ! ») (٢).
إن ختام التعليقين السابقين من هذين العَلَمَين الجليلين يؤدي إلى نتيجة مُهِمَّة، هي أَنَّ النُّحَاة من بعد سيبويه لم يحيطوا علما بكل ما في كتابه من فوائد علمِيَّة قيمة، وأنَّ الكتاب ــ على الرَّغْم من كثرة شروحاته التي تنقلها كتب التراجم ــ لم يلق العناية الكافية من الدراسة والبحث، وأنَّه ما زالت توجد الكثير من عبارات سيبويه التي تحتاج إلى فضل تأمل ونظر) (٣).
ج - سياق الحال ودلالة أوزان المصدر:
اهتمَّ سيبويه في كتابه بدراسة أبنية الأسماء والأفعال، وتُنْسَبُ إليه الرِّيادة في هذا الاهتمام بتلك الأبنية. قال السيوطي نقلا عن ابن القَطَّاع: «قد صنَّف العلماء في أبنية الأسماء والأفعال، وأكثروا منها، وما منهم مَن استَوْعَبَهَا. وأوَّلُ من ذكرها سيبويه في كتابه، فأورد للأسماء ثلثمائة مثال وثمانية أمثلة، وعنده أنَّه أتى به») (٤).
ومن الأبنية التي اهتَمَّ بها سيبويه أبنية المصادر ودلالتها، وقد اعتمد على السِّياق في تحديد دلالة أوزان بعض المصادر، فنجد أَنَّهُ:
- في أحد أبواب الكتاب عنوانه «هذا باب أيضا في الخصال التي تكون في الأشياء»، يقول:
«أَمَّا ما كان حسنًا أو قبحًا فإِنَّهُ مما يبنى فعله على فَعُلَ يَفْعُلُ؛ ويكون المصدر فَعَالا وفَعَالة
стр. 324
وفُعلا، وذلك قولك: قَبُحَ يَقْبُحُ قَبَاحَة، وبعضهم يقول قُبُوحة؛ فبناه على فُعولةٍ كما بناه على فَعالةٍ. ووسم يوسم وسامة، وقال بعضهم: وسامًا فلم يؤنث، كما قالوا: السَّقام والسَّقامة») (١).
- وقال: «وما كان من الشدة والجرأة والضعف والجبن فإِنَّهُ نحوٌ من هذا، قالوا: ضَعُفَ ضَعْفًا وهو ضعيفٌ، وقالوا: شجع شجاعة وهو شجاعٌ وقالوا: شجيعٌ») (٢).
- «وقالوا: سَرُعَ يَسْرُعُ سِرَعًا وهو سريعٌ، وَبطُؤَ بِطَأ وهو بطيءٌ، كما قالوا: غَلُظَ غِلَظًا وهو غليظٌ وإِنَّمَا جعلناهما في هذا الباب لأَنَّ أحدهما أقوى على أمره وما يريد») (٣).
- ويقول عن المصادر التي على وزن «فِعَال» أنَّها تدلُّ على «انتهاء الزمان»، يقول: «وجاءوا بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال فعالٍ، وذلك: الصِّرام والجِزاز، والجِداد، والقِطاع، والحِصاد») (٤).
- «وأما الوسم) (٥) فإِنَّهُ يجيء على فِعالٍ، نحو: الخِباط والعِلاط والعراض والجِناب والكِشاح. فالأثر يكون على فِعالٍ والعمل يكون فَعْلاً، كقولهم: وسمت وسمًا، وخَبَطت البعير خَبْطًا، وكشحته كشحًا. وأما المُشْط والدلو والخُطَّاف فَإِنَّما أرادوا صورة هذه الأشياء أنها وُسمت به، كَأَنَّه قال: عليها صورة الدلو») (٦).
- وقال في باب «فَعْلان ومصدره وفعله»: «أَمَّا ما كان من الجوع والعطش فإِنَّهُ أكثر ما يبنى في الأسماء على فَعْلان ويكون المصدر الفَعَل، ويكون الفعل على فعل يفعَل. وذلك نحو: ظمئ
стр. 325
يظمأ ظمأً وهو ظمآن، وعطش يعطش عطشًا وهو عطشان، وصدى يصدى صدًى وهو صديان. وقالوا: الظماءة كما قالوا: السقامة؛ لأَنَّ المعنيين قريبٌ، كلاهما ضررٌ على النفس وأذى لها») (١).
- «وأما جَرْبان وجربى فإِنَّهُ لما كان بلاء أصيبوا به بنوه على هذا كما بنوه على أفعل وفعلاء، نحو أجرب وجرباء») (٢).
- «أَمَّا الألوان فَإِنَّها تبنى على أفعل، ويكون الفعل على فَعِل يفْعَل، والمصدر على فُعْلةٍ أكثر. وربما جاء الفعل على فعل يفعل، وذلك قولك: أَدِمَ يَأْدَمُ أُدْمَة، ومن العرب من يقول: أَدُمَ يأدُم أُدْمَة، وشَهِب يشْهَبُ شُهْبَة، وقَهِبَ يقْهَبُ قُهْبة، وكهِب يكهِب كُهبة. وقالوا: كهُب يكهُب كهبةً وشهُب يشهُب شُهبةً») (٣).
إن سيبويه في النصوص السابقة يتَتَبَّع دلالة المصادر في سياقاتها المختلفة، ويحدِّد دلالة كل مصدر ثُمَّ يجمع المصادر ذات الدلالات المتشابهة تحت دلالة عامة، ويكون وزن هذه المصادر مرتبطا بهذه الدِّلَالَة العامة.
- فالألفاظ «قَباحَة، وَسامَة ... »، هذه الألفاظ ــ بمعونة السِّياق ــ تدل على القبح أو الحسن؛ إذن الوزن «فَعَالة» قد يدل على «الحسن أو القبح».
- والألفاظ «ظَمِئ ــ ظَمَأًـ ظمآن، عَطِش ــ عَطَشًا ــ عطشان، صَدِى ــ صَدًى ــ صديان
... »، هذه الألفاظ ومصادرها ــ بمعونة السِّياق ــ تدلُّ على الجوع والعطش؛ إذن الوزن
«فَعِل ــ فَعْلان ــ فَعَل» قد يدلُّ أكثره على «الجوع والعطش».
- والألفاظ «الخِباط والعِلاط والعِراض والجِناب والكِشاح ... »، هذه الألفاظ ــ بمعونة السِّياق ــ تدلُّ على الأثر والعلامة والوسم؛ إذن الوزن «فِعَال» قد يدلُّ على «الأثر والعلامة والوسم».
- والألفاظ «الصِّرام والجِزاز، والجِداد، والقِطاع، والحِصاد ... »، هذه الألفاظ ــ بمعونة السِّياق ــ تدل على انتهاء الزمان؛ إذن الوزن «فِعَال» قد يدل على «انتهاء الزمان».
- والألفاظ «أَدِمَ ــ يَأْدَمُ ــ أُدْمَة، وشَهِب ــ يشْهَبُـ شُهْبَة، وقَهِبَ ــ يقْهَبُ ــ قُهْبة، وكهِب ــ يكهِب ــ كُهبة ... »، هذه الألفاظ ــ بمعونة السِّياق ــ تدل على اللون؛ إذن الوزن «أفعل» قد يكون من بعض دلالته أَنْ يدل على «اللون».
стр. 326
وهذا التجميع للألفاظ المتشابهة ومحاولة وضعها ضمن إطار دلالي مشترك أشبه بما يسميه علماء اللُّغَة بـ ((الحقول الدِّلالِيَّة Semantic Fields))، وهي تعني: «مجموعة من الكلمات ترتبط دلالاتها، وتوضع عادة تحت لفظ عام يجمعها. مثال ذلك كلمات الألوان في اللُّغَة العربِيَّة») (١). ومن فوائد وضع الكلمة في حقول دلالية أَنَّ هذا يساعد على الفهم الدقيق للكلمة بالمقارنة بالكلمات التي معها في نفس الحقل) (٢).
ومن النصوص المهمة التي اعتمد فيها سيبويه على طريقة الحقول الدلالية وسار فيها سيرته في النصوص السابقة النص التالي، يقول: «ومن المصادر التي جاءت على مثال واحدٍ حين تقاربت المعاني قولك: النَّزَوان، والنَّقَزان؛ وإِنَّما هذه الأشياء في زعزعة البدن واهتزازه في ارتفاع. ومثلُه العَسَلان والرَّتَكان. وقد جاء على فُعَالٍ نحو النُّزاء والقُماص، كما جاء عليه الصَّوت نحو الصُّراخ والنُّبَاح، لأن الصوت قد تكلَّفَ فيه من نفسه ما تَكَلَّفَ من نفسه في النَّزَوان ونحوه. وقالوا: النَّزْو والنَّقْز، كما قالوا: السَّكْت والقَفْز والعَجْز، لأَنَّ بناء الفعل واحدٌ لا يتعدَّى كما أنَّ هذا لا يتعدَّى.
ومثل هذا الغَلَيان، لأَنَّه زعزعة وتَحرُّك. ومثله الغَثَيان، لأنَّه تَجيُّشُ نفسِه وتثوُّرٌ. ومثله الخَطَران واللَّمَعان، لأنَّ هذا اضطراب وتحرُّك. ومثل ذلك اللَّهَبان والصَّخَدَان، والوَهَجان، لأنَّه تحرُّكُ الحَرّوثُؤْورهُ، فإنَّما هو بمنزلة الغليان») (٣).
في هذا النص نجد سيبويه جمع مجموعة من المصادر يضمها وزن مشترك ووضعها تحت دلالة عامة كما في الجدول التالي:
م ... المصدر ... المعنى اللغوي ... الوزن ... المعنى الدلالي العام
الوزن: الفَعَلان
المعنى الدلالي العام: الزعزعة والتحرك واهتزاز في ارتفاع
١. النَّزَوَان (التَّقَلُّبُ، والسَّوْرَة)
٢. النَّقَزان (الوثب صُعُدًا)
٣. الغَثَيان (خُبْث النفس)
٤. العَسَلان (السُّرْعَة وَالِاضْطِرَاب فِي العَدْوِ)
стр. 327
٥. الرَّتَكَان (ضرب من سير الْإِبِل)
٦. الغَلَيان (حركة الماء عند تسخينها)
٧. الخَطَران (يقال: خطر الرجل؛ إذا اهتزَّ في مشيه وتبختر).
٨. اللَّمَعان (لمع البرق: أضاء)
٩. اللَّهَبَان (اتِّقاد النار)
١٠. الصَّخَدَان (شدة الحر)
١١. الوَهَجَان (شدة الحر أيضا)
إن سيبويه تتبَّع هذه المصادر في سياقاته في اللغة الحية المنطوقة المُنْشَدَة، وبعد التتبُّع والتقصِّي ربط الوزن «الفَعَلان» الذي أتت فيه هذه المصادر بدلالة عامة، هي «الزعزعة والتحرُّك واهتزاز في ارتفاع».
ومن قديم نال نص سيبويه السابق اهتمام ابن جني، وناقشه في كتابه الخصائص تحت باب أسماه «باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني»، وصدَّر الباب بقوله: «اعلم أن هذا موضع شريف لطيف. وقد نبَّه عليه الخليل وسيبويه، وتلقته الجماعة بالقبول له والاعتراف بصحته») (١). ثم أورد نص سيبويه السابق. وقال بعد إيراده «فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال».
وما كان يرمي إليه ابن جني من إيراد نص سيبويه في هذا الباب أن يُثبت أن هناك ثمَّة علاقة «طبيعية» بين «اللغة الإنسانية» و «محاكاة الأصوات الطبيعية»، وقد أورد نص سيبويه السابق دليلا على ذلك، فهو يتخذ من نص سيبويه حجَّة ليدلَّ بها على أنّ هناك «مناسبة طبيعية بين اللفظ ومدلوله») (٢)، ويحاول أنْ يؤكّد بهذا النص نظريته «في مناسبة الصوت للمعنى الدال عليه») (٣). فمدار باب «إمساس الألفاظ أشباه المعاني» الذي ذكره ابن جني في الخصائص بيانُ العلاقة الوطيدة بين دلالة الأصوات وبنية الكلمة، وبين المعاني المدلول عليها، وكيف تهدى العرب بلطيف الطبع ودقيق الفطنة إلى توخي هذه المناسبة بين الألفاظ والمعاني) (٤).
стр. 328
وباعتبار أن الطبيعة جزء من مكونات سياق الحال وإحدى مكوناته فإنَّه يحِقُّ لنا أنْ نقرِّر ــ بناء على كلام ابن جني هنا الذي يخالف الجمهور ــ أنَّ سياق الحال لا يؤثِّر فقط على الجملة ومكوناتها، بل إنه أيضا يؤثر ــ أحيانا ــ على بنية الألفاظ، وكيفية صياغة هذه البنية.
ونجد ابن جني يحاول في أحد مواضع كتابه الخصائص تفسير دلالات الألفاظ غير الطبيعية أي: تفسير دلالة الألفاظ التي لا يبدو فيها وجود علاقة طبيعية بين اللفظ ومدلوله، ويحاول أنْ يُرجِع تلك الأسباب ــ على حد فهم الباحث ــ إلى أسباب «سياقية اجتماعية». وأطرف ما في الأمر أنّه استند على نص لسيبويه ليؤيد به ما ذهب إليه، يقول:
«وقد يمكن أن تكون أسباب التسمية تخفى علينا لبعدها في الزمان عنا؛ ألا ترى إلى قول سيبويه) (١): «أو لعلَّ الأوَّل وصل إليه علم لم يصل إلى الآخِر»؛ يعني أن يكون الأوَّل الحاضر شاهد الحال فعرف السبب الذي له ومن أجله ما وقعت عليه التسمية؛ والآخر ــ لبعده عن الحال ــ لم يعرف السبب للتسمية؛ ألا ترى إلى قولهم للإنسان إذا رفع صوته: قد رفع عقيرته، فلو ذهبت تشتق هذا بأن تجمع بين معنى الصوت وبين معنى «ع ق ر» لبعد عنك وتعسفت، وأصله أن رجلًا قُطِعَت إحدى رجليه فرفعها ووضعها الأخرى ثم صرخ بأرفع صوته فقال الناس: رفع عقيرته») (٢).
أي أنَّه في بعض الأحيان يكون ارتباط لفظ معين بدلالة معينة راجعا إلى «أسباب» لا تخلو أن يكون بعضها أسبابا سياقية اجتماعية كما هو واضح في نهاية النص السابق.
نكمل بقية حديثنا عن المصادر ونقول إنه يُلجَأ إلى السِّياق لتحديد معنى المصدرية مع بعض المصادر التي قد تشير بنيتها إلى معنيين: معنى الاسمِيَّة ومعنى المصدرية. مثال ذلك كلمة
«الحَلَب» ــ بفتح الحاء واللام ــ لها معنيان: الأول: معنى المصدر، والثاني: اللبن المحلوب) (٣).
وننقل هنا نصوصا لسيبويه توضح بعض المعاني المختلفة لبعض المصادر التي لا بد وأنَّها تحتاج إلى السِّياق لتحديد المقصود منها:
стр. 329
- «قالوا: الحَلَب في الحَلِيب والمصدر. وقد يقولون الحَلَب وهم يعنون اللبن. ويقولون: حَلَبت حَلَبًا يريدون الفِعل الذي هو مصدر. فهذه أشياء تجيء مختلفة ولا تطرد») (١).
- «وقالوا: الخَلْق، فسووا بين المصدر والمخلوق. فاعرف هذا النحو وأجره على سبيله») (٢).
وفي بعض الأحيان تتداخل دلالة المصدر مع دلالة بعض المشتقات؛ بمعنى أَنَّ المصدر يدل الدِّلَالَة التي يدل عليها هذا المشتق. ولابد من اللجوء للسياق لتحديد هذه الدِّلَالَة الاشتقاقية.
• مثال على دلالة المصدر على دلالة اسم المفعول. يقول سيبويه) الكتاب ٤/ ٤٣ (: «وقد يجيء المصدر على المفعول، وذلك قولك: لبنٌ حَلَبٌ، إِنَّمَا تريد محلوبٌ، وكقولهم: الخَلْق إِنَّمَا يريدون المخلوق. ويقولون للدرهم: ضرب الأمير، إِنَّمَا يريدون مضروب الأمير».
• ومثال دلالة المصدر على اسم الفاعل، يقول سيبويه) الكتاب ٤/ ٤٣ (: «ويقع على
الفاعل، وذلك قولك: يومٌ غمٌّ، ورجلٌ نومٌ، إِنَّمَا تريد النائم والغام».
وقد يتخلي المصدر الدال على الهيئة «فِعْلَة») (٣) عن تلك الدِّلَالَة ويدل على مجرد اسم.
» يقول سيبويه: «وقالوا: مريتها مريًا، إذا أرادوا عمله. ويقول: حلبتها مِرْيَة لا يريد فِعْلَة ولَكِنَّه يريد) وفي بعض النسخ: لكن تريد (نحوًا من الدِّرِّة والحَلَب») (٤).
» ويقول في باب «ما تجيء فيه الفعلة تريد بها ضربا من الفعل»: «وذلك قولك: حسن الطعمة. وقتلته قتلة سوءٍ، وبئست الميتة، وإِنَّمَا تريد الضرب الذي أصابه من القتل، والضرب الذي هو عليه من الطعم ... ، وقد تجيء الفعلة لا يراد بها هذا المعنى، وذلك نحو الشدة، والشعرة، والدرية. وقد قالوا: الدرية») (٥).
стр. 330
ولا بد عند استبعاد دلالة الهيئة من هذا الوزن استحضار السِّياق واللجوء إليه، فعليه المعول في هذا، وسيبويه وإن لم يشر إلى دور السِّياق في تحديد هذه الدِّلَالَة فهو مفهوم ضمنا.
ومن النتائج التي خرج بها سيبويه من خلال المنهج الذي اتبعه في كتابه أَنَّ المصدر قد يأتي في بعض الأحيان دالا على الكثرة. يقول في باب «ما جاء من المصادر وفيه ألف التأنيث»:
«وأما الفِعِّيلَي فتجيء على وجهٍ آخر تقول: كان بينهم رِمِّيَّا، فليس يريد قوله: رميا، ولَكِنَّه يريد ما كان بينهم من الترامي وكثرة الرمي، ولا يكون الرِّمِّيَّا واحدًا. وكذلك الحِجِّيزَي. وأما الحِثِّيثَي فكثرة الحث كما أَنَّ الرِّمِّيَّا كثرة الرمي، ولا يكون من واحد. وأما الدِلِّيلَي فَإِنَّما يراد به كثرة علمه بالدِّلَالَة ورسوخه فيها. وكذلك القِتِّيتَي، والهِجِّيرَي: كثرة الكلام والقول بالشيء. والخِلِّيفَي: كثرة تشاغله بالخلافة وامتداد أيامه فيها» (١).
فالمصدر «الفِعِّيلَي» من خلال تتَبُّعه في النصوص المختلفة دلَّ عنده على الكثرة.
ومن خلال منهجه التتَبُّعي للألفاظ في سياقاتها يرصد دلالة لازمة لبعض المصادر. فيقول: «ومما جرى مجرى الدعاء مما هو تطلُّقٌ عند طلب الحاجة وبشاشة، نحو كرامة ومسرة ونُعمةَ
عين» (٢)
***
ح - سياق الحال ودلالة المشتقات:
١ ــ اسم الفاعل:
من الجوانب التي يتصل فيها سياق الحال باسم الفاعل العامل تحديده لدلالته الزَّمَنِيَّة: الحالِيَّة أو المستقبلِيَّة. فتحديد هذه الدِّلَالَة يتوقَّف عليه. يقول: «من ذلك: مررتُ برجلٍ ضاربك، فهو نعت على أَنَّهُ سيَضربه ... ، وذلك قولُك: مررتُ برجلٍ ضاربه رجل؛ فإنْ شئت حملتَه على أَنَّهُ سيفَعل، وإن شئتَ على أنَّك مررت به وهو فى حالِ عملٍ، وذلك قوله : ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾») (٣). ويقول السيرافي شارحا العبارة السابقة: «والنكرات ينعت بها، نحو: مررت برجل ضاربه رجل؛ فهو بمعنى يضربه في الحال أو تعني سيضرب») (٤).
стр. 331
ويؤكد على هذه الدِّلَالَة الزَّمَنِيَّة مع اسم الفاعل بشكل آخر عند حديثه عن «تصغير اسم الفاعل». فيقول: «واعلم أنَّك لا تحقِّر الاسم إذا كان بمنزلة الفعل، ألا ترى أَنَّهُ قبيح: هو ضويربٌ زيدًا، وهو ضويربٌ زيدٍ، إذا أردت بضارب زيدٍ التنوين. وإن كان ضارب زيدٍ لما مضى فتصغيره جَيِّد») (١).
فإذا أراد المُتَكَلِّم بـ «ضارب زيد» التنوين ــ أي المستقبل ــ قبح التصغير، وإن أراد المضي، فالتصغير جَيِّد. أي أَنَّ صيغة التصغير هنا تتوقف على السِّياق الذي ترد فيه الجملة. ويكون قبح تصغير اسم الفاعل أو جودته مرتبطا بالزمن؟
وقد يثور سؤال: لماذا يقبح تصغير اسم الفاعل إذا دَلَّ على المستقبل ويجود إذا دَلَّ على الماضي؟
يمكن أَنْ نقول إِنَّ القبح أو الجودة مرتبطان هنا بدلالة اسم الفاعل على الزمن، والأغراض التي يأتي لها التصغير متعددة، مثل: التحقير، وتقليل جسم الشيء وذاته، وتقليل الكمية والعدد، وتقريب الزمان والمكان، والتحبب، وإظهار الود، والترحم، والتعظيم) (٢). وكل هذه الأغراض تتطلب سياقا يسبقها، سياقا تكوَّنت فيه للمتكلم خبرة مُعَيَّنَة جعلته يستخدم التصغير؛ فأنا لا أحقر أو أتحبَّبُ أو أظهر الودَّ أو أترحم أو أعظم لـ «مَنْ» أو «ما» لا أعلمه سلفا، فنحن لا نترحم عقلا على شيء سيقع في المستقبل لم نعلمه بعد، ولا نعظم من لا نعرفه سلفا. ونحن لن نقلل كمية أو عددا لم نرها أو نره، ولن أقرب زمانا أو مكانا لم أعش فيه، فكل هذا يتطلب خبرة اجتماعِيَّة تجعلني أحكم بهذا.
وأشار العلماء إلى أَنَّ المشتقات عموما ومن بينها اسم الفاعل قد تحل محل المصدر، كما جاء في شرح التسهيل: «وقد يقوم مقام المصادر صفات مقصود بها الحالِيَّة على سبيل التوكيد، نحو عائذا بالله من شرها، وهنيئا لك، وأقاعدا وقد سار الركبُ») (٣).
إن قولنا: «عائذا بالله من شرها» يجري مجرى «عِياذا بالله». والسبب الذي جعل العلماء يقولون إِنَّ المشتقات عموما ومن بينها اسم الفاعل يحل محل المصدر هو بلا شك قرينة سياق
الحال؛ فالمُتَكَلِّم في المثال السابق «عائذا بالله من شرها» لا يتعوذ بالله من شيء في وقت، ويتعوذ به منه في وقت آخر على حسب ما تدل عليه صيغة اسم الفاعل التي تعرف بأنَّها: «الاسم المشتق
стр. 332
الدال على حدث وذات موصوفة بالقيام بهذا الحدث، بمعنى التجدد والحدوث») (١). على عكس المصدر الذي يدل على الحدث مجردًا من الزمن؛ أي أَنَّ السِّياق يحكم على أَنَّ دلالة «عائذا» في الجملة السابقة هي دلالة مصدرية وليست دلالة اسم الفاعل، فالمؤمن يتعوذ بالله دائما، في كل وقت وفي كل مكان طاهر.
يقرر سيبويه ما أشارنا إليه سابقا فيقول: «ومثل ذلك: عائذًا بالله من شرّها، كأَنَّه رأى شيئًا يُتَّقَى؛ فصار عند نفسه فى حال استعاذةٍ، حتَّى صار بمنزلة الذى رآه فى حال قيامٍ وقُعودٍ، لأنَّهُ يَرَى نفسَه فى تلك الحال ... ، وإذا ذكرتَ شيئًا من هذا الباب فالفعل متّصِلٌ فى حال ذكرِك وأنت تَعمل فى تثبيته لك أو لغيرك فى حال ذكرِك إيّاه») (٢).
إن المُتَكَلِّم عندما يستخدم اسم الفاعل يدلُّ على الظاهر من قوله، فهو لا يستطيع أَنْ يستمر بنطق «التعوذ» دوما في كل حال وفي كل وقت، ولا يستطيع لسانه ذلك، ولكن «قلبه» أو «حال نفسه» ــ كما قال سيبويه ــ دائم التعوذ بالله، لذلك ناسبت صيغة اسم الفاعل حال المُتَكَلِّم الظاهرة، وتكفل سياق الحال بالتعبير عن الحال الباطنة، بصيرورة دلالة اسم الفاعل إلى الدِّلَالَة المصدرية.
٢ ــ صيغ المبالغة:
هناك علاقة بين اسم الفاعل وصيغ المبالغة؛ إذ يجوز تحويل صيغة فاعل إلى صيغة أخرى تفيد الكثرة والمبالغة. فاسم الفاعل في جملة: «فلان زارِعٌ فاكهةً»، يمكن أَنْ تصبح «فلان زَرَّاعٌ فاكهةً». والفرق بين «زَارِع» و «زَرَّاع» إفادة الثانية الكثرة والمبالغة عن الأولى.
والسؤال: متي يتم الانتقال من صيغة فاعل إلى صيغة مبالغة؟ والإجابة: يتم ذلك عند إرادة المبالغة، وهذا يتطلب سياقا يستدعي ذلك. قال سيبويه: «وأجروا اسمَ الفاعل، إذا أرادوا أَنْ يبالِغوا فى الأمر، مُجراه إذا كان على بناء فاعلٍ؛ لأنَّهُ يريد به ما أراد بفاعل من إيقاع الفعل، إلاّ أَنَّهُ يريد أَنْ يُحدَّثَ عن المبالغة. فمَا هو الأصلُ الذى عليه أكثُر هذا المعنى: فَعولٌ، وفعّال، ومِفْعَال، وفَعِلٌ، وقد جاء: فَعيلٌ كَرحيمٍ وعَليم وقَدير وسَميع وبَصير») (٣).
٣ ــ اسما الزمان والمكان: اسما الزمان والمكان يصاغان من الفعل الثلاثي على «مَفْعَل» أو
«مَفْعِل». وهاتان الصيغتان مشتركتان بين اسمي الزمان والمكان والمصدر الميمي.
стр. 333
المصدر الميمي هو: «مصدر يدلُّ على المصدر العادي، غير أَنَّهُ يبدأ بميم زائدة مفتوحة. ويصاغ من الفعل الثلاثي على وزن «مَفْعَل»، نحو: شرب مشرَبا، وأكل مأكَلا ... ، وإذا كان الفعل مثالا، صحيح اللام، وفاؤه تحذف في المضارع؛ فَإِنَّ مصدره الميمي يكون على وزن
«مَفْعِل»، نحو: وعد موعِد، وقع موقِعا ... ويصاغ من الفعل الثلاثي على وزن الفعل المضارع مع إبدال حرف المضارعة ميما مضمومة، وفتح ما قبل الآخر، نحو: أكرمه يكرمه مُكْرَمًا، هاجر يُهَاجِر مُهَاجَرًا») (١). ومعنى هذا أَنَّ:
- الوزن «مَفْعَل» ــ بفتح العين ــ قد يُعطي دلالة: اسم الزمان، اسم المكان، المصدر الميمي) (٢).
- والوزن «مَفْعِل» ــ بكسر العين ــ قد يُعطي دلالة: اسم الزمان، اسم المكان، المصدر الميمي.
- والأوزان التي تمثلها الألفاظ «مُكْرَم، مُهَاجَر، مُسْتخدَم ... » ــ بفتح ما قبل الآخر ــ قد يُعطي دلالة: اسم الزمان، اسم المكان، المصدر الميمي) (٣).
إلى هذه الدلالات المختلفة يشير سيبويه قائلا: «وأمَّا ما كان يفعل منه مفتوحًا فَإِنَّ اسم المكان يكون مفتوحا، كما كان الفعل مفتوحا. وذلك قولك: شرب يشرب. وتقول للمكان مشربٌ. ولبِس يلبَس، والمكان الملبَس. وإذا أردت المصدر فتحته أيضًا ... ويقولون المذهب للمكان.
وتقول: أردت مذهبًا أي ذهابًا فتفتح») (٤).
بعد ما سبق يظهر سؤالان: الأول: لماذا يلجأ المُتَكَلِّم إلى المصدر الميمي بدلا من المصدر الأصلي؟ والثاني: كيف يمكن التفريق بين الدلات الثلاث لكل صيغة؟
يتكفل السِّياق بالإجابة عن السؤالين السابقين، فصيغة المصدر الميمي يُأْتى بها في الكلام لأَنَّها تفوق صيغة المصدر الأصلي في «قوة الدِّلَالَة وتأكيدها») (٥). إِنَّ إرادة المُتَكَلِّم هي التي تتجه به إلى استخدام المصدر الأصلي أو الميمي، فإذا استدعى السِّياق مزيدا من التأكيد لجأ المُتَكَلِّم إلي المصدر الميمي لتحقيق هذه الغاية.
стр. 334
كما أَنَّ السِّياق هو المرجع الفصل لتحديد دلالة الوزن «مَفْعِل»، أو «مَفْعَل». فبدونه يتعذر الوقوف على هذه الدِّلَالَة.
وينبه سيبويه على أَنَّ «التاء» قد تلحق اسمي الزمان والمكان للدلالة على «التكثير». يقول في باب ((ما يكون مفعلةٌ لازمة لها الهاء والفتحة)): «وذلك إذا أردت أَنْ تكثر الشيء بالمكان، وذلك
قولك: أرضٌ مَسْبَعَةٌ، ومَأْسَدَةٌ، ومَذْأَبَةٌ. وليس في كل شيءٍ يقال إلا أَنْ تقيس شيئًا وتعلم أَنَّ العرب لم تَكَلَّم به») (١).
وهذه القاعدة لا يمكن الوقوف عليها إلا من خلال تتَبُّع هذه الصيغة في السِّياقات المختلفة، وربط هذه الصيغة بدلالة التكثير.
***
стр. 335
- المبحث الثاني: سياق الحال ومعاني الأوزان الصَّرْفِيَّة:
من خلال المنهج الذي سار عليه سيبويه في الكتاب والذي كان من بينه تتَبُّع التركيب اللغويّ أو البنية الصَّرْفِيَّة في السِّياقات المخالفة وقف على بعض المعاني الدِّلالِيَّة لبعض الأوزان الصَّرْفِيَّة. وقد قمتُ بجمع النصوص التي ذكر فيها سيبويه دلالة لوزن ما.
وفي الجدول التالي هذه المواضع:
م ... الوزن ... الدِّلَالَة ... نص سيبويه وموضعه
١ ــ «تَفَعَّلَ»
أـ يدل على من لم تكتمل عنده الصفة التي يتظاهر بها. ... أـ «ولو أرادوا أَنَّهُ يُدْخِلُ نفسَه فى الدَّينِ ولم يَستكمل أَنْ يقال: له دِينٌ، لقالوا: يَتديَّنُ وليس بذلك ويَتشرَّفُ وليس له شَرَفٌ، ويَتفهَّمُ وليس له فَهَمٌ» (١)
ب ــ المطاوعة. ... ب ــ «فعلته فتَفَعَّل، نحو كسرته فتكسر، وعشيته فتعشى، وغديته فتغدى») (٢) ... ج ــ إرادة الاتصاف بصفة حتى يكون صاحبها من أهلها.
ج ــ «وإذا أراد الرجل أَنْ يدخل نفسه في أمرٍ حتى يضاف إليه ويكون من أهله فَإِنَّك تقول: تفعل، وذلك تشجع وتبصر وتحلم وتجلد، وتمرأ، ... أي صار ذا مروءة») (٣).
د ــ الأخذ من الشيء الأول فالأول. ... د ــ «وأما قوله: تنقصته وتنقصني فكأَنَّه الأخذ من الشيء الأول فالأول») (٤)
هـ ــ القيام بالفعل على مهل. ... هـ ـ «وأما يتسمع ويتحفظ فهو يتبصر. وهذه الأشياء نحو يتجرع ويتفوق، لأَنَّها في مهلة. ومثل
стр. 336
ذلك تخيره. وأما التعمج والتعمق فنحوٌ من هذا. والتدخل مثله، لأنَّهُ عملٌ بعد عملٍ في مهلة») (١).
٢ ــ ... «فَعَّال» ... يدل على من له مهنة يمتهنها ويعالجها ... «أَمَّا ما يكون صاحب شيء يعالجه فإِنَّهُ مما يكون فعَّالاً، وذلك قولك لصاحب الثياب: ثوَّاب، ولصاحب العاج: عواجٌ؛ ولصاحب الجمال التي ينقل عليها: جمَّال، ولصاحب الحُمُر التي يعمل عليها: حمارٌ، وللذي يعالج الصرف: ... صرافٌ») (٢).
٣ ــ «فاعِل» ... يدل على ما يكون صاحب شيء وليس بصنعة يعالجها ... «وأمَّا ما يكون ذا شيء وليس بصنعة يعالجها فإِنَّهُ مما يكون فاعلا وذلك قولك لذي الدرع: دارِع ولذي النَّبل: نابلٌ، ولذي النُّشاب: ناشبٌ، ولذي التَّمر: تامرٌ، ولذي اللبن: لابنٌ») (٣).
٤ ــ «فَعَّل» ... كثرة العمل ... «تقول: كسرتها وقطعتها، فإذا أردت كثرة العمل قلت: كسَّرْته وقطَّعْتُه ومَزَّقْتُه») (٤). «كما تقول: قطَّعه وكسَّره حين تكثِّر عمله. ولو قلت: قطعه جاز واكتفيت به») (٥).
٥ ــ «انفَعَل» ... المطاوعة ... «وذلك قولك: كسرته فانكسر، وحطمته فانحطم، وحسرته فانحسرن، وشويته فانشوى، وبعضهم يقول: فاشتوى. وغممته فاغتم، وانغم عربية. وصرفته فانصرف، وقطعته فانقطع») (٦).
стр. 337
٦ ــ «افتعل»
أـ المطاوعة. ... أـ «فعلته فانفعل وافتعل: أفعلته ففعل، نحو أدخلته فدخل، وأخرجته فخرج») (١).
ب ــ المشاركة. ... ب ــ «وقد يشركه افتعلنا فتريد بهما معنى واحدا، وذلك قولهم: تضاربوا واضطربوا، وتقاتلوا واقتتلوا، وتجاوروا واجتوروا، وتلاقوا والتقوا») (٢).
ج ــ اتخاذ الاسم الذي يقع عليه الفعل ... ج ــ «تقول: اشتوى القوم، أي اتخذوا شواءً .... ، وأَمَّا اذَّبَحَ فبمنزلة اتَّخَذَ ذبيحة») (٣).
د ــ التصرف والطلب. ... د ــ «وأَمَّا اكتسب فهو التصرف والطلب») (٤).
٧ ــ «تَفاعَل»
أـ المطاوعة. ... أـ «وفي فاعلته فتفاعل، وذلك نحو ناولته فتناول») (٥)
ب ــ المشاركة. ... ب ــ «وأَمَّا تفاعلت فلا يكون إلا وأنت تريد فعل اثنين فصاعدا، ولا يجوز أَنْ يكون معملاً في مفعولٍ، ولا يتعدى الفعل إلى منصوب. ففي تفاعلنا يلفظ بالمعنى الذي كان في فاعلته. وذلك قولك: تضاربنا، وترامينا، وتقاتلنا») (٦)
ج ــ إظهار حال ليس عليها الشخص. ... ج ــ «وقد يجيئ تفاعلت ليريك أَنَّهُ في حالٍ ليس فيها. من ذلك: تغافلت، وتعاميت، وتعاييت، وتعاشيت وتعارجت، وتجاهلت») (٧).
٨ ــ «تَفَعْلَل» ... المطاوعة ... «ونظير ذلك في بنات الأربعة على مثال تفعلل نحو
стр. 338
دحرجته فتدحرج، وقلقلته فتقلقل، ومعددته فتمعدد، وصعررته فتصعرر») (١).
٩ ــ «فاعل» ... المشاركة ... «اعلم أَنَّكَ إذا قلت: فاعلته، فقد كان من غيرك إليك مثل ما كان منك إليه حين قلت فاعلته. ومثل ذلك: ضاربته، وفارقته، وكارمته، وعازني وعاززته، وخاصمني وخاصمته») (٢).
١٠ ــ «استفعل»
أـ وجود الشيء على حال مُعَيَّنَة. ... أـ «استجدته أي أصبته جَيِّدا، واستكرمته أي أصبته كريمًا. واستعظمته أي أصبته عظيمًا، واستسمنته أي أصبته سمينًا») (٣).
ب ــ الطلب. ... ب ــ «وتقول: استعطيت أي طلبت العطية») (٤).
ج ــ التحول من حال إلى حال ... ج ــ «وقالوا في التحول من حالٍ إلى حال هكذا، وذلك قولك: استنوق الجمل، واستتيست الشاة») (٥).
١١ ــ ... «افعوعل» ... المبالغة والتوكيد ... «قالوا: خشن، وقالوا: اخشوشن. وسألت الخليل فقال: كأَنَّهم أرادوا المبالغة والتوكيد، كما أَنَّهُ إذا قال: اعشوشبت الأرض فَإِنَّما يريد أَنْ يجعل ذلك كثيرا عاما، قد بالغ. وكذلك احلولى») (٦).
ولا بد في ختام هذه الجزئيَّة التأكيد على الملحوظات التالية:
• الأولى:
إنّ سيبويه سار على منهجه الذي عهدناه سلفا مع التراكيب النحوِيَّة، فهو من خلال مجموعة من الألفاظ مشتركة الوزن يستخلص هذا الوزن ويتَتَبَّعه في السِّياقات المختلفة لتحديد الدلالات المختلفة
стр. 339
لهذا الوزن. فالوزن «استفعل» له من المعاني الصَّرْفِيَّة الدِّلالِيَّة: «وجود الشيء على حال مُعَيَّنَة، الطلب، التحول من حال إلى حال»، وهي معاني قررها بعد التتَبُّع والاستقصاء.
وسيبويه ــ كما سبق وأَنْ أوضحنا ــ يلتزم بالطريقة الإِحْصَائِيَّة في دراسته لِلُّغَة وقواعدها، ويشمل هذا أيضا البنية الصَّرْفِيَّة بدليل قوله: «وليس في الكلام افْعَنلَلته، وافْعَنْلَيْتُه، ولا افعَالَلْتُه، ولا
افْعلَلتُه») (١). فهذه مقولة دالة لا محالة على منهجه الإِحْصَائِيّ، وسيبويه من الأمانة العلميَّة بحيث لا ينسب لِلُّغَة ما ليس فيها. وإذا كان سيبويه يتَتَبَّع البنى اللفظِيَّة غير المستعملة وغير الموجودة فمن باب أولى أَنْ يكون أشد تتَبُّعا لما هو مستعمل منها.
• الثانية:
دلالات الأوزان الصَّرْفِيَّة التي ذكرها سيبويه ليست «ثابتة» بل هي «متطورة»، ونحتاج دوما إلى تحليل السِّياقات التي ترد فيها هذه الأوزان للوقوف على هذه الدلالات الجديدة.
ونحن نعلم من علم الدِّلَالَة:
١ ــ أنَّ المفردات لا تستقر على حال، وذلك لأَنَّ «الحياة تشجِّع على تغير المفردات؛ لأَنَّها تضاعف الأسباب التي تؤثر في الكلمات، فالعلاقات الاجتِماعِيَّة والصناعات، والعُدد المتنوعة تعمل على تغير المفردات، وتقصي الكلمات القديمة، أوتحور معناها، وتتطلب خلق كلمات جديدة» (٢).
٢ ــ أنَّ كل جماعة لغوية تترابط لغويا، وتتحول إلى جماعة ثقافيَّة متميزة تصوغ بين الحين والآخر مدلولات جديدة للكلمات بحكم استخدامها للأشياء ومرورها بتجارب مختلفة، ولهذا كانت المدلولات سابقة لدوالها (٣).
٣ ــ اللُّغَة ليست هامدة أوساكنة بحال من الأحوال، بالرغم من أَنْ تقدمها قد يبدو بطيئا في بعض الأحايين، فالأصوات والتراكيب والعناصر النحوِيَّة وصيغ الكلمات ومعانيها معرضة كلها للتغير والتطور (٤). وتزداد سرعة التطور اللغويّ بازدياد انتشار اللُّغَة بين غير أهليها، وبازدياد عدد الذين يتكلمونها وتنوعهم (٥).
стр. 340
٤ ــ الدِّلَالَة «ناتجة عن تواضع اجتماعي، وهذا التواضع عرضة للتغيير والتطوير؛ ولذا جاز تغير الدِّلَالَة لتغير المواضعة وفق ما تمليه الظروف المستجدة في حياة الجماعة اللُّغَوِيَّة» (١).
٥ ــ «الكلمات التي تتألف منها [اللُّغَة] تتبدل ببطء في غُضُون الأجيال، غير أَنَّ ما تثيره من الصور أو ما يرتبط فيها من المعنى يتغير بلا انقطاع»، وأنْ «ليس للألفاظ سوى معان متحولة موقتة بين جيل وبين أمة وأمة») (٢).
٦ ــ و «أَنَّهُ مهما اتسع مخزون اللُّغَة اللفظي فهي قاصرة عن الوفاء بمطالب التعبير اللغويّ في مجال الأفكار المُجَرَّدة والصور والظلال» (٣).
ويمكن أَنْ ندلل على ما ذهبنا إليه من أَنَّ الأوزان الصَّرْفِيَّة تتطور دلالتها بمرور الزمن بأنْ نذكر ما قام به أحد الباحثين المعاصرين الأستاذ محمد خليفة التونسي من تتَبُّع دلالة بنية ((تَفَاعَل)) ووقوفه على بعض الدلالات التي لم تذكرها كتب الصرف، ومنها (٤):
- أولا التفاعل من واحد:
• تكلف الفعل عن اعتقاد به، مثل: تتباهى الفتاة بجمالها، وتتفاخر بنسبها، وتتواجه بثرائها وتتعاظم بثقافتها، وتتفاصح في كلامها، وتتعالى في معاملتها، وتتمايل في سيرها.
• المشابهة، مثل: تكالب على الشهوات؛ أي أشبه الكلب في الحرص عليها، وتذاءبت الريح أي أشبهت الذئب في إقباله من جهة مَرَّة، ومن غيرها أخرى.
• حدوث الفعل متتابعا، مثل: تماوج صوت أم كلثوم، وتقاطر المطر، وتناقص الماء بالتبخر، وترادف الرزق، ويتهالك على الدروس، ويتحامل على خصمه، وتقادم العهد، وتنامى الطفل، وتهاوى البناء، وتراجع في سعيه، وتراخت الحملة، وتسارعت الحركة، وتواتر الحديث، وترامى إلينا الخبر، وتمادى الضلال.
стр. 341
• الدخول في شيء، أو الميل إليه، مثل: تيامن الطريق، وتياسر في سعيه، وتباشر بالصباح، وتفاءل بالوجوه الحسان، وتشاءم بنعيق البوم، وتكاسل في عمله، وتساهل في حقه.
• طلب الفعل، مثل: تقاضاه الدين؛ أي طلب منه قضاءه، تحاكم الشاعر إلى الناقد؛ أي طلب حكمه، ذهب إلى الطبيب ليتداوى؛ أي يطلب الدواء.
• مطاوعة فعل سابق من أي وزن؛ أي التَأَثُّر به، مثل: نثرت الحب فتناثر؛ أي انتثر.
• القيام بالفعل ابتداء؛ أي دون تَأَثُّر بفعل سابق، فهو كالفعل الثلاثي، مثل: تنازل عن حقه؛ أي نزل، وتساءل عن أخيه؛ أي سأل، وتجارأ عليه؛ أي جرأ، وتجاسر عليه؛ أي جسر، وتجاوز الحد؛ أي جاز، وتوانى في العمل؛ أي وني.
• اعتقاد صفة الشيء، مثل: أعطيته في الكتاب دينارا فتقاله؛ أي عده قليلا، وتعاظمت الذنب؛ أي عددته عظيما.
- ثانيا: تفاعل من اثنين أوجمع:
• مجرد التشارك أو الاشتراك في الفعل، مثل: تنادم الرجلان، وتصاحبا، وتجالسا.
• التبادل، مثل: تآمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر؛ أي: تبادلوا ذلك، فأمر بعضهم بعضا بالمعروف ونهاه عن المنكر، وتتجاذب الكواكب والنجوم، وتعامد الخطان، يتقارضان الثناء، تعارفا بعد أنْ كانا متناكرين، تقابض المتبايعان ثُمَّ تفارقا.
• المغالبة في الفعل وهي تشمل التشارك والتبادل بين طرف وآخر مع رغبة كل طرف أَنْ يغلب الآخر، مثل: تفاخر الشاعران، ثُمَّ تهاجيا، تبارى الفريقان في الكرة، تتسابق الخيل، يتساقى المتحاربون الموت) (١).
• الثالثة:
ما زال مجال «دلالة الأوزان الصَّرْفِيَّة والفروق الدِّلالِيَّة فيما بينها» مجالا خصبا للدراسة وأنَّ ما كُتب فيه «يمثل قطرة في بحر، وأنَّ أبواب الولوج إلى هذا الميدان الخصب ما تزال مشرعة») (٢) وما
стр. 342
زال الطريق في هذه الدراسات مظلما، ولم يسلط عليه إلا النور القليل، «والباب بعد مفتوح للبحث الجاد الطويل في هذا الأمر العظيم الجليل») (١).
ومما يمكن مناقشته في جزئية الأوزان الصَّرْفِيَّة وعلاقتها بسياق الحال ما يتعلق بالأوزان الصَّرْفِيَّة التي تعبر عن جموع القِلَّة والكثرة. فقد أثبت العلماء لجموع القِلَّة أوزانا أربعة، هي: «أَفْعُل، أفعالٌ أَفعِلَة، فِعْلَة»، وأثبتوا لجموع الكثرة أكثر من ثلاثة وعشرين وزنا، هي: «فُعْلٌ، فُعُلٌ، فُعَلٌ، فِعَلٌ، فُعَلة، فَعَلَة، فَعْلى، فِعَلَة، فُعَّلٌ، فُعّالٌ، فِعالٌ، فُعُولٌ، فِعْلان، فُعْلان، فُعَلاءُ، أفعِلاءُ، فَواعِل، فَعائِل، فَعالِي، فَعَالَى، فَعَالِيُّ، فَعَالِل، وشبه فَعَالِل».
وقد أشار سيبويه إلى هذه الأوزان في بعض المواضع، فقال:
١ ــ «وكل شيء مما ذكرنا كانت فيه هاء التأنيث يكسر على ما ذكرنا إلا أَنَّكَ تجمع بالتاء إذا أردت بناء ما يكون لأدنى العدد») (٢).
٢ ــ «فإذا أردت أدنى العدد جمعت الواحد بالتاء. وإذا أردت الكثير صرت إلى الاسم الذي يقع على الجميع ولم تكسر الواحد على بناء آخر») (٣).
٣ ــ «وأما ما كان فَعلًا فإِنَّهُ يكسَّر على أفعالٍ إذا أردت بناء أدنى العدد، وذلك نحو: قاعٍ وأقواعٍ وتاجٍ وأتواجٍ، وجارٍ وأجوارٍ. وإذا أردت بناء أكثر العدد كسرته على فِعلانٍ، وذلك نحو: جيرانٍ وقيعانٍ وتيجانٍ، وساجٍ وسيجانٍ») (٤).
٤ ــ «وما كان مؤنثًا من فَعلٍ من هذا الباب فإِنَّهُ يكسر على أفعُلٍ إذا أردت بناء أدنى العدد، ... فإذا أردت بناء أكثر العدد قلت في الدار: دُورٌ، وفي الساق: سُوقٌ، وبنوهما على فُعلِ فِرارًا من فُعُولٍ») (٥).
٥ ــ «فإذا أردت بناء الأكثر قلت: سِدرٌ وقِربٌ وكِسرٌ، ... وقد يريدون الأَقَلّ فيقولون: كِسرٌ
وفِقرٌ») (٦).
ونلاحظ على النصوص السابقة ما يلي:
стр. 343
» الملحوظة الأولى:
يربط سيبويه بين التعبير بجمع القِلَّة أو الكثرة وبين «إرادة المُتَكَلِّم»؛ فالمُتَكَلِّم إذا أراد التعبير عن القِلَّة استخدم جموع القِلَّة، وإذا أراد التعبير عن الكثرة استخدم أوزان الكثرة. ولا بد أَنَّ هذا سيكون مرتبطا بالسِّياق الذي يكون في المُتَكَلِّم.
ونلاحظ في المثال الخامس أَنَّ الجمع «كِسَر» قد يُعَبِّر عن القِلَّة وقد يُعَبِّر عن الكثرة، وأنَّ هذا الأمر مرهون بإرادة المُتَكَلِّم المرتبطة بدورها بالسِّياق التي توجد فيه.
وهنا سؤال: إِنَّ المُتَكَلِّم البليغ العالم بلغته أمامه مجموعتان من الجموع: مجموعة تعبر عن «القِلَّة»، ومجموعة تعبر «الكثرة»، فإذا أراد أَنْ يُعَبِّر عن القِلَّة استخدم أحد أوزانها، وإذا أراد أَنْ يُعَبِّر عن الكثرة استخدم أحد أوزان الكثرة، فلماذا إذن يخلط المُتَكَلِّم بين الاختيارين؟ لماذا يُعَبِّر عن القِلَّة بجمع من جموع الكثرة أو العكس؟
وإجابة هذا السؤال لا تعدو أمرين:
• الأول: أَنَّ ربط النُّحَاة دلالة القِلَّة أو الكثرة بأوزان مُعَيَّنَة أمر غير دقيق، متروك للسياق) (١)، كما أشرنا لقول د. إبراهيم أنيس في بداية بحثنا.
• الثاني: وجود نكتة بلاغية في هذا، وأنَّ الكاتب أو الأديب أراد أَنْ يتخذ هذا الانتقال لـ «تنبيه» قارئه لأمر ما. فالأمر المألوف تعتاد العين عليه ولا تقف عنده، أَمَّا ما خرج عن المألوف فإِنَّهُ يستوقفها) (٢).
стр. 344
ولعل ما يؤَيِّد ما نقول هنا قول سيبويه نفسه: «وليس شيء يضُطَرّون إليه إلا وهمْ يحاوِلون به وجها») (١).
» الملحوظة الثانية:
يشير الأستاذ عباس حسن عند حديثه عن الجموع وأوزانها أَنَّ سيبويه يقرر أَنَّ جمع المذكر والمؤنث يدلان «ــ في الغالب ــ على عدد قليل لا ينقص عن ثلاثة، ولا يزيد عن عشرة، فهما كجموع القِلَّة التي للتكسير، ينحصر مدلولها في ثلاثة وعشرة وما بينهما») (٢).
ويشير إلى أَنَّ بعض علماء آخرين ــ ليس منهم سيبويه ــ يقولون: «إِنَّهُما صالحان للأمرين، ما لم توجد قرينة تعين أحد الأمرين، كالتي تعين القِلَّة في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ فَإِنَّ المراد بهاأيام التشريق، وهي قِلَّة وكالتي تعين الزيادة في قوله تعالى عن الصالحين: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾») (٣). ويقول في ختام هذه الإشارة إِنَّ هذا هو الرأي الصحيح
ونتفق مع الأستاذ عباس حسن في أَنَّ دلالة صيغ الجموع وأوزانها تتوقف على «القرينة» التي يجب أَنْ يكون من بينها سياق الحال، ولكننا لا نتفق معه ــ ﵀ ــ في أَنَّ سيبويه قيد جمع المذكر والمؤنث وأوزان جموع القِلَّة بدلالة محددة هي دلالة القِلَّة؛ لأنَّهُ قد أشار إلى عكس ذلك في بعض المواضع، منها قوله:
• «واعلم أَنَّ لأدنى العدد أبنيةٌ هي مختصَّة به، وهي له في الأصل، وربَّما شركه فيه الأكثر كما أنَّ الأدنى ربَّما شرك الأكثر. فأبنية أدنى العدد أفعلٌ نحو: أكلبٍ، وأفعالٌ نحو: أجمالٍ، وأفعلةٍ نحو: أجربةٍ، وفعلةٌ نحو: غلمةٍ، فتلك أربعة أبنية، فما خلا هذا فهو في الأصل للأكثر وأَنْ شركه الأَقَلّ .... وكذلك سمعناها من العرب. فكل شيء خالف هذه الأبنية في الجمع فهو لأكثر العدد، وإن عني به على الأقلُّ فهو داخلٌ على بناء الأكثر وفيما ليس له، كما يدخل الأكثر على بنائه وفي حيِّزه») (٤).
• «وربَّما عنوا ببناء أكثر العدد أدنى العدد كما فعلوا ذلك بما ذكرنا من بنات الثلاثة، وذلك قولهم: ثلاثةُ جدرٍ وثلاثة كتبٍ») (٥). وليتأمل قوله «وربَّما عنوا»، التي تعني ربما قصدوا،
стр. 345
أي أَنَّ الرجل وقف أمام النصوص التي وردت فيها جموع للقِلَّة أو الكثرة محللا ومدققا من خلال السِّياق الذي وردت فيه. وهذا جزء من منهجه كما علمنا.
ويقول في نصّ ثالث بشكل أكثر صراحة «وقد يجمعون بالتاء وهم يريدون الكثير») (١).
» الملحوظة الثالثة:
إذا أردنا تصغير الجموع فإِنَّهُ لا تصغر سوى جموع القِلَّة، وذلك لسبب منطقي وسياقي في نفس الوقت، وهو أَنَّنا نريد «تقليل الجمع، ولا يكون ذلك البناء إلاَّ لأدنى العدد») (٢). وينقل سيبويه عن الخليل قائلا: «وسألت الخليل عن تحقير الدُّور، فقال: أردُّه إلى بناء أقل العدد؛ لأني إِنَّمَا أريد تقليل العدد، فإذا أردت أَنْ أقلله وأحقره صرت إلى بناء الأقلِّ، وذلك قولك: أُدَيْئِرٌ، فإنْ لم تفعل فحقرها على الواحد وألحق تاء الجمع؛ وذلك لأَنَّكَ ترده إلى الاسم الذي هو لأقل العدد») (٣).
إِنَّ التصغير ــ أو بعبارة سيبويه التحقير ــ لا يتناسب مع إرادة المُتَكَلِّم للكثرة، إذ كيف يجتمع التحقير مع التكثير، لذلك لم تصغر إلا جموع القِلَّة.
***
стр. 346
الفصل الخامس: السِّياق وسيبويه والنظَرِيَّة النحوِيَّة
- المبحث الأول: تعريف مصطلح النظَرِيَّة، وأهم خصائص النظَرِيَّةالعلميَّة:
o تعريف مصطلح النظَرِيَّة.
o أهم خصائص النظَرِيَّة العلميَّة.
- المبحث الثاني: النظَرِيَّةالنحوِيَّةالسِّياقِيَّة:
o النظَرِيَّةالنحوِيَّة السِّياقِيَّة.
o نقد نظَرِيَّة العامل.
стр. 347
الفصل الخامس
السِّياق وسيبويه والنظَرِيَّةالنحوِيَّة
بعد دراستنا السابقة، ورحلتنا التي وقفنا فيها على السِّياق وكيف استغله سيبويه تقعيدا وتوجيهًا يصبح في مُكْنتِنا أَنْ نتحدث عن نظَرِيَّة نحوِيَّة يكون السِّياق ومكوناتُه عمادَها ولُحْمَتَها وسُدَاهَا.
وسيكون كلامنا هنا في المبحثين التاليين:
- المبحث الأول: تعريف مصطلح النظَرِيَّة ، وأهم خصائص النظَرِيَّةالعلميَّة:
o تعريف مصطلح النظَرِيَّة:
من الأهمِيَّة بمكان أَنْ نقف على معنى كلمة «نظَرِيَّة» لغة أولا، واصطلاحا ثانيا. وسيكون هذا الوقوف مدخلا مهمًا لحديثنا عن «نظَرِيَّة نحوِيَّة سِيَاقِيَّة».
بداية نُقَرِّر أَنَّ مصطلح «نظَرِيَّة Theory» هو مصطلح «إنجليزي الأصل نشأ في جامعة أوكسفورد البريطانية في القرن الثامن عشر») (١)؛ وبحكم هذه النشأة فَإِنَّ المعاجم الإنجليزية هي أقدر من غيرها على تحديد مدلول هذا المصطلح. وهذه نقطة مُهِمَّة يجب أَنْ نجعلها منا على ذُكْرٍ دوما.
فإذا لجأنا إلى معجم «Webster» ــ وهو من أهم المعاجم الإنجليزية ــ نجده يوضح معنى كلمة «نظَرِيَّة Theory» كما يلي:
«أـ ترتيب مُنَظَّمٌ لـ ((حقائق)) ... فيما يتعلق ببعض قوانين واقعيَّة أو افتراضية.
ب ــ تفسير افتراضي لظاهرة ما.
ج ــ فرض لم يُتَأَكَّدْ منه بالتجربة العَمَلِيَّة ليصبح قانونا، ولَكِنَّه يُقبَل كأساس للتجريب.
د ــ شرح لمبادئ عامة ومُجَرَّدة لأيِّ علم) طبيعي أو إنساني (، تلك المبادئ التي اسْتُخْلِصَتْ واستُنْبِطَت من الممارسة والتطبيق.
هـ ــ خطة أو نظام مقترح كمنهج لحدث أو فعل مُعَيَّنين.
وـ اعتقاد أو مخطط لأشياء باقية تحت تفكر أو تأمل أو افتراض أو حدْس ... ) (٢).
стр. 348
ويقول نفس هذا المعجم في طبعة أخرى عن نفس المادة:
«أـ كيان منظم من أفكار تتَعَلَّق بحقيقة شيء ما، وعادة ما يكون هذا الكيان ناتج عن دراسة عدد من الحقائق متعلقة به، وهو ــ أي هذا الكيان ــ أحيانا ما يكون بكامله نتيجة إعمال خيال متأمل.
ب ــ معرفة خاصة بعلم أو فن منبثقة من دراسة وتأمل) (١).
تلك أهم المعاني اللُّغَوِيَّة لكلمة «نظَرِيَّة theory» . ويمكن أَنْ نختصرها لمعنيين رئيسيين:
١ ــ تصوُّر عقلي لأمر ما ما زال في طور التأَمُّل والبحث ولم يثبت بعد.
٢ ــ تصور عقلي لأمر ما تمَّ الانتهاءُ من تأمُّله وبحثه وتجربته وتطبيقه واستخلاصه من حقائقه الذاتية. وسنتشبَّث هنا بهذا المعنى الثاني، وسنتمسك بشِدَّة بقول المعجم أَنَّ النظَرِيَّة «عادةً تنتج من دراسة عدد من الحقائق المتعلقة بها usually derived from the study of a number of facts relating to it»؛ أي أَنَّ النظَرِيَّة يجب أَنْ تقوم على أسس من
داخلها.
تلك هي المعاني التي تقولها المعاجم اللُّغَوِيَّة العامة، فماذا تقول المعاجم المتخصِّصَة عن مصطلح «النظَرِيَّة»؟
بما أَنَّ الحديث عن مصطلح الـ «نظَرِيَّة» ما هو إلا حديث عن «ثمَرة تأمُّل عقلي»؛ فَإِنَّ أحقَّ المعاجم المتخصِّصَة التي يمكن أَنْ نلجأ إليها لتوضيح هذا المصطلح هي المعاجم
«الفلسفِيَّة». فماذا يقول المعجم الفلسفي عن هذا المصطلح؟
يقول معجم «A DICTIONARY OF PHILOSOPHY» عن مصطلح «نظَرِيَّة
Theory»: «نظام لمعرفة وتفسير مُعَمَّمَين لجوانب مختلفة من الواقع ... والنظَرِيَّة تختلف عن الممارسة والتطبيق؛ لأنَّها ــ عقليا ــ تعكس وتُعِيدُ إنتاج الواقع. والنظَرِيَّة في نفس الوقت تتصل
стр. 349
بشكل لا انفصام له بالممارسة والتطبيق، وهي تضع نصب عينها المشاكل الملحّة وتعمل على حلِّها؛ لذلك السبب يُعدُّ التطبيق جزء وقسم أصيل من كل نظَرِيَّة) (١).
ويسترعي انتباهنا هنا عبارة المعجم أَنَّ النظَرِيَّة Theory: «تعكس وتُعِيدُ إنتاج الواقع It spiritually or mentally reflects and reproduces reality .»، وهذه عبارة جد خطيرة سنعتمد عليها لاحقا.
ومن المثير أَنَّ المعجم السابق يختم حديثه عن مصطلح «النظَرِيَّة» بربطها بمصطلح آخر أسماه «معيار الحقيقة Criterion of Truth» . فيقول في آخر حديثه عن مصطلح «النظَرِيَّة»:
«قيمة معيار الحقيقة للنظَرِيَّة) يكمن في (الممارسة The criterion of truth value of theory is practice»؛ يقصد أَنَّ نجاح النظَرِيَّة في التطبيق والممارسة وتفسيرها لأهم القضايا التي تواجهها هو جزء من معيار حقيقتها.
وعندما أردنا الاستيضاح أكثر عن مصطلح «معيار الحقيقة Criterion of Truth» هذا وعلاقته بمصطلح النظَرِيَّة وجدنا هذا المعجم يقول عن هذا المصطلح: «معيار الحقيقة هو أَيَّة وسائل تتيح لنا الحكم على فرضية أو توكيد أو مقترح نظري ... بكونها حقيقة أو زيفًا. إِنَّ معيار الحقيقة هو خبرة اجتماعِيَّة. والإثبات الحاسم للنظريات العلميَّة يؤسس على التطبيق، والاستخدام الناجح لنظَرِيَّة مُعَيَّنَة ما في التطبيق والممارسة دليلٌ على صحتها ... [و] الإثبات بالتطبيق للنظريات العلميَّة لا يحولها بذلك إلى حقائق مطلقة، فالنظريات تستمر في التطور والاختصاب، وتكسب ــ بمرور الوقت ــ مدًى أوسع ودقة أشد. وكثير من الفروض والمقترحات في تلك النظريات تسقط لصالح مقترحات وافتراضات جديدة، وهذا يرجع إلى حقيقة أَنَّ الممارسة والتطبيق الاجتماعيّين للنظَرِيَّة يجتازان ويمران بصفة مستمَرَّة بعَمَلِيَّة من التطور المستمر؛ لذلك فَإِنَّ هذه النظريات تأخذ طريقها ــ من خلال مقارنتها بالواقع ــ إلى الاكتمال والتمام.
إن التطور اليومي للتطبيق والتجرية الذي يقوم به المجتمع للنظَرِيَّة هو القادر على
((التأكيد)) أو ((الدحض الكامل)) للأفكار التي يولدها الإنسان») (٢).
стр. 350
وقد اعتمد العلماء في مختلف تخصصاتهم هذا الإطار النظري لـ «مصطلح النظَرِيَّة العلميَّة» وأكدوا «أَنَّ النظَرِيَّة هي وحسب نموذج للكون أو لجزء مُحَدَّد منه، ومجموعة من القواعد التي تربط الكميات التي في النموذج بالمشاهدات التي نجرِّبُها، وهي لا تتواجد إلا في عقولنا، وليس أي واقع آخر. والنظَرِيَّة تكون نظَرِيَّة جَيِّدة إذا كانت تفي بمطلبين: فهي يجب أَنْ تصف توصيفا مضبوطا طائفة كثيرة من المشاهدات على أساس من نموذج يحوي عناصر تعسفية معدودة، ويجب أَنْ تصنع تنبؤات محددة عن نتائج المشاهدات في المستقبل») (١).
وأشد النظريات علمِيَّةً وماديةً هي دائما نظَرِيَّة مؤقتة Provisional، يقول ستيفن هوكنج:
«إِنَّ أَيَّة نظَرِيَّة فيزيائية هي دائمة نظَرِيَّة مؤقتة، بمعنى أنَّها مجرد فرض Any physical theory is always provisional , in the sense that it is only a hypothesis») (٢) .
فإذا كانت أشد النظريات علمِيَّةً وماديةً هي نظريات مؤقتة؛ أي قابلة للتعديل والتغيير فمن باب أولى أَنْ تكون غيرها من النظريات الفلسفِيَّة والاجتِماعِيَّة واللُّغَوِيَّة أكثر قابلية للتعديل والتغيير والتبديل.
o أهم خصائص النظَرِيَّة العلميَّة:
من خلال ما تجمَّع لدينا من حقائق في الجزئيَّة السابقة يمكن أَنْ نُقَرِّر أَنَّ أهم خصائص النظَرِيَّة العلميَّة ــ كما قال أصحاب من اخترع هذا الاسم ــ ما يلي:
١ ــ أن النظَرِيَّة تعتمد على «معطيات ذاتية» من داخلها، فالنظَرِيَّة ماهي إلا «ترتيب مُنَظَّمٌ لحقائق واقعيَّة» لها، وما هي إلا «كيان منظم من أفكار تتَعَلَّق بحقيقة شيء ما».
стр. 351
٢ ــ النظَرِيَّة تعكس وتعيد إنتاج الواقع «reflects and reproduces reality It» .
٣ ــ النظَرِيَّة ترتبط بالممارسة والتطبيق Practice والتجريب، ونجاح النظَرِيَّة مرتبط بتلك الممارسة وذلك التطبيق وهذا التجريب.
٤ ــ لا توجد نظَرِيَّة تُولد كاملة من أوَّل أمرها، فالنظريات العلميَّة في حالة تطور وإصلاح داخلي مستمرين، وقد تتبنَّى نظَرِيَّة ما في بداية أمرها فروضا مُعَيَّنَة، ثُمَّ بمرور الوقت تسقط تلك الفروض ويحل محلها فروض أخرى جديدة. وبمرور الوقت تصبح أكثر دقة وانضباطا.
٥ ــ إن الممارسة أو «خبرة المجتمع Experience of society» هي ما تقرِّر صلاحية نظَرِيَّة ما أو دحضها؛ أي أَنَّ البعد الاجتماعيّ الإنساني لا بدَّ أَنْ يكون حاضرا في الحكم على النظَرِيَّة؛ لأَنَّ هذا معيار من «معيار الحقيقة Criterion of Truth» .
***
- المبحث الثاني: النظَرِيَّة النحوِيَّة السِّياقِيَّة:
o النظَرِيَّة النحوِيَّة السِّياقِيَّة:
إذا كانت النظَرِيَّة العلميَّة تقوم على معطيات ذاتية، وأنَّها تعكس الواقع وتعيد إنتاجه في رقابة الخبرة الاجتِماعِيَّة، وأنَّ هذا أحد معايير الحقيقة؛ فمن حَقِّنا أَنْ نقول علميًّا إِنَّ وضع نظَرِيَّة شاملة للنحو العربي لا بدَّ أَنْ يتضمن إبراز الجانب السِّياقي فيها ولا بدَّ أَنْ تشير هذه النظَرِيَّة بشكل واضح للبعد الاجتماعيّ الواقعي الذي يؤثر في التراكيب النحوِيَّة الموجودة في اللُّغَة.
فالواقع يثبت وجود تأثير لسياق الحال، وهو تأثير واضح وصريح ليس فقط على تركيب الجملة ولا على العلامة الإعرابِيّة بل على البنية الصَّرْفِيَّة نفسها. وقد أثبتنا من خلال نصوص كثيرة لسيبويه وجود تأثير للسياق وخاصة سياق الحال على تركيب الجملة ودلالتها وعلى التوجيه الإعرابِيّ والدِّلَالَة الصَّرْفِيَّة بما لا يدع مجالا للشك لوجود هذا التأثير، وقد ناقشنا فيما سبق من خلال نصوص سيبويه أحد أهم رواد المدرسة البصرية الحقائق التالية:
• أنَّه توجد تراكيب نحوِيَّة لا يصحُّ تركيبها ولاتصحُّ كينونتها إلا إذا قامت قرينة من سياق الحال تصححها.
• وجود تراكيب نحوِيَّة توجه في إطار معرفة سياق الحال.
• أنَّ السِّياق يمثل مَرْجِعِيَّة للضمير.
• أنَّ المُتَكَلِّم وإمكانيّة سكوته وإرادته وحالته النفسِيَّة يمثل متغير من متغيرات عديدة تؤثر في تركيب الجملة ودلالتها.
стр. 352
• الخلفيَّة الاجتِماعِيَّة والثقافيَّة لصاحب اللُّغَة تؤثر على التوجيه الإعرابِيّ وليس فقط ملابسات الحال الوقتِيَّة.
• التوجيه الإعرابِيّ بدون ربط بالسِّياق يؤدي إلى فوضى دلالية.
• أنَّ للمخاطب دورا في التوجيه الإعرابِيّ وإثرائه.
• العادة والعرف الاجتماعِيّان في البيئة المُعَيَّنَة يتدخلان في التوجيه النَّحْوِيّ.
• التوجيه النَّحْوِيّ يراعي الفرق بين الإنسان والحيوان.
• تأثير سياق الحال على كينونة الجملة الاسمِيَّة، والعلاقة بين أجزائها، وحذف أحد أركانها.
• تأثير سياق الحال على عمل المشتقات.
• تأثير سياق الحال على نواصب الفعل المضارع، وظن وأخواتها، والمفعول المطلق،
والتوابع: النعت والتوكيد والعطف والبدل، والأساليب النحوِيَّة: أسلوب الاستفهام، أسلوب النفي، أسلوب التفضيل، أسلوب النداء، أسلوب التحذير والإغراء والاختصاص، أسلوب الاستثناء، أسلوب القسم، النصب على الذم، الأدوات النحوِيَّة.
• تأثير سياق الحال على الفعل والمصادر والمشتقات ومعاني الأوزان الصَّرْفِيَّة.
بعد كل تلك العناوين الواضحة التي تشير لوجود تأثير واضح على تركيب الجملة فإِنَّهُ من غير المعقول إغفال جانب سياق الحال في تكوين النظَرِيَّة النحوِيَّة، ومن المغالطة العلميَّة التي لا تخطئها العين ألا يكون سياق الحال أحد أعمدة وأركان هذه النظَرِيَّة، إِنْ لم يكن هو الركن الوحيد.
***
o نقد نظَرِيَّة العامل:
إن مطلبنا بوضع نظَرِيَّة نحوِيَّة قائمة على السِّياق ــ وقد سبقنا في هذا المطلب بعض الأساتذة منهم أستاذنا د. كمال بشر ــ يعني ضمنا طرح نظَرِيَّة العامل، فهما لا يلتقيان. يقول د. تَمَّام:
«بعد أَنْ بيَّنت طبيعة القرائن المقالِيَّة معنوِيَّة كانت أو لفظِيَّة في دلالتها على المعنى الوظيفي النَّحْوِيّ، أحب أَنْ أضيف إليها كلمة أخرى تتصل بإغناء فهم القرائن المقالِيَّة عن فكرة العامل النَّحْوِيّ الذي قال به النُّحَاة») (١).
إن منادتنا بنظَرِيَّة نحوِيَّة قائمة على سياق الحال يقابلها مناداة بالتخلِّي عن نظَرِيَّة العامل تلك النظَرِيَّة التي اعتمدت على منطق أرسطو، هذا المنطق الذي أصاب النحو العربي «بشيء من العقم والصورية التي بلي بها المنطق الأرسطي نفسه؛ فعُني بالصور والأشكال أكثر مما عني بالدلالات
стр. 353
والمعاني. وأكثر من القوانين والضوابط؛ فأثقل على العلماء والمتعلِّمين، وغلا في القواعد بحيث أصبحت جوفاء لا تصدق إلا على حال أو أحوال محدودة، ومع ذلك لم تخل من شذوذ واستثناء، وأسرف في التمارين غير العَمَلِيَّة التي جاءت وليدة تشبيه وفروض وهمية لا أساس لها. ومن يقرأ شرح السيرافي على كتاب سيبويه أو شرح أبي حيان على التسهيل يلمس أَنَّ النُّحَاة كثيرا ما أفسدوا النحو بما وضعوا من فروع وعلل وأصول وأقيسة ومسائل غير عَمَلِيَّة.
وفوق هذا فتح مبدأ العلية على النُّحَاة باب فلسفة مفرطة وثقيلة أحيانا، فهناك علل أُوَل وثوان وثوالث، وقد يكون للمعلول الواحد أكثر من علِّة يتأوَّلها كلُّ نحوي كما يتراءى له. وفي باب الممنوع من الصرف أمثلة من تلك العلل المتهافتة، وفي باب الاشتغال ولا النافية أمثلة أخرى من تلك الاعتبارات الفلسفِيَّة غير المقبولة. وكثيرا ما ورد في المسألة قولان أو أقوال، واستخدمت العلِّة الواحدة في إثبات الشيء وضده ... ولعلَّ هذا هو الذي دفع ابن مضاء الأندلسي إلى القول بإلغاء نظَرِيَّة العامل، ورفض القياس والعلل النحوِيَّة، فوق ما كان لديه من اعتبارات أخرى نظَرِيَّة») (١).
وسوف أضرب هنا مثالا واحدا على نظَرِيَّة العامل هذه يبين مدى تعقيدها ومدى تهافتها.
في كتاب ((الإنصاف في مسائل الخلاف)) لأبي البركات الأنباري، نقرأ مناقشة له على مدار خمس صفحات عن العامل في «المبتدأ»، فنجده يقول في مسألة ((القول في رافع المبتدأ ورافع
الخبر)): «ذهب الكوفيون إلى أَنَّ المبتدأ يرفع الخبر، والخبر يرفع المبتدأ؛ فهما يترافعان، ... وذهب البصريون إلى أَنَّ المبتدأ يرتفع بالابتداء، وأما الخبر فاختلفوا فيه: فذهب قوم إلى أَنَّه يرتفع بالابتداء وحده، وذهب آخرون إلى أَنَّه يرتفع بالابتداء والمبتدأ معًا، وذهب آخرون إلى أَنَّه يرتفع بالمبتدأ والمبتدأ يرتفع بالابتداء. أَمَّا الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إِنَّمَا قلنا إِنَّ المبتدأ يرتفع بالخبر والخبر يرتفع بالمبتدأ لأنَّا وجدنا المبتدأ لا بدّ له من خبر، والخبر لا بدّ له من مبتدأ، ولا ينفك أحدهما من صاحبه، ولا يتم الكلام إلا بهما ... ولا يمتنع أَنْ يكون كل واحد منهما عاملًا ومعمولًا،
ولا يجوز أَنْ يقال أَنَّ المبتدأ يرتفع بالابتداء، لأنا نقول: الابتداء لا يخلو: إما أَنْ يكون شيئًا من كلام العرب عند إظهاره، أو غير شيء؛ فإنْ كان شيئًا فلا يخلو من أَنْ يكون اسمًا أو فعلًا أو أداة من حروف المعاني؛ فإنْ كان اسمًا فينبغي أَنْ يكون قبله اسم يرفعه، وكذلك ما قبله إلى ما لا غاية له، وذلك محال، وإن كان فعلًا فينبغي أَنْ يقال زيد قائمًا ... وإن كان أداة فالأدوات لا ترفع الأسماء على هذا الحد. وإن كان غير شيء فالاسم لا يرفعه إلا رافع موجود غير معدوم، ومتى كان غير هذه الأقسام الثلاثة التي قدمناها فهو غير معروف. قالوا: ولا يجوز أَنْ يقال إِنَّا نعني
стр. 354
بالابتداء التَّعَرِّي من العوامل اللفظِيَّة، لأنا نقول: إذا كان معنى الابتداء هو التعري من العوامل اللفظِيَّة فهو إذًا عبارة عن عدم العوامل، وعدم العوامل لا يكون عاملًا. والذي يدل على أَنَّ الابتداء لا يوجب الرفع أنَّا نجدهم يبتدئون بالمنصوبات والمسكنات والحروف، ولو كان ذلك مُوجبًا للرفع لوجب أَنْ تكون مرفوعة، فلما لم يجب ذلك دَلَّ على أَنَّ الابتداء لا يكون موجبًا للرفع.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إِنَّمَا قلنا إِنَّ العامل هو الابتداء وإن كان الابتداء هو التعري من العوامل اللفظِيَّة لأَنَّ العوامل في هذه الصناعة ليست مؤثرة حسية كالإحراق للنار والإغراق للماء والقطع للسيف، وإِنَّمَا هي أمارات ودلالات، وإذا كانت العوامل في محلّ الإجماع إِنَّمَا هي أمارات ودلالات فالأمارة والدِّلَالَة تكون بعدم شيء كما تكون بوجود شيء، ألا ترى أَنَّه لو كان معك ثوبان وأردت أَنْ تميز أحدهما من الآخر فصبغْتَ أحدهما وتركت صبغ الآخر لكان تَرْكُ صبغ أحدهما في التمييز بمنزله صبغ الآخر؟ فكذلك ههنا. وإذا ثبت أَنَّه عامل في المبتدأ وجب أَنْ يعمل في خبره، قياسًا على غيره من العوامل، نحو ((كان)) وأخواتها و ((إِنَّ وأخواتها)) و ((ظننت)) ... وأخواتها فَإِنَّها لما عملت في المبتدأ عملت في خبره فكذلك ههنا ... وأما من ذهب إلى أَنَّ الابتداء والمبتدأ جميعا يعملان في الخبر فقالوا: لأنا وجدنا الخبر لا يقع إلا بعد الابتداء والمبتدأ؛ فوجب أَنْ يكونا هما العاملين فيه، غير أَنَّ هذا القول وإن كان عليه كثير من البصريين إلا أَنَّه لا يخلو من ضعف، وذلك لأَنَّ المبتدأ اسم، والأصل في الأسماء أَنَّ لا تعمل، وإذا لم يكن له تأثير في العمل، والابتداء له تأثير، فإضافة ما لا تأثير له إلى ما له تأثير لا تأثير له ... ») (١).
إن تتَبُّع هذا النَّصّ وما فيه من استدلالات مغرقة في الفلسفية على مدار خمس صفحات أمر مرهق ذهنيا، يولد الملل والضجر، ويصد عن متابعة القراءة واستمرارها، ويعطي انطباعا سيئا يبقى في نفس القارئ دوما، ولقد كان من السهل علينا أَنْ نقول بدلا من كل هذا أَنَّ الذي رفع المبتدأ والخبر هو المُتَكَلِّم، وأنَّ المُتَكَلِّمين اتفقوا على رفع الاسم في بداية الجملة الاسمِيَّة، كما تعارفوا على الألفاظ ودلالتها، وتعارفوا على البنى اللفظِيَّة، واتفقوا على استعمال بعضها وإهمال البعض الآخر.
وقولنا إِنَّ المُتَكَلِّم هو الذي رفع أو نصب أو جر هو قولٌ سبقنا به عالمان من علماء العربِيَّة: ابن جني وابن مضاء، والباحث ليس بدعا في هذا.
ويحضرنا هنا نص مُهِمّ للرضي) ت: ٦٨٨ هـ (يتحدث فيه عن أحد أفعال اليقين الفعل
«علم»، محاولا إظهار الفرق بينه وبين الفعل «عرف»، فيقول:
« ... وإمّا لليقين فقط وهو «علم» بمعنى «عَرَف»، ولا يُتوهم أنَّ بين ((علمت))
و((عرفت)) فرقًا معنويًا، كما قال بعضهم، فإنَّ معنى: ((علمت أنَّ زيدًا قائم)) و:
стр. 355
((عرفت أنَّ زيدًا قائم)) واحدٌ، إلا أَنَّ: ((عرف)) لا ينصب جزأي الجملة الاسمية، كما ينصبها ((علم))، لا لفرق معنويٍّ بينهما، بل هو موكولٌ إلى اختيار العرب، فإنهم قد يَخُصُّون أحَدَ المتساويين في المعنى بحكم لفظي دون الآخَر») (١).
فالرَّضِيّ ينص على أنَّ معنى «علم» يساوي معنى «عرف»، وعلى الرغم من هذا التساوي في المعنى ــ عند الرَّضِيّ ــ فإن «علم» ينصب جزأي الجملة الاسمية، أما «عرف» فلا ينصب جزأي الجملة الاسمية، والسبب في هذا هو «اختيار العرب» فإنَّهم قد «يَخُصُّون أحَدَ المتساويين في المعنى بحكم لفظي دون الآخَر»؛ أي أنَّ العرب «اختارت» أنْ تُعمل الفعل «علم»، ولم تختر أن تُعمل الفعل
«عرف».
إذن اختيار الإعراب يتوقف في نهاية المطاف على اختيار المتكلم.
وفي نص لابن السراج يقول فيه: «واعلم: أنَّ أسماء الأزمنة تكون على ضربين: فمنها ما يكون اسمًا ويكون ظرفًا، ومنها ما لا يكون إلا ظرفًا، فكلُّ اسم من أسماء الزمان فلك أنْ تجعله اسمًا وظرفًا إلا ما خصته العرب بأنْ جعلته ظرفًا، وذلك ما لم تستعمله العرب مجرورًا ولا مرفوعًا. وهذا إنما يؤخذ سماعًا عنهم فمن ذلك: ((سحر)) إذا كان معرفة غير مصروف تعني به: سحر يومك لا يكون إلا ظرفًا وإنَّما يتكلمون به في الرفع والنصب والجر») (٢).
في هذا النص نجد ابن السراج يعطي الحق ((للعرب / المتكلم)) في أن تجعل من أسماء الزمان الظروف التي تريدها وتمنع غيرها من هذه الظرفية، فـ ((العربي / المتكلم)) حر في هذا الاختيار.
إن قولنا: أن السياق هو المسيطر الأول والأخير على الجملة بكل ما فيها ينهي هذا الجدال في هذا العلم علم النحو، الشديد الأهمِيَّة لبقية العلوم اللُّغَوِيَّة الأخرى كما قال الإمام الشافعي.
إن نظَرِيَّة العامل قد تعتبر مثال على نظَرِيَّة «غير علمِيَّة»؛ بمعنى أَنَّنا إذا أردنا التدليل على وجود نظَرِيَّة غير علمِيَّة قلنا إنَّها نظَرِيَّة العامل. إِنَّ النظَرِيَّة العلميَّة تنبع من الواقع، ومن الحقائق الموجودة سلفا في هذا الواقع، ونظَرِيَّة العامل هي أبعد ما تكون عن الواقع والممارسة والتطبيق. والنظَرِيَّة العلميَّة تنمو وتستمر لتكون أكثر دقة وانضباطا، ويحدث لها إصلاح داخلي تقوم به الخبرة الاجتِماعِيَّة، أَمَّا نظَرِيَّة العامل فمع مرور الوقت ازدادت الأمور معها تعقيدا كما رأينا في نصّ أبي البركات الأنباري، وأصبحت العناية ــ كما قال د. إبراهيم مدكور ــ مجرد اهتمام «بالصور