← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 132406

قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه

إيهاب سلامة

Полный текст (384 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

- «وسمعناهم ينشدون هذا البيت ... » (١). - «وأنشدناه هكذا أعرابي من أفصح الناس، وزعم أَنّهُ شعر أبيه» (٢). وقد عقد سيبويه بابا من أبواب كتابه سماه «باب وجوه القوافي في الإنشاد» قال فيه: «الشعر وضع للغناء والتَّرَنُّم» (٣). وقد أشار سيبويه لهذا الإنشاد في أكثر من ٤٥ موضعا. ولا شك أَنَّ حالة الإنشاد هذه التي يقوم بها الشاعر أو من ينوب عنه يصاحبها رفع الصوت، وكثير من الإشارات الجسدِيَّة والهيئة والإيقاع والتقطيع والتشدُّق وكل ما يُعين مُلْقِي القصيدة على التعبير عن قصيدته وما بها من معان (٤). ومن إشارات البغدادي لهذا الأمر قوله: «العرب كان بعضهم يُنشد شعره للآخر؛ فيرويه على مقتضى لغته التي فطره الله عليها وبسببه تكثر الروايات في بعض الأبيات») (٥). من إشارة البغدادي نعلم أنَّ تناشُد الشعر كان أمرا مألوفا بين العرب، وأن العرب كانت تُنشد شعرها لبعضها البعض، وهذا يعني ــ من وجهة نظر الباحث ــ أنَّ الملابسات السياقيَّة للنصِّ الشعريّ المُنشَد ستكون حاضرة مع كل قصيدة. كل الملابسات السياقية بما فيها النواحي الصوتية للمنشِد وتعبيرات الوجه والجسد وغيرها. ومما قرأه الباحث ــ ويجِدُهُ قريبا مما نتحدِّث عنه هنا ــ كلامًا عن «الثقافة الشفاهيَّة» في كتاب «الشفاهيَّة والكتابيَّة Orality and Literacy») (٦) لمؤلفه والتر ج. أونج. وهو كتاب يبرز الفرق بين الثقافة الشفاهيَّة ــ أي التي تقوم على المشافهة ــ، والثقافة الكتابيَّة ــ أي التي يقوم على الكتابة ــ ومن المبادئ التي أرساها والتر ج. أونج في هذا الكتاب: أ « ... أَمَّا في الكلام الشفاهيّ، فلا بدَّ أَنْ تشمل الكلمة هذا التنغيم أو ذاك كأنْ تكون الكلمة حيوية أو مثيرة أو هادئة أو ساخطة أو مذعنة، أو أيًّا ما كانت، فمن المحال نطق كلمة ما شفاهة دون أي تنغيم ... والممثلون ينفقون الساعات لتقرير كيف ينطقون الكلمات في النَّصّ

стр. 72

الذي أمامهم. فمن الممكن أَنْ يلقي أحد الممثِّلين فقرة ما بصوت جهير ويلقيها آخر همسا. ولا يكون السِّياق خارج النَّصّ غائبا لدى القراء فحسب، بل لدى الكاتب كذلك، وافتقاد السِّياق الذي يمكن التحقق منه هو عادة ما يجعل الكتابة نشاطا متعبا إلى حد يفوق الإلقاء الشفاهي على جمهور حقيقي») (١). ب «وتنتج الثقافات الشفاهية ــ في الواقع ــ أداءات لسانية مليئة بالقوة والجمال، وذات قيمة فنية وإنسانية عالية، أداءات لا تعود ممكنة في اللحظة التي تستحوذ فيها الكتابة على النفس البشرية») (٢). ت «تختلف حالة الكلمات في نصّ ما اختلافا تامًّا عن حالتها في الخطاب المنطوق. وعلى الرغم من أَنَّ الكلمات المكتوبة تشير إلى الأصوات، وأَنَّها لا يكون لها معنى إلا إذا أمكن وصلها ــ ظاهريا أو في الذهن ــ بالأصوات، وعلى نحو أدقّ بالفونيمات التي تحولها إلى رموز؛ فَإِنَّها تظل معزولة عن السِّياق الكامل الذي تبرز من خلاله الكلمات المنطوقة إلى الوجود؛ فالكلمة في موطنها الشفاهيّ الطبيعي تمثل جزءا من حاضر وجودي حقيقي، والقول المنطوق إِنَّمَا يصدر عن شخص حقيقي حيّ إلى شخص أو أشخاص آخرين حقيقيِّين أحياء، في لحظة زمَنِيَّة بعينها في موقف حقيقي يتضمن دائما ما يتجاوز مجرد الكلمات. فالكلمات المنطوقة هي دائما تعديلات على موقف يضم أمورا غير الكلام أيضا فهي لا تقوم أبدا بذاتها، في سياق لا يشمل سوي الكلمات») (٣). ث «وتشترك هذه الخصائص في سمة أساسية، تتمثل في العلاقة الفريدة للصوت بدخيلة الإنسان، وذلك عندما نقارن الصوت ببقية الحواس، وهذه العلاقة مُهِمَّة بسبب داخلية كل من الوعي والتواصل الإنسانيين») (٤). من خلال الاقتباسات السابقة يضع والتر ج. أونج أيدينا على مجموعة الحقائق المُهِمَّة التالية: » الكلام الشفاهي مرتبط لا محالة بالتنغيم. » الكلام الشفاهي يرتبط بأداءات لسانية مليئة بالقوة والجمال ذات قيمة إنسانية وفنية عالية، لا يمكن أَنْ توجد في الكتابة. » الكلام الشفاهي يرتبط بشخص حي في لحظة زمَنِيَّة بعينها في موقف حقيقي.

стр. 73

» الكلام الشفاهي يرتبط بالصوت الذي يرتبط بدوره بدخيلة الإنسان. وإذا ضممنا إلى مجموعة الحقائق السابقة مجموعة الحقائق التالية التي تقول: أ ((الإنشاد: رفع الصوت، ومنه إنشاد الشعر)) (١). و ((أنشد القصيدة إنشادا: إذا رفع صوته في إلقائها)) (٢). ب ويتضح من تَتَبُّع مصطلح الإنشاد في المعاجم أَنَّه مرتبط بالشعر. ت وأَنَّ حُسْنَ إنشاد الشعر كان مثار تفاضل بين الرواة، يُعَدُّ حسنُ الإنشاد منقبةً لأحدهم يفتخر بها وقد يُذَمُّ المنشد بسوء الإنشاد أيضا، ونقرأ أحيانا في كتب التراجم أَنَّ فلانا «من أحسن الناس إنشادا للشعر») (٣). ث ويحدِّثُنا المؤرخون أَنَّه قبل انقضاء القرن الثاني الهجري امَّحت أسواق الجاهلية، «ولكن سوقا واحدة نشأت في الإسلام احتفظت بكثير من خصائص أسواق الجاهلية، وزادت عليها بميزات واسعة ... تلك هي سوق المِرْبَد في البصرة، السوق التي استطاعت أَنْ تكون مرآة تعكس حياة العرب في الجاهلية كما تصور حضارتهم في الإسلام») (٤). صارت هذه السوق على عهد الأمويين سوقا «تتَّخذ فيها المجالس، يخرج إليها الناس كُلَّ يوم، كُلٌّ إلى فريقه وحلقته وشاعره، وتتعدد فيه الحلقات يتوسطها الشعراء والرجاز، ويؤمُّها الأشراف وسائر الناس يتناشدون ويتفاخرون») (٥). فالمربد «معرض لكل قبيلة، تُعرض فيه شعرها ومفاخرها، وهو مجتمع العرب ومُتَحدَّثهم ومتنزه البصريين ... وما زال يعلو شأنه وتستجيب له أسباب الكمال حتى اشتد ولوع الناس به وارتيادهم له») (٦)، وبه «كانت مفاخرات الشعراء والخطباء») (٧)، وكان «يعج بأعلام اللُّغَة والأدب والشعر والنحو، معهم محابرهم ودفاترهم يكتبون عن فصحاء الأعراب فيه»، وكان «لكل شاعر حلقة، ولكل متهاجيين مجلس، ولكل قبيلة ناد وشاعر يذود عنها ويردّ عدوان قريعه من القبيلة الثانية: فللعجاج ولرؤبة حلقة، ولأبي النجم العجلي حلقة، ولجرير حلقة،

стр. 74

والفرزدق وراعي الإبل وذي الرمة حلقة») (١). ويتفرد المربد بأمر علمي محض «لم يكن له في عكاظ من أَثر، وهو أَنَّه أرفد اللُّغَة بمادة كثيرة، عليها أسس النُّحَاة قواعدهم وأصلحوها، وذلك بما كانوا يقصدون له فصحاء العرب يسألونهم فيما فيه يختلفون ... [و] تجد أَنَّ أكثر مادتها فيما يتعلق بالعصر الأول والثاني للهجرة») (٢). ولا يمكن أَنْ يكون سيبويه الذي نشأ وتربى في البصرة أَنْ يكون بمعزل عن هذه السوق وهذه البيئة العلميَّة التي يُنْشَدُ فيها الشعر من رواة متقنين. ج قال البغدادِيّ: «وعمل سيبويه كتابه على لغة العرب وخطبها وبلاغتها» (٣). إذا وضعنا هاتين المجموعتين من الحقائق إزاء بعضهما نخرج بحقيقة علمِيَّة مُؤَدّاها أَنَّ سيبويه ــ لا محالة ــ وضع قواعده من خلال لغة مُنشَدة منطوقة حية تتفاعل مع الواقع تفاعلا، وأَنَّه قد أسس قواعده على ثقافة شفاهيَّة تتمتع بكل ما نقلناه عن والتر ج. أونج. وقد علمنا في التمهيد من قبل أن سيبويه كان جل اعتماده على الشعر في تقعيده. ومما يثير الدهشة والعجب لدى المتأمِّل لنصوص الكتاب انتباه سيبويه لتفاصيل دقيقة جدا أثناء عَمَلِيَّة السماع للنصوص الشعرِيَّة والنثرِيَّة، تفاصيل لا تحتاج فقط إلى تركيز سمعي بل أيضا إلى تركيز بصري فائق. • من هذه التفاصيل الدقيقة مثلا انتباهه للاختلافات الصَّوْتِيَّة الدقيقة التي تحتاج إلى سمع مرهف خبير بالأصوات، فنجده مثلا يلاحظ الاختلافات الصَّوْتِيَّة لحرف «الزاي» وأنَّ له اختلافات في النطق، فيقول: «وسمعنا العرب الفصحاء يجعلونها زايا خالصة» (٤). ونجده يرصد صوتيًّا ما يحدث لحرف العين من تغير صوتي إذا أتي مع حرف الهاء؛ فيقول: «ومما قالت العرب تصديقا لهذا في الإدغام قولُ بني تميم: مَحُّمْ، يريدون: معهم، ومَحَّاولاءِ، يريدون: مع هؤلاءِ» (٥). • وفي الحقيقة إِنَّ باب الإدغام في كتاب سيبويه يدلُّ على براعته الفائقة ودِقَّتِه في ملاحظة الفروق الصَّوْتِيَّة بين الحروف.

стр. 75

• ومن هذه التفاصيل أيضا ما لاحظه من قيام بعض رواة الشعر من «إشمام» للأبيات التي يروونها، يقول: «وقد يُسكِّن بعضُهم في الشعر ويُشمُّ، وذلك قول الشاعر امرئ القيس: فاليومَ أَشْرَبْ غيرَ مُسْتَحِقبٍ ... إثمًا من الله ولا واغل [بحر السريع]» (١). وقال عند قول الشاعر: متى أَنَامُ لا يُؤَرِّقْني الكَرَى ... ليلًا ولا أسمعُ أجراسَ المَطِي [بحر الرجز] «وقد سمعنا من العرب مَن يُشِمُّه الرَّفْعَ، كَأَنَّه يقول: متى أنام غير مُؤَرَّق» (٢). والإشمام مصطلح عند النُّحَاة يراد به «تهيئة الشفتين للتلفظ بالضم ولكن لا يتلفظ به ... [و] يراد به أيضا تصوير الفم عند حذف الحركة بالصورة التي تعرض عند التلفظ بتلك الحركة بلا حركة ظاهرة ولا خفية، وعلامته في الكتابة نقطة بين يدي الحرف» (٣). أو هو بعبارة أخرى: «نوع من أنواع الوقف على المتحرك، وهو قسيم الإسكان والروم والتضعيف والنقل. والوقف بالإشمام هو ضم الشفتين بعد تسكين الحرف الأخير، ولا يكون إلا فيما حركته ضمة») (٤)؛ أي أَنَّ الإشمام يُدْرَكُ عن طريق البصر، وهذا يتطلب أَنْ يكون المستمع والرائي قريبين من المنشِد أو المتحدِّث ليتمكنا من رؤية حركة الشفتين. كما أَنَّ الأذن هنا لعبت دورا دقيقا؛ إذ أدركت عدم النطق بالضم. ما سبق يجعلنا نُقَرِّر أَنَّه إذا كان سيبويه ينتبه إلى هذه الفروق الدقيقة جدا التي تتطلب انتباها وتركيزا فائقين من صاحبها فمن باب أولى أَنْ ينتبه لما هو أكثر قابلية للملاحظة من عناصر سياق الحال المختلفة التي سبق أَنْ سردناها في التمهيد السابق، التي تؤثر لا محالة في اللُّغَة. إن اهتمام سيبويه بالسماع وقيامه بالتَّقْعِيد لمعظم القواعد التي سطَّرها في كتابه على الشعر الذي سمعه في حالة «إنشاد» يدلان على أَنَّه اعتمد على اللُّغَة الحَيَّة المنطوقة في وقته؛ وهذا يضمن أَنَّ قواعده التي استخلصها تمثل اللُّغَة تمثيلا صادقا. وقد كانت إحدى الميزات التي تميزت بها المدرسة البنيوية في بدايتها اعتمادها على اللُّغَة الحَيَّة المنطوقة لغة الحديث الفعلِيَّة، وقد كانت تلك مِيزةٌ احتفى بها اللغويّون أيما احتفاء. يقول

стр. 76

الأستاذان نايف خرما وعلى حجاج: «أَمَّا الميزة الأخرى [للمدرسة البنيوية] ... التركيز على اللُّغَة الحَيَّة، لغة الحديث الفعلِيَّة في فترة زمَنِيَّة محددة هي الوقت الحاضر. وبذلك أتت دراساتهم وصفا حقيقيا واقعيا لِلُّغَة ما، كما هي مستخدمة حاليا، لا فرضا لاستخدامات عفاها الزمن، وأصبحت في بطون الكتب، وهذه حسنة كبيرة ولا شك») (١). وسبق سيبويه بهذا الاهتمام يدلُّ على مدى النضج العقلي والذهني الذي كان عليه هذا الرجل النابغة. **** اعتبار سيبويه للسياق: بعد أَنْ أثبتنا أَنَّ سيبويه يتعامل مع نصوص اللُّغَة الحَيَّة المنطوقة، وأَنَّه كان دقيق الملاحظة لما يُسمَع ويُنشَد أمامه ــ يبرزُ هنا سؤال منطقيّ بسيط مُؤَدّاه: ما مدى اعتبار سيبويه لسياق الحال؟ وما مدى تفاعله مع هذا السِّياق؟ إن النصوص المنطوقة التي اعتمد عليها سيبويه تستلزم بالضرورة وجودها في سياق حال ما فهي منطوقة ينطقها صاحبها، وصاحب الكلام أدرى بمعاني كلامه، وكيف يُعَبِّر عن هذه المعاني من خلال إشارات جسدِيَّة أو صوتيَّة. والسؤال الآن: هل كان سيبويه يأخذ سياق الحال بعين الاعتبار في دراسته النحوِيَّة لِلُّغَة؟ أم كان لا يلقي بالا له ويُغْفل أثره؟ من يَتَعَمَّق في أطواء الكتاب، ويُنْعِم النظر في نصوصه وأقواله يجد صاحبه معتبرا لسياق الحال ومعتمدا عليه تقعيدا وتوجيها في كثير من المسائل. والنصوص التي نجد فيها تأثيرا لسياق الحال يمكن أَنْ نقسِّمَها قسمين: • نصوص يظهر فيها تأثير سياق الحال بشكل واضح وصريح، ويرسم فيها سيبويه السِّياق بنفسه. • ونصوص تدلُّ على تَأَثُّرها بسياق الحال، ولكن لا يذكر فيها أَيَّة إشارة إليه، بل يُفْطَنُ إليه من خلال التأَمُّل والتحليل البسيط. ومن أمثلة النصوص الواضحة التي يرسم فيها سيبويه سياق الحال بنفسه ما يلي: ١. «إذا رأيت رجلا مُتَوَجِّهًا وجهة الحاجّ، قاصدا في هيئة الحاجّ؛ فقلت: مكَّة ورب الكعبة؛ حيث زكِنت) تيقَّنت (أَنّهُ يريد مكَّة، كَأَنَّك قلت: يريد مكَّة والله. ويجوز أَنْ تقول: مكَّة والله، على قولك: أراد مَكَّة والله» (٢).

стр. 77

٢. «ولو رأيت ناسا ينظرون الهلال وأنت منهم بعيد؛ فكبَّروا؛ لقلت: الهلال ورب الكعبة؛ أي: أبصروا الهلال» (١). ٣. «رأيت رجلا يُسَدِّد سهما قِبل القرطاس؛ فقلت: القرطاس والله، أي: يصيب القرطاس. وإذا سمعت وقع السهم في القرطاس؛ قلت: القرطاسَ والله؛ أي: أصاب القرطاس» (٢). ٤. «أو رأيت ضربا؛ فقلت على وجه التفاؤل: عبدَ الله؛ أي: يقع بعبد الله، أو بعبد الله يكون» (٣). ٥. وفي باب من أبواب الكتاب بعنوان «باب ما جرى من الأمر والنهى على إضمار الفِعل المستعمَلِ إظهارُه إذا عَلِمْت أَنَّ الرجل مُسْتَغْن عن لَفْظِكَ بالفِعل» يقول: «وذلك قولك: زيدًا، وعمرًا، ورأسَه. وذلك أنَّك رأيت رجلا يَضْرِبُ أو يَشْتِمُ أو يَقتل، فاكتفيتَ بما هو فيه من عمله أَنْ تَلفظَ له بعمله؛ فقلت: زيدًا، أى: أَوْقِعْ عملَك بزيدٍ. أو رأيتَ رجلاً يقول: أَضْرِبُ شَّر الناسِ؛ فقلتَ: زيدًا. أو رأيتَ رجلا يحدَّثُ حديثا فقَطَعَهُ؛ فقلتَ: حديثَك. أو قَدِمَ رجلٌ من سفرٍ؛ فقلت: حديثَك. استغنيتَ عن الفعل بعلمه أَنّهُ مستخبرٌ» (٤). ٦. وفي أحد مواضع الكتاب يناقش اتصال اسم الفعل «رويد» بالضمير) كاف الخطاب (، ويوضح تأثير سياق الحال على هذا الاتصال فيقول: «واعلم أَنَّ رُوَيْدًا تَلحقها الكافُ وهى في موضع افعلْ، وذلك كقولك: رويدك زيدًا ... وهذه الكاف التي لحقت رويدًا إنّما لحقت لتُبيِّنَ المخاطَبَ المخصوصَ؛ لأَنَّ رُوَيْدَ تقع للواحد والجميع، والذَّكر والأُنثى، فإِنَّما أَدخل الكافَ حين خاف الْتباسَ مَنْ يَعنى بمن لا يعنى، وإنَّما حذفَها في الأوَّل استغناء بعلم المخاطبَ أَنّهُ لا يَعنى غيرَه. فلَحاقُ الكاف كقولك: يا فلانُ، للرَّجُل حتَّى يُقْبِلَ عليك. وتركُها كقولك للرجل: أنت تَفعلُ، إذا كان مُقْبِلا عليك بوجهه مُنْصِتًا لك. فتركتَ يا فلانُ حين قلت: أنت تَفعَلُ؛ استغناءً بإِقبالِه عليك. وقد تقول أيضًا: رُوَيْدَكَ، لمن لا يُخاف أَنْ يَلتبسَ بسِواه توكيدًا، كما تقول للمقبِلِ عليك المُنْصِت لك: أنتَ تَفعلُ ذاك يا فلانُ، توكيدًا» (٥).

стр. 78

ومما هو جدير بالنظر ويستحق التسجيل هنا، أَنَّ هذه الأمثلة وخاصة الأمثلة: ١، ٢، ٣، ردَّدَها النُّحَاة من بعد سيبويه بنصِّها تقريبا، ومنهم ــ بحسب الترتيب الزمني ــ الأسماء الآتية: ١ ــ المُبَرِّد) ت: ٢٨٥ هـ (، في كتابه: ((المقتضب))، ٢/ ٣١٨، ٤/ ١٢٩ ٢ ــ ابن السرّاج) ت: ٣١٦ هـ (، في كتابه: ((الأصول))، ٢/ ٢٤٧ ٣ ــ ابن جني) ت: ٣٩٢ هـ (، في كتابه: ((الخصائص))، ١/ ٢٦٥، ٢/ ٣٦٢ ٤ ــ الزَّمَخْشَرِيّ) ت: ٥٣٨ هـ (، في كتابه: ((المُفَصَّل في صنعة الإعراب))، ١/ ٥٨ ٥ ــ العُكْبَرِيّ) ت: ٦١٦ هـ (، في كتابه: ((اللباب في علل البناء والإعراب))، ١/ ٤٦٦ ٦ ــ ابن يعيش) ت: ٦٤٣ هـ (، في كتابه: ((شرح المُفَصَّل))، ١/ ٣١١ ٧ ــ ابن مالك) ت: ٦٧٢ هـ (، في كتابه: ((شرح تسهيل الفوائد))، ١/ ٢٥٧ ٨ ــ بدر الدين المُرَادي) ت: ٧٤٩ هـ (، في كتابه: ((الجنى الداني))، ص ١٩٤ ٩ ــ ابن هشام) ت: ٧٦١ هـ (، في كتابه: ((أوضح المسالك إلى ألفِيَّة ابن مالك))، ٢/ ١٥٦ ١٠ ــ الأشموني) ت: ٩٠٠ هـ (، في كتابه: ((شرح الأشموني على ألفِيَّة ابن مالك))، ١/ ١٧٦ ١١ ــ خالد الأزهري) ت: ٩٠٥ هـ (، في كتابه: ((التصريح بمضمون التوضيح))، ١/ ٤٧٣ ١٢ ــ السيوطي) ت: ٩١١ هـ (، في كتابه: ((همع الهوامع))، ١/ ٣٠٩ ١٣ ــ الصَّبَّان) ت: ١٢٠٦ هـ (، في كتابه: ((حاشية الصَّبَّان))، ١/ ٢٦١ هذه القائمة التي تضم فحولا من النُّحَاة تدل على أَنَّهم وقفوا على البعد السِّياقي الاجتماعِيّ عند تقعيدهم وتوجيههم النَّحْوِيّين، وأنَّهُم كانوا على دراية به. ولكنْ يبدو أنَّ هذا الجانب لم يتلق مزيد عناية منهم. ونلاحظ في هذه النصوص أَنَّ سيبويه يرسم ويوضح أركان مسرح الحدث اللغويّ لكي يصل من خلاله للقاعدة التي عقد لها الباب. ونجد مجموعة أخرى من النصوص يبدو فيها أَثَر لسياق الحال، ولَكِنَّه أَثَر غير واضح يتطلب فضل تأمل للوقوف عليه، مثال ذلك: ١ ــ إذا كرَّرنا اللفظة «أنت» مرتين وقلنا: «أنت أنت»، فقد تكون هاتان اللفظتان توكيدًا لفْظِيًّا في جملة، وقد يكونان هما بذاتهما جملة، وهذا ما يفهم من نصّ سيبويه التالي: قال سيبويه نقلا عن الخليل «وتقول: قد جربتُك فوجدتك أنت أنت، فأنت الأولى مبتدأة والثانية مبنية عليها؛ كَأَنَّك قلت: فوجدتك وجهك طليق، والمعنى أَنَّكَ أردت أَنْ تقول: فوجدتك أنت الذي أعرف.

стр. 79

ومثل ذلك: أنت أنت، وإن فعلت هذا فأنت أنت؛ أي: فأنت الذي أعرف، أو أنت الجواد ... كما تقول: الناسُ الناسُ؛ أي: الناس بكل مكان وعلى كل حال تعرف» (١). إِنَّ التحليل الدِّلَالِيّ لـ «أنت أنت» أو «الناسُ الناسُ» الذي قدَّمه سيبويه، واعتبر فيهما أَنَّ هذين التركيبين جملتان لا يَتَأَتَّى له بدون الأخذ في الاعتبار سياق الحال، إذ بدون السِّياق يحتمل أَنْ تكونَ اللفظتان مجرد توكيد لفظي. ولم يصرح سيبويه بشكل جليّ بأَنَّه استعان بسياق الحال للوقوف على هذه الدِّلَالَة، ولكن هذا ما يفهم ضمنا من الكلام. ٢ ــ وفي نصّ ثانٍ ينقل سيبويه عن يُونُس أَنّهُ قال في قول العرب: «هذا أنت تقول كذا وكذا» أَنَّ مقصودهم في هذا القول أَنَّ المُتَكَلِّم «يريد أَنْ يُعْلِمَ [المخاطب] أَنّهُ ليس غيره». ويردُّ سيبويه هذا المعنى على يُونُس قائلا: «هذا محال، ولَكِنَّه أراد أَنْ يُنَبِّهه، كَأَنَّه قال: الحاضر أنت، والحاضر القائل كذا وكذا أنت» (٢). إِنَّ المعنى الذي قدَّمه يُونُس لجملة «هذا أنت تقول كذا وكذا»: أَنَّ المُتَكَلِّم يريد أَنْ يُعلم المخاطب أَنّهُ هو وليس أحد غيره، وهذا معنى سقيم، ومعنى الجملة عند سيبويه: أَنَّ المُتَكَلِّم أراد تنبيه المخاطب، أَنَّه هو قائل الكلام، ولَعلَّ المُتَكَلِّم يريد أَنْ ينبِّه المخاطب خطورة هذا الكلام ومغبته، وهو المعنى الأقرب للفهم والسِّياق. فسيبويه لجأ لسياق الحال ــ وإِنْ لم يصرح ــ لفهم الجملة، في الوقت الذي أخطأ فيه يُونُس في فهم الجملة لعدم إلمامه به واعتباره. ٣ ــ وفي نصّ ثالث يقول: « ... وكذلك: ما أنت وعبد الله، وكيف أنت وعبد الله، كَأَنَّك قلت: ما أنت وما عبد الله، وأنت تريد أَنْ تحقر أمره أو ترفع أمره» (٣). إِنَّ ربط التحقير أو الرفعة بجملة «ما أنت وعبد الله» يرتبط بالسِّياق حتى وإِنْ لم ينص على ذلك. إن سياق الحال عنصر فعَّال في كثير من المواضع في كتاب سيبويه؛ وإن كان عنصرًا صامتًا ــ إِنْ جاز هذا التعبير ــ أو «مسكوتًا عنه» بتعبيراتنا الحديثة في بعض المواضع التي استخدم فيها. إِنَّ مجموع هذه النصوص وغيرها يثبت أَنَّ سيبويه اعتبر السِّياق في تقعيده وتوجيهه. ***

стр. 80

المخاطب والمُتَكَلِّم أبرز عناصر سياق الحال التي اهتَمَّ بها سيبويه: دراسة نصوص الكتاب وأقواله يبيِّنان ــ كما أثبتنا ــ اعتماد صاحبه على النصوص الحَيَّة المنطوقة، وأَنَّه كان على وعي بسياق الحال الذي تقال فيه هذه النصوص والأقوال، وأَنَّه أخذه بعين الاعتبار في تقعيده وتحليلاته الدِّلالِيَّة لبعض الجمل. وبعد دراسة الباحث للكتاب لاحظ أَنَّ أبرز عناصر سياق الحال التي اعتنى بها سيبويه وعرض لها وكانت محلَّ اهتمامه: المخاطَبُ (١) أولا والمُتَكَلِّم ثانيا. ويظهر هذا الاهتمام بهما في عدد المسائل التي استعان فيها بالمخاطب وعلمه ومناقشته لقضية أمن اللَّبس من خلاله، واستعانته بالمُتَكَلِّم وإمكانِيِّة سكوته في تفسير كثير من قواعد الكتاب. ومقصدي هنا أَنْ أشير فقط إلى أَنَّ أبرزَ عنصرين من عناصر سياق الحال كانا المخاطب والمُتَكَلِّم، وسنكتفي بأدلة بسيطة على ذلك، وسيأتي الكلام بشكل أعمق عنهما في فصل: دور السِّياق في التوجيه الإعرابِيّ. وقد لزم التنبيه هنا على هذا الإبراز المؤقت لدور هذين العنصرين حتى نؤكد على ترابط عناصر الرسالة، وننفي عنها ما قد يتوهم فيها من تكرار. ــ أولا المخاطب: استغل سيبويه المخاطَب وكون الكلام موجَّه إليه في كثير من القواعد النحوِيَّة التي حاول أَنْ يقرِّرَها؛ فكان المخاطب وعلمه ووجودهما الافتراضيان حاضرين عنده، يلجأ إليهما في تفسير ما يريد توضيحه، فمن خلاله ومن خلال علمه استطاع أَنْ يقف على الآتي: ١. تفسير حذف الموصوف: ففي قول النابغة: كَأَنَّكَ مِن جِمالِ بَني أُقَيشٍ ... يُقَعقَعُ خَلفَ رِجلَيهِ بِشَنِّ [بحر الوافر] يقول: «أي كَأَنَّك جملٌ من جمال بني أقيش؛ فقد حذف الموصوف في هذا البيت تخفيفا، واستغناء بعلم المخاطب بما يعني» (٢). ٢. ومن خلاله استطاع تقدير جواب الشرط المحذوف: يقول: «وسألت الخليل عن قوله جلَّ ذكره: ﴿إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ﴾ [الزمر: ٧١] ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧]، فقال: إن العرب قد تترك في مثل هذا الخبر) الجواب (في كلامهم لعلم المخبَر لأي شيء وضع هذا الكلام» (٣).

стр. 81

٣. ومن خلاله يضمر الفعل في أسلوب الاختصاص: يقول: «قولك: إِنَّا معشر العرب نفعل كذا وكذا؛ كَأَنَّه قال: أعني، ولكنَّه فعلٌ لا يظهر ولايستعمل ... لأَنَّهم اكتفوا بعلم المخاطب» (١). ٤. ومن خلال علم المخاطب يُجَوِّزُ حذف المستثنى فيه: في مثل قولنا: «ليس غيرُ» و «ليس إلا» كَأَنَّ القائل قال في مثل هذه التراكيب: «ليس إلا ذاك، وليس غيرُ ذاك؛ ولَكِنَّهم حذفوا ذلك تخفيفا واكتفاء بعلم المخاطب ما يعني» (٢). ٥. ومن خلاله يقدِّرُ اسم كان أحيانا: يقول: «تقول العرب: من كذب كان شرا له؛ يريد: كان الكذب شرا له؛ إلا أَنّهُ استغنى بأن المخاطَب قد علم أَنّهُ الكذب» (٣). ٦. وتُحذَف كثيرٌ من العوامل في الجملة لكثرة الاستعمال ولعلم المخاطب: يقول: «تالله رجلا، وسبحان الله رجلا، وإِنَّمَا أراد: تاللهِ ما رأيت رجلا، ولَكِنَّه يترك الإظهار استغناء؛ لأَنَّ المخاطب يعلم أَنَّ هذا الموضع إِنَّمَا يُضْمَر فيه الفعل لكثرة استعمالهم إياه» (٤). ٧. ولأهمِيَّة المخاطب في عَمَلِيَّة الكلام اهتمت اللُّغَة بتنبيهه دوما، وخصصت أدوات لذلك، مثل «ها» التنبيه، يقول: «وقد تكون ها في ها أنت ذا غير مقدَّمة، ولَكِنَّها تكون للتنبيه بمنزلتها في هذا؛ يدُلُّك على هذا قوله : ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾») (٥). أي أَنَّه لولا المخاطب ما كانت هذه الأدوات. ومن طريف ما أبرزه سيبويه متعلقا بالمخاطب إيضاحُه أَنَّ اللُّغَة تحترم درجة المخاطب من حيث قربه وبعده من المُتَكَلِّم، فالمخاطب الأقرب له الأولوِيَّة في الحديث عنه عن الأبعد. يبرز هذا سيبويه قائلا: «فقولك: أعطانيهِ وأعطانيك، فهذا هكذا إذا بدأ المُتَكَلِّم بنفسه، فإذا بدأ بالمخاطب قبل نفسه فقال: أعطاكني، أو بدأ بالغائب قبل نفسه فقال: أعطاهوني، فهو قبيح لا تَكَلَّم به العرب ... ، وإِنَّمَا قبح عند العرب كراهية أَنْ يبدأ المُتَكَلِّم في هذا الموضع بالأبعد قبل الأقرب ... وإِنَّمَا كان المخاطب أولى بأن يبدأ به من قبل أَنَّ المخاطب أقرب إلى المُتَكَلِّم من الغائب، فكما كان

стр. 82

المُتَكَلِّم أولى بأَنْ يبدأ بنفسه قبل المخاطب، كان المخاطب الذي هو أقرب من الغائب أولى بأن يبدأ به من الغائب» (١). لقد استغل سيبويه المخاطب مع المُتَكَلِّم والغائب في تفسير استعمال الضمير عند اجتماع المخاطب مع المُتَكَلِّم، أو المخاطب مع الغائب. فهو ينبِّه على أنَّه عند استعمال ضمائر المتكلم والمخاطب والغائب يجب أنْ نبتدئ بالأقرب قبل الأبعد؛ أي نبدأ بالمتكلم قبل المخاطب والمخاطب قبل الغائب، «والعلِّةُ في ذلك أن الأولى أن يبدأ الإنسان بنفسه؛ لأنَّها أعرف وأهم عنده. وكما كان المختار أن يبدأ بنفسه، كان المختار تقديم المخاطب على الغائب؛ لأنَّه أقرب إلى المتكلم») (٢). وهذا نصّ عجيب يوحي بأن سيبويه كان يتَتَبَّع التركيب النَّحْوِيّ الذي يدرسه في نصوص اللُّغَة أقصى درجات التتَبُّع، متأمِّلا إياه في سياقاته المختلفة، وليس مجرد تتَبُّع بل هو تتَبُّع يمكن أَنْ نسميه «تتَبُّعا إِحْصَائِيّا»؛ وإلا فكيف يتسنَّى له استخلاص مثل هذه النتيجة ومثل هذه القاعدة! ويوحي هذا النَّصّ أيضا أَنَّ اللُّغَة لها نوع منطق داخلي، وثوابت منهجِيَّة، وأنَّ الأمور مع اللُّغَة لا تسير بعفويَّة مطلقة، فهناك نوع منطق ونوع نظام بداخلها، قد نختلف في تحديد درجة هذه المنطقية وهذا النظام، إلا أَنَّ الثابت أَنَّهما موجودان. ويوحي أيضا أَنَّ اللُّغَة تهتم بما هو حاضر وتقدمه على ما غائب. ــ المخاطب وحمايته من اللَّبس والالتباس: من الأمور المُهِمَّة التي تدل على اهتمام سيبويه بالمخاطب وعنايته الفائقة به حديثُهُ المُكَرَّرُ والمعاد عن «تجنب اللَّبس والالتباس» في الكلام، ففي أكثر من موضع أشار إلى أَنَّ اللُّغَة تتَّخذ كافة الوسائل التي تضمن «وضوح المعنى المنقول للمخاطب»، وأوضح أَنَّ اللُّغَة تتَّخذ إجراءات وقائِيَّة لمنع اللَّبس في المعنى على كافة المستويات سواء على مستوى البنية الصَّرْفِيَّة أو التركيب النَّحْوِيّ. ونشعر هنا أَنَّ الخوف من اللَّبس كان نصب عيني سيبويه طوال تقعيداته وتوجيهاته النحوِيَّة التي ذكرها، فهو لا يقرِّرُ قاعدة ما إلا إذا تأكَّد من وضوحها وأهليَّتها لنقل المعنى بسلام، وإذا أحسَّ أَنَّ هناك احتمالا ما لأنْ يقع اللَّبس نبَّه على ذلك. ولا يبقى هنا سوى أَنْ نسوق من الأدِلَّة ما نؤيِّد به ما قدمنا، ونثبت اهتمام سيبويه بهذه القضية:

стр. 83

١ ــ لخوف العرب من التباس لام الابتداء مع لام الإضافة حرَّكوا لام الابتداء بالفتح وكسروا لام الإضافة، يقول: «وذلك أَنَّ اللام لو فتحوها في الإضافة لالتبست بلام الابتداء إذا قال: إِنَّ هذا لَعليٌّ، ولَهذا أفضلُ منك، فأرادوا أَنْ يميِّزوا بينها؛ فلما أضمروا لم يخافوا أَنْ تلتبس بها» (١). أي أَنَّ التفريق بين اللامين من خلال الضبط؛ لكي لا تلتبس إحداهما بالأخرى، فإنْ أتت إحدى اللامين في موقف سِياقِيّ يمكن من خلاله التفريق بينهما أهملوا الضبط؛ لأَنَّ السِّياق يضمن عدم الالتباس. ٢ ــ عند اجتماع همزة الاستفهام مع همزة الوصل المكسورة أو المضمومة تحذف همزة الوصل، ويكتفى بهمزة الاستفهام، وذلك لعدم وجود لبس بين الخبر والاستفهام، أَمَّا همزة الوصل المفتوحة فَإِنَّها تبقى مع همزة الاستفهام وتُمَدّ، في مثل: آلرجل. .؟ وذلك: «كراهية أَنْ [يكون] كالخبر؛ فيلتبس، فهذا قول الخليل» (٢). أي أَنَّنا أبقينا همزة الاستفهام مع ألف الوصل المفتوحة ومددناها لكي يكون هذا «المد» قرينة على أَنَّ الجملة استفهامية، وليست خبرِيِّة مكونة من مبتدأ وخبر. ٣ ــ المنادى المضاف لياء المُتَكَلِّم تحذف منه هذه الياء؛ وذلك «لكثرة النداء في كلامهم، حيث استغنوا بالكسرة عن الياء، ولم يكونوا ليثبتوا حذفها إلا في النداء، ولم يكن لبس في كلامهم لحذفها» (٣). إن حذف الياء شائع في كلامهم، ولكن هذا مقيَّد بالمخاطب، ففَهْم المخاطب للكلام هو المعيار إذا فهم المخاطب الكلام جاز الحذف، وإذا لم يفهم لم يجز. كما أَنَّ وجود أداة النداء قبل المنادى قرينة لغَوِيَّة على أَنَّ الكلمة بعدها منادى؛ فلا مجال للبس. والنص السابق يجعلنا نخرج بقاعدة تقول: ما كثُر استعماله جاز أَنْ يُحذَف جزء منه إذا أُمِن اللَّبس، وقد يكون ما يكثر استعماله كلمة أو جملة أو مجموعة كلمات تأتي مع بعضها. ٤ ــ يُلزَمُ الفعل المضارع في حالة القسم بـ «النون»؛ حتى لا يلتبس معنى الحالِيَّة بالمستقبلية: قال سيبويه للخليل: «فَلِمَ ألزمت النون آخر الكلمة؟ ) أي آخر الفعل المضارع في حال القسم (فقال: لكي لا يشبه قوله إِنَّهُ ليفعل؛ لأَنَّ الرجل إذا قال هذا فَإِنَّما يخبر بفعل واقع فيه الفاعلُ، كما ألزموا اللام: إِنْ كان ليقولُ؛ مخافة أَنْ يلتبس بما كان يقول ذاك» (٤).

стр. 84

إن قولنا «إِنَّهُ ليفعل» لها دلالتان: الأولى: الحالِيَّة، والثانية: المستقبلية، والمخاطب قد تلتبس عليه الدِّلَالَة في هذا التركيب، أهي للحالِيَّة أم المستقبلية؟ أَمَّا «ليفعلن» فقد جَعَلَت النونُ الفعلَ يدلُّ على معنى واحد، هو معنى المستقبلية. ٥ ــ في النداء التعجبي والاستغاثة، لا تستخدم إلا الأداة «يا» التي تأتي للتنبيه؛ «لئلا تلتبس اللام التي تأتي بعد «يا» بـ «لام التوكيد»، كقولنا: لعمرو خير منك» (١). ٦ ــ منع سيبويه رفع وجر ما بعد الواو في قولهم: «ما شأنك وعمرا»، ولم يجز إلا النصب. والسبب الذي أبداه سيبويه لمنع الرفع والجر أَنَّكَ «توهم أَنَّ الشأن) الخطب والأمر والحال (هو الذي يلتبس بزيد، وإِنَّمَا يلتبس شأن الرجل بشأن زيد، ومن أراد ذلك فهو ملغز، تارك لكلام الناس الذي يسبق إلى أفئدتهم» (٢). أي أَنَّ من يتَّجه إلى الجر والرفع بعد الواو في الكلام السابق يوهم السامع والقارئ ويلبس عليه. وهذا النَّصّ يدل ضمنا أيضا على أَنَّ من وظيفة العلامة الإعرابِيّة إزالة الإبهام عن معنى الجملة، وإن التوجيه النَّحْوِيّ ينبغي أَنْ يكون بعد فهمٍ للمعنى، معنى الكلام والسِّياق (٣).

стр. 85

إن الاهتمام بالمخاطب له ما يبرِّره منطقيا، فالإنسان لن «يتكلم» إلا إذا أراد أَنْ ينقل كلاما لـ «مخاطب»، ولكي يحقق هذه «الرغبة» وهذا «الدافع» لا بد أَنْ يحرص على أَنْ يكون كلامه واضحا، ويتخذ كل السبل والإجراءات لتحقيق هذا الوضوح. وبعد سرد هذه الشواهد التي دلَّت على اهتمام سيبويه بقضية أمن اللَّبس نقول: إِنَّ هذا الاهتمام لَدليل من أقوى الأدِلَّة على اهتمامه بالمخاطب الذي هو أهم عناصر السِّياق، وأنَّ المخاطب كان نصب عينيه دائما في كل قواعده، والاهتمام بالمخاطب لاشك هو اهتمام بالسِّياق في حد ذاته. وأختم كلامي هنا في هذه الجزئيَّة بنقل كلام أحد الباحثين في بحث له بمجلة مجمع اللُّغَة العربِيَّة عن سيبويه وكتابه، يقول فيه: « ... فمثل هذه الملاحظات كثيرة جدا في الكتاب، وهي تخص أحوال الخطاب مقترنا بأحوال المخاطب: علم المخاطب وجهله واستحالة الإخبار عن منكور اللهم إلا إذا احتاج المخاطب إلى تحديد هذا المنكور بأن يعين حلية خاصة به تميزه عن غيره، ويمكن بالدراسة المتعمقة لهذه الملاحظات أَنْ تُستخرَج قوانين التخاطب الحقيقيَّة، وهذا ما فعله العلماء الأولون. هذا ولا بد أَنْ نُنَبِّه القارئ الكريم أَنَّ مثل هذا الكلام عن ((علم المخاطب)) وسائر أحواله لا يمكن أَنْ نعثر عليه في كتب المتأخرين. فالقواعد الجامدة ــ الخاطئة أحيانا ــ قد حلت محل الملاحظات العلميَّة، تكلموا مثلا عن شروط الابتداء بالنكرة فقط، وبدون أَنْ يفسروا ظواهر الخطاب بالكيفية العلميَّة الوصفيَّة والتعليليِّة معا») (١). إن إشارة هذا الباحث الجليل تدعونا إلى الدراسة المتعمِّقة لدراسة الملاحظات المتعلِّقة بعلم المخاطب لاستخراج قوانين التخاطب الحقيقيَّة، وهي لا شك دعوة تستحق الاهتمام والاعتناء بها. ــ ثانيا المُتَكَلِّم: المُتَكَلِّم من أهم العناصر المكوِّنة لسياق الحال، فهو يستدعي من التراكيب النحوِيَّة ما تخدمه وتخدم سياقه، فإذا كان السِّياق يستدعي التأكيد برز أمامه: التوكيد بكافة أشكاله، إِنَّ وأَنَّ، الجملة الاسمِيَّة، الاستثناء ... ، وإن كان السِّياق يستدعي شكًّا برز أمامه: ظنّ وأخواتها: حسب، وزعم وخال، إِنْ الشرطيِّة ... ، وإذا أراد المُتَكَلِّم أَنْ يتعجَّب أو يستغيث أتى بأسلوب التعجب أو الاستغاثة، وإذا أراد استفهاما أتي بالاستفهام. وتكفي نظرة عجلى لتعريف النُّحَاة بأبواب مثل: الاستغاثة، أو التعجب، أو التوكيد للتأكُّد من هذا. فالاستغاثة: «طلب المعونة للتخليص من شدة أو الإعانة على دفع مشقة، وهي أسلوب مستعمل في مجال النداء، ولهذا الأسلوب مكونات ثلاثة، هي: المستغيث، والمستغاث به،

стр. 86

والمستغاث من أجله، ولا يتحقق بناء هذا الأسلوب إلا بالنداء؛ أي: أَنَّ المستغاث اصطلاحا لا يكون إلا منادى، ومثاله: يا لمحمد لعلي؛ ومعناه: الاستغاثة بمحمد من أجل إنقاذ على ومعونته») (١). والتعجب: هو «ــ كما يعرفه النُّحَاة ــ استعظام فعل فاعل ظاهر المزية بسبب زيادة فيه خفي سببها؛ بحيث لا يتعجب مما لا زيادة فيه ولا مما ظهر سببه. وقد عرَّفه الدماميني: بأَنَّه انفعال يحدث في النفس عند الشعور بأمر يجهل سببه») (٢). والتوكيد: «لفظ يتبع الاسم المؤكد لرفع اللَّبس وإزالة الاتساع، وإِنَّمَا تؤكد المعارف دون النكرات») (٣). في التعريفات السابقة يتضح بشِدَّة دور المُتَكَلِّم في هذه الأبواب، ومدى تَأَثُّره بالسِّياق، فالمُتَكَلِّم يستغيث إذا وقع في «شدة»، أو «أراد المعونة على دفع مضرة»، ويتعجب عندما «ينفعل نفسِيّا بأمر يجهل سببه»، ويتَّجه للتوكيد «إذا أراد أَنْ يزيل لبسا». والمُتَكَلِّم ــ كأحد مكوِّنات سياق الحال ــ نجد أَنّهُ نال قسطا من اهتمام صاحب الكتاب؛ فقد وظَّف سيبويه المُتَكَلِّم و «إمكانِيَّة سكوته» و «إرادته» في إقرار قواعد نحوِيَّة متعددة. استخدم سيبويه إمكانيَّة سكوت المُتَكَلِّم من عدمها كمعيار للوقوف على صحة تركيب ما أو فساده، أو تحديد دلالة الجملة خبرِيِّة كانت أم إنشائِيِّة، أو تحديد وجه إعرابي معين ورفض آخر، أو اختيار أداة معيَّنة ورفض أخرى. دليل ذلك: ١ ــ يقول سيبويه في أحد نصوصه: «ألا ترى أَنَّكَ تقول: سبحان الله، من هو وما هو! فهذا استفهام فيه معنى التعجب. ولو كان خبرا لم يجز ذلك؛ لأنَّهُ لا يجوز في الخبر أَنْ تقول: من هو وتسكت» (٤). ٢ ــ الاسم المحلى بـ «أل» بعد المنادى «أيّ، أَيَّة» في أسلوب النداء يعرب صفة ويرفع؛ «وإِنَّمَا صار وصفه لا يكون فيه إلا الرفع؛ لأَنَّكَ لا تستطيع أَنْ تقول: يا أيُّ، ولا: يا أيُّها وتسكت؛ لأنَّهُ مبهم يلزمه التفسير؛ فصار هو والرجل بمنزلة اسم واحد، كَأَنَّك قلت: يارجل» (٥).

стр. 87

٣ ــ يرفع الفعل المضارع المقترن بالفاء في أسلوب الشرط إذا سُكِتَ عليه. يقول: «إِنْ تأتني فأكرمُك؛ أي: فأنا أكرِمُك، فلا بد من رفع فأكرمُك إذا سكت عليه؛ لأنَّهُ جواب، وإِنَّمَا ارتفع لأنَّهُ مبنيٌّ على مبتدأ» (١). ٤ ــ وفي مثل قولنا: ما أبالي أضربت زيدا أم عمرا؛ لا يجوز فيه إلا أم وتمتنع «أو»؛ «لأنَّهُ لا يجوز لك السكوت على أول الاسمين» (٢). ويرتبط حسن السكوت بشكل ما بسياق الحال؛ فإِنَّ المُتَكَلِّم لا يَقضى لُبانته من الحديث ويسكت عنه حتى يفهم المخاطب المقصود. وهذا ما يفهم من كلام سيبويه الذي ذكره في باب «ما يحسن عليه السكوت في هذه الأحرف الخمسة) إِنَّ وأخواتها (»، حيث يناقش حذف خبر هذه الحروف، وأنَّ هذا الحذف يُقبَل إذا «حَسُنَ السكوت»، يقول: «ويقول الرجل للرجل: هل لكم أحدٌ؛ إِنَّ الناس أَلْبٌ عليكم؛ فيقول: إنَّ زيدًا، وإنَّ عمرًا؛ أي: إِنَّ لنا» (٣). فحسن السكوت هنا في ((إِنَّ زيدًا وإن عمرا)) مرتبط بشكل أساسي بالسِّياق والمقام الذي يضم المُتَكَلِّم والمخاطب. ونلاحظ هنا أَنَّ سيبويه قبل أَنْ يصل إلى الجملة المرادة رسم مسرحا لغويا حواريا بسيطا بين رجلين، يبدأ أحدهما بسؤال فيرد عليه الآخر بالجملة المقصودة) (٤). ولأهمِيَّة سكوت المُتَكَلِّم استغله بعض النُّحَاة في تعريف الجملة المفيدة والكلام التام والكلام المفيد؛ فقالوا في تحديده بأَنَّه «القول المفيد بالقصد، والمراد بالمفيد: ما دَلَّ على معنى يحسن السكوت عليه» (٥). وبتعبير سيبويه المختصر أَنَّ الإفادة هي: «حسن السكوت» (٦).

стр. 88

أي أَنَّ الإفادة مرتبطة بحسن السكوت. وأظنُّ أَنَّ حسن السكوت مرتبط بالمُتَكَلِّم والمخاطب معا فالجملة المفيدة تكتمل عند المخاطب والمُتَكَلِّم في اللحظة التي يشعران فيها أَنَّهما يستطيعان السكوت عندها، فالمُتَكَلِّم يسكت لأنَّهُ أوصل المعنى الذي يريده، والمخاطب يسكت لأنَّهُ فهم المعنى وحصَّلَ الفائدة من الجملة. وما أجمل تعليق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد على هذا التعريف حيث قال: «الإفادة مصدر أفاد، والمراد بها إفهام معنى من اللفظ يحسن السكوت عليه من المُتَكَلِّم أو من السامع أو من كل منهما» (١). ويُبرزُ سيبويه جانبًا آخر من جوانب اهتمامه بالمُتَكَلِّم هذا الجانب هو «إرادة المُتَكَلِّم ومشيئته»، فقد حرص سيبويه على إبراز إرادة المُتَكَلِّم ودورها في اختيار التراكيب النحوِيَّة والصيغ الصَّرْفِيَّة الملائمة للموقف الذي يُتكلم فيه، وكثيرا ما قرأنا عبارتيه المشهورتين هاتين «إِنْ أردتَ» و «إِنْ شئت»، وقد أحصى الباحث ما يقرب من خمسمائة وسبعة وأربعين موضعا) ٥٤٧ (تحدَّث فيها عن هذه الإرادة. ونضرب هنا أمثلة توضح ما نتحدث عنه: أيقول سيبويه في أحد أبواب الكتاب عنونه بـ «باب تخبر فيه عن النّكرِة بنكرة»: «وذلك قولك: ما كان أحدٌ مثلَك، وما كان أحدٌ خيرًا منك، وما كان أحدٌ مجترِئا عليك. وإنّما حَسُنَ الإخبارُ ههنا عن النكرة حيث أردتَ أَنْ تَنفِىَ أَنْ يكون في مثل حاله شئٌ أو فوقه، ولأَنَّ المخاطَبَ قد يحتاج إلى أَنْ تُعْلِمهَ مثلَ هذا») (٢). نعلم أَنَّ الجملة الاسمِيَّة تبدأ في الغالب باسم معرفة، يكون بمثابة نقطة لقاء معرفيَّة مشتركة بين المُتَكَلِّم والمخاطب، يبني عليها المُتَكَلِّم فائدة للمخاطب أو السامع، ولكن قد تتَّجه إرادة المُتَكَلِّم إلى بدأ الجملة الاسمِيَّة بـ «نكرة» ووضع هذه النكرة في سياق نفي لكي يدلَّ على أَنَّ هذا المبتدأ النكرة

стр. 89

ليس «في مثل حالة شيء أو فوقه شيء» ــ كما قال سيبويه. ويؤكد هذا المعنى ابن يعيش في قوله: «قولك: ما كان أحد مثلك، وما كان أحد مجترئا عليك، وإنَّما جاز الإخبار عن نكرة هنا لأنَّ ((أحدًا))، في موضع ((الناس))، والمراد أنْ يعرِّفَهُ أنَّه فوق الناس كلهم حتى لا يوجد له مثل، أو دونهم حتى لا يوجد له في الصفة مثل. وهذا معنى يجوز أن يُجْهلَ مثله، فيكون في الإخبار فائدة») (١). إِنَّ إرادة المُتَكَلِّم هي التي «قَصَدَتْ»، وهي التي «اختارت» التركيبَ الملائم لتعبِّرَ عن مقصدها ولا بدَّ أَنْ يكون هذا القصد من قِبَل هذه الإرادة «مرتبطًا» بالسِّياق الذي تقال فيه. ب التعبير بالصيغ الصَّرْفِيَّة التي تعبِّر عن جموع القِلَّة والكثرة ترتبط بإرادة المُتَكَلِّم، تلك الإرادة المرتبطة بدورها بسياق الحال. فهو ــ أي سياق الحال ــ الذي يرشد المُتَكَلِّم إلى تحديد صيغة الجمع المناسبة. يقول سيبويه: «وأما ما كان فَعَلًا فإِنَّهُ يكسَّر على أفعالٍ إذا أردتَ بناء أدنى العدد، وذلك نحو: قاعٍ وأقواع، وتاج وأتواج ... ، وإذا أردت بناء أكثر العدد كسَّرْته على فِعْلان، وذلك نحو: جيران وقيعان ... ، وما كان مؤنثا من فَعَل من هذا الباب فإِنَّهُ يُكَسَّرُ على أَفْعُل، إذا أردت بناء أدنى العدد ... ، فإذا أردت بناء أكثر العدد قلت في الدار: دور» (٢). ت ويبرز إرادة المُتَكَلِّم أيضا في اختيار صيغة التحذير المناسبة من أسماء الفعل التالية: «مكانك، وبعدك، وعندك، وفرطك، وأمامك»؛ فإرادة المُتَكَلِّم هي التي تختار اسم الفعل المناسب للمقام. يقول: «وأما ما لا يتعدى المأمور ولا المنهي فقولك: مكانك وبعدك، إذا قلت: تأخَّر أو حذرته شيئا خلفه، كذلك عندك؛ إذا كنت تحذره من بين يديه شيئا، أو تأمره أَنْ يتقدَّم. وكذلك فرطك إذا كنت تحذره من بين يديه شيئا، أو تأمره أَنْ يتقدَّم. ومثلها أمامك إذا كنت تحذره أو تبصره شيئا» (٣). هذه النصوص إِنَّمَا هي غيض من فيض، ففي هذه النصوص وغيرها عشرات بل مئات يظهر تأثير هذه الإرادة في اختيار التركيب أو الأسلوب المناسبين لسياق الحال. وإذا تأمَّلنا ما تؤول إليه كلمة «إرادة» التي وردت في هذا العدد الهائل من النصوص في الكتاب نجدها تؤول إلى معني «حُرِّيَّة الاختيار»؛ إذ لا معنى لوجود إرادة بدون حُرِّيَّة اختيار، يقول

стр. 90

الزَّمَخْشَرِيّ: «والإرادة نقيض الكراهة، وهي مصدر أردت الشيء إذا طلبته نفسك، ومال إليه قلبك. وفي حدود المُتَكَلِّمين: الإرادة معنى يوجب للحي حالا لأجلها يقع منه الفعل على وجه دون وجه») (١). وحُرِّيَّة الاختيار تعني وجود بدائل تسمح بظهور هذه الإرادة، وتكون مجالا لحُرِّيَّة الاختيار. وبما أَنَّنا في مجال دراسة نحوِيَّة فَإِنَّ البدائل المتاحة لا بدَّ وأنَّ تكون بدائل لغَوِيَّة. واختيار المُتَكَلِّم للبديل المُعَيَّن لابدَّ أَنْ يكون مرتبطا بسياق ما، لأَنَّ الاختيار العشوائي للبدائل قد يضرُّ المُتَكَلِّمَ، وقد يسبِّبُ لبسا للمخاطب. وتلك البدائل التركيبية المرتبطة بإرادة المُتَكَلِّم تقود إلى أَنَّ صاحب الكتاب لا بدَّ وأَنَّه قام بعَمَلِيَّة «تنميط لتراكيب اللُّغَة»، أي تصنيف اللُّغَة لتراكيب نمطِيَّة تندرج تحتها «الجمل التي يمكن أَنْ يقولها المُتَكَلِّم»، وحدد البدائل التركيبية لكل نمط. وقد أثبتنا هذا عند حديثنا عن منهج سيبويه في المبحث التالي. وتثير قضية البدائل التي يمكن أَنْ يختار منها المُتَكَلِّم بإرادته التركيب المناسب للسياق سؤالا مهمًّا هو: هل يُجبِرُ السِّياقُ المُتَكَلِّمَ على اختيار تركيب نحويّ ما؟ أم أَنَّ المُتَكَلِّم حرٌّ في اختيار البديل التركيبيّ كيفما يحلو له وكيفما يشاء؟ هل ينبغي على المُتَكَلِّم الذي يوجد في سياق ما أَنْ يختار تركيبا ما ويترك آخر؟ يمكن أَنْ نسهِّل على أنفسنا إجابة هذا السؤال إذا استعنا ببعض المعطيات التي يُقَدِّمها علم مُهِمّ من العلوم الإنسانيَّة هو «علم النفس». فمن المباحث التي يدرسها هذا العلم مبحث مُهِمّ للغاية هو مبحث «الدافع Motive» و «الدافعيّة Motivation» و «الباعث أو الحافز Incentive» . والدافع يطلق «اصطلاحا على كل ما يدفع إلى النشاط، حركيًّا كان أو ذهنيًّا») (٢). وقد عرَّفه علماء النفس بأَنَّه: «قوة نفسِيّة تدفع الفرد إلى القيام بسلوك معين وتوجِّهُه وتواصله حتى يتحقَّقَ الهدف من السلوك») (٣). وهو: «عامل انفعالي حركي، فطري أو مكتسب، شعوري أو لاشعوري، يثير نشاط الفرد للأداء والإنجاز، أو تحقيق غاية، وينشأ داخل الفرد كنتيجة لخبرته في الحياة. وقد يكون الدافع ذاتيا ... وقد يكون عرضيا») (٤).

стр. 91

وأهم ما أسفرت عنه أبحاث علماء النفس عن الدافع والدافعية «أَنّهُ من غير الممكن للكائن أَنْ يُصْدِرَ نشاطا أو سلوكا مُعَيَّنًا دون أَنْ يُهَيَّأَ دافعيًّا للإتيان بهذا السلوك أو النشاط. بمعنى آخر أَنَّ مجرد صدور النشاط في ذاته يقضي بتوافر درجة معيَّنة من الدافعِيَّة دونها يستحيل إصدار هذا النشاط») (١). وممّا يقرُّهُ علماء النفس أَنَّ سلسلة تفسير السلوك يجب أَنْ تحوي «الحلقات الثلاث الأتية: المنبِّه) شرط خارجي (ــ الطاقة الحيوية والتوتر العضوي) شرط داخلي (ــ الاستجابة») (٢). ويقرُّون أيضا أَنَّ من خصائص الكائن الحي قابليَّته للتهيُّج، وهي «مقدرة الكائن الحي على الردّ على التنبيهات بألوان مختلفة من الحركات») (٣). وأنَّ إرادة المُتَكَلِّم لكي تجد طريقها لتنفيذ الفعل يجب أَنْ تكون في بؤرة شعور المُتَكَلِّم) (٤). إذا حاولنا تطويع هذه الحقيقة لخدمة موضوعنا يمكن أَنْ نعتبر السِّياق «دافعا ــ منبِّها ــ مهيِّجًا»، وأنَّ الكلام هو «النشاط» أو «الاستجابة»، الناتجة عن هذا الدافع. فالدافع يدفع «إرادة المُتَكَلِّم» إلى أَنْ يصدر عنه «نشاطٌ / كلامٌ» لتحقيق هذا الدافع. ويفهم من الحقائق السابقة أَنَّ العلاقة بين «الدافع / السِّياق» و «النشاط/ الكلام» علاقة تلازم واجبة، فلا نشاط أو كلام بدون دافع سِياقِيّ وراءه. وهذا ما يمكن أَنْ نفسر به كلام د. مصطفى ناصف إذ يقول: «إِنَّ المُتَكَلِّم يقف موقفا خاصا من السامع. ويتضح هذا الموقف في اختيار الكلمات وترتيبها») (٥). فإذا وُضِعَ المُتَكَلِّم في موضع «شكّ» مثلا و «دُفِعَ» إلى تأكيد كلامه فَإِنَّ هذا «يضطره» إلى اختيار تركيب نحوِيّ ما «مناسب» من البدائل النحوِيَّة التي تفيد التوكيد لكي يُزيل هذا «التوتر أو الاستثارة» التي خلقها السِّياق بالنسبة له. ولعل كلامنا هنا يتوافق مع ما أثبته شيخنا محمود شاكر في كتابه «المتنبي»، عند إيضاحه للعلاقة بين المُتَكَلِّم وكلامه إذ يقول: «في نظم كل كلام وفي ألفاظه ولابد أثر ظاهر أو وسم خفي من نفس قائله، وما تنطوي عليه من دفين العواطف والنوازع والأهواء من خير أو شر أو صدق

стр. 92

وكذب، ومن عقل قائله، وما يكمن فيه من جنين الفكر من نظر دقيق ومعان جلية أو خفية، وبراعة صادقة ومهارة مموهة، ومقاصد مرضية أو مستكرهة») (١). ولَعلَّ هذا العدد الهائل من المواضع التي تتحدث عن حُرِّيَّة الإرادة عند سيبويه والذي تجاوز الخمسمائة موضع هو ما جعل الزَّمَخْشَرِيّ المعتزلي متيمًّا به، ومكثرا من ذكر اسمه، ومدافعا عنه، بل في بعض الأحيان مرددا أقواله في كثير من مؤلفاته. فالمعتزلة ــ بوجه عام ــ والزَّمَخْشَرِيّ إمام من أئمتهم «يقررون بمبحثهم في العدل أَنَّ للإنسان قدرة وإرادة ومشيئة واستطاعة، قد خلقها له الله، وأَنَّها تؤدِّي وظائفها بشكل مستقل وحر») (٢). فلَعلَّ هذا الاتفاق بينهما في هذه المسألة هو ما شد الزَّمَخْشَرِيّ لسيبويه. ولَعلَّ هذه القضية قضية حُرِّيَّة الإرادة تفسِّر لنا أيضا قول المستشرقين «هـ. ا. ر. جب» و«ج. هـ. كالمرز» الذي ذكراه في مادة «المعتزلة» في موسوعتهما، حيث قرَّرا أَنَّ المعتزلة لهم دورهم في شرح القرآن، «فهم الذين أدخلوا الأسلوب النَّحْوِيّ بالمعنى الدقيق. [وأنَّ] هناك علاقة وثيقة جدا بينهم وبين المدرسة النحوِيَّة في البصرة، التي كان ممثلوها يعلمون بوجه عام المذاهب المعتزلية») (٣). وكَأَنَّ هذين المستشرقين يريدان أَنْ يثبتا علاقة نحاة البصرة ومن بينهم سيبويه بالاعتزال، وهذا زعم قد يؤَيِّده هذا العدد الهائل من إشارات سيبويه لإرادة المُتَكَلِّم وحريتها. ***

стр. 93

- المبحث الثاني: خطوات إجرائِيَّة ومنهجِيَّة قبل التقيعد النَّحْوِيّ والتوجيه الإعرابِيّ عند سيبويه: لمعرفة دور سياق الحال في التوجيه الإعرابِيّ والتَّقْعِيد النَّحْوِيّ عند سيبويه يجب معرفة «آليات» عَمَلِيَّة التَّقْعِيد عنده من ألفها إلى يائها، ومعرفة الخطوات والإجراءات التي سلكها ليُقِرَّ قاعدة أو يذكر توجيها؛ وذلك بغرض تحقيق الدقَّة والأصالة. وتأكَّد لدى الباحث أهمِيَّة الحديث عن المنهج عند سيبويه عند الشروع في جمع المادة العلميَّة المتعلِّقة بالتَّقْعِيد والتوجيه النَّحْوِيّين. فلقد وجد أَنَّه لكي يتمكَّنَ من تفسير بعض المسائل التي تتَعَلَّق بالتَّقْعِيد والتوجيه عنده وعلاقتها بقرينة السِّياق كان لا بدَّ أَنْ يرجع لطريقته ومنهجه في تقعيده وتوجيهه وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب؛ لذلك كان لزاما علينا أَنْ نخصِّص جزءا من البحث للحديث عن منهج سيبويه في تقعيده النَّحْوِيّ) (١). وهذه الآليات هي: ١ ــ تصنيف اللُّغَة إلى تراكيب نمطِيَّة مُجَرَّدة: في بداية الكتاب يعقد سيبويه بابا بعنوان «هذا باب مجاري أواخر الكلم من العربِيَّة» يورد فيه النَّصّ الآتي: «ويُبَيِّنُ لك أَنَّها) يعني الأفعال المضارعة (ليست بأسماء أَنَّكَ لو وضعتها مواضع الأسماء لم يجز ذلك؛ ألا ترى أَنَّكَ لو قلت: إنَّ يضرب يأتينا، وأشباه هذا لم يكن كلاما» (٢). واستوقفت الباحث هذه الجملةُ: «أَنَّكَ لو وضعتها مواضع الأسماء لم يجز ذلك»؛ وأثارت عندي ملحوظتين:

стр. 94

أإنَّ هذه الجملة تعني أَنَّ للأسماء «مواضع» وأنَّ للأفعال «مواضع». ووضع الشيء وموقعه لا يتحدَّدَان إلّا من خلال موضع شيء آخر وموقعه) (١)؛ وهذا يستلزم تركيبا ما، وفي مقامنا هذا لابدَّ أَنْ يكون هذا التركيب لغويًّا. ب وتعني هذه الجملة أيضا أَنَّ قائلها قام بعَمَلِيَّة مسح شامل لِلُّغَة أو معظمها لكي يحدِّد هذه المواضع. كانت هاتان الملحوظتان بمثابة الحافز الذي قادني إلى الفكرة التالية: «إِنَّهُ لا حديث عن موقع قسم من أقسام الكلم) الاسم أو الفعل أو الحرف (إلا إذا كان صاحب الكتاب يُصنِّف اللُّغَة إلى تراكيب نمطِيَّة مجرَّدة يستخلصها من النصوص الحَيَّة المنطوقة التي تحَدَّثنا عنها في الفصل السابق» فبعد أَنْ صَنَّفَ الكلم إلى ثلاثة أقسام درس «موضع» كل قسم بالنسبة للآخر، وكَوَّن في نهاية المطاف تراكيب نمطِيَّة لِلُّغَة بعد مسح شامل لها. كانت هذه هي الفكرة التي استنبطتُها من النَّصّ السابق، وكانت بحاجة إلى دعم من نصوص أخرى لكي تقوى وتستوي على سوقها، وقد استطعتُ ــ بفضل الله ــ أَنْ أعثر على مجموعة من النصوص التي ترسي هذه الفكرة، منها: ١ ــ حديث سيبويه عن الحرفين «قد ــ سوف» يقول: «ولو قلت: سوف زيدًا أضرب لم يحسن، أو قد زيدًا لقيت لم يحسن؛ لأَنَّها) أي: قد وسوف (إِنَّمَا وضعت للأفعال) أي أَنَّ قد وسوف لا يليها إلا الأفعال (») (٢). أي أَنَّ التركيب النَّمَطِيّ الذي يأتي مع هذين الحرفين هو: •• «قد + فعل مضارع أو ماض + فاعل ... .». •• «سوف + فعل مضارع + فاعل ... ». وهذا تركيب ثابت استخلصه من خلال مسح شامل لِلُّغَة، ولو أخل بهذا التركيب بأن أصبح هكذا: «قد + اسم + فعل» لم يحسن. ٢ ــ الأدوات التي تنصب الفعل المضارع يأتي بعدها الفعل ولا يفصل بينهما، يقول: «ألا ترى أَنَّكَ لا تقول: جئتك كي زيد يقولَ ذاك، ولا خفتُ أَنَّ زيدٌ يقول ذاك. فلا يجوز أَنْ تفصل بين الفعل والعامل فيه بالاسم، كما لا يجوز أَنْ تفصل بين الاسم وبين إِنَّ وأخواتها بفعل. وممَّا لا تقدم فيه الأسماء الفعل الحروف العوامل في الأفعال الجازمة، وتلك: لم، ولما، ولا التي تجزم الفعل في

стр. 95

النهي واللام التي تجزم في الأمر. ألا ترى أَنّهُ لا يجوز أَنْ تقول: لم زيدٌ يأتك، فلا يجوز أَنْ تفصل بينها وبين الفعل بشيء، كما لم يجز أَنْ تفصل بين الحروف التي تجرُّ وبين الأسماء بالأفعال؛ لأَنَّ الجزم نظير الجرّ») (١). يُفهم من هذا النَّصّ أَنَّ التركيب النَّمَطِيّ المجرَّد للأدوات التي تنصب الفعل المضارع هي: «أداة نصب الفعل المضارع + فعل مضارع + اسم) فاعل (» ويُنْقَضُ هذا التركيب ويقبُح إِنْ أتى على الصورة: «أداة نصب الفعل المضارع + اسم) فاعل (+ فعل مضارع»، ويقبح أيضا أَنْ يأتي التركيب: «حرف جزم + اسم) فاعل (+ فعل مضارع»، و «حرف جر + فعل»؛ أي تقبح الكلمة إذا لم تأتِ في موقعها في التركيب المُعَيَّن. ٣ ــ الحرف «لو» له في اللُّغَة استعمالات متعددة) (٢)، منها «لو التي تفيد العرض»، يقول سيبويه عنها: «ولو بمنزلة لولا، ولا يُبتَدأُ بعدها الأسماء سوى أَنَّ، نحو: لو أَنَّكَ ذاهبٌ») (٣). أي أَنَّ التركيب النَّمَطِيّ مع «لو التي تفيد العرض» هو: «لو + فعل + فاعل ... » أو «لو + أَنَّ + اسم أَنَّ + خبرها» ٤ ــ اللام الجارة تكون مكسورة مع الاسم الظاهر إلا مع المستغاث فمفتوحة؛ وإِنَّمَا كُسِرت مع الاسم الظاهر لكي يفرقوا بينهما وبين لام الابتداء، ويوضح سيبويه السبب في أَنَّها) أي اللام الجارة (فُتِحت مع المستغاث؛ «لأَنَّهم قد علموا أَنَّ تلك اللام) لام الابتداء (لاتدخل ها هنا) أي أسلوب الاستغاثة (») (٤). ويفهم من النَّصّ أَنَّ لام الابتداء لها مواضع تأتي فيها، ليس من بينها أسلوب الاستغاثة، وأنَّ لام الجر لها مواضع منها أسلوب الاستغاثة. ٥ ــ وفي موضع آخر يقول: «وزعم ناس أَنَّ الياء في لولاي وعساني في موضع رفع، جعلوا «لولاي» ... موافقة للجرِّ، و «ني» موافقة للنصب، كما اتفق الجر والنصب في الهاء والكاف.

стр. 96

وهذا وجه ردئ لما ذكرت لك؛ ولأنَّك لا ينبغي لك أَنْ تكسر الباب وهو مطرد وأنت تجد له نظائر») (١). يفهم من كلامه هنا أَنَّ هناك قواعد) تراكيب لغَوِيَّة مجرَّدة (مطَّردة في كل باب من أبواب النحو لا ينبغي الخروج عليها لعدم وجود نصوص لغَوِيَّة تدعم هذا الخروج، ويفهم منه أيضا أَنَّ مصطلح «ردئ» يعني عنده الخروج على التركيب الأصلي. ٦ ــ ويقول: «ألا ترى أَنَّ الفعل لابد له من الاسم وإلا لم يكن كلامًا، والاسم قد يستغني عن الفعل، تقول: الله إلهنا») (٢). أي أَنَّ أي فعل لابد أَنْ يأتي بعده اسم) فاعل (ملازم له وإلا لم يكن كلاما كما قال سيبويه، والاسم قد يأتي بعده فعل، وقد يأتي بعده اسم آخر. تلك بعض الأمثلة التي تؤكد على «تنميط سيبويه لِلُّغَة إلى تراكيب»، استخلصها من النصوص اللُّغَوِيَّة المختلفة. وليُعلمْ أَنَّ هذا «التنميط» لِلُّغَة لا يوجد عنده للتراكيب فقط، بل نجده أيضا على المستوى الصَّرْفِيّ؛ في مثل أقواله: ١ ــ «وأمَّا صادُ) اسم السورة القُرْآنِيَّة (فلا تحتاج إلى أنْ تجعله اسما أعجميًّا؛ لأَنَّ هذا البناء والوزن من كلامهم») (٣). ٢ ــ «وفاعِل بناء ينصرف في الكلام معرفة ونكرة، وفَواعِل بناء لا ينصرف») (٤). ٣ ــ «كلّ أفْعَل يكون وصفا لا تصرفه في معرفة ولا نكرة، وكل أفعل يكون اسما تصرفه في النكرة») (٥). ومما يؤكد اهتمام سيبويه بتنميط اللُّغَة إلى تراكيب نمطِيَّة استخدامه لمصطلح تردَّد كثيرا في الكتاب وهذا المصطلح هو مصطلح «الأصل»، فكثيرًا ما أشار لهذا المصطلح عند مناقشته لتركيبٍ أو بنية صرفِيَّة ما) (٦)، وبلغ عدد المرَّات التي أحصيتُها لهذا المصطلح أكثر من ٢٥٠ مَرَّة.

стр. 97

وتردُّد مصطلح الأصل في الكتاب كُلّ هذا التردُّد يوحي ببعد تاريخي يقوم به سيبويه للتركيب الذي يدرسه ويقعِّد له. وقد سبق لنا إعطاء معنى مُحَدَّد لمصطلح الأصل عند سيبويه في التمهيد عند الحديث عن أهم المصطلحات. ويمكن أَنْ نعتبر أنَّ عناوين أبواب سيبويه تمثل التركيب النَّحْوِيّ الذي يدرسه، وبداخل هذا الباب الأمثلة التي تؤيد هذا التركيب؛ فكأنَّ التركيب جنس والأمثلة هي «ما صدق» هذا الجنس. إن فكرة تقسيم اللُّغَة إلى أنماط تجريدية فكرة واضحة لا مرية فيها يمكن أَنْ ندعمها بعشرات الأمثلة، وليعلمْ مَن أراد إحصاء النصوص التي يُفهَم منها فكرة الموقعيَّة والنَّمَطِيَّة للتراكيب اللُّغَوِيَّة أَنّهُ يمكنه أَنْ يحصر ما يزيد على أربعمائة) ٤٠٠ (موضعا. وفكرة النَّمَطِيَّة هذه تذكرنا بفكرة مماثلة عند العالم اللغويّ المعاصر دي سوسير وتفريقه بين اللُّغَة والكلام، ولولا الخوف من الزلل، وألّا تصيب عبارة الباحث مرماها، وأَنْ يكون قد فاته شيء لم ينتبه إليه لقال: إِنَّ سيبويه قد سبق علماء اللُّغَة المحدثين وعلى رأسهم دي سوسير الرائد الأول للمدرسة البنيوية، سبقهم بالأفكار التي قال فيها بوجود فرق بين اللُّغَة والكلام، وسبقهم بفكرة ((تنميط قواعد اللُّغَة))، حيث كان البنيويُّون «يجمعون المادة اللُّغَوِيَّة من أفواه الناس ويسجِّلونها، ثُمَّ يبدؤون بتقسيمها إلى جمل، فأشباه جمل، فكلمات، فأجزاء الكلمات إلى أَنْ يصلوا إلى الأصوات، أو اللبنات الأولى، التي تتألَّفُ منها اللُّغَة جميعها. ثُمَّ يستخدمون الأسلوب العلمي الدقيق في اكتشاف الطرائق التي تتجمع بها الأصوات لتؤلف الكلمات، والكلمات لتؤلِّف الجمل؛ أي لتؤلف النماذج أو الأنماط التي تنتج عن كل عَمَلِيَّة من تلك العمليات») (١). على أَنَّ هناك فرقا بين الرجلين في تنميطهما التركيبي لِلُّغَة، فبينما كان اهتمام دي سوسير منصبًّا على وصف اللُّغَة، أيَّ لغة، «من داخلها وبالاعتماد على المعايير اللُّغَوِيَّة دون سواها سعيًا وراء التوصُّل إلى وصف دقيق علمي شامل لتركيب أو بنية اللُّغَة الأساسيَّة ... [و] دون الإشارة إلى المعاني، أو إلى واقع العالم الذي تعيش فيه») (٢) ــ نجد سيبويه يربط النمط اللغويّ بالسِّياق الذي يقال

стр. 98

فيه، ويلازم بين هذا النمط والدِّلَالَة السِّياقِيَّة كما سنرى تباعا. والأمثلة التي ذكرناها هنا تدلُّ أيضا على سبق سيبويه لـ «دي سوسير» في اهتمامه بالتتَبُّع الرأسي والأفقي للظاهرة اللُّغَوِيَّة. ٢ ــ الإحصاء العددي للتراكيب النَّمَطِيَّة: أصبح الإحصاء «من أهم وسائل وأدوات البحث العلمي في العلوم التجريبيَّة أو التطبيقيَّة؛ وذلك بهدف تعميم النتائج التي يحصل عليها الباحث») (١). وأصبح علما مستقلا بذاته، له مناهجه وأصوله وقواعده. ولقيمته العلميَّة في كافَّة المجالات دعا إلى تطبيقه في مجال الدراسة الأدبيَّة والنقد الأدبي بعض أساتذتنا) (٢). وأزعم هنا أنَّ سيبويه كان سبَّاقا في استخدام الإحصاء كأداة منهجِيَّة في عمله، فقد كان يقوم بعَمَلِيَّة إِحْصَائِيَّة للتركيب النَّمَطِيّ المُعَيَّن الذي «يترسَّب لديه من خلال دراسته النصوص المنطوقة والمنشدة أمامه» وأنَّه كان يقوم ــ للحصول على نتائجه التي يريدها ــ بما يسميه علماء الإحصاء «الإحصاء الوصفي Descriptive statistics») (٣)، أو «أسلوب المسح Surveying») (٤) . ولا أدعي هنا أنَّ سيبويه قد استخدم هذا الأسلوب باحترافيَّة في استخلاص نتائجه، ولَكِنَّه على الأَقَلّ لجأ إليه بدرجة ما. ودعوانا هذه التي ادّعيناها على صاحب الكتاب تحتاج إلى دليل وبيِّنة، وها هي ذي الأدِلَّة على وجود هذا الاتجاه: ١ ــ يذكر سيبويه في أحد مواضع الكتاب علاقة «كأين) بمعنى كم (» بـ «مِنْ الجارة» فيقول: «إلا أنَّ أكثر العرب إِنَّمَا يتكلمون بها) كأين (مع مِن») (٥).

стр. 99

٢ ــ «وثُمَّ بمنزلة الفاء، تقول: ثُمَّ صاعدا، إلا أنَّ الفاء أكثر في كلامهم») (١). ٣ ــ «والرفع أجود وأكثر في ما أنت وزيدٌ») (٢). ٤ ــ «فهذا ضعيف، والوجه الأكثر النصب») (٣). ٥ ــ «فأما الأصل الأكثر الذي جرى مجرى الفعل من الأسماء ففاعل») (٤). ٦ ــ «وهذا أيضا ليس بالكثير في كلامهم؛ والأكثر في كلامهم: أعطاه إياه») (٥). ٧ ــ «وقد زعم بعضهم أنَّ «ليس» تجعل «كما»، وذلك قليل لا يكاد يعرف») (٦). ٨ ــ «وزعموا أنَّ ناسا يقولون: كيف أنت وزيدًا، وما أنت وزيدًا، وهذا قليل في كلام العرب» (٧) ٩ ــ « ... ؛ لأَنَّ حسبتنيه وحسبتكه قليل في كلامهم») (٨). ١٠ ــ « ... وقد جاء رفعه على شيء هو قليل في الكلام») (٩). ١١ ــ «وقد بلغنا أَنَّ قوما من أهل الحجاز من أهل التحقيق يحقِّقون نبيءٌ وبريئةٌ؛ وذلك قليل ردئ») (١٠). ١٢ ــ « ... ولكن كثر النصب في كلامهم») (١١). ١٣ ــ « ... وهذا لا يكاد يعرف») (١٢). ١٤ ــ « ... وهذا النحو في الكلام كثير») (١٣).

стр. 100

١٥ ــ « ... فهذا ضعيف، والوجه الأكثر الأعرف النصب») (١). ومن الواضح من هذه الأمثلة أَنَّ سيبويه استخدم ألفاظا معياريَّة مثل: «كثير» و «كَثُرَ» و«الأكثر» و «قليل» ... ولم يستخدم إِحْصَائِيّات صريحة، وهذا ما سبق وبدأنا به كلامنا قبل ذكر الأمثلة. إِنَّ غاية ما نريد إثباته هنا أَنْ نشير إلى استخدام سيبويه لهذا الاتجاه بدرجة ما. ولعله ممَّا يدعم كلامنا هنا عن اتخاذ سيبويه لهذا الاتجاه الإحصائي ما قاله البغدادي: «حدثنا على بن سليمان قال: حدثنا محمد بن يزيد: أَنَّ المفتشين من أهل العربية ومن له المعرفة باللغة تتبَّعوا على سيبويه الأمثلة، فلم يجدوه ترك من كلام العرب إلا ثلاثة أمثلة: منها الهُندلِع وهي بقلة، والدُّرْداقِس وهو عظم في القفا، وشَمَنْصير وهو اسم أرض، وقد فسر الأصمعي حروفا من اللغة التي في كتابه، وفسر الجرمي الأبنية، وفسرها أبو حاتم وأحمد بن يحيى. وكلُّ واحد منهم يقول ما عنده فيما يعلمه، ويقف عما لا علم له به، ولا يطعن على ما لا يعرفه، ويعترف لسيبويه في اللغة بالثقة وأنَّه علم ما لم يعلموا وروى ما لم يرووا») (٢). وفي تتَبُّعنا لتلك الأقوال الدالة على المنهج الإِحْصَائِيّ عند سيبويه يمكن أَنْ نقول بعض الملحوظات المُهِمَّة التالية: » الملحوظة الأولى: من خلال وقوفنا على الجانب الإحصائي النسبي عند سيبويه يمكن أَنْ نقول إِنَّ التركيب الأساسي للقاعدة النحوِيَّة التي يُقعِّد لها سيبويه هو الأكثر تَرَدُّدًا في النصوص المستخلص منها القاعدة. وهنا نوجه النظر إلى أَنَّ سيبويه كان يستخلص هذا التركيب الأساسي بناء على «نوع مُعَيَّن من القياس» كان يقوم به. ولتحديد هذا النوع من القياس نقول ابتداء إنَّه من الخطأ أَنْ نتصور أَنَّ مصطلح القياس «لا يتغير من عصر إلى عصر، ولا يتفاوت مضمونه من مدرسة إلى أخرى، بل [إِنَّهُ من الخطأ أَنْ نتصور] أَنَّه لا يختلف عن القياس المنطقي بما يتطلبه من قضايا، ويفترضه من مقدمات، ويستلزمه من شروط») (٣). وإِنَّنَا بعد التحليل العلمي لاصطلاح القياس يمكن أَنْ نميز «بين مدلولين يختلفان تمام الاختلاف، أَمَّا أولهما فيرتكز على مدى اطراد الظاهرة في النصوص اللُّغَوِيَّة مروية أو مسموعة، واعتبار ما يطرد من هذه الظواهر قواعد ينبغي الالتزام بها، وتقويم ما يشذُّ من نصوص

стр. 101

اللُّغَة عنها، ومن ثمَّ فإِنَّهُ يرفض الأخذ بالظواهر الشاذة، ويرد هذه الظواهر، كما يرفض الأخذ بالنصوص التي تحملها مهما كان مصدر هذه النصوص.، وأما المدلول الثاني للقياس فهو أَنَّه عَمَلِيَّة شكلية يتم فيها إلحاق أمر ما بآخر لما بينهما من شبه أو علة؛ فيعطي الملحق حكم ما ألحق به. ومن ثَمَّ فَإِنَّ لهذه العَمَلِيَّة أطرافا أربعة: المقيس، والمقيس عليه، والجامع بينهما، والحكم. والمدلول الأول للقياس هو الشائع في البحث النَّحْوِيّ طوال القرون الثلاثة الأولى منه؛ أي حتى ابن السراج وتلميذه الفارسي وتلميذه ابن جني») (١). وقد استعمل سيبويه القياس بمدلوله الأول، ويدلُّ على ذلك من نصوصه قولُه: • «وقد جاء ((فُعْلان)) نحو: الشكران والغفران، وقالوا: الشُّكُور، كما قالوا: الجُحُود. فإِنَّما هذا الأَقَلّ نوادر، تحفظ عن العرب، ولايقاس عليها، ولكن الأكثر يقاس عليه») (٢). • ((وإن أضفت إلى عباديد قلت: عباديديٌّ؛ لأنَّهُ ليس له واحد؛ وواحده يكون على فُعْلولٍ أو فِعْليلٍ أو فِعلال؛ فإذا لم يكن واحدٌ لم تجاوزه حتَّى تعلم؛ فهذا أقوى من أَنْ أحدث شيئًا لم تتكلَّم به العرب») (٣). إِنَّنَا بعد أَنْ نقرأ هذه النصوص نشعر أَنَّ سيبويه بعد استخلاصه للتركيب الأساسي للقاعدة يريد أَنْ يقول «هذا هو التركيب الذي وجدته أكثر شيوعا في نصوص اللُّغَة». ولقد كان هذا التركيب الأساسي المستخلص «مسحا لنصوص اللُّغَة» هو «المعيار» الذي يحتكم إليه لإبراز مدى درجة «التراكيب البديلة بالنسبة للتركيب الأساسي» من حيث الكثرة، أو القِلَّة أو الشذوذ. وأود هنا بعد قولي السابق أنْ أتجرأ قليلا وأعبِّر عن رأي قد يخالف كلاما لأستاذنا شوقي ضيف في كتابه «المدراس النحوِيَّة» عن سيبويه، حيث يقول سيادته: • «وعلى هذا النحو كان سيبويه يعرض سماعه على المقاييس النحوِيَّة، أو بعبارة أدق: كان يتخذ هذه المقاييس مما دار على ألسنة العرب كثيرا، وما خالفه ينحى عليه بكلمات تدلُّ على مخالفته للذائع المشهور الذي استنبطت منه القواعد، وينعته بالغلط، يريد أَنْ يثبت عليهم التوَهُّم فيه» (٤) فقول سيادته «وينعته بالغلط» أمر مثير للانتباه، فكلمة «غلط» لم ترد في كتاب سيبويه ــ حسبما وقفت ــ إلا أربع مرَّات:

стр. 102

» منها مَرَّة لم تستخدم في وصف تركيب نحوي بل لشرح استخدام للحرف بل (١) » ومرتان لتوضيح مسألتين صرفِيَّتَيْن (٢)، » والمَرَّة الرابعة يوضح مسألة صوتيَّة (٣). فلم تأت كلمة «غلط» لوصف تركيب نحوي ما، كما قال د. ضيف. وأما ما أثبته سيبويه من توهم في بعض أبوابه فليس على العرب بل على النُّحَاة الذين سبقوه. • ويقول في موضع ثان: «وكان موقفه من العرب دائما أَنْ يسجل الصورة الشائعة على ألسنتهم في التعبير معتمدا عليها في تقرير قواعده. ولم يكن يسجلها وحدها، بل كان يسجل دائما ما جاء شذوذا على ألسنتهم، وهو ينعته تارة بالضعف وتارة بالشذوذ أو القبح أو الغلط، يقصد بذلك إلى أَنَّه يخالف القياس الذي ينبغي اتباعه») (٤). وهذا النَّصّ قد يشوبه شيءٌ من عدم الدقة ونقص استقصاء من الدكتور ضيف؛ لأَنَّنا وجدنا سيبويه يصف بعض التراكيب البديلة بـ ((الجَيِّدة))، وبعضها بـ ((الكثير))، وبعضها بـ ((الجَيِّد الكثير)) أيضا، فليست كل البدائل بالقبيحة ولا الغلط ولا الشاذة. والتراكيب الشاذة عند سيبويه هي التراكيب الأَقَلّ تَرَدُّدًا من التركيب الأصلي المولودة منه والناشئة عنه. وإذا عدنا للقياس عند سيبويه مَرَّة أخرى نقول: إِنَّ سيبويه كان يقوم بقياسه «على الأكثر» المأخوذ بدوره من «الواقع اللغويّ الذي تقوله العرب»، ولشَدَّ ما أكَّد مرارا وتكرارا في مواضع من كتابه على أهمِيَّة الرجوع إلى هذا الواقع اللغويّ الذي أخذ منه «قياسه على الأكثر»، يقول: - « ... إِنَّمَا تجري ذا كما أجرت العرب») (٥).

стр. 103

- « ... فاستعمل من هذا ما استعملت العرب، وأجز منه ما أجازوا») (١). - « ... فأجره كما كما أجرت العرب واستحسنت») (٢). - « ... ولم يؤخَذْ ذلك إلاّ من العرب») (٣). وكان الواقع اللغويّ الحيّ والقياس الأكثري ــ إِنْ صح التعبير ــ النابع من هذا الواقع الحي «أداتَيْنِ» معياريَّتين «يُعَايرُ» بهما كلَّ الأقوال التي ترد إليه، فنراه مثلا يقول: «وزعم الخليل ﵀ أَنَّ قولهم: رَبِحتُ الدرهمَ درهمًا، محالٌ، حتَّى تقول: فى الدرهمِ وللدّرهمِ. وكذلك وجدنا العربَ تقول») (٤). وعبارة سيبويه الأخيرة في النَّصّ السابق مُهِمَّة؛ فهو لم يأخذ نصّ الخليل مُسلَّمًا به بل قارنه بـ «الواقع اللغويّ» وما «تقوله العرب»؛ فوجد أَنَّ ما قاله الخليل موافق لهذا الواقع. ومن النصوص المُهِمَّة أيضا التي نري أَنَّها تدلُّ على اهتمام سيبويه بالواقع اللغويّ بشكل كبير نصه الذي يقول فيه: «واعلم أنَّه ليس كلُّ حرف يَظْهَرُ بعده الفعلُ يُحْذفُ فيه الفعلُ، ولكنّك تُضمِر بعد ما أَضمرتْ فيه العربُ من الحروف والمَواضِعِ، وتُظهِرُ ما أظهروا، وتُجْرِى هذه الأشياءَ التى هى على ما يَستخفون بمنزلة ما يَحذفون من نفس الكلام ومما هو في الكلام على ما أَجرَوْا فليس كل حرفٍ يحذف منه شيء ويُثْبَتُ فيه، نحوُ: يَكُ ويَكُنْ، ولم أُبَلْ وأُبالِ، لم يَحملهم ذاك على أَنْ يَفعلوه بِمثله، ولا يحملهم إذا كانوا يُثْبِتون فيقولون: في مر أومر، أَنْ يقولوا: فى خُذْ أُوخُذْ، وفى كُلْ أوكل. فقف على هذه الأشياء حيث وقَفوا ثُمَّ فَسِّرْ») (٥). إن سيبويه في هذا النَّصّ يكشف عن جانب من جوانب منهجه في كتابه، وهو أَنَّه يهتم بوصف الواقع اللغويّ كما هو، وكما وقف عليه، ثُمَّ تأتي مرحلة تالية يقوم بها هي مرحلة تفسير هذا الواقع، فهو «يصفُ» أولا، ثُمَّ «يفسِّرُ» ثانيا، ولا يتدخل بتعليقٍ على أَنَّه ينبغي أَنْ يكون تركيب ما بشكل ما، بدليل أقواله: «إِنَّمَا تجري ذا كما أجرت العرب، فأجره كما كما أجرت العرب فاستعمل من هذا ما استعملت العرب، وأجز منه ما أجازوا» التي أثبتناها آنفا.

стр. 104

ولا بدَّ أَنْ تعقُب هاتين المرحلتين عنده مرحلتان تاليتان هما مرحلة «الفرز والتصنيف»، فرز وتصنيف ما هو «أكثر، وما هو كثير، وما هو قليل وما هو شاذ»؛ ثُمَّ مرحلة «وضع القاعدة على الأكثر». والنص المذهل الذي قاله سيبويه في الاقتباس السابق هو قمة ما وصل إليه علماء اللُّغَة المعاصرون، فكلامه فيه يكاد يتطابق مع ما يقوله العالم اللغويّ المعاصر ديفيد كريستال David Crystal، بل أكاد أقول إِنَّ نصّ ديفيد كريستال التالي هو ترجمة لمنهج سيبويه ولجملته في النَّصّ السابق «فقف على هذه الأشياء حيث وقَفوا ثُمَّ فسِّرْ»، يقول هذا العالم اللغويّ عند شرحه لمصطلح «علم اللُّغَة الوصفي Description»: " The aim of descriptive linguisticsis to describe the facts of linguistic usage as they are, and not how they ought tobe, with reference to some imagined ideal state . The emphasis on a given timeplaces it in contrast with historical linguistics, where the aim is to demonstratelinguistic change: descriptive linguistics aims to describe a language synchronically, at a particular time (not necessarily the present - one can describe thelinguistic patterns of any period) . " «إِنَّ هدف علم اللُّغَة الوصفي أَنْ يصف حقائق الاستخدام اللغويّ كما هي، لا كيف ينبغي أَنْ تكون مع الإشارة لبعض الحالات المثالِيَّة. إِنَّ تأكيد [علم اللُّغَة الوصفي أَنَّه يعمل] على فترة زمَنِيَّة محدّدة يضعه في تباين مع علم اللُّغَة التاريخي الذي يهدف إلى أَنْ يشرح) وبتعبير سيبويه: يفسر (التغير اللغويّ. إِنَّ علم اللُّغَة الوصفي يهدف إلى أَنْ يصف اللُّغَة بطريقة تزامُنية تواقُتية، في وقت مُحَدَّد، ليس بالضرورة في الوقت الحاضر، ففي مُكْنة عالم اللُّغَة أَنْ يصف نماذج اللُّغَة في أَيَّة فترة زمَنِيَّة») (١). وفي إشارة ديفيد كريستال David Crystal في نصه السابق: «with reference to some imagined ideal state» إشارة تشبه بدرجة كبيرة عبارة لسيبويه كان يكرِّرها كثيرا عندما يتعرض لأقوال النُّحَاة المصنوعة المثالِيَّة، وهي: «وهذا تمثيل ولم يُتَكَلَّمْ به») (٢).

стр. 105

وفي مرحلة التفسير تَأَثَّرَ سيبويه بالبيئة الفلسفِيَّة في البصرة، تلك البيئة التي تغذَّت علميا بكتب الفلسفة التي ترجمها المترجمون، وخاصة الكتب التي احتوت منطق أرسطو. وإذا كان الواقع اللغويّ لا يعطي عددا كبيرا من الأمثلة «يسمح» باستخلاص «قياس أكثري» توقف عن تعميم القياس للتركيب المستخلص من هذه الأمثلة القليلة، وطالب أَنْ يظل هذا التركيب مقصورا على الأمثلة التي أتى فيها. في ضوء ذلك نفهم قول سيبويه: - «ولو قالت العرب: ((اضرب أيٌّ أفضل)) لقلته، ولم يكن بد من متابعتهم، ولا ينبغي لك أَنْ تقيس على الشاذ المنكر في القياس») (١). - وقوله: «هو مني منزلة الشغاف، وهو مني منزلة الولد، هو مني معقد الإزار، هو مني درج السيل»، ثُمَّ يفسر معنى هذه الظروف أَنَّ قائليها أرادوا القرب الشديد، ثُمَّ يقول بعد هذا التوضيح: «وليس يجوز هذا في كل شيء، لو قلت: هو منّى مَجْلِسَكَ أو مُتَّكأَ زيدٍ، أو مَربِطَ الفرسِ، لم يجز. فاستَعملْ من هذا ما استَعملتِ العربُ، وأَجِزْ منه ما أجازوا») (٢). - «ودُونَك لم يؤْخَذ من فعلٍ، ولا عندك، فَإِنَّما يُنتَهَى فيها حيث انتهتِ العربُ») (٣). » الملحوظة الثانية: أَنَّهُ يبدو أنَّ هذا الاتجاه الإِحْصَائِيّ أخذه سيبويه عن أستاذه الخليل لقوله: «وزعم الخليل ــ ﵀ ــ أَنَّهُ سمع أعرابيا يقول: ما أنا بالذي قائل لك شيئا. وهذه قليلة ... وقلَّ من يتكلم بذلك») (٤). » الملحوظة الثالثة: تمكن سيبويه من خلال هذا الاتجاه الإِحْصَائِيّ أَنْ يفسر بعض المسائل النحوِيَّة، مثل قوله: «وإذا كان الاسم على بناء فَعَالِ: حَذَامِ ورَقَاش، لا تدري ما أصله، أمعدول أم غير معدول، أم مؤنث أم مذكر؛ فالقياس فيه أَنْ تصرفه؛ لأَنَّ الأكثر من هذا البناء مصروف غير معدول، مثل: الذهاب، والصلاح») (٥).

стр. 106

أي أَنَّهُ إذا كان الاسم على وزن «فَعَالِ»، ولم ندرِ أمعدول) (١) هو أم لا، فسيبويه يصرفه استنادا على الجانب الإِحْصَائِيّ الذي قام به لهذا الوزن، والذي قال إِنَّ معظم حالات هذا الوزن يكون فيها مصروفا. » الملحوظة الرابعة: أنَّ الاتجاه الإِحْصَائِيّ ليس مقصورا فقط على التراكيب النحوِيَّة بل يمتد أيضا إلى الأبنية الصَّرْفِيَّة، مثل: • « ... وفَعِلٌ أقل من فَعِيل بكثير») (٢). • «ألا ترى أَنَّ تَفْعَلُ ويَفْعَلُ في الأسماء قليل») (٣). • «ومع ذا أنَّ فَعاعِيل وفَعاعل أكثر وأعرف من فعالل وفعاليل») (٤). • «ليس في الكلام مثل: سَرْداحٍ ولا فَعْلالٌ إلا مُضعَّفًا») (٥). • «ألا ترى أنَّه ليس في الكلام سِفْعَال») (٦). » الملحوظة الخامسة: أنَّ سيبويه في إحصائه الوصفي المسحي يحدد البيئة اللُّغَوِيَّة) المجتمع (التي يستقي منها مادته، ويعتمد الأسئلة المباشرة، ولا يخلط ما تَتَمَيَّز به بيئة لغَوِيَّة عن بيئة أخرى، فهو يحفظ لكل بيئة لغَوِيَّة خصوصيَّتها اللُّغَوِيَّة: النحوِيَّة والصَّرْفِيَّة، وكثيرا ما ردَّدَ سيبويه قوله «ومن العرب ... »، تلك المقولة التي ترددت أكثر من مَرَّة، وبلغ عدد المرَّات التي أحصيتُها لهذه المقولة مائتين وتسعة) ٢٠٩ (مَرَّة. ومن الأمثلة التي تؤيد هذه الملحوظة أقواله: • «وسألنا العُلْويين والتميميين ... ») (٧). • «وسألنا من يرفع في قوله: سرتُ حتى أدخلها ... ») (٨).

стр. 107

• «وناس من العرب يقولون: بُشْرَيَّ ... ») (١). • « ... وإنْ شئت قلت: إذا كان غدًا فأتي، وهي لغة بني تميم») (٢). • «ومن العرب من ينصب بالألف واللام، من ذلك قولك: الحمدَ لله، فينصبها عامة بني تميم وناس من العرب كثير») (٣). • « ... وهذه كلمة تَكَلَّم بها العرب في حال اليمين، وليس كل العرب تتكلم بها، تقول: لَهِنَّكَ لَرجلُ صدق») (٤). • «والذي ذكرت لك قول الخليل، ورأينا العرب توافقه بعد ما سمعناه منه») (٥). • «كما تخرج هند في التحقير إذا قلت: هنيدة إلى ما لا ينصرف في جميع اللغات») (٦). • «واعلم أَنَّ ناسا كثيرا من العرب يقولون: عِلياوان وحِرباوان») (٧). وسيبويه لا يُقصر بحثه الميداني على النواحي النحوِيَّة والصَّرْفِيَّة، بل إِنَّ بحثه الميداني يشمل الدراسة الصَّوْتِيَّة لما تَتَمَيَّز به كل قبيلة على حدى. يقول مثلا: «واعلم أنَّ ناسًا من العرب كثيرًا ما يلقون على الساكن الذي قبل الهمزة حركة الهمزة، سمعنا ذلك من تميم وأسدٍ، يريدون بذلك بيان الهمزة، وهو أبين لها إذا وليت صوتًا») (٨). وعبارات سيبويه في النصوص السابقة «وسألنا، وسألنا من يرفع، وناس من العرب، وهي لغة، ومن العرب من، وهذه كلمة تَكَلَّم بها العرب في حال، ورأينا العرب، جميع اللغات، واعلم أنَّ ناسا كثيرا من العرب ... » تذكرنا بالطريقة التي كان علماء اللُّغَة المعاصرون يتبعونها في دارسة «علم اللهجات Dialectology» تلك الطريقة التي عُرفت باسم «الاستبيانات Questionnaire» . التي

стр. 108

كانت تُدرَس من خلالها لهجة مكان ما من خلال أسئلة توجه إليهم. وكانت هذه طريقة متبعة في الماضي واستُعِيض عنها الآن بالتقنيات الحديثة) (١). » الملحوظة السادسة: أَنَّهُ من الفوائد العَمَلِيَّة لهذا العنصر من عناصر المنهج عنده تقوية توجيه نحوي على آخر) (٢). » الملحوظة السابعة: إِنَّهُ لأهمِيَّة الجانب الإِحْصَائِيّ في دراسة اللُّغَة ــ كما فعل عبقري العربِيَّة سيبويه ــ ظهرت في علم اللُّغَة الحديث أفرعٌ مختلفة تدرس هذا الجانب، منها ما يسمى: - علم اللُّغَة الإِحْصَائِيّ Statistical Linguistics . - علم الأسلوب الإِحْصَائِيّ Stylostatistics . - علم اللُّغَة الكمي Quantitative Linguistics . والدراسة في علم اللُّغَة الإِحْصَائِيّ تشمل في بعض جوانبها «تحليل تردّد أو توزيع وحدات لغَوِيَّة في تصور ما بهدف التعرف على السمات الحاسمة أو الخاصة لمتحدث أو كاتب ما») (٣). *** ٣ ــ تتَبُّع التركيب اللغويّ المُعَيَّن قيد البحث في السِّياقات المختلفة وربطه بدلالة السِّياق إِنْ وجدت: عرفنا فيما سبق أنَّ سيبويه يقوم بتجريد التركيب النَّحْوِيّ الذي يدرسه، وأنَّ فكرة تنميط تراكيب اللُّغَة كانت حاضرة في ذهنه، وأنَّه يتَتَبَّع هذا التركيب إِحْصَائِيّا لمعرفة درجة تكراره في النصوص اللُّغَوِيَّة. والسؤال الآن: ما الخطوة التالية التي تأتي بعد تنميط التركيب النَّحْوِيّ قيد البحث وتجريده وتتَبُّعه إِحْصَائِيّا؟ ما الذي يحدث بعد أَنْ يحصل سيبويه على النمط المجرد الممثِّل للتركيب النَّحْوِيّ أو الصَّرْفِيّ؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال وتجليته يجب أَنْ نستصحب الأصل المهمَّ التالي؛ لأنَّنا سنعتمد عليه كثيرا هنا، وهذا الأصل هو:

стр. 109

«أنَّ سيبويه يحترم اللُّغَة، ولا يمكن أَنْ يفتري عليها قاعدة من عنده، فهو مقيَّد بما تقوله اللُّغَة، ويلتزم بما تُمليه عليه من قواعد». وهذا الأصل مستخلَص من نصوص عدة ذكرنا بعضها آنفا، ونذكر منها أيضا: أ « ... لا يجوز أَنْ تقول: يضرب شهري ربيع، وأنت تريد في أحدهما، كما لا يجوز لك في اليومين وأشباههما. فليس لك في هذه الأشياء إلا أَنْ تجريها على ما أجروها، ولا يجوز لك أَنْ تريد بالحرف غير ما أرادوا») (١). ب « ... وذلك قولك: سلامٌ عليك ولَبَّيْك، وخير بين يديك، ... فَإِنَّما تجريها كما أجرت العرب، وتضعها في المواضع التي وضعن فيها، ولا تُدْخِلَنَّ فيها ما لم يُدخِلوا من الحروف. ألا أترى أنَّك لو قلت: طعاما لك ... ، تريد معنى سَقْيًا، أو معنى المرفوع الذي فيه معنى الدعاء لم يجز، لأنَّهُ لم يستعمل هذا الكلام كما استعمل ما قبله. فهذا يدلُّك ويبصِّرك أَنَّهُ ينبغي لك أَنْ تُجْري هذا الحروف كما أجرت العرب وأَنْ تعنى ما عنوا بها») (٢). ت «وهذا مذهب، إلا أَنَّهُ ليس يقوله أحد من العرب») (٣). تنبيهه على أنَّ مذهبا ما لا يوافق كلام العرب دليل على اهتمامه بكلام العرب بكل بيئاته المختلفة بناء على الأصل السابق نجيب على السؤال الذي طرحناه قبلُ فنقول: إِنَّ سيبويه بعد تجريده للتركيب النَّحْوِيّ يتَتَبَّع هذا التركيب في السِّياقات المختلفة التي يأتي فيها، ويربط هذا التركيب بدلالات هذه السِّياقات. وبالمثال يتضح الكلام. » المثال الأول: في باب «معنى الواو» أحد أبواب الكتاب يناقش سيبويه بعض الجمل التي تدخلها الواو ومعانيها التي تكون عليها، فيقول: «وكذلك: ما أنت وعبد الله، وكيف أنت وعبد الله، فكأنَّك قلت: ما أنت وما عبد الله، وأنت تريد أَنْ تحقِّر أمرَه أو ترفع أمرَه») (٤). في هذا النَّصّ لدينا التركيب الآتي: «أداة الاستفهام) ما / كيف (+ الضمير أنت + حرف العطف الواو + اسم علم» هذا التركيب يمثِّله في نصّ سيبويه الجملتان المذكورتان «ما أنت وعبد الله، كيف أنت وعبد الله». وَرَبَطَ سيبويه هذا التركيب بدلالتين: التحقير مَرَّة، والرفعة مَرَّة أخرى. ومن خلال معرفتنا

стр. 110

بالأصل السابق ــ وهو أَنَّ سيبويه لن يختلق على اللُّغَة ما ليس فيها ــ نقول: إِنَّ هذا الربط الدِّلَالِيّ بين هذا التركيب وهاتين الدلالتين السِّياقيتين: التحقير والرِّفْعة ــ لابد أَنَّهُ نتج عن تتَبُّع لهذا التركيب في السِّياقات المختلفة التي ورد فيها، وفي كل مَرَّة يجد أنَّ هذا التركيب يرتبط بإحدى هاتين الدلالتين فقرَّر سيبويه في نهاية المطاف أنَّ هذا التركيب يرتبط بهاتين الدلالتين. » المثال الثاني: يقول سيبويه في نصٍّ ثان: «واعلم أنَّ ((حتى)) يُرفَع الفعل بعدها على وجهين: تقول: سرت حتى أدخلُها، تعني أَنَّهُ كان دخول متصل بالسير كاتصاله به بالفاء إذا قلت: سرت فأدخلُها، فأدخلها ههنا على قولك: هو يدخل وهو يضرب، إذا كنت تخبر أَنَّهُ في عمله، وأَنَّ عمله لم ينقطع فإذا قال حتى أدخلُها ف كأَنَّه يقول: سرت فإذا أنا في حال دخول، فالدخول متصل بالسير كاتصاله بالفاء ... وأما الوجه الآخر: فإِنَّهُ يكون السير قد كان وما أشبهه، ويكون الدخول وما أشبهه الآن، فمن ذلك: لقد سرت حتى أدخلُها ما أمنع، أي حتى أني الآن أدخلها كيفما شئت. ومثل ذلك قول الرجل: لقد رأى مني عاما أول شيئا حتى لا أستطيع أَنْ أكلمه العام بشيء، ولقد مرض حتى لا يرجونه») (١). في النَّصّ السابق يتحدَّث سيبويه عن إعراب الفعل المضارع بعد حتى، ويذكر في هذا النَّصّ التركيب التالي: «جملة) سببية (+ حتى) الابتدائية (+ [فعل مضارع مرفوع + فاعل ... ) جملة مسبَّبة (]» الفعل المضارع في هذا التركيب ــ كما ينص سيبويه ويقرر ــ يُرفع في حالتين: - الأولى: أَنْ يكون المضارع دالا على الحال، «أي الوقت الذي يقع فيه الكلام، فزمنه زمن النطق بالكلام»، وهو ما عبَّر عنه بقوله: «دخول متصل بالسير». - الثانية: أَنْ يكون الفعل المضارع «قد تحقق وانتهى فعلا قبل النطق بالجملة، وكان المناسب أَنْ يذكر الفعل بصيغة الماضي، ولَكِنَّه يعاد ذكره بصيغة المضارع بقصد حكاية الحال»، وهو ما يُعَبِّر عنه بقوله: «لقد سرت حتى أدخلُها ما أمنع، أي حتى أني الآن أدخلها كيفما شئت» قال ابن السّرَّاج في توضيح دلالة الفعل المضارع في هذا التركيب: «وأما الوجه الثاني من الرفع: فأنْ يكون الفعلُ الذي بعد حتَّى حاضرًا، ولا يراد به اتصاله بما قبله، ويجوز أن يكون ما قبله منقطعًا، ومن ذلك قولك: لقد سرت حتى أدخلها، ما أمنع حتى إني أدخلُها الآن، أدخلُها كيفَ شئت، ومثل قول الرجل: لقد رأى مني عامًا أول شيئًا حتى لا أستطيع أن أكلمه العامَ بشيءٍ. ولقد
следующие страницы →