← Акыда

Акыда · id 132410

منهج دراسة الأديان بين الشيخ رحمت الله الهندي والقس فندر

شريف فياض

Полный текст (323 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كلية دار العلوم قسم الفلسفة الإسلامية "منهج دراسة الأديان بين الشيخ رحمت الله الهندي (ت: ١٨٩١ م) والقس فندر" رسالة ماجستير إعداد الباحث: شريف مسعد فياض عبد الفتاح تحت إشراف: أ. د. مصطفى حلمي أستاذ الفلسفة الإسلامية بالكلية ٢٠١٦ م - ١٤٣٧ هـ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ - والذين جاهدوا فينا لنهدينم سبلنا - وإن الله لمع المحسنين - سورة العنكبوت: آية ٦٩

стр. 3

شكر واجب أقدم أسمى آيات الشكر والامتنان والتقدير والمحبة إلى الذين حملوا أقدس رسالة في الحياة ... إلى الذين مهدوا لنا طريق العلم والمعرفة ... إلى جميع أساتذتنا الأفاضل ....... أخص بالتقدير والشكر الأستاذ الدكتور / مصطفى حلمي الذي نقول له بشَرك قول رسول الله ﷺ " إنَّ الله وملائكته وأهل السَّموات والأرض حتَّى النَّملة في جحرها وحتَّى الحوت ليصلُّون على مُعلِّم النَّاس الخير" رزقه الله حسن العمل وحسن الخاتمة. كما أنني أتوجه بخالص الشكر لراعي الفلسفة في كلية دار العلوم، الأستاذ الدكتور / عبد الراضي عبد المحسن والذي ساعد - بعلمه - على إثراء الرسالة؛ بالاقتباس من كتبه وبجهده في المناقشة والتوجيه. نفعه ونفعنا الله بعلمه. كذلك الذين كانوا عونا لنا في بحثنا هذا ونورا يضيء الظلمة التي كانت تقف أحيانا في طريقنا. وإلى كل من زرع التفاؤل في دربنا وقدم لنا المساعدات والتسهيلات والأفكار والمعلومات، ربما دون أن يشعروا بدورهم بذلك فلهم منا كل الشكر. كما أتوجه بالشكر لكل أعضاء لجنة المناقشة الموقرة ... بارك الله لكم جميعا في جهدكم وعلمكم

стр. 4

إهداء أهدي هذا العمل المتواضع إلى أبي الذي لم يبخل علي يوماً بشيء إلى سبب وجودي في الحياة .. إلى من افتقده في مواجهة الصعاب ولم تمهله الدنيا لأرتوي من حنانه .. أبي .... اللهم اغفر له وارحمه. وإلى أمي التي زودتني بالحنان والمحبة .. وإلى من تتسابق الكلمات لتخرج معبرة عن مكنون ذاتها من علمتني وعانت الصعاب لأصل إلى ما أنا فيه .. ولم تألُ جهداً في تربيتي وتوجيهي وعندما تكسوني الهموم أسبح في بحر حنانها ليخفف من آلامي .. أمي .. اللهم احفظها بحفظك. وإلى زوجتى رضا الحبيبة الحنون ... العاملة الدؤوب ... نعم المرأة الصالحة .. خير جليس. وإلى ابني البار عبد الله وابنتي البارة منة .. وإلى إخوتي وأسرتي جميعاً. وإلى من كانوا يضيئون لي الطريق .. ويساندوني ويتنازلون عن حقوقهم؛ لإرضائي والعيش في هناء إخوتي .. أحبكم حبا لو مر على أرض قاحلة .. لتفجرت منها ينابيع المحبة وإلى أساتذتي .. وإلى زملائي وزميلاتي .. وإلى الشموع التي تحترق لتضيء للآخرين .. وإلى من علمني النجاح والصبر .. وإلى كل من علمني حرفا .. أهدي هذا البحث المتواضع راجياً من المولى أن يحظى بالإخلاص والقبول والنجاح لكم جميعا كل التقدير والاحترام - أحسبكم كذلك ولا أزكيكم على الله، وأدعوه سبحانه أن يجمعني بكم في الصالحين، في جناته جنات الفردوس الأعلى، ، .

стр. 5

تمهيد بعد حمد الله والثناء عليه، والصلاة والسلام على رسول الله، أقول وبالله التوفيق: في عصر النهضة الأوروبية - الآن - كما يُزعم، وفي عصر التخلف الحضاري للمسلمين، أو بتعبير أدق في عصر الحضارة النائمة، والذي بدأ منذ عدة قرون؛ مرحلة المخاض عقب الحمل، والتي بدأت بوادرها في الظهور منذ إنشاء الجامعات العلمية، وازدياد حركات البحث العلمي، والتأليف مع بدايات القرن العشرين وإلى الآن. في هذا الوقت تظهر محاولات استعمارية صهيونية وكذلك تبشيرية على الساحة؛ للنيل من الإسلام وأهله، وإظهاره بمظهر الضعف؛ ففي حين ينكر كثير من الغربيين أي اقتباس للحضارة الأوروبية الحديثة من الحضارة الإسلامية، يحاولون إثبات أن المسلمين طوروا منهجا جديدا، وتقنيات حديثة - في نهاية القرن التاسع عشر- بالاقتباس من نور الحضارة الأوروبية، وثمرة من ثمراتها؛ للنيل من النصرانية، وللرد والطعن في كتبهم المقدسة. إنه بعد المناظرة التي حدثت - في نهاية القرن التاسع عشر- بين الشيخ رحمت الله الهندي، والقس فندر، ظهر بجلاء ضعف الأدلة والحجج والبراهين التي يسوقونها لإثبات عقيدتهم، فحاول الأوروبيون المحدثون - وكما فعلوا في الماضي - تغيير مجرى الأحداث، وتصويرها على أنها إتقان أساليب متطورة وحديثة، اخترعها المسلمون من وهب الحضارة الأوروبية؛ ادعاء ليصرفوا كفة الميزان تجاههم مرة أخرى. والجدير بالذكر أن ذاك الزعم - كما سيتضح لاحقا - قد خبره وعلمه - في أكبر المناظرات التي حدثت في التاريخ الحديث - مساعد القس فندر- وهو القس فرنج - ساعة المناظرة الصغرى التي دارت في بيته قبل المناظرة الكبرى فهل لم يخبر القس فرنج القس فندر بذلك؟ ! من هذا المنطلق، رأيت أن أبدأ في عرض الموضوع من زاوية أخرى لعلها جديدة. أرى أن أتناول بالتحليل والمقارنة منهج كليهما في نقد الكتب المقدسة - محاولا - أن أضع يدي على صيغة ومنهج جديد متواضع، تكون مقبولة عند عامة الناس. إن هذا البحث لا يناقش المناظرة كما تم بحثها من قبل، حيث كانت هناك محاولات عديدة في هذا الشأن، لكن الجديد الذي أقدمه هو التوصل إلى إبراز منهج كل من الشيخ رحمت الله الهندي والقس فندر، ثم وضع نتائج هذا التصور - بعد المقارنة بينهما- على أساس منهج علمي، واضح، وثابت، عند المناظرات. هذا يستلزم دراسة كتب كل منهما، بالتفصيل والتحليل الدقيق؛ للتوصل إلى وضع قواعد علمية؛ والتي بإمكان تحصيل مدعيها من المتحاورين طريقة مشروعة لإلزام خصمه. وفي الختام، أدعو الله بالتوفيق والسداد في الأمر، إنه ولي ذلك والقادر عليه. لتعريف عنوان الرسالة أبدأ فيه بتعريف عبارة "منهج دراسة الأديان" والذي هو طريق دراسة الدين عند كل من الشيخ والقس، ومقارنة خصائص كل منهما - بعد الاستقراء

стр. 6

والتحليل -؛ لاستنباط النتائج اللازمة للإفادة والتطوير، وبهدف التعرف على المشكلات والعقبات؛ لتفاديها لاحقا. لاشك أن علم مقارنة الأديان قد حقق نتائج باهرة تجعلنا في موقف أفضل من القرون السابقة؛ حيث ظهرت كثير من الأبحاث والدراسات والمخطوطات المحققة كلها تجعلنا أكثر دقة في الحكم، وأكثر اقترابا من فهم ما يدور حول العقائد والأديان، لعل في مقدمتها التساؤل عن أي العقائد والأديان أحق بالاتباع؟ ، وتزداد أهمية السؤال إذا عرفنا أننا نعيش عصر العقائد الدينية بعد فشل الأيديولوجيات (١). إن تجربة الشيخ رحمت الله والقس فندر كانت في الهند! فكانت التجربة بين دينين؛ بين كل من الدين الإسلامي والدين المسيحي، هذا إلى جانب أن كليهما قد تأثر بأديان الهند الأخرى تأثرا كبيرا. إن اهتمامنا بأديان الهند يرجع إلى أن: أديان الهند كانت معينا تسربت منه ألوان من الأفكار فوجدت طريقها بين معتقدات المسيحيين والمسلمين، فالشعار المسيحي "تثليث في وحدة ووحدة في تثليث" منحدر من الهندوسية، وكانت البوذية أهم مصدر اقتبست منه المسيحية كثيرا من مبادئها ... ، وقال بعض المسلمين بالتناسخ ووحدة الوجود تأثرا بثقافة الهند (٢). ولقد انصب البحث على التحليل والمقارنة بين شخصيات أساسية دار عليها البحث، وشكلت محوره الأساسي، وعلى شخصيات تابعة؛ للمقارنة، وتسجيل نقاط الالتقاء والافتراق أو الأصالة والحداثة. اتجاهات دراسة الأديان: توجد عدة اتجاهات في دراسة الأديان هي: ١ - تاريخ الأديان: يدرس تاريخ نشأة الدين وتطوره وتأثيره في المجتمع الإنساني ... الخ ٢ - فلسفة الأديان: الأسس والمبادئ التي يستند إليها الدين من عقيدة وشريعة، وأخلاق ومعاملات، ومن أهم المباحث في هذا القسم مسائل ما وراء الطبيعة التي تسمى على لسان الدين: موضوع الألوهية. ٣ - مقارنة الأديان: يدرس الخصائص والمميزات لكل دين؛ لغرض المقارنة فيما بينها (٣). بالنسبة لمقارنة الأديان هناك من يرفض تلك التسمية؛ حيث يعده تزويرا علميا نادت به فئات خبيثة لتضلل شبابنا الإسلامي، ولتفسح لثقافة دينها المعوج المنحرف ... وفي ماليزيا تم

стр. 7

إلغاء المادة وعوض عنها بدراسات في أقوال المسيحيين الذين أسلموا مثل ايتين دينيه ... كما أن الحيدة العلمية كانت بغرض خديعة الشباب المسلم ليخلل من دينه - كتمرين لهم على التعود على خلع ثياب الدين (١). كذلك يرى البعض أن علم مقارنة الأديان بهدف الرد على دين بعينه يخرج من دائرة المقارنة إلى دائرة المنهج الجدلي وعلم الكلام إلا أنه لا يمكن تصور المقارنة دون وجود جدل ديني وردود نقدية. وبصرف النظر عن الآراء المختلفة في علم مقارنة الأديان، فلقد عملت على الاستفادة من علوم الغربيين وآرائهم، ومن وجهة نظرهم- كما فعل رحمت الله ومساعده د. وزير خان في المناظرة - في هذا العلم على المقارنة بين الدينين بعد التحليل والاستقراء، مع التزام الحيدة العلمية المطلوبة؛ لإقامة الحجة وإظهار الحق، غير أني أعتقد أن الرأي الرافض للتسمية هو من قبيل من يعتقد - كمسلم - أنه يقارن دينا بدين فعلا وليس من مقارنة دين بأقوال منسوبة؛ حيث إن هذا العلم حقيقة يناقش كل شخص من حيث ما يعتقده هو وليس العكس؛ فهو بذلك يعد علما للمقارنة من منظور " الآخر " وليس " الأنا ". وقد حاولت في هذا البحث دراسة الخصائص والمميزات لكل من الإسلام والمسيحية - في إطار تحليلي- لأهم القضايا المثارة فيما بينهما والتي تعرضت لها كتب الشيخ والقس ومن خلال المناظرة؛ بغرض المقارنة، واستخلاص النتائج، وتقديم المقترحات اللازمة. وأما عن كلمة " منهج " فهي من مادة (نهج) فالْمِنْهَاجُ: الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ، وَ (نَهَجَ) الطَّرِيقَ أَبَانَهُ وَأَوْضَحَهُ، وَ (نَهَجَهُ) أَيْضًا سَلَكَهُ (٢)، وقد اخترت الطريقة التحليلية المقارنة لعقد مقارنة بين الشيخ والقس في منهجهما النقدي الجدلي؛ حيث إن أفضل طريق للإنصاف، وعدم التحيز، هو التحليل المبني على الاستقراء ثم المقارنة فالاستنباط. كما ركزت في أهداف هذا البحث على الموضوعات الخمسة المثارة بين القس والشيخ في التحريف والنسخ والتثليث والنبوة والقرآن، ومن خلال العرض المنهجي لكل منهما. كما يسهم البحث في مواجهة حركات التبشير والتي اتسعت دائرتها ولم تقتصر قط على النقاش بل أصبح هناك أكثر من قناة فضائية تؤسس لذاك المنهج. حاولت إبراز منهج جديد في التعامل؛ حيث إن منهج المسيحيين في تغيير العقيدة عند المسلمين تمثل في: - الحروب كالحروب الصليبية وما شابهها. - الطريقة السلمية وقد انقسمت إلى عدة أقسام: • التغيير بشرح العقيدة النصرانية للمسلمين كأمثال: الدكتور كلينتون. • التغيير بإخراج المسلمين من عقيدتهم كمثل: الدكتور صموئيل زويمر.

стр. 8

• التغيير بتشكيك المسلمين في دينهم مثل: ريموند لول. وسنعرف بكل شخصية من هذه الشخصيات لاحقا، أما الطريق الإسلامي فيتمثل في التغيير السلمي فقط فيكون عبر شرح العقيدة الإسلامية أو إثارة الشبهات حول دين النصارى، أما الحروب فكانت لتقوية شوكة المسلمين ضد التهديدات الخارجية. إن الإسلام لا يسعى إلى تغيير العقائد بالقوة والدليل قوله تعالى: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .. لكم دينكم ولي دين .. ويخير الناس في الحرب بين الإسلام أو الجزية؛ نظير عدم اشتراكهم في الحرب والدفاع عن أنفسهم. إن تعرضي في الحديث عن بعض الشخصيات مثل: شخصية ابن تيمية وريموند لول هو قوة التأثير وتحريك العالمين الإسلامي والمسيحي، ووضع أسس يسير عليها من تبعهم كما سبقهم في ذلك ابن حزم والدومينكان والفرنسيسكان كأهم مؤسسي هذا المنهج، ولكني أردت التعرض لمن لهم أكبر قوة محركة ومنهج محدد يسير عليه من خلفهم. أما اختياري لشخصية ديدات وكذلك شخصيات مثل: زويمر وكلينتون وغيرهما فتنبع من نتائج التأثر برحمت الله وفندر كمرحلة وسيطة بين من سبقهم ومن لحقهم، والذين كان لهم تأثير واضح في مناهجهم. مشكلة البحث فبعد المناظرة التي حدثت - بين الشيخ رحمت الله والقس فندر- وماترتب على ذلك من إصدار الكتب؛ لمعالجة الموضوعات التي تمت في المناظرات، وما سبق المناظرة من تمهيدات وإصدار كتب حول هذا الموضوع، توقعت أن تلقى قبولا من جماهير النصارى شرقا وغربا، وتحدث ثورة كبيرة في هذا الموضوع، لكن للأسف قام القس فندر بقلب الحقائق، وأظهر أنه الفائز في تلك المناظرة، إلى أن طلب الخليفة العثماني من الشيخ رحمت الله بإصدار كتاب يبين فيه حقيقة ما حدث، فأصدر كتابه المعروف "إظهار الحق". والواقع اليوم في الغرب أن هذا الكتاب وتلك المناظرة، كان من الممكن أن يحدث تأثيرا أكبر في الناس؛ إذا ما عولجت موضوعاته بشكل أدق وأبرز فيه مواطن الضعف؛ ليتم تجنبها، وذلك من خلال تحليل منهج كل من الشيخ والقس في كتبهما وفي مناظرتهما. بالإضافة إلى أن بعض المستشرقين ينظر للموضوع من زاوية أخرى، ينظرمن ناحية الشكل لا المضمون، باعتبار أن المسلمين طوروا أساليب حديثة للدفاع عن عقيدتهم ومهاجمة العقائد الأخرى، غير ناظرين إلى حقيقة الموضوع وصلبه، وإلى طلب الحق، تاركين كل هذا الحق؛ بالنظر إلى الشكل لا الجوهر. هذا يستلزم - في رأيي- تطوير القواعد والشروط الإجرائية في المناظرات، لتطوير النموذج الحواري وتوسيعه وتدقيقه؛ لكي يستوعب الكثير من جوانب المناظرة. إن فكرة وجود شروط وقواعد أهم من القاعدة في حد ذاتها؛ حيث تعمل الفكرة على ضبط الموضوع المتناظر حوله ووضع الأمور في نصابها الصحيح. بل في الإمكان أن يبنى تصور للمناظرة نفسها يكون أوسع وأشمل مما عرفه إلى حد الآن منظرو الحوار الإسلامي؛ فقد يتصور أن

стр. 9

يشارك فيها أكثر من متناظرين وأن تتنوع دعاويهم ووظائفهم، وقد يعين مذاهبهم وغاياتهم ومعتقداتهم، وتصورات بعضهم عن بعض، والزمن الذي تستغرقه المناظرة بينهم، وقد يجعل الغلبة مراتب، فيحدد درجة غلبة كل من المتناظرين في كل مستوى من مستويات المناظرة، وسوف يمكننا هذا من جعل الخطاب متميزا وتكون نقطة انطلاق بحثية لعلم جدلي حديث. فروض البحث ١ - تحتاج الجوانب الإجرائية في المناظرات وكذلك القواعد الجدلية إلى تطوير، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى التأثير الايجابي في طريقة وعمل وأداء المناظرة، كذلك تطوير في طرق عرض وتقديم الكتب العلمية؛ للرد على المخالفين. ٢ - هناك ملامح خاصة تميز بها كل من منهج الشيخ رحمت الله والقس فندر عن غيرهما، بالإضافة إلى البيئة والزمان الذان كانا فيه؛ أدى ذلك لزيادة الاقبال إلى التعرف عليهما. ٣ - سار الشيخ رحمت الله وفق القواعد العامة الجدلية المسلمة منطقيا، في حين لم يسر عليها القس فندر؛ أدى ذلك إلى تراجع القس فندر أمام الشيخ رحمت الله الهندي. التساؤلات البحثية ١ - لماذا لم يعتمد النصارى تجربة الشيخ رحمت الله والقس فندر في المناظرة قديما سبيلا لإقرار الحق؟ ، ولماذا ينظر إليها حديثا من جهة الشكل لا المضمون؟ . ٢ - هل تطورت الطرق والأساليب الحجاجية - عند الشيخ والقس- عن طرق وأساليب سابقيهم، وفق القواعد المنطقية الجدلية؟ . ٣ - هل حدثت تطورات في الطرق والأساليب الحجاجية، وفي القواعد الجدلية، والشروط الإجرائية، بعد هذه المناظرة الكبرى؟ . ٤ - هل يستلزم الأمر إحداث تطوير في مناهج البحث في الأديان من الناحية الهيكلية والوظيفة الأساسية؟ أو هل يستلزم الأمر وجود قواعد منطقية جدلية حديثة، وقواعد إجرائية مناظراتية حديثة؛ تحدث تأثيرا وتجديدا في علم الكلام أو بمعنى آخر في علم النظر والاستدلال؛ حيث يسلك المتكلم - بعد تعقل أصول العقيدة - سبل الاستدلال والاقناع بطرق مخصوصة، يعتقد أنها قادرة على الظفر بالشيء المخصوص محل النظر؟ . ٥ - ما سر التمسك بنشر كتاب ميزان الحق وعدم نشرالرد عليه ككتاب إظهار الحق حتى الآن؟

стр. 10

المنهج • من خلال عرض الموضوع، يتبين أن المنهج المستخدم في هذا الموضوع هو المنهج التحليلي المقارن في دراسة الأديان لكل من الشيخ رحمت الله الهندي والقس فندر في نقد الكتب المقدسة، ولا تخلو الدراسة من توجيه النقد أحيانا نظرا لطبيعة ما تتناوله الدراسة من منهج جدلي نقدي. • مقارنة الجوانب الإجرائية في المناظرات بين ما تم قديما وما يتم حديثا؛ محاولة لتطويرها بالشكل اللازم. o يتم الاستفادة مما سبق بحثه، وعن طريق تحليل أهم المناظرات - مناظرة الشيخ والقس - في الكتابات القديمة والحديثة وتحديد أهم ملامح منهجهما؛ في تحديد مواضع التطويروالإضافة عند الشيخ والقس، كذلك دراسة ما يستلزم عمله من تطوير وتحديث في الوقت الحالي. • تم دراسة هذا الموضوع من قبل من جوانب عدة، لكن الجديد في هذا الموضوع هو: o ما ذكر سابقا من محاولة تطوير الجوانب الإجرائية في المناظرات، ومن خلال تحليل كل من منهج الشيخ والقس. o استعراض أهم المناظرات الحديثة، ومقارنة القديم بالحديث؛ لتسجيل نقاط التحديث والتطوير. o ربط الدراسات السابقة بعضها ببعض وكذلك الشخصيات السابقة واللاحقة، والاستفادة منها؛ لوضع تصور حديث عن المنهج الجدلي في دراسة الأديان والذي ينبع أساسا من القرآن، وتسجيل نقاط الالتقاء أو الاختلاف، ومحاولة إرساء فكرة وجود قواعد جديدة في المناظرات. o تخلو الدراسات العربية من دراسة هذا الموضوع على هذا النحو وهذا الشكل. o محاولة استيفاء ما كتبته جميع المراجع الأجنبية عن القس فندر. كيفية الكتابة وعرض الموضوع • أقدم تعريفا للمصطلحات التي تحتاج إلى بيان. • توثيق القضايا العلمية من مصادرها الأصلية قدر الإمكان، مع الإحالة إلى أكبر قدر ممكن إذا دعت الحاجة. • الدلالة على مواضع الآيات القرآنية، وذلك بذكر اسم السورة ورقم الآية. • تخريج الأحاديث النبوية الواردة في البحث من مصادرها المعتمدة، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما أكتفي به في التخريج وإلا خرجته في كتب السنة الأربعة أو غيرها إن تيسر. • التعريف بما يتطلب المقام التعريف به من أعلام ومصطلحات وفرق وغير ذلك. • التعليق على المواطن التي تحتاج إلى إيضاح، أو تنبيه، أو ربط أمر سابق أو لاحق. • تذييل البحث بفهارس لتيسير الاستفادة منه وهي:

стр. 11

o فهرس الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار. o فهرس الأعلام المترجم لهم. o فهرس مراجع البحث. o فهرس محتويات الرسالة. أسباب اختيار الموضوع ١ - أرى ضرورة الدراسة المتعمقة لمنهج كليهما، وليست الدراسة السطحية مثل التي قامت بها د. كريستين وأمثالها في الغرب. هذه الدراسة لإبراز الحق سواء باستخدام التقنيات الحديثة أو بدونها؛ فالتقنيات الحديثة لن تغير مسار الحق أبدا بل تثبته. ٢ - أهمية العصر الذي ظهر فيه الشيخ رحمت الله حيث كان حافلا بالأحداث التي مرت على الإسلام والمسلمين في العصر الحاضر. ٣ - مقاومة رحمت الله للنصرانية المتمثلة في حملات التبشير في تلك الفترة باليد واللسان والقلم، مناقشا النصارى في المسائل الخمس: التحريف، والنسخ، والتثليث، وحقيقة القرآن، ونبوة سيدنا محمد ﷺ ؛ فهي من أهم المسائل في بابها، وأثبت أن التوراة والإنجيل مليئة بالاختلافات والتناقضات. الأهمية ١. الاستفادة من منهجية الشيخ في المناظرة، والردود على المخالفين، من حيث اعتماده على خطة الهجوم عوضا عن الدفاع، مع تجنب البحوث الدقيقة التي لا فائدة من بحثها، وطرح المسألة على العقل السليم، والذوق الصحيح، في لين وسماحة مع المخالف، مع استخدام أسلوب الإقناع، وذلك كله للإفادة في دراسة عملية التطوير المذكورة؛ حيث وضع قواعد منهجية حديثة عند المناظرات. ٢. الأثر الذي تركته مؤلفات الشيخ رحمت الله على من جاء بعده من المؤلفين والمناظرين أمثال أحمد ديدات وغيره. هدف الدراسة دراسة ومعالجة منهج قديم بأسلوب حديث للإفادة في عملية التطوير، ودراسة كل من تأثر بالشيخ والقس، كذلك كل من كتب في هذا الموضوع من شيوخ الهند.

стр. 12

الجديد في البحث إبراز الجوانب في منهج كل من الشيخ والقس والتي مازالت مهملة، والتحقق من صحة إرساء القواعد قبل المناظرة، وكشف الحجج عن بعض المفاهيم الخاطئة، وإعادة صياغة منهج مقترح جديد بعد المقارنة بين المعلومات المتناقضة أو المتشابهة لكلا المنهجين. الدراسات السابقة سبق دراسة هذا الموضوع من زوايا مختلفة، لكن كل الدراسات تناولت في أغلبها جهود الشيخ رحمت الله الهندي في الدفاع عن العقيدة، والتصدي للنصرانية، ولكنها لم تتناول دراسة منهجية متعمقة مقارنة لكل من الشيخ رحمت الله الهندي والقس بفندر من خلال مؤلفاتهما ومن خلال ما كتب عنهما وخاصة القس فندر. تلك هي الدراسات السابقة: ١ - جهود الشيخ رحمت الله الهندي في الدفاع عن العقيدة، السيدة / عالية صالح سعد آل القرني، رسالة ماجستير، كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى بمكة المكرمة - عام ٢٠٠٥ م، اشراف أ. د. محمود محمد محمود مزروعة. قامت الباحثة بالتعرض للمسائل العقدية التفصيلية للشيخ رحمت الله الهندي. ٢ - الحوار المثمر مع القس بفندر حول صفات النبي المنتظر، السيد / عثمان القطعاني، منشور دار الإيمان بالإسكندرية عام ٢٠٠٠ م. قام المؤلف بنقل رأي فندر من كتابه ميزان الحق والذي يمثل في رأيه رأي علماء النصارى في تفسيرهم للبشارات، ثم نقل وجهة نظر علماء المسلمين. ٣ - المناظرة الكبرى بين العلامة الشيخ رحمت الله والدكتور القسيس بفندر، تحقيق: د. محمد أحمد عبد القادر ملكاوي، رسالة دكتوراة، كلية أصول الدين - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض عام ١٩٨٢ م. قام الباحث بعرض المناظرة الكبرى بين الشيخ رحمت الله والقسيس فندر وتحقيقها نصا ودراسة مع ضبط نصوصها ونتائجها مع التمهيد بمقدمة عن بلاد الهند سياسيا ودينيا والتعريف بالشيخ رحمت الله وجهوده في مقاومة التنصير إجمالا، دون التعرض للمسائل العقدية التفصيلية. ٤ - بشرية المسيح ونبوة محمد ﷺ في نصوص كتب العهدين: تأليف / محمد أحمد عبد القادر ملكاوي، وهو القسم الثاني من كتاب المناظرة الكبرى. ناقش فيها الباحث القضايا التي لم يتم مناقشتها في المناظرة بعد انسحاب فندر من المناظرة، قام بإتمام تلك القضايا من كتاب إظهار الحق وهي: (مناقشة النصارى في (دعوى التثليث وألوهية المسيح، إنكارهم أن القرآن الكريم كلام الله تعالى، إنكارهم نبوة محمد ﷺ بنصوص كتب العهدين))

стр. 13

٥ - إظهار الحق: للشيخ رحمت الله الهندي، تحقيق: محمد أحمد عبد القادر ملكاوي. قام المحقق بجمع نسخ كتاب اظهار الحق المطبوعة والمخطوطة والمقروءة - على الشيخ قبل وفاته وقام بتصويبها - بعد العثور على نسختين ذهبيتين بخط المؤلف. جاء في مقدمة تحقيقه: التعريف بشبه القارة الهندية، وبالشيخ، والكتاب، وظروف تأليفه، والتعريف بكتاب ميزان الحق - لفندر- مع التعريف بمؤلفه، دون التطرق لدراسة المسائل العقدية التي ناقشها الشيخ في مصنفاته ضمن جهوده في الدفاع عن العقيدة. ٦ - رحمت الله الهندي وجماعته وجهودهم في مواجهة الحملات التبشيرية (التنصيرية)، لعبد الخالق بن محمد سعيد، رسالة دكتوراة، مقدمة إلى قسم الدعوة والثقافة الإسلامية، كلية أصول الدين - جامعة الأزهر، عام ١٩٩٢ م. ركزت هذه الدراسة على التنصير في شبه القارة الهندية، وموقف علماء المسلمين من ذلك ومنهم الشيخ رحمت الله، فقد تناول البحث عن حياته، وجهاده، ومناظراته، ومؤلفاته (منهج تاريخي). ٧ - رحمت الله الهندي: جهوده في الدعوة الإسلامية ورده على المخالفين، السيد / عبد الله محمد علام، رسالة دكتوراة، مقدمة إلى كلية أصول الدين - جامعة الأزهر عام ١٩٧٩ م. تناول البحث بالإضافة إلى حياة الشيخ الشخصية والعلمية النقل لمناظرات الشيخ بمنهج تاريخي وما جاء في كتاب إظهار الحق من مسائل دون تعليق أومناقشة. ٨ - Christine Schrimacher, The Islamic view of Major Christian teachings - ٢٠٠٨ .Schrimacher ,born ١٩٦٢ (MA in Islamic studies ١٩٨٨, Dr.Phil in Islamic studies ١٩٩١). Presently she is Professor of Islamic studies of Protestant university in Leuven / Belgium and Director of the Institute of Islamic studies of German Evangelical Alliance as well as an official speaker and advisor on Islam for the World Evangelical Alliance (WEA) نظرة الإسلام في العقائد المسيحية الأساسية. ٩ - أسلوب المناظرة في دعوة النصارى إلى الإسلام، رسالة دكتوراة من الباحث / ابراهيم بن صالح الحميدان، مقدمة لكلية الدعوة والإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٩٩٤، وتشمل دراسة تحليلية تقويمية ميدانية مفصلة للمناظرات التي جرت في أمريكا الشمالية في الفترة من ١٤٠٠ هـ إلى ١٤١٠ هـ. ١٠ - الحوار الإسلامي المسيحي (المبادئ - التاريخ - الموضوعات - الأهداف)، رسالة ماجستير من الباحث / بسام داوود عجك، ١٩٩٣، سوريا، وشملت الدراسة مسحا شاملا لتجارب المسلمين في الحوار الإسلامي المسيحي قديما وحديثا مع القاء الضوء على الحوارات التي تمت في القرن الماضي من ١٩٠٠ إلى ١٩٨٩ م.

стр. 14

ونظرا لقصور الدراسات عن تناول المقارنة المنهجية التحليلية والنقدية بين كل من فندر ورحمت الله من خلال كتبهم ومؤلفاتهم وما كتب وقيل عنهم، رأيت من المناسب دراسة هذا المنهج للتوصل إلى شكل منهج علمي سليم. الموضوع الموضوع يشتمل على مقدمة وأربعة فصول ونتائج وخاتمة وأتناول من خلال الفصول عرض وتحليل ومقارنة المنهج عند كل من الشيخ رحمت الله وفندر بادئا بالتعريف بهما، وتشتمل الفصول على عدة مباحث. أما المقدمة فأتناول فيها الأسباب التي حملتني على اختيار هذا الموضوع والدراسات السابقة والخطة التي أسير عليها ومنهجي في البحث. والخاتمة أتناول فيها النتائج التي أتوصل إليها - من خلال المقارنة والتحليل - ومن خلال الدراسة والبحث - ثم التوصيات والمقترحات. صعوبات البحث ١ - الحصول على جميع النسخ لمؤلفات الشيخ والقس؛ حيث إما إنها مفقودة، أو مكتوبة بلغات لا يعرفها الباحث، أو منشورة في بلدان يصعب منها الحصول عليها أو غير منشورة. ٢ - استخراج القواعد المنطقية التي يتفق عليها الطرفان، قد استلزم جهدا، ووقتا؛ لقراءة القضايا المثارة في كتبهما- بتركيز- ولأكثر من مرة، وعلى فترات مختلفة، قصيرة أو متباعدة.

стр. 15

الفصل الأول "التعريف بالشيخ رحمت الله والقس فندر "

стр. 16

تمهيد يعرض الفصل الأول من ذلك البحث مقدمة عن أوضاع الهند في فترة الشيخ والقس، كذلك نبذة وتعريف بكل منهما، وأعمالهما، والبيئة المحيطة، وظروف المناظرة بينهما، كما يعقد مقارنة بين كل من سبق ولحق بالشيخ والقس؛ حيث يضع البحث بين يدي القارئ تصورا دقيقا عن مدى قوة وتأثر منهج الشيخ مقارنة بمن سبقه وبمن لحقه، وهل أثر في من أتى بعده أم لا؟ وهل تأثر بمن سبقه أم لا؟ ، كذلك الحال بالنسبة للقس، محاولا التعرف فيه - كذلك - على تاريخ التنصير، وتاريخ المناظرة، في شبه القارة الهندية على وجه الخصوص، وفي التاريخ على وجه العموم. فيتعرض المدخل لمساحة الهند الممتدة الشاسعة، ووفرة مواردها النسبية، وعدد سكانها الكبير، كذلك انتشار الإسلام فيها الذي أغرى الاستعمار للسيطرة عليها، كما تعتبر تلك الفترة من أهم فترات المواجهة بين الإسلام والمسيحية، وكما ساعد انتشار التصوف المغالي، وساعدت الآراء الفلسفية، على بناء حواجز حقيقية لفهم الإسلام، ودوره الحقيقي. امتد الدور التنصيري - في بلاد العالم الإسلامي - مناصرا وداعما للاستعمار والحروب الصليبية. يتعرض المبحثين الأول والثاني لحياة الشيخ رحمت الله الهندي الحافلة بالعطاء والتعلم والتعليم والتي شملت الرد على الاستعمار الصليبي والتنصير كليهما باليد واللسان والقلم، ثم التعرض لحياة القس فندر وأهم أعماله، وفي الختام سيتم عرض حياة القس فندر كاملا في ترجمة له عن الدكتور كلينتون الأستاذ بالجامعات الإنجليزية، والذي يحكي فيها عن نشأته ومنهجه وأعماله وتقييمه لدوره. ويتبين من خلال تلك المباحث خطورة كتاب " ميزان الحق " شرقا وغربا وجهود فندر في ترجمة كتابه ذلك ومناظرة المسلمين فيه. يركز الفصل التالي على خطورة التنصير، ودوره في تحويل بعض المسلمين، وزعزعة الكثيرين من الإسلام إلى النصرانية؛ حيث يعد التنصير أحد الأجنحة التي تتلاقى مع الاستعمار في أهدافه وغاياته وقد تعاون في خدمة الحروب الصليبية والاستعمار الأوروبي للوطن الإسلامي تعاونا كبيرا، كما يعد التنصير الوجه الآخر للاستعمار والبديل الآخر له. من الواضح أن التنصير لا يفرق بين دين وآخر فكل شيء ينظر إليه من جانب التنصير بعين الاستئصال فإما معه أو ضده. سنفصل الحديث عن التنصير والمؤسسات التنصيرية في المباحث التالية -إن شاء الله تعالى- تحت مبحث المقارنة بين فندر وسابقيه ولاحقيه. يلي ذلك التعرف على تدرج المناظرة بدءا من بداية عصر الرسول ﷺ وحتى الآن مرورا بابن تيمية الذي يعد من أوائل من أصل قواعد لمناظرة أهل الكتاب وغيرهم معتمدا في ذلك على العقل والنقل معا. إن المناظرة مع النصارى كانت ولا تزال من أبرز المناظرات التي تحدث في مجال الدعوة.

стр. 17

تطورت المناظرة في العصر الحديث وبدأت تتشكل قضايا الحوار بين المسلمين وأهل الكتاب بشكل أكثر وضوحا، وزيدت فيها موضوعات جديدة: كقضية المرأة، والصلب، والنجاة، والمغفرة. وقد أرسى القرآن الكريم طرقا لمجادلة أهل الكتاب منها: السبر، والإسجال، وغيرهما. ونتبين من هذا المبحث غلبة جانب نقد النصرانية من خلال كثرة عدد القضايا التي تعالج قضايا في الديانة النصرانية في مقابل عدد القضايا التي تعالج قضايا في الإسلام، وتفوق الطرف الإسلامي في طرق الاستدلال، وغلبة إنشاء القضايا لدى الطرف النصراني - من قِبله - مقابل إنشاء القضايا لدى الطرف الإسلامي - من قِبله - وأن نقد الطرف الإسلامي للمعتقدات النصرانية أكثر من نقد الطرف النصراني للمعتقدات الإسلامية، وأن هناك آداب حال التناظر يجب مراعاتها، وأن نقد الطرف الإسلامي للمعتقدات النصرانية أكثر من نقد الطرف النصراني للمعتقدات الإسلامية، وهناك طرق متعددة وأساليب مختلفة تستمد من القرآن الكريم في باب الجدل. كما يتم التعرف - كما ذكرت - على كل من سبق رحمت الله: كابن تيمية، أو من لحقه: كأحمد ديدات، كذلك من سبق فندر من: منظمات تنصيرية أو مبشرين، أو من لحقه منهم، ثم أختم بأقوال وآراء العلماء حولهما، أو بسرد طائفة من العلماء في تلك الفترة.

стр. 18

مدخل تقع دولة الهند جنوبي آسيا، وهي ثانية أكبر دولة سكانا في العالم. تتباين الهند من حيث الأرض والسكان إلى عدة مجموعات عرقية ودينية، ويتحدثون لغات ولهجات مختلفة. ويتفاوت السكان تفاوتا كبيرا من حيث مستوى المعيشة والثراء والفقر والتعليم. بقيت الهند مستعمرة بريطانية منذ القرن الثامن عشر الميلادي إلى أن نالت استقلالها عام ١٩٤٧ م. يتحدث سكان الهند ١٤ لغة رئيسية وأكثر من ألف لغة ولهجة محلية ... وتعتبر اللغة الهندية لغة البلاد الرسمية بجانب اللغة السنسكريتية و ١٣ لغة إقليمية أخرى، كما تعد اللغة الإنجليزية لغة رسمية على مستوى أنحاء الهند المختلفة (١). وهي بلاد شاسعة يحدها من الشمال سلسلة جبال الهملايا ومن الغرب جبال هندكوش وسليمان حيث تقع أفغانستان وإيران ثم تمتد الهند إلى الجنوب في شبه جزيرة يقع بحر العرب في غربها، وخليج البنغال في شرقها، وسيلان في طرفها الجنوبي، ويتجه الإقليم الشمالي منها إلى الشرق حتى جبال آسام (٢). تعتبر الهند من الأمم ذات الحضارة القديمة بحيث تزامل في حضارتها حضارات مصر وبابل وآشور واليونان ... وقد كانت مساحة الهند الواسعة وتعرضها للغزاة - الذين وفدوا عليها من الغرب - سببا في اختلاف الناس، كذلك في الأجناس التي ينتسبون إليها ... وتعد الهندوسية أقدم الأديان في الهند تليها البوذية التي انتشرت قبل الميلاد بنحو خمسمائة سنة ثم الإسلام ثم السيكية ثم المسيحية التي بدأت تنتشر في الهند مع بعثات الغرب التجارية وبعد دخول الإنجليز واهتمامهم بنشرها وهي في الجنوب أكثر من الشمال (٣). بدأ الإسلام ينتشر في الهند منذ أن فتح محمد القاسم الثقفي (٤) السند، وعندما أعلن الخليفة عمر بن عبد العزيزأن كل من يعتنق الإسلام له الحقوق نفسها التي للعرب اعتنقت بعض القبائل الهندية الإسلام، ولكن معظمها عاد لمعتقداته القديمة بعد سقوط الدولة

стр. 19

الأموية. سجل بروز غزنة (١) في عهد السلطان محمود الغزنوي (٣٨٨ - ٤٢١ هـ/٩٩٨ - ١٠٣٠ م) بدء عهد جديد في تاريخ الإسلام في الهند، ولكن النمو الحقيقي للمجتمع الإسلامي في الهند حدث عندما سيطر الغوريون على شمالي الهند، وفي عهد سلاطين دهلي، وعندما بدأ محمد بن تغلق (٧٢٥ - ٧٥٢ هـ) بمحاولات للسيطرة على الدكنكان تمهيدا لنشر الإسلام فيها فأخذ يشجع العلماء والأولياء على الانتشار في مناطق مختلفة في الجنوب فاعتنقت الإسلام قبائل كثيرة نتيجة لتأثرهم بالمتصوفة المسلمين، كما أن تعاليم الإسلام التي تنادي بالمساواة، اجتذبت أعداداً كبيرة من الطبقة الدنيا الهندوسية المنبوذة ... وقد تأثر الفكر الديني الإسلامي في الهند بالمؤلفات الدينية التي دخلتها من الخارج، سواء في التفسير أم الحديث أم الفقه أم التصوف، وعندما دخلت مؤلفات ابن عربي «فصوص الحكم» و «الفتوحات المكية» إلى الهند غدت أفكار ابن عربي وآراؤه شائعة في الأوساط الدينية الإسلامية، وزاد من تأثير فكر ابن عربي بروز الشعر الصوفي في غزنة، وتأليف «المثنوي» لجلال الدين الرومي. فلما دخلت تعاليم ابن تيمية (٢) إلى الهند عن طريق أحد تلامذته وهو عبد العزيز الأردبيلي بدأ العلماء

стр. 20

المتمسكون بأصول الدين والسلاطين التغلقيون يحاربون الميول الداعية إلى وحدة الوجود، وظهرت مؤلفات فقهية عديدة في القرن الرابع عشر الميلادي تهدف كلها إلى الوقوف في وجه الأفكار الداعية إلى وحدة الوجود ... وقد أثارت رغبة أكبر شاه في وضع ديانة جديدة تجمع بين كل المعتقدات الدينية في الهند مخاوف المسلمين الأصوليين ... وكان الشيخ أحمد سرهندي وهو من أتباع الطريقة النقشبندية من المنتقدين؛ حيث انتقد محاولة " أكبر شاه " في مزج المعتقدات الإسلامية وغير الإسلامية كالهندوسية والبوذية وغيرها في عقيدة واحدة، واستطاع الشيخ أحمد سرهندي أن يجتذب أعداداً كبيرة من نبلاء المغول إلى جانبه وتمكن عن طريقهم أن يحدث تغييراً في جو البلاط. في القرن الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي حاول بعض العلماء المسلمين إيجاد تسوية بين الآراء والأفكار المتصارعة التي حدثت في القرن السابق، فكتب شاه ولي الله الدهلوي مقالة بعنوان «فيصلة وحدة الوجود والشهود» حاول فيها أن يبين أنه ليس ثمة اختلاف جوهري بين أفكار ابن عربي والشيخ أحمد سرهندي فكلاهما يعنيان الشيء نفسه، ونجح الجدال الذي احتدم بين العلماء عدة عقود مع أنه وُجد علماء لم يتفقوا مع وجهة نظره (١). إن تسرب التأثيرات الغربية إلى المجتمع الإسلامي في الهند وتفوق الغرب في التكنولوجيا والعلوم والصناعة أوجد نوعاً من الصراع لدى المسلمين الهنود، فالهنود المسلمون الذين درسوا اللغة والعلوم الإنكليزية تقبلوا الحكم البريطاني، ورفض فريق آخر تعلم اللغة والآداب الإنكليزية رفضاً باتاً، ورفضوا الحكم البريطاني وعدّوه دخيلاً حل محل حكم المغول في الهند، وهناك فريق ثالث ظهر رأيه بجلاء في الموقف الذي اتخذه شاه عبد العزيز بن شاه ولي الله، فهو يمتدح الإنكليز من حيث كفاءاتهم العلمية ويسمح بدراسة اللغة

стр. 21

الإنكليزية ولكنه من جهة أخرى يصدر فتوى يعلن فيها أن كل الأراضي التي احتلها الإنكليز هي دار حرب (١). وأخيرا، إن المفاهيم المغلوطة حول ابن عربي والتصوف - الدخيلة على المجتمع الهندي- كان لها أسوأ الأثر في تخبط الفكر الإسلامي ورجالاته خارج دائرة الخطوط العقائدية الواجب اعتقادها فتمثلت في إحدى أكبر المشكلات بجانب مشكلتي الاستعمار والإغراءات بالتكنولوجيا الغربية المتطورة. وإنه بعد تلك المقدمة عن أوضاع الهند، كان لابد أن أتطرق إلى معرفة أحوال الهند في تلك الفترة المهمة؛ حيث انتشرت النصرانية في العالم وخاصة في شبه القارة الهندية الباكستانية، وبذل العلماء المسلمون جهودا حثيثة في مواجهتها. إن ادعى المسيحيون انتصار المسلمين بسبب الأساليب المتطورة؛ فعلينا أن نبحث عن أسباب ذاك الانتصار، وهل طور النصارى أساليبهم بعد مناظراتهم مع المسلمين لتعود إليهم ثقة العالم بشكل واقعي؟ ، كذلك نبحث عن أسباب عدم تبادل النصارى تلك الأساليب في أثنائها أو عقبها، وهل إذا طور النصارى تلك الأساليب سيكونون قادرين على الخوض مجددا في أساليب الحجاج تلك؟ ، وهل ستكون الأساليب هي محور النجاح والفشل؟ ، أم أن الحق لابد له من غالب، وأن الباطل لابد له مغلوب. كانت أبرز جهود المسلمين في هذا الميدان هي جهود الشيخ رحمت الله الهندي، وخاصة عندما ناظر القس فندر؛ حيث وصلت المناظرة في عهدهما إلى أعلى درجات البحث والنظر والجدل، وتشكلت أقوى المراحل المنهجية في دائرة علوم الجدل والمناظرة. بلغت أهمية العصر الذي ظهر فيه الشيخ رحمت الله مبلغا عظيما؛ حيث كان حافلا بالأحداث التي مرت على الإسلام والمسلمين -والتي لازالت تستمر - وتمثلت في مقاومته للنصرانية؛ المتمثلة في حملات التبشير - في تلك الفترة - باليد واللسان والقلم؛ تلك النصرانية التي تمثل أقصاها عند القس فندر وكتابه ميزان الحق. وتاريخيا، لا يمكن أن نغفل - في ذلك المقام - ونحن نتحدث عن المناظرات بين المسلمين والنصارى - ردود المسلمين عليهم عبر التاريخ الإسلامي والتي لم تبدأ عند الشيخ رحمت الله الهندي والقس فندر - فحسب - بل سبقتهما محاولات كثيرة وفي أماكن متفرقة أمثال: ردود ابن حزم الأندلسي (٢) ت (٤٥٦ هـ - ١٠٦٤ م) [الفصل في الملل والأهواء والنحل]. يعد ابن حزم من أوائل من تكلم في نقد الكتب المقدسة، كما يعد ابن تيمية من أوائل من أصل القواعد لمناظرة أهل الكتاب.

стр. 22

- الجويني إمام الحرمين ت (٤٧٨ هـ - ١٠٨٥ م) [شفاء الغليل في بيان ما وقع في التوراة والإنجيل من التبديل]. - حجة الإسلام الغزالي ت (٥٠٥ هـ - ١١١١ م) [الرد الجميل بإلهية عيسى بصريح الإنجيل]. - شهاب الدين القرافي ت (٦٨٤ هـ - ١٢٨٥ م) [الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة]. - تقي الدين بن تيمية ت (٧٢٨ هـ - ١٣٢٨ م) [الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح]. - ردود الخزرجي ت (٥٨٢ هـ - ١١٨٧ م) [مقامع الصلبان]. - صالح بن الحسين الجعفري ت بعد (٦٣٧ هـ - ١٢٣٩ م) [تخجيل من حرف الإنجيل]. - القرطبي ت (٨٢٧ هـ - ١٤٢٤ م) [الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإثبات نبوة نبينا ﵊]. - ابن قيم الجوزية ت (٧٥١ هـ - ١٣٥٠ م) [هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى]. - عبد الله الترجمان ت (٨٢٧ هـ - ١٤٢٤ م) [تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب] (١). إن تلك المناظرة التي حدثت بين المسلمين والنصارى- في نهاية القرن التاسع عشر - في الهند- ظهر بجلاء ضعف الأدلة والحجج والبراهين التي يسوقها المسيحيون لإثبات عقيدتهم، وتصويرها على أنها إتقان أساليب متطورة وحديثة - اخترعها المسلمون - من وهب الحضارة الأوروبية؛ ادعاء ليصرفوا كفة الميزان تجاههم مرة أخرى. بعد الاحتلال البريطاني وسقوط دولة المغول، وضع البريطانيون خطة لتنصير الهند في القرن التاسع عشر الميلادي، وأرسل البريطانيون البعثات التبشيرية إلى الهند، وكان من أبرزهم وأقواهم حجة هو القس فندر (٢). هرع الناس إلى الشيخ رحمت الله مطالبين إياه بالتصدي للقس فندر- بعد تشكك الكثيرين في إيمانهم - فتركز منهج رحمت الله في الحديث عن المسائل العظام، وأمسى ملزما خصمه بالإسلام إن تراجع أو خسر.

стр. 23

كان رحمت الله يستمد كلامه من نصوص الوحي، والرد من خلال كلام الخصم وردوده، وتميز بسعة الاطلاع والتفصيل دون استطراد. كان كذلك يعتمد المنطق والتاريخ في حجته فكان يستند إلى العقل، وكتب العهدين، وكلام علماء النصارى المعتبرين (١). وكان يعمد إلى النقد الذاتي للقضية مثل: نفي ألوهية المسيح بنصوص العهدين، وبعرض مقدمات منطقية رياضية، وبعض تعليقاته الشخصية، واستدلالاته بقول مؤرخي المسلمين في الحديث عن غرض النصارى، كذلك الاستدلال بالحقائق التاريخية وضرب الأمثال (٢). أما فندر فعمد إلى إخفاء الحقائق؛ حيث حاول إثبات أن انتشار النصرانية في العالم كان بالتبشير والإقناع والمحبة، وأن نشر الإسلام كان بالجبر والإكراه والسيف (٣). ومصداقا لقوله تعالى: " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا اللذين ظلموا منهم " (٤)؛ فقد كان رحمت الله يجادل فندر بالحسنى، إلا أنه قد يضطر أحيانا للرد على الموقف العنيف لفندر. يعتبر البرتغاليون أول نصارى الأوروبيين الذين احتلوا البلاد؛ حيث وصل فرانسيس زافير عام ١٥٤١ م إلى الهند لمهمتين الأولى: القاصد الرسولي للبابا، والثانية: المفتش الملكي البرتغالي للبعثات التبشيرية، وأسس جامعة القديس بولس العظيمة، كما كانت التجارة هي أول وسيلة يستخدمها الإنجليز في محاولة تنفيذ خطة تنصير الهند المسلمة (٥). من خلال ما سبق وجب التعرف على الاحتلال البريطاني لشبه القارة الهندية؛ حيث "أخذت بعوث البريطانيين التجارية تفد إلى الهند منذ بداية القرن السابع عشر الميلادي ... ومالبث هؤلاء البريطانيون بما اشتهر عنهم من الدهاء وسعة الحيلة، أن صرحت الدولة لهم بإقامة وكالات تجارية عند سورات في الغرب وهوجلي في الشرق، ثم مازالوا يتقربون من بعد ذلك إلى سلاطين الهند حتى عاونوهم في حربهم ضد البرتغاليين عند الشواطئ الشرقية، كما دفعوا المرهتها كذلك مزيدا من الامتيازات حتى بلغوا من الثراء والقوة واتساع النفوذ ما مكنهم من شراء بومباي نفسها من البرتغاليين وتوسيع رقعة أراضيهم عند كلكتا ومد نفوذهم إلى مدراس (٦) ومايليها جنوبا" (٧).

стр. 24

يتميز البريطانيون بالدهاء الواسع، والدقة الشديدة، ومناصرة الضعيف على القوي، حتى يُهزم القوي؛ فتكون الغلبة لهم. وكان الفرنسيون قد بلغوا بتدبير دوبليكسن، مدير الشركة الفرنسية الهندية، ودهائه، إلى مزيد من النفوذ في الدكن وجنوب الهند؛ فقد استطاع هذا الداهية الفرنسي أن يدرب بعض جنود إمارة حيدر آباد الدكنية، وفريقا من قوات جنوب الهند، على أساليب القتال الحديثة، وخططه، حتى صار الحاكم الفعلي لكافة الأراضي الواقعة إلى الجنوب من نهر كرشنا، والموجه لدفة الحكم فيها من وراء ستار (١). يبدو أن البريطانيين استفادوا كثيرا من تدابير دوبليكسن في خطط الهجوم عوضا عن الدفاع بشكل غير مباشر مكنهم من نشر قواتهم على أنحاء متفرقة، والاستيلاء على الحكم بصورة غير مباشرة في بداية الأمر. وحين نشبت حرب الوراثة النمساوية عام ١٧٤٠ م، وتحارب فيها الفرنسيون والبريطانيون بأوربا، بادر دوبليكسن بالهند إلى اجتياح مدراس والاستيلاء على كثير من مراكز البريطانيين عند الشواطئ الشرقية؛ ومالبث البريطانيون أن استردوا مراكزهم السابقة كلها بعد هذه الحرب، إذ أفلحوا بدسائسهم بالعاصمة الفرنسية في حمل لويس الخامس عشر على استدعاء دوبليكسن، وبذا خلا لهم الجو، حتى قضوا على كل نفوذ للفرنسيين بالهند وانتزعوا منهم كل أراضيهم إلا ميناء بندشيري وبعض أماكن أخرى صغيرة متفرقة بالهند (٢). واصطنع البريطانيون طرائق دوبليكسن الاستعمارية الفذة، فانطلقوا يخوضون هذه البلاد الواسعة بجند من أبنائها وأموال من أموال أهلها. بعد أن استقر الأمر للبريطانيين وأعلنوا الهند إمارة تابعة لبريطانيا بشكل كامل .. راح الحكام البريطانيون في الهند يذيعون بدورهم على الدنيا مايبذلونه من جهود للنهوض بهذه البلاد وترقيتها، ومنها إنشاء الطرق الحديدية، وتوسيع رقعة الأراضي الزراعية، ونشر الحضارة الأوروبية، ولم يكن هدفهم من وراء ذلك كله في الغالب إلا تنظيم ابتزاز ثروات هذه الأرض الواسعة الغنية، حتى كانت منتجاتها تنقلها في كل عام أكثر من عشرة آلاف سفينة معظمها بريطانية؛ لتبيعها بريطانيا في أسواقها بخمسة أضعاف أثمانها أو يزيد، فلا يعود من هذا الربح الوفير على أصحابه الأصليين سوى القليل (٣). أعلن اللورد - ألنيرو - حاكم الهند البريطاني - في صراحة تامة: إن العنصر الإسلامي في الهند هو عدو بريطانيا الأصيل، وأن السياسة البريطانية في الهند يجب أن تهدف إلى تقريب العناصر الهندوكية إليها؛ لتستعين بهم في القضاء على الخطر الذي يتهدد بريطانيا في هذه

стр. 25

البلاد (١). قد كان شعار بعض رؤساء الإنجليز أنهم كانوا يعتبرون كل مسلم ثائرا، وكانوا يسألون الرجل أأنت هندوكي أم مسلم؟ فإذا قال مسلم قتلوه بالرصاص (٢). وعلى هذا المبدأ بطش البريطانيون بالمسلمين الذين قادوا الثورة الوطنية (العصيان) أكثر مما بطشوا بغيرهم من أبناء الطوائف الأخرى الذين شاركوا فيها، فأقصوهم إقصاء شاملا عن كل وظائف الدولة التي كانوا يشغلون عددا كبيرا منها، وجهدوا في تقويض كل أوضاعهم الاقتصادية والثقافية، ثم اصطنعوا أبناء الطبقات الهندوكية المتوسطة في الوظائف الصغيرة فلا يتخطونها أبدا إلى المناصب الكبرى التي كانت جميعها، في السلكين المدني والعسكري وقفا على المستعمرين، حتى أصبحت أغلب الأراضي التي كان المسلمون يمارسون زراعتها، بمقتضى هذا القانون، ملكا لجباة الضرائب من الهنادكة (٣). وقد كانت هذه هي الوسيلة المتبوعة في الحكومة الإنجليزية القائمة؛ وهي القاعدة التي يسير عليها موظفوها الكبار، ورؤساء المصالح، إقصاء المسلمين عن المراكز الكبيرة في الحكم والإدارة، وسد أبواب الرزق الشريف عليهم، ومصادرة الأوقاف والأملاك التي تدر على مدارسهم ومؤسساتهم، وتأسيس مدارس ونظام تعليمي لا ينشط المسلمون للإفادة منه، وقد كان يعلن في بعض بلاغات رسمية أن الوظائف الفلانية لا يقبل فيها إلا الهنادك (٤). ثارت الجنود في مايو عام ١٨٥٧ م بعد ما جرب الهنديون الحكم الإنجليزي وغطرسة الإنجليز، وانتهابهم لثروة البلاد، وقلة احتفالهم بالعاطفة الدينية، وكرامة أهل البلاد، وانتشرت الثورة في الهند انتشار النار في الهشيم، فكانت ثورة شعبية عامة ساهم فيها المسلمون والهنادك سواء بسواء، وتوجه الثوار إلى دهلي مقر الملك المغولي الأخير سراج الدين بهادر شاه (كان حكمه محدودا في القلعة الحمراء والإنجليز يحكمون البلاد باسمه ونيابة عنه)، وجعلوه قائدا للثورة ورمزا للوطنية الموحدة والكفاح الشعبي، ونادوا به ملكا للهند شرعيا، وخليفة آبائه ملوك الهند الصناديد المغول الأباطرة، وقاتل الثوار في كل بقعة من بقاع الهند تحت رايته وباسمه، ينظرون إليه كزعيم للجهاد الديني والوطني، وينظرون إلى دهلي كعاصمة الحكومة الهندية الدائمة، ولم يشذ عن ذلك شاذ (٥). فشلت الثورة، وأخمدها الإنجليز بوحشية بالغة، وضموا الهند لهم كإمارة تابعة لمملكة بريطانيا العظمى. انتشرت في ذلك الوقت محاولات كبيرة لتنصير المسلمين، أو لزعزعتهم عن دينهم، وإثارة الشكوك، بعدما فشلت القوة العسكرية في إخضاعهم للحكم الإنجليزي بشكل كامل."التبشير لايعني بالضرورة تحويل الملك أو الزعيم أو الأميرات إلى المسيحية دينا معلنا، ولكن

стр. 26

بتحويلهم بعيدا عن مصلحة الإسلام وفي خدمة المسيحية الدولية وهو المطلوب والأكثر فعالية والأبعد أثرا" (١). أنشأ المعمدانيون الإنجليز أول هيئة تنصيرية بروتستانتية عام ١٧٩٢ م، وبدأت البعثات التنصيرية عملها بالمناطق النائية حيث ينتشر الجهل فيها؛ فتأسست جمعية لندن التبشيرية عام ١٧٩٥ م، ثم تأسست كلية اسكندروف لتخريج المنصرين وبدأوا بالمناطق النائية لكثرة الجهل فيها (٢). أما ما وصلنا إليه في العصر الحديث فيعد صموئيل زويمر " Zeimer"[١٨٦٧ م- ١٩٥٢ م] وهو مبشر هولندي قضى خمسين عاما في التبشير في الشرق الأوسط ومن أشد المنصرين تعصبا، فقد كان رئيس إرسالية التبشير بالعربية في البحرين، ورئيس جمعيات التنصير في الشرق الأوسط، وكان يتولى إدارة مجلة العالم الإسلامي الإنجليزية التي أنشأها عام ١٩١٩ م ولاتزال تصدر إلى الآن من هارتيفورد. دخل البحرين عام ١٨٩٠ م، ومنذ عام ١٨٩٤ م قدمت له الكنيسة الإصلاحية الأمريكية دعمها الكامل. كانت أبرز مظاهر عمل البعثة التي أسسها زويمر في حقل التطيب في منطقة الخليج - وتبعا لذلك - فقد افتتحت مستوصفات لها في البحرين والكويت ومسقط وعمان، ويعد زويمر من أكبر أعمدة التنصير في العصر الحديث، وقد أسس معهدا باسمه في أمريكا لأبحاث تنصير المسلمين، وقال في مؤتمر القدس التنصيري عام ١٩٣٥ م: "إن مهمة التبشير التي ندبتكم لها الدول المسيحية في البلاد الإسلامية ليست في إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريما، وإنما مهمتكم هي أن تخرجوا المسلم من الإسلام؛ ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله وبالتالي، لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياته (٣). من هذا المدخل يتبين أن: - مساحة الهند الممتدة الشاسعة، ووفرة مواردها النسبية، وعدد سكانها الكبير، كذلك انتشار الإسلام فيها، أغرى الاستعمار للسيطرة عليها. - تعتبر تلك الفترة من أهم فترات المواجهة بين الإسلام والمسيحية. - ساعد انتشار التصوف المغالي، وساعدت الآراء الفلسفية، على بناء حواجز حقيقية لفهم الإسلام، ودوره الحقيقي. - امتد الدور التنصيري - في بلاد العالم الإسلامي - والذي كان مناصرا وداعما للاستعمار والحروب الصليبية.

стр. 27

المبحث الأول التعريف بالشيخ رحمت الله (١٨١٨ م- ١٨٩١ م) كما ذكرت كانت أبرز الجهود في مواجهة التنصير هي جهود الشيخ رحمت الله الهندي، وخاصة عندما ناظر القس فندر؛ حيث وصلت المناظرة في عهدهما إلى أعلى درجات البحث والنظر والجدل، وتشكلت أقوى المراحل المنهجية في دائرة علوم الجدل والمناظرة. بلغت أهمية العصر الذي ظهر فيه الشيخ رحمت الله مبلغا عظيما؛ حيث كان حافلا بالأحداث التي مرت على الإسلام والمسلمين - والتي لازالت تستمر - وتمثلت في مقاومته للنصرانية؛ المتمثلة في حملات التبشير - في تلك الفترة - باليد واللسان والقلم؛ تلك النصرانية التي تمثل أقصاها عند القس فندر وكتابه ميزان الحق. اسمه ومولده وأسرته: هو محمد رحمت الله بن خليل الله (ويعرف بخليل الرحمن) الكيرواني العثماني؛ وينتهي نسبه عند الجد الرابع والثلاثين إلى ذي النورين عثمان بن عفان ﵁. ولد بحي (درباركلان) في قرية كيرانة من توابع دلهي عاصمة الهند سنة ١٨١٨ م، وقد اشتهر أفراد أسرته بالعلم والطب والمناصب العالية. أتقن اللغات الثلاث (العربية والفارسية والأردية)، وقرأ كتب الشريعة واللغة على يد آبائه، وأسس مدرسة شرعية في كيرانة تخرج منها كبار المدرسين، والمؤلفين، ومؤسسي المدارس - في أرجاء الهند - كما أسس مراكز لتدريب الدعاة على مقاومة التنصير (١). ولد في عائلة شهيرة وأسرة كريمة، اشتهر أفرادها في تلك المقاطعة أمراء ورؤساء وحكاما وعلماء وأطباء، وكان أول من قدم إلى الهند من آل سيدنا عثمان هو الشيخ عبد الرحمن الكاذروني، الجد الأعلى للشيخ، حيث كان قاضيا شرعيا للجيوش الإسلامية التي فتحت الهند على يد السلطان محمود الغزنوي، فاستقر الشيخ عبد الرحمن الكاذروني في بلدة (باني بت) وتوفي فيها، وقبره معروف حتى الآن وكان الشيخ رحمة الله من ذرية هذا المجاهد الغازي- ﵀ ولذا يطلق على الشيخ لقب " العثماني " (٢). نشأ رحمة الله في أسرة واسعة الثراء والجاه، حفظ القرآن الكريم في الثانية عشر من عمره، وتتلمذ في مدينة العلم والحضارة لكهنؤ على يد المفتي سعد الله المراد آبادي. كان لازدياد النفوذ التنصيري في الهند أثره في توجهه للتأليف والرد على المنصّرين. وكان لدور علماء الهند الجهادي في إشعال الثورة ضد الاحتلال الإنكليزي أثره في سعي الإنجليز لاعتقاله؛ لكنه نجا بأعجوبة وخرج خفية وسافر بحراً إلى اليمن، ومنها براً إلى مكة سنة ١٢٧٨ هـ، الموافق ١٨٦٢ م، ولما عرفه الناس وخاصة الشيخ أحمد بن زيني دحلان صار له دوره

стр. 28

العلمي في مكة، وطلب منه دحلان التأليف، ولما علم السلطان العثماني عبد العزيز بخبره وخبر المناظرة، دعاه إلى إستانبول، وأكرمه، وطلب منه التأليف عن المناظرة؛ فألف كتاب " إظهار الحق "، وعاش بقية حياته بمكة التي توفي بها عام ١٣٠٨ هـ، الموافق ١٨٩١ م. أما مساعد الشيخ رحمة الله وشريكه في مناظرته فهو الحكيم محمد وزير خان الأكبر آبادي، الذي درس الطب في لندن، وتخرج عام ١٨٣٢ م، وكان يتقن الإنجليزية واليونانية، واطلع على المسيحية في مصادرها الأصلية، وأحضر معه مكتبة زاخرة عن النصرانية بلغاتها الأصلية. كان له دوره العلمي الدعوي في الهند، هاجر إلى مكة، وتوفي بالمدينة المنورة، ودفن بالبقيع (١). تحصيله وتعلمه: بدأ في حفظ القرآن الكريم، والمبادئ من الكتب المتداولة في بلدته على يد كبار أفراد أسرته المشهورين بالعلم والفضل، ثم شد رحله إلى دلهي عاصمة العلوم والفنون، والتحق بإحدى المدارس الدينية، ونال الحظ الأوفر من أمهات العلوم والكتب، ثم أخذه العلم والمعرفة إلى بلدة لكنو - مدينة الثقافة والحضارة - فأخذ عن عدة علماء أفاضل بها، وتخصص في آداب اللغة الفارسية وعلوم الطب، ولما فرغ من تحصيل العلوم الدينية والرياضية، رجع إلى مسقط رأسه كيرانه، وأسس مدرسة قام بالتدريس فيها مدة وجيزة، لازمه عدد من تلاميذه مدة طويلة وأصبحوا من العلماء العالين في الهند، منهم: العلامة الشيخ عبد الوهاب، مؤسس أول مدرسة إسلامية بمدينة مدراس بالهند، عرفت وسميت بـ ((الباقيات الصالحات)) والتي تعتبر اليوم أكبركلية في مدينة مدراس بجنوبي الهند (٢). الحالة العامة بالهند وجهود الشيخ: كانت فترة حياة الشيخ من أصعب الفترات التاريخية في الهند من حيث تدهور الإمبراطورية المغولية الإسلامية التي ظل حكمها نحو أربعمائة سنة على عموم أنحاء الهند، وبدأ نفوذ وتسلط التدخل الأجنبي المستعمر الذي هو الإنجليز، وكانت الفوضى السياسية والحكمية، وانعدام الأمن والاستقرار، وأهم من ذلك كله فقد كانت الأمور بيد الإنجليز يديرونها ويدبرونها كيفما شاؤوا ضد المسلمين للقضاء على الإمبراطورية التي بقيت اسما وصورة فقط، وقد كانت الضربة القوية موجهة إلى الإسلام والمسلمين، وكانت جماعات وفرق من المنصرين والمسيحيين تجوب أطراف الهند، تبث الدعاية المسمومة ضد المعتقدات الإسلامية، وتنشط القسيسون بعقد الاجتماعات والحلقات والحفلات في الأماكن العامة، والهجوم على المساجد والمدارس، وإلقاء الخطب ضد الدين الإسلامي، ومهاجمة العلماء والسذج سويا، وإجبار المسلمين بقبول الدين المسيحي. ولا ننسى في مثل هذه الحالة مساندة الحكومة الإنجليزية بكل نفوذها وقوتها لنشر دعوة النصرانية، وتنزيل أنواع العذاب لكل من يقاوم حركتهم ويتصدى لهم، وفي هذه الظروف الحالكة كان الشيخ رحمة الله الفرد الوحيد

стр. 29

الذي جازف بحياته، وأعلن الجهاد ضد الإنجليز، ودعا رئيس البعثة التنصيرية المسيحية القسيس ((فندر)) إلى المناظرة (١)؛ حيث تفرغ لمقاومة المنصرين، ودرس النصرانية حتى فاق علماءها المتخصصين، ثم بدأ يؤلف كتبه للرد عليهم (٢). مؤلفاته (٣): بدأ برسائل صغيرة أو بالترجمة، فله رسالة مخطوطة في وقت صلاة العصر، ورسالة التنبيهات في إثبات الاحتياج إلى البعثة والحشر، وله مخطوطة في ترجمة التحفة الاثني عشرية في الرد على الروافض بالعربية بالمدرسة الصولتية لمؤلفها الشيخ / عبد العزيز ولي الله الدهلوي، أما مؤلفاته في الرد على المنصرين، والدفاع عن عقائد الإسلام فهي: إزالة الأوهام: بالفارسية طبع عام ١٢٦٩ م، وترجم إلى الأردية باسم دافع الأسقام. إزالة الشكوك: بالأردية للإجابة على ٢٩ سؤالا أوردها المنصرون على علماء الإسلام لإثبات نبوة محمد ﷺ ، وإثبات التحريف في كتب العهدين. الإعجاز العيسوي: ويسمى باسمين آخرين هما (الإعجاز المسيحي) و (مصقلة التحريف)، وألف بالأردية ١٢٧٠ هـ / ١٨٥٣ م، وأعيد طبعه في لاهور بباكستان عام ١٩٨٨ م، ويقع في ٧٧٣ صفحة. أحسن الأحاديث في إبطال التثليث: بالأردية عام ١٢٩٢ م. البروق اللامعة: بالعربية، وهو مفقود. معدل اعوجاج الميزان: بالأردية للرد على ميزان الحق الجديد (٤). تقليب المطاعن: بالعربية للرد على القسيس تحقيق الدين الحق، وهو مفقود. معيار التحقيق: للرد على كتاب تحقيق الإيمان، وهو مفقود. المحبوب إلى القلوب: مخطوط بالأردية. البحث الشريف في إثبات النسخ والتحريف: يحوي نص المناظرة الكبرى بالفارسية. هجرته إلى مكة: اشترك في الثورة على الانجليز عام ١٨٥٧ م، ولما فشلت الثورة، وأخمدها الانجليز - بوحشية بالغة - نصبوا أعواد المشانق للعلماء، وجعلوا مكافأة لمن يدلهم عليه (٥)، ولكنه انتصر عليهم في المعركة الدينية، وأسهم في الجهاد ضدهم، وقد اختفى مدة في قرية

стр. 30

صغيرة، ولما دخلت الجيوش الإنجليزية في هذه القرية، أخذ المنجل ودخل في مزرعة وتشاغل بحصاد الحقل، كفلاح صغير مغمور، واستطاع بذلك أن ينجو بنفسه، ويصل إلى ((سورت)) ميناء الهند، ويهاجر إلى البلاد المقدسة، وكان ذلك في سنة ١٨٦٢ م يعني بعد الثورة بخمس سنوات، وصودرت أملاكه التي كانت كبيرة وواسعة، وبيعت بالمزاد العلني، وكان ذلك في أيام خلافة السلطان عبد العزيز العثماني، وإمارة عبد الله بن عون، ولما عرفت منزلته في مكة، وبلاؤه في الدفاع عن الإسلام، سمح له بالتدريس في الحرم المكي وتوثقت بينه وبين عالم مكة الجليل الشيخ أحمد بن زيني دحلان الصداقة، وهو الذي كان له الفضل في التعريف به عند شريف وعلماء مكة وأعيانها (١). وسجل اسمه في السجل الرسمي لعلماء الحرم عام ١٨٨٥ م. أسس أول مدرسة في مكة والحجاز، وسميت عام ١٨٩١ م باسم المدرسة الصولتية (٢)، "وبقي الشيخ مديرا ومدرسا فيها إلى وفاته عام ١٨٩١ م ودفن في مقبرة مكة ﵀" (٣). بعد تأليف ((إظهار الحق)) (٤) عاد الشيخ رحمة الله إلى مكة المكرمة، واشتغل بالتدريس في الحرم الشريف وبداره، ولم يكن التعليم في أرض الحرم مرتَّبًا منظما بل كان مقتصرا على حلقات العلماء بدون تنظيم ولا منهج، ومن غير شك كانت الخلافة العثمانية تبذل أموالا طائلة لعلماء المسجد الحرام ولطلاب العلم، ولكن لم تكن هناك مدرسة نظامية تعتني بأبناء مكة والمهاجرين من حيث التعليم والتربية، وكان شديد التألم من رداءة حالة التعليم وضياع أبناء المسلمين، فقام اعتمادا على الله بفتح وتأسيس أول مدرسة في ربيع الأول عام ١٢٨٥ هـ على نفقته الخاصة بمحلة الشامية، بدار أمراء الهند المهاجرين، المعروفة بدار السقيفة عند مطلع جبل هندي بالشامية، عرفت بالمدرسة الهندية أو مدرسة الشيخ رحمة الله، ونظرا لضيق المكان لم يستطع الشيخ تنظيم المدرسة، كما كان يتمناها ويريدها، إلى أن قدمت فريضة الحج عام ١٢٨٩ هـ إحدى أميرات الهند، ... وكانت تنوي بعد الحج بناء رباط في مكة، كما هي عادة أهل الخير في أراضي الحرمين الشريفين، وكانت على علم تام بشهرة الشيخ رحمة الله وجهاده في الهند، فاستشارته في إقامة عمارة للفقراء، فأخبرها الشيخ أن مكة المكرمة ليست بها مدرسة تتكفل بتعليم أبناء المسلمين، وأخبرها عن مدرسته، فوافقت على إنشاء مدرسة، وفوضت الأمر إلى الشيخ، وسبحان الله مسبب الأسباب؛ فقد اشترت الأرض في حي الخندريسة بمحلة الباب، ووضع الشيخ رحمة الله بيده المباركة حجر الأساس لأول مدرسة دينية نظامية تحت ظل البيت العتيق صباح يوم الأربعاء الموافق ١٥ شعبان عام ١٢٩٠ هـ. شهدت هذه البلدة المقدسة ميلاد أول مدرسة ببدء الدراسة فيها في احتفال كبير حضره جميع علماء وأعيان مكة وطلاب العلم، بفضل هذه المحسنة، وتخليدا لذكرها فقد أطلق الشيخ اسم: الصولتية على المدرسة، نسبة إلى السيدة صولت النساء، ولم ينسبها إلى نفسه فأصبحت هذه المدرسة مركزا للطلاب من كل حدب، ومنبعا للعلوم والمعرفة، وهي أول مدرسة نظامية على الإطلاق وبالاتفاق في الجزيرة العربية، تأسست

стр. 31

على يد ذلك المجاهد العظيم، ولا زالت والحمد لله تؤدي رسالتها في مدة ١٤٦ سنة تقريبا من الزمن، وتاريخ المدرسة حافل بالخدمات العظيمة في نشر الدين والعلم، وتخريج أفواج من العلماء والمدرسين والقضاة والمؤلفين ورجال الدولة حملوا رسالتها في البلاد وخارجها، ... ومنهم: جلالة الملك الشريف حسين بن علي الهاشمي مؤسس الدولة الهاشمية بالحجاز (١). في الختام نتبين - من ذلك - كيف كانت حياة الشيخ رحمت الله الهندي الحافلة بالعطاء والتعلم والتعليم والتي شملت الرد على الاستعمار الصليبي والتنصير كليهما باليد واللسان والقلم. رحمت الله وعرض سابقيه ولاحقيه لقد وقع اختياري على منهج رحمت الله بالتحديد لما تميز به منهجه من التأثير والقوة، كما أنه امتلك أدوات منهجية ألزم نفسه بالسير عليها؛ لذا قبل أن نبدأ في دراسة منهجه أن نتعرف إن كان قد تأثر بمن سبقه، وعقب التحليل، نتعرف هل طور بعد ذلك، وهل من لحقه قد استفاد منه وطور؟ لابد - في بداية الأمر - من الحديث عن الشيخ ثناء الله الأمر تسري في أوائل القرن العشرين - من كبار زعماء أهل الحديث ورئيسهم، فأطلق عنان قلمه، وألف سلسلة من الكتب في الرد على الهندوسية والنصرانية؛ ففي النصرانية مثلا: (الإسلام والمسيحية) و (تقابل ثلاثة) وغيرها، وأعلن يطلب من يناظره في الإسلام والأديان الأخرى، وما زال على هذا إلى أن توفي عام ١٩٤٨ م (٢). وقد كانت أولى اللقاءات الجدلية القوية رسالة الجاحظ في أول رسالة جدلية - وصلت إلينا - ضد النصارى، توالت بعدها الجهود الإسلامية والمؤلفات الكثيرة لأسماء لامعة: كالقاضي عبد الجبار، والجويني، والغزالي، والرازي، وابن حزم، وأبي الوليد الجابي، والقرطبي المفسر، والقرافي الفقيه (٣). وما أن حل النصف الثاني من القرن السابع الهجري حتى تبوأ الإمام ابن تيمية مكان الصدارة فيه، ليضيف إلى تلك الجهود المشكورة أكبر الإسهامات وأبعدها أثرا، وليؤلف أغزر وأعمق ما كتب عن النصرانية في تاريخ الإسلام مستعينا بأدوات بحث لم تتوفر للكثيرين من سابقيه، منها ما وهبه الله إياها: كالحافظة القوية، والذكاء الحاد، والبصيرة النافذة والبديهة الحاضرة، ومنها ما هو نتاج الدرس والتحصيل: كالمعرفة الموسوعية، واستيعاب تراث السابقين من عقائد وفلسفات ومذاهب، وكرسوخ القدم في الجدل والحوار

стр. 32

والمناظرة؛ لهذا جاءت دراسته للنصرانية: حافلة، شاملة، مستوعبة معظم قضاياها ومشكلاتها وأطروحاتها، فتراه وأنت تطالع مقالاته في النصرانية قد تسنم ذروة طود شامخ يشرف منه على آراء النصارى وعقائدهم وعباداتهم ملما بالنصرانية محيطا بمسالكها فيصف عن حس، ويفند عن بصيرة، ويمهد بكليات يشدها بأدلة الاستقراء من صحيح المنقول وصريح المعقول، حتى لنستطيع القول أن قوة المحجة، وصدق الحجة، ودحض الشبهة، هي أوضح سمات منهجه وأبين خصائص منهجه (١). ليس له مصنف ولا نص في مسألة ولا فتوى إلا وقد اختار فيه ما رجحه الدليل النقلي والعقلي على غيره، وتحرى قول الحق المحض؛ فبرهن عليه بالبراهين القاطعة الواضحة الظاهرة ... وإذا نظر المنصف إليه بعين العدل يراه واقفا مع الكتاب والسنة لا يميله عنهما قول أحد كائنا من كان (٢). ومن هنا لابد من التعرف على هؤلاء الأوائل في هذا الباب من المسلمين مثل: ابن حزم وابن تيمية - رحمهما الله تعالى - ولنبدأ بابن حزم: يكتفي ابن حزم من النص بمعناه الأولي والبسيط والمباشر، بل والسطحي أحيانا، محكما المبادئ المنطقية ... فنحن أمام عقليتين متناقضتين تتحدثان لغتين مختلفتين تماما. ولا يخلو موقف ابن حزم من بعد أيديولوجي مرتبط بمناهضته للتيارات الباطنية في داخل الديانة الإسلامية وخارجها؛ حيث يرى أنها أسرفت في تأويل النصوص وألبستها من المعاني فوق ما تطيق ... إن ابن حزم لا يرفض المجاز مادام يوجد دليل عليه (٣). ولا يقبل ابن حزم - وفق منهجه اللغوي المنطقي لفهم النصوص - التأويل الرمزي، الذي يفسح المجال - حسب رأيه - لفوضى تأويلية، نتيجة فقدان ذلك الرباط المقدس بين الألفاظ ودلالاتها. فكل فريق يوجه النص نحو وجهته الخاصة؛ فاليهود يؤولون النبوءات نفسها التي يستشهد بها النصارى، ويرون فيها حلمهم المسيحاني بعودة مجدهم القومي - الديني - الذي لم يتحقق بعد، والنصارى يرون فيها بشارات تحققت في المسيح والخلاص على يديه. وهكذا (٤). يعتمد ابن حزم في الحديث عن النصارى على القواعد الآتية (٥): ١ - فهم الأناجيل على ظاهر الألفاظ - كما تدل عليه اللغة - وعدم اعترافه بتأويل الكنيسة وأحبارها، إذ يرى في ذلك نوعا من الخداع. ٢ - اعتبار كل كتاب يوجد الكذب في جزء من أجزائه مثل الكل من حيث الرد وعدم القبول.

стр. 33

٣ - عدم الاعتراف بالكثرة "؛ فالحق حق، صدقه الناس أو كذبوه، والباطل باطل، صدقه الناس أو كذبوه، ولا يزيد الحق درجة في أنه حق إطباق الناس كلهم على تصديقه. ٤ - التركيز على العقائد في مناقشة النصرانية؛ لأنه ليس في الاشتغال بالأحكام الشرعية شيء يوجبه العقل أو يمنعه بل كلها من الممكن، فإذا قامت البراهين الضرورية على قبول الأمر بها ووجوب طاعته وجب قبول كل ما أتى به كائنا ما كان من الأعمال. ٥ - اعتماده في مناقشة الإنجيل، وغيره من كتب النصارى، على النصوص الواضحة؛ التي لا يشك في أنه كذب على الله تعالى وعلى الأنبياء ﵈ إلى أخبار أوردوها لا يخفي الكذب فيها على أحد. يحصر ابن حزم الكذب في الطبقة الأولى التي روت الخبر، أما الطبقات التالية لها فهي لديه صادقة بلا شك في نقلها جيلا بعد جيل، بمعنى أن ناقل الكذب معتقدا صدقه يعد صادقا، وهذا موقف فيه شيء من الانفتاح من قبل ابن حزم إزاء نصارى عصره، من شأنه أن يعزز الثقة ويفسح مجالا للحوار (١). كما ينقد ابن حزم العهد الجديد بأسلوب النقد الخارجي والداخلي؛ فالخارجي مثل: طرق ورود النصوص ونقلها مركزا بصفة خاصة على الطبقات الأولى التي عاصرت المسيح ﵇ والتي تلته مباشرة، أما النقد الداخلي فيعنى بفحوى النصوص، كما يبحث عن مكامن الخلل والتناقض فيها، من المنظور الحزمي بطبيعة الحال، بالمقارنة بين النصوص والرجوع إلى معطيات الحواس وأوليات العقل وبديهياته (٢). أما ابن تيمية فقد وضع قاعدتين في ذلك: الأولى: ومن قامت البراهين والآيات على صدقه فيما يبلغه عن الله كان صادقا في كل ما يخبر به عن الله. الثانية: الكلام في صدق مدعي الرسالة وكذبه متقدم على الكلام في عموم الرسالة وخصومها. على الرغم من شهرة ابن تيمية الواسعة التي بلغت الآفاق إلا أن رحمت الله قد تأثر به وزاد عليه في منهجه في الرد على النصارى كما سيتبين وفقا لمتطلبات العصر ومقتضيات المنطق. أما قواعد ابن تيمية الشاملة في الرد على النصارى- كما سيتبين - فقد تلخصت فيما يلي (٣):

стр. 34

١ - وكل شيئين اتحدا فإنهما يصيران جوهرا ثالثا وأقنوما ثالثا وطبيعة ثالثة. ويثبت ذلك بالقول: إن كان اللاهوت والناسوت قد اتحدا - كما زعموا - فقد استحالت صفة اللاهوت، واستحالت صفة الناسوت فلم يبق اللاهوت لاهوتا ولا الناسوت ناسوتا بل صاروا جوهرا ثالثا، لا لاهوت ولا ناسوت. ٢ - الواجب التمسك بالصريح المحكم ورد المتشابه إليه ولا يجوز التمسك بالمتشابه ورد المحكم إليه. والواجب أن يحملوا هذا اللفظ المتشابه المحتمل على اللفظ المحكم وذلك لما يلي: أولا: أنه كان في لغة من قبلنا يعبر عن الرب بالأب وبالابن عن العبد المربي الذي يربه الله ويربيه. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: " ومما يبين ذلك أن لفظ الابن في لغتهم ليس مختصا بالمسيح بل عندهم أن الله تعالى قال في التوراة لإسرائيل: أنت ابني بكري، والمسيح كان يقول: أبي وأبوكم فيجعله أبا للجميع، ويسمي غيره ابنا له، فعلم أنه لا اختصاص للمسيح بذلك، ولكن النصارى يقولون: هو ابنه بالطبع، وغيره ابنه بالوضع، فيفرقون فرقا لا دليل عليه. ثم قولهم هو ابنه بالطبع يلزم عليه من المحالات عقلا وسمعا ما يبين بطلانه ". ثانيا: أن هناك نصوصا كثيرة صحيحة وصريحة تبين أن المسيح عبد مخلوق لله. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: " أن جميع ما عندهم من النصوص الصحيحة لا يدل على مذهبهم ألبتة نصا، بل غاية ما يدعون فيها الظهور، وهم منازعون في ذلك حتى يقال: بل الظاهر فيما يحتجون به خلاف قولهم. ومن النصوص الصريحة التي تبطل مذهبهم ... - كقول المسيح ﵇ في انجيل متى لما سئل عن علم الساعة: "لا يعلمها إنسان ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن إلا الأب فقط" مر ٣٢/ ١٣. - ومن ذلك ما قيل: إنه قول المسيح: " إن الله ربي وربكم وإلهي وإلهكم ". - ومن أقوال المسيح " من يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه وأما من يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم "يو ٧: ١٨. - وقال: " إن الكلام الذي تسمعونه مني ليس من تلقاء نفسي، ولكن من الذي أرسلني - يوحنا ١٤/ ٢٤، والويل لي إن قلت شيئا من تلقاء نفسي ولكن بمشيئته هو من أرسلني ". - ومن أقواله الدالة على بشريته وإبطال عقيدة النصارى فيه: " يارب قد علموا أنك قد أرسلتني وقد ذكرت لهم اسمك " يوحنا ١٧. ٣ - مدلول اللفظ هو بحسب ما يعنيه المتكلم ويقصده ويتصوره ... وهذا يختلف باختلاف إرادات الناس.

стр. 35

فعندهم أن الله تعالى قال في التوراة لإسرائيل: أنت ابني بكري، والمسيح كان يقول: أبي وأبوكم فيجعله أبا للجميع، ويسمي غيره ابنا له، فعلم أنه لا اختصاص للمسيح بذلك، وإن كلمة أقانيم كلمة رومية لا دليل عليها. ٤ - ومن قامت البراهين والآيات على صدقه فيما يبلغه عن الله كان صادقا في كل ما يخبر به عن الله. يلزم النصارى أن يقروا بنبوة محمد ﷺ لأنه قد قامت البراهين الواضحة والدلائل القاطعة والمعجزات المؤيدة لصدقه وتبين من أحواله أنه رسول صادق من الله تعالى، وعلى هذا لا يجوز أن يكذب كما يفعل ذلك كثير من النصارى، ولا يجوز أن يقر بأنه أرسل إلى العرب خاصة ولم يرسل إلى أمة أخرى، وعندئذ يلزم النصارى الإيمان به - كما قال الله تعالى: " قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ". ٥ - كل ما يدل على كذب الكاذب لا يدل على صدق الصادق، وبالعكس، فإن دليل الكذب مستلزم له، ودليل الصدق مستلزم له، وهما ضدان يمتنع أن يكون مدعي النبوة نبيا صادقا، ومتنبئا كاذبا، والضدان لا يجتمعان، فيمتنع أن يكون شيء واحد يدل على الضدين. ٦ - المضاف إلى الله نوعان: إضافة صفة، وإضافة عين. الأول: صفة لله قائمة به ليست مخلوقة له بائنة عنه. الثاني: مملوك لله مخلوق له بإذن عنه. ٧ - كل كمال في الفرع المتعلم هو من الأصل المتعلم. ٨ - الكلام في صدق مدعي الرسالة وكذبه متقدم على الكلام في عموم رسالته وخصوصها. ٩ - ما من طريق صحيح يثبت بها نبوة موسى وعيسى إلا وهي تثبت بها نبوة محمد ﷺ بطريق أولى. ١٠ - كل الأنبياء دينهم الإسلام. - ومن خلال عرض السابقين لرحمت الله، لا يمكن أن نغفل فيه - أولا - من كان معه، ويسانده، ومن هذا المنطلق رأيت أن أرتكز على أهمهم، وأقارنه بمن أتى بعده، وهل إذا ما كان قد سار على نفس النهج أم طور؟ مقابلة بين وزير خان وأحمد ديدات - يعد محمد وزير خان حلقة وصل فريدة بين المناهج القديمة والحديثة وهو الذي قدم طفرة في علم المناظرة، والمجادلة، ودراسات الأديان؛ بإضافته المنهج الأوروبي، ومساعدة رحمت الله ضد فندر في نقد سند الكتاب المقدس علميا. - أما أحمد ديدات فلم يقدم جديدا على منهج وزير خان أو رحمت الله يمكن اعتباره منهجا ملموسا كما سيتضح، إلا أنه من الواضح أن ديدات قد تأثر بشدة بمنهج رحمت الله؛ فسار على طريقته، وأعاد تقديمها بثوب جديد وتطويرها بشكل يلائم الزمن الذي عاش فيه، وإعادة توعية وتذكرة ونصح الناس بها. لقد امتلأت ذاكرة الردود، ولم يعد سوى اللجوء إلى القراءة عن السابقين، وفهرسة الردود؛ ليستفيد بها الجادون الباحثون عن الحقيقة.

стр. 36

ثم أن أحمد ديدات: " يعتبر أحد أبرز علماء المسلمين، الذين قاموا بإجراء حوارات كثيرة مع المسيحيين في عدة أماكن في العالم، وعلى عدة أشكال ومستويات. سئل ديدات عن أثر المناظرة - كأسلوب في الدعوة - على المجتمعات الغربية؟ فأجاب: المناظرة لها أثر كبير جدا، لا سيما وأن معظم المناظرات التي شاركت فيها أقيمت في دول أمريكية وغربية، وكان أغلبية الحضور فيها من المسلمين والمسيحيين الموجودين في هذه البلدان. [أولا]: وبالنسبة للمسلم، فإن المناظرة تعطيه دفعة قوية للتمسك بمبادئ دينه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن المناظرة تعتبر شحنة قوية وإيجابية لهذا المسلم، تكون قوة دفع له فيكمل مشواره على طريق تمسكه بدينه الإسلامي، وبخاصة أن المسلم الموجود في الدول الأوروبية والأمريكية لا يتوافر لديه الاستعداد الكافي والقدرات المطلوبة لإبراز مميزات دينه بسبب حياته وسط مجتمع غير إسلامي وبسبب القصور في الثقافة الإسلامية التي حصلها مثل هذا المسلم، وهو - أي هذا المسلم - لا تكون لديه خلفية علمية ودينية مناسبة تؤهله وتجعله كفؤا لمناقشة المسيحي أو اليهودي، ولذلك يؤثر الصمت، وأعتقد أن المناظرة من شأنها أن توفر له الخلفية الدينية والفكرية التي تمكنه من هذه المواجهة. [ثانيا]: أما أثرها على غير المسلمين؛ حيث إن في هذه الدول نجد مسيحيين يتصفون بضعف الجانب العقائدي، فهم لا يؤمنون بالمسيحية إيمانا كاملا، أي بالأصح - غير مقتنعين بما في دينهم - إنهم مسيحيون بالاسم. والمرء من هؤلاء حين يستمع إلى مناظرة من مناظراتنا يصل إلى قناعة بأن الإسلام هو غايته المنشودة، وأن ما عداه من الأديان زيف وضلال. [ثالثا] أما بالنسبة للمبشرين ورجال الدين المسيحي، فإنهم يكابرون وتأخذهم العزة بالإثم ويرفضون الاقتناع ظاهريا بما سمعوه من براهين، رغم أنهم يدركون إدراكا كاملا في أنفسهم على خطأ؛ ولذلك، تحدث المناظرة في داخلهم قلقا فكريا وتوترا نفسيا واضطرابا وجدانيا، وهو أمر ينعكس سلبا على أعمالهم، فلا يقومون بمهامهم التبشيرية بالشكل المطلوب؛ لشعورهم بأنهم قد انكشفوا أمام أنصارهم ومؤيديهم وأتباعهم (١). وأما المواضيع التي تم بحثها في تلك الحوارات فهي: ١ - ما هو اسم الله تعالى؟ في عدد من الأديان السماوية وغير السماوية. ٢ - ماذا يقول الكتاب المقدس عن نبينا محمد ﷺ ؟ . ٣ - الإله الذي لم يكن قط، وما هكذا يكون الله تعالى. ٤ - بعث أم يقظة بعد غيبوبة؟ قضية قتل المسيح ﵇ أو غيبوبة.

стр. 37

٥ - ماذا كانت معجزة يونان؟ أي - يونس ﵇. ٦ - الصلب: حقيقة أم افتراء؟ ٧ - هل الكتاب المقدس كلام الله تعالى؟ . ٨ - المسيح في الإسلام. ٩ - من دحرج الحجر؟ قضية صلب المسيح ﵇ عند المسيحيين والإدعاء بدفنه بعد الصلب. وأما الأسلوب الذي سار وفقه الشيخ ديدات في حواراته، فهو الأسلوب الخطابي المؤثر، حتى في أثناء عرضه للحقائق العلمية، والأفكار الدقيقة؛ ويبدأ غالبية حواراته - بمقدمات تمهيدية جذابة، ذات أثر نفسي كبير، ثم يباشر بتجريد الطرف الآخر من كل حججه، وينقض على كل الأدلة التي يوردها الطرف الآخر بالبراهين الدامغة، والحجج القوية. وكان اعتماد الشيخ ديدات بالدرجة الأولى على القرآن الكريم، وعلى نصوص الكتاب المقدس - التوراة والإنجيل -، وكذلك على شروحهما. وأما اعتماده الكلي في كل حواراته فكان على كتاب (إظهار الحق) والسبب في ذلك هو تشابه القضايا والمواضيع التي يحتويها الكتاب مع الكثير من الموضوعات التي طرقتها حوارات الشيخ ديدات مع المسيحيين (١). وبعد أن اقتنع المستعمرون أنه من الصعب تنصير المسلمين، عملوا على تنصير الهندوس ليكونوا أعوانا لهم في المستقبل، وقاعدة يثبتون عن طريقها نفوذهم، أو يحكمون الهند باسمهم، فبدأت الإرساليات التنصيرية تؤدي مهمتها في البلاد، فسيطرت على التعليم الحكومي، وامتنع المسلمون من التعلم على يد النصارى الذين كشروا عن أنيابهم، وأعلنوا عن سياستهم صراحة في الرغبة في تنصير الطلاب، وأقبل الهندوس على التعليم حتى أصبح التفاوت واضحا بين الفريقين من ناحية العلم (٢). منهج الشيخ ديدات (٣): - أهم ما يميز كتاباته هو اعتماده على النصوص لإثبات وجهة نظره وتلك أهم مميزات الأسلوب العلمي الحديث. - لدى المؤلف القدرة الفذة على اكتشاف ما يسمى بالتناقض الداخلي، مبديا رأيه كمسلم دون إلزام أحد به، معبرا عنه بصراحة ووضوح.

стр. 38

- في مناظراته نجد أن أسلوبه هادئ رصين، يلتزم فيه أدب الحوار، فكان يبدأ بالاستعاذة والبسملة، والترحيب الشديد والشكر لمناظره، وكان يناقش مناظره فيما عندهم من عقائد، وكان يكسب جمهورا كبيرا من المستمعين. - وكان يحاول مخاطبة مناظره باللغة التي يفهمها هو وقومه. منهجه في مناظراته: - اعتمد على المنهج العقلي والنقلي، وكان يغلب النقلي على العقلي في الموضوعات المختلفة، وقد تأثر بأسلوب الشيخ رحمت الله في استعماله النقل في محاججة الخصم. - المنهج النقلي: طريقة دراسة النصوص المنقولة ... ويقوم على العناصر العامة التالية: o توثيق إسناد النص إلى قائله: بمعنى التأكيد من صحة صدور النص من قائله ويأتي هذا بالرجوع إلى المنهج الخاص في المجال المعرفي الخاص به، كعلم الرجال في دراسة أسانيد أحاديث الأحكام الفقهية، وتاريخ الرواة العاربة والحاضرة في دراسة اللغة والأدب. o التحقق من سلامة النص: بمعنى التأكد من أن النص لم يدخله التحريف أو التصحيف أو الزيد أو النقص أو ما إلى هذه، أي أنه سليم من هذه وكما قال قائله. o فهم مدلول النص: ويتأتي هذا بالرجوع إلى الوسائل والأدوات المقرر استخدامها لذلك، وتعرف في ضوء المنهج الخاص ... كعلم أصول الفقه بالنسبة إلى معرفة مدلولات النصوص الفقهية من آيات وروايات ومجال استخدام هذا المنهج: كل معرفة مصدرها النقل. o المنهج العقلي: هو طريقة دراسة الأفكار والمبادئ العقلية. • فقد جمع ديدات في منهجه النقلي بين المصادر الإسلامية ومصادر أهل الكتاب ((١). • واعتمد في المنهج العقلي على المسلمات العقلية مستخدما عملية التحليل والمقارنة ثم الاستنتاج العقلي للقضايا المختلفة (٢). - ويدخل في الحديث مباشرة في حين يستغرق الآخرون معظم الوقت في الكلام خارج الموضوع المطروح للمناظرة (٣). ومن حيث امتداد عرض السابقين واللاحقين لرحمت الله؛ لا يجب أن نتوقف فقط عند الأفراد بل الجماعات والتنظيمات، فكما كان من جانب النصارى منظمات عمل تنصيرية فكذلك كان للمسلمين - حديثا - منظمات دعوية للحديث عنها جانب مثل:

стр. 39

١. IERA: (www.iera.org) تأسست في عام ٢٠٠٨ في بريطانيا على يد الداعية / عبد الرحمن جرين. ٢. Bridges foundation: (thebridgesfound.org) تأسست في عام ٢٠٠٤ في أمريكا على يد المهندس / فاضل سليمان. ٣. Islamic Propagation centre international (ICPCI)]http://www.ipci.co.za/[ تأسست على يد الداعية / أحمد ديدات في جنوب أفريقيا عام ١٩٨٦. - كما يوجد هناك مؤسسة - حديثة المنشأ - في مصر وشمال أفريقيا وهي: أهلا " AHLAN" للتعريف بالإسلام، ولها حضور قوي في عدة أماكن أثرية وسياحية في مصر: كالقلعة، ومسجد محمد علي، انبثقت من مؤسسة أكبر وهي جمعية تبليغ الإسلام. أما المبشرون فلم يتركوا بابا إلا طرقوه طلبا لتنصير المسلمين وخاصة في بلاد أفريقيا وآسيا الفقيرة؛ حيث الحاجة الماسة إلى الطعام والعلاج والتعليم، فكانت هذه المجالات هي أوسع الأبواب التي دخلوا منها واستطاعوا بالفعل تحقيق كثير مما كانت تصبو إليه أنفسهم وإن لم يتم لهم كل ما أرادوا وخططوا له (١). إن عرض الدين وعدم إثارة الشبهات هو أفضل طرق الدعوة، والبديل عنه هو الحوار والنقاش والتناظر بالتي هي أحسن؛ حيث إن له دورا فعالا، ومؤكدا، في كشف الحقيقة، وبالاستناد إلى القواعد والآداب العامة فيقل حينئذ التصادم، وقد وجدنا أن أكثر المطالب للحوار تأتي من جانب المسلمين لمسيحيي الغرب. لكن نتساءل لماذا تأتي الدعوة إلى الحوار مع المسلمين من جانب الكنائس والمؤسسات الدينية النصرانية التي تعيش في أوروبا، بينما لا نجد حماسا شديدا في الدعوة إلى مثل هذا الحوار من جانب الكنائس الشرقية التي كان ينتظر أن تكون أكثر اهتماما بالحوار مع المسلمين الذين يحيطون بهم من كل جانب، ويشكلون الأغلبية الساحقة في المجتمعات التي يعيشون فيها؟ (٢). لعل السبب في هذه الظاهرة أن الكنائس الشرقية أعلم من غيرها بأحوال المسلمين، وبتمسكهم بعقيدتهم الإسلامية، وعدم جدوى هذه الوسيلة لتنصيرهم. وإن كان لهذا التفسير ما يبرره،

стр. 40

إلا أن هناك تفسيرا آخر لعله أقوى وأقرب إلى الصحة، وهو أن الكنائس التي تعيش بين المسلمين ويتكلم تابعوها العربية التي هي لغتهم الأم، يقرأون مؤلفات المسلمين ويؤيدون حججهم القوية في الدفاع عن دينهم الإسلامي، الحجج المثبتة للدين الإسلامي، وكذلك الحجج المثبتة لتحريف الأناجيل التي بني دينهم عليها، هذا من شأنه أن يجعل نتيجة الحوار في غير صالحهم ولعلها تؤدي إلى عكس ما ينتظرونه، ولعل وجود النصارى في المجتمع الإسلامي كأقلية ضعيفة الشأن في مقابل أغلبية ساحقة من المسلمين لا يكون مناسبا أو مساعدا على ظهورهم بمظهر الواثق من نفسه ومن قوة حجته، هذا على عكس وضع الكنائس الغربية التي تدعو إلى الحوار على أرضها حيث تكون الأغلبية الساحقة لأتباعهم، ولا تشكل المجموعة الإسلامية سوى أقلية ضعيفة الشأن. وثمة سبب آخر يمكن أن يسبب دفاعهم عن عقيدتهم وإبداء حججهم إثارة فتنة طائفية في المجتمع الذي يعيشون فيه تكون نتيجتها في غير صالحهم وغير صالح المجتمع ككل. وإنه على الرغم من ذلك فإن طائفة كبيرة من الشباب الأوروبي والنصراني بشكل عام وخاصة طلبة الجامعات، كانت قد فترت قناعتهم بما تلقيه إليهم الكنيسة من تعاليم وعقائد يعجزون عن فهمها لبعدها عن المنطق العقلي السليم وعن واقع الحياة المعاش ومتطلباته، ولا يجدون فيها حلولا لمشكلاتهم بكل أنواعها. إن ما يدور من مناقشات في المؤتمرات المفتوحة التي نظمتها الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة البروتستانتية في ألمانيا الاتحادية تعكس هذا الموقف البائس للشباب تجاه دينهم، وتظهر حاجتهم إلى دين أقوم يقوم على حجج أقوى، ويقدم حلولا واقعية لحياتهم المعاشة، وتصورا أفضل لمستقبلهم وحياتهم الأخرى (١). وفي ختام ذلك نجد أنه من المناسب جدا البحث عن وسائل جديدة لدعوة هؤلاء الشباب إلى الدين الصحيح والأقوى. عرض آثار العلماء زمن رحمت الله وآرائهم فيه بعد التعرف على حياة الشيخ رحمت الله الهندي، والتعرف على مناهج سابقيه ولاحقيه - بشيء من التفصيل - أتعرض للحديث عن بعض العلماء الذين كانوا في زمن رحمت الله الهندي، وبعض آثارهم العلمية، كذلك آراء العلماء المسلمين في الشيخ رحمت الله ومن خلال ما قدم. بلغ رحمت الله الهندي مبلغا عظيما في تلك الفترة من تبحر في العلم، وقوة في الفهم، وصدقا في التوجه، وأوتي حجة سليمة، ومنطقا حكيما. ظهر رحمت الله في فترة عصيبة - من فترات الاحتلال - سبقتها حملات تبشير وتنصير خطيرة، أعقبها ظهور أكبر المنصرين على الساحة، ولم يجد العامة - في تلك الفترة - من يصلح للتصدي له إلا رحمت الله؛ فهرعوا إليه - مذعورين - بعد أن أصابهم المنصر بالداء العضال، والسموم الفتاكة، وتقلب الناس في الفتن، وتكالب عليه المرجفون حتى بات الأمر
следующие страницы →