ثم أن أحمد ديدات: " يعتبر أحد أبرز علماء المسلمين، الذين قاموا بإجراء حوارات كثيرة مع المسيحيين في عدة أماكن في العالم، وعلى عدة أشكال ومستويات.
سئل ديدات عن أثر المناظرة - كأسلوب في الدعوة - على المجتمعات الغربية؟
فأجاب:
المناظرة لها أثر كبير جدا، لا سيما وأن معظم المناظرات التي شاركت فيها أقيمت في دول أمريكية وغربية، وكان أغلبية الحضور فيها من المسلمين والمسيحيين الموجودين في هذه البلدان.
[أولا]: وبالنسبة للمسلم، فإن المناظرة تعطيه دفعة قوية للتمسك بمبادئ دينه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن المناظرة تعتبر شحنة قوية وإيجابية لهذا المسلم، تكون قوة دفع له فيكمل مشواره على طريق تمسكه بدينه الإسلامي، وبخاصة أن المسلم الموجود في الدول الأوروبية والأمريكية لا يتوافر لديه الاستعداد الكافي والقدرات المطلوبة لإبراز مميزات دينه بسبب حياته وسط مجتمع غير إسلامي وبسبب القصور في الثقافة الإسلامية التي حصلها مثل هذا المسلم، وهو - أي هذا المسلم - لا تكون لديه خلفية علمية ودينية مناسبة تؤهله وتجعله كفؤا لمناقشة المسيحي أو اليهودي، ولذلك يؤثر الصمت، وأعتقد أن المناظرة من شأنها أن توفر له الخلفية الدينية والفكرية التي تمكنه من هذه المواجهة.
[ثانيا]: أما أثرها على غير المسلمين؛ حيث إن في هذه الدول نجد مسيحيين يتصفون بضعف الجانب العقائدي، فهم لا يؤمنون بالمسيحية إيمانا كاملا، أي بالأصح - غير مقتنعين بما في دينهم - إنهم مسيحيون بالاسم. والمرء من هؤلاء حين يستمع إلى مناظرة من مناظراتنا يصل إلى قناعة بأن الإسلام هو غايته المنشودة، وأن ما عداه من الأديان زيف وضلال.
[ثالثا] أما بالنسبة للمبشرين ورجال الدين المسيحي، فإنهم يكابرون وتأخذهم العزة بالإثم ويرفضون الاقتناع ظاهريا بما سمعوه من براهين، رغم أنهم يدركون إدراكا كاملا في أنفسهم على خطأ؛ ولذلك، تحدث المناظرة في داخلهم قلقا فكريا وتوترا نفسيا واضطرابا وجدانيا، وهو أمر ينعكس سلبا على أعمالهم، فلا يقومون بمهامهم التبشيرية بالشكل المطلوب؛ لشعورهم بأنهم قد انكشفوا أمام أنصارهم ومؤيديهم وأتباعهم (١).
وأما المواضيع التي تم بحثها في تلك الحوارات فهي:
١ - ما هو اسم الله تعالى؟ في عدد من الأديان السماوية وغير السماوية.
٢ - ماذا يقول الكتاب المقدس عن نبينا محمد ﷺ ؟ .
٣ - الإله الذي لم يكن قط، وما هكذا يكون الله تعالى.
٤ - بعث أم يقظة بعد غيبوبة؟ قضية قتل المسيح ﵇ أو غيبوبة.
стр. 37
٥ - ماذا كانت معجزة يونان؟ أي - يونس ﵇.
٦ - الصلب: حقيقة أم افتراء؟
٧ - هل الكتاب المقدس كلام الله تعالى؟ .
٨ - المسيح في الإسلام.
٩ - من دحرج الحجر؟ قضية صلب المسيح ﵇ عند المسيحيين والإدعاء بدفنه بعد الصلب.
وأما الأسلوب الذي سار وفقه الشيخ ديدات في حواراته، فهو الأسلوب الخطابي المؤثر، حتى في أثناء عرضه للحقائق العلمية، والأفكار الدقيقة؛ ويبدأ غالبية حواراته - بمقدمات تمهيدية جذابة، ذات أثر نفسي كبير، ثم يباشر بتجريد الطرف الآخر من كل حججه، وينقض على كل الأدلة التي يوردها الطرف الآخر بالبراهين الدامغة، والحجج القوية. وكان اعتماد الشيخ ديدات بالدرجة الأولى على القرآن الكريم، وعلى نصوص الكتاب المقدس - التوراة والإنجيل -، وكذلك على شروحهما.
وأما اعتماده الكلي في كل حواراته فكان على كتاب (إظهار الحق) والسبب في ذلك هو تشابه القضايا والمواضيع التي يحتويها الكتاب مع الكثير من الموضوعات التي طرقتها حوارات الشيخ ديدات مع المسيحيين (١).
وبعد أن اقتنع المستعمرون أنه من الصعب تنصير المسلمين، عملوا على تنصير الهندوس ليكونوا أعوانا لهم في المستقبل، وقاعدة يثبتون عن طريقها نفوذهم، أو يحكمون الهند باسمهم، فبدأت الإرساليات التنصيرية تؤدي مهمتها في البلاد، فسيطرت على التعليم الحكومي، وامتنع المسلمون من التعلم على يد النصارى الذين كشروا عن أنيابهم، وأعلنوا عن سياستهم صراحة في الرغبة في تنصير الطلاب، وأقبل الهندوس على التعليم حتى أصبح التفاوت واضحا بين الفريقين من ناحية العلم (٢).
منهج الشيخ ديدات (٣):
- أهم ما يميز كتاباته هو اعتماده على النصوص لإثبات وجهة نظره وتلك أهم مميزات الأسلوب العلمي الحديث.
- لدى المؤلف القدرة الفذة على اكتشاف ما يسمى بالتناقض الداخلي، مبديا رأيه كمسلم دون إلزام أحد به، معبرا عنه بصراحة ووضوح.
стр. 38
- في مناظراته نجد أن أسلوبه هادئ رصين، يلتزم فيه أدب الحوار، فكان يبدأ بالاستعاذة والبسملة، والترحيب الشديد والشكر لمناظره، وكان يناقش مناظره فيما عندهم من عقائد، وكان يكسب جمهورا كبيرا من المستمعين.
- وكان يحاول مخاطبة مناظره باللغة التي يفهمها هو وقومه.
منهجه في مناظراته:
- اعتمد على المنهج العقلي والنقلي، وكان يغلب النقلي على العقلي في الموضوعات المختلفة، وقد تأثر بأسلوب الشيخ رحمت الله في استعماله النقل في محاججة الخصم.
- المنهج النقلي: طريقة دراسة النصوص المنقولة ... ويقوم على العناصر العامة التالية:
o توثيق إسناد النص إلى قائله: بمعنى التأكيد من صحة صدور النص من قائله ويأتي هذا بالرجوع إلى المنهج الخاص في المجال المعرفي الخاص به، كعلم الرجال في دراسة أسانيد أحاديث الأحكام الفقهية، وتاريخ الرواة العاربة والحاضرة في دراسة اللغة والأدب.
o التحقق من سلامة النص: بمعنى التأكد من أن النص لم يدخله التحريف أو التصحيف أو الزيد أو النقص أو ما إلى هذه، أي أنه سليم من هذه وكما قال قائله.
o فهم مدلول النص: ويتأتي هذا بالرجوع إلى الوسائل والأدوات المقرر استخدامها لذلك، وتعرف في ضوء المنهج الخاص ... كعلم أصول الفقه بالنسبة إلى معرفة مدلولات النصوص الفقهية من آيات وروايات ومجال استخدام هذا المنهج: كل معرفة مصدرها النقل.
o المنهج العقلي: هو طريقة دراسة الأفكار والمبادئ العقلية.
• فقد جمع ديدات في منهجه النقلي بين المصادر الإسلامية ومصادر أهل الكتاب ((١).
• واعتمد في المنهج العقلي على المسلمات العقلية مستخدما عملية التحليل والمقارنة ثم الاستنتاج العقلي للقضايا المختلفة (٢).
- ويدخل في الحديث مباشرة في حين يستغرق الآخرون معظم الوقت في الكلام خارج الموضوع المطروح للمناظرة (٣).
ومن حيث امتداد عرض السابقين واللاحقين لرحمت الله؛ لا يجب أن نتوقف فقط عند الأفراد بل الجماعات والتنظيمات، فكما كان من جانب النصارى منظمات عمل تنصيرية فكذلك كان للمسلمين - حديثا - منظمات دعوية للحديث عنها جانب مثل:
стр. 39
١. IERA: (www.iera.org)
تأسست في عام ٢٠٠٨ في بريطانيا على يد الداعية / عبد الرحمن جرين.
٢. Bridges foundation: (thebridgesfound.org)
تأسست في عام ٢٠٠٤ في أمريكا على يد المهندس / فاضل سليمان.
٣. Islamic Propagation centre international (ICPCI)]http://www.ipci.co.za/[
تأسست على يد الداعية / أحمد ديدات في جنوب أفريقيا عام ١٩٨٦.
- كما يوجد هناك مؤسسة - حديثة المنشأ - في مصر وشمال أفريقيا وهي: أهلا " AHLAN" للتعريف بالإسلام، ولها حضور قوي في عدة أماكن أثرية وسياحية في مصر: كالقلعة، ومسجد محمد علي، انبثقت من مؤسسة أكبر وهي جمعية تبليغ الإسلام.
أما المبشرون فلم يتركوا بابا إلا طرقوه طلبا لتنصير المسلمين وخاصة في بلاد أفريقيا وآسيا الفقيرة؛ حيث الحاجة الماسة إلى الطعام والعلاج والتعليم، فكانت هذه المجالات هي أوسع الأبواب التي دخلوا منها واستطاعوا بالفعل تحقيق كثير مما كانت تصبو إليه أنفسهم وإن لم يتم لهم كل ما أرادوا وخططوا له (١).
إن عرض الدين وعدم إثارة الشبهات هو أفضل طرق الدعوة، والبديل عنه هو الحوار والنقاش والتناظر بالتي هي أحسن؛ حيث إن له دورا فعالا، ومؤكدا، في كشف الحقيقة، وبالاستناد إلى القواعد والآداب العامة فيقل حينئذ التصادم، وقد وجدنا أن أكثر المطالب للحوار تأتي من جانب المسلمين لمسيحيي الغرب. لكن نتساءل لماذا تأتي الدعوة إلى الحوار مع المسلمين من جانب الكنائس والمؤسسات الدينية النصرانية التي تعيش في أوروبا، بينما لا نجد حماسا شديدا في الدعوة إلى مثل هذا الحوار من جانب الكنائس الشرقية التي كان ينتظر أن تكون أكثر اهتماما بالحوار مع المسلمين الذين يحيطون بهم من كل جانب، ويشكلون الأغلبية الساحقة في المجتمعات التي يعيشون فيها؟ (٢).
لعل السبب في هذه الظاهرة أن الكنائس الشرقية أعلم من غيرها بأحوال المسلمين، وبتمسكهم بعقيدتهم الإسلامية، وعدم جدوى هذه الوسيلة لتنصيرهم. وإن كان لهذا التفسير ما يبرره،
стр. 40
إلا أن هناك تفسيرا آخر لعله أقوى وأقرب إلى الصحة، وهو أن الكنائس التي تعيش بين المسلمين ويتكلم تابعوها العربية التي هي لغتهم الأم، يقرأون مؤلفات المسلمين ويؤيدون حججهم القوية في الدفاع عن دينهم الإسلامي، الحجج المثبتة للدين الإسلامي، وكذلك الحجج المثبتة لتحريف الأناجيل التي بني دينهم عليها، هذا من شأنه أن يجعل نتيجة الحوار في غير صالحهم ولعلها تؤدي إلى عكس ما ينتظرونه، ولعل وجود النصارى في المجتمع الإسلامي كأقلية ضعيفة الشأن في مقابل أغلبية ساحقة من المسلمين لا يكون مناسبا أو مساعدا على ظهورهم بمظهر الواثق من نفسه ومن قوة حجته، هذا على عكس وضع الكنائس الغربية التي تدعو إلى الحوار على أرضها حيث تكون الأغلبية الساحقة لأتباعهم، ولا تشكل المجموعة الإسلامية سوى أقلية ضعيفة الشأن. وثمة سبب آخر يمكن أن يسبب دفاعهم عن عقيدتهم وإبداء حججهم إثارة فتنة طائفية في المجتمع الذي يعيشون فيه تكون نتيجتها في غير صالحهم وغير صالح المجتمع ككل.
وإنه على الرغم من ذلك فإن طائفة كبيرة من الشباب الأوروبي والنصراني بشكل عام وخاصة طلبة الجامعات، كانت قد فترت قناعتهم بما تلقيه إليهم الكنيسة من تعاليم وعقائد يعجزون عن فهمها لبعدها عن المنطق العقلي السليم وعن واقع الحياة المعاش ومتطلباته، ولا يجدون فيها حلولا لمشكلاتهم بكل أنواعها. إن ما يدور من مناقشات في المؤتمرات المفتوحة التي نظمتها الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة البروتستانتية في ألمانيا الاتحادية تعكس هذا الموقف البائس للشباب تجاه دينهم، وتظهر حاجتهم إلى دين أقوم يقوم على حجج أقوى، ويقدم حلولا واقعية لحياتهم المعاشة، وتصورا أفضل لمستقبلهم وحياتهم الأخرى (١). وفي ختام ذلك نجد أنه من المناسب جدا البحث عن وسائل جديدة لدعوة هؤلاء الشباب إلى الدين الصحيح والأقوى.
عرض آثار العلماء زمن رحمت الله وآرائهم فيه
بعد التعرف على حياة الشيخ رحمت الله الهندي، والتعرف على مناهج سابقيه ولاحقيه - بشيء من التفصيل - أتعرض للحديث عن بعض العلماء الذين كانوا في زمن رحمت الله الهندي، وبعض آثارهم العلمية، كذلك آراء العلماء المسلمين في الشيخ رحمت الله ومن خلال ما قدم.
بلغ رحمت الله الهندي مبلغا عظيما في تلك الفترة من تبحر في العلم، وقوة في الفهم، وصدقا في التوجه، وأوتي حجة سليمة، ومنطقا حكيما.
ظهر رحمت الله في فترة عصيبة - من فترات الاحتلال - سبقتها حملات تبشير وتنصير خطيرة، أعقبها ظهور أكبر المنصرين على الساحة، ولم يجد العامة - في تلك الفترة - من يصلح للتصدي له إلا رحمت الله؛ فهرعوا إليه - مذعورين - بعد أن أصابهم المنصر بالداء العضال، والسموم الفتاكة، وتقلب الناس في الفتن، وتكالب عليه المرجفون حتى بات الأمر
стр. 41
خطيرا ينذر بسوء العاقبة والمصير، فما كان من رحمت الله إلا أن أعد العدة، وجهز نفسه؛ لملاقاته حتى أصبح منتصرا، وعاد الناس إلى ثباتهم وقوتهم من جديد.
لم يكن رحمت الله هو أول من قام بجهود التصدي لهؤلاء المنصرين، بل سبقه أئمة وعلماء كثر، كانوا منارة في العلم، لكن قد بلغ الأمر ذروته وحميته عند رحمت الله؛ فبعد المبشر الكبير هنري مارتين - وكالعادة خرج مغلوبا - أرسلوا فندر ليكمل المسير ويخدم الاستعمار.
وللتعرف على الأئمة والعلماء اللذين كانوا في عصر رحمت الله، وممن سبقوه؛ بهدف التعرف على أعمالهم، وجهودهم، والتي أعتبر مناظرته هي ملخص جهود كل هؤلاء، مضافا إليها خبرة وشخصية هذا العالم الفذ الكبير- رحمت الله الهندي - وجهوده في التصدي لمحاولات التنصير في شبه القارة الهندية هم (١):
- قاسم بن أسد على الكري النانوتوي:
أسهم في ثورة ١٨٥٧ م، وله مدرسة كبيرة في يوبند، وله مؤلفات في الرد على النصارى مثل: تقرير دل بذير - رحمة الإسلام - آب حياة.
- رشيد أحمد الجنجوهي: دار العلوم وله مناظرات، وكتب بالأردية.
- أحمد بن زين العابدين: الأنوار الإلهية في دحض خطأ المسيحية في الرد على جيروم كزافييه.
- محمد علي المونكيري: مرآة الإسلام - مرآة اليقين - تكميل الأديان - الرسالة المحمدية - دافع التلبيسات - تصديق المسيح.
- ناصر الدهلوي: عقوبة الضالين - الاستئصال وقيمة الوداد - لحن داوود - الإنعام - إفحام الخصام - تصحيح التأويل - إعزاز القرآن. ميزان الميزان في الرد على ميزان الحق - مصباح الأبرار - تشويش القسيس - نويد جاويد.
- محمد على المراد آبادي: كشف الأوهام - شهادة النبيين برسالة سيد المرسلين - تأييد الفرقان.
- فقير محمد الجهلمي: فريدة الأقاويل في ترجيح القرآن على الأناجيل.
- علي غضنفر بن علي أكبر اللكنوي: الحق المبين في الرد على كتاب أمهات المؤمنين.
- محمد آلي حسن الموهاني: الاستبشار - الاستفسار للرد على ميزان الحق.
- هادي علي النصير آبادي: كشف الأستار للرد على مفتاح الأسرار لفندر - تشخيص الحق.
- عباس علي الجماجموي: صولة الضيغم على أعداء ابن مريم - غلام الدين الأمر تسري - تصديق الإسلام.
- حق الباري: أعلام الأحبار.
стр. 42
- مولوي جراغ علي الحيدر آبادي: تحقيق الجهاد - بركات الإسلام.
- عنايت رسول الجرياكوتي: البشرى
- الشيخ أحمد السرهندي (١٥٦٣ م - ١٦٢٤ م)، والشيخ عبد الحق الدهلوي (٩٥٨ هـ - ١٥٥٠ م)، والشيخ ولي الله الدهلوي (١١١٤ هـ - ١٧٦٣ م) صاحب كتاب حجة الله البالغة، وكتاب إزالة الخفاء عن تاريخ الخلفاء، وأبناؤه عبد العزيز (١٧٤٦ م)، وعبد الغني ولي الله الدهلوي، والشيخ أحمد الشهيد والإمام بخش وعبد الرحمن الجشتي.
آراء العلماء في آثار الشيخ رحمت الله
رأي الشيخ ديدات في كتاب إظهار الحق:
يقول ديدات: " وقد كنت شابا حساسا في العشرين من عمري، فكنت أقضى ليالي عديدة ساهرا أبكي لضعفي وعدم قدرتي على الدفاع عن النبي ﵊ وهو الذي أرسل رحمة للعالمين. وقررت دراسة القرآن والكتاب المقدس والكتب التي تتحدث عنهما. واكتشافي لكتاب (إظهار الحق) كان أول خطوة في تغيير مجرى حياتي. وبعد فترة كانت لدي القدرة على أن أدعو أولئك الوعاظ للمناقشة وأخرجهم بالحقائق المعروضة مما اضطرهم لاحترام الإسلام ونبيه " (١).
رأي المحقق (الدكتور: الملكاوي) في كتاب إظهار الحق:
وكتاب إظهار الحق يعد من خير ما ألف للرد على النصارى، وكشف زيف مزاعم المنصرين ومطاعنهم، مع خلوه من الشتائم واللغو، وتقريره الحقائق الدينية والتاريخية بأسهل الطرق وأقربها، واعتماده في ذلك على ما في كتب العهدين المسلمة عند فرق النصارى، ولذلك لا عجب أن يحدث ظهور هذا الكتاب بعدة لغات أوروبية صدى عجيبا في الأوساط النصرانية والإسلامية (٢).
رأي الشيخ الندوي في إظهار الحق:
يمتاز بعدة مميزات (٣):
الأولى: أن المؤلف آثر خطة الهجوم على خطة الدفاع التي لا تزال أقوى وأكثر تأثيرا في النفس، فإنها تلجئ الخصم إلى أن يتخذ موقف الدفاع، وأن يقف في قفص الاتهام، ويدافع عن نفسه وينفي التهمة، وكان مما تورط فيه علماء المسلمين - قديما - أنهم وضعوا التوراة والإنجيل والقرآن على مستوى واحد، وبذلك نالت هذه الصحف القديمة ما لم تكن تستحقه من الثقة والتقدير، مع أن أصحابها أنفسهم لا يدعون أنها كلها كلام الله والوحي المنزل من
стр. 43
السماء، بنصه وقصه، كما هو الشأن مع القرآن الكريم والمؤمنين به (١) وقد كان شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية، موفقا كل التوفيق في إيثار خطة الهجوم في كتابة ((الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)) ... مع أن قيمة الصحف الأربعة للإنجيل لا تعدو عند المحققين قيمة كتب السيرة والحديث من الطبقة الثانية والثالثة، ليس لها سند متصل صحيح، وقد ألفت بعد رفع المسيح في فترات مختلفة، وفيها أشياء من كلام المسيح وأشياء من أفعاله ومعجزاته (٢) وقد تفطن الشيخ رحمة الله بدقة دراسته وأصالتها، وأصاب المحز، فغير ذلك وجه البحث والجو الذي تقوم فيه المناظرة، وأفقد الخصوم الموقف المشرف الذي تمتعوا به واستغلوه زمنا طويلا.
الثانية: أن المؤلف تجنب البحوث الدقيقة التي يتسع فيها مجال الجدال، ويكثر فيها القيل والقال، بل اعتمد في الكتاب على التناقضات الواضحة، والبديهيات الجلية، التي لا تقبل التأويل، واستخرج منها نتائج، كنتائج رياضية لا يختلف فيها اثنان، فقد أثبت أن التوراة والإنجيل مليئة بالاختلافات والتناقضات، وقد وقعت فيها أخطاء فاحشة عد منها مائة وثمانية ١٠٨ من الأخطاء، وبرهن بذلك على أنها كلها ليست إلهاما من الله، وأن التحريف قد وقع في ((الكتاب المقدس)) لا محالة، من زيادة ألفاظ، وحذف كلمات، وعبارات إلحاقية، وبذلك أصبح هذا الكتاب شديد الوطأة على من يؤمن بكونه صحفا سماوية منزلة وصلت إلى البشر عن طريق الوحي والإلهام.
تعرض المؤلف فيه لمغالطات النصارى وتمويهم، ورد عليها في أسلوب سائغ مقنع، وتعرض لإثبات النسخ ووقوعه في الديانتين السابقتين وصحفهما. وضع المؤلف العلامة حقيقة عقيدة التثليث في النصرانية على محك العقل، ونقدها نقدا علميا يستسيغه كل من رزق العقل السليم والذوق الصحيح.
لم يكتف المؤلف بنقد المسيحية وعقائدها وصحفها، بل أضاف إلى ذلك الحديث عن القرآن الكريم وإثبات أنه كلام الله، لا شك في ذلك، وأجاب في هذا الصدد على كل ما عارضه به النصارى، واعترضوا على القرآن، وذكر في ذلك نبذة من سيرة الرسول ﷺ ومعجزاته والبشارات التي وردت في شأنه وقد ذكر ثماني عشرة ١٨ بشارة، وحقق الأحاديث، لذلك كان الإقبال على هذا الكتاب كبيرا والعناية به عظيمة، وقد ظهرت الطبعة الأولى في عام ١٢٨١ هـ في استنبول، ونقله عالم تركي إلى اللغة التركية ووسماه بـ ((إبراز الحق)) وقامت الحكومة العثمانية بترجمة الكتاب في عدة لغات أوروبية، ونقله أحد الكتاب بالإنجليزية في الهند إلى اللغة الإنجليزية.
وبين التأييد والنقد رأي آخر في رحمت الله:
وإن المرء ليشعر وهو يقرأ هذا الكتاب بأن الرجل عميق الإيمان بدينه، واسع الاطلاع على ديانات غيره، متمكن كل التمكن من موضوعه، وأن له عارضة قوية في الجدل وسوق الحجة، وأنه كان يعرف مواطن الضعف التي يتهجم فيها على معارضيه، وأنه قرأ العهدين
стр. 44
القديم والجديد كلمة كلمة، وقرأ كل ما كتبه عنهما علماء اليهود والمسيحية، وكان من أبلغ حججه تلك الاستشهادات التي أوردها من أقوال مؤرخيهم ومفسريهم على تأييد قضيته (١).
إلا أنه يورد بعض الهفوات في الكتاب:
وهذا لما كانت لغة المؤلف الأصلية غير العربية كانت له هنوات في الأسلوب العربي رأيت أن أنبه عليها، ولما كانت غايتي أن أجعل هذه النسخة واضحة أمام القارئ العربي فقد قمت بتصحيح بعض هذه الهنوات من ذلك:
- عدم وضعه (أل) مع كلمتي بروتستانت وكاثوليك أيا كان موضعها في الجملة، وقد اضطرت حتى تستقيم العبارة إلى وضع (أل) معهما.
- كان المؤلف يخطئ في الأعداد من ناحية التذكير والتأنيث، فيقول مثلا: السنة الثالث عشر، والصحيح الثالثة عشرة، وكذلك في الآيات فيقول: الآية الثانية عشر، ويقول: بألوف سنة أي: آلاف السنين.
- يضع (أل) مع غير في مثل قوله (ومترجميهم الغير المحصورين) والصحيح غير المحصورين لأن غير لا تدخل عليها (أل) في مثل هذا الموضوع لاستغراقها في الإبهام.
- لا يحذف (أل) من المضاف فيقول ((وغيره من العلماء المسيحية)) ويقول ((من القدماء المؤرخين)) والصحيح من قدماء المؤرخين ومن علماء المسيحية.
- له جموع عجيبة مثل ذمائم جمع مذمة، وجمعها الصحيح مذمات.
- تراه ينسب إلى كنايات العدد، فيقول: (كذائية) نسبة إلى كذا، وهذا لم يسمع في اللغة العربية.
- يستعمل البتة بمعنى حتما، فيقول: ((وهو غلط البتة))
- له أساليب كثيرة لا تجري على سياق العربية من مثل قولة: ((في أعداد هذه كتب التواريخ)) يريد أن يقول: ((في أعداد كتب التواريخ هذه)) فقدم اسم الإشارة فأفسد تركيب الجملة.
- وله أخطاء في استعمال العدد وتمييزه، فيقول: ألف وخمسمائة زبورات، والصحيح زبور بالمفرد، ويقول ثلاثة آلاف أمثال، والصحيح: مثل بالمفرد. ويقول أحد وأربعون كتابا بدلا من واحد وأربعين كتابا.
- يكتب الأسماء تبعا لنطقها الإنجليزي فيقول: في أفريقيا ((أفريكا)) وإيطاليا ((إتالي)) وغير ذلك.
стр. 45
ويقول: "قد حاولت جهدي تصحيح هذه الهنوات حتى تستقيم العبارة ويقرأ النص صحيحا، وقد نبهت على ذلك في الهامش تبعا لاحترام النص" (١).
صدى الكتاب في الأوساط النصرانية والإسلامية:
إن النصارى قد غاظهم صدور هذا الكتاب وترجمة الحكومة العثمانية له ونشره، فأخذوا يشترون هذا الكتاب من الأسواق بجميع ترجماته وطبعاته، ويجمعونها، ثم يتلفونها بالحرق؛ قاصدين إعدام وجوده من الأسواق العالمية، ومنع وصوله إلى أيدي القراء عامة والنصارى خاصة، وقد علقت صحيفة اللندن تايمز على هذه العملية الحاقدة بقولها: " لو دام الناس يقرؤون هذا الكتاب لوقف تقدم المسيحية في العالم " ولكن وقوف الحكومة العثمانية - آنذاك - وراء ترجمة هذا الكتاب، وطباعته، ساعد على ظهوره، وانتشاره، رغم الجهود المبذولة لطمسه.
وأما في الأوساط الإسلامية: فقد أخذ الطلاب والعلماء والباحثون عن الحق يتلقفون طبعات هذا الكتاب للدراسة والاستفادة منه، وأقبل الناس على شراء طبعاته وترجماته المختلفة وإقبالا منقطع النظير، وقد أثنى عليه عدد كبير من العلماء، ونقلوا منه، واعتبروه من المراجع الهامة في علم مقارنة الأديان، وأوصوا باقتنائه وإعادة طباعته (٢).
تقريظ الشيخ محمد رشيد المعصراني الدمشقي للكتاب:
نعم مبناه رياض أثمرت ... در معناه لمن يدري الخطاب
حكمة بالغة آياته ... فصلت من فكر ذي القدر المهاب
جامع المعقول والمنقول في ... صدره بحر العلوم المستطاب
رحمت الله لنا المقصود من ... شاع من تأليفه هذا العجاب
والشاعر: أحمد فارس بن يوسف الشدياق المتوفي سنة ١٣٠٤ هـ - ١٨٨٧ م وكان نصرانيا مارونيا لبنانيا فأسلم وتسمى بأحمد فارس وكتب تقريظا أنقل منه ما يلي:
بنيت دلائله على ... أحكام عقل ثم شرع
رقت معانيه وراقت ... كل ذي نظر وسمع
وكان مجموع طبعات كتب العهدين التي رجع إليها مؤلف إظهار الحق (٣٢) طبعة بأربع لغات منها (١٣) بالعربية، و (٨) بالفارسية، و (٦) بالهندية، و (٥) بالإنجليزية، هذا بالإضافة إلى (٥٨) مصدرا أساسيا من التواريخ والتفاسير التي كتبها العلماء المحققون من أهل الديانتين اليهودية والنصرانية (٣).
стр. 46
المبحث الثاني
التعريف بالقس فندر (١٨٠٣ م- ١٨٦٥ م)
مقدمة:
ولد عام ١٨٠٣ م وتوفي عام ١٨٦٥ م وكان د. فندر مستشرقا كاثوليكيا تحول إلى البروتستانتية لأجل الطمع الدنيوي كما بينه صديقه القسيس فرنج؛ وذلك لأنه رغب في استيطان انجلترا؛ ولأجل خاطر زوجته البروتستانتية؛ [ورغبة في رئاسة المنصرين في الهند] (١).
أرسلته كنيسة انجلترا رئيسا للمنصرين في الهند، فأظهر نشاطا كبيرا بحيث عده المنصرون ثالث أخطر منصر يدخل الهند.
تزعم فندر الحملة التنصيرية داخل الهند بإلقاء المواعظ والخطب في الاجتماعات العامة، والمآتم، والأفراح الإسلامية والهندوسية (٢).
مؤلفاته (٣):
١ - إظهار الدين النصراني.
٢ - حل الإشكال: طبع عام ١٨٤٧ م.
٣ - طريق الحياة: طبع عام ١٨٤٧ م.
٤ - [ملاحظات محمدية عام ١٨٤٠ م].
٥ - مفتاح الأسرار: ألفه عام ١٨٣٧ م وطبع عام ١٨٤٣ م ومفتاح الأسرار الجديد فطبع بالفارسية عام ١٨٥٠ م وقد رد عليه الشيخ هادي علي في كتابه كشف الأستار.
٦ - ميزان الحق: أخطر كتب فندر، وأخطر كتب المنصرين على الإطلاق، وألفه بالإنجليزية عام ١٨٣٣ م، وأعيد طبعه في عام ١٨٤٣ م، ورد فيه على النسخة القديمة الشيخ ناصر الدين أبو المنصور الدهلوي في كتابه ميزان الميزان، كما رد عليه الشيخ محمد آل حسن الرضوي في كتابه الاستفسار ١٨٤٣ م، ورد عليه الشيخ رحمت الله في أول كتاب له " إزالة الأوهام بالفارسية "، ثم قام فندر بتصحيحه وطباعته من جديد باسم حل الإشكال بالفارسية عام ١٨٤٩ م، وبالأردية عام ١٨٥٠ م؛ للرد على الاستفسار، فقام الشيخ / الرضوي - من جديد - بالرد عليه في كتاب الاستبشار، كما قام رحمت الله الهندي بالرد عليه في معدل اعوجاج الميزان؛ لإظهار فوارق النسختين، فقام فندر بتعديل النسخة وطباعتها بالتركية، ثم قام سنكلر بطباعة النسخة العربية المصرية، فقام الشيخ / علي بن عبد الله
стр. 47
البحراني (١) بالرد عليه في كتاب اسمه " لسان الصدق "، كما رد عليه الشيخ / عبد الرحمن الجزيري في كتاب اسمه " أدلة اليقين، تلا ذلك إطلاق الكتاب بعدة لغات تحوي النسخة ثلاثة أجزاء تحت مسمى الطبعة الثالثة لمركز الشبيبة بازل بسويسرا، وحذفوا فيها المقدمة وغيروا أسماء الفصول والأبواب وأبدلوا كثيرا من المواضع.
أثار فندر بكتابه " ميزان الحق " والذي ألفه عام ١٢٤٨ هـ، الموافق ١٨٣٣ م، مجادلات شديدة مع علماء الإسلام في دلهي، وأكرا، ولكهنؤ، وكان له اطلاع على اللغتين الفارسية والأردية، وكان له دوره في تزعم الحملة التنصيرية في الهند؛ فكان يتنقل بين المدن الهندية يلقي المحاضرات، ويقيم الندوات، ويدرب المنصِّرين الذين كان من جهودهم إلقاء محاضرات باللغة الإنجليزية على المسلمين المتنورين. أما كتابه " ميزان الحق " فقد أصبح مرجع الكتَّاب الذين يريدون الطعن في الإسلام، وأصبح أيضاً في نظر علماء الإسلام دليلاً على صحة دين الإسلام، على عكس ما أراد فندر؛ فأثبت رحمت الله تحريف التوراة والإنجيل من حيث يريد إثبات سلامتهما، وعمل على هدم دينه من أساسه من حيث يريد بناءه.
أما مساعد وشريك القسيس فندر في المناظرة فهو صديقه القسيس فرنج French، وكان فندر يعده المنصرون ثالث أخطر منصِّر يدخل الهند؛ فقد سبقه القس اليسوعي جيروم كزافييه Jerome Xavier، المتوفى سنة ١٠٢٦ هـ، الموافق ١٦١٧ م. ثم جاء المنصِّر هنري مارتين Henry Martin، الذي ترجم الإنجيل إلى الفارسية والأردية (٢).
وفي الختام سيتم عرض حياة القس فندر كاملا في ترجمة له عن الدكتور كلينتون الأستاذ بالجامعات الإنجليزية، والذي يحكي فيها عن نشأته ومنهجه وأعماله وتقييمه لدوره. وكما تم عرض هذا المبحث فقد تبين خطورة كتاب " ميزان الحق " شرقا وغربا وجهود فندر في ترجمة كتابه ذلك ومناظرة المسلمين فيه.
стр. 48
فندر وعرض سابقيه ولاحقيه
قد سبقت فندر محاولات كثيرة في هذا الشأن، منها: جهود فردية متميزة مثل: ريموندلول، أو عمل جماعي مؤسسي مثل: مؤسسة الفرنسيكان والدومينيكان حيث تعدان أول مؤسستين تنصيريتين في هذا المجال.
الفرنسيسكان والدومنيكان (١)
الفرنسيسكان: من أشهر مدارس التبشير - الآن - في الشرق الأوسط، وهي واسعة النشاط في أنحاء العالم كله، وينتمي إليها رجال بارزون في الدراسات الشرقية والفكر الديني، وهي في بدايتها قامت على إقلال بالغ في العلم والمال، ثم مازالت تنمو وتمتد حتى وصلت إلى هذا المركز العالمي. كانت بدايتها في أوائل القرن الثالث عشر، ومؤسسها الذي تنسب إليه هو فرنسيس الأسيزي (١١٨٠ - ١٢٢٦) م، وكانت أول أمرها جماعة من الفقراء يعيشون على التبرعات والصدقات (٢).
الدومينيكان: أسسها القديس دومنيكوس (١١٧٠ - ١٢٢١) م سنة ١٢١٦ م، وكانت مهمتهم الأولى هي دحض البدع وإزالة الخرافات بطريق العلم والاستنارة العقلية، ولذا عنت بالتعليم العالي، فقدمت لأوروبا قواعد ثقافية مهمة، كانت ذات أثر في بناء نهضتها الحديثة، ومنذ القرن السابع عشر بدأوا يؤسسون لهم فروعا في الشرق وينشئون بها مكتبات ومعاهد، وفي أواخر القرن التاسع عشر أنشأوا مكتبة الكتاب المقدس، ومجلة الكتاب المقدس بالقدس، ثم معهد الدراسات الشرقية بالقاهرة في أعقاب الحرب الثانية عام ١٩٤٤ م ونظموا له مكتبة. ومكتبة المعهد بالقاهرة كبيرة ومنظمة على الطريقة الحديثة، وتحوي عددا من الكتب العربية وجميع المجالات الإسلامية من مختلف أنحاء العالم تقريبا (٣).
стр. 49
ريموند لول (١):
قد سبق فندر المنصر اليسوعي (جيروم كزافييه) والذي عمل في لاهور على فتح باب الجدل في مسائل التوحيد والتثليث وألوهية المسيح وصحة الكتب المقدسة، فسبب ذلك قيام أحمد بن زين العابدين بتأليف كتابه: (الأنوار الإلهية في دحض خطأ المسيحية).
ثم جاء المنصر هنري مارتين والذي وضع أساسا قويا للتنصير بترجمة الإنجيل إلى الفارسية والأردية (٢).
وسبقهما ريموند لول ١٣١٤ هـ، ولكن المسلمين قتلوه عام ١٣١٥ هـ، وهو أول من تولى التبشير بعد أن فشلت الحروب الصليبية في مهمتها فتعلم اللغة العربية، وجال في بلاد الشام، وناقش علماء المسلمين في بلاد كثيرة، كما تبع فندر صفدر علي وعماد الدين.
اعتمد ريموند لول في خطته لتنصير المسلمين التالي:
١ - إصدار الكتب التي تشرح الخطط.
٢ - إنشاء الجامعات التي تعلم الكيفية.
٣ - تعليم اللغة العربية في الجامعات.
وأشارت بعض المصادر على أن لول قد أوصى أحيانا باستخدام العنف في التنصير إذا لم تفلح الطرق السلمية في ذلك (٣).
وقد كان التبشير هو البديل النصراني للحملات الصليبية الفاشلة في تحطيم العالم الإسلامي أو محوه من الوجود، وأصبح القرآن الكريم موضوعا للتبشير، وأصبحت ترجمته إلى اللغات الأوروبية أحد الأغراض الأساسية للتبشير (٤).
بدأ تلاعب الغربيين بترجمات القرآن الكريم بتصدي غير المؤهلين منهم لهذا العمل غير الهين، فقام مترجمون من الدرجة الثانية والثالثة بهذه المهمة الجليلة، كما عامل هؤلاء المترجمون النص القرآني معاملة المؤلفات البشرية، ولم تكن هذه المعاملة موضوعية علمية بل كانت معاملة غير أمينة، كذلك كان هدفها لي النص وتمزيقه؛ كي يكون مولودها مشوها يلائم مهمته غير النبيلة التي لم يخفها المترجمون (٥).
стр. 50
وفي باب معرفة سابقيه ولاحقيه، لابد من التعرف كذلك على معاصريه، والذين ناظروا فندر غير رحمت الله ..
١ - المناظرة التحريرية بين فندر ووزير خان:
ووقعت بين هذا القسيس النبيل وبين الحكيم الفطين المكرم (محمد وزير خان) - المساعد القوي لرحمت الله في المناظرة الكبرى - وذلك بعد رجوع رحمت الله إلى دهلي - مناظرة تحريرية - وطبعت هذه المناظرة سنة ١٨٥٤ م في أكبر أباد، فكتب القسيس النبيل إليه في المكتوب الثاني الذي كتبه ٢٩ مارس سنة ١٨٥٤ م هكذا: (لعل جنابكم أيضاً داخلون في زمرتهم) أي زمرة الدهريين (كما يوجد في الملة الإسلامية أناس هم محمديون في الظاهر ودهريون في الباطن) فكتب الحكيم الممدوح في جوابه أموراً منها هذان الأمران أيضاً (قد اعترفتم في المجمع العام أن أحكام التوراة منسوخة، وسلمتم في المجمع المذكور التحريف في سبعة أو ثمانية مواضع، واعترفتم في ثلاثين أو أربعين ألف موضع في النسخ المتعددة بسهو الكاتب الذي دخلت بسببه الفقرات من الحاشية في المتن، وخرجت الفقرات الكثيرة منه، وبدلت الفقرات، فأي مانع أن يقال لأجل ذلك لكم: "إنكم تعتقدون قلباً أن الدين العيسوي باطل، وتعلمون أيضاً أن كتبكم المقدسة منسوخة ومحرفة ولا اعتبار لها عندكم أصلاً؟ ، لكنكم لأجل الطمع الدنيوي فقط متمذهبون بهذا المذهب في الظاهر وحامون لهذه الكتب المحرفة، أو يظن لأجل أنكم كنتم من مريدي كنيسة (لوتيرين) مدة حياتكم، وصرتم من عدة شهور إلى كنيسة إنكلتره أن سببه أيضاً هو الطمع الدنيوي لأن عزمكم أن تستوطنوا إنكلتره كما سمعت من رفيقكم القلبي أيضاً) أي القسيس فرنج (أو أن سببه أمر منزلي) يعني أن زوجة القسيس النبيل كانت من كنيسة إنكلتره فبدل القسيس النبيل مذهبه لأجل استرضاء خاطرها، كما ظهر لي من بيان الحكيم الممدوح أن مرادي بالأمر المنزلي هذا" (١).
٢ - المناظرة التحريرية بين فندر وبين محمد آل حسن الرضوي عام ١٨٤٤ م:
فكتب الشيخ محمد آل حسن "صاحب كتاب الاستفسار" إليه في مكتوبه الثاني لقبول أربعة شروط في المناظرة، وكان الشرط الأول منهما هذا: (يذكر اسم نبينا ﷺ أو لقبه بلفظ التعظيم، وإن لم يكن هذا الأمر منظوراً لكم فاكتبوا هكذا نبيكم أو نبي المسلمين، وصيغ الأفعال أو الضمائر التي ترجع إلى جنابه الشريف تكون على صيغ الجمع كما هو عادة أهل لسان الأردو، وإلا لا نقدر على التكلم ويحصل لنا الملال في الغاية) فكتب هذا القسيس في جوابه في مكتوبه الذي كتبه في ١٩ تموز سنة ١٨٤٤ م هكذا: "فاعلموا أننا معذورون في ذكر نبيكم بالتعظيم أو بإيراد الأفعال والضمائر في صورة الجمع، هذا الأمر غير ممكن منا، لكنا لا نكتب باللقب السوء أيضاً بل أكتب نبيكم أو نبي المسلمين، أو محمد ﷺ .
стр. 51
ويتبين من خلال معاصريه أن فندر كان مجادلا قد تحول إلى البروتستانتية إما إرضاء لزوجته أو بهدف الطمع الدنيوي أو بكليهما معا.
بعد عرض السابقين والمعاصرين للقس فندر نتعرف الآن على لاحقيه، والأمثلة كثيرة (١):
إنه في أثناء الحروب الصليبية أدرك أصحاب المشاريع الصليبية في الغرب الأوروبي، خطورة مصر وأهميتها بالنسبة إلى مشاريعهم، بوصفها القاعدة الكبرى التي ارتكز عليها الأيوبيون في حروبهم مع الغربيين في الشام، والتي استمد منها صلاح الدين معظم موارده البشرية والمادية لذلك دخلت الحركة الصليبية مع بداية القرن الثالث عشر مرحلة جديدة شهدت استئثار مصر بالجزء الأكبر من اهتمام الصليبيين، ودار العمل التنصيري في هذه الفترة على عدة محاور من خلال دخول مصر والعمل على خلق قاعدة مسيحية وطنية ومحاولة التقرب من رأس الكنيسة القبطية (٢).
فمن جانب الكاثوليك واعتمادا على الأطروحة التي تقدم بها ريموند لول الفرنسيسكاني، ورسالة وليم الطرابلسي الدومنيكاني في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر واللتين رسمت من خلالهما الخطوط العريضة، التي ارتشف منها العمل التنصيري رشفة مازالت تحييه إلى الآن، يتضح لنا أن بعض الآباء الفرنسيسكان والدومنيكان كانوا من أوائل المخططين للعمل التنصيري الكاثوليكي بين العرب والمسلمين بل المنفذين له أيضا، والذين دخلت مؤسساتهم مع الحروب الصليبية ... ثم اشتد الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس على أماكن النفوذ في الأماكن المقدسة بالعالم العربي في أواخر النصف الأول من القرن التاسع عشر (٣).
والفرق بين هذه الجماعات والجماعات البروتستانتية، أن - الأخيرة - لم تأت بتعاليم جديدة تخالف ما درجت عليه الكنيسة الكاثوليكية، وبعض المؤسسين لهذه الجماعات كان عملهم مجرد اعتزال لحياة الناس، وعكوفا على العبادة، وحملهم إخلاصهم الديني على بث أفكارهم
стр. 52
بين الآخرين، ثم تطورت دعواتهم فتعددت وسائلها وكثرت مدارسها في الشرق وكان يعوقها تضارب بعضها مع بعض ولكنها عملت أخيرا على اتحاد نشاطها رغم اختلاف مذاهبها (١).
اتفق الكاثوليك والبروتستانت وتنوسيت الخلافات والمعارك الداخلية بين الفريقين، وأمست المؤتمرات المسيحية تجمع بين الفريقين ليواجهوا الإسلام معا (٢).
فمن عام ١٧٩٨ م إلى عام ١٨٨٢ م وفي مصر، قام البروتستانت - في بداية عملهم - بالتنصير بالعمل في أوساط المسلمين، وذلك في محاولة منهم لتجنب الصدام مع الكاثوليك - أصحاب النفوذ عند الطبقة الحاكمة في ذلك الوقت - وعدم إثارة حفيظة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الموقورة، بعد أن أفقدتهم الكنيسة الكاثوليكية عددا لا يستهان به من أبنائها (٣).
المؤسسات التنصيرية:
إنه عند مقارنة فندر سواء بسابقيه أولاحقيه لابد من الأخذ في الاعتبار أن عمله - في الأساس - عمل جماعي ينبثق من منظمة عمل جماعي تبشيري يطلق عليه CMS ومقرها الرئيسي في بريطانيا، وقد سبقها في العمل مع جامعة بازل والتي تخرج منها، لكن CMS هي منظمة تنصيرية نبعت من الاستعمارالبريطاني، وهدفها تدمير عقائد المسلمين بإنشاء وتشجيع الفرق الضالة: كالقاديانية والبهائية وغيرهما أو تنصير المسلمين؛ بإنشاء تلك المنظمات التنصيرية، وكانت تتبع شركة الهند الشرقية في الهند، وهي من كانت تدير شبه القارة حتى إعلان انضمام الهند بالكامل - كولاية - تحت دولة بريطانيا العظمى عقب فشل الثورة الهندية - آنذاك - وسيطرة الإنجليز عليها وقمعها بكل قوة.
وعند المقارنة بسابقيه لابد من وضع وسائل التنصير قبل الاستعمار في الاعتبار- إلا أنه قد وجد أنها لم تترك الأثر الذي تركته الحركة الصليبية وما تلاها في العمل التنصيري الممنهج حتى وإن كان فرديا مثل: ريموند لول - وكذلك وضع سابقيه داخل المنظمة ممن كان لهم التأثير الواضح، والانتشار الواسع، والحجة القوية قياسا على مجمل عددهم وكذلك وسائل تنصيرهم الحالية؛ كهنري مارتين (١٧٨١ م - ١٨١٢ م) والذي عمل محبوه على التوسع في أعماله وبعد وفاته قاموا بإنشاء منظمة تنصيرية تتبع اسمه وأطلق عليها HMT عام ١٨٨١ م.
وتبين لي من متابعة بعض المؤسسات التنصيرية مثل: منظمة هنري مارتين
حيث قمت بتصفح موقع المؤسسة " HMT" على الشبكة العالمية، فوجدت بعض المقالات العلمية التي تتحدث عن تجارب المنظمة، وأدوارها، وطبيعة عملها في مختلف دول العالم، ووقع بصري على ورقة بحثية - باللغة الانجليزية - لإحدى مديري تلك المؤسسة، وكان أول مدير لا يحمل الجنسية البريطانية - بل الباكستانية - وقد كتب عن هنري مارتين. بتصفح تلك الورقة والتي تتحدث في مقدمتها عن سيرته الذاتية وكيف وصل
стр. 53
إلى الهند، فوجدت أن من أسباب اشتراك هنري مارتين في أعمال مؤسسة CMS كان في الأساس بسبب الفقر والحاجة، وأن أبويه قد توفيا في زمن مبكر، وتحمل بنفسه أعباء أشقائه الصغار، ولذلك لجأ إلى السفر- من خلال المنظمة؛ حتى يستطيع أن يحصل على المبلغ الكافي ليسد بها حاجته وحاجة أشقائه الصغار إلا أنه توفي مبكرا في مقتبل الثلاثين من عمره. عمل هنري مارتين بجد في ترجمة كتب العهد الجديد إلى الفارسية والأردية؛ حيث كان قد تعلمهما من خلال رحلاته إلى إيران والخليج العربي، كذلك تعلم اللغة العربية. فربما كان هذا العمل الجاد بسبب فقره وحاجته إلى المال.
وكذلك منظمة " CMS ": حيث تأسست المنظمة عام ١٧٩٩ م، ومقرها الرئيسي في شرق مدينة أكسفورد بإنجلترا، وموقعها على شبكة الانترنت العالمية هو" CMS-UK.ORG"، ولها فروع في مختلف دول العالم منها: مصر، إلا أن تجاربها في بعض الدول لم تنجح بالشكل الكافي - كمصر - لربما بسبب انتشار طائفة الأرثوذكس مقارنة بالطوائف الأخرى الكاثوليك والبروتستانت - حيث عمل المنظمة الرئيسي- وربما بسبب اعتراضات الدولة المصرية على مصادر تمويل تلك المنظمات أيام الرئيس جمال عبد الناصر، وعلى كل حال فقد تصفحت موقعها ووجدت أعمالها وقيمها منشورة على ذلك الموقع. مبادئ المنظمة السبعة (١):
١ - أريد أن تكون حياتي مهمة.٢ - أعتقد أن الله لا يزال يعمل في هذا العالم.٣ - المنظمة ليست شخصا آخر بل وظيفة، إنها أنا.٤ - أريد أن أعيش ليسوع كل يوم.٥ - أنا أدرك أنني بحاجة لوقود في رحلتي.٦ - أريد أن أساعد مجتمعي المحلي المسيحي حفاظا على مهمته الأساسية. أريد بانتظام تجديد عقلي وروحي. أما قيم المنظمة (٢):
стр. 54
الريادة: أرسلنا في مهمة من قبل الله الذي يقول: " أنا أعمل كل شيء جديدا " لذلك فمن الطبيعي على رواد المنظمة أن يحاولوا تقديم أشياء جديدة في أماكن جديدة لا يخشون التحرك نحو زاوية جديدة من العمل. التبشير: شعارنا؛ مشاركة يسوع - تغيير الحياة - رواد المنظمة لديهم الرغبة في تقاسم يسوع في كل نفس بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهذا ما يغير حياة الناس وحياتنا. العلاقة: المنظمة تمثل كل شيء عن الناس - ونعمل على أن يصل الناس لمشاركة يسوع وتغيير حياتهم، ولذا نوعية علاقاتنا ستكون دائما لها الأولوية. الخلاص: بعد أكثر من قرنين من الزمان تعلمنا أشياء قليلة عن كوننا مبشرين في إرسالية المسيح، ليس أقل من الأوقات الفاشلة، لكننا لن نستسلم لليأس، نريد من العالم معرفة المسيح. أما أعمال وأنشطة CMS الحالية فهي (١): - رفع مستوى شركاء المهمة.- رفع مستوى برامج شركاء تيموثي.- رفع وتيرة تدريب قيادة رواد البعثة.- مهمة تعبئة الكنيسة.- رفع مستوى كل مسيحي.
إن التنصير هو إخراج الناس من دينهم إلى دين النصارى بغية وقف التمدد الإسلامي، ووقف الجهاد، وامتداد للحروب الصليبية بعد فشلها ... فالتنصير حملات صليبية سلمية تستهدف الغرض نفسه. إن العقول النصرانية - التي لا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة - تريد أن تفرض النصرانية بالقوة؛ فقوة الحديد والنار والانقلابات العسكرية مع الشعوب التي لا تستجيب إلا لذلك ولكن بأيد خفية (٢).
تلجأ المنظمات التنصيرية إلى تبرير الانقلابات العسكرية والتواطؤ مع منفذيها لتحقيق أغراضها في مكان تراه منطلقا للعمل الإسلامي، أو تعذر عليها فيه التنصير، فيبدأ التخطيط لقلب نظام الحكم في ذلك الموقع، وإحلال نظام بديل يأذن لهم بممارسة التنصير، أو
стр. 55
التضييق على المناشط الإسلامية المتواجدة في ذلك الموقع، أو محاربة الجمعيات الإسلامية التي تنطلق من ذلك المكان إلى أماكن أخرى (١).
يعتبر الإعلام بوسائله المتعددة - من مقروءة ومسموعة ومرئية - الوسيلة الهامة في نظر المنصرين - إذ يتمكنون من خلاله من بث الأفكار والمعتقدات الباطلة والترويج لها والدعوة إليها (٢).
فالتنصير في حقيقته - إنما يعتمد على الإكراه أكثر مما يعتمد على حرية الاعتقاد وذلك عندما يعمل المنصرون في ركاب الغزاة الغربيين لبلاد الإسلام مستظلين بحمايات قوات الاحتلال وشركات الاستغلال .. فيصنع الغزو الكوارث التي تخل بتوازنات الضحايا، ليأتي المنصرون فيقدمون المساعدات باسم " يسوع " وليحولوا ضحايا الغزو عن دينهم ودين آبائهم، لقاء كسرة خبز أو جرعة دواء! (٣).
ويشجعون نشر الفلسفات المادية والإلحادية في بلاد الإسلام باعتبارها عقبات في سبيل سيادة الإسلام في المجتمعات الإسلامية (٤).
في يونية سنة ١٩٧٦ - ، عقد في جنيف بسويسرا مؤتمر بين المسلمين والنصارى دعا إليه مجلس الكنائس العالمي حول موضوع: " نظرة الأديان السماوية إلى الإنسان وإلى تطلعه نحو السلام ". وفي ذلك المؤتمر أبدى مجلس الكنائس العالمي أسفه الشديد؛ لأن الواقع أثبت أن إرساليات التبشير النصرانية في ديار المسلمين قد تسببت في إفساد الروابط بين المسلمين والنصارى، كما اعترف بأن تلك الإرساليات كان طابع نشاطاتها في خدمة الدول الأوروبية المستعمرة، وأنها كانت تستخدم التعليم وسيلة لإفساد عقائد المسلمين. وقد تعهد الجانب النصراني في هذا المؤتمر بإيقاف جميع الخدمات التعليمية والصحية التي تستخدم لتنصير المسلمين (٥).
في مؤتمر كولرادو الذي انعقد بأمريكا عام ١٩٧٨ م لتنصير المسلمين، تحدثوا عن ضرورة اختراق الإسلام، لتنصير المسلمين من خلال الثقافة الإسلامية، وبالاعتماد المتبادل مع الكنائس الوطنية في الشرق الإسلامي، والعمالة الفنية المدنية الأجنبية في بلادنا الإسلامية (٦).
ليس هذا فحسب بل إن د. سعد إبراهيم - الذي يحتمي بالجنسية الأمريكية .. والذي يدرس في الجامعة الأمريكية التي تأسست في الأصل مدرسة لتنصير المسلمين، وتحويل الأرثوذكس
стр. 56
إلى البروتستانتية -يمارس الدعوة إلى إلغاء مرجعية الشريعة الإسلامية والهوية الإسلامية لمصر من خلال مركز بحثي أطلق عليه اسم ابن خلدون (١). إن هذا المخطط التنصيري يعترف بأنه - في سبيل تنصير المسلمين - يلجأ إلى الميكيافيلية، وتنحية القيم والأخلاق! .. يعلنون عزمهم على: اختراق القرآن - بدلا من مواجهته! .. وصب المضامين النصرانية في مصطلحاته وتأويلاته! (٢).
إن الفارق الجوهري بين التبشير بالإسلام وبين التبشير بغيره من الأديان .. فارق الإضافة للإيمان والاحترام للرموز الدينية .. بدلا من الانتقاص والازدراء (٣).
وعلى سبيل المثال: عندما دخل الإسلام مصر"أعفي الفلاحون المصريون من الخدمة العسكرية على الرغم من أنهم كانوا على الإسلام، وفرضت عليهم الجزية في نظير ذلك، كما فرضت على المسيحيين سواء بسواء ودون اقتتال طالما قد أدوها " (٤). طالما اتفق الطرفان على الحماية المشتركة، وحرية العقيدة والدين فيما لا يضر بالآخر.
لكن في المقابل نرى أن جرائم الأوروبيين الأسبان باسم التنصير في استعمار القارة الأمريكية كالتالي: "ومع طلوع الفجر كان الأسبان يدخلون على هؤلاء المساكين الأبرياء النيام فيحرقون منازلهم المصنوعة من القش، ويحرقون النساء والأطفال وهم أحياء، كما يحرقون الرجال قبل أن يستيقظوا ... وكان القبطان لا يقدم لرجاله الطعام، ولكنه سمح لهم بأن يأكلوا الهنود الذين معهم أو الذين يلتقطونهم أثناء الغارات على المدن والقرى، هكذا صار معسكره أشبه بمسلخ يتراكم فيه لحم البشر، كان الرجال يقتلون الأطفال ويشوونهم، وكانوا يقتلون الإنسان من أجل لحم كفيه وقدميه قائلين إنها أشهى لحم الإنسان" (٥).
فشريعة الحروب لديهم تتمثل في:
الحكم الأول: أن يضرب جميع سكان المدينة الرجال والنساء والأطفال وحتى الحيوان بالسيف سواء المقاتل أو غيره، وتحرق المدينة كاملة بكل ما اشتملت عليه من بقاع (التثنية: ١٥ - ١٦)، صموئيل الأول ١٥، (الملوك الثاني ٢٠، ٣٥)، حزقيال ٢٥: ١٣ - ١٧، ميخا: ٧ - ٩، الخروج ٢٣: ٢٨ - ٣٢.
الثاني: أن يستبقي أسرة من المدينة مقابل قيامها بالتجسس لصالح الغزاة فحينئذ تحرق المدينة بعد إخراج الأسر المتعاونة، أما الفضة والذهب والحديد والنحاس فلا ينالها الحريق، بل تجعل في خزائن رب الذهب. يشوع ٢٢ - ٢٥.
стр. 57
الثالث: ألا يبقى شارد ولا طريد - يشوع ٨.
الرابع: قتل الملوك وتعليق جثثهم على أبواب المدينة إلى المساء - يشوع ٨، ١٠: ٢٦.
الخامس: تحريق الحيوانات أو قتلها تبعا للسكان أو تركها واستبقاؤها غنيمة - يشوع ٨، يشوع ١١، (التثنية ٢، ٣)، يشوع ١١: ٩، قضاة ٢٠: ٨، يشوع ٦: ٢١.
السادس: أن تكون الحرب بلا هدف فيقتل فيها الأبرار والأشرار - حزقيال ٢١: ٤.
السابع: أن الله يبيد الأمم والشعوب ويفنيهم من أمامهم. التثنية ٧: ٢ - ٦.
الثامن: الاغتسال بدم الخصم - مزمور ٥٨.
التاسع: التلذذ بمآسي الآخرين والتشفي منهم - أرمياء ٢٥: ٣٤، ٣٥ (١). يقول د. مراد هوفمان [ألماني تحول للإسلام] "ويغفل الغرب عن حقيقة مهمة، وهي أن الإسلام يهدف إلى أن يعيد المسيحية لتقف على قدميها، بدلا من الوقوف على رأسها، وأن الإسلام يمكن أن يكون ذا نفع هائل لإعادة الصحة إلى الحضارة الغربية. ولكن هذا ليس مقصدي هنا، ولكن ألا تستدعى مجرد أصول المعاملة المهذبة واللياقة، عدم تجاهل رسول يؤمن به ما يزيد على مليار إنسان ويحترمونه؟ " (٢).
وبعد كل هذا، فإن حركة التمرد على المسيحية بدأت في الظهور في القرن ١٩ من خلال محاولة إجراء مراجعة نقدية تاريخية للمصادر المكتوبة التي تستمد منها المسيحية بتعاليمها، ولقد قام بهذه الحركة لاهوتيون، وكان لها نتائجها المدمرة، وأذكر في هذا الصدد أسماء بعض أساتذة علم اللاهوت من الكاثوليك والبروتستانت مثل: John Hick . لم تشارك الجموع المسيحية في هذه العملية، خاصة أن عملية المراجعة هذه قد حرص القساوسة على حجبها عن الجماهير والتكتم على أمرها. لقد كان العهد الجديد كنص تاريخي أول ضحايا عملية نقد المصادر هذه، لقد قام Rudolf Buhmann (٣)
باتباع المنهج التاريخي النقدي
стр. 58
المعمول به في الأدب في تحليله وتناوله للنص المقدس وهكذا قام بتفسير " علاقة رسالة المسيح الأصلية بالشخصية التاريخية لعيسى " ولقد سار في تحليله إلى أقصى مدى، وتوصل إلى استحالة القيام بعملية كتابة صحيحة لتاريخ عيسى للظروف المحيطة بنشأة الأناجيل، لايوجد رغم المجهودات المضنية مصدر أساسي، لايوجد إنجيل عيسى ... ولذلك لم يستطع الكثيرون نفي حقيقة أن نشأة النصوص المسيحية المقدسة لا تعود إلى أسباب تاريخية، بل تعود في حقيقة الأمر إلى مصالح تتعلق بالكنيسة (١). كذلك يقول هانز كينج عن الكتاب المقدس في المسيحية: " توافرت الدلائل في القرنين الأخيرين - بشكل لم يسبق له مثيل - على عدم إلهامية أسفار الكتاب المقدس، بل وتختمها بالمغالطات والأخطاء الشائنة لها كعمل أدبي، وهذا ما لا يستطيع عاقل اليوم أن ينازع فيه ... ولأن هذا الكتاب كذلك فأنا لا أعتقد بإلهاميته ولا بحقيقة الدعوة التي يروج لها" (٢).
بعد عرض تلك التوجهات والآراء، يتأكد لنا حقيقة تلك الأعمال التبشيرية وأن لها تأثيرا قويا جدا على الأرض، كما يؤكد حقيقة استمرارية تلك الأعمال وامتدادها على مدى عدة قرون متعددة في سبيل القضاء على الإسلام من تحويل أهله إلى النصرانية، أو العمل على بث الشبهات في عقيدة المسلم وخلعه من دينه. إلا أنه بالرغم من كل هذا قامت فيهم ومنهم حركات تصحيح ونقد للكتاب المقدس الذي بين أيديهم وأكدوا أن الأمر يتعلق بالمصلحة دون الدين.
عرض آثار العلماء زمن فندر وآرائهم فيه
بعد التعريف بالقس فندر وأعماله، ومناهج سابقيه ولاحقيه، أتعرض هنا لحياة وآثار مبشرين كانوا في زمن فندر، وآراء علماء الغرب في فندر.
تواجد مبشرون قبله وفي عهده ومن بعده أمثال: اسمن كارواور، عماد الدين، صفدر علي - صاحب كتاب نياز نامة ١٨٦٧ م وكتاب تحقيق الإيمان، وبركت الله - صاحب كتاب حاملو الصليب وكتاب أمهات المؤمنين- وتريكت سوسايني - صاحب كتاب إبطال الدين المحمدي، وراجرس - صاحب كتاب تفتيش الإسلام -، ومحبوب مسيح - صاحب كتاب تحفة الأعم، رجب علي (آثينة إسلام)، القسيس تي جي إسكات (تصديق الكتاب)، القسيس يونس (البراهين الإلهية)، جيروم كزافييه (المرآة المرئية للحق)، و (شريف النسبتين ١٨٦٧ م)، وغيرهم (٣).
стр. 59
قد اختلف المؤرخون في تاريخ وفاة فندر؛ فقد ذكر د. الملكاوي أن وفاة فندر كانت في أوائل ديسمبر عام ١٨٦٥ م، وذكر د. كلينتون أنها كانت في عام ١٨٦٦ م، كما ذكر كلينتون أن تاريخ الميلاد كان ١٨٠٣ م (١).
إن من أهم المبشرين الذين كانا في زمن فندر هما: عماد الدين وصفدر علي، واللذان سأتعرض لحياتهما بشيء من التفصيل والتحليل ثم أتناول نظرة الغربيين في فندر والمناظرة من أمثال: (د. كريستين - د. كلينتون - البرت هوراني - د. جونسون).
أولا: آثار مبشرين زمن فندر
قمت بترجمة - قصة حياة عماد الدين- المساعد لوزير خان ورحمت الله - والذي كان داعية إسلاميا فتنصر - وذلك عن ترجمة قصته من الأردية إلى الإنجليزية للكاتب إرنست هان.
(١) ترجمة حياة القس المولوي الدكتور / عماد محي الدين لاهيز (٢)
تمهيد
كتب عماد محي الدين قصة حياته في عام ١٨٦٦ م. ترجمت هذه القصة إلى اللغة الإنجليزية من الأردية، تم الاستناد إلى النص الذي نشرته جمعية الكتاب البنجاب الدينية، لاهور، في عام ١٩٥٧ م. وفي وقت لاحق، تم الحصول على الطبعة القديمة الواضحة من نفس الناشر وهو غير مؤرخ يحوي أربعة وأربعين صفحة تم بيعها! محتوى كل من الطبعتين متشابه. فكلاهما قصير، مطابق للملحق، كجزء من المرجع وحتى وفاة عماد الدين مسعود (٣) في أغسطس ١٩٠٠ م، مع بعض الإضافات البسيطة لحساب المؤلف. وإلى حد علمي لا توجد ترجمة كاملة أخرى باللغة الإنجليزية أفضل من هذا العمل.
كان عماد الدين مسعود كاتبا غزير الإنتاج. وتعكس أعماله تأثر كبيرا بالمتنافسين في أكبر مناظرة حدثت بين المسلمين والمسيحيين في أجرا في عام ١٨٥٤ م، بين طالب علم يدعى رحمة الله وبين كارل بفندر. وبالإضافة إلى كتابة عماد مسعود الدين حول الإسلام وتاريخه، والإيمان، وترجمته للقرآن إلى الأردية كما له العديد من التعليقات في الكتاب المقدس، فقد
стр. 60
تأثر بأعمال السير سيد أحمد خان (١) وميرزا غلام أحمد القادياني. ومن خلال بعض كتاباته قدم لنا الأسباب التي دعته - تفصيلا - للتحول إلى المسيحية.
من خلال صفحات أصل النسخة الأردية لكتابه " واقعتي عمادية " أضيف للمسيحية كاتب جديد؛ حيث طور وعالج عماد الدين نظرته المسيحية ضمن سياق إسلامي. وخصوصا - في شبه القارة الآسيوية؛ حيث دفعت الكنيسة - بمزيد من الاهتمام - نحو كتابات عماد مسعود الدين، وأمثاله، الذين اختصوا بسماع الأخبار السارة - منهم - عن المسلمين. بل والأكثر من ذلك ومن خلال كتاباتهم ينبغي أن نتآلف مع أشخاصهم، وطريقة تلمذتهم على المسيحية؛ فقيمة هذه الكتابات هي أنصع من التاريخ.
نتمنى - فقط - للقارئ المسلم أن أقول أننا لا ينبغي أن نشعر بالقلق حيال بعض المتحولين من المسلمين، لو كان غرضنا استعراض المتحولين، لكانت الظروف وطبيعة تحولهم هو هدفنا، ثم هناك الكثير منهم من الآونة الاخيرة. لكننا لا نحتاج إلى العودة إلى الوراء قبل قرن من الزمان حيث هناك إمكانية للتعلم من أي قصة تحول، سواء كان ذلك من أي دين إلى آخر. لكن يمكن أن يكون ذلك بتعلم تجربة عماد مسعود الدين، فعلى الأقل قد تساعد بعض المسلمين على عدم التحامل لرفض الكتاب المقدس بأنه وحي، ولإعادة قراءة صفحات من الكتاب المقدس. وبصرف النظر عن هذا التحامل يجب العمل على تقدير قيمته في المقام الأول من حيث المحتوى الفعلي له. تلك الحاجة ظهرت ماسة اليوم كما كانت من قبل.
بالنسبة لي تخدم " واقعتي عمادية " من يعيش بأخلاق يسوع:
مرة أخرى، ملكوت السموات يشبه التاجر بحثا عن اللؤلؤة الجميلة، الذي ذهب ووجد لؤلؤة واحدة ذات قيمة كبيرة وباع كل ما كان له واشتراها. (الإنجيل المقدس، ماثيو ١٣: ٤٥، ٤٦.)
الله وحده مجد!
تقديم: إرنست هان، الهند، فانيامبادي -مايو، ١٩٧٨ م.
حياة القس المولوي الدكتور عماد محي الدين
أصبح الكاتب مسيحيا في ٢٩ أبريل ١٨٦٦ م ببساطة من أجل تحقيق الخلاص. لكن الكثير من الناس، من بينهم شيوخ بلدي، والأصدقاء، والمعارف وغيرهم قد أعربوا عن أفكار مختلفة
стр. 61
تخصني؛ فهناك من يقول إن عماد مسعود الدين هو مجرد شخص خيالي، أدنى شك يشارك فيه بعض الأشخاص في بيشاور. ويقول آخرون أني أصبحت مسيحيا لتحقيق مكاسب دنيوية. كما أن بعض المسلمين الأرثوذكس لا يعتقدون أنني أصبحت مسيحيا حقا، وهو الرأي الذي أعرب عنه الناس في كارولي وأماكن أخرى وهكذا، واعتبرت أنه من الضروري أن أروي قصتي الكاملة بهذه الطريقة حتى يتسنى لكل الذين يعرفونني أن يدركوا أن موضوع هذا المؤلف حق.
بقدر ما أستطيع أن أؤكده، أن أجدادي يقيمون في مدينة هانسي. كان واحدا من اثني عشر من القديسين في المدينة هو الشيخ جمال الدين مسعود، والد جلال محي الدين، والد الشيخ فتح محمد، والد مولانا محمد سردار، والد مولوي محمد فاضل، والد المولوي محمد سراج والد مسعود الدين، هو والدي ووالد إخواني وأخواتي. من شيوخ بلادي ولقد سمعت أن أجدادي قد شغلوا مناصب متميزة إلى حد ما في عهد شاه جيهان. وخلال فترة ما بقيت ممتلكاتهم دون عائق، ولكن مع قدوم الإدارة الجديدة في عهد جدي، ومصادرة جميع ممتلكاته، وذلك بسبب إهماله، من قبل الحكومة البريطانية. احتاجت أسرتنا أن تعتمد على التدريس لتدبير المعاش.
[عماد مسعود سراج فاضل محمد فتح جلال جمال]
يعتبرنا الناس من بانيبات؛ لأن جدي محمد فاضل انتقل للإقامة من هانسي إلى بانيبات بعد أن فقد ممتلكاته. بانيبات شعب نبيل- وللأجيال أقول أنه كان مسلمو بانيبات متحمسين للدين الإسلامي وعلى دراية جيدة بالشريعة- وهي بلدة من العصور القديمة يدعو المسلمون فيها، وقد برعوا في التزكية الروحية والدراسات الإسلامية. يمتلكون المكتبات الجيدة التي تحتوي على العديد من الكتب العربية والفارسية. قرر جدي الانتقال إلى بانيبات بسبب غلام محمد خان الأفغاني، الذي تتمتع أفراد أسرته بمناصب سلطوية منذ عهد المغول وقد كان رجلا ذا شأن وزعيم مهم في تلك المدينة. وقد أصبح صديقا لجدي، وقد كان له الشرف العظيم منه أن علمه وساعده بطرق مختلفة. وهكذا عاش جدي في هذه المدينة بصحبة غلام محمد خان - وهو رجل ذو شرف واحترام - وكتابع للعقيدة الإسلامية. لا يزال والدي، مولوي سراج الدين مسعود يقيم في نفس المدينة. وقد أمضى حياته كلها في العبادة والتمسك بالشريعة الإسلامية، وكرمه أبناء غلام محمد خان الأفغاني واعتبروه معلما بنفس الطريقة. نجح عبد الله محمد خان الأفغاني أن يسير على درب جده غلام محمد خان الأفغاني، وأصبح الآن زعيم المدينة وعلى الرغم من أن حالته تدهورت إلا أنه لا يزال يكرم والدي.
والدي الآن رجل عجوز، لكنه يتابع أوقات العبادة بشكل منتظم عن أي وقت مضى - صلاة وتهجد وقيام ليل مستمر - بلا هوادة - وعلى الرغم من كبر سنه لكني مازلت أقنعه من خلال رسائلي، وأنقل له رسالة الرب، والأخبار السارة عن خلاصه، وهو سيقبلها - إن أراد - فالأمر متروك له، والمشكلة هي أن القادة الروحيين المسلمين في شبكة من شباك الجهل والخطأ. هم يعتقدون أنه -من خلال محمد ﷺ - يعرفون كل شيء عن أهمية الأنبياء وسر القانون الإلهي. ولأنهم لم يقرأوا الإنجيل والتوراة؛ فهم يتحدثون دائما عن الفساد وإلغاء تلك الكتب المقدسة على أساس ادعاءات محمد ﷺ ، كذلك لم يتواصلوا مع المسيحيين ويستفسروا عن الحالة الحقيقية لتلك النصوص المقدسة - وللأجيال هم يعيشون في حالة من خداع النفس-
стр. 62
وبالتالي ينظرون إلى المسيحيين نظرة ازدراء وعدم اهتمام. إلا أنه من المسلم في بلدنا أن التحيز والجهل في طريقهما إلى الزوال إلى حد ما.
كنا أربعة إخوة في عائلتنا. توفيت شابة، موين مسعود الدين، في عام ١٨٦٥ م. والشقيق الأكبر، مولوي كريم مسعود الدين، هو في الوقت الحاضر مؤلف كبير وفخر عائلتنا. وهو نائب مفتش المدرسة في شعبة لاهور. وقد قام بتأليف العديد من الكتب باللغة العربية والفارسية والأردية. على الرغم من أنه مسلم، لكنه يتفحص الأشياء بنفسه.
التالي، مونشي خير الدين مسعود، وكان في البداية زائرا في مدارس لوديانا وهوشياربور. وفي الوقت الحاضر يعيش مع والدي في بانيبات. وهو أيضا ذكي ومنفتح. خاصة في التفكير في الموت والاستعداد للآخرة، يمكنه العثور على الصراط المستقيم. ولكن للأسف، لا يوجد شخص فاضل يعرفه خطأه! إنهم جميعا مخادعون ويقصون الأكاذيب، وهم معه ليلا ونهارا. أدعو الله أن يرشدهم جميعا.
التالي: عماد محي الدين، في الخامسة عشرة من عمره ترك بلده وذهب إلى أكبر أباد (أجرا) للدراسة. هناك أخي، مولوي كريم مسعود الدين، كان لي بمثابة المعلم الأول للأردية في الكلية الحكومية. درست تحت مظلته لفترة طويلة من الزمن. كان لي الشخص الوحيد في الدراسة بطريقة أو بأخرى للعثور على الرب، لأني قد سمعت من الدعاة المسلمين أنه من دون معرفة فمن المستحيل التعرف على الله. حتى خلال أيامي كطالب، تعلمت المزيد عن الدين في صحبة النساك، والورعين والعلماء، حيث كان الوقت متاحا عن طريق التردد على المساجد والأديرة وبيوت طلبة العلم، واكتسبت المعرفة في مختلف العلوم الإسلامية: الفقه، والتفسير، والحديث، والأدب، المنطق، الفلسفة، وما إلى ذلك عندما كنت لا أزال طالبا وعرفت القليل عن التخصصات الدينية الإسلامية، وبدأت الشكوك حول حقيقة الإسلام تزعجني من خلال ارتباطي بالعديد من المسيحيين. ولكن طلبة العلم وغيرهم من المسلمين انتقدوا ذلك الخوف لدرجة أنني سرعان ما تخليت عن تلك الأفكار.
وبالمثل كان صديقي صفدر علي، في ذلك الوقت طالبا جامعيا، وبعد ذلك أصبح نائب مفتش المدارس في جابالبور، كان يستمع إلى شكوكي بمزيد من الأسى. وكان متحمسا وكان من أسرة مختلطة فيها مسلمون وأرثوذكس، وأستطيع أن أشهد له بالصدق والنزاهة وحسن السيرة والسلوك والتعلم. قال لي: "إنك في ضلال ومازلت لم تدرس بعد كتب الإسلام، والمسيحيون قد ضلوا، ويمكنك التخلص من هذه الأفكار، وتدرس بعناية كتب الدين الإسلامي، ومعرفة من هو على حق .... "
ثم أخذني المولوي صفدر علي إلى المولوي عبد الحليم، وهو باحث كبير وخطيب، وكان في خدمة نواب باندي. في ذلك الوقت، كنت أقرأ كتاب "حمد الله". على الرغم من أنه لم يستطع الرد على الانتقادات التي قدمت، فقد قرأ العديد من الآيات القرآنية لي وعبر عن استيائه العميق لذلك. وغادرناه محبطين. ثم من هنا وهناك، طرحت جانبا فكرة المقارنة بين الديانتين وبدأت أنفق كل طاقتي في اليوم الدراسي المنتظم ليلا ونهارا، وظللت على هذا النحو لنحو ثماني إلى عشر سنوات. حتى حصلت كل المعرفة المطلوبة للتقرب إلى الله، وقررت صرف كل وقتي للدراسة في سبيل عبادة الله.
стр. 63
وبالتالي حصلت على قدر معقول من المعرفة في مختلف التخصصات الدينية الإسلامية، وكنت مليئا بالحماس لقضية الإسلام. ولكن لايزال هنالك فخ آخر ينتظر طالب الإسلام؛ فعندما يسعى الواحد عن الحقيقة يقع في شراك تلك الشبكة، فيصبح مخدوعا تماما، ويهدر حياته، وهو كما يلي: فالمسلمون في بادئ الأمر يشرحون للسائل - لفترة طويلة من الزمن - الجوانب الخارجية من الشريعة، والمواقف المعنية من حياته اليومية، والخرافات التي لا أساس لها، والقواعد عديمة الفائدة للمناقشة؛ لوقف تقدمه، وبعد ذلك يقال له أن كل ما تعلمته فقط هي قوانين خارجية، وإن كنت ترغب في الاستفسارعن المزيد- بعد ذلك الإدراك - عن كيفية الحصول على المعرفة الحقيقية لله، يقال له: اذهب إلى مشايخ الصوفية واخدمهم لسنوات؛ فلديهم تلك المعرفة الباطنية التي تنبع من محمد ﷺ ، وتنقل سرا من قديس إلى آخر؛ فتلك المعرفة الباطنية هي الهدف من الحياة.
ولقد وقعت في نفس الفخ. وكان الدكتور وزير خان، والذي كان قد أتى إلى أكبر آباد كمساعد جراح وكان مسلما متعصبا، معتبرا نفسه أحد القديسين، خدعني وأوقعني في شراك هذا البلاء. وتلك المعرفة الخفية يطلق عليها التصوف (الصوفية). من أجل تلك المعرفة كتب علماء المسلمين الكتب التي تملأ المكتبات، ورسم شكل القرآن، الحديث، كذلك ممارسات الهندوس فيدانتا والرومان والمسيحيين واليهود والزرادشتيين وعادات وتقاليد الرهبان وأهل التقى الآخرين. فهي لا تزال تتضمن بعض الأشياء الروحية بالفعل، لأن أصل التصوف يمكن إرجاعه إلى هؤلاء العلماء المسلمين الذين سعوا بعد الواقع الروحي لتلبية معنوياتهم التي لا تهدأ فهم غير قادرين على ملء شغفهم من خلال تعاليم الإسلام وحده، فجمعوا بينهما لتهدئة ولعهم. ولو أنهم تدبروا آيات الإنجيل والتوراة لبلغوا مبلغا من المعرفة الحقيقية من الله من خلال حياة الأنبياء السابقين ولم يكن هناك بد من المسلمين. ولكن محمدا ﷺ قد احتاط لهذا الجانب؛ حيث نهى قومه عن قراءة التوراة والإنجيل. فعندما كان عمر الخليفة يقرأ صفحات من التوراة بحضور محمد ﷺ ، غضب محمد ﷺ جدا، وقال: "أليس القرآن الكريم فيه الكفاية لك؟ " المسلمون اليوم يمارسون نفس التعاليم: إنهم لا يقرأون الإنجيل أوالتوراة. في الحقيقة هم يلعنون أي مسلم يرون الكتاب المقدس في يده؛ ببساطة لأن محمدا ﷺ كان يعرف جيدا أن كل من يقرأ هذا الكتاب المقدس من الله لن يعظم القرآن بعد ذلك، وقد نهى محمدا ﷺ آخرين عن قراءته أيضا.
ولفترة وجيزة وقعت في شراك هذا العلم المقصورعلى فئة معينة. كنت أتكلم قليلا، وآكل قليلا، وأبقى بمعزل عن الناس، أجهد جسدي وأظل مستيقظا لليال. أتلو القرآن طوال الليل. أكرر باستمرار قصيدة حول الغوث (للشيخ عبد القادر الجيلاني). قرأت شهال قاف وحزب البحر. كنت أتأمل وأمتنع عن ممارسة الجنس. كنت أؤدي الأذكار بصوت عال وبصمت. جلست في عزلة عن الناس بعيون مغلقة، وبدأت في كتابة كلمة "الله" على قلبي. على قبور القديسين ظللت أتأمل، على أمل الإضاءة من قبورهم. حضرت حلقات الصوفية، وحدقت بكل ثقة في وجوه الصوفية، متلمسا الضوء من ناحيتهم. ومن خلال شفاعتهم تضرعت - باستمرار- للاتصال بالله. هذا بالإضافة إلى الصلوات الخمس العادية، أديتها في الليل، وفي الصباح وفي منتصف النهار. كنت أكرر الشهادة والصلاة والسلام على محمد ﷺ . باختصار،
стр. 64
مهما كانت المتاعب والآلام ضمن قوة الرجل للتحمل، لكني عانيت منها في أقصى شدتها. وكجزء من الخداع لا ينفك أحدهم عنها، ولم أعثر فيها على السلام المنشود.
بينما كنت أعمل في كل هذا، اختارني الدكتور وزير خان والمولوي محمد مظهر وشيوخ آخرون للدعوة إلى القرآن والحديث ضد فندر في المسجد في أكبر آباد. واصلت الدعوة لمدة ثلاث سنوات، محاضرا في القرآن والحديث، وغير ذلك ولكن آية واحدة من القرآن الكريم ظلت تؤرقني وهي:
" وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا، ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا " [مريم: ٧١ - ٧٢]
حيث يجب على كل شخص أن يعبر الجحيم. ويقع على عاتق الله أنه بعد خلق أسباب دخول الجحيم له وللجميع في حدث واحد يغفرفيه لمن يشاء بعد ذلك. هذه الآية تحير علماء المسلمين بشدة. وهي تفسر بطرق مختلفة. وعلاوة على ذلك، ليس هناك آية قرآنية تروي شغف قلوب المسلمين بنوع من الأمل نحو الشفاعة. كلما فكرت في هذا الأمر، كنت في حيرة. البعض يقول أن محمدا ﷺ سيشفع. ولكن المسلمين ليس لديهم دليل حقيقي لهذا المطلب الأساسي؛ حيث لا يوجد في القرآن ما هو منصوص أن محمدا ﷺ سيكون شفيعا لهم. صحيح أن جلال مسعود الدين السيوطي قد كتب أطروحته حول هذا الموضوع، والذي يقدم دليلا على دعواه من الأحاديث؛ حيث شعرت بالراحة الجزئية من كلامه. لكن تبينت بعد ذلك أن تلك الأحاديث ضعيفة، ولايمكن الاعتماد عليها.
يقول البعض أن محمدا ﷺ لن يكون قادرا على ذلك؛ ولذا يتم تقديم براهين مقنعة من القرآن. ولكن المسلمين السنة لا يقبلون تلك البراهين. الوهابيون صححوها، لكن مجموعات أخرى من المسلمين لديهم مجموعة متنوعة من التفسيرات حول موضوع الشفاعة، والتي تترك الشخص -الذي على دراية بها- في حالة من الارتباك حول هذا الموضوع.
وفي أثناء انغماسي في تلك المخاوف، شعرت بارتياح نفسي من خلال العبادة المفرطة، وفي الخلوة بكيت وصليت من أجل المغفرة. إنني كثيرا ما كنت أزور قبر شاه أبو علاء، وصرف نصف الليل هناك في عزلة. وبحرارة قدمت التماسات على ضريح بو علي قلاندر، من نظام الدين الأولياء، وقبور العديد من الرجال العظماء الآخرين. وفقا للمعتقدات الصوفية؛ سعيت باستمرار للاتصال مع الله من خلال مساعدة من تجول من المتسولين الصوفية والمجانين. في هذا الوقت، نشأت في قلبي فكرة التخلي عن العالم. لذلك تركت كل شيء، وذهبت إلى الغابة مرتديا ملابس الزعفران الملونة، وتحولت وحيدا - كفقير - دون أي أمتعة من مدينة إلى مدينة، ومن قرية إلى قرية، لمسافة ٢٠٠٠ kos، على الرغم من أن تعاليم الإسلام لم تخلق صدقا حقيقيا داخل الإنسان، وعلى الرغم من حالة جسدي، لكن لازلت أسعى إلى الله. في تلك الأثناء دخلت مدينة كارولي، هناك تلة في مهب الريح تسمى "شوليدار"؛ حيث جلست لإكمال طقوس حزب البحر. في ذلك الوقت، كان هناك كتاب قد أعطانيه مرشدي الروحي للتعاليم الصوفية يحوي إرشادات حول استخدام تعاليم الصوفية. فضلت هذا الكتاب على أي شيء آخر، لدرجة أنه كنت أنام أثناء الليل في أسفاري، والكتاب مطبق بين يدي، وكلما شعرت بسوء، وضعته على صدري لتهدئة قلبي. هذا الكتاب لم أكن أظهره لأحد، حيث
стр. 65
منعني مرشدي الروحي، قائلا: "لا تخبر أحدا بأسراره والذي يحتوي على كل النعيم الأبدي." (في الوقت الحاضر هذا الكتاب يكمن في زاوية من بيتي، مهملا وغير مستغل) فأخذت الكتاب، جالسا في مهب الريح، وبعد الشروط المنصوص عليها، بدأت إكمال طقوس حزب البحر.
باختصار: هذا الكتاب يتم تقسيم المصلين فيه إلى أقسام. فلمدة اثني عشر يوما يذهب الصوفي للغابة مرتديا الملابس البسيطة، ويجلس على وضوء - على جانبه - حيث يستريح على الفخذ ويقرأ ورده بصوت عال ثلاثين مرة يوميا، مع الامتناع عن أي غذاء غني بالملح. والشيء الوحيد المسموح به هو الخبز الذي من صنيع يده، من دقيق الشعير الذي تم شراؤه من دخل الفرد الشرعي. ويجب أن تحضر الخشب بنفسك من الغابة. ينبغي للمرء أن يذهب حافيا - دون صنادل - وبسرعة ويستحم في النهر قبل الفجر. لا تلمس أحدا، ولا تتحدث مع أي شخص إلا في أوقات محددة. تكون نتائج هذا الفعل هو الاتحاد مع الله؛ ولأجل ذلك على العبد أن يتحمل المتاعب، بالإضافة إلى ذلك، عليه كتابة اسم "الله" على الورق مليون وربع مليون مرة - يوميا- يكتب جزءا منها على الورق، ويقطع كل كلمة على حدة بمقص، ووضعها في كرات من الدقيق وإطعامها للأسماك في النهر. الكتاب يصف تلك الحالة. ويفعل ذلك طوال اليوم الطويل. نصف الليل ينام والنصف الآخر يجلس لكتابة كلمة "الله" على قلبه، ومراقبة ذلك بعين عقله.
عندما انتهيت من ذلك لم يعد في جسدي أي قوة. كنت شاحبا. ولا يمكن أن أظل واقفا هكذا ضد الرياح. إن الأمين تاج محمد، وفضل رسول خان، أصحاب رجا من كارولي، ساعدوني بشكل كبير وأصبحوا تلاميذي. أصبح العديد من الأشخاص الآخرين في تلك المدينة تلاميذا لي. أعطوني مبالغ كبيرة من المال أيضا، وأكرموني كثيرا. طالما بقيت هناك، وأنا باستمرار أدعو للقرآن في الشوارع والمنازل والمساجد. تاب كثير من الناس من خطاياهم واعتبروني أحد القديسين المرسلين من الله. وهناك عدد منهم تمسح بقدمي. ولكن روحي لم تجد الراحة. من خلال تلك التجربة شعرت بازدراء الشريعة، شعور أخذ يزداد يوميا. من هناك سافرت ٢٠٠ kos أخرى حتى وصلت إلى مسقط رأسي. لقد فقدت الاهتمام بقراءة تعاليم التصوف. خلال هذه الفترة- ثمانية أو عشرة سنوات مرت التقيت بمشايخ، وطلبة علم، ومتصوفة وغيرهم من المسلمين الأتقياء، بقيادتهم وأفكارهم الداخلية وتلك الأحكام المسبقة من الخداع والجهل والشجار الذي رأيته، أقنعني ذلك أنه لا يوجد دين في هذا العالم صحيح. كما شهد الكثير من علماء المسلمين الآخرين نفس التجارب.
في البداية اعتبرت الإسلام أفضل من جميع الأديان في العالم بسبب مولوي رحمت الله، آل ط الحسن، ووزير خان، وما إلى ذلك، كنت أعتقد أنهم أثبتوا المسيحية كدين زائف. حضرت المناظرة الكبيرى مع الدكتور فندر في أجرا، ورأيت كتاب الاستفسار، وإزالة الأوهام، وإعجاز عيسوي؛ وهي الكتب المكتوبة من قبل المسلمين في تفنيد المسيحية، واعتبرت المسيحية لادين لها. حتى عند الوعظ، أعلنت لتلاميذي عيوب هذا الدين. في إحدى المرات، عندما كنت أعظ في مسجد أكبر آباد، الدكتور هندرسون، مفتش المدارس في شعبة ميروت، والسيد فالون، مفتش المدارس الحكومية، دخل المسجد مع المولوي كريم مسعود الدين للاستماع إلى خطبة. في ذلك الوقت، كنت أتحدث مع المسلمين حول المسيحية بطريقة نقدية.
стр. 66
كنت متحاملا ولم أكن كبح جماح نفسي في وجود هؤلاء الضباط. باختصار، كنت معارضا قويا للمسيحية. ولكن مع الوعي المتزايد لوضع المسلمين، شعر قلبي - تدريجيا - أن جميع الأديان عديمة الفائدة. أفضل العيش في حياة الدعة والراحة، لفعل الخير للجميع وأعرف في قلب واحد أن الله واحد. وتلك الأفكار السخيفة تملكتني لمدة ست سنوات. خلال هذه الفترة وضعت ثقتي في المبادئ التي صيغت في رأيي على أساس هذه التجارب السابقة.
عندما جئت إلى لاهور واكتشف الناس أنني لم أعد أمارس شعائر الإسلام، وشرعوا في إلقاء التهم ضدي قبل الزعماء الدينيين. وحتى اللحظة كنت أعتبر الدين الإسلامي صحيحا، على الرغم من عدم التزامي الشريعة الإسلامية. ولكن الآن - ولمرة أخرى- عندما فكرت في الموت، ووقت المغادرة من الدنيا ويوم القيامة، كانت روحي كان لو كانت تقف وحدها، ضعيفة، عاجزة وخائفة في مكان مليئ بالرعب. ونتيجة لذلك أصبح قلبي مليئا بالضغوط مع ظهورآثار الكرب على وجهي وكثيرا ما نمت شاحب الوجه. في تلك الحالة من الأرق كنت أحيانا أنعزل بمفردي وأبكي بمرارة. في إحدى المناسبات ذكرت للأطباء أني كنت أعاني من داء يجعلني أفقد السيطرة على نفسي، وأحيانا كنت أعتقد أنه ربما ينبغي علي الانتحار. كنت منزعجا للغاية، وأحيانا أشعر بالراحة عقب البكاء. بل إن الأدوية التي وصفوها لي لم تفعل شيئا فقد كنت متعب الفؤاد.
عندما ذهبت إلى لاهور، عملت تحت السيد ماكينتوش، وهو باحث ورجل فضيلة، وكان ناظر مدرسة تدريب المعلمين في لاهور. هناك سمعت من جابالبور أن صفدر علي قد أصبح مسيحيا. لقد دهشت حقا! لعدة أيام ذهبت أتحدث بسوء عن صفدر علي وحمل كل الأفكار السيئة عنه. في الوقت نفسه، كثيرا ما كنت أتساءل ما الذي جعل هذا الرجل الطيب المستقيم يتخلى عن الإسلام. ما هذا الغباء الذي جعله يترك دينه؟ وأصررت على مناقشة هذه المسألة معه عن طريق المراسلة، والقيام بذلك بطريقة عادلة وغير متحيزة. ومع هذا كان هدفي أن أحصل على نسخ من التوراة والإنجيل. جمعت كتب الاستفسار وإزالة الأوهام وإعجاز عيسوي وغيرها من الأعمال تلك المستخدمة في الجدل. وطلبت من السيد ماكينتوش رجاء أن يعلمني الإنجيل وقلت سأدرسه بعناية. وبدأ بكل سرور إرشادي.
بعد قراءة سبعة فصول من إنجيل القديس متى، بدأت الشكوك حول الإسلام تهاجمني مرة أخرى وأصبحت تحركني لعدة أيام فدرست الكتب كلها بالنهار وغالبا طوال الليل. ناقشت المسائل مع العلماء ومع المسلمين. في غضون السنة التي أمضيتها في دراستي، والتي تقدمت بطلب تعليم نفسي ليلا ونهارا، قادني ذلك أن أفهم أن الدين الإسلامي ليس من الله، وأن المسلمين على خطأ، وأنه لا يقدم الخلاص سوى المسيحية.
شرحت استنتاجي لعلماء المسلمين الذين كانوا أصدقائي وأتباعي. البعض كان غاضبا. اجتمع بعضهم معي على انفراد، واستمعوا إلى كل الحجج. طلبت منهم إما تقديم حجج أفضل أو قبول المسيحية معي. فأجابوا بصراحة! ؟ . "ونحن نعلم أن دين الإسلام ليس صحيحا ولكن ماذا علينا أن نفعل حيال ذلك؟ نخشى الإساءة والتجاهل ولكننا من داخل قلوبنا نعلم حقا أن المسيح حق وأن محمدا ﷺ لا يمكن أن يكون شفيع المذنبين. ومع ذلك، فإننا لا نريد أن نفقد احترام وشرف الرجال. افعل مثلنا، لا تكشف عن إيمانك. دع نفسك مسلما في الظاهر أمام
стр. 67
الناس وآمن بالمسيح من داخل قلبك ". وقال آخرون: "إن دين المسيح هو الصحيح وبما يتفق مع العقل، ولكن مذاهب الثالوث وابن الله لا معنى له بالنسبة لنا، وبالتالي فإننا لا يمكن القبول به". وقال آخرون: "نحن لايمكن أن نكون مسيحيين لأننا لا نحب بعض الممارسات الخارجية للمسيحيين".
وهكذا كشف كلامهم طبيعة التزامهم أيضا! وقد تركتهم في يد الله وعونه؛ فلا يوجد طريقة لمساعدتهم بخلاف الدعاء. ذهبت الى امريتسار وتعمدت على يد القس روبرت كلارك من منظمة CMS. قررت أن الحق في اتخاذ المعمودية منه في المقام الأول لأنه كان أول من كتب لي رسالة الرب، عندما كنت في لاهور؛ حيث تفانيه واجتهاده أسعدني كثيرا. في وقت لاحق كتبت كتابا بعنوان تحقيق الإيمان لطلبة العلم أولئك الذين يقتنعون بثقة الإسلام. حاليا أستعد لكتابة كتاب آخر عن حاجة ماسة، سائلا الله أن يساعدني. كما أدعو أن يساعدني الله في إعداده، كذلك يحدوني الأمل في أن يكون العمل مفيدا جدا لمجده. وحاليا أقيم في لاهور.
ساعدني فورمان جورو داس لي كثيرا في فهمي للدين. استفدت بصحبتهم بينما كنت أحضر خدمات العبادة الخاصة بهم. كان نيوتن كذلك نعمة عظيمة لي. فقد ساعدني على إيجاد حلول لكثير من المشاكل الدينية.
منذ أن دخلت نعمة الرب يسوع المسيح، أصبح هناك الكثير من الارتياح الروحي. التحريض السابق والأرق قد اختفى تماما. وجهي لم يعد شاحبا جدا. لم يعد يحدث توتر كبير في القلب. من خلال قراءة كلمة الله وجدت متعة كبيرة في الحياة. وعالجت شبح الخوف من الموت والقبر، وأنا سعيد جدا بالرب. ومن خلال نعمته أتقدم له روحيا؛ فالرب يهب السلام في القلب.
أصبح كل ما لدي من الأصدقاء، والمعارف، والتلاميذ، والأقارب وغيرهم من الأعداء - في جميع الأوقات - وبطرق مختلفة - الجميع يريد أن يؤلمني، ولكن معرفة الله راحة، وهذا لا يزعجني على الأقل. فكلما أعاني للرب، كلما زاد السلام، والراحة، والفرح، في روحي. من أقاربي فقط إخواني، طلبة العلم كريم مسعود الدين ومونشي خير الدين مسعود، وكذلك محمد حسين في مجمع كيرانا ووالدي، لايزالون يحبونني ويكتبون لي. وبعيدا عنهم هجرني باقي الأقارب والأصدقاء. أدعو الله أن يرحمهم جميعا، وأن يفتح عيونهم بحيث يرون الخلاص الأبدي لنا من الله، من خلال نعمة ربنا يسوع. آمين
الملحق
في عام ١٨٦٦ م كتبت قصة حياتي، والآن أضيف هذا الملحق في عام ١٨٧٣ م. وأنا ممتن لله كثيرا على أحداث حياتي التي وقعت خلال تلك الفترة السبع سنوات، بعد اعتناقي المسيحية.
عندما تعمدت كانت زوجتي مستاءة جدا مني. وبكل فخر- كنت سأتركها وحدها مع الأطفال من أجل المسيح. لكن بفضل الله تعلمت بعض الأشياء عن المسيح وأصبحت مسيحية. وقد عمدت كل ما عندي من أبناء: خمسة أبناء وأربع بنات، ولكن ذهب ابن واحد- حامد مسعود الدين- في ذمة الله. والباقي معي في هذا العالم كخدام للمسيح.
стр. 68
وفي حالة اللاوعي تلقى والدي المعمودية، جنبا إلى جنب مع الأطفال. ومع ذلك، في وقت وفاته أقاربي المسلمين ادعوا بأنه مسلم. في ذلك الوقت، كان قد فقد كل وعيه، وحرمته الشيخوخة من ذلك. ولكن أملي أن الله العلي الكريم كما سمح له أن يعيش لسماع الأخبار السارة، سيحفظ روحه كذلك. ولا أهمية في أن المسلمين دفنوه وفقا للطقوس الخاصة بهم. أخي الكريم المولوي مسعود الدين ما زال كما كان من قبل. ولم يلتحق حتى الآن بالمسيح. ومات أقارب آخرون لكن في الواقع إن بعض الأصدقاء الآخرين قد استجابوا لكلمة الله، وتحول عدد قليل منهم إلى المسيحية.
وقد منح الله لي نعمة ثانية من خلال تخفيفي من النشاط الدنيوي لأكون خادما لكلمته. على الرغم من أنني لا أستحق وغير قادر على الوفاء بما يتطلب مني، فقد أنعم الله لي بالرعاية حتى النهاية.
وبالتالي، لأحكي هذه المسألة باختصار بعد أن أصبحت مسيحيا، فقد كنت حزينا وخجلا من نفسي؛ حيث قضيت جزءا كبيرا جدا من حياتي في الإسلام، وأهدرت وقتي بعيدا عن الله كما كنت سعيدا في إيجاد المسيح. على الرغم من أنني وجدت الكثير من الراحة في مثل العمال (الإنجيل، متى ٢٠: ١ - ١٦)، شعرت باهتمام بالغ فيه لقضاء بقية حياتي في خدمته؛ فهو الذي وجدته، وأسعد قلبي وأسر كياني، وماذا لدي من مهارات كي أقدمها له وأجعلها في خدمته لأنجز مهمة كبيرة؟ مما لا شك فيه، بعد المعمودية فكرت كثيرا حول اختيار بعض الأفكار الخاصة من الكتاب تفوق أخراها فيما يجذب انتباهي. ما أريد قوله هو أن كل تعليم وإرشاد من الكتاب المقدس هو لؤلؤة ثمينة. في حين أسلي نفسي باستمرار بهذه اللآلئ، ما زلت أرغب في اختيار أحدها لأجعلها تميمة حول رقبتي من روحي التي يمكن أن تكون قبلي. كنت أقرأ الكتاب المقدس في كثير من الأحيان، لاختيار الفكر السليم، وأخيرا وجدته في إشعياء وبيتر، وهي أنك تعرف الصالحين من خلال معرفة المسيح (التوراة، أشعياء ٥٣: ١١) وذلك من خلال معرفة المسيح تلقينا كل الأشياء التي تخص الحياة والتقوى (الإنجيل، ٢ بطرس ٣: ١). وبالتالي أعرف أن الشيء الأساسي هو أن أسعى لمعرفة المسيح، لدرجة أنني قد أجد جميع الأمور ميسرة.
من خلال هذا البحث وجدت ثلاثة أشياء وهي مفيدة في معرفة المسيح. لم أجد أي شيء آخر مثله. الأول هو القراءة الذكية لكلمة الله مع الصلاة. والثاني هو أن ننصت إلى كل خطبة يلقيها أي واعظ مسيحي للحصول على بعض من الاستفادة منه. والثالث هو التفكير في صرخة روح الإمام وقت الصلاة؛ لأن الروح التي تنطق "أيها الآب! " تتحدث في مثل هذه الأمور التي لا يفهمها رجل.
أتابع هذه الأمور من أجل تحقيق هدفي؛ ولذا فإنني عملت ست ساعات يوميا لمدة سنتين في الخدمة الحكومية بعد تعميدي، والآن انصلح قلبي مع الله. ثم فتح الله طريقا جديدا لي، داعيا لي من خلال الخدمة الحكومية للعمل في البعثة. هو نفسه خلصني من اهتماماتي الغير ضرورية حتى جعلني أكرس كل وقتي لهذا العمل. وحتى اليوم، لا يزال هدفي أن يكون هو نفسه عند الموت؛ لأنه هو دعمي المستمر.
стр. 69
أنا لا أقول بأنني تقدمت في معرفة الله! لكنني أشعر بالاهتمام بالاستمرار في معرفته. باختصار: قد أنفقت هذه السنوات السبع في تلك الفرحة، وتعلمت أنه عال بالتأكيد من أن يمكن فهم حقيقته؟ وهو أبعد مما قد نكتشفه.
وقد منح الله لي نعمة ثالثة، في أن سمح لي خلال هذه الفترة في كتابة بعض الكتب لصالح إخواني، ولأشخاص آخرين ولنفسي. وهي على النحو التالي:
طريق الإيمان
هداية المسلمين
حقيقي عرفان
نغمة التنبوري
تعليم المحمدي
طريق المحمدي
اتفاق مباحثة
آثار القيامات
تفسير المكاشفة
واقعتي عمادية
في الوقت الحاضر أكتب كتابا آخر وآمل الانتهاء بعون الله منه. كل هذه الأعمال السابقة هي منتجات نعمته.
خلال هذه الفترة لمدة سبع سنوات وقد أثرت عدة أمور في حياتي وفي إيماني، لا أستطيع أن أنكرها أبدا.
في المقام الأول: منذ أن أصبحت مسيحيا، لم يسبق لي أن وجدت أن هذا الدين مصدرا للاكتئاب. ففرح المعمودية آنذاك يزداد يوميا. إذا كان هذا الدين ليس له من إله إلا مجرد وهم قد سقطت فيه، فمن المؤكد خلال فترة السبع سنوات، والتي قضيتها ليلا ونهارا في التفكير بموضوعية عن مصادر هذا الدين ومبادئه، وهو أمر قد أخرج من داخله في مرحلة ما هذا الاستياء الذي عشته مع الديانات الأخرى. على العكس من ذلك، وجدت في داخله مصدرا متزايدا من الارتياح وسببا متزايدا من الامتنان؛ حيث يصبح قيمته أكثر وضوحا بالنسبة لي يوميا.
ثانيا: لقد اكتشفت أن لا شيء يمكن أن يحرمني من ذلك الفرح الذي وجدته في المسيح والذي تملك روحي. خلال هذه الفترة عانيت من كلمات وكتابات وتلميحات من الناس، وغيرها من الوسائل المختلفة؛ فقد وجهت جميع أنواع الاعتراضات الملفقة ضدي، وكذلك وجهات نظر
стр. 70
الملحدين وغيرهم أيضا. وعلاوة على ذلك، لقد واجهت صعوبات جسدية وروحية. في مناسبات عدة، حتى ملذات هذا العالم قد فرضت نفسها على عاتقي، رغبة أن أنسى هذا الفرح العظيم؛ لكنها كانت عاجزة عن عمل أي تأثير على الفرح الذي وجدته في المسيح، على الرغم من أنني لم أتحول دون سابق إنذار لهم ولكن سمحت لهم الدخول من أجل تقييم فرحي في المسيح بالمقارنة بهم. هذا هو قوام هذا الفرح أن لا شيء يمكن أن يعكر صفوه. ولا أني شخصيا قد استوليت على هذه الفرحة وأتغذى عليها؛ بل وقد ضبطت لي بطريقة لا أستطيع أن أحيد عنها. وأعظم شيء يمكن العثور عليه، ولا ينفصل إلا عند الموت الأبدي فأين سأذهب حينها؟ وبالتالي فأنا لم أستول عليها بل هي التي اعترضتني. كم هو رائع رد بطرس للمسيح: "يا رب! إلى من نذهب؟ لديك كلام الحياة الأبدية." (إنجيل يوحنا ٦: ٦٨).
ثالثا: لقد شهدت ذلك بنمو المسيح. ومعرفة الذات تنمو كذلك. وكقداسته، ومجده، وقوته وحكمته أصبحت كلها واضحة، لذلك ذنوب المرء وتدهوره وضعفه وحماقته تتضح كذلك؛ لأن العالم لا يعرفه، فإنه يتمرغ فيه الفخر.
رابعا: لقد شهدت تأثير معرفة المسيح. كما تنمو هذه المعرفة، كذلك تتغير حياة المرء وتصبح واضحة.
خامسا: لقد شهدت أن الصدق يكثر في علاقة المرء مع المسيح؛ لذلك فالعديد من الشرور تكثر في هذا العالم وتكون درجته من كثرة راحته. في خضم كل هذه الأشياء لا تتدلى توقعاتنا بين الخوف والأمل، ولكن متجذر داخلنا الأمل الأكيد للخلاص.
ألتمس من قرائي أن نفهم أن الله ها هنا بالتأكيد وأنه قد مد يده بالترحيب؛ لنأتي إليه، ولكن أعرف أن هناك طريقة واحدة له؛ هي طريقة القلب المنكسر والمنسحق. ثم يمكنك أن تجد الفرح، وستكون لك الحياة الأبدية؛ فالبديل هو الدمار (١).
(٢) - حياة صفدر علي (C.١٨٣٠ - ١٨٩٩):
أرسى علم اللاهوت في الكنيسة الهندية. ولد لأسرة مسلمة أرثوذكسية في أجرا، تلقى صفدر التعليم الإسلامي قبل تخرجه من الحكومة البريطانية وأصبح مفتش المدارس في Rawlpindi و Jabalper. A mavlvi مسلم ملتزم، حضر في عام ١٨٥٤ م المناظرة بين كارل pfandar والزعماء الدينيين المسلمين في أجرا. كان ينقد المسيحية كجزء من حصيلته الدينية الشخصية والتي دفعته إلى التصوف. صداقته مع الهندوسي المتحول نحميا جوريه (٢)
أدى به إلى
стр. 71
دراسة المزامير والعهد الجديد؛ فقد أصبح جوريه مرشده الروحي، وقد عمده في يوم عيد الميلاد عام ١٨٦٤ م من قبل E.Champion منظمة التبشير CMS في جابالبور. على الرغم من أنه كان أول عالم دين مسلم هندي يتلقى المعمودية، تحول اثنان آخران من المدرسين المسلمين معه؛ فهذا الخبر قد أثر في عماد مسعود الدين الذي تحول في عام ١٨٦٦ م. وعلى عكس عماد، صفدر لم يرسم أبدا وكان أقل مجهودا في الكتابة وأقل تفاعلا في الجدل. وتتمثل أفضل أعماله في شعر غزة اروه المعروفة، والذي روى فيه قصة تحوله. وفي عمله المنهجي الكبير: نيازناما. دافع عن النصوص المسيحية دون فتح المواضيع القديمة الجدلية بين المسلمن والمسيحيين، وحث المبشرين في الخارج على الاستمرار في العيش والتعبير عن الإنجيل بطرق مناسبة روحية بين المسلمين (١)
стр. 72
التحليل
أسباب التحول إلى النصرانية عند كل من عماد وصفدر:
نظرا لأنهما لم يتسلحا بمنهج السنة والجماعة، وتأثروا ببعض المناهج المنحرفة في التصوف مما أدى إلى عدم رؤية الحقيقة ومن هنا انجذبوا للنصرانية. ونفصل الحديث في ذلك:
١ - البيئة (أسرة أرثوذكسية - رفقاء سوء وجهل) وربما تعرض عماد الدين لمرض نفسي مثل ما كان مع ميرزا غلام أحمد القادياني؛ فقد عملت البيئة المحيطة والظروف على دفعهما دفعا نحو التنصر.
٢ - طريقة التصوف البدعية وعدم فهم حقيقة الدين الإسلامي. وكما يقول البيروني: نقلا عن صاحب كتاب باتنجل: إفراد الفكرة في وحدانية الله يشغل المرء بالشعور بشيء غير ما اشتغل به ومن أراد الله أراد الخير لكافة الخلق من غير استثناء واحد بسبب، ومن اشتغل بنفسه عما سواها لم يصنع لها نفسا مجذوبا ولا مرسلا، ومن بلغ هذه الغاية غلبت قوته النفسية على قوته البدنية فمنح الاقتدار على ثمانية أشياء بحصولها يقع الاستغناء، فمحال أن يستغني أحد عما يعجزه، وأحد تلك الثمانية: التمكن من تلطيف البدن حتى يخفى عن الأعين، والثاني: التمكن من تخفيفه حتى يستوي عنده وطي الشوك والوحل والتراب، والثالث: التمكن من تعظيمه حتى يريه في صورة هائلة عجيبة، والرابع: التمكن من الإرادات، والخامس: التمكن من علم ما يروم، والسادس: التمكن من الترأس على أية فرقة طلب، والسابع: خضوع المرؤوسين وطاعتهم، والثامن: انطواء المسافات بينه وبين المقاصد الشاسعة، وإلى مثل هذا إشارات الصوفية في العارف إذا وصل إلى مقام المعرفة فإنهم يزعمون أنه يحصل له روحان، قديمة لا يجرى عليها تغيير واختلاف بها يعلم الغيب ويفعل المعجز، وأخرى بشرية للتغيير والتكوين؛ ولا يبعد عن مثله أقاويل النصارى؛ قالت الهند: فإذا قدر على ذلك استغنى عنه وتدرج إلى المطلوب في مراتب، أولاها: معرفة الأشياء اسما وصفة وتفاصيل غير معطية للحدود، والثانية: تجاوز ذلك إلى الحدود العاجلة جزئيات الأشياء كلية إلا أنه لا تخلو فيها من التفصيل، والثالثة: زوال ذلك التفصيل والإحاطة بها متحدة ولكن تحت الزمان، والرابعة: تجردها عنده عن الزمان واستغناؤه فيها عن الأسماء والألقاب التي هي آلات الضرورة، وفيها يتحد العقل والعاقل بالمعقول حتى تكون شيئا واحدا (١).
إن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل ... (وقر) اطمأن وسكن .. فقد يأتي الإيمان للكافر دون وقر فينزع ولا يثبت أعاذنا الله منها.
إن أسلوب الصوفية، وهو الأسلوب الذي تطورت ونمت به الحياة الدينية في أسمى صورها، في الشرق والغرب، أصبح الآن في حكم الفاشل، ولعله أضر بالشرق الإسلامي أكثر مما أضر بأي مكان آخر، فقد كان أبعد ما يكون عن تدعيم قوى الحياة النفسانية - عند
стр. 73
الرجل العادي - بحيث تعده للمشاركة في موكب التاريخ، فعلمه نوعا من الزهد الزائف، وجعله يقنع، بجهله ورقه الروحي، قناعة تامة (١).
٣ - الاستعماروإخماد الثورة الهندية والحاجة المادية وحب الظهور عوامل ساعدت على ذلك.
٤ - كلاهما لم يتنصر إلا بعد المناظرة بعشر سنوات على الأقل، بل كانوا دعاة للإسلام بعد المناظرة كما تأثر عماد الدين بتنصر صفدر علي.
٥ - تفسيره للآية الكريمة لم يكن صحيحا ولم يلجأ إلى المعتمدين في التفسير من المسلمين.
يقول الله جل ذكره في الرهبنة المسيحية - قوله: ورهبانية ابتدعوها) أي: ابتدعتها أمة النصارى (ما كتبناها عليهم) أي: ما شرعناها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم.
وقوله: إلا ابتغاء رضوان الله) فيه قولان، أحدهما: أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قال سعيد بن جبير، وقتادة. والآخر: ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله.
وقوله: فما رعوها حق رعايتها [الحديد: ٢٧]) أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام. وهذا ذم لهم من وجهين، أحدهما: في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله، .
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا إسحاق بن أبي حمزة أبو يعقوب الرازي، حدثنا السندي بن عبدويه، حدثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن جده ابن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ : " يا ابن مسعود ". قلت: لبيك يا رسول الله، قال: " هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة؟ لم ينج منها إلا ثلاث فرق، قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم، ﵇، فدعت إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة فقتلت فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال، فقامت بين الملوك والجبابرة فدعوا إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيران، فصبرت ونجت.
ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال ولم تطق القيام بالقسط، فلحقت بالجبال فتعبدت وترهبت، وهم الذين ذكرهم الله، : (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) الجزء الثامن ص ٢٩ - عن معجم الطبراني الكبير (١٠ - ٢١١) من طريق هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، عن بكير بن معروف به نحوه، وبكير بن معروف متكلم فيه (٢).
وأظن أن إقبال الناس على التصوف أو سبب نشره يرجع لثلاث فوائد لهم أو لغيرهم:
١ - تقوية الاستعمار ووقف الجهاد في سبيل الله.
٢ - موافق للرهبنة المسيحية والمذاهب الهندية والفلسفية القديمة والتي أثرت على تصوف المسلمين بشكل عام.
٣ - اتباع الأهواء وإسقاط التكاليف ومخافة ملاقاة العدو.
стр. 74
ولا يمكن أن يكونا قد وجدا المعنى الروحي كما يجدونه في الإسلام أثناء الخشوع في الصلاة على سبيل المثال: مما قد يطبع أثره في الوجه نورا وصفاء وبهاء ونضرة وقوة في الجسد ويتبعه توفيق من العلي الحكيم، إلا أن الشيطان أنساهما المعاني الحقيقية لذلك بالتقرب إلى الأضرحة، واتخاذ الواسطة بينهما وبين الله وهذا شرك عظيم قد وقعا فيه.
وقد بدأت شكوك عماد الدين من خلال ارتباطه بالعديد من المسيحيين. ونقطة التأثر والانطلاق في تحوله كانت بسبب زميله الطالب: صفدر علي. وإن كثرة الجهل المنتشرة - آنذاك- كانت سببا من أسباب إحباطه، كذلك الاهتمام بالقشور والجوانب الخارجية في الشريعة قبل الولوج في مضامينها وجوهرها. كان يرى أن جوهر الدين عند الصوفية وفي التصوف.
إن شبهة عدم قراءة الإنجيل والتوراة خوفا من التأثر هو كعدم تدوين الحديث الشريف في عهد الصحابة؛ فالخوف من التأثر وارد وخاصة في بداية الالتزام والتمسك بالدين.
تفسير الآية الواردة التي كانت سببا في شكوكه هو تفسير شخصي لم يراع فيها القواعد أو الرجوع لأئمة التفسير وأهل العلم أو حتى الإشارة إليهم. وإن تضعيف أحاديث الشفاعة والتي أوردها جلال الدين السيوطي - كما زعم - لم يبن على أي أساس علمي في قبول الأحاديث وردها.
زيارة القبور والتماس الفرج منها يعد من الأمور الشركية التي لا توفق صاحبها لطريق الحق؛ حيث يطلب المعونة من البشر وليس من رب البشر. والاعتقاد في أهمية الكتاب الذي لديه وتقديسه دون التماس سند واضح له، بل مجرد اهتمام مشايخه الصوفية به لهو أكبر دليل على تقديم الهوى محل العلم والمنطق. وإن اهتمام الناس به على تحمله المشاق وأثر ذلك عليه بعد تنفيذ تعاليم الكتاب الصوفي أسقط هؤلاء الناس من نظره؛ فعندما أدرك خطأ هذ الكتاب أدرك بالتبعية خطأهم؛ فرفضهم بالكلية وازدرى الشريعة التي أوصلته لتلك الحالة وشعر بعدم جدوى الدين، ودخل في حالة إحباط وتخبط لا شعوري.
عند قراءة الإنجيل بدأت الشكوك حول إسلامه السابق تراوده - والحقيقه هو تصوفه السابق وليس إسلامه - فكأنه ذاق حرمان الاطلاع على الإنجيل وشعر باللذة عندما تخطى هذا الحاجز كما قابل مجموعة أحسب أنهم من المنافقين الذين يظهورن الإسلام ويبطنون الكفر أو مجموعة من الجهلة الذين لم يتعلموا قواعد وأصول الدين فما وجد عندهم إجابة لتساؤلاته؛ فالدليل على ذلك اعترافه بانتصار رحمت الله في المناظرة بينه وبين فندر! فلم لم يذهب ويسأل رحمت الله أو غيره من أمثاله عما استشكل فيه؟ ! .
اهتمام النصارى بتعليمه وخدمته كان له الأثر الواضح في استمراره. وتعمد زوجته وأبنائه إلى النصرانية لم يكن عن قناعة بل عن قوامة.
إن التوفيق الذي شعر به والراحة التي شعر بها هما نواتج طريق الغي الذي صار فيه؛ حيث لم يذق طعم الإسلام الحقيقي بل طعم التصوف المنحرف، والذي ختمه بنصرانية ضالة مضلة. وختاما: إن المال طريق يسعى إليه كل مريد ما لم يجد في الحياة هدفا أسمى له.
стр. 75
ثانيا: فندر في عيون الغرب
وأناقش في تلك الجزئية كيف وصف الغربيون القس فندر، وكيف تناولوا أوجه حياته ومذهبه وتقييمه مع تعليقي الشخصي على القضايا المهمة؛ حيث قمت بترجمة قصة حياة فندر للأستاذ الدكتور / كلينتون (١) مع سرد بعض الآراء الأخرى، حول فندر، والمناظرة مع الشيخ رحمت الله، يليهم النقاش والتحليل.
١ - رأي د. كريستين في الجدل بين المسلمين والمسيحيين في القرن التاسع عشر: هي من مواليد ١٩٦٢ م (MA في الدراسات الإسلامية عام ١٩٨٨ م، Dr.Phil في الدراسات الإسلامية ١٩٩١ م). في الوقت الحاضر هي أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة بروتستانتية في لوفين / بلجيكا، ومدير معهد الدراسات الإسلامية الألمانية الإنجيلية فضلا عن المتحدث الرسمي والمستشار على الإسلام عن التحالف الإنجيلي العالمي (WEA) (٢) .