← Акыда

Акыда · id 132410

منهج دراسة الأديان بين الشيخ رحمت الله الهندي والقس فندر

شريف فياض

Полный текст (323 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وهذا ما حدث بالفعل مع فندر في كتاباته حيث أخذ أسلوب الإقناع وتدرج به، مخفيا الحقائق، إلا أنه افتقد الإقناع والإمتاع عندما ناظر رحمت الله؛ حيث أظهر الله الحقائق على يد رحمت الله مما تسبب له في فقد ذلك الإقناع وذاك الإمتاع. إلا أن كتاباته لم تصل إلى استحضار الأشياء كأنه يراها رأي العين إلا عند الجاهل الذي يجهل حقيقة النصوص المجمعة دون قص أو تذييل. كذلك على كل محاور أن يعتقد القضايا الضرورية والبديهية والمسلم بها، فضلا عن كونه يعتقد الرأي الذي يعرضه على الغير، ويعتقد صحة هذا الاعتقاد، وما يلزم عنه، وصحة الدليل الذي يقيمه على رأيه، كما أنه يعتقد الانتقاد الذي قد يوجهه إلى رأي الغير، ولا يقتنع برأي الغير إلا إذا اعتقد أن هذا الرأي مقبول، وأن عناصر الدليل الذي أقامه هذا الغير عليه مقبولة، وأن تدليله بها مقبول - هو بدوره - وهذا لم يصل إليه فندر - وظهر ذلك في آخر المناظرة؛ لأن كل الانتقادات كانت واهية، ولم تكن مستندة إلى أدلة صحيحة تعين السامع على الاعتقاد بالرأي الذي يعرضه. لم يلجأ فندر إلى عرض حقيقي باطلاع المعروض عليه على النتائج التي توصل إليها، وعلى المراحل التي قطعها، وعلى الوسائل التي استعملها بل لجأ إلى الحوار الشبيهي الذي يتظاهر بإشراك غيره في طلب المعرفة وإنشائها وتشقيقها، بينما هو في حقيقة الأمر آخذ بزمام توجيه المعروض عليه في كل مرحلة من مراحل الحوار، فهو الذي يحدد للمعروض عليه مسألة سبق أن تدبرها، ويعين طريقا لبحثها قد خبرها من قبل، وينتهي إلى نتائج معلومة؛ فإن العارض الفيلسوف يبذل غاية إمكانه لاقتلاع آثار المعروض عليه، وذلك بتصرفه في كل ظهور حواري للمعروض عليه وتسخيره لأغراض العرض (١). - المصادر: يعتمد فندر كثيرا على آرائه وتحليلاته الشخصية، ويندر ما يستدل بآراء المفسرين أو العلماء النصارى حيث - غالبا - ما يكون في موقف المهاجم على الخصم، أما رحمت الله فكثيرا ما يستند إلى أقوال علماء النصارى الثقات ويدعم حججه بمقولاتهم. - العرض: يعمد فندر إلى مقارنة أجزاء من بعض آيات القرآن بما ورد في كتابهم المقدس - ويظهر واقع النصارى من خلال مؤلفاتهم تباينا واختلافا شديدين، ولذا قلما يلجأ فندر إليهم؛ لأنه بالرجوع إليهم قد يجد التناقض عند غيره من المشهورين، وهذا يجعل دائرة المعتقد منغلقة إلى حد كبير على أفراد أو جماعات صغيرة تتباين فيما بينها، حتى لايبقى سوى الشعار الأكبر للديانة وهو المسمى فقط عند حدود الجماعة الأم أو الكبيرة. - الاستدلال: المستوى الكتابي: عال إلا أنه يخطأ من حيث اللغة أحيانا- أما النص التاريخي: فغالبا ما يعتمد على القرآن وبطريقة "ولاتقربوا الصلاة"- في حين أن الكلامي الذاتي: يستخدم أسلوب الجدل والتحوير- لكن الاستنباطي: عال بناء على ما يستحضره من نصوص، إلا أنه يعود فيطوعها على حسب مقتضى الحالة وبناء على المقدمات غير الصحيحة يصل لنتائج غير صحيحة.

стр. 142

- التبويب وعرض المسائل: توجد أخطاء في بعض الآيات القرآنية ربما مطبعية ويعتمد على تفسير البيضاوي كثيرا. ورتب كتابه بطريقة توحي بالتدرج والمنطقية بدءا من التحريف والنسخ وانتهاء بالنبوة والقرآن. يرى أن الطقوس يمكن أن تتبدل لتتحول إلى شيء روحاني؛ فهي بذلك لا تنسخ كالبذرة والشجرة، وبهذه المعاني قد خرج من دائرة المعنى المراد للنسخ إلى دائرة تطرق فيها لدائرة فلسفية بمعان أخرى، فمن المعلوم أن الحقائق لايمكن أن تنسخ، أما الأحكام فقد يعتريها التغيير تبعا للزمان والمكان، أو تبعا لحال الأمم وقت نزول التشريع. قسم الوصايا إلى طقسية وأدبية، وغير وصف المعنى في الذبيحة من ذبيحة حيوانية إلى ذبيحة النفس، واعتبر دم المسيح هو الغسيل الروحي. يفترض أن كلام الله لا يقبل التغيير، وأن الانجيل حرف بعد عصرمحمد- ﷺ . يقول قوله "مثبت" ولم يقدم دليل الإثبات أو السند. كل أرقام السنوات التي يأتيها في خانة كتابة الإنجيل غالبا ما تأتي بين سنة كذا وكذا وبينهما عشر سنوات على الأقل. يقول: "ويعقب .. على إحصائه " الأناجيل " بهذه الملاحظة في الميزان " إن بعض المسيحيين لم يقرروا رسالة يعقوب، ولا رسالة يهوذا، ولا الرسالة الثانية لبطرس، ولا رسالتي يوحنا الثانية والثالثة، ولا سفر الرؤيا، لكن بعد التحري الدقيق اقتنعنا بأن هذه الأسفار قانونية ويجب قبولها ضمن أسفار العهد الجديد بعد التأكد القوي أنها وحي الله". لايرد على كل الشبهات ويفندها على الرغم من إيراد الأقوال بنفسه. ويذكر " حاول بعض الكتاب المسلمين أن يثبتوا وجود اختلافات كثيرة بين أسفار الكتاب المقدس، وزعموا أن هذا الاختلاف دليل على تحريفه، غير أن الكتاب المطلعين ذوي العقول الراجحة والأفكار النيرة يسلمون أنه إن كتب كاتبان أو أكثر عن واقعة حال وكتب كل منهم بمعزل عن الآخر، تأتي كتاباتهم مختلفة اختلافا ظاهريا، ولكن إن اتفقت اتفاقات ما يستدل من اتفاقهم على أنهم متواطئون، والاختلاف الظاهري بين أسفار الكتاب المقدس أعظم دليل على أمانة أهله. يكثر من قول: إدراج بسلامة نية - أخطأ بسلامة نية - كيف يمكن اعتماد تلك الألفاظ كأقوال لمصادر معتبرة! يلجأ إلى الإثبات عن طريق القول مثل: الرجوع إلى بعض الآيات التي تشير وتؤكد إلى كتب سابقة وأن الأناجيل مكملة. يعد تقسيم الأسفار عملا دنيويا لاعلاقة له بالتشريع. تجاهل ذكر التيه وقصة عبادة العجل. يرى أن القلب يميل للعصيان والتمرد. وختاما يعتبر كتاب " ميزان الحق " خلاصة حركة التأليف من حيث الأسلوب، والمضمون، وأن ما جاء من بعده دائر في فلكه، ومقتبس منه، ومنقول عنه:

стр. 143

١ - مضمون الكتاب: يخرج عن الأغراض الجدلية التاريخية التي يجترها أهل الكتاب والتي كانت مدار جدلهم التاريخي مع علماء المسلمين. ملاحظات: - رتب موضوعاته، وحاول تقديمها بطريقة نقدية، وأضفى عليها طابعا علميا، ومنهجيا، وأخرجها للناس قصد المحاجة والتحدي. - اختلفت الترجمات، وأعيد الطبع، حيث حصل تغير قصدي بالتقديم، والتأخير، والزيادة، والنقصان، بهدف إرباك الطرف الإسلامي، والتلبيس على الناس. ٢ - أسلوب الكتاب: جاء تعبيرا صادقا عن فندر من حيث تكوينه وشخصيته وشعوره بالأزمة؛ أزمة عجز عن إقناع غيره بما يحمله من مشروع تنصيري، ففندر هو المستشرق الأمريكي الكاثوليكي، ثم المبشر البروتستانتي الانجليزي، والذي يعتبر أحد ثلاثة مثلوا تحديا سافرا للإسلام بعد القس اليسوعي جيروم كزافييه والقس هنري مارتين (١). وحول مدى التزام فندر بالقواعد المنهجية في الجدل مع رحمت الله، نأخذ قاعدة قاعدة ونفصل الحديث ونبين كيف كان موقف فندر من خلالها: لايمكن لأي شريعة نسخ عقائدها لكنها يمكن أن تنسخ بعض أحكامها. ذكر أن الكتاب المقدس لم ينسخ، ولا يمكن أن ينسخ لا في حقائقه ولا في عقائده ولا في مبادئه. ثم ذكر أن القرآن لم يشر إلى هذا النسخ! ثم يرى أن القرآن ينسخ نفسه بنفسه وليس بناسخ لغيره، وأن النسخ في حقه لفظي فقط وليس في المعنى كما حدث في التوراة والإنجيل. الأصل في أي نص اندثاره إلا إذا تعاهده سند معتمد مقبول، ولا اعتبار بالنسخ الأصلية للنص بقدر الاعتماد على طريقة نقله المعتمدة المتواترة. اعتمد فندر الروايات التاريخية التي لا تثبت طريقة نقلها إلى قائلها؛ ففي حين أن الإنجيل لم ينقل إلا بطريقة الروايات التاريخية، ورد إلينا القرآن عن طريق التواتر اللفظي والمعنوي والنصي والشفهي. وكيف تثبت النسخة الأصلية دون وجود داعم لها وهو السند المعتمد؟ ! . لا يمكن اتباع الشرائع التي تخالف المنطق والعقل في عقائدها ولو جزئيا .. الاتفاق على وجوب تطبيق قواعد المنطق والعقل السليم في فهم قضية التثليث. يرى القس فندر بأن الإيمان بالتثليث واجب حتى لو خالف العقل والمنطق!

стр. 144

عند استصحاب الردود لابد أن تكون من أقوال المفسرين المعتبرة عند الطرف الآخر وأقواها حجة. نقل فندر أقوال بعض المفسرين- المقتضبة أحيانا - وبعض الآراء الغير مثتبة، من خلال وجهة نظره. تحرير كل المصطلحات أولا قبل البدء في الحديث، مع تحديد الوجهة والهدف الذي يسير عليه المتناظران قبل المناظرة. لم يحرر فندر المصطلح ولم يلتزم أو يلزم غيره به، بل دار حول تعريف بعض المصطلحات والمبهمة لدى الطرف الآخر. ولكن حدد القضايا المثارة عند المناظرة، ورتب الأولويات فيها. الإنصاف في النقل والتحري والرد والفصل في الأمور، والاستدلال يكون بكافة الأوجه الممكنة. حيث يرى فندر أن عزرا من حفظة أسفار الوحي، حيث إن عزرا استدعى الكتبة إلى كتابة كل ما عمل في العالم منذ البدء، وأنه قد جاء في تفسير البيضاوي لسورة التوبة آية ٣٠ ما ينقض زعم رحمت الله ويؤيد بيانه؛ فقال ما معناه عندما سبى بختنصر اليهود لم يبق أحد من حفظة الوحي، فبعث الله عزيرا من الأموات وقد مر عليه مئة سنة ميتا، فأملى التوراة وجاءت طبق الأصل حتى تعجب منه اليهود، وأن سكوت اليهود عن التناقضات الواردة في الأسفار لدليل قوي على تمكنهم بالمتون الأصلية واستحفاظهم عليها مهما يكن من أمرها. ويكون الاختلاف في الألفاظ دون المعاني، وشبه التناقض الوارد في القرآن كذلك يدل على أمانة أهله في النقل. إلا أنه قد ورد في تفسير الآية كما وردت عند البيضاوي في كتابه أنوار التنزيل وأسرار التأويل: " ﴿يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُوا﴾ أي يضاهي قولهم قول الذين كفروا فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلهم والمراد قدماؤهم على معنى أن الكفر قديم فيهم، أو المشركون الذين قالوا الملائكة بنات الله، أو اليهود على أن الضمير للنصارى، والمضاهاة المشابهة والهمز لغة فيه. وقرأ به عاصم ومنه قولهم امرأة ضهيأ على فعيل للتي شابهت الرجال في أنها لا تحيض. ﴿قاتلهم الله﴾ دعاء عليهم بالإِهلاك فإن من قاتله الله هلك، أو تعجب من شناعة قولهم. ﴿أنى يُؤْفَكُونَ﴾ كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل. فلم يوضح ويفصل الأمر كما ذكر البيضاوي، كما لم يثبت الوجه الذي حمله المفسر في الآية التي أوردها. أورد تفسير الرازي لكيفية التحريف في الإنجيل وأن البيضاوي ذكر أنه ربما وقع في عصر ﷺ لكن الرازي أكده، والتحريف عبارة عن إبدال لفظ بآخر أو إلقاء الشبه الباطلة أو تغيير المعنى المراد بعد الاجتماع مع النبي وأن شهرة الإنجيل تمنعه من إلحاق ذاك التبديل أو التغيير فيه! لكن بالرجوع إلى تفسير الرازي (ج ١٠ - ص ٩٥) (١) تبين أنه أغفل عن ذكر وجه التحريف الرابع المذكور وهو التحريف بتأويل النص تأويلا فاسدا وأن الجمع بين تلك

стр. 145

الآية وآية سورة المائدة فيثبت الأمران في أنهما يخرجون النص من الكتاب وفي ذات الوقت يأولونه تأويلا فاسدا، وهذا مما يشهد على فندر بعدم الأمانة العلمية في النقل والتحري. كلام الله جائز أن يتبدل ويتغير ما لم يتعهد الله بحفظه. فالنسخ عند فندر غير جائز، وعليه تبنى الأحكام وتقدر، ولا يمكن - في رأيه - عقلا - تغيير كلام الله أو تبديله أو تحريفه. إن هناك توافقا بين تعهد الله وسند هذا التعهد فكلاهما متلازمان؛ فلا يمكن أن يتصور أن يكون هناك فقد في السند لآية تعهد الله فيها بحفظ هذا السند، ولا يمكن أن يلزم من ذلك حفظ النص دون تعهد من الله بحفظه وإلا لما أمكن في الأساس أن تكون هناك معصية واحدة لله على وجه البسيطة. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لا في الفهم ولا في التكليف. فاعتقاد الوحدانية أمر سهل وميسور في العقيدة الإسلامية، ولا توجد حسابات معقدة يصعب فهمها كما لدى النصارى، كما لا يوجد إرهاق في التكاليف ومدارها مصلحة العبد. اتحاد الذات المؤلفة من الجسد والروح والنفس قوة وفي انفصالها ضعف وفناء. لم يتعرض فندر لموضوع الانفصال، أو أن في الانفصال ضعف، بل مازال - حتى الآن - يكتنف قضية التثليث غموضا في الفهم. المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط. وجد فندر أنه إن وجد التعارض بين النص والعقل فمداره الإيمان والتسليم به؛ لأن في النص خفايا قد يعجز العقل البشري على إدراكها. لا تقتبس من نصوص غيرك لتشهد بها لنفسك في حين أنك تنكر الباقي منها إلا إن كانت بتفسير غيرك المعتمد لديه. دائما ما يلجأ فندر لتفسير الآيات برأيه أو الاعتماد على شواهد غير موثقة، مثل: يقول: علم المطلعون من المسلمين بالروايات المنسوبة إلى البخاري ومسلم التي تنفي عن محمد ﷺ وصمة الجهل بالقراءة والكتابة من ذلك ما ينسبونه إليه في معاهدة الحديبية من أنه أخذ القلم وضرب على توقيع علي بن أبي طالب بالنيابة عنه تحت إمضاء رسول الله، وكتب ابن عبد الله ... وبما أن هذه الروايات موضوع نزاع بين أهل السنة والشيعة فلا نجزم بصحتها غير أننا نقول أن مجرد وجودها مسندة إلى أئمة الحديث أمر يستحق الاعتبار وخصوصا أن لا شيء فيها بعيد الوقوع. ولا يؤخذ ما يؤيد وجهة نظره في التفسير - متجاهلا - باقي الاحتمالات. وألا يكون المناظر ملتزما بضد الدعوى التي يناظر من أجلها كما في حالة طلب المناظرة في التثليث مع إثبات بطلان نصوص الكتاب المقدس للاعتراف بتحريفها، ولا يوجد سوى النص ليستشهد به. وألا يكون في الدعوى أو في الدليل الذي يقدمه المناظر تعارض مثل ما حدث في حادثة بيلي أثناء التناظر.

стр. 146

لا يمكن أن تتعدد العقائد في الدين الواحد وإلا لما كان هناك ما يميزه كدين. فالأحكام ربما تختلف فهي جائزة عقلا، أما إن اختلفت العقائد في الدين الواحد فمبعثها اختلاف الديانات مثلما يرى فندر الإيمان بالتثليث بأنه: الإيمان بعقيدة التثليث في وحدة والوحدة في تثليث! ومن قامت البراهين والآيات على صدقه فيما يبلغه عن الله كان صادقا في كل ما يخبر به عن الله. أثبت رحمت الله النبوة في ستة مسالك المسلك الأول: معجزاته ﷺ بإخباره عن الغيبيات الماضية والمستقبلية، وذكر ٣٠ مثلا قد ذكرها أئمة الحديث، وأتبعها بمثيلها في الإنجيل ب ١٢ مثالا لأشياء لم تتحقق. أما الأفعال على خلاف العادة فاكتفى بذكر ٤٠ مثالا. ثم تحدث في المساك الأخرى عن أخلاقه وأوصافه، وما اشتملت عليه شريعته، وظهور دينه على سائر الأديان - في مدة قليلة - وظهوره في وقت كان الناس بحاجة إليه. ثم قدم المسلك السادس بثمانية أمور بإخبار النبيين المتقدمين عليه عن نبوته ثم ثماني عشرة بشارة وخمس شبه على الشبهة الثامنة عشرة والأخيرة. كما أن رحمت الله أثبت أن عيسى لم يكن مسيحا صادقا موعودا، من خلال نص الكتاب المقدس، في حين أثبت فندر- من خلال المناظرة - ضياع النسخ الأصلية للإنجيل، وأن التحريف صاب الكتاب المقدس - في مواضع - يعجز عن تعيينها. التمسك بالنص الصريح المحكم ورد المتشابه إليه، ولا يجوز التمسك بالمتشابه ورد المحكم إليه. تتفاوت درجات إثبات النص، فمتى تم إثبات إحكام النص لا يمكن أن يرده من هو أقل منه درجة، وخاصة المتشابه والذي يرد بأكثر من احتمال، فيتأكد بالنص المحكم إن وجد وثبت احتماله وهو مالم يلتزم فندر بذلك. دراسة القضايا ١ - قضية التحريف يرى فندر أن إثبات عدم تحريف الكتاب المقدس يكون للمسلمين وغيرهم بالدليل الداخلي النقلي المأخوذ من الأسفار لا بالدليل العقلي، والذي يراه فندر موجها إلى الكفار والملحدين وعبدة الأصنام فقط لإقناعهم. يحاول إثبات صحة التوراة والإنجيل بشهادة القرآن في عدة قصص وآيات، ثم يعضد أقواله بأن التوراة والإنجيل والزبور ليست كتبا صحيحة فقط يشهد بها القرآن، ولكن من لا

стр. 147

يقبلها يعاقب عقابا شديدا مستدلا بالقرآن الكريم. ليس هذا فحسب، بل إن القرآن يثبت موافقة تعليم التوراة لتعليم الإنجيل الذي جاء به سيدنا عيسى المسيح. أعقب ذلك بإيراد آراء المفسرين في معاني الآيات التي ساقها لإثبات حججه كابن عباس ثم يبني نتيجة ذلك بمقارنة الأمر بآيات أخرى تناقض قوله في أن القرآن يأمر بإقامة الأوامر والنواهي الموجودة بتلك الكتب، فإن كانت أعدمت أو تحرقت فتكون طاعة الأمر مستحيلة. ليس هذا فحسب، بل يثبت أن القرآن نقل من الكتاب المقدس، وأن النسخ الأصلية للقرآن قد ضاعت. ناقش قضية النسخ ثم عاد لقضية التحريف مرة أخرى في الفصل الثالث؛ فيرى أن عزرا من حفظة أسفار الوحي، ويستنكر على رحمت الله اعتباره عزيرا، وأن التوراة من تأليفه، وأثبت ذلك بتفسير البيضاوي، إلا أن رحمت الله لا يعتبر عزرا هو عزير الوارد في القرآن، فضلا عن كونه شخصية مجهولة. كما يثبت أن التوراة التي بأيديهم هي ماكانت في عصر محمد ﷺ ، والدليل أن الترجمة السبعينية التي تمت ما بين ٢٠٠ م، ٢٥٠ م وصلت إليهم، وهي أقدم النسخ، وأن إسناد العهد الجديد لم تقبل ضمن دائرة الوحي إلا بعد الاستفسار والتحري الدقيق والأسانيد الكافية، خشية أن ينطوي معها سهوا وصفات أخرى، ثم تحدث بإسهاب عن الترجمات والنسخ منها نسخ اكتشفت في مصر بسوهاج ترجع إلى القرن الرابع أو السادس، وأنه وإن كانت هناك غلطات في النسخ؛ فقد وقعت من المترجمين ولم ينتج عن ذلك أي اختلال جوهري. إن مجرد انتشار الأناجيل - عند فندر - في الأقطار المختلفة يكفي لعدم إتاحة ذلك للتواطؤ على الكذب، وأن الآيات التي لم تكن موجودة في النسخ القديمة هي ما كانت في الهامش، وأخطأ الناسخ بوضعها في المتن، وعلى كل حال فهي لا تؤثر في جوهر الكتاب. يقول أنه لا يؤمن بعصمة الأنبياء والرسل في أعمالهم اليومية، لكنه يؤمن بأنهم معصومون في تبليغ رسالة الله من أن يزيدوا عليها أو ينقصوا منها أو يلحقوا بها أقل تحريف. ٢ - قضية النسخ ابتدأ كلامه بأن الكتاب المقدس لم ينسخ، ولا يمكن أن ينسخ لا في حقائقه ولا في عقائده ولا في مبادئه. ذكر أن القرآن لم يشر إلى هذا النسخ! ثم يرى أن القرآن ينسخ نفسه بنفسه وليس بناسخ لغيره، وأن النسخ في حقه لفظي فقط وليس في المعنى كما حدث في التوراة والإنجيل. أوضح أن الإنجيل جاء موضحا وشارحا للتوراة لنظرية الفداء والخلاص، وأن العهد الجديد أشمل وأعم من القديم؛ حيث احتوى في وقت ظهوره ما يلائم طبيعة الناس حينها من فرائض وطقوس ورسوم تدرب بني إسرائيل فقط على إدراك الحقائق الروحية

стр. 148

- تدريجيا - استعدادا لأن يكونوا تلاميذ المسيح وأساتذة العالم أجمع، كما أن الشريعة القديمة سلبية احتوت نواهي فقط، وأن الجديدة ايجابية وسلبية؛ حيث شملت أوامر بفعل الخير إلى جانب تلك النواهي، كما أن الشريعة القديمة أوامر وقتية خاصة ببني إسرائيل فقط. ٣ - قضية التثليث تحدث عن الطريق الذي عمله يسوع المسيح لكل الناس، واحتياج هؤلاء الناس إلى الخلاص من الخطية والموت الأبدي. يرى أن المسيح يتسمى بابن الله أو كلمة الله، والعلاقة بين الناسوت واللاهوت علاقة اتحاد فقط؛ بحيث لم تتحول الطبيعة الواحدة إلى الأخرى ولا امتزجت أو اختلطت بها. يرى أن التثليث سر غير مفهوم، ويرى أن اعتراض البعض على تناقض العقيدة المسيحية خطأ ظاهر، وأن التثليث سر عجيب ويجب أن يتوقع الناس أسرارا كثيرة في الكتب المقدسة وخصوصا ما يتعلق بجوهر الله. والكتاب المقدس أحق بأن يتضمن أسرارا غامضة تحار في معرفة كنهها فطاحل العلماء ويتساءل هل من الصواب والحكمة أن يرفض كتاب الله لاشتماله على مسائل تفوق عقولنا. ساوى بين الصفات الإلهية والأقانيم ويجب الإيمان بتعدد تلك الأقانيم. وإذا اقتدى المسلم بالمسيحي بمعالجة المرض لم يعتبره إخوانه تابعا لرسول السيف، وإذا اقتدى المسيح بالمسلم في سفك الدماء لم يعتبره إخوانه تابعا لرسول السلام. ٤ - قضية النبوة أنكر مزاعم المسلمين في البشارات الواردة في الإنجيل عن سيدنا محمد ﷺ وردها بتفسيرات مغايرة خاصة. ولا أنسى في هذا المقام عرض حوار بين أبي سفيان وهرقل: سمع هرقل أن هناك نبيًّا ظهر في بلاد العرب، فأمر هرقل جنوده أن يأتوا ببعض العرب؛ لكي يسألهم عن هذا النبي الذي ظهر في بلادهم. واستطاع الجنود الإمساك ببعض التجار الذين كانوا يتاجرون في غزة بفلسطين، وكان هرقل في بيت المقدس في ذلك الوقت، وهو يريد أن يستوثق من أمر الرسول ﷺ ، وكان من بين هؤلاء التجار أبو سفيان بن حرب زعيم قريش. وهذا الأمر حدث بعد صلح الحديبية مباشرة؛ فقد سافر أبو سفيان لغزة للتجارة، وأمسكه بعض الجنود، وأخذوه إلى هرقل في بيت المقدس، والتوقيت عجيب من كل النواحي، فكأن الله أرسل أبا سفيان الذي كان كافرًا في ذلك الوقت؛ ليقيم الحجة على هرقل في هذا اللقاء العجيب. ورد في البخاري عن ابن عباس ﵄، نقلاً عن أبي سفيان Description: http://islamstory.com/sites/all/themes/islamstory/images/t_٢٠.jpg بعد إسلامه، أن هرقل سأل التجار أيكم أقرب نسبًا لهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فقال أبو سفيان: "أنا أقربهم نسبًا إليه".

стр. 149

فقال هرقل: "أدنوه مني، وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره". أي جعل أبا سفيان واقفًا ووراءه مجموعة من أصحابه، ثم قال لترجمانه: "قل لهم: إني سائلٌ هذا الرجل -يعني أبا سفيان- فإن كذبني فكذبوه". وبدأ استجواب هرقل لأبي سفيان أمام الجميع من العرب والرومان وفي حضور عِلية القوم من الأمراء والوزراء والعلماء من الرومان. وفي هذا الاستجواب سوف نرى أن هرقل سيسأله أسئلة يحاول بها أن يتيقن من أمر هذه النبوة التي ظهرت في بلاد العرب، هل هي نبوة حقيقية أم كذب؟ وهذه الأسئلة عبارة عن استنباطات عقلية، وهذه الأسئلة بناء على معلومات عن الأنبياء بصفة عامة، وعن هذا النبي بصفة خاصة كما جاء في التوراة والإنجيل. وهذا الحوار الذي دار بين هرقل زعيم أكبر دولة في العالم في ذلك الوقت وأبي سفيان زعيم قريش، نحن نحسبه من أعجب الحوارات في التاريخ، وهو عجيب من أكثر من وجه؛ لاهتمام زعيم أكبر دولة في العالم بأمر رجل يظهر في صحراء العرب، أو من حيث ذكاء الأسئلة ودقتها، أو من حيث ردود أبي سفيان المشرك -آنذاك- الذي كان يكره محمدًا ﷺ كراهية شديدة، أو من حيث تعليق هرقل على كلام أبي سفيان في آخر كلامه، أو من حيث ردّ فعل هرقل بعدما سمع كلمات أبي سفيان. إنه حوار عجيب بكل المقاييس، وقد بدأ الحوار بسؤال: كيف نسبه فيكم؟ قال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب. قال هرقل: فهل قال هذا القول من قبلكم أحد قَطُّ قبله؟ قال أبو سفيان: لا، لم يدَّعِ أحدٌ في تاريخ العرب النبوة. فقال هرقل: هل كان من آبائه من مَلِك؟ فقال أبو سفيان: لا. قال هرقل: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم. قال هرقل: أيزيدون أم ينقصون؟ قال أبو سفيان: بل يزيدون. قال هرقل: فهل يرتد أحد منهم سَخْطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال أبو سفيان: لا، لا يرتد منهم أحد. قال هرقل: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: لا. قال هرقل: فهل يغدر؟ قال أبو سفيان: لا. ثم قال: ونحن منه في مدةٍ لا ندري ما هو فاعل فيها!

стр. 150

هذا كلام أبي سفيان، فهو أراد أن يقول أي شيء سلبي على الرسول ﷺ ، فكل الإجابات ترفعُ من شأن الرسول ﷺ ، يقول أبو سفيان: ولم تُمْكِنِّي كلمةٌ أُدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة. أي حاولتُ قدر ما أستطيع أن أطعن في الرسول ﷺ بأي شيء، فلم أستطع إلا بهذه الكلمة، وهرقل لم يعلِّق على هذه الكلمة، وكأنه لم يسمعها. ثم قال هرقل: فهل قاتلتموه؟ قال أبو سفيان: نعم. فقال هرقل: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال أبو سفيان: الحرب بيننا وبينه سجال. قال هرقل: بماذا يأمركم؟ قال أبو سفيان: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. قال هرقل: "سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب من قومها". ثم قال: سألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟ فذكرت أن لا، قلتُ: لو كان قال أحد هذا القول قبله لقلت رجل يَأْتَسِي بقول قيلَ قبله. وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من مَلِك، قلتُ: رجلٌ يطلب مُلك أبيه. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فَقَدْ عَرَفْتُ أنه لم يكن ليذَرَ الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون. وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك: أيرتد أحد منهم سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا. وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك: بماذا يأمر؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فإن كان ما تقوله حق فسيملك

стр. 151

موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلمُ أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلصُ إليه لتجشَّمْتُ لقاءَهُ، ولو كنت عنده لغسلتُ عن قَدَمِهِ. قرأ هذا الكتاب في وجود أبي سفيان، وقد رأينا أسئلته لأبي سفيان وتحليلاته الشخصية لأجوبة أبي سفيان عنها، تلك التحليلات التي تنطق بأن هذا الرجل هو النبي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. وبعد انتهاء القراءة من الرسالة سمع أصواتًا عالية، وكثر اللغط، وارتفعت الأصوات في كل مكان، وضجت القاعة بالاعتراض على كل كلمة من كلمات هذا الكتاب النبوي؛ لأن زعماء النصارى وأمراء الجيوش وعلماء الدين الموجودين رفضوا تمامًا هذه الدعوة الكريمة من رسول الله ﷺ ولما حدث ذلك أمر هرقل بأبي سفيان ومن معه من تجار أن يخرجوا من القاعة، ورأى أبو سفيان رهبة هرقل عندما سمع قصة المصطفى ﷺ ، ولم يؤمن برسالته بعدُ، وهو يرى الرسول ﷺ وهو يكتب الرسائل إلى زعماء الدول العالمية الكبرى في ذلك الوقت، فقد ترك هذا الموقف أثرًا نفسيًّا هائلاً عند أبي سفيان، حتى إنه ضرب يدًا بالأخرى، وقال: "لقد أَمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة". أي عَظُم أمر ابن أبي كبشة، يقصد الرسول ﷺ ، ثم قال: "إنه ليخافُهُ مَلِكُ بني الأصفر" (١). وقد كان هرقل من علماء النصارى المعتبرين، فلا أرى فندر سوى أنه قد أنكر بذلك أقوال عظيم من عظماء النصارى! ٥ - قضية القرآن يرد على موضوع فصاحة القرآن وبلاغته وأن معجز بأنه قد ألفت كتب في العالم لقوم لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، وجاءت لا مثيل لها، واشتهرت قبل كتاب ريج فيدا؛ حيث وضعه بين ١٥٠٠ - ١٠٠٠ قبل الميلاد. ويرى أن هناك كلمات في القرآن مقتبسة من لغات أخرى غير العربية، وأن العرب كان من الممكن أن يأتوا بأفصح من القرآن بكثير، وأبطل المزدار دعوى القرآن بالإعجاز من حيث الفصاحة والبلاغة والنظم؛ وقال أن إعجاز القرآن يتمثل في إخباره بحوادث الماضي والمستقبل التي تضمنها. ويقول أنه لا ينكر أحد حقيقة فصاحة سفر النبي أشعياء، والتثنية، والمزامير، وجميع الحقائق التي ذكرها القرآن جاءت في الكتاب المقدس. كما قدم مشاهدات يذكر فيها معرفة الرسول بدين النصارى مما يعني اقتباسه من دينهم والذي يؤيد بدوره عدم ثبات إعجاز القرآن.

стр. 152

أبطل الحقائق الواردة في القرآن بآراء مفسرة مختلفة، وانتقد القرآن في عدة مواضع منها: قصة حرق سيدنا إبراهيم ﵇، وذكر أنه أبقى على كثير من شعائر وثنيي العرب قبل الإسلام كالختان. وقضية الجهاد وتلذذ محمد ﷺ بالنساء أكبر دليل - لدى فندر - على دنو مطالب الشريعة الإسلامية مقارنة بشريعة العهد الجديد. استدل فندر برأي خليفة المسلمين علي بن أبي طالب، ولم أقف على مصدره، ولا أعرف أصله، وأظنه قولا لأحد الفلاسفة المتصوفة. دراسة منهجه في كتبه أولا: من خلال كتاب مفتاح الأسرار: جاء كلامه إنشائيا أدبيا والبداية مختلفة عن الشرح؛ فالإثبات كان لشيء مختلف تماما عن رأس هذا الموضوع ... ما علاقة ألوهية المسيح بتوحيد الذات بإدراك الذات الإلهية بإثبات العجز عن الفهم ... ! أين المفتاح لتك الأسرار؟ هل هو إلغاء العقل والاعتراف بالنص دون سند واضح وبين؟ ! ثانيا: من خلال كتابيه ملاحظات محمدية وطريق الحياة: تمحور الكتابان - كما ذكرت - حول عقيدة الصلب والفداء، وتطرق فيها إلى الشفاعة، وقارن بين شفاعة الصلب، والفداء، والشفاعة عند المسلمين. ففي كتاب طريق الحياة لايزال فندر ينكر الاعتقاد المحمدي - على حد وصفه - والذي يعتبر الإيمان برسالته هو الاعتراف بوحدة الله، ويوم القيامة، ووجود الجنة والنار؛ حيث قال: وسط هذه المعتقدات لم يرد أي ذكر عن تكفير الخطيئة؛ حيث يمكن لشخص الاعتماد عليها في أن تصبح مبررا من تلك الخطيئة في وجود الله فقط. تطرق فندر للحديث عن الاستغفار، وشفاعة النبي محمد ﷺ ، لكنه يرى في تلك الشفاعة - في رأي الفقهاء والمجتهدين المسلمين - في رأيه - أنها تصلح للشفاعة العامة لبعض العصاة والمذنبين فقط لكنها ليست موجهة لإنقاذ شخص بعينه فضلا على أنه يتساءل بتشكك في براءة الشفيع محمد ﷺ من الذنوب التي تؤهلة لتلك الشفاعة الكبرى، ويطالب بالعودة للقرآن، والحديث، وهو ما تم ذكره عند تحليل كتاب ميزان الحق. ويرى في كتابه ملاحظات محمدية أن وسائل الحصول على المغفرة في الاعتقاد المحمدي سطحية، وخارجية، وغير قابلة للممارسة والتطبيق- في وجود القداسة الإلهية والعدالة -واعتبر هذا غير كاف للتأثير في القلب، والشعور براحة الضمير!

стр. 153

ثالثا: من خلال كتاب ميزان الحق: وردت أخطاء في بعض الآيات القرآنية الواردة في النصوص، ولكن ربما تكون أخطاء مطبعية مثل: [النساء: ١٥٩] " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته " فقد أوردها على أنها آية ١٥٧ كذلك آية " .. ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم " [آل عمران: ١١٠] ذكر أنها آية ١٢٠. يعتمد القس فندر على تفسير البيضاوي كثيرا، وحاولت جاهدا معرفة السبب إلا أني لم أقف على مصدر مؤكد فيه، وعزوت هذا الموضوع لبعض الاحتمالات الممكنة كما وأنه كان مشتهرا بين الناس - في ذلك الوقت - أو لربما وقع عليه فندر دون غيره من المفسرين، أو ربما لعدم تكلفه، وسهولته في تفسير الآيات، وأخيرا - ربما يكون بسبب قربه من الأفكار التي يود فندر الأخذ والاقتباس منها، على أنه للأمانة العلمية لم أجده ينقل كل ما في تفسير النص - كعادته - ويقتبس منها الاحتمال الذي يؤيد فكرته، ويقوي حجته، على الرغم من أن البيضاوي - على سبيل المثال - يورد في المسألة احتمالين لكن فندر لا يأخذ إلا بما يراه مناسبا لقضيته كما سنورد ذلك تفصيلا. يورد فندر بعض الآيات القرآنية، والتي يستشهد منها، أن أهل الكتاب - زمن النبي - كانوا موجودين؛ حيث يقصد بذلك أنه لم يتم تحريف كتابهم حتى عصر النبي؛ فلفظة " كتاب " دالة على ما بأيديهم من الكتاب في ذلك الوقت وفي ذلك الزمان. طريقة تفسيره لبعض الآيات غير علمية؛ ففي آية " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك" [يونس: ٩٤] .. فيقول أن القرآن يأمر محمدا ﷺ أن يسأل أهل الكتاب - إن حصل عنده شك في القرآن - ليتثبت به. - ولايلزم من قوله: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) (يونس: الآية ٩٤) أن يكون الشك جائزاعلى الرسول ﷺ ، أوواقعا منه. ألا ترى قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) (الزخرف: ٨١) هل يلزم منه أن يكون الولد جائزاعلى الله تعالى أوحاصلا؟ كلا، فهذا لم يكن حاصلا، ولاجائزاعلى الله تعالى، قال الله تعالى: (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً) (مريم: ٩٢) (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً) (مريم: ٩٣). ولايلزم من قوله تعالى: (فَلاتَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (البقرة: الآية ١٤٧) أن كون الامتراء واقعا من الرسول ﷺ ، لأن النهي عن الشيء قد يوجه إلى من لم يقع منه، ألاترى قوله تعالى: (وَلايَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاتَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (القصص: ٨٧) ومن المعلوم أنهم لم يصدوا النبي ﷺ عن آيات الله، وأن النبي ﷺ لم يقع منه شرك. والغرض من توجيه النهي إلى من لايقع منه: التنديد بمن وقع منهم والتحذيرمن منهاجهم، وبهذا يزول الاشتباه، وظن ما لا يليق بالرسول ﷺ (١).

стр. 154

ويؤخذ عليه الآتي: أولا: جميع أجزاء الآيات يستدل بها يقينا على ما يقول. يتبع طريقة " ولا تقربوا الصلاة .. "؛ فقد استدل بالآية الكريمة " وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله " [المائدة: ٤٣] على وجود التوراة الحقة، وكذلك الإنجيل في آيات أخرى، وهو لا يتعارض مع المفهوم الإسلامي إلا أن ورودها بهذا الشكل، وبهذه الطريقة، يحدث لبسا عند القارئ؛ فلو استطاع أن يكمل الآية ستعطي معنى مغايرا تماما لما يقول .. هذا بالإضافة إلى الخطأ في إيراد رقم الآية. قال أبوجعفر: يعني تعالى ذكره: وكيف يحكمك هؤلاءاليهود، يامحمد ﷺ ، بينهم، فيرضون بك حكمًا بينهم، "وعندهم التوراة" التي أنزلتهاعلى موسى، التي يقرُّون بها أنها حق، وأنها كتابي الذي أنزلته إلى نبيي، وأن ما فيه من حكم فمن حكمي، يعلمون ذلك لايتناكرونه، ولايتدافعونه، ويعلمون أن حكمي فيهاعلى الزاني المحصن الرجم، وهم مع عملهم بذلك، "يتولون ... يقول لهم تعالى ذكره: كيف تقرّون، أيها اليهود، بحكم نبيّي محمد ﷺ مع جحودكم نبوته وتكذيبكم إياه، وأنتم تتركون حكمي الذي تقرون به أنه حق عليكم واجبٌ، جاءكم به موسى من عند الله؟ يقول: فإذْا كنتم تتركون حكمي الذي جاءكم به موسى الذي تقرّون بنبوّته في كتابي، فأنتم بترك حكمي الذيي خبركم به نبيِّي محمد ﷺ أنه حكمي- أحْرَى، مع جحودكم نبوَّته (١). الاستشهاد الخاطئ بآية " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون إلى أن قال ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " [المائدة: ٤٤] يشعر القارئ بأن المقصود هو عدم الحكم بالتوراة. ثانيا: يكمل الآيات إذا كانت تؤيد دعواه فمن سورة الحديد (ثم قفينا على آثارهم برسلنا ... وكثير منهم فاسقون) [الحديد: ٢٧] مع عدم ذكر الآية - كاملا - فلجأ إلى حذف صدر الآية. أثبت - بطريقته تلك - صدق آيات التوراة والإنجيل على امتداد الإيمان بهما وإن حرفا. ذكر عند إيراد آية - من سورة فاطر - أنها سورة الملائكة؛ فهو دليل على المعرفة بها؛ مما يشير إلى قراءته المختلفة في علوم الدين الإسلامي مع عدم اشتراط أن يكون ذلك دليلا على التعمق وسعة العلم والفهم. ثالثا: استنتج استنتاجا غير علمي وبعيدا عن العقل والمنطق - فبعد ذكر كل ما سبق؛ عقب بأن الله يقول: أن من لا يقبل بهذه الكتب فسوف يعاقب، وأورد على هذا دليلا من القرآن، وباستخدام الفواصل التي تشعر القارئ بالوصل بين الآيات .. آية ٥٣ وآية ٧٠ من سورة غافر، وهذا مما يعد تفسيرا شخصيا لا أكثر .. " ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب " [غافر ٥٣]." الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون .. إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون .. في الحميم ثم

стр. 155

في النار يسجرون " [غافر ٧٠].وقد ذكر في نهاية استشهاده " فالحاجة لا تمس إلى إظهار الأدلة على صحة ذلك الكتاب كما يكون لو كنا نكتب لإفادة كافر مثلا ". ثم يرد على شبهة إيراد التحريف بأن القرآن فصلها في [سورة الأنعام: ٣٤] " ولا مبدل لكلمات الله .. ولقد جاءك من نبأ المرسلين " [يونس: ٦٤] " لا تبديل لكلمات الله .. " الخ. فكثيرا ما يحاول الربط بين الآيات بطريقة التفسيرالموضوعي، والتي لا يعتمد فيها على تفسير كبار أهل العلم، والمجتهدين، والفقهاء، ولكن بناء على تفسيره الشخصي، والذي وإن لجأنا إليه في تفسير آيات الإنجيل، ما كنا لنحتاج كل هذا الجهد في التناظر والتباحث. رابعا: يسقط معان محددة من واقع فهمه للآيات - حتى وإن نقلها- فلا يبين أوجه الاحتمالات والأقوال الأخرى التي قد تفهم من الآيات، ثم يقوم بالترجيح، بل يزيد الأمر؛ ويستشهد بآيات أخرى في نفس السياق على أنها تؤيد دعواه مثل آية: (لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل .. ) [المائدة: ٦٨] فلم يورد نص الآية كاملا إلى نهايته، واستدل بتفسير ابن عباس في سبب نزول الآية والذي استدل منهما على أن التوراة الحقيقية موجودة، وعلى الناس إظهارها، وبيان الحق، وافترض في ذلك أنها هي التوراة التي بين يديه الآن، أو الإنجيل، هو المقصود " بالحق " في آية ١١٩ من سورة البقرة وأورد أن جملة " وهم يتلون " في آية: (قالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون) [البقرة: ١١٣] أنها تحوي فعلا مضارعا يدل على الاستمرار واقتطع جملة (وهم يتلون) من سياقها عندما أراد بيان أن ما سبق من الكتاب الحق هو المتواجد بين ظهرانيهم إلى الآن. خامسا: القطع بأن كتاب الله " وهو التوراة " في آية ٢٣ من سورة آل عمران " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون " بكلام أو تفسير البيضاوي، على أن البيضاوي أورد وجهين محتملين في تفسير " كتاب الله " فقد يعني القرآن أو التوراة؛ فهو وصف غير دقيق، وغير أمين من ناحية الأمانة العلمية. في سورة [المائدة: ٤٩] " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ... " يقول صاحب كتاب ميزان الحق أن هذه الآية منقولة من (سفر الخروج ٢١: ٢٣ - ٢٥) وكذلك آية ١٠٥ سورة الأنبياء منقولة من (مزمور ٣٧: ٢٩) .. أن الصديقين يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد. كذلك تبديل اسم يعقوب بإسرائيل فيقول: هو مشروح بشكل واف في (سفر التكوين ٣٢: ٢٢ - ٣١) وقد عزاها دون توضيح، وفي حديث مشكاة المصابيح في وصف الجنة: " أعددت لعبادي الصالحون ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " (١) يقول أنها منقولة من الرسالة الأولى لبولس إلى أهل كورنثوس (٩: ٢). سادسا: اتضح وجود خلط في التقسيم واضح - في تقسيمه المبني - تبعا لتقسيم اليهود الذين يقسمون أسفارهم إلى ثلاثة أقسام (الناموس - الأنبياء - المزامير " الصحف ") حسبما أشار (لوقا ٢٤: ٤٤)؛ حيث إن الصحف تبدأ بالمزامير فيدعوها القرآن " الزبور "؛ أي

стр. 156

أن القرآن يقسم الكتاب المقدس إلى ثلاثة أقسام التوراة والإنجيل والزبور دون استدلال واضح أو تقديم أدلة من القرآن الكريم. على أن الصحيح عنده في تلك المسألة - كما يفعل النصارى - وهو أن الكتاب المقدس يحوي العهدين القديم - وهو التوراة - والجديد - وهو الإنجيل - وبناء على هذا فتقسيم القرآن بني على تقسيم التوراة، فضلا عن الخطأ في فهم تقسيمها كذلك! وأخيرا: استنبط أن أسفار العهدين هما الكتب السماوية المنزلة - لا محالة - بالرجوع إلى تفسير البيضاوي، وبعض العلاقات الرياضية التي لا تثبت مطلقا ما يقول؛ فقد جمع الآيات بطريقة تخدم الفكرة لا على أساس أنه يفند المزاعم، ويدحض الشبه، ويقيم الحجة البينة؛ حيث يقول أن من بديهيات علم أصول الهندسة إذا ساوى شيئان ثالثا فهما لا محالة متساويان؛ حيث نزلت أسفار العهدين - القديم والجديد بنفس الطريقة التي نزل بها القرآن! . ثم في النهاية يستنبط: ١ - أن أسفار العهدين القديم والجديد - أي التوراة، والزبور، وأسفار الأنبياء والإنجيل، ورسائل رسل المسيح، كانت جميعها منتشرة في عصر صاحب القرآن بين اليهود والنصارى .. ٢ - يقول أن القرآن يقرر أن هذه الأسفار موحى بها من الله، أي منزلة من عنده تعالى. ٣ - يذكر أنه بينما يعظم القرآن نفسه إلى أعلى درجات التعظيم فإنه يساوي بين نفسه، وبين الأسفار المقدسة المتقدمة عليه. ٤ - يذكر أن القرآن يسمي الكتاب المقدس " كتاب الله وكلام الله والفرقان والذكر ونورا وهدى ورحمة ... الخ .. ٥ - ويقول أن القرآن يأمر محمدا ﷺ أو المسلمين أن يرجعوا إلى الكتاب المقدس في تحقيق ما يرتابون فيه من أصول دينهم، ويحرضون النصارى واليهود أن يفعلوا مثل ذلك. ٦ - يذكر أن القرآن يشير على اليهود أن يتخذوا التوراة حكما فيما هم فيه يختلفون. ٧ - كما يذكر أن القرآن يأمر المسلمين أن يشهدوا أنهم مؤمنون بالكتاب المقدس كما هم مؤمنون بقرآنهم. ٨ - وأخيرا - يؤكد أن الذين لا يؤمنون بالكتاب المقدس لهم عذاب عظيم في الآخرة كما لو لم يؤمنوا بالقرآن. قضية اتصال السند: ركز فندر على قضية اتصال السند؛ حيث تحدث عن صحة الكتاب المقدس بشهادة القرآن وأورد آيات عديدة ونقل تفسير البيضاوي في إثبات أن تلك الآيات التي نزلت عند قدوم وفد نجران على صاحب القرآن - يقصد محمدا ﷺ حيث تناظروا مع أحبار اليهود وتقاولوا بذلك، ليست على شيء؛ أي على أمر يصح ويعتد به الحال إنهم من أهل

стр. 157

العلم والكتاب، ومثل قولهم: قال الذين لا يعلمون كعبدة الأصنام والمعطلة، لكنهما وإن اختلفا دينا فقد اتحدا بتسمية كل منهما أهل الكتاب؛ ألا وهما المسيحيون واليهود (١). تم ذكر عدة آيات منها: " ... يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ... " (٢)؛ حيث يقول بعدها: " ولاشك أنه هو الذي كان وقتئذ موجودا بأيديهم ". ثم يصرح بأن اليهود تلقوا الكتاب - أي التوراة - بالتوارث عن آبائهم؛ حيث يقول في آية ١٦٨: " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب الخ ". حتى أن القرآن يأمر محمدا ﷺ أن يسأل أهل الكتاب إن حصل عنده شك في القرآن ليتثبت به، واستدل بآية " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك " [يونس: ٩٤].ثم يربطها " وهذا كتاب - أي القرآن - أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه الخ" [الأنعام: ٩٨] ويقول: قال البيضاوي في تفسيرها: يعني التوراة أو الكتب التي قبلها ثم ذكر بعدها: " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب [المائدة: ٤٨]: أي من جنس الكتب المنزلة. ومهيمنا عليه: أي رقيبا على جميع الكتب يحفظها من التغيير ويشهد لها بالصحة والثبات، هكذا قال البيضاوي (٣). ثم أن القرآن شهد شهادات مفصلة، ومبينة لأجزائه الثلاثة؛ أي التوراة والزبور والإنجيل في سورة [آل عمران آية ٣، ٤]: " وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس ". ثم يصف حال اليهود: " وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله " [المائدة: ٤٣] وآية: " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون -إلى أن قال فيها - ومن لم يحكم بما أنزل. كما ذكر أن اشتهار الأناجيل وانتشارها شرقا وغربا ووصول الروايات - وإن اختلفت - والتحقق منها هو دليل على أمانة أهلها في النقل وصحة الكتاب المقدس. وقد طالب رحمت الله فندر بالسند المتصل في محفل المناظرة لكنه اعتذر عن تقديمه نظرا لفقده؛ حيث تعرضت البلاد لأحداث عظام فقد على أثرها ذلك السند. وقد ذكر رحمت الله بأنه قد كان الكذب والخداع في الفرقة المسيحية بمنزلة المستحبات الدينية وكان أرجن من الذين أفتوا بجواز جعل الكتب الكاذبة ونسبتها إلى الحواريين والتابعين أو إلى قسيس من القسيسين المشهورين، كما هو مصرح في الحصة الثانية من الباب الثالث من تاريخ كليسيا المطبوع سنة ١٨٤٨ م لوليم ميور بلسان الأردو وكان سلسوس يصيح في القرن الثاني: "إن المسيحيين بدلوا أناجيلهم ثلاث مرات أو أربع مرات بل أزيد منها تبديلاً كأن مضامينها أيضاً بدلت" وكذا (فاستس) من علماء فرقة (ماني كيز) كان يصيح في القرن الرابع: "بأن هذا الأمر محقق أن هذا العهد الجديد ما صنفه المسيح ولا الحواريون، بل صنفه رجل مجهول الاسم، ونسب إلى الحواريين ورفقائهم خوفاً من أن لا يعتبر الناس تحريره

стр. 158

ظانين أنه غير واقف على الحالات التي كتبها، وآذى المريدين لعيسى إيذاء بليغاً بأن ألف الكتب التي توجد فيها الأغلاط والتناقضات" (١). وورد في الفصل الثاني عنده أنه يرد على موضوع النسْخ المتهم به الإنجيل من قبل المسلمين بذكر بعض الآيات من القرآن الكريم؛ حيث يستشهد بها على جواز نسخها في القرآن - فقط - وأنه لا توجد آية منها تدل على نسخ القرآن للكتب السابقة مثل: إن نسخ بمعنى أزيل أو أبطل لم يرد في القرآن إلا في موضعين اثنين: الأول من سورة البقرة آية ١٠٦ وهو قوله سبحانه " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها "، والثاني من سورة الحج آية ٥٢ وهو قوله سبحانه " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته " فلا توجد في الموضع الأول ولا الموضوع الثاني أقل إشارة تدل على أن القرآن ناسخ للكتاب المقدس، بل هو ناسخ لنفسه في بعض أجزائه وأيد قوله ببعض مقولات - ذكرها - لرحمت الله الهندي في كتابه إظهار الحق بأن الزبور ليس بناسخ للتوراة وليس بمنسوخ من الإنجيل. من الواضح أن فندر لا يفرق بين نسخ الأحكام ونسخ العقائد، ويرى أن العهدين القديم والجديد يكملان بعضهما البعض وعلى أساس أنهما لا يمكن نسخهما وأن القرآن - في رأيه - لم يثبت نسخهما فالقرآن بذلك يكون مجرد ناقل. ذكر أنه قد اقتبس أحد الحواريين مقالة إرميا التي ذكرها آنفا في هذا الصدد، وبين أن ذكر العهد الجديد الذي بشر به إرميا يدل على أن يهود عصره كانوا يعتقدون بأن الطقس الموسوي شاخ وهرم وقارب على الاضمحلال واحتاج إلى العهد الجديد .. انظر رسالة العبرانية ٨: ١٣ ثم يقول: واعلم أن الحق بحسب جوهره ثابت ودائم غير قابل للتبديل أو النسخ، فالحقائق التي وردت في العهد القديم يجب أن تبقى حقا إلى ما لا نهاية .. ولا يقال إنه شرحها وأبرزها في شكلها الروحي الذي يلائم الناس في كل زمان ومكان. فيرى أن الطقوس يمكن أن تتبدل لتتحول إلى شيء روحاني فهي بذلك لا تنسخ كالبذرة أوالشجرة، فبهذه المعاني قد خرج من دائرة المعنى المراد النسخ إلى دائرة تطرق فيها لدائرة فلسفية بمعان أخرى، فمن المعلوم أن الحقائق لا يمكن أن تنسخ، أما الأحكام فقد يعتريها التغيير تبعا للزمان والمكان؛ أو تبعا لحال الأمم وقت نزول التشريع وعلى ذلك فالنسخ جائز في الأحكام لا في الاعتقادات. لكن فندر يرى أنه لا يجوز النسخ في الأحكام كذلك فضلا عن المعتقد؛ حيث قسم الوصايا إلى طقسية وأدبية، واستنتج أنه كما لا يمكن نسخ الوصايا الأدبية مثل: الزنا والسرقة ... الخ فلا يمكن أن ينسخ الإنجيل أو التوراة، وأن المسيحيين لم يلتزموا فقط بالوصايا الطقسية .. ومن هذا المنطلق فقد غير وصف المعنى في الذبيحة من ذبيحة حيوانية إلى ذبيحة النفس؛ حيث اكتفى المسيحيون بها كما اكتفوا بذبيحة المسيح. كذلك اعتبر دم المسيح هو الغسيل الروحي؛ لأن غسيل الجسد في التوراة غير كاف لتطهير النفس " لتطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح، مكملين القداسة في خوف الله " (٢ - كورنثوس) فلا يمكن اعتبار تطهير الجسد علة لتطهير الروح، ويستدل بذلك على أن الدين للجميع غير مخصوص بأمة في زمان أو مكان معينين وهو بهذا يعد استغناء عن حرفية الشريعة إلى روحانياتها على حسب قوله. كذلك حرف الختان من معناه الحقيقي المادي

стр. 159

إلى معنى روحي تمييزا عن اليهود .. على أن المسلمين لا يعدون أيضا غسيل الجسد بديلا عن غسيل الروح، ومن المعلوم أن القرآن نسخ بعض الأحكام التي فيها الصالح العام ولجأ إلى النسخ لأنه لم يعمد إلى تقديمها بصورة مباشرة للناس؛ فقد راعى التدرج فيها في جانب التطبيق؛ كاجتناب الخمر والمسكرات، وبهذا فقد كانت الآية تنسخ الآية السابقة؛ لأنه قد حان وقت اجتنابها بعد أن كانت مباحة في السابق؛ لتهيئة المخاطب بالشرع الحنيف. لا يعتبر عدم سفر المسيح إلى أماكن أخرى - نهيا - جرى للتلاميذ عن السفر دائما، ولا أن رسالتهم مختصة في بني إسرائيل فقط؛ حيث يستدل أنها أوامر وقتية تنتهي بانتهاء زمنها؛ فيمكن للمسيحيين السفر ونشر الدعوة دون التقيد بمكان مخصص، وعلى هذا يقاس الأمر بالشريعة. أما في الفصل الثالث فيفترض فيه أن كلام الله لا يقبل التغيير، ويستنتج من ذلك أنه لا يقبل النسخ؛ افترض من كلام رحمت الله أنه يشترط وجود النسخة الأولى من أي كتاب مقدس حتى لو تطابقت مع النسخ اللاحقة، ليستدل بها على عدم وجود نسخ- افتراضات يبنى عليها حقائق بسرعة خاطفة حيث يقول: " لا يؤخذ منها أن التوراة انعدمت من الوجود بسبب حرق كل نسخها، كما أنه لا ينعدم القرآن إذا أحرق، لأنه كان يوجد حفظة للتوراة كما يوجد حفظة للقرآن الذين في إمكانهم أن يدونوه في الكتب " ... لكن النسخة الأولى للقرآن موجودة ومشهود على نقلها ومسندة سندا يتصل إلى زماننا الحاضر عكس الإنجيل فإن السند منقطع، ولا يدل حرق نسخ القرآن أو الإنجيل على انعدام وجود الآيات؛ فلا علاقة بين كلام الله الموجود وبين إثبات أن هذا الكلام هو كلام الله، وأن هذه النسخة من كلام الله؛ فمن أدراني أن الله تعهد بحفظ كلامه في نسخة دون أخرى، سوى اتصال ذلك السند المعتبر إلى حينه. ما معنى قوله مثبت ولم يقدم دليل الإثبات أو السند! ؛ حيث تعرض لذلك في كتابه، ويفترض أن عزرا يوحى إليه! . ذكر أن من أدلة السند المعتمدة للتوراة هي مبلغ عنايتهم بها، دون أي إسناد، ثم ذكر " تعدد قراءات التوراة؛ فوجود اختلافات لفظية مع وحدة المعنى أليس هذا برهانا على أنه لم يكتبها شخص واحد، ولا كتبت في عصر واحد .. ثم أنه يوجد فيها ما يشبه التناقض في أخبار بعض الوقائع، والمسائل التي ليس لها مساس في الجوهر، وهو بالحقيقة ليس بتناقض؛ فوجود شيء من هذا القبيل في أسفار التوراة مع سكوت اليهود عنه وعدم تجاسرهم على تسويته، الدليل قوي على تمسكهم بالمتون الأصلية واستحفاظهم عليها مهما يكن من أمرها " ثم ذكر _ وكان على المسلمين من باب أولى أن أزالوا شبه التناقض هذا، وخصوصا في آية: " وإن من أهل الكتاب ليؤمنن به قبل موته " إذ قرئت قبل موتهم، وهذه القراءة يزول معها الالتباس، فما كان أيسر عليهم أن يثبتوا القراءة الثانية محل الأولى، لكنهم لم يفعلوا حرصا على الأصل .. هكذا يدل وجود شبه التناقض الواقع في أسفار التوراة على أمانة أهلها ... ! وهنا لا يفرق فندر بين الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم المثبتة، والموثقة بالروايات المحفوظة، وبين التناقض اللفظي الغير مسند؛ حيث إن القراءات المختلفة وردت تخاطب قبائل العرب المختلفة في ذلك الزمن، والتي كانوا يفرقون فيها بين الألفاظ فمثلا: لفظة "اجلس" عند قبيلة تأتي بمعنى مغاير عند قبيلة أخرى، وإن أردت إثبات الجلوس فعليك

стр. 160

أن تتلفظ كلمة " اقعد " بدلا من اجلس؛ حيث الجلوس عندهم بمعنى القفز وافتراش محل الجلوس وليس القعود بالمعنى المتعارف عليه، وأن التناقض اللفظي في الإنجيل جاء بناء على عدم تقديم إثبات محل التناقض في ألفاظ الآيات لإثبات وحدة معناها - كما ورد عند العرب - فالشاهد هو ذلك الإسناد الذي يعتمد تلك الألفاظ كأنها جوهر لمعنى واحد، على شرط ألا يأتي اللفظ ونقيضه في آن واحد ككلمة اجلس ولا تجلس على أساس أنهما من نفس الجذر مع استخدام النفي؛ فهذا لا يمكن عده أصلا يعتد به في وحدة المعنى مع اختلاف اللفظ؛ لأنهما لفظان متضادان تماما؛ فالجائز هو التبديل والاستبدال بلفظة أو حرف مغاير كالسفر وأمسفر باستبدال الألف باللام لا على سبيل النفي التام - وكما ورد في الإنجيل! - ويرد رحمت الله على ذلك بإيراد عبارات التناقض؛ ففي يوحنا ٥: ٣١ (إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقا) ويوحنا ٨: ١٤ (إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق) وكاختلاف اللفظ (صانع - ضد) السلام اختلافا كليا أو تضادا كليا كما في متى ٥: ٩ - ١٠: ٣٤، ولوقا ٩: ٥٦ - ١٢: ٤٩ - ١٢: ٥١ .. فهل المسيح صانع للسلام أم ضد السلام! ؟ وبهذا يثبت الفرق بين معنى الاختلاف ومعنى التناقض. يفترض دائما أن الإنجيل حرف بعد عصر محمد ﷺ ، وأنه إن ثبت أن ما تحت أيديهم من الإنجيل هو ما كان في زمن النبي، فإنه قد ثبت عدم تحريفه! تحدث في قضية سند الأناجيل أن كل أرقام السنوات التي يأتيها في خانة كتابة الإنجيل غالبا ما تأتي بين سنة كذا وسنة كذا، وبينهما عشر سنوات على الأقل، وليس هناك تحديد جازم لزمن كتابة الإنجيل .. يقول: تم قبول بعض الأناجيل باعتبارها وحيا، ورفض الآخر على أنها خطأ. يقول: "ويعقب .. على إحصائه " الأناجيل " بهذه الملاحظة ص ٨٠: إن بعض المسيحيين لم يقرروا رسالة يعقوب، ولا رسالة يهوذا، ولا الرسالة الثانية لبطرس، ولا رسالتي يوحنا الثانية والثالثة، ولا سفر الرؤيا، لكن بعد التحري الدقيق اقتنعنا بأن هذه الأسفار قانونية ويجب قبولها ضمن أسفار العهد الجديد، بعد التأكد القوي أنها وحي الله ". والتحري الدقيق لا يمكن قبوله دون تقديم سند واضح وجلي وهو مالم يستطع تقديمه من خلال المناظرة الكبرى بينه وبين رحمت الله علاوة على ذلك فقد أثبت التحريف في عدة مواضع ولم يستطع إثبات أو تقديم الأصل. يستدل على أن التحريف لا يمكن حدوثه، لأن كلام الله لا يتغير، والكتاب المقدس من كلام الله - ويستدل بأقوال العلماء - وذكر أن التحريف المقصود هو تحريف كلام الرسول بعد اللقاء به، والخروج من عنده، والجدير بالذكر أن فندر لم يعش طويلا حتى يرى التحريف العصري الذي لم يقتصر فقط على تحريف السابقين والذي تنبه له الدكتور المحقق أحمد عبد القادر ملكاوي أثبت منه رحمت الله في (يوحنا ٥: ٧ - ٨) طبعة ١٨٦٥ م وطبعة ١٩٨٣ م حيث تم التحريف للانتصار لعقيدة التثليث وبالرجوع إلى طبعة ١٨٢٥ م وطبعة ١٨٢٦ م نجد أن الآب والابن والروح القدس تأتي بلفظ الروح والماء والدم، وانظر الفارق في المطبعة الكاثوليكية عام ١٩٨٢ م وطبعة مطابع الحرية عام ١٩٨٣ م فإذا كانوا يحرفون كلامه حاضرا فكيف لا يحرفون ما بأيديهم سنوات! (١).

стр. 161

لا يرد على كل الشبهات ويفندها، على الرغم من إيراد الأقوال بنفسه؛ فأورد تفسير الرازي لكيفية التحريف في الإنجيل وأن البيضاوي ذكر أنه ربما وقع في عصر ﷺ لكن الرازي أكده، والتحريف عبارة عن إبدال لفظ بآخر أو إلقاء الشبه الباطلة أو تغيير المعنى المراد بعد الاجتماع مع النبي وأن شهرة الإنجيل تمنعه من إلحاق ذاك التبديل أو التغيير فيه! لكن بالرجوع إلى تفسير الرازي (ج ١٠ - ص ٩٥) (١) تبين أنه أغفل عن ذكر وجه التحريف الرابع المذكور وهو التحريف بتأويل النص تأويلا فاسدا، وأن الجمع بين تلك الآية وآية سورة المائدة فيثبت الأمران في أنهما يخرجون النص من الكتاب وفي ذات الوقت يأولونه تأويلا فاسدا، وهذا مما يشهد على فندر بعدم الأمانة العلمية في النقل والتحري. وكعادته يقول: " حاول بعض الكتاب المسلمين أن يثبتوا وجود اختلاف كثير بين أسفار الكتاب المقدس، وزعموا أن هذا الاختلاف دليل على تحريفه، غير أن الكتاب المطلعين ذوي العقول الراجحة، والأفكار النيرة، يسلمون إنه إن كتب كاتبان أو أكثر عن واقعة حال، وكتب كل منهم بمعزل عن الآخر، تأتي كتاباتهم مختلفة اختلافا ظاهريا، ولكن إن اتفقت اتفاقات ما يستدل من اتفاقهم على أنهم متواطئون .. والاختلاف الظاهري بين أسفار الكتاب المقدس أعظم دليل على أمانة أهله! ويكثر من قول: إدراج بسلامة نية - أخطأ بسلامة نية .. كيف يمكن قبول مثل هذا في المتن! إلقاء بعض الشبه مثل أن: عمر بن الخطاب، وعثمان، غيرا وأخفيا آيات وسورة من القرآن ثم ذكر " فلا يهمنا التحري عما إذا كانت هذه الدعوى صحيحة أو مختلفة ". وقد دأب على إثبات حججه بمجرد القول دون إسناد أو مرجع مثل: بالرجوع إلى بعض الآيات التي تشير وتؤكد إلى كتب سابقة، وأن الأناجيل مكملة، وبهذا يستنتج أن المخطوطات تعود إلى زمن المسيح دون سند واضح! ويذكر أن العهد القديم يتضمن الوحي الإلهي الذي كتبه الأنبياء والمرسلون إلى زمن المسيح، وأكثر الأسفار متوجة بأسماء الذين كتبوها- ما عدا القليل منها - حيث يعرف كاتبوها من التقاليد القديمة! .. ومع ذلك فإن شهادة المسيح لها وتصديقه عليها - كما صرح القرآن - لا يدع سبيلا للارتياب فيها. وهي تفسيرات مخالفة لصريح نص القرآن. يعد تقسيم الأسفار عملا دنيويا لا علاقة له بالتشريع." وتقسم في الوقت الحاضر إلى أربعة وعشرين سفرا ".بلغت الأسفار ٣٩ سفرا، وهو التقسيم الذي اعتمد عليه المسيحيون. تجاهل ذكر التيه، وقصة عبادة العجل! وذكر " وحدث مرارا كثيرة في غضون المدة التي أقاموها في أرض كنعان أنهم سقطوا في وثنية بقايا الشعوب الأصليين، فجازى الله شعبه بأن سلط عليهم الوثنيين، فقهروهم، وكدروا صفو حياتهم، إلا أنه كلما تابوا إليه، ورجعوا إلى عبادته، تعالى نصرهم على أعدائهم - نصرا باهرا- على أيدي أفراد اصطفاهم من بينهم ".إن تعبير "سقطوا في الوثنية": يدل على تحول دينهم تحولا كبيرا بشكل لا يستبعد أبدا تزييف حقائق دينهم الأصلي، وفقد السند، أوالتواتر بالحفظ، أو بالنقل.

стр. 162

قال: "خلفه ابنه سليمان، وبعد نهاية حكمه ثار عشرة أسباط على خلفه رحبعام، وخرجوا عن طاعته، وشيدوا لهم مملكة هي مملكة إسرائيل " .. كيف يثورون على الأنبياء المعصومين وإن لم يكونوا معصومين، فلم طاعتهم كانت في البداية، وإن أخطأوا فكيف تقبل نقولاتهم، وأنهم مرسلون من قبل الله؟ ! وعلى ما تقدم - يمكننا أن نخلص من التوراة أن مقصد الله في معاملة بني إسرائيل هذه المعاملة، وتسجيل وقائعهم، وتواريخهم الهامة، بين أسفار الوحي في أشياء منها: أولا: أن يظهر لهم، ولأهل العصور المقبلة، أن القلب البشري يميل إلى العصيان والتمرد! "بالرغم من نعم الله"؛ فتلك المقولة تشير إلى تفوق الرجل في مهارة الإلقاء، وجانب الروحانيات، وتهيئة القارئ للحديث عن النصارى وحكايتهم. ثانيا: دليل قبول الكفارة أن الآب أقام الابن من الأموات (يقصد المسيح). ثالثا: يستدل في سورة الأنبياء آية ٩١ (وجعلناها وابنها آية للعالمين) على أن عيسى هو المخلص بقوله (انظر القرآن)؛ أي أن القرآن يشير ويؤكد أن عيسى هو المخلص، وليخلص شعبه من خطاياهم، على أن الآية القرآنية تشير إلى أنها أم، والمسيح ابن لها وليس ابنا لله. يرى أن أسفار العهد القديم والجديد إنما هي إعلان واحد من لدن الله، أما العهد القديم فيشرح لنا كيف دخلت الخطية إلى العالم، وكيف وعد الله بالخلاص منها، وأما العهد الجديد فيشرح كيف أكمل الله ذلك الوعد، وكيف قدم المسيح حياته كفارة عن خطايا العالم. كما يرى أن الأنبياء والرسل ليسوا ملوكا ولا ولاة، بل (منذرين) ينذرون الناس أن يتوبوا عن خطاياهم، ويرجعوا إلى الله الحي، كما أنهم ليسوا بمعصومين من الخطية، وأنه لم يعش أحد معصوما من الخطية سوى المسيح، ولنا الأدلة الكافية على عصمته منها: شهادات الأنبياء، والقرآن، مع نسبته الخطايا للأنبياء الآخرين لم ينسب منها واحدة ليسوع. استدل ببعض الآيات على عدم عصمة الأنبياء في القرآن وبنصه منها آية (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب) لكن في الحقيقة هي لا تعني ذنبا، وإنما سلب للملك ثم إرجاعه (١) [سورة ص: ٣٤]. كما استدل بعدم عصمة المصطفى. في الحقيقة أن ذنوب الأنبياء تختلف عن ذنوب البشر؛ حيث إنها من باب ترك المستحبات، كما أنها تثبت بشرية المصطفى، وأنه لا يعلم الغيب، وأن الرسول ﷺ لم يثبت خطأه، كما أنه معصوم في تبليغ الوحي؛ لأن الرسل معصومين من كبائر الذنوب، كذلك صغائرها، فيما لا تدل على خساسة قدر ... مقارنة بما ذكر في الكتاب المقدس! ويتساءل فندر ويستدل بسورة المعارج آية ١٩ (إن الإنسان خلق هلوعا)! ألا يشمل ذلك عيسى ﵇! كذلك سيدنا نوح يستعيذ بالله أن يسأله ما ليس به علم في سورة هود (٤٤ - ٤٧) وأما موسى ﵇ فقد ظلم نفسه بالخروج ثم بالعودة بعد رؤية الاقتتال، وهو فعل شيطاني. إن قتل الكافر ليس عليه إثم أو دية، وإن ما فعله موسى ﵇ أنه وكزه فقط، وربما كان استغفار نوح من عجلة العقاب قبل عقاب الله لهم؛ فالعارف غير الإنسان العادي فالمعاملة مختلفة، والرسول محمد ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولا تقارن ذنوبهم بما ذكر في الكتاب المقدس.

стр. 163

إن عصمة الأنبياء تشمل (١): العصمة الأخلاقية: وهي ملكة إلهية تمنع من فعل المعصية والميل إليها مع القدرة على ذلك. وبدورها تشمل جانبين: - جانب الإثبات: تثبت للأنبياء مجموعة من الصفات الأخلاقية الحميدة واللازمة. - جانب التنزيه: يتعلق بكونهم قدوة البشر الحسنة وأسوتهم الصالحة، وقادتهم الملهمة، فلو قدر وقوعهم في المعاصي، وارتكابهم الموبقات واقترافهم الآثام لسقطت عنهم مؤهلات القيادة والقدوة. العصمة في التبليغ: حفظ الله لأنبيائه حتى يبلغوا رسالات ربهم. يفترض أن العبادات والشعائر الإسلامية وقتية شكلية محددة؛ عكس المسيحية، جاءت لطهارة الأبدان والقلوب في كل وقت، ولا ترتبط بوضوء أو بصلاة محددتين، ويرى أن العهد الجديد شريعة مجددة بشريعة العهد القديم. يرى إذا وُجد مخلصٌ يمكنه أن يكفر عن الخطايا، ويحرر أسرى الخطية - وحيث إن كل البشر خطاة، فليس منهم من يقدر أن يكفر عن البقية - فيجب أن يكون إنسانا، وإلا فلا يصح أن يكون نائبا عنا ... وما الفرق إذا بين المخلص وصكوك الغفران! . أما في الفصل الرابع فبنى وأثبت أن المسيح المخلص - وما أتى به من معجزات - قد أثبتتها التوارة التي حفظت بأيدي اليهود، ولغتهم إلى اليوم، ولا يمكن أن تكذب. كذلك يفرق بين المولود والابن وكأنه يؤكد المعنى القرآني " لم يتخذ صاحبة ولا ولدا "؛ فالابن يشير لمعنى مجازي، ثم يحاول إثبات أن الابن وكلمة الله - الواردة في القرآن - لهما نفس المعنى الدلالي؛ فبذلك فمقولة الآب والابن والروح القدس ليست إلا تثليثا مجازيا وتوحيدا حقيقيا؛ وهو بالتالي يعود فينقض فكرة التثليث. يضاف إلى ذلك أنه ساوى بين الأقانيم الإلهية، والصفات الإلهية، وذكر أن عيسى المخلص يستحيل أن ينفصل أقنومه. كيف أن المخلص يستحيل عليه أن ينفصل أقنومه في حين أنه انفصل! ولم لا يكون الإنسان كذلك به عدة أقانيم، أو أن عيسى صفة؟ ! .ويساوي بين الابن والصفة أي بين كلمة الله وصفات الله، والكلام غير الصفة غير العقل! . وعاد فنقض كلامه في تساوي الأقانيم واتحادهم وعدم انفصالهم؛ في أن الآب أرسل الابن والروح القدس للخلاص والإقناع. لا يفرق بين الحواري والرسول، وعلى هذا الأساس فجميع الحواريين رسل، وأخذ يضرب بالقرآن - بعض الأمثلة - بذكر الحواريين وأن الحواري كلمة حبشية تعني رسول! .

стр. 164

كما ذكر في الفصل الخامس أنه قد ورد في التوراة نصوصا صريحة تحذر بني إسرائيل أن لا يقبلوا أي نبي من ذرية إسماعيل؛ لأن عهد الله كان مع إسحاق لا إسماعيل (تك ١٧: ١٨ - ٢١ و ٢١: ١٠ - ١٢) ولا يأخذنك العجب إذا قلت لك أن القرآن نفسه يؤيد رأي التوراة من هذه الحيثية؛ لأنه يصرح في مواضع كثيرة أن النبوة موكولة إلى بني إسرائيل، ومن ذلك قوله في سورة العنكبوت آية ٢٧ " ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب ... الخ وقوله " ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين " سورة الجاثية آية ١٥ .. وإن تأكيد وإثبات القرآن لا ينفي ما عداه، وكذلك كانت النبوة بالفعل في ذريتهما. ظهرت صيغة تهكم منه تجاه العرب واضحة! تث ٣٢: ٢١ " هم أغاروني بما ليس إلها أغاظوني بأباطيلهم فأنا أغيرهم بما ليس شعبا بأمة غبية أغيظهم " قالوا: إن الأمة الغبية المشار إليها هنا هي أمة العرب التي أرسل منها محمد ﷺ ؛ حيث لا يمكن أن تكون أمة اليونان التي أرسل إليها بولس وبقية رسل المسيح؛ لأن أمة اليونان لم تكن غبية بل كانت أهل حكمة وعلم! .وفي موضع تال ذكر- " وكانت تلك الأمم في اعتبار اليهود أمما غبية وثنية! ثم أكد بآيات من الإنجيل على علو اليهوديين الأمم " وأما أنتم فجنس مختار، وكهنوت ملوكي " إلى أن قال " اللذين قبلا لم تكونوا شعبا وأما الآن فأنتم شعب الله الذين كنتم غير مرحومين وأما الآن فمرحومون ". يرد على المسلمين في زعمهم أحقية نبوة محمد ﷺ في التوراة والإنجيل، وطريقته في الرد ليست بنقض الكلام من زوايا مختلفة، أو اعتبارات غير ما ورد في كتابهم المقدس ... هذا باعتبار صحة سنده واتصاله؛ حيث رد على التعبيرالوارد في القرآن الكريم (روح الله) بأنه ليس محمدا ﷺ - كما فسرها المسلمون - ووجه إبطال الشبهة لديه بأن المسلمين أنفسهم يقولون في قضية صلب عيسى: بأنه شبه لهم - كشخص آخر - فالشاهد لديه يؤكد أنها روح المسيح وقد دخلت جسدا آخر، وكأن الروح لا تنطبق إلا على عيسى ﵇ فقط - وهذا يتطلب بدوره إنكار أعراضه الجسدية؛ لأنه دخل جسدا غير جسده فمن الذي يتألم المسيح أم المصلوب؛ أي الروح أم الجسد! وفي الحقيقة وجه الاعتراض الإسلامي لا ينصب - أصلا - على فكرة الأغراض الجسدية وفقط؛ فالروح أمر من أوامر الله وهي قوة تحيي النفس في الجسد. أما بقية الكتاب فقد ورد فيه قوله مثلا: "ضرب على توقيع علي بن أبي طالب - بالنيابة عنه - تحت إمضاء رسول الله، وكتب ابن عبد الله "، فلم أجد لها أصلا أو دليلا. كما يثبت النسخ في القرآن بتحريف شيعي، ولا يفرق بين نسخ الحكم، ونسخ المعنى أو الحقيقة، وبين من ينسخ، ولماذا! . ويزعم أن قضية حرق نسخ القرآن أيام عثمان لا تبطل الزعم بعدم التحريف، بل تؤكده. وعلى خلاف عادته أورد نقطة مهمة في الاختلاف النحوي حول (اثنتي عشرة أسباطا أمما) لكنه على عادته لم يكمل الآية؛ فعشرة تؤنث على أمة وليس سبطا وغيره، مما تعده اللغة بلاغة وسلاسة، يعده خطأ!

стр. 165

ثم يقول أنه لا يمكن أن يثبت أن الرسول محمد ﷺ وعد بالنصر الذي تحقق في جميع الحالات، ولم يلحق به في غيرها. يردد عبارات (من المحتمل، غير معلوم، قال بعض العلماء) - عبارات مبهمة وغير واضحة. كما ذكر تعبير (مشاهير المؤرخين) دون ذكر من هو، ونسب ذي القرنين إلى اسكندر دون سند واضح. يرى أن التمتع بالملذات الدنيوية يجلب الشقاء في الدنيا والآخرة. يناقش الآيات من منظوره الشخصي، لا من الحقائق والأدلة التي وردت في باب المعجزات؛ فيصل إلى نتيجة مفادها عدم وجود معجزات؛ فحجيته ضعيفة، واستنتاجاته أضعف؛ لأنها مبنية على حجج سابقة ثبت ضعفها. - يزعم أن " دنت الساعة وانشق القمر " كما في سورة الانشقاق " اقتربت الساعة وانشق القمر " وردت في شعر امرؤ القيس في المعلقات السبع، بينما ينكر المسلمون نسبتها إليهم؛ فهي بدون مصدر موثوق به عند المسلمين. الاستنتاج: ١ - موضوع كتابه عن القضايا الخمس المشهورة يتداخل لعرض تلك القضايا بعضه مع بعض. ٢ - تم ترتيب الموضوعات ترتيبا جيدا طبقا لحججهم؛ حيث إذا ما نقض حجة ما كحجة التحريف والنسخ فيستطيع استغلالها في قضية أخرى تالية مثل: التثليث، أما إذا بدء بالعكس بالتثليث ثم التحريف فلا تكون الحجة قوية. ٣ - يستطرد في بعض النقاط كثيرا ولكن من الواضح أن الكتاب يرد على مزاعم المسلمين. ٤ - أفلح فندر جزئيا فيما قصد إليه بتشكيك المسلمين في دينهم عن طريق اجتزاء الآيات وإيهام القارئ بصحة كلامه وإلى ما شابه ذلك. ٥ - يعتبر المسيحيون كتاب فندر هو عمدتهم حتى الآن ولذا فقد أضاف إلى علومهم الكثير.

стр. 166

الفصل الثالث "منهج دراسة الأديان عند رحمت الله "

стр. 167

مدخل سيتم من خلال هذا الفصل دراسة منهج رحمت الله من خلال مناظراته وكتبه وقضاياه المثارة بينه وبين القس فندر، ويشمل ذلك العرض والتحليل. إن عقيدة الإيمان في الإسلام تشمل شقين هما: القول والعمل وانقسم العمل إلى قول اللسان وقول القلب، أما العمل فانقسم إلى عمل القلب وعمل الجوارج، ويعتبر الإنسان مسلما، موحدا، لا يخلد في النار، إذا ما حصل الثلاثة الأولى - تحصيلا كافيا - كذلك توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، أما عمل الجوارج فهو: ميزانه الذي يرجح به إما إلى جنة دون عذاب، أو إلى نار، حتى يستوفي أجله وعقابه، وكل هذا مرهون برحمة الله. أما المذاهب الإسلامية فشملت عدة مذاهب مشهورة ومعروفة: كالحنبلي والشافعي والمالكي والحنفية وهذه المذاهب ليست مذاهبا في الإيمان، لكنها مذاهب فقهية في الأحكام فقط. وتشمل علوم القرآن والسنة: المقيد والمطلق - المجمل والمبهم - العام والخاص - الراجح والمرجوح - ترتيب الأولويات (قرآن - سنة .. الخ). فلا يوجد تناقض بين آيات القرآن الكريم؛ حيث مردها إما إلى إطلاق المقيد، أو العكس تقييد النص المطلق، أو تفسير المبهم، أو تخصيص العام، أو تعميم الخاص، أو بين النص راجح ومرجوح؛ بناء على درجة إسناده واعتماده. ويتم تفسير القرآن بالقرآن أو القرآن بالسنة ... الخ. أما عن رحمت الله فقد قسم كتابه " إظهار الحق " إلى أبواب شاملة، وفصول مستوعبة، وأقوال مختلفة، وأجزاء مكملة، وأوجه ممكنة، وأدلة عقلية ونقلية، وشواهد نصية، وشبهات مرفوعة، ومسالك مؤدية، وهدايات واجبة، وأمثلة منوعة. كما قسم كتابه "التنبيهات" إلى عدد من التبيهات الخاصة بالاحتياج إلى البعثة والحشر تناول فيها عددا من القواعد العلمية المنطقية العقدية العقلانية. كما تناولت مناظرته مع القس فندر مسائل خاصة ببعض أبواب وموضوعات أثيرت في كتابه، وأثيرت في تلك الآونة، ومازالت تثار إلى الآن، وهما: قضيتا النسخ والتثليث. تطرق " إظهار الحق " إلى قضايا أخرى غير التي أثيرت في المناظرة مثل: قضية التثليت، وقضية النبوة، وقضية القرآن الكريم بين الإنكار والإثبات.

стр. 168

المبحث الأول منهج رحمت الله تنبه الشيخ رحمت الله لأخطار التنصير المحدقة بمسلمي الهند، ولضخامة الجهود التي يبذلها المنصرون بمساعدة الاستعمار الانجليزي، فترك وظيفته في التدريس وتفرغ لمقارعة المنصرين، والرد عليهم بالقلم واللسان، فدرس النصرانية - في مصادرها الأصلية - حتى فاق علماءها المتخصصين فيها، ثم بدأ يؤلف كتبه للرد على المنصرين؛ ولذلك تركزت معظم مؤلفاته في هذا المجال، ولما تمتاز به مؤلفاته من تحقيق علمي وتدقيق لم يسبق إليه، كان الشيخ رحمت الله في عصره أستاذ الهند - بلا منازع - في علم مقارنة الأديان والرد على النصارى (١). طبع كتاب إظهار الحق بالفارسية عام ١٨٤٩ م، وطبع بالأردو عام ١٨٥٠ م، وسبقته محاولات من علماء سبقوه، للرد على المنصرين أمثال ((٢): - جيروم كزافييه (١٠٢٦ هـ - ١٦١٧ م) في كتابه (المرآة المرئية للحق) ورد عليه أحمد بن زين العابدين في (الأنوار الإلهية في دحض خطأ المسيحية). - هنري مارتين وقد ترجم الإنجيل إلى الفارسية والأردية. - فندر ترجم كتابه " ميزان الحق " من الفارسية إلى الأردية عام ١٨٣٣ م، وألف كذلك كتاب طريق الحياة، ومفتاح الأسرار، وحل الإشكال، وإظهار الدين النصراني، ورد عليه الشيخ ناصر الدين أبو المنصور الدهلوي في كتابه " ميزان الميزان "، وكذلك رد عليه الشيخ محمد آل حسن الرضوي في كتابه " الاستفسار"، وظهر كتاب فندر " معدل اعوجاج الميزان " بالأردية، و"إزالة الأوهام" بالفارسية، و"ميزان الحق" بالعربية، فظهر بالانجليزية عامي ١٨٣٣ م و ١٨٤٣ م وبالفارسية عام ١٨٤٩ م وبالأردية عام ١٨٥٠ م وبعدة لغات عام ١٩٨٣ م في سويسرا. ظهرت أول نسخة من إظهار الحق- نسخة السلطان عبد العزيز خان - عام ١٢٨٤ هـ / ١٨٦٧ م تلاها نسختين في القاهرة - نسخة السلطان عبد الحميد خان - الأولى عام ١٢٩٤ هـ والثانية ١٣٠٥ هـ بدار الطباعة العامرة، ثم نسخة ١٣٠٩ هـ بالمطابع الخيرية، ثم نسخة ١٣١٦ هـ بالمطبعة العلمية، ثم نسخة ١٣١٧ هـ بالمطبعة المحمودية، ثم نسخة ١٣٨٤ هـ بمطبعة الرسالة بعابدين، ثم طباعة نفس النسخة مرتين في الدوحة بقطر، ثم نسخة منارة لفراج ودار التراث للسقا ١٣٩٨ هـ. شملت النسخة المحققة للدكتور الملكاوي من كتاب إظهار الحق النسخة العربية والتركية وجميع النسخ المختلفة، كما شملت هذه النسخة - كذلك - جل ما كتبه رحمت الله من كتبه السابقة - إجمالا - وتفصيلا - ومن خلال أهم المسائل.

стр. 169

أما عن خطورة كتاب ميزان الحق فتكمن في الهجوم الشديد على دين الإسلام (١)؛ فقد كان في ردوده على الشيخ هادي علي - مؤلف كتاب كشف الأستار للرد على مفتاح الأسرار لفندر - لا يتورع عن نسبته إلى الكفر، والعمى، والتعصب، والتكبر، وسوء الفهم، كما قال في حق الشيخ محمد آل حسن - مؤلف كتاب الاستفسار للرد على ميزان الحق - كلاما في غاية القبح، ونسبه إلى الكفر، وعدم المبالاة، وأن فهمه أنقص من فهم الوثني، وأن الإنصاف والإيمان غائبان عن قلبه، كما نسب د. محمد وزير خان إلى الدهريين، بينما غضب فندر غضبا شديدا من نسبة الشيخ رحمت الله لفظ الفرار إليه عندما حاول التهرب من المناظرة (٢). إن كتب رحمت الله الأخرى مكتوبة إما بالفارسية أو الأردية، ولا يعرف الباحث تلك اللغات ماعدا رسالة بالعربية تتعلق بالتنبيهات على الاحتياج إلى البعثة والحشر، أما كتبه الأخرى فمفقودة. أما عن فندر فقد اعتمد الباحث فيه على ما توفر باللغة العربية والإنجليزية من كتبه، وما تكلم فيه عن المسائل الخمس خصوصا، وأقوال الغربيين في فندر. اعترف فندر وفرنج بتحريف كتب أهل الكتاب في سبعة أو ثمانية مواضع أصلية، وبوجود أربعين عبارة اختلاف، ولأن هذه المناظرة جرت في مجلس عام ضم حوالي ١٠٠٠ شخص فسميت بالمناظرة الكبرى (٣). ولو كان فندر يعلم أن مجيئه إلى تركيا، وكذبه على السلطان عبد العزيز خان، وتزويره أخبار المناظرة سيكون سببا في تأليف هذا الكتاب لفضل البقاء في بلاده ... ؛ لأنه لما سمع السلطان أخبار المناظرة الكبرى من فندر استدعى الشيخ رحمت الله من مكة لمناظرة فندر في تركيا ... ، وطلب من الشيخ أن يقص خبر المناظرة، فلما استبان للسلطان طول باع الشيخ في هذه الموضوعات وتمكنه منها، طلب منه تأليف كتاب باللغة العربية يضم مسائل المناظرة الخمس (٤). وفي الصفحة الأولى من المخطوطة أقسم الشيخ رحمت الله على كل من أبصر خطه - كتاب إظهار الحق - بهذا القسم: " أقسم بالله على كل من أبصر خطي حيثما أبصر أن يدعو الرحمن لي مخلصا بالعفو والتوبة والمغفرة " (٥). (من أسباب ذيوع الكتاب): أرى أن من أسباب ذيوع الكتاب شرقا وغربا هو إخلاص الشيخ - نحسبه والله حسيبه -عند كتابة الكتاب، ويتبين ذلك فيما ورد عنه: سلم النسخة الأولى منه بخط يده العربي إلى رئيس الوزراء خير الدين باشا التونسي، فقرأ في المقدمة أن تأليفه كان استجابة لرغبة الشيخ أحمد دحلان إمام المسجد الحرام بمكه فراجعه رئيس الوزراء بهذا الخصوص وأنه هو والسلطان طلبا منه ذلك ولم يذكرهما، لا للسمعة

стр. 170

والرياء ولكن تقريرا للحق والواقع، وإكراما لمركز الخلافة، فأجابه الشيخ رحمت الله بأن هذا غرض ديني سام، يجب أن يكون خالصا لوجه الله ولا يشوبه أي غرض دنيوي أو تزلف إلى سلطان، وأن الشيخ دحلان هو أول من اقترح عليه ذلك، فكان جوابه مقبولا، وارتفع في عين السلطان، وعرف أنه من طلاب الآخرة (١). قواعد رحمت الله مقارنة بسابقيه: - من منظور الدكتور ملكاوي- من خلال ما خبر من تحقيقاته العلمية (٢): ولئن كان العلماء قديما وحديثا يعدون العدالة في البحث، وعدم ظلم الخصم وتقرير حجته كما وردت، والابتعاد عن الفحش والبذاءة والتجريح، من صفات البحث النزيه، ومن علامات الباحث عن الحق، فإن هذه الأشياء تجدها واضحة في كتاب (إظهار الحق)، ونلمح بالإضافة إليها المميزات التالية التي امتاز بها هذا الكتاب. - خطة الهجوم كثير من العلماء الذين كانوا يتعرضون للرد على المنصرين والمستشرقين يضعون دينهم موضع المتهم ويقفون موقف الدفاع عنه فقط، إلا أن الشيخ رحمت الله في كتاب إظهار الحق - وكذا في مناظرته - لم يكتف بموقف الدفاع عن العقائد الإسلامية، بل سلك مسلك الهجوم على الخصم وعقائده وأدلته وكتبه، وألجأ خصمه إلى موقف الدفاع بدل الهجوم، ولا يخفى ما في خطة الهجوم هذه من تأثير في أفكار الخصم، وزلزلة معتقداته التي استعلى بها زمنا طويلا. - كتب العهدين تاريخ غث كثير من العلماء يضعون التوراة والإنجيل والقرآن على قدم المساواة أثناء ردودهم، وهذا ما يريده أعداء الإسلام؛ لأن كتبهم المحرفة الوضعية ترتفع بذلك إلى منزلة تكسبها الثقة والتقدير، علما بأن أهل الكتاب لا يدعون أنها كلام الله بألفاظها ونصوصها، فأبان الشيخ رحمت الله في كتابه إظهار الحق عن هذه الحقيقة التي يجب على المتعرض لهذا الموضوع اصطحابها، وعلى المقارن بين الكتب الثلاثة أن يعرف ابتداء أن كتب العهدين لا تعدو أن تكون روايات تاريخية مختلطة والغث منها كثير، ولا تصل بأية حال إلى مستوى أقل كتب السيرة شأنا عند المسلمين، وأنها ألفت في فترات زمنية مختلفة، وفيها أقوال وأفعال منسوبة لغير واضعيها، بل قد يكون السفر منها بأكمله منسوبا لغير كاتبيه، وعلى فرض صحته فالسند مفقود. - أدلة واضحة ونتائج علمية قاطعة

стр. 171

لم يجنح الشيخ رحمت الله إلى الأدلة الغامضة والاستنباطات المعقدة، بل ساق أدلته في إظهار الحق بكل وضوح وسهولة في الاستنباط والترتيب، فجاءت كأنها نتائج رياضية علمية لا يختلف فيها اثنان. وقد ابتعد في أدلته عن الفرعيات التي تكون عادة مثار جدل طويل، وركز على نقد العقائد الأساسية التي يكفي إبطال الواحدة منها لهدم الأصول التي يعتمد الخصم عليها. - أدرج مقدمات وفوائد وتنبيهات - كثرة أدلته وشواهده إثباته لوقوع التحريف اللفظي بأنواعه الثلاثة (بالتبديل، والزيادة، والنقصان) وكشف أخطاء كثيرة بين النسخ المختلفة زمنا ولغة، فتجده يشير إلى النسخة العبرانية واليونانية والسامرية، أو الترجمة الإنجليزية والعربية والفارسية والأردية، وهذه القدرة على المقارنة بين النسخ والترجمات والطبعات القديمة والحديثة لكتب العهدين، وتقسيمه ما بينها من فوارق إلى اختلافات وأغلاط، واستشهاده على ذلك بمئات الشواهد، وتقسيمه التحريف إلى أنواعه الثلاثة، وإشاراته إلى مفارقات لم يكن يعلم بها علماؤهم، كل ذلك يدل على تمكنه التام في هذا الفن، وأنه أعلم بكتب العهدين من علمائها، بل إنه يجيب على الاعتراضات التي يمكن أن يجاب بها على وجود هذه الاختلافات والأغلاط والتحريفات. ثم توصل إلى أن كتاب تقع فيه مثل هذه الاختلافات والأغلاط والتحريفات الزيادية والحذفية والتبديلية لا يمكن أن يطلق عليه أنه كتاب سماوي، ولا أن تكون كتابته بطريق الإلهام، وأن الاحتجاج به ساقط عن الاعتبار. وقد وضح الشيخ أن فندر في ميزان الحق كان ينقل أقوال علماء المسلمين ويزيد فيها أو يحذف منها أو يبدل حسب المصلحة، وأنه كان يعكس المنقول أحيانا ويجيب عليه، وأنه كان يطلع على كتب الردود الإسلامية ويأخذ اعتراضات العلماء على الخصم ويجعلها أقوالا لهم ليؤيد بها حجته، وإن وجد لهم أكثر من قول يترك القوي منها ويأخذ أضعفها فيقويه ويزعم أنه ما وجد غيره. وعليه فلا مبالغة في القول بأن إظهار الحق هو الميزان الصحيح لميزان الحق. - التزامه بما يسلم به خصمه من أسفار وأقوال كبار العلماء والمحققين والمفسرين لديهم فأما الأدلة العقلية فهي معطلة عندهم في مقابل النصوص المحرفة، بل صرح كثير من علمائهم أنه يتوجب على من يريد قراءة كتب العهدين أن يلغي عقله أولا؛ لذا تسلح الشيخ بسلاحهم، وغاص في بطون كتبهم، فاستخرج مما فيها بطلان ما فيها، وأثبت تحريفها ونسخها بنفس آياتها، وأثبت وحدانية الله تعالى ونبوة محمد ﷺ بنفس آيات أسفارها التي حرفت قصدا لإنكارهما. - ذكره لأمهات المسائل

стр. 172

وكان ترتيب الشيخ لأبواب هذا الكتاب بحسب رغبته في ترتيب موضوعات المناظرة، فبدأ بالتحريف فالنسخ فالتثليث فإعجاز القرآن، ثم ختمها بموضوع النبوة، ولا شك أن هذا هو أنسب ترتيب علمي منطقى متصل الحلقات في هذه الموضوعات الخمسة المهمة، فقدم موضوع التحريف على النسخ؛ لأن الكتاب المحرف لا يبقى شك في أنه سينسخ بغيره، وإذا ثبت التحريف والنسخ ناسب أن يذكر بعدهما موضوع التثليث وألوهية المسيح. وإذا ثبت بطلان كتبهم بالتحريف والنسخ، وبطلان عقيدتي التثليث وألوهية المسيح - وإنكارهما مدار إبطال النبوة عندهم - ثبت أنه لم يبق لهم دليل ولا حجة ضعيفة في إنكار نبوة محمد ﷺ ، ولما كانت المعجزة دليلا من أدلة النبوة ناسب تقديم الحديث عن إعجاز القرآن قبل موضوع النبوة. يعد إظهار الحق هو خلاصة كتب الشيخ ومجموع ما ألف في الهند في تلك الفترة. تحدى الشيخ رحمت الله في مقدمته للكتاب القسيس فندر وسائر علماء النصارى أن يردوا على ما في كتابه. يقول د. الملكاوي: "ولما توافرت لي هاتان النسختان العربية والتركية - اللتان لم تتوفرا قط لأحد من قبلي، ولما كنت أنا أول من حقق المناظرة الكبرى، وصار عندي خبرة واسعة بالشيخ ومؤلفاته وأسلوبه وكتاباته، رأيت واجبا علي الإقدام على تحقيق هذا الكتاب العظيم" (١). يعتبر العمل الذي قام به رحمت الله قمة نضج المنهج الإسلامي في الرد على النصارى؛ فهو ضبط للمنهج يجمع بين الحجة المنطقية، والتعويل على استمداد المعلومة من النص المقدس عند أهل الكتاب. تعتبر الهند لمساحتها القارية من أكبر البلاد ثراء دينيا وتنوعا عرقيا، إذ تجتمع على أرضها تقريبا جميع الديانات، السماوية منها، والوضعية. ولعوامل تاريخية، وأخرى حادثة، يمكن تقسيم الحالة الدينية إلى قسمين: أولا: يعتبر الإسلام العدو الرئيس بالنسبة للإنجليز المحتلين لذلك عملت على محاصرته وترويضه ثم القضاء عليه بجميع الوسائل ففرقت بين عامة المسلمين وبين العلماء. ثانيا: تم إنشاء أول هيئة تنصيرية بروتستانتية عام ١٧٩٢ م. جمعية لندن التبشيرية عام ١٧٩٥ م. جمعية التبشير للكنيسة الإنجيلية ١٧٩٩ م. ومن خلال نشر الفكرة القومية المخالفة للإسلام، والعمل على إنشاء فرق ضالة تدعي الإسلام مثل: القاديانية والبهائية (٢)؛ حيث"عرف الإنجليز أن عقيدة الجهاد من أعظم العقائد عند المسلمين؛ فظلوا يبحثون عن كاتب مسلم يستطيع أن يقف مع الإنجليز ويعلن إلغاء

стр. 173

فريضة الجهاد، بل يمكنه أن يقول بتحريم جهاد المستعمر الإنجليزي، ولقد وجدوا بعد بحثهم الدؤوب ضالتهم في ميرزا غلام أحمد - وكان مصابا بالهيستريا والصداع والسرسام (١) - الذي نشأ في أسرة معروفة بخدمة المستعمر الإنجليزي، فساعدوه على بث أفكاره المنحرفة مثل ادعاء أنه المهدي، ثم ادعاء النبوة في مقابل دعوته إلغاء فريضة الجهاد في الإسلام؛ ولذا فإن الصلة قوية بين الاستعمار الإنجليزي وبين ظهور القاديانية والعمل على انتشارها في شبه القارة الهندية" (٢)؛ وقد جرت محاولات حوارية سابقة قادها علماء من الهند مشهورين، عرفوا بأهليتهم العلمية، وقدرتهم على الجدل لما أتوه من الحكمة وحسن النظر، إلا أن محاولات عفوية ظلت عرضية يحكمها عامل الجغرافيا لانحسارها في مدينة دون أخرى، والأهم من ذلك عدم شهودها الناس، ومن ذلك: - المناظرة التحريرية بين الشيخ عبدالباري والقسيس عماد الدين. - مناظرة الشيخ شرف الحق للقسيس ليغرابي في دلهي، والقسيس روفيس في غازي بور. - المناظرة التحريرية بين الشيخ محمد آل حسن الموهاني والقسيس فندر والتي تواصلت لمدة سبعة أشهر. والسبب المباشر لتأليف الكتاب فقد نص عليه رحمت الله صراحة في المقدمة بقوله: " ثم وقع لي الاتفاق أن وصلت إلى مكة شرفها الله تعالى، وحضرت عتبة الأستاذ العلامة السيد أحمد بن زيني دحلان فأمرني أن أترجم باللسان العربي هذه المباحث الخمسة من الكتب التي ألفتها في هذا الباب، فهو إذا استجابة لدعوة شيخ العلماء يومها. وسيتم دراسة رحمت الله من خلال كتبه ومناظرته وقضاياه كما يلي: منهج رحمت الله من خلال كتبه ١ - كتاب إظهار الحق والقضايا المثارة: بدأ كتابه بتمهيد ثم يصف رحمت الله الحالة التي وصلوا إليها وأسباب تأليف الكتاب والقيام بالمناظرة! حيث تناول أسباب الوصول إلى تلك الحالة، فقال: " وكانوا يتدرجون فيها، حتى ألفوا الرسائل والكتب في رد أهل الإسلام، وقسموها في الأمصار بين العوام ... وكان عوام أهل الإسلام إلى مدة متنفرين عن استماع وعظهم ومطالعة رسائلهم ... لكن تطرق الوهن بعد مدة، في نفور بعض العوام ... ولم أكن أهلاً لهذا الخَطبْ العظيم الشأن، لكني لما اطلعت على تقريراتهم، وتحريراتهم، ووصلت إليَّ رسائل كثيرة من مؤلفاتهم ... فألفت أولاً الكتب

стр. 174

والرسائل، ليظهر الحال على أولي الألباب، واستدعيت ثانياً من ... أن يقع بيني وبينه مناظرة (١). شمل كتابه مقدمة وستة أبواب، واخطط رحمت الله بعض القواعد في بداية كتابه فذكر: المقدمة - في بيان الأمور التي يجب التنبيه عليها (٢): ١ - النقل عن كتب علماء البروتستانت بطريق الإلزام والجدل. ٢ - يكون النقل من خلال التراجم أو التفاسير أو التواريخ لتلك الفرقة؛ حيث هي المتسلطة على مملكة الهند ومن علمائها وقعت المناظرة. ٣ - التبديل والإصلاح بمنزلة الأمر الطبيعي لهم، فمن لم يكن واقفا على عادتهم يظن أن الناقل أخطأ والحال أنه مصيب؛ فبين رحمت الله الكتب التي ينقل عنها وهي: أترجمة الكتب الخمسة لموسى ﵇ طبعة وليم واطس العربية بلندن عام ١٨٤٨ م من النسخة الرومية عام ١٢٦٤ م. ب ترجمة وليم واطس لكتب العهدين عام ١٨٤٤ م. ت ترجمة العهد الجديد بالعربية طبعة بيروت عام ١٨٦٠ م. ث التفاسير (آدم كلارك لندن عام ١٨٥١ م - هورن ط ٣ عام ١٨٨٢ م - هنري واسكات - لاردنر عام ١٧١٧ م ١٠ مجلدات - دوالي ورجردمينت عام ١٨٤٨ م - هارسلي - واتسن - ترجمة فرقة البروتستانت بالإنجليزية عام ١٨١٩ م - ١٨٢٠ م - ١٨٢١ م - ١٨٣٦ م - ترجمة العهدين لرومن كاثلك دبلن عام ١٨٤٠ م بالإنجليزية. ٤ - إن صدر عن قلمه ما يوهم بسوء الأدب للكتب أو الأنبياء المسلمين عندهم فلا يحمل على سوء اعتقاده في حقهم بل هو من قبيل إنكار التحريف والأباطيل مثل أن: داوود ﵇ زنا بإمرأة أوريا وحملت بالزنا منه، وأشار إلى أمير العسكر لأن يدبر أمرا يقتل به أوريا فأهلكه بالحيلة وتصرف في زوجته، وأن هارون صنع عجلا وبنى له مذبحا فعبده هارون مع بني إسرائيل وسجدوا له وذبحوا الذبائح أمامه، وأن سليمان ارتد في آخر العمر وعبد الأصنام وبنى المعابد لها ولا يثبت من كتبهم المقدسة أنه تاب بل الظاهر أنه مات مرتدا مشركا. ٥ - قد تخرج كلمة تثقل على المخالف ألا ترى أن المسيح ﵇ كيف خاطب الكتبة والفريسيين مشافهة بهذه الألفاظ مثل: (متى: ٢٣)، (لوقا: ١١) (ويل لكم أيها الكتبة الفريسيون المراءون ... وأيها الفريسي الأعمى، وأيها الحيات والأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم) ولفظ الكلاب على الكنعانيين الكفار (متى: ١٥)، وكيف خاطب لوثر جناب الباب مج ٧ ص ٢٧٤ ط ١٥٥٨ م ( .. امش مشيا هينا يا بولسي الصغير، واحفظ نفسك يا حماري من السقوط احفظ نفسك يا حماري البابا ... أيها الأشرار الغير مبالين الحمقاء الأذلاء الحمير، أأنتم تتخيلون أنفسكم أنكم أفضل من الحمير، إنك أيها البابا حمار بل حمار أحمق وتبقى حمارا دائما .. الخ، والظاهر أن أمثال هذه الألفاظ يكون إطلاقها على

стр. 175

الخصم جائزا عند علماء البروتستانت ... فيقول رحمت الله: " إن شاء الله لا أذكر عمدا لفظا يوازن لفظا من ألفاظ مقتداهم في حق علماء المسيحية، ولكن لو صدر من غير العمد لفظ لا يكون مناسبا لشأنهم في زعمهم فأرجو منهم المسامحة والدعاء؛ فقد قال المسيح ﵇: (باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم) (متى: ٥) ". ٦ - كثر الملحدون الذي يستهزئون ويسيئون الأدب فلا يظن أحد أن النقل عنهم هو استحسان لأقوالهم وأفعالهم بل منكر المثبت مثل منكر عيسى كمنكر محمد ﵈، بل النقل لتنبيه علماء البروتستانت ليعلموا أن ما أوردوا على الإسلام ليس بشيء بالقياس مما أورد أهل ديارهم على المسيحيين. ٧ - الاجتزاء عند النقل وعدم نقل كل كلام المخالف بل ينقلون الأقوال الضعيفة ثم يقولون: إن جميع كتابه من هذا القبيل ثم يقومون بالتأويل والجواب به. ومن المعلوم أن الكتاب إن لم يكن إلهاميا يوجد فيه عادة أقوال ضعيفة فألا يوجد عند لوثر مثلا إلى هذا الحين بحيث لا يكون في كلامه خطأ أو ضعف وخلاف الإنصاف أن يفعل رحمت الله هذا الشيء - كما بين - وكما لا يقدر من ينقل بعض كلامه دون الآخر. ثم يشير إلى أن لكتاب الميزان نسختين قبل ظهور كتاب الاستفسار، فطبع القس ردا عليه في نسخة فارسية جديدة عام ١٨٤٩ م وأردية جديدة كذلك عام ١٨٥٠ م، وصارت النسخة القديمة كالمنسوخة عندهم، ويقول عنها: " فلا أنقل عنها إلا قولا واحدا ... وأنقل عن هذه الجديدة بطريق الأنموذج أربعة وعشرين قولا، وعن كتاب حل الإشكال المطبوع سنة ١٨٤٧ م تسعة أقوال، وقولين عن مفتاح الأسرار القديم والجديد على سبيل الترجمة باللسان العربي مع الإشارة إلى الباب والفصل والصفحة ... • قضية النسخ: فصل القول فيها وذكر عدة أقوال منها: يقول: في الفصل المذكور في الصفحة ٢٦: "لا بد أن تبقى أحكام الإنجيل وكتب العهد العتيق جارية ما دامت السماوات والأرض بمقتضى هذه الآيات"، وهذا غلط؛ لأنه إن كان مقتضاها بقاء أحكام العهدين يلزم أن يكون جميع القسيسين واجبي القتل، لأنهم لا يعظمون السبت، وناقض تعظيمه على حكم التوراة واجب القتل، على أنه أقر في هذا الفصل في الصفحة ١٩: "أن الأحكام الظاهرية" من التوراة "كملت بظهور المسيح، ونسخت بمعنى أنها ما بقيت محافظتها لازمة" فهذه الأحكام الظاهرية على اعترافه ما بقيت جارية ما

стр. 176

دامت السماوات والأرض، وتكميلها ونسخها بالمعنى المذكور عندهم هو نسخ الأحكام المصطلح عندنا، ... ونسخ الحواريون بعد المشاورة جميع الأحكام العملية المدرجة في التوراة إلا أربعة أحكام: حرمة ذبيحة الصنم، وحرمة الدم، وحرمة المخنوق، وحرمة الزنا، وكتبوا في هذا الباب كتاباً إلى الكنائس، كما هو مصرح في الباب الخامس عشر من كتاب الأعمال. ثم نسخ مقدسهم بولس من هذه الأربعة أيضاً الثلاثة الأولى بفتوى الإباحة العامة المندرجة في الآية الرابعة عشر من الباب الرابع عشر من رسالته إلى أهل رومية، وفي الآية الخامسة عشرة من الباب الأول من رسالته إلى طيطوس، فهذه الأحكام المنسوخة من كليهما ما بقيت جارية ما دامت السماوات والأرض، فالصحيح فيه عن الحوادث الآتية كما اختار المفسر (دوالي ورجردمينت) على مختار القسيس (بيرس) (ودين استان هوب) وستعرف في الباب المذكور، وليست هذه الإضافة للاستغراق؛ ليفيد أن كل كلامي يبقى إلى الأبد، سواء كان حكماً أو غيره، وأنه لا يصح أن ينسخ حكم من أحكامي، وإلا لزم كذب إنجيلهم في الأحكام المنسوخة، على أن عدم الزوال في الآية الثانية كان مقيداً بقيد الكمال، وقد حصل كمال أحكام التوراة في الشريعة العيسوية على زعم القسيس النبيل فلا مانع للزوال بعده، ولفظ إلى الأبد في الآية الثالثة محرفٌ إلحاقيُّ لا وجود له في أقدم النسخ وأصحها، ولذلك كتب قوسان في جانبه هكذا (إلى الأبد) في النسخة العربية المطبوعة سنة ١٨٦٠ م في بيروت ... وقول بطرس الحواري (كلمة الله) الحية (الباقية إلى الأبد) كقول أشعيا (كلمة ربنا تدوم إلى الأبد) فكما لا يفيد قول أشعيا ﵇ عدم نسخ حكم التوراة، فكذلك لا يفيد قول بطرس عدم نسخ حكم الإنجيل، والتأويل الذي يجري في قول أشعيا هو بعينه يجري في قول بطرس؛ فهذه الآيات الأربعة لا يصح التمسك بها في مقابلة أهل الإسلام لإبطال النسخ المصطلح (عليه) عندهم، ولذلك كانت أقوال القسيس النبيل مضطربة في التمسك بهذه الآيات وقت المناظرة التي وقعت بيني وبينه، كما لا يخفى على ناظر (١). • قضية التحريف: يقول فيها: " قال طامس انككلس كاتلك في الصفحة ١٧٦ و ١٧٧ من كتابه المسمى (بمرآة الصدق) وهو بلسان الأردو وطبع سنة ١٨١٥ م: (إن نظرتم إلى الزبور الرابع عشر فقط الذي هو موجود في كتاب الصلوات العام الذي يظهر عليه علماء البروتستنت رضاهم وقبولهم بالحلف، ثم طالعتم هذا الزبور في الكتاب المقدس للبروتستنت لوجدتم أن أربع آيات في كتاب الصلوات ناقصة بالقياس إلى الكتاب المقدس، لكن هذه الآيات إن كانت من كلام الله فَلِم تركوها، وإن لم تكن من كلام الله، فَلِمَ لَمْ يُظهروا عدم صدقها في كتاب الصلوات، والحق الصريح أن البروتستنتيين حرفوا كلام الله، وهذا الخبر الذي عن الأمر المستقبل إما بالزيادة أو بالنقصان " (٢). • قضية عصمة الأنبياء: ذكر رحمت الله عدة أقوال، يقول في إحداها: " في الصفحة ٥٤ في الفصل الثالث من الباب الأول من ميزان الحق هكذا: " واعتقادنا في النبي هذا، أن الأنبياء والحواريين وإن كانوا قابلي السهو والنسيان في جميع الأمور لكنهم معصومون في التبليغ والتحرير"، وهذا أيضاً غلط كما سيظهر في الفصل الثالث من الباب الأول، وفي الباب الثالث عشر من سفر الملوك الأول في حال النبي الذي جاء بأمر الله من يهودا إلى (يور بعام) ثم رجع إلى يهودا بعد ما أخبر بأن المذبح الذي بناه (يور بعام) يهدمه السلطان (يوشيا) الذي يكون من أولاد داود ﵇ ... وهذا النبي الشيخ الصادق النبوة قد افترى على الله وكذب في التبليغ، وخدع رجل الله المسكين، وألقاه في غضب الرب وأهلكه، فثبت عدم عصمتهم في التبليغ كذلك " (٣).

стр. 177

• قضية الكتب المقدسة: ذكر رحمت الله عدة أقوال يقول في إحداها: " في الفصل السادس من الباب الثاني في الصفحة ١٥٦، عد القسيس النبيل من الإخبارات بالحوادث الآتية التي يستدل بصدقها على كون الكتب المقدسة كتباً إلهية الخبر المندرج في الفصل الثامن والثاني عشر من كتاب دانيال، والخبر المندرج في إنجيل متى من الآية ١٦ إلى ٢٢ من الباب العاشر، وهذه الأخبار الثلاثة غير صحيحة، كما بين في الفصل الثالث من الباب الأول في الغلط الثلاثين والحادي والثلاثين والثامن والتسعين " (١). • قضية انقطاع السند: يقول فيها: " استدل فندر بقول سلسوس بأن من كتب الأناجيل هم الحواريون حيث ورد في الصفحة ١٤٦: سلسوس كان من علماء الوثنيين في القرن الثاني وكتب كتاباً في رد الملة المسيحية، وبعض أقواله موجودة إلى الآن، لكنه ما كتب في موضع أن الإنجيل ليس من الحواريين " (٢). رد رحمت الله هذا القول بوجهين: أولاً: فلأنه أقر بنفسه أن كتابه لا يوجد الآن، بل بعض أقواله موجودة فكيف يعتقد أنه ما كتب في موضع، وعندي هذا الأمر قريب من الجزم (بأنه) كما أن علماء البروتستنت ينقلون أقوال المخالف في هذه الأزمنة، فكذلك كان المسيحيون الذين كانوا في القرن الثالث وما بعده ينقلون أقوال المخالف، ونقل أقوال سلسوس أرجن في تصنيفاته، وكان الكذب والخداع في عهده في الفرقة المسيحية بمنزلة المستحبات الدينية ... ويضيف: "رأيت بعيني الأقوال الكاذبة التي نسبت إلى المباحثة التي طبعها القسيس النبيل بعد التحريف التام في بلد أكبر أباد، ولذلك احتاج السيد عبد الله الذي كان من متعلقي الدولة الإنكليزية، وكان من حُضّار محفل المناظرة، وكان ضبطها بلسان الأردو أولاً ثم بالفارسي وطبعهما في أكبر أباد، إلى أن كتب محضراً وزينه بخواتيم المعتبرين وشهاداتهم مثل قاضي القضاة محمد أسد الله، والمفتي محمد رياض الدين، والفاضل الأمجد علي، وغيرهم من أراكين الدولة الإنكليزية وأهل البلدة". ثانياً: فلأن هذا القول ليس بصحيح في نفس الأمر، لأن سلسوس كان يصيح في القرن الثاني: " إن المسيحيين بدلوا أناجيلهم ثلاث مرات أو أربع مرات بل أزيد منها تبديلاً كأن مضامينها أيضاً بدلت" وكذا (فاستس) من علماء فرقة (ماني كيز) كان يصيح في القرن الرابع: "بأن هذا الأمر محقق أن هذا العهد الجديد ما صنفه المسيح ولا الحواريون، بل صنفه رجل مجهول الاسم، ونسب إلى الحواريين ورفقائهم خوفاً من أن لا يعتبر الناس تحريره ظانين أنه غير

стр. 178

واقف على الحالات التي كتبها، وآذى المريدين لعيسى إيذاء بليغاً بأن ألف الكتب التي توجد فيها الأغلاط والتناقضات" (١). ونبه رحمت الله على أن الباعث على التحريف هو عناد الدين المسيحي، وجعل الترجمة اليونانية غير معتبرة، ومن بعض الألفاظ المحرفة الألفاظ التي فيها بيان زمان الأكابر، ولا يضر ادعاؤهم شهادة المسيح في حق التوراة بعد تسليمها أيضاً لأنهم يدعون بعد مدة من عروج المسيح، وليس هؤلاء ثلاثة أو أربعة بل هم الجمهور من القدماء المسيحيين (٢). كما تعرض رحمت الله لبعض عادات فندر (٣): (العادة الأولى): ذكر رأي صاحب كتاب الاستبشار: "ما رأينا قسيساً من القسيسين كاذباً غير مبال بالقول الكذب مثل القسيس فندر"، ثم ذكر رحمت الله: " ولما كان نقل أقواله مفضياً إلى التطويل الممل فالأولى أن أتركه وأكتفي على هذا القدر، وإذا نبهت على هذه العادة فأستحسن أن أنبه أيضاً على العادتين الأخريين لتحصل للناظر بصيرة ". (العادة الثانية): من عاداته أنه يأخذ الكلمات التي تصدر عن قلم المخالف بمقتضى البشرية في حقه أو في حق أهل مذهبه ولا تكون مناسبة لمنصبه أو لمنصب أهل ملته في زعمه فيشكر عليها ويجعل الخردلة حبلاً ولا يلتفت إلى ما يصدر عن قلمه في حق المخالف ... قال القسيس النبيل في حق الفاضل (هادي علي) مصنف كشف الأستار الذي هو رد مفتاح الأسرار في الصفحة الأولى من حل الإشكال: إنه يصدق في حق هذا المصنف قول (بولس) ثم نقل قوله، وفي هذا القول وقعت هذه الجملة أيضاً (إله هذا الدهر قد أعمى أذهان الكافرين) فأطلق عليه لفظ الكافر ... الخ (العادة الثالثة): أنه يترجم الآيات القرآنية ويفسرها تارة على رأيه ليعترض عليها في زعمه، ويدعي أن التفسير الصحيح والترجمة الصحيحة ما ترجمت به وما فسرت به، لا ما صدر عن علماء الإسلام ومفسري القرآن، وبين كماله على العوام ببعض قواعد التفسير مثلاً، فيقول: قال هذا النبيل: "لا بد للمفسر أن يفهم مطلب الكتاب كما كان في ضمير المصنف، فلا بد لمن طالع أو فسر أن يكون واقفاً على حالات أيام المصنف وعادة طائفة تربى المصنف فيها وعلى مذهبهم، وأن يكون واقفاً على صفات المصنف وأحواله أيضاً، لا أن يبادر بمجرد معرفة اللسان بترجمة الكتاب وتفسيره، وثانياً: لا بد أن يتوجه إلى تسلسل المطالب، ولا يفسد علاقة الأقوال السابقة واللاحقة وإذا فسر مطلباً، فلا بد أن يلاحظ معه كل مقام له مناسبة ومطابقة بهذا المطلب ثم يفسر".وكما ذكر رحمت الله فالحال أنه لا معرفة له بلسان العرب معرفة معتداً بها فضلاً عن الأمور الأخر، ولا يتوجه إلى تسلسل المطالب، ويفسد علاقة الأقوال السابقة واللاحقة كما سيظهر. رد رحمت الله التثليث ببعض الحكايات مثل:

стр. 179

(الحكاية الأولى) ما نقله الطيبي في شرح المِشكاة أن مسلماً كان يتلو القرآن فسمع منه بعض القسيسين هذا القول (وكلمتُهُ ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه) [النساء: ١٧١] فقال: إن هذا القول يصدِّق ديننا ويخالف ملة الإسلام؛ لأن فيه اعترافاً بأن عيسى ﵇ روحٌ هو بعض من الله، فكان علي بن حسين بن الواقد مصنف كتاب النظير حاضراً هناك فأجاب: بأن الله قال مثل هذا القول في حق المخلوقات كلها: ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه﴾ [الجاثية: ١٣] فلو كان معنى روح منه روح بعض منه أو جزء منه فيكون معنى جميعاً منه أيضاً على قولك مثله، فيلزم أن يكون جميع المخلوقات آلهة فأنصف القسيس وآمن. (الحكاية الثانية) استدل البعض من الفرقة المسيحية في البلد (دهلي) في إثبات التثليث، بقوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم بأنه أخذ فيه ثلاثة أسماء فيدل على التثليث، فأجاب بعض الظرفاء: إنك قصرت. عليك أن تستدل بالقرآن على التسبيع ووجود سبعة آلهة بمبدأ سورة غافر وهو هكذا: ﴿حم تنزيل الكتابِ مِنَ الله العزيز العليم غافرِ الذَّنب وقابِل التوبِ شديدِ العقاب ذي الطَّوْل﴾ بل عليك أن تقول: إنه يثبت وجود سبعة عشراً إلهاً من القرآن بثلاث آيات من آخر سورة الحشر التي ذكر فيها سبعة عشر اسماً من الذات والصفات متوالية، فإذا عرفت ما ذكرت حصل لك الاطلاع على ستة وثلاثين قولاً من أقوال القسيس النبيل. كما نبه رحمت الله كيف يكون الواجب في التعامل مع كلام الخصم؛ حيث ذكر: " لا بد أن ينظر إلى حال المخاطب، ويعترف بأن هذا القدر جواب شاف وكاف في جواب ميزان الحق، ومفتاح الأسرار وحل الإشكال وغيرها ... والمرجو أن ينقل أولاً عبارتي، ثم الجواب ليحيط الناظر على كلامي وكلام المجيب، وإن خاف التطويل فلا بد أن يقتصر على جواب باب من الأبواب الستة، ويراعي أيضاً في تحرير الجواب الأمور الباقية التي ذكرت في هذه المقدمة". ثم يضيف رحمت الله أمرا آخر وهو: (الأمر الآخر) أنه نقل أسماء العلماء والمواضع عن الكتب التي وصلت إلي بلسان الإنكليز، أو عن تراجم فرقة البروتستنت، أو عن رسائلهم باللسان الفارسي أو العربي أو الأردو، وحال الأسماء أشد فساداً من الحالات الأخر أيضاً كما لا يخفى على ناظر كتبهم فلو وجد الناظر هذه الأسماء مخالفة لما هو المشتهر في لسان آخر فلا يعيب عليه في هذا الأمر. بين رحمت الله في الباب الأول كتب العهد العتيق والجديد وقد اشتمل على أربعة فصول كما يلي: تحدث في الفصل الأول عن أسمائها وتعدادها (١) تعرض رحمت الله لشرح البيبل وعدد كتبه حيث ذكرأنهم يقسمون هذه الكتب إلى قسمين: قسم منها يدَّعون أنه وصل إليهم بواسطة الأنبياء الذين كانوا قبل عيسى ﵇، وقسم منها يدَّعون أنه كتب بالإلهام بعد عيسى ﵇، فمجموع الكتب من القسم الأول يسمى بالعهد العتيق، ومن القسم الثاني بالعهد الجديد، ومجموع العهدين يسمى (بَيْبِل) وهذا لفظ يوناني بمعنى الكتاب، ثم ينقسم كل من العهدين إلى قسمين: قسم اتفق على صحته جمهور القدماء من المسيحيين، وقسم اختلفوا فيه.

стр. 180

(أما القسم الأول من العهد العتيق) فثمانية وثلاثون كتاباً: وهذه الكتب الثمانية والثلاثون كانت مسلمة عند جمهور القدماء من المسيحيين. والسامريون لا يسلمون منها إلا بسبعة كتب: الكتب الخمسة المنسوبة إلى موسى ﵇، وكتاب يوشع بن نون، وكتاب القضاة. وتخالف نسخة توراتهم نسخة توراة اليهود. وأما العهد الجديد ففيه القسم الأول فيه عشرون كتاباً، وأما القسم الثاني من العهد الجديد فسبعة كتب وبعض الفقرات من الرسالة الأولى ليوحنا. مجالس العلماء والتشكيك في الكتب: ثم تحدث رحمت الله عن مجلس العلماء المسيحية بحكم السلطان قسطنطين في بلدة نائس في سنة ٣٢٥ ثلثمائة وخمسة وعشرين من ميلاد المسيح، ليشاوروا في باب هذه الكتب المشكوكة، ويحققوا الأمر، فحكم هؤلاء العلماء بعد المشاورة والتحقيق في هذه الكتب: أن كتاب يهوديت واجب التسليم، وأبقوا سائر الكتب المختلفة مشكوكة كما كانت وهذا الأمر يظهر من المقدمة التي كتبها (جيروم) على ذلك الكتاب ... فبعد انعقاد المجالس صارت هذه الكتب المشكوكة مسلمة بين جمهور المسيحيين، وبقيت هكذا إلى مدة ألف ومائتين، إلى أن ظهرت فرقة البروتستنت فردوا حكم هؤلاء الأسلاف في باب: كتاب باروخ، وكتاب طوبيا، وكتاب يهوديت، وكتاب وزدم، وكتاب ايكليزيا ستيكس، وكتابي المقابيين، وقالوا: إن هذه الكتب واجبة الرد وغير مسلمة، وردوا حكمهم في بعض أبواب كتاب أستير وسلموا في البعض؛ لأن هذا الكتاب كان ستة عشر باباً فقالوا: إن الأبواب التسعة الأولى وثلاث آيات من الباب العاشر واجبة التسليم، وستة أبواب باقية واجبة الرد. أسباب رد وإنكار الكتب: تمسكوا في هذا الإنكار والرد بستة أوجه: ] ١ [هذه الكتب كانت في الأصل في اللسان العبراني وغيرها ولا توجد الآن في تلك الألسنة.] ٢ [اليهود لا يسلمونها إلهامية.] ٣ [جميع المسيحيين ما سلموها.] ٤ [قال جيروم: إن هذه الكتب ليست كافية لتقرير المسائل الدينية وإثباتها.] ٥ [صرح كلوس أن هذه الكتب تقرأ لكن لا في كل موضع، فيقول رحمت الله: " إن فيه إشارة إلى أن جميع المسيحيين لا يسلمونها فيرجع هذا إلى الوجه الثالث".] ٦ [صرح يوسي بيس ص ٥٥ في الباب الثاني والعشرين من الكتاب الرابع: بأن هذه الكتب حرفت سيما كتاب المقابيين الثاني، ثم يتدارك رحمت الله ويطالب بالنظر إلى الوجه الأول والثاني والسادس كيف أقروا بعدم ديانة أسلافهم، بأن ألوفاً منهم أجمعوا على أن الكتب التي فُقدت أصولها وبقيت تراجمها وكانت مردودة عند اليهود، وكانت محرفة سيما كتاب المقابيين الثاني، واجبة التسليم. فأي اعتبار لإجماعهم واتفاقهم على المخالف؟ ؟ . وفرقة الكاثوليك (كاثلك) يسلمون هذه الكتب إلى هذا الحين تبعاً لأسلافهم. ثم تحدث في الفصل الثاني على أن أهل الكتاب لا يوجد عندهم سند متصل لكتاب من كتب العهد العتيق والجديد (١).
следующие страницы →