← Акыда

Акыда · id 132410

منهج دراسة الأديان بين الشيخ رحمت الله الهندي والقس فندر

شريف فياض

Полный текст (323 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

كانت المسيحية السلمية التي ترى لها حق القيام على كل دين يدخل تحت سلطانها، تراقب أعمال أهله وتخصهم دون الناس بضروب من المعاملة لا يحتملها الصبر مهما عظم حتى إذا تمت لها القدرة على طردهم بعد العجز عن إخراجهم من دينهم وتعميدهم، أجلتهم عن ديارهم، وغسلت الديار من آثارهم، كما حصل ويحصل في كل أرض استولت عليها أمة مسيحية استيلاء حقيقيا. أما الإسلام الحربي فكان يكتفي من الفتح بإدخال الأرض المفتوحة تحت سلطانه، ثم يترك الناس وما كانوا عليه من الدين يؤدون ما يجب عليهم في اعتقادهم كما شاء ذلك الاعتقاد، وإنما يكلفهم بجزية يدفعونها لتكون عونا لهم على صيانتهم والمحافظة على أمنهم في ديارهم، وهم في عقائدهم ومعابدهم وعاداتهم بعد ذلك أحرار (١). لقد جاءت المسيحية، حتى قبل تسنينها في عقيدة مغلقة، مصادمة لروح الفلسفة اليونانية في نقطتين ميتافيزقيتين أساسيتين: الخلق من عدم، والتجسد الإلهي؛ فالله في المسيحية هو وحده الخالد والكامل. والكون الذي لم يكن موجودا، هو من خلقه، ولسوف يكون مآله إلى مثل العدم الذي جاء منه بقرار إلهي أيضا، ولكن الكون في التصور السائد - وبخاصة الأرسطي - من الفلسفة اليونانية غير مخلوق، وقديم قدم الله نفسه، ومشارك في الماهية الإلهية بثباته وبثبات القوانين التي تنتظمه وتحكم حركته الأبدية؛ فالكون، بمعنى من المعاني، هو الله نفسه، وهو بلا تاريخ، وغير خاضع للتغيير؛ لأن حركته دورية وتغيراته لاتعدو أن تكون تكرارا أبديا. والحال أن المسيحية تقوم على فكرة مبادأة تاريخية جذرية تتمثل بتجسد المسيح الذي يحدث تغيرا انقطاعيا في مسار الكون والزمن معا. وبما أن الشق الذي انتصر وساد من المسيحية هو ذاك الذي يقول بألوهية المسيح، فإن فعل التجسد يعادل خرقا للثبات الإلهي والكوني معا، وهذا بالتحديد ما كان يشق كل المشقة على ورثة الفلسفة اليونانية أن يقبلوه (٢). التعريف بعيسى ﵇ (بين القرآن والأناجيل) اسمه ونسبه: الذي ذكر في القرآن من اسم عيسى ﵊ ونسبه أنه عيسى ابن مريم؛ حيث قد نسبه الله تعالى إلى أمه مريم؛ لأنه خلق من غير أب، قال الله تعالى: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين) (٣). جاء في القرآن أيضاً نسب أمه وأنها ابنت عمران قال الله تعالى: "ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها" (٤).

стр. 107

أما عند النصارى فاسمه يسوع جاء في لوقا (١) [(٣١: ١] "وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع" وقد جعلوا لعيسى ﵊ أباً وأخوة وذكر ابن حزم (٢) " اتفاق الأناجيل الأربعة على أنه كان له والد معروف من الناس وأخوة " (٣). وذكر في عدة مواضع من الإنجيل أن لعيسى أب منها قوله: "وعندما دخل بالصبي يسوع أبواه" [لوقا: ٢٧: ٢]، وأيضاً ذكر أن له أخوة كما جاء في متى (٤) [٥٥: ١٣] "وأخوته يعقوب وموسى وسمعان ويهوذا " وقد حكى الله الاختلاف في شأن عيسى ﵊ فقال: "فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم" [مريم: ٣٦] جاء في انجيل متى [٥٥: ١٣] ما يدل على أنه ابن النجار " أليس هذا ابن النجار أليس أمه تدعى مريم " وفي مرقس [٦: ٣] وفيه " أليس هذا النجار ابن مريم .. " مولده ونشأته: ذكر الله قصة ولادة عيسى في القرآن في عدة مواضع منها قوله: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا)] مريم: ١٦ - ٢٣ [ أما مكان ولادة عيسى ﵊، يذكر متى كيف ولد المسيح بقوله: "كانت أمه مخطوبة ليوسف وتبين قبل أن تسكن معه أنها حبلى من الروح القدس، وكان يوسف رجلا صالحا فما أراد أن يكشف أمرها " متى [١٨: ١ - ١٩]، وقد ذكر متى [١: ٢] أن المسيح ولد في (بيت لحم). وقد جاء في متى [٢: ١٣] " ظهر ملاك الرب ليوسف في الحلم وقال له قم خذ الطفل وأمه واهرب إلى مصر ... لأن هيرودس سيبحث عن الطفل ليقتله " فأقام فيها حتى مات هيرودس ثم رجع للناصرة. معجزاته: هناك أربع معجزات جمعها الله في قوله: "ورسولاً إلى بني اسرائيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين" [آل عمران: ٤٩] ونزول المائدة، وكلامه في المهد.

стр. 108

أما معجزات عيسى عند النصارى فتحفل الأناجيل بالحديث عن العشرات من المجانين والمصروعين والعميان والموتى والمشلولين الذين شفاهم السيد المسيح (١) وأحياناً يذكر إنجيل متى أن جموعاً كثيرة جاءت ليسوع فيهم العرج والعمى والخرس والشلل وطرحوا عند قدمي يسوع فشفاهم (٢). دعوته ﵊: جاء في لوقا [٣: ٢٣] "كان يسوع في نحو الثلاثين من العمر عندما بدأ رسالته " وقال الشهرستاني (٣): " وقد أوحى الله تعالى إليه إنطاقاً في المهد، وأوحى إليه إبلاغا عند الثلاثين. وكانت مدة دعوته ثلاث سنين" (٤). وقد كانت دعوة كل رسول هي التوحيد أولاً، قال تعالى: "ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" [النحل: ٣٦] وذكر الإنجيل دعوة عيسى إلى التوحيد "إن أول الوصايا هي: "اسمع يا اسرائيل. الرب إلهنا رب واحد وتحب الرب من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك" مرقس (٢٩: ١٢، ٣٠) إلا أن أتباعه ﵇ يفسرون هذه العبارة بالتثليث. وقد ذكر الله دعوته في القرآن الكريم (وقال المسيح يا بني اسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) [المائدة: ٧٢] ولقد كانت دعوة عيسى ﵇ موجهة إلى بني اسرائيل قال الله تعالى: "ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولاً إلى بني اسرائيل" [آل عمران ٤٨ - ٤٩] وجاء عند النصارى ما يدل على أنها مقصورة على بني اسرائيل كما جاء ذلك في إنجيل متى (١٥: ٢٤) (لم أرسل إلا إلى خراف بني اسرائيل الضالة) وفي لوقا (١٦: ١) "ويرد كثيرين من بني اسرائيل إلى الرب إلههم"، أما الصنف الثاني ممن يدعوهم عيسى ﵇ وهم أمة محمد ﷺ في آخر الزمان لكن بشرع نبينا (٥). وتعتبر عقيدة التثليث عند النصارى من أصول الاعتقاد التي لا يختلفون فيها في الجملة، وكان الملك الروماني قد جمع علماء النصارى في مجمع نيقية لمناقشة الخلاف في شخص المسيح، والذي حصل أن قسطنطين تبنى الرأي الذي اعتمد فيه تأليه المسيح وأنه من جوهر الله وفرضت هذه العقيدة على النصارى مؤيدة بالسلطان، مع العلم أن من نصر هذا القول كانوا أقلية (٦).

стр. 109

ومما ينبغي الإشارة إليه أن قسطنطين في وقت عقد هذا المجمع قد تنصر، فما الذي جعله يحكم بهذا القول؟ إنه لا يسوغ لنا إلا القول بأن له إرب خاص وهو أنه عندما رجح، فإنما رجح ما هو أقرب إلى وثنيته، وأدنى ما يعرفه من عقيدة، أو أن هدفه تقريب النصرانية من الوثنية (١)، وفي مجمع القسطنطينية تمت فكرة التثليث! روافد العقيدة النصرانية واضح أن المسيحية استقت عقيدة التثليث عن المصريين الذين كانوا يعبدون الثالوث: أوزوريس، إيزيس، حورس، وهو التثليث الذي طوره الأفلاطونيون لاحقا، وتبنته الكنيسة ... ويتساءل يونغ: لماذا لم تكن السيدة مريم ﵍ ثالث الثلاثة بدلا من الروح القدس؟ ويرى أن ذلك عائد إلى التأثر بأديان مصر القديمة التي ترفض أن تكون المرأة عنصرا في الثالوث، وهذا في رأيه ما انتقل إلى المسيحية حيث نرى في الإنجيل موقفا غريبا جدا ينسبه يوحنا إلى السيد المسيح ﵇ زورا وبهتانا تجاه أمه، فهو يظهر في الإنجيل ينهر أمه وينكرها ولا يعترف بها (٢). كذلك نجد أن هناك أوجه شبه كثيرة بين الديانات والعقائد القديمة وبين الفكر المسيحي، وهذا التشابه يوضح أن المسيحية استعارت كثيرا من معتقداتها وطقوسها من البوذية واليهودية، وحتى الوثنية أخذت المسيحية منها نصيبا موفورا؛ فالتثليث، والأقانيم الثلاثة، وقصة الصلب والفداء للتكفير عن خطيئة البشر، والزهد، والرهبنة، كلها مأخوذة من البوذية التي تتشابه تعاليمها مع المسيحية تشابها كبيرا، مع بعد المسافة بين الديانتين، إذ ظهرت البوذية قبل المسيحية بأكثر من خمسة قرون (٣). وعندما ننظر في العهد الجديد فإننا لا نتوقع أن نجد عقيدة محددة وثابتة، أو تفصيلا كاملا لتنظيم الكنيسة، بل العكس من ذلك تماما، فإننا نتوقع - وهذا ما نجده فعلا ... اقتراحات لم يعمل بها أبدا، وحلول تجريبية قصد التغاضي عنها في مستقبل الكنيسة (٤). توصل علماء الغرب - في القرن العشرين - بعد التنقيب والفحص والموازنة - إلى أن النصرانية قد استمدت عقائدها الأساسية (التثليث، والكلمة، والتجسد، أو الاتحاد، أو اللاهوت والناسوت، وموت الإله الابن وصلبه، وقيامته من الأموات، والفداء والكفارة، والخلاص، ... الخ) من الديانات الوثنية القديمة السابقة على المسيحية، وبذلك قد تخلت عن ديانة عيسى التي أوحاها الله إليه وتشبهت بالوثنيات وتابعتها وأتمت بها. هذا ما أعلنه علماء الغرب المسيحيون أخيرا.

стр. 110

ومما يذكر هنا أن القرآن الكريم نص على ذلك منذ أربعة عشر قرنا، حيث قال الله تعالى تعليقا على تبديل النصارى العقائد وتغييرها: (ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل) [التوبة: ٣٠] (١)؛ أي: ذلك قولهم هم، وليس ما جاء به الوحي، وأبلغه لهم عيسى ﵇، وهم يقلدون ويتشبهون بالأمم الوثنية الكافرة التي سبقتهم: الوثنية المصرية القديمة، والوثنية الهندية البوذية والبرهمية، والوثنية البابلية والفارسية والرومانية واليونانية .. الخ (٢). وأما بالنسبة للعهد الجديد فلا توجد له مخطوطات أصلية أيضا؛ فلا يوجد إلا نسخا أقدمها يعود إلى القرن الرابع، وهو الوقت الذي وضعت فيه الكنيسة الكتاب القانوني أو الرسمي. إن هذا الفقدان للمخطوطات الأصلية قد ألغى أية إمكانية للتثبت من صحة النسخ. وهكذا فإن التغييرات التي زحفت إلى النص قد بقيت في نص الكتاب المقدس (٣). وفي رأيي أن الكتاب المقدس هو جملة من الروايات التاريخية - غير المثبتة - يحمل بعض الحقائق أو العبارات المقدسة التي توافق القرآن الكريم. قانون الإيمان المسيحي (٤): يعتقد النصارى بفرقهم الحالية الموجودة بما يسمى (قانون الإيمان المسيحي) الذي صدر عن مجمع نيقية مع الإضافات التي أدخلت عليه في مجمع القسطنطينية ٣٨١ م الذي تم التعرض فيه لروح القدس، هل هو إله أم روح مخلوقة؟ ولم يكن مجمع نيقية أصدر قراراَ بهذا الأمر، والذي صدر في هذا المجمع (أي القسطنطينية) أن الروح القدس الرب المحيي المنشق من الآب، فقرروا أنه إله على الرغم من كثرة المعارضين. نص القانون: " نؤمن بإله واحد، الله الآب ضابط الكل خالق السموات والأرض وما يرى ومالا يرى ونؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور الإله، حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر، كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيئاَ مما كان، هذا الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء فتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وتأسّ وصلب عنّا، على عهد بيلاطس النبطي وتألم وقبر ....... (إلى هنا قرار مجمع نيقية وما بعده قرار القسطنطينية).

стр. 111

فالكتاب المقدس عندهم يعلن كما يقول النصارى أن الإله الواحد قائم في ثلاثة أقانيم: ١. الآب (الله). ٢. الابن (عيسى). ٣. الروح (القدس). وهي في وحدة كاملة هي الإله الواحد، الثالوث المقدس. وفي رسالة يوحنا الأولى ٧: ٥ (فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد). ومن خلال ما سبق يكون مجموع قولهم في التثليث ما يلي: هو إله واحد، الأب والابن والروح القدس جوهر واحد متساويين في القدرة والمجد ويفسرون هذا التوحيد (في نظرهم). ١ - وحدانية الله. ٢ - لاهوت الآب والابن وروح القدس. ٣ - أن هؤلاء الثلاثة أقانيم يمتاز كل منهم عن الآخر منذ الأزل إلى الأبد. ٤ - أن بينهم تميزاً في الوظائف والعمل وبعضها تنسب لهم جميعاً. ٥ - أن بعض أعمال اللاهوت تنسب إلى الثلاثة مثل خلق العالم وحفظه، وبعض الأعمال تنسب إلى الآب خصوصاً أو الإبن أو الروح القدس. الاتجاه إلى التأليه والصعوبات التي واجهتهم: بدأ متى الاتجاه إلى تأليه المسيح؟ لعل هذه العقيدة وجدت في حياة المسيح في بذورها الأولى فإن عامة الناس ومنهم النصارى اعتادوا على تأليه كل من يجري خوارق للعادات ولما بدت هذه الظاهرة عندهم أراد أن يتأكد المسيح من سلامة أصحابه عن تلك العقيدة فسأل بطرس فأجاب إجابة اطمأن بها، وإن كان هناك بعض النزعات المريبة، وبعد رفع المسيح ﵇ شاعت فكرة تأليه المسيح. ولما كانت هناك صعوبات جمّة نجمت عن القول بالتثليث، حاول بعض النصارى أن يجدوا لها حلاَ، وقد طرقوا حلولاَ كثيرة وهي بإيجاز (١): ١_ التوفيق بين التوحيد في التوراة والتثليث عندهم. فقالوا: إن التثليث في التوراة غير واضح، فوضحه العهد الجديد، وحاولوا أن يدللوا على ذلك بأن قال بعضهم: نحن نشرح العهد القديم في ضوء العهد الجديد.

стр. 112

٢_ عكس ما سبق، حاول بعضهم التوفيق بين التثليث والتوحيد في التوراة، فكأنهم سلموا بالتوحيد بأن ابتدعوا قولهم: تثليث في وحدة. ٣_ إعلان عدم خضوع مثل هذا الاعتقاد إلى العقل، بل يجب الإيمان به فقط واعتقاده أولاً ثم يجتهد النصراني في فهمه. يتحدث الشيخ محمد عبده (١) عن الأصل الرابع من أصول المسيحية: " ... وهو عند العامة أصل الأصول، لا يختلف فيه كاثوليك، ولا أرثوذكس، ولا بروتستانت، وهو أن الإيمان منحة لا دخل للعقل فيها، وأن من الدين ما هو فوق العقل بمعنى ما يناقض أحكام العقل، وهو مع ذلك مما يجب الإيمان به. قال القديس أنسليم " يجب أن تعتقد أولا بما يعرض على قلبك بدون نظر، ثم اجتهد بعد ذلك في فهم ما اعتقدت" (٢). ٤_ اهتدى القليل منهم إلى الحل الصحيح وهو القول بالتوحيد الخالص وترك التثليث. من بولس وهل هو مؤسس المسيحية الجديدة ؟ يعد بولس أشهر كتبة العهد الجديد، وأهم الإنجيليين على الإطلاق، فقد كتب أربع عشرة رسالة تقارب النصف من صفحات العهد الجديد، وفيها فقط تجد العديد من العقائد النصرانية، إنه مؤسس النصرانية وواضع عقائدها (٣). ومسألة افتداء الجنس البشري لها معنى خاص في التفكير المسيحي فقد حدد بولس القضية متمثلة في النقاط التالية: - أكل آدم من الشجرة رغم تحذيره من ذلك. - طرده الله من الجنة وأنزله إلى الأرض. - كان مقتضى ذلك أن يشقى آدم بتكليفات الناموس (القانون والشريعة). - وظل هذا الشقاء ملازما للجنس البشري بإرسال الأنبياء وتكليف الناس. - إلى أن جاء المسيح المخلص ... الذي أنقذ البشرية من لعنة الناموس، وحررهم من الالتزام بقانون الشريعة. - قدم المسيح في زعمهم نفسه من أجل ذلك ولما علق المسيح على الصليب .. صار لعنة، ورضي لنفسه أن يكون لعنة ليخلصهم من لعنة الشريعة (الناموس) رسالة بولس لأهل رومية (٧: ٤ - ٦). - وعلى هذا هم يعيشون في براح ويرتعون في عالم بلا قانون إلهي يفعلون ما يشاءون دون خوف من عقاب إلهي؛ لأن المسيح قد حمل ذلك عنهم (٤).

стр. 113

طوائف المسيحية والمذاهب الإيمانية أولا: الطوائف المسيحية ورغم أن العدد الحقيقي لطوائف المسيحية غير معروف، فإن هناك ما يقرب من الخمسين طائفة مختلفة ضمن المسيحية تتدرج من الأمشية AMISTI، الذين اختاروا أن ينسحبوا من العالم تاركين وراءهم وسائل الراحة الحديثة مثل: الكهرباء والسيارات، إلى التوحيديين، الذين يعتبرهم معظم المسيحيين بأنهم غير مسيحيين لأنهم لا يعتقدون بفكرة أن عيسى هو ابن الله ولا بفكرة الثالوث. إن عدم رغبة الكنيسة الأرثوذكسية لأن تلتزم بالرهبانية جعلها تنشق عن روما في القرون الوسطى، والآن تتربع مسيطرة على الشرق. وفي عام ١٥١٧ م ولدت طائفة المسيحيين البروتستانت، والتي كانت في حقيقتها ثورة ضد ممارسات معينة ضمن الكنيسة الكاثوليكية (١). ثانيا: المذاهب الإيمانية عند الطوائف المسيحية إلى (٢): تنقسم إلى قسمين متناقضين: ١ - من يحترم العالم، مثل: لا تقتل، من لطمك على خدك فحول له الآخر، بع جميع أموالك وأعط ثمنها للفقراء ... الخ ٢ - من يفزع من العالم (أبغض امرأتك، وأباك، وابنك ... ) كما تحوي الطوائف نظريات متناقضة في: - الطقوس - الإيمان - الحرية - الجزاء الأخلاقي وفي ذلك مذاهب ثلاثة: ١ - استقلال الأخلاق عن الطقوس. ٢ - يؤيد طقوس التطهير الواردة في الشريعة الموسوية القديمة دون أن يدخل عليها أي تعديل. ٣ - يقيم طقوسا جديدة.

стр. 114

وعن علاقة الأخلاق بالإيمان هناك مذهبان: ١ - يؤكد رجحان الأخلاق ويقر خلاص اليهود؛ فالإيمان لا يقود إلى الخلاص إلا بالأعمال. ٢ - يؤكد رجحان الإيمان، ويدين إسرائيل ويعلن أن من يؤمن يخلص، ومن لا يؤمن يهلك. وعن علاقة المسئولية بالحرية مذهبان: ١ - الناس أحرار ويسمعون الكلام. ٢ - الناس لا يسمعون الكلام والمختارون فقط من قبل الله وليسوا هم من اختاروه. أما الجزاء ففيه ثلاثة مذاهب: ١ - يعد المؤمن بالخلاص، ويمجد إسرائيل الناجية من أعدائها. ٢ - يعلن بعث الأجساد، والسعادة الجسمانية، أو العذاب الجسماني. ٣ - يقتصر على وعد ببعث روحي محض ينجز منذ الحياة الدنيا، وهو الانتقال من الخطأ إلى الحقيقة. - التوفيق بين التناقض: سعى النصارى إلى التوفيق بين المتناقضات بعدة طرق: - طريقة اللاهوتيين: o بعض أساليب حذف المتناقضات من النصوص. o أو الزعم بأن النصوص خالية من القيمة ومن وجهة النظر العلمية. - وحينما تتناقض النصوص تناقضا حرفيا يبحثون عن الروح التي يقولون إنها واحدة! ... فماذا يفعلون؟ (١). يجيب: - يضعون على المستوى الأول النصوص المؤيدة لمذهبهم تاركين لها ملء معناها؛ أي الأخلاق التي تعلمها الكنيسة آنئذ، ويتملصون من النصوص الأخرى بشرحها مثل: ١ - إما أن يفسروا معنى كلمة، أو جملة، ويوضحوا دلالتها الخام، وكلما مضوا في بيانهم استولى الغموض على البداهة ذاتها، وفر المعنى الذي كان يفرض نفسه. ٢ - وإما أن يعلنوا أن في النص الذي تبدو دقته - في بادئ الأمر - مزعجة، أن فيه " معنى مضمرا وبديهيا "، وأن هذا المعنى المضمر - وهم يملكونه - يجعل النص يقول عكس ما يبدو من دلالته. ٣ - وإما أن يذهبوا إلى أن من الواجب الإحجام عن فهم الصفة المزعجة فهما حرفيا: فهي عندهم مجاز، طراز من طرز التعبير، صورة مضخمة، غلو.

стр. 115

٤ - يفترضوا في حالات اليأس، لم يعرف كيف يعبر، وأنه تعثر قليلا في إنشائه (١). وهناك مذهب آخر في قضية المتناقضات فيه رأيان حيث إنه إما: الأول: يخاطب النخبة. الثاني: أو جميع المواطنين. - يقولون: تشبهوا بالإله، ولكن بأي هذين الإلهين؟ إن جملة سلوكنا الأخلاقي تتبدل تبع محاكاتنا هذا الإله أو ذاك! (٢). وهناك محاولة لتلاشي التناقض في الأناجيل إذا تم النظر إلى كل إنجيل على حدى، على سبيل المثال: ١ - إبطال التناقضات في الإنجيل الرابع يوحنا؛ حيث يناقض نفسه. ٢ - إبطال التناقضات في الأناجيل المتقاربة.

стр. 116

المبحث الأول منهج فندر سيتم دراسة فندر من خلال مناظرته وكتبه وقضاياه. تحدث صموئيل زويمر عن نسخة ميزان الحق المطبوعة عام ١٨٤٣ م وهي النسخة العربية وتحوي ٢٠٠ صفحة في S.P.C.K لندن والإنجليزية ١٣٣ صفحة C.M.House وطبعت عام ١٨٦٧ م (١). وتحدث الدكتور ملكاوي عن نسخة في سنة ١٩٨٣ م؛ حيث قام مركز الشبيبة في بازل بسويسرا بطبع كتاب ميزان الحق بعدة لغات، منها طبعة عربية أنيقة في ثلاثة أجزاء صغيرة وأرقام صفحاتها متسلسلة، وكتب عليها أنها الطبعة الثالثة دون الإشارة إلى سنة الطبع ولا مكانه ولا اسم المطبعة، وفي هذه الطبعة اهتمام بالغ؛ فقد حذفت أو عدلت مواضع كثيرة بالنسبة إلى الطبعات السابقة، وزيد في عدد الفصول، وجعل كل باب من أبواب الطبعة العربية السابقة في جزء مستقل في هذه الطبعة السويسرية، وكتب على الجزء الأول بخط كبير واضح عبارة: (لا تحريف في التوراة والإنجيل) وهو إلى صفحة ١٦٣، وكتب على الجزء الثاني عبارة: (كيف تخلص أيها الإنسان) وهو إلى صفحة ٢٩٥، وكتب على الجزء الثالث عبارة: (كيف نعرف الدين الحق) وهو إلى صفحة ٤٨٤ وهي نهاية الكتاب، وفي نهاية كل جزء من الأجزاء الثلاثة عدد من الأسئلة الخطيرة. وفيما يلي يذكر أبواب وفصول ميزان الحق حسبما وردت في النسختين العربيتين، الأولى بمصر، والثانية بسويسرا وقد كتب عليها: الطبعة الثالثة (٢). [جدول] نسخة ميزان الحق العربية الأولى المطبوعة في مصر ... نسخة ميزان الحق العربية الثانية المطبوعة في بازل بسويسرا، وكتب عليها الطبعة الثالثة الباب ... العنوان ... الجزء والباب ... العنوان المقدمة من ص ١ - ١٦ ... أولا: في أن الإنسان لا يمكنه تسكين أشواقه القلبية وقضاء حاجاته الروحية بالأمور الدنيوية الفانية واللذات الجسدية الزائلة. ... بدون مقدمة وتبدأ أولى صفحاته برقم ٣٨ واضح حذفهم للمقدمة بأكملها. ... ثانيا: في أن العقل

стр. 117

البشري قاصر على تحصيل معرفة الله. ... ثالثا: في بيان العلاقة الدالة على صدق الوحي. الباب الأول من ص ١٧ - ٤٦ ... في بيان عدم نسخ كتب العهد القديم والجديد وعدم تحريفها ... الجزء الأول (الباب الأول) من ص ٣٨ - ١٦٣ ... لا تحريف في التوراة والإنجيل. في بيان أن العهد القديم والجديد؛ أي التوراة والإنجيل هما كلام الله، ولم يحرفا أو ينسخا. الفصل الأول ... في أن القرآن نفسه يثبت صحة ما هو معول عليه عند المسيحيين من الكتب؛ أي التوراة والإنجيل مؤيدا كونه منزلا من عند الله ... الفصل الأول ص ٣٨ ... في شهادة القرآن للتوراة والإنجيل الفصل الثاني ... في أن التوراة والإنجيل لم ينسخا البتة في وقت من الأوقات ... الفصل الثاني ص ٦١ ... في أن الكتاب المقدس لم ينسخ ولا يمكن أن ينسخ لا في حقائقه ولا في مبادئه الأدبية. الفصل الثالث ... في أن التوراة والإنجيل لم يقع فيهما تحريف أو تبديل أصلا. ... الفصل الثالث ص ٩٤ ... في أن أسفار العهد القديم والجديد المتداولة اليوم هي بعينها التي كانت بأيدي النصارى واليهود في عصر محمد ولها قد شهد القرآن. الفصل الرابع ص ١٢٦ ... في أن أسفار العهد القديم والجديد لم يعتريها تحريف لا قبل محمد ﷺ ولا بعده. الباب الثاني من ص ٤٧ - ١٦١ ... في بيان أهم تعاليم التوراة والإنجيل ... الجزء الثاني (الباب الثاني) من ص ١٦٤ - ٢٩٥ - الفصل الأول ص ١٦٤ ... كيف تخلص أيها الإنسان؟ ... في بيان أن تعاليم الكتاب المقدس

стр. 118

الأساسية توافق الشروط الضرورية للوحي الحقيقي. ... بيان مختصر لمشتملات التوراة. الفصل الأول ... في صفات الله تعالى ... الفصل الثاني ص ١٨٢ ... في صفات الله كما هي معلنة في الكتاب المقدس الفصل الثاني ... في الحالة التي خلق الله عليها الإنسان ... الفصل الثالث ص ١٨٦ ... في حالة الإنسان الأصلية وحالته بعد السقوط واحتياجه إلى الخلاص من الخطية والموت الأبدي الفصل الثالث ... في الخلاص الذي أوجده المسيح ... الفصل الرابع ص ٢٠٧ ... في الطريق الذي عمله يسوع المسيح لخلاص كل الناس الفصل الرابع ... في الواسطة التي يمكن بها للإنسان أن يفوز بالخلاص ... الفصل الخامس ص ٢٣٧ ... في التعليم بإله واحد في ثلاثة أقانيم الفصل الخامس ... في حسن السلوك المسيحي ... الفصل السادس ص ٢٥٥ ... حياة المسيحي وسلوكه الفصل السادس ... في أدلة إثبات أن التوراة والإنجيل هما كلام الله ... الفصل السابع ص ٢٦٩ ... في خلاصة الأدلة أن أسفار العهد القديم والعهد الجديد تتضمن الوحي الحقيقي الفصل السابع ... في كيفية انتشار دينه المسيحي في العالم ... الفصل الثامن ص ٢٨٤ ... في الكيفية التي انتصرت بها الديانة المسيحية في القرون الأولى الباب الثالث ... (بدون عنوان) ... الجزء الثالث (الباب الثالث) ص ٢٩٦ - ٤٨٤ ... كيف نعرف الدين الحق؟ بحث بإخلاص في دعوى أن دين الإسلام هو دين الله الأبدي. الفصل الأول ص ٢٩٦ ... في ايضاح سبب البحث الفصل الأول ... في دعوى المسلمين بأن خبر رسالة محمد ﷺ مكتوب في التوراة والإنجيل، هل هي صحيحة أم لا؟ ... الفصل الثاني ص ٣٠٢ ... هل تنبأ الكتاب المقدس عن محمد ﷺ ؟ الفصل الثاني ... في بلاغة القرآن هل تتخذ دليلا على كونه كلام الله أم لا؟ ... الفصل الثالث ص ٣٤٤ ... هل يمكن أن تكون

стр. 119

فصاحة القرآن معجزة تدل على أنه موحى به من الله؟ الفصل الثالث ... في ذكر ما يتضمنه القرآن من المعاني والأحكام والأخبار ... الفصل الرابع ص ٣٦٤ ... هل إذا فحصنا مشتملات القرآن تفيدنا أنها من عند الله أوحى بها إلى محمد ﷺ ؟ الفصل الرابع ... في أوصاف محمد ﷺ وأعماله ... الفصل الخامس ص ٤١٩ ... بحث في المعجزات المنسوبة لمحمد ﷺ وهل هي برهان على نبوته؟ . الفصل السادس ص ٤٤١ ... بحث في بعض أخلاق محمد ﷺ بحسب ما ورد عنه في القرآن، والتواريخ الإسلامية والتفاسير لتعلم دعواه النبوة. الفصل الخامس ... في كيفية انتشار دين الإسلام ... الفصل السابع ص ٤٦٢ والفصل الثامن ص ٤٨١ ... بحث في كيفية انتشار الإسلام أولا في بلاد العرب ثم في البلاد المجاورة. الخاتمة منهج فندر من خلال كتبه: ١ - كتاب ميزان الحق والقضايا المثارة قضية التحريف: تحدث في الباب الأول عن بيان أن العهدين القديم والجديد (التوراة والإنجيل) هما كلام الله ولم يحرفا أو ينسخا. في المقدمة كتب الناشر: الحمد لله مرة أخرى؛ لأن الخبير الدكتور فندر ألف منذ أكثر من مائة سنة هذا الكتاب الشهير ميزان الحق، ولم نجد حاجة للتغيير فيه؛ لأن مقارناته متينة، ومبنية على احترام وفهم وعدل، فيسرنا أن ننشر كتابه مرة أخرى عسى أن بعض الشباب يغادرون جو القرون الوسطى، وينطلقون إلى حرية الفكر والحياة المبنية على الواقع والمنطق والمحبة.

стр. 120

وهذا غريب لأن طبعة الكتاب فيها تعديلات وتغييرات كثيرة أثبتها تحقيق د. الملكاوي في " إظهار الحق "، كما أن الطبعة العربية الأولى في مصر تختلف عن الطبعة العربية - وهي أقدم الطبعات - في لندن؛ والتي تحدث عنها الدكتور صموئيل زويمر؛ حيث تختلف كل منهما في عدد الصفحات. الفصل الأول: في شهادة القرآن للتوراة والإنجيل (ذكر في المقدمة): " لا يخفى أن العلماء قد قسموا البرهان إلى نوعين: عقلي ونقلي؛ فالعقلي يحتوي على الدليلين الخارجي والداخلي، ولو كنا نؤلف تأليفا لإقناع الكفار والملحدين وعبدة الأصنام، لكان يجب علينا أولا أن نأتي بالدليل الخارجي بأن التوراة والإنجيل هما قديمان وغير محرفين، ونبين وجوب الاعتماد عليهما؛ لأنهما وحي من الله تعالى ثم علينا أن نذكر تاريخ كل سفر من أسفارهما - بقدر إمكاننا - لنبين كيفية جمع الأسفار، وهل يحق لنا بعد وزن الدليل الخارجي أن ننسب الأسفار للأنبياء الذين كتبت أسماؤهم عليها أم لا؟ وأخيرا نبحث في حقيقة الدليل الداخلي المأخوذ من نفس الأسفار ونبين نتيجة بحثنا " (١). - يرى أن كلام الله لا يمكن إلا إثباته، وأن من لا يرى ذلك فيصفه بأنه متردد ومذبذب في الشك فيقول: " وبعد إتمام ذلك التنقيب والبحث - يقصد أسس الإيمان - لا يثبت - المسيحي الحق - على صخرة الحق وحده فقط، بل هو قادر أيضا على إعانة الآخرين مثل: اللا أدرية وغيرهم من المترددين والمذبذبين في الشك، فإيمانه حينئذ يستحق أن يطلق عليه اسم إيمان، أما الأدلة العقلية على صحة الديانة المسيحية، فمكاتب العلماء المسيحيين مملؤة بالكتب في موضوعها، وليس هنا محل لإيرادها؛ لأن غرض هذا التأليف ليس إقناع الكفرة، بل مساعدة إخواننا " (٢). ففندر يريد أن يصل إلى نتيجة مفادها أن الإيمان قد استقر في نفسه، وأنه لا يوجد عنده شك في أصول إيمانه (٣)، وأنه بهذا العمل وهذا التقديم يرجو مساعدة إخوانه من المسلمين على اعتقاد ما يعتقده؛ حيث يذكر: " ولا تستغرب إذا قلنا أن أكثرهم يعتقد في الكتاب المقدس غير ما يشهد القرآن له" (٤). عاود فندر الحديث عن صحة الكتاب المقدس بشهادة القرآن، وأورد آيات عديدة، ونقل تفسير البيضاوي في إثبات أن تلك الآيات التي نزلت عند قدوم وفد نجران على صاحب القرآن - يقصد محمدا ﷺ - حيث تناظروا مع أحبار اليهود وتقاولوا بذلك، ليست على شيء؛ أي على أمر يصح ويعتد به الحال إنهم من أهل العلم والكتاب، ومثل قولهم: قال الذين لا

стр. 121

يعلمون كعبدة الأصنام والمعطلة، لكنهما وإن اختلفا دينا فقد اتحدا بتسمية كل منهما أهل الكتاب؛ ألا وهما المسيحيون واليهود (١). تم ذكر عدة آيات منها: " يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ... " (٢)؛ حيث يقول بعدها: " ولاشك أنه هو الذي كان وقتئذ موجودا بأيديهم ". ثم يصرح بأن اليهود تلقوا الكتاب - أي التوراة - بالتوارث عن آبائهم؛ حيث يقول في آية ١٦٨: " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب الخ ". حتى أن القرآن يأمر محمدا ﷺ أن يسأل أهل الكتاب إن حصل عنده شك في القرآن ليتثبت به، واستدل بآية " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك " [يونس: ٩٤].ثم يربطها " وهذا كتاب - أي القرآن - أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه الخ" [الأنعام: ٩٨] ويقول: قال البيضاوي في تفسيرها: يعني التوراة أو الكتب التي قبلها ثم ذكر بعدها: " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب [المائدة: ٤٨]: أي من جنس الكتب المنزلة. ومهيمنا عليه: أي رقيبا على جميع الكتب يحفظها من التغيير ويشهد لها بالصحة والثبات، هكذا قال البيضاوي (٣). ثم أن القرآن شهد شهادات مفصلة، ومبينة لأجزائه الثلاثة؛ أي التوراة والزبور والإنجيل في سورة [آل عمران آية ٣، ٤]: " وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس ". ثم يصف حال اليهود: " وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله " [المائدة: ٤٣] وآية: " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون -إلى أن قال فيها - ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " [المائدة: ٤٤]. وذكر بخصوص زابور داوود - المزامير - كما في [الإسراء: ١٧]: "ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داوود زبورا ". ثم يعضد أقواله بأن التوراة والإنجيل والزبور ليست كتبا صحيحة فقط يشهد بها القرآن، ولكن من لا يقبلها يعاقب عقابا شديدا؛ فمن سورة [غافر: ٥٤]: " ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب ... الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون " [غافر: ٧١ - ٧٣]. ليس هذا فحسب، بل إن القرآن يثبت موافقة تعليم التوراة لتعليم الإنجيل الذي جاء به سيدنا عيسى المسيح (٤)؛ كما في: " وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة الخ " [المائدة: ٤٦] (٥).

стр. 122

ثم في النهاية يقول: " إن القرآن يقول كل ذلك عن الكتاب المقدس فالحاجة لا تمس إلى إظهار الأدلة على صحة هذا الكتاب كما يكون لو كنا نكتب لإفادة كافر مثلا " (١). وردا على المسلمين في قولهم بتحريفه، ذكر من القرآن وأثبت بعدم تغييره كما في: " ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين " (٢). وذكر عدة آيات أخرى شبيهة. ثم ذكر: " والآن نكتفي قبل الشروع في ذلك بإيراد بعض نصوص القرآن الذي يشهد فيها للكتاب المقدس ثم نكشف عن أقوال أشهر المفسرين لكي نكون على بينة من معنى الآيات التي نستشهد بها " (٣). فسر المائدة: آية ٧١ - كما جاء عن ابن عباس في تفسير أسباب نزولها ... قالوا: يا محمد ﷺ ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه وتؤمن بما عندنا، قال: بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم بما فيها، وكتمتم ما أمرتم أن تبينوه للناس فقالوا: نأخذ بما في أيدينا فإنا على الهدى والحق " وبما ورد في إنجيل متى [٢٣: ١٦]: " ويل لكم أيها القادة العميان القائلون: من حلف بالهيكل فليس بشيء، ولكن من حلف بذهب الهيكل يلتزم ... "؛ حيث يظهر أن محمدا ﷺ أعلن قبوله للكتب المتداولة بين اليهود، ولو أنه رفض البدع والأحداث التي قال إنهم أدخلوها في رسوم ديانتهم الظاهرية؛ أي أن ما تم إحداثه في ديانتهم هو المقصود بتلك الرسوم بناء على ربطه بالحديث النبوي وتفسيره وبناء على ما ورد في الإنجيل، وهذا باعتبار صحة الكتاب كما أثبت فندر - سابقا - بنص القرآن. يتعجب فندر بأمر القرآن لهم بإقامة الأوامر والنواهي الموجودة بتلك الكتب إن كانت أعدمت أو تحرقت؛ ففي الأولى تكون طاعة الأمر غير ممكنة بل مستحيلة، والثانية فطاعة المحرف تضلهم عن سواء السبيل. ليس هذا فحسب، بل إن القرآن نقل من الكتاب المقدس كذلك؛ ففي آية [المائدة: ٤٩] " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص "، هي منقولة من سفر الخروج [٢٣: ٢١ - ٢٥]: " وإن حصلت أذية تعطي نفسا بنفس، وعينا بعين، وسنا بسن، ويدا بيد، ورجلا برجل .. الخ ". وأورد اقتباسين آخرين كذلك ليستشهد بتلك القضية (٤). الفصل الثاني: قضية النسخ ذكر في بيان الفصل أن الكتاب المقدس لم ينسخ ولا يمكن أن ينسخ لا في حقائقه ولا في عقائده ولا في مبادئه الأدبية.

стр. 123

يقول: " إن كانت هذه الاعتراضات في محلها تسقط حجتنا التي قدمناها في الفصل الأول، غير أنه بهذا يضعف نفوذ القرآن كما لا يخفى على اللبيب " (١). أورد بعض أقوال علماء الإسلام التي تؤيد أقوال النسخ ثم رد على ذلك بأنها " وإن كانت مقبولة عند العامة وكثير من الخاصة غير أنه يجب أن نلاحظ أن القرآن لم يشر إليها بكلمة واحدة، ولا أشار إليها الحديث عند السنيين ولا الشيعيين، وبالإجمال أن هذه المسألة تشوش تعليم القرآن وتقلبه رأسا على عقب ". ثم يرى أن القرآن ينسخ نفسه وليس بناسخ لغيره، وأن القراءات واحدة في المعنى إلا أن بينها نسخ لفظي فقط، ثم ذكر في موضع آخر: " ولا يبرح من بالك أن قصد المسيح من دوام كلامه وبقاء كل لفظة من ألفاظ العهد القديم والجديد على وضعها الأصلي شيئان مختلفان؛ لأن قصد المسيح من دوام كلامه وكلام العهدين بقاء معانيهما لا ألفاظهما " (٢)؛ حيث يرى أن النسخ يكون لفظيا دائما سواء أكان عند المسلمين أو عندهم. كما لم تشر آيات القرآن الكريم إلى لفظ نسخ التوراة أو الإنجيل، ثم أشار إلى أن رحمت الله نفى نسخ القرآن للزبور، أو أن الإنجيل نسخه، مع عدم الإشارة إلى الصفحة أو الطبعة أو علاقة ذلك بالإنجيل والقرآن (٣). أوضح بعد ذلك أن الإنجيل ما جاء إلا لزيادة أمر التوراة وضوحا وبيانا - من جهة - أن الإنسان خاطئ ولابد له من مخلص، فالتوراة أساسها والإنجيل ختامها، ولا يقال: إن العهد الجديد نسخها، بل يقال: إنه شرحها وأبرزها في شكلها الروحي الذي يلائم الناس في كل زمان ومكان، والعهد الجديد أعم في الرسالة من القديم، وعهد بين الله والمؤمنين بالمسيح سواء أكانوا من بني إسرائيل أو من الأمم؛ حيث إن القديم كان قائما على فرائض وطقوس ورسوم تدرب بني إسرائيل فقط على إدراك الحقائق الروحية - تدريجيا - استعدادا لأن يكونوا تلاميذ للمسيح وأساتذة العالم أجمع، ولا علاقة لذلك بالنسخ. وكانت الطقوس في شريعة اليهود غرضها عزل اليهود عن الأمم عزلة تامة صونا لهم من السقوط في الوثنية، وحتى يتعلموا عمليا أنها غير مقصودة لذاتها بل غايتها حقائق روحية، أما الوصايا الأدبية فباقية ملتزمون بها في كل زمان ومكان مثل لا تزن ولا تسرق ولا تقتل؛ أي أن هناك جزءا من الوصايا تحول إلى جزء روحاني ولا يعرفها فندر بمعنى النسخ الذي يراه بمعنى الإزالة أو الإبطال حتى أن الختان كان مؤقتا ولم يكن في شريعة كل الأنبياء. ويستدل بنص بطرس الرسالة الأولى [٢: ٥] بقوله: " كونوا أنتم أيضا مبنيين - كحجارة حية بتيار- روحيا كهنوتا مقدسا؛ لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح " فاستخدام لفظ ذبائح كلفظ مادي مع الروح دليل على هذا التحول كما يراه. ويقول أن شريعة موسى جاءت بعبارة سلبية تعدد ما نهى الله عنه، أما شريعة المسيح فأحاطت بالسلب والإيجاب، فكما نهتنا عن فعل الشر أمرت بفعل الخير، ويتساءل هل الإسلام راقيا كرقي الديانة المسيحية على الأقل من حيث المبادئ الأخلاقية، وروحانية

стр. 124

العبادة، والعتق من نير الطقوس اليهودية المتراكمة، ويجيب أنه يترك الحكم لأهل الإنصاف والخبرة بالتوراة والإنجيل والقرآن (١). يرد ويفسر قول المسيح الوارد في متى [١٥: ٢٤]: " لم أرسل إلا لخراف بني إسرائيل الضالة " بأنها أوامر وقتية وليست منسوخة في آخر البشارة، فلا يعتبر عدم سفر المسيح نهيا صريحا للتلاميذ عن السفر دائما، ولا أن رسالتهم مختصة في بني إسرائيل؛ فمقصود فندر أن الأمر خاص لنفسه فقط دون غيره، ومن شاء فليتبعه. الفصل الثالث: بعنوان: في أن أسفار العهد القديم والجديد المتداولة اليوم هي بعينها التي كانت بأيدي النصارى واليهود في عصر محمد ﷺ ، ولها قد شهد القرآن؛ حيث يعود في هذا الفصل إلى قضية التحريف من جديد، فيقسم الفصل إلى مبحثين متسائلا في الأول: هل أسفار العهدين المنتشرة اليوم هي بذاتها التي كانت في عصر محمد ﷺ ، والثاني: وإن كانت هي بذاتها فهل اعتراها تحريف أو تبديل كثير أو قليل؟ (٢). ويرى فندر أن نسخ القرآن الأصلية قد ضاعت كما ضاعت نسخ التوراة والإنجيل، وأن محققي المسلمين يسلمون بذلك في كل العالم، ويرى أن رحمت الله متعصب، وأن كلامه من أفحش الغلطات، ولا يلتمس له العذر في ذلك؛ حيث يحاول أن يقنع المسلمين بسفر مزمور وأنه لعزرا المسمى في القرآن عزير، وأنه قد ألف كتابا وادعى أنه هو التوراة الحقيقية الأصلية؛ حيث يرى فندر أن عزرا من حفظة أسفار الوحي، حيث إن عزرا استدعى الكتبة إلى كتابة كل ما عمل في العالم منذ البدء، وأنه قد جاء في تفسير البيضاوي لسورة التوبة آية ٣٠ (٣) ما ينقض زعم رحمت الله ويؤيد بيانه؛ فقال ما معناه عندما سبى بختنصر اليهود لم يبق أحد من حفظة الوحي، فبعث الله عزيرا من الأموات وقد مر عليه مئة سنة ميتا، فأملى التوراة وجاءت طبق الأصل حتى تعجب منه اليهود (٤)، وأن سكوت اليهود عن التناقضات

стр. 125

الواردة في الأسفار لدليل قوي على تمكنهم بالمتون الأصلية واستحفاظهم عليها مهما يكن من أمرها. ويكون الاختلاف في الألفاظ دون المعاني، وشبه التناقض الوارد في القرآن كذلك يدل على أمانة أهله في النقل. ثم يستدل ويثبت أن التوراة التي بأيديهم الآن هي ما كانت في عصر محمد ﷺ وقبله بقرون كثيرة وإلا ما كانت الترجمة السبعينية والتي تمت بين ٢٠٠ م - ٢٥٠ م وصلت إليهم الآن وهي أقدم النسخ! . ذكر فندر أن المسيح لم يأمر الحواريين أن يكتبوا الإنجيل - بل يكرزوا به (١) - وأن أسفار العهد الجديد لم تقبل ضمن دائرة الوحي إلا بعد الاستفسار والتحري الدقيق والأسانيد الكافية، خشية أن ينطوي معها سهوا وصفات أخرى (٢)، ثم تحدث بإسهاب عن الترجمات والنسخ منها نسخ اكتشفت في مصر بسوهاج (٣) ترجع إلى القرن الرابع أو السادس. الفصل الرابع: مازال يناقش قضية التحريف في أن أسفار العهدين القديم والجديد لم يعتريهما تحريف لا قبل محمد ﷺ ولا بعده، وأن التحريف المقصود في الآية: " يحرفون الكلم عن مواضعه " بعد جواب الرسول على أسئلتهم، فمتى خرجوا من عنده يحرفون كلامه؛ أي حرفوا جواب محمد ﷺ على سؤالهم بمعنى: يميلونه عن مواضعه؛ بلي ألسنتهم، إما لفظا بإهماله وتغيير موضعه، أو بحمله على غير المراد وإجرائه في غير مورده، وذكر آية الرجم وقصرها عليها، وأكد وجودها، وعلى العكس قد اختفت من القرآن، واستدل بتفسير الرازي والبيضاوي في سورة الأنعام [٦: ٩١] بتشويه التفسير وكتمان الحق فيجعلون الكتاب قراطيس، وليس التبديل والتحريف والتغيير. ثم ذكر: " البيضاوي والرازي اللذان اقتبسنا تفسيرهما جزما بأنه لم يقع في الكتاب المقدس تغيير قط لا قبل العصر المحمدي ولا بعده " (٤)، وقد أثبت فندر - في زعمه - أن المخطوطات والترجمات في فصل سابق وجدت قبل العصر المحمدي، وبذا يكون - من وجهة نظره - قد أثبت أنهما لم يمسهما أي تحريف أو تبديل، وعلل اختلاف قراءات الكتاب المقدس بجملة أسباب هي: ١ - حجمه أربعة أضعاف القرآن. ٢ - أقدم من القرآن بكثير.

стр. 126

٣ - كتب في ثلاث لغات عبرية ويونانية وآرامية. ٤ - إحصاء القراءات في التراجم القديمة كلها، ولو قد ثبت أن كثيرا منها غلطات وقعت من المترجمين، ولم ينتج عنها اختلال جوهري. ٥ - أحصيت القراءات بعناية عظيمة وتدقيق كلي. ٦ - لم يصلحه ولا راجعه أحد قبل النشر. ثم يعقب: " لو فرضنا أن فريقا من اليهود أو النصارى غلت مراجل الحقد والتعصب في قلوبهم ضد الإسلام فتواطأوا معا، واجتمعت كلمتهم أن يحذفوا من التوراة والإنجيل كل ما يتعلق بمحمد ﷺ ، وقد فعلوا، فماذا يكون رأيك في بقية المسيحيين واليهود المتفرقين في كل أنحاء المعمورة؟ ! فإنهم بدون شك يرفضون أعمال تلك الجمعية الشيطانية، ويرفضون الكتاب المزور خوفا من أن يشتركوا في جريمتهم العظيمة، ومالنا ولهذا الفرض، ففي وقائع التاريخ ما يغنينا عنه" (١). ثم يقول: " لو أن ملكا أو صاحب سلطة سياسية قام بعد وفاة موسى بقليل، وجمع كل نسخ التوراة أو إصحاحات منها وأحرقها، واستنتج توراة جديدة من محفوظات بعض اليهود، ومن السطور المكتوبة على العظام وشق الأخشاب، ونشرها بأمر سلطاني، وألزم رعاياه في كل مكان بالاعتماد على هذه النسخة الجديدة، لما كانت تبلغ قراءاتها المختلفة إلى المقدار الذي بلغت إليه بدون هذا الفرض، إلا أننا كنا نقع في ورطة، أدهى وأمر بكثير من اختلاف القراءات، هي ضياع الثقة من التوراة بالمرة؛ لأنه لا يبقى دليل على أن النسخة الجديدة طبق الأصل، وتكثر الظنون في البواعث التي حركت ذلك الملك أن يفعل تلك الفعلة المنكرة، وكذلك تكون النتيجة لو دفع مثل هذا الفرض لأسفار العهد الجديد في ختام القرن الأول للمسيح لأنه كان يتعذر علينا اليوم الإتيان بدليل شاف أن النسخة الجديدة موافقة للأسفار التي أحرقت وتلاشت من الوجود، وتبقى في الأذهان مرتبكة ومرتابة في صحتها إلى يوم يبعثون! ولكن لله الحمد، فإن مثل هذا لم يقع في كتابنا إلا في أسفار العهد القديم ولا في أسفار العهد الجديد، والحمد لله الذي لم يسمح أن يكون بيننا عثمان ولا بين اليهود الحجاج " (٢). وختاما ذكر أن قوما من المسلمين يزعمون أن الإنجيل محرف لقول بعض النصارى إن الآيات الآتية غير موجودة في النسخ القديمة وهي: بشارة مرقص [١٦: ٩ - ٢٠]، بشارة يوحنا [٥: ٣، ٤]-[٧: ٥٣]-[٨: ١١] ورسالة يوحنا الأولى [٥: ٧]، ولو أن هذه الآيات لم تكن موجودة في المتن في النسخ الأكثر أقدمية إلا أنها موجودة في الهامش، فظنها الناسخ من الأصل فأدمجها فيه بسلامة نية، وسواء أصاب في ظنه أو أخطأ، فإن وجود هذه الآيات وعدمها لا يؤثران في جوهر الكتاب ولا في عقيدة من عقائد الكنيسة؛ لأن الحقائق الأساسية التي تضمنها مستوفاة بأكثر تفصيل في مواضع أخرى من كتابهم (٣).

стр. 127

وأسفار العهد الجديد موجودة بذاتها عند عموم المسيحيين من بروتستانت وكاثوليك وأرثوذكس، وأما أسفار العهد القديم فقد زادت عليها الكنيسة الكاثوليكية أسفارا لم تكن مدرجة من ضمن التوراة عند المسيحيين الأولين ولا عند اليهود فضلا عن كونها لا توجد إلا في الأصل العبراني، نحن معاشر البروتستانت نعتمد أسفار العهد القديم حسبما هي مدرجة في قانون اليهود وتثبتت لنا من المسيح ورسله، ولكن إن فرضنا أن هذه الأسفار المزيدة موحى بها فإنها بجملتها لا تؤثر على أية عقيدة من عقائد الديانة المسيحية، وأما الفروق المذهبية بين كنيسة البروتستانت وغيرها فلم تنتج عن زيادة هذه الأسفار على العهد القديم، ولا عن اختلاف في الكتب، كما أن مذاهب الإسلام لم تنتج عن اختلاف في القرآن بين مذهب وآخر (١). وبالمثل القرآن؛ فنفرض لو أنه تيسر لهم أن يجمعوا نسخ القرآن المنتشرة في أقطار العالم ويحرفوها، فليسوا هم بقادرين على جمع الكتب الدينية الإسلامية ولا التفاسير الكثيرة للقرآن، ولو فرضنا أنهم قدروا على ذلك أيضا، ألا يظهر تحريفهم من الكتب التاريخية كابن هشام والواقدي والغازي وفتوح مصر وفتوح العجم أو على الأقل الطبري وابن الأثير؛ لا يمكن لأي عاقل أن يتصور إمكانية ذلك، حتى لو كانت كل هذه الكتب في لغة واحدة (٢). الجزء الثاني وعنونه بغرض أن يبين تعاليم الكتاب المقدس الأساسية الحقيقية، والتعاليم توافق الشروط الضرورية للوحي الحقيقي (٣). وفي الفصل الأول تحدث عن بيان مختصر لمشتملات التوراة، وذكر أنه في سفر القضاة، وراعوث، وسفري صموئيل والملوك، وأخبارالأيام، نجد تاريخ الوقائع الرئيسية التي وقعت لشعب إسرائيل من ذلك الحين إلى السبي البابلي. وحدث مرارا كثيرة في غضون المدة التي أقاموها في أرض كنعان (٤) أنهم سقطوا في وثنية بقايا الشعوب الأصليين، فجازى الله شعبه بأن سلط عليهم الوثنيين فقهروهم وكدروا صفو حياتهم، إلا أنه كلما تابوا إليه ورجعوا إلى عبادته تعالى نصرهم على أعدائهم نصرا باهرا على أيدي أفراد اصطفاهم من بينهم (٥).

стр. 128

فأسفار العهدين القديم والجديد معا إنما هي إعلان واحد من لدن الله، فأما العهد القديم فيشرح لنا كيف دخلت الخطية إلى العالم، وكيف وعد الله بالخلاص منها، وأما العهد الجديد فيشرح كيف أكمل الله ذلك الوعد وكيف قدم المسيح حياته كفارة عن خطايا العالم (١). وإننا لا نؤمن بعصمة الأنبياء والرسل في أعمالهم اليومية، لكننا نؤمن أنهم معصومون في تبليغ رسالة الله من أن يزيدوا عليها أو ينقصوا منها أو يلحقوا بها أقل تحريف، والعاصم لهم هو روح القدس بشارة متى [١٠: ٢٠] ومرقص [١٣: ١١] ويوحنا [١٤: ٢٦، ٢] وتيموثاوس [٣: ١٦، ٢] وبطرس [١: ٢١] (٢). الفصل الثاني: يتحدث فيه عن صفات الله كما هي معلنة في الكتاب المقدس. يصف الله بالوحدانية، وأنه روح، وغير منظور، وغير محدود، وأزلي غير متغير، ومحيط بكل مكان وبكل علم، وكلي القدرة والحكمة والقداسة والبر والعدل، ورؤوف رحيم طويل الأناة، وخالق، ضابط كل شيء، وأورد فندر ما يؤيد ذلك بنصوص من الكتاب المقدس (٣). الفصل الثالث: حالة الإنسان الأصلية وحالته بعد السقوط واحتياجه إلى الخلاص من الخطية والموت الأبدي (٤). الفصل الرابع: في الطريق الذي عمله يسوع المسيح لخلاص كل الناس (٥). قضية التثليث: يقول فندر: "فليس الاعتقاد بلاهوت المسيح إذا فسادا لحق النصرانية، بل هو جوهر الدين الحق؛ لأنه لو فرضنا أن المسيح بسموه كان مخلوقا لا يمكن أن يتخذ صلاحه وآلامه من أجلنا دليلا على محبة الله لنا، بل بعكس ذلك تخالجنا الشكوك في محبة الله العظيم ونعمته؛ لأنه أسلم أفضل مخلوقاته، وأكرمها، ليقاسي آلاما وأحزانا مثل هذه، ولكن إن قبلنا تعليم الكتاب المقدس واعترفنا " أن الله كان في المسيح مصالحا العالم لنفسه [٢ كورنثوس ٥: ٩]، واقتنعنا أنه هو والله واحد [يوحنا ١٠: ٣٠] حينئذ يتيسر لنا أن نفهم إلى حد ما حقيقة تعليم الثالوث، ومحبة الله العظيم لنا واعتنائه بنا" (٦).

стр. 129

ويتسمى المسيح بابن الله أو كلمة الله، والعلاقة بين الناسوت واللاهوت علاقة اتحاد فقط؛ بحيث لم تتحول الطبيعة الواحدة إلى الأخرى ولا امتزجت أو اختلطت بها. الفصل الخامس: كما أن المطلعين من المسلمين لا يجدون ما يؤيد عبادة الأولياء في القرآن كذلك لا يصح أن نؤاخذ النصارى بما كان يعمله الجهلة في العصور المظلمة مما لا ينطبق على الكتاب المقدس بل يخالفه، وعقيدة التثليث يمكن تلخيصها على هذا المنوال: - ١ - الآب والابن والروح القدس جوهر واحد وإله واحد فقط. ٢ - كل من هؤلاء الأقانيم الثلاثة له خاصية لا يشترك فيها معه أقنوم آخر (١). ٣ - إن انفصل أقنوم عن الأقنومين الآخرين - وذلك مستحيل - لا يمكن أن يكون هو الله. ٤ - كل أقنوم يتحد مع الأقنومين الآخرين من الأزل، وهذه الوحدة غير القابلة للانفصال هو الله. ٥ - كل أقنوم مساو للأقنومين الآخرين في الذات والمجد. ٦ - العمل الخلاصي لكل أقنوم وصف أحسن وصف في الكتاب المقدس بهذه الألقاب: الأول الآب والخالق والثاني ابن الله والفادي والثالث المقدس والمعزي. ٧ - كما أن الأقانيم المقدسة واحد في الذات هكذا هم واحد في المشيئة والقصد والسلطان والقدم وسائر الصفات الإلهية (٢). ويرى فندر أن التثليث سر غير مفهوم، وفسر التناقض في الإنجيل مبنيا على اللاهوت والناسوت كل حسب موضعه. أما قول المسيح " أبي أعظم مني " في يوحنا [١٤: ٢٨] فهذا بالنسبة إلى ناسوته؛ لأنه يعبر عن وحدته مع الآب في الذات بقوله: " أنا والآب واحد [يوحنا ١٠: ٣٠]، وقد يعترض بعضهم بأن هذه العقيدة المسيحية متناقضة، وبما أن اعتراضهم خطأ ظاهر نجيب أن التثليث ليس خطأ بل هو سر عجيب، ويجب أن ننتظر أسرارا كثيرة في الكتب المقدسة وخصوصا ما يتعلق بجوهر الله ... والكتاب المقدس أحق وأولى بأن يتضمن أسرارا غامضة تحار في معرفة كنهها فطاحل العلماء، فهل من الصواب والحكمة أن نرفض كتاب الله لاشتماله على مسائل تفوق عقولنا ونستبد بآرائنا الخصوصية؟ فاحكموا أنتم! (٣). كما يرى أن العقل يعلمنا أن لا نتجاوز في البحث والاستقصاء ما أعلنه الله عن ذاته، وقال الحكماء: البحث عن ذات الله كفر ... لكن تعدد الصفات لا يبطل وحدة الذات، ومثل ذلك تعدد الأقانيم لا يبطل وحدة الجوهر الإلهي، وضرب مثالا: خيط واحد من أشعة الشمس يتضمن ثلاثة أنواع من الأشعة: ١ - النور ٢ - الحرارة ٣ - العمل الكيماوي، وهذه الثلاثة

стр. 130

شعاع واحد بحيث لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى لتتكون ثلاثة أشعة بل بالعكس الشعاع الواحد لا يتكون إلا من الثلاثة معا (١). وربما يسأل سائل: ما فائدة الإيمان بالثالوث المقدس- ألا يكفي أننا نؤمن بأن الله واحد بصرف النظر عما إذا كان ذا ثلاثة أقانيم أو ذا أقنوم واحد؟ فيجيب فندر أن فائدة الإيمان بالتثليث ليست أقل من الإيمان بالتوحيد لجملة أسباب جديرة بالنظر منها حل المعضلات الكثيرة التي يعترض بها على الوحدانية المحضة مثل: كيف يكون الله هو الكافي والصمد والمتكلم والغني والودود من قبل أن يكون كائن سواه؛ لأن كل هذه الصفات وما شاركها لا يمكن التعليل عنها إلا بتعدد الأقانيم الإلهية مع توحيد الذات مثل أن أقنوم الآب هو الودود وأقنوم الابن هو المودود ... وعليه يكون المسيح أقنوما إلهيا؛ فعقيدة التثليث إذا تزيل كل صعوبة تخالج العقل في قبول دعوى المسيح بأنه كلمة الله وبالتالي قبول خلاصه. الفصل السادس: حياة المسيح وسلوكه قيل في الإنجيل إن ناموسيا استعلم من الرب يسوع عن الوصية قيل " أن تحب الرب إلهك " [تث ٦: ٥] من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ... وتحب قريبك كنفسك [لا ١٩: ١٨] ... ولكن إذا اقتدى المسلم بالمسيحي بمعالجة المرض لم يعتبره إخوانه تابعا لرسول السيف. وإذا اقتدى المسيحي بالمسلم في سفك الدماء لم يعتبره إخوانه تابعا لرسول السلام. الفصل السابع: في خلاصة الأدلة على أن أسفار العهدين القديم والجديد تتضمن الوحي الحقيقي (٢). افترض أن هناك مشكلة في تعامل الله مع مخلوقاته هل يرسل إليهم إلها أم إنسانا كوسيط. وضل قوم من الفلاسفة حيث اعتبروه لا إله ولا إنسان. الفصل الثامن: في الكيفية التي انتصرت بها الديانة المسيحية في القرون الأولى (٣). الجزء الثالث: كيف نعرف الدين الحق؟ قضية النبوة: في الفصل الأول: إيضاح سبب البحث أدلة المسلمين على صحة رسالة محمد ﷺ من منظور فندر: - قالوا أن أسفار العهد القديم والعهد الجديد تنبأت به. - قالوا أن لغة القرآن وتعاليمه مما ليس له نظير في كل الكتب وعليه فالقرآن بمفرده هو الدليل الأعظم على صدق دعوى محمد ﷺ . - آيات محمد ﷺ ومعجزاته كختم الله على رسالته. - حياته وأخلاقه برهان على أنه خاتم الأنبياء وسيد المرسلين. - سرعة انتشار دينه برهان على أن الله أرسله بالكتاب النهائي (٤).

стр. 131

ثم يعود ويذكر " كل من المسلمين والنصارى لهم مصلحة في هذا البحث المهم، فإن أخلصوا جميعا لوجه الله، كانت النتيجة خيرا؛ لأن الحق لا يظل محتجبا وقتا طويلا ولابد أن يظهر يوما ما كالشمس عند الظهيرة. وهذا ما عزمنا على بيانه في الفصول الآتية " صادقين في المحبة كما يجب على المسيحيين " [اف ٤: ١٥] باذلين الجهد بأن نمحص كتاباتنا من كل ما يحرج إحساسات إخواننا الذين يبحثون على الحقيقة بإخلاص وجد بأن نتجنب كل عبارة بل كل كلمة لا تنطبق على ناموس اللطف والمحبة فإذا زل قلمنا وكتبنا شيئا يشتم منه رائحة التعصب فنرجو المعذرة سلفا؛ لأن نيتنا حسنة إذ لسنا نريد سوى الفائدة لإخواننا كما نريد لأنفسنا، والإنسان مهما احترس لا يسلم من الزلل، ومن شيم الكرام الصفح (١). الفصل الثاني: هل تنبأ الكتاب المقدس عن محمد ﷺ ؟ (٢) يرجو أولا من القراء الكرام أن يعترفوا بصحة البراهين التي بسطها في الباب الأول والثاني من هذا المؤلف، وأنها تثبت سلامة الكتاب المقدس. أورد المسلمون آيات تثبت نبوة محمد ﷺ كالتالي: ١ - [تك ٤٩: ١٠] زعموا أن هذه الآية تشير إلى نبوة محمد ﷺ وخصوصا لأن كلمة " يهوذا " عدد ٨ مشتقة في الأصل العبراني من الفعل " حمد " كما اشتق اسم محمد ﷺ ، وهذا الزعم باطل؛ لأنه ظاهر من القرينة أن - شيلون - المقولة في شأنه النبوة، يولد من ذرية يهوذا، وظاهر أن محمدا ﷺ لا هو من ذرية يهوذا ولا هو من ذرية إسرائيل بل من قبيلة قريش ... وعدا ذلك بأن قضيب الملك زال من الأمة اليهودية قبل ولادة محمد ﷺ بأكثر من ٥٥٠ سنة، والآية تقول أنه لا يزول حتى يأتي شيلون ... الخ ... وقد اتفق مفسرو اليهود أن كلمة شيلون من ألقاب المسيح وكذلك السامريون، فهي تشير إلى المسيح؛ لأنه هو الذي ولد من سبط يهوذا وإياه أطاعت الشعوب (٣). ٢ - [تث ١٨: ١٥، ١٨] قالوا إن النبي الموعود به هنا لا يكون من بني إسرائيل، وعبارة " من وسطك " لم ترد في الترجمة السبعينية ولا في أسفار موسى عند السامريين ولا وهي وردت في [اع ٣: ٢٢] بل قيل " من إخوتك " أي الإسماعيليين ... وردا عليهم يقول فندر أن الآية الواردة في [تث ٣٤: ١٠] تفيد أنه لم يقم نبي كموسى في إسرائيل إلى الوقت الذي كتب فيه هذا السفر وكلمة " بعد " تفيد أن بني إسرائيل توقعوا أن يكون النبي منهم لا من الخارج، وأما عبارة " من وسطك " فهي واردة في أكثر النسخ ... والقرآن يؤيد ذلك في قوله في سورة العنكبوت آية ٢٧: " ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب الخ ". ويشهد القرآن في مواضع كثيرة أن محمدا ﷺ لم يأت بمعجزة واحدة، وعلى ذلك

стр. 132

قوله: " وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون " [الإسراء: ٥٩] ويقول انظر تفسيري البيضاوي وابن عباس (١). ٣ - [تث ٣٢: ٢١]: " هم أغاروني بما ليس إلها أغاظوني بأباطيلهم فأنا أغيرهم بما ليس شعبا بأمة غبية أغيظهم " قالوا إن الأمة الغبية المشار إليها هنا هي أمة العرب التي أرسل منها محمد ﷺ حيث لا يمكن أن تكون أمة اليونان التي أرسل إليها بولس وبقية رسل المسيح؛ لأن أمة اليونان لم تكن غبية بل كانت أهل حكمة وعلم، وردا على ذلك يقول فندر: إن الله سيغير الأمة اليهودية بأن يدعو لعبادته الأمم الأجنبية يونان وعرب ومصريين وغيرهم، كما لا تشير الآية إلى نبي ولا إلى رسول (٢). ٤ - [تث ٣٢: ٢]: " جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران " ... فتشير سيناء إلى شريعة موسى، وكذلك تشير سعير إلى شريعة عيسى، وفاران تشير إلى محمد ﷺ ، وردا على ذلك يقول فندر: إن القرينة لا تدل على الشريعة كما أن الخريطة الجغرافية تشير أن الجبال الثلاثة في سيناء (٣). ثم أكمل فندر باقي ردوده على الجانب الإسلامي. - كذلك في العهد الجديد: " وكان يكرز قائلا يأتي بعدي من هو أقوى مني الذي لست أهلا أن أنحني وأحل سيور حذائه " [مر ١: ٧]؛ حيث أنبأ عيسى بمجيء نبي أفضل منه بكثير وهو محمد ﷺ . ورد فندر على ذلك بقوله: عدد ٦ قبله يطرح اسم القائل لها ألا وهو يوحنا المعمدان لا يسوع؛ حيث بدأ بخدمته كرسول بعد طرح يوحنا في السجن (٤). الفصل الثالث: هل يمكن أن تكون فصاحة القرآن معجزة تدل على أنه موحى به من الله (٥). قضية القرآن: يرد على موضوع فصاحة القرآن وبلاغته وأنه معجز بأنه قد ألفت كتب في العالم لقوم لا يعرفون القراءة والكتابة وجاءت لا مثيل لها، واشتهرت قبل كتاب ريج فيدا حيث وضعه بين ١٥٠٠ و ١٠٠٠ قبل الميلاد. يقول: علم المطلعون من المسلمين بالروايات المنسوبة إلى البخاري ومسلم التي تنفي عن محمد ﷺ وصمة الجهل بالقراءة والكتابة من ذلك ما ينسبونه إليه في معاهدة الحديبية من أنه أخذ القلم وضرب على توقيع علي بن أبي طالب بالنيابة عنه تحت إمضاء رسول الله، وكتب ابن عبد الله ... وبما أن هذه الروايات موضوع نزاع بين أهل السنة والشيعة فلا نجزم بصحتها غير أننا نقول أن مجرد وجودها مسندة إلى أئمة الحديث أمر يستحق الاعتبار وخصوصا أن لا شيء فيها بعيد الوقوع.

стр. 133

ويرى أن هناك كلمات في القرآن مقتبسة من لغات أخرى غير العربية مثل: هاروت، وماروت، والصراط، وحور، والجن، والفردوس، مأخوذة من لغة قدماء الفرس (١). وكما قال مؤلف كتاب شرح المواقف أن المزدار كان يقول أنه كان من الممكن للعرب أن يأتوا بأفصح من القرآن بكثير، وقال الشهرستاني أن المزدار أبطل دعوى القرآن بالإعجاز من حيث الفصاحة والبلاغة والنظام، فقال إن إعجاز القرآن ليس من حيث جمال عباراته، بل من حيث أخباره بحوادث الماضي والمستقبل التي تضمنها، وأن الذي صرف العرب عن مباراته هو عدم الإنصاف في الحكم بمضاهاته، وادعائه بإحراز السبق على غيره بغير حق، مما ثنى عزيمة المناظرين عن الاهتمام بدعواه، ولو وجدوا حكما يقضي بينهم وبين صاحب القرآن لأتوا بمثله بدون نزاع (٢). كما لا يمكن تمييز فصاحة القرآن عن فصاحة غيره من الكتب وخاصة من جانب العجم، لكن يقول أنهم وجدوا الكتاب المقدس في كثير من أسفاره في لغته الأصلية أفصح من أي قسم من القرآن ومن بينها سفر النبي أشعياء والتثنية والمزامير، وقد لا ينكر أحد هذه الحقيقة من علماء اللغات إلا المسلمين (٣). ويقول حتى لو سلمنا بفصاحته فلا علاقة تؤيده بالوحي، كما أنه لا يستدل بجمال المرأة على فضيلتها. الفصل الرابع: هل إذا فحصنا مشتملات القرآن تفيدنا أنها من عند الله أوحي بها إلى محمد ﷺ ؟ فمن حيث التعاليم فالكل يسلمون بصوابها سواء أكانوا مسلمين أو نصارى؛ لأنها صالحة ... وقبل قبول دعوته كنبي يجب أن نبحث إن كان محمد ﷺ أول من علم بوحدانية الله وبالحلال والحرام، وبشر الخطيئة، وثواب الآخرة وعقابها، وهل تعليمه من هذه الحيثية أو غيرها كان أوسع وأرقى مما جاء به الأنبياء الأولون، ويجيب فندر بأن جميع الحقائق التي ذكرها القرآن جاءت في الكتاب المقدس من قبل مفصلة تفصيلا (٤). يحاول فندر أن يقدم للقارئ مشاهدات معرفة الرسول بدين النصارى واليهود وما حواهما من توحيد للخالق، كما كان له عدة أصدقاء ومعارف شتى ومنهم سلمان الفارسي الذي يقول عنه البعض أنه من نصارى بين النهرين، ولما أخذ في السبي إلى بلاد الفرس، اعتنق مذهب زرادشت (٥)، ويقول آخرون وهو الرأي المعول عليه أنه فارسي وزردشتي مولدا ومنشأ،

стр. 134

لكنه اعتنق الدين المسيحي فيما بعد في بلاد سورية، وبعدها سافر لبلاد العرب، ثم أسلم، وصاحب محمدا ﷺ ، وهو الذي أشار عليه عند هجومه إلى الطائف بإقامة المتاريس؛ لهدم مبانيها، وكذا أشار عليه حفر الخنادق حول المدينة؛ لحمايتها من هجمات قريش وحلفائهم في السنة الخامسة للهجرة. فهذا يعني اقتباسه من دين اليهود والنصارى، وهو ما يؤيد القول بعدم إثبات إعجاز القرآن، ولا هو دليل على وحيه. ثم قسم فندر آيات القرآن التي تثبت حقائق حدثت وتمت بالفعل كنبؤات إلى ثلاثة: الأول: ما يشير إلى انتصارات محمد ﷺ ، والثاني: ما يشير إلى القرآن نفسه، والثالث: ما يشير إلى نبوة واحدة وهي نبوة الروم. أما الأول فلا دليل علي أنها كتبت قبل المعركة، وإن حدث فليس بمستغرب على كل قائد يعد قومه بالنصر، بل هي خطة القواد العظام كجنكيز خان وتيمور لنك (١)، وضرب مثالا

стр. 135

بتشجيع الرسول لصحابته في غزوة بدر الكبرى ... فهي ليست بالنبوات الصحيحة. وأما الثاني فآية: " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " [الحجر: ٩]، فلا دليل على أنها ثابتة بعد حرق عثمان النسخة الأولى من المصحف. وأما الثالثة: فمن التاريخ يظهر أن فارس غلبت الروم في السنة السادسة قبل الهجرة، وذكر البيضاوي تحقق النبوة في يوم الحديبية؛ أي في السنة السادسة بعد الهجرة، فالفارق أكبر من بضع سنين، ولكن كان ذلك بسبب الخبرة والدربة للرسول وأبي بكر فقط! . ثم انتقد القرآن في عدة مواضع منها قصة حرق إبراهيم ﵇ وأنها قصة مزيفة فهمت خطأ ما رواه [تك ١٥: ٧] " أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين "؛ حيث فهموا أن أور بمعنى نار، كذلك التباس القرآن بمريم ابنة عمران وأنها هي أخت هارون والفارق بينهما كبير، كذلك قصة ذي القرنين؛ حيث نسبها المسلمون إلى اسكندر المقدوني ولم يرد ذكر ما حدث له عند مشاهير المؤرخين. يؤكد العلماء أن كثيرا من الحكايات القرآنية ومن الفروض والطقوس الإسلامية مأخوذ من الأديان الأخرى، والكتاب المذكور يقدم البراهين على ذلك، فالقارئ العالم يجد فيه أجزاء من الكتب الفارسية، والهندية، وقدماء المصريين وغيرهم من الأمم السابقة (١). أبقى القرآن على كثير من شعائر وثنيي العرب قبل الإسلام مثل الختان، وقطع يد السارق ... الخ، وهذا لا يوافق المعتقد القائل أن القرآن كان مكتوبا على اللوح المحفوظ في السماء منذ أجيال قبل أن تكون العرب. كما يذكر أن المسلمين يدعون بسمو تعاليم القرآن، لكن فندر يجيبهم أنها ليست بأعلى من التوراة والإنجيل بل والحق يقال أن عزم الله بملء جهنم من الإنس والجن وسماحه لمحمد ﷺ بالتلذذ بالنساء أكثر من سائر المسلمين، وأمره بالجهاد لانتشار الإسلام ... تبرهن أن تعاليم القرآن أدنى بكثير من شريعة موسى. كما يرى أنه لا يمكن أن يكون هناك شفيع ومخلص سوى المسيح (٢). الفصل الخامس: يناقش فيه قضية النبوة من جديد وبحث عن المعجزات المنسوبة لمحمد ﷺ وهل هي برهان على نبوته؟ (٣) الفصل السادس: بحث في أخلاق محمد ﷺ بحسب ما ورد عنه في القرآن والتواريخ الإسلامية والتفاسير لنعلم دعواه النبوة. وتحدث فيه من منظور المسلمين عن حوادث الرسول الزوجية وطريقة معاملته لأعدائه (٤). الفصل السابع: بحث في كيفية انتشار الإسلام أولا في بلاد العرب ثم في البلاد المجاورة (٥). الفصل الثامن ثم الخاتمة (٦).

стр. 136

ثانيا: كتاب مفتاح الأسرار والقضايا المثارة (١) قسم الكتاب إلى بابين: الأول فيه ثلاثة فصول: - البرهان على ألوهية المسيح بعد أقواله. - البرهان على شهادات الحواريين. - شهادة العهد القديم. الثاني حقيقة وإثبات الثالوث الأقدس في الوحدة الإلهية فيه ثلاثة فصول: - إثباته لما جاء في العهدين القديم والجديد. - الإيضاحات المختصة بهذا السر الإلهي. - أهمية تعلم الثالوث المقدس. ذكر فيه: لأن ألوهية المسيح وعقيدة الثالوث الأقدس في توحيد الذات الإلهية هي من أسرار الله، ولا يمكن لبشر مهما كان له من الحول والقوة الفكرية أن يتوصل إلى إدراك تلك الأسرار الإلهية؛ لأنها غير محدودة، ويستحيل على المحدود إدراك غير المحدود ... ولهذا قال علي بن أبي طالب " من سأل عن التوحيد فهو جال ومن أجاب عنه فهو مشرك " فهل يمكن للإنسان الضعيف العقل أن يدرك أسرار الله الغير محدودة المختصة بذاته المقدسة ... ولقد سئل أحد العلماء قديما ما هو الله؟ فأجاب معترفا " إنه كلما كثر في البحث عن هذا السؤال كلما أبعد عن الجواب. واستدل في ص ١٢ بأن المسيح يثبت ألوهيته من خلال نص رؤيا ١: ١٧ و ١: ١٨ بأنه قال: "أنا هو الأول والآخر والحي ... كنت ميتا "! كما أن المسلمين يؤمنون بنص القرآن بأنه أوتي القوة من قبل الله على إحياء موتى .. بالرغم من ذلك لم يثبتوا له الألوهية بل كان عبدا أعطي القوة! ولا يتفق ذلك مع نص يوحنا ٨: ٥٧ بأنه كان كائنا قبل ابراهيم ﵇. ثالثا: عقيدة الصلب والفداء بين كتابيه " ملاحظات محمدية وطريق الحياة" (٢)

стр. 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 138

تمحور الكتابان حول عقيدة الصلب والفداء، وتطرق فيها إلى الشفاعة، وقارن بين شفاعة الصلب، والفداء، والشفاعة عند المسلمين. ففي كتاب طريق الحياة لايزال فندر ينكر الاعتقاد المحمدي - على حد وصفه - والذي يعتبر الإيمان برسالته هو الاعتراف بوحدة الله، ويوم القيامة، ووجود الجنة والنار؛ حيث قال: وسط هذه المعتقدات لم يرد أي ذكر عن تكفير الخطيئة، حيث يمكن لشخص الاعتماد عليها في أن تصبح مبررا من تلك الخطيئة في وجود الله فقط. ويفترض أنه حتى لو لم يكن هناك شك حول بعثة محمد ﷺ ، فإنه لن يكون من الممكن لرجل مذنب في الحصول على الخلاص عن طريق الإيمان بمحمد- ﷺ ، تماما كما أن المدين لا يمكنه الحصول على شيء من غريمه بمجرد الاعتراف بوجوده، والمجرم لايضمن الهروب والنجاة من العقاب. تطرق فندر للحديث عن الاستغفار، وشفاعة النبي محمد- ﷺ ، لكنه يرى في تلك الشفاعة - في رأي الفقهاء والمجتهدين المسلمين - في رأيه - أنها تصلح للشفاعة العامة لبعض العصاة والمذنبين فقط لكنها ليست موجهة لإنقاذ شخص بعينه فضلا على أنه يتساءل بتشكك في براءة الشفيع محمد- ﷺ من الذنوب التي تؤهلة لتلك الشفاعة الكبرى، ويطالب بالعودة للقرآن، والحديث. ويرى في كتابه ملاحظات محمدية أن وسائل الحصول على المغفرة في الاعتقاد المحمدي سطحية، وخارجية، وغير قابلة للممارسة والتطبيق- في وجود القداسة الإلهية والعدالة -واعتبر هذا غير كاف للتأثير في القلب، والشعور براحة الضمير! إن العمل في الشريعة الإسلامية غير كاف وحده لدخول الجنة، بل إنه سبب لرحمة الله للعبد، ولكنه في الشريعة البوليسية الجديدة لايعتبر بالعمل في وجود الايمان بصلب المسيح؛ حيث ترتب عليه الفداء والغفران من جميع الذنوب مسبقا! إن الشفاعة في الشريعة الإسلامية غير

стр. 139

قاصرة فقط على الرسول الهادي محمد- ﷺ بل تمتد للشهداء من عباده فيشفعون في سبعين من الأهل كما ورد في الحديث الشريف " الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته" (١). ورد في كتاب حركة الكنيسة: إن كتاب مفتاح الأسرار هو كتاب ضد القرآن. يحوي مذاهب الثالوث وألوهية المسيح، وذلك بهدف تصحيح سوء فهم مخاوف المحمديين في العقائد المهمة، وتم العثور على ثماني عشر نسخة من قبل الشرطة. أما كتاب طريق الحياة فيعالج الخطيئة والفداء، وقد اجتذب قدرا أقل من الاهتمام مقارنة بالاثنين الآخرين، ولا يبدو أن أي نسخ منه تفوق على الأعمال الثلاثة وأهمهم الميزان، وقد تم العثور على عشر نسخ (٢).

стр. 140

المبحث الثاني تحليل منهج فندر قبل أن نشرع لابد لنا أن نحدد قواعد المنهج والتي تحكم بأمور أربعة تشكل مضمون المنهج وهي (١): - طريقة الفهم. - طريقة التناول. - طريقة المناقشة والحوار والجدل. - طريقة تأسيس الأحكام. وقد تميز بناء فندر من أنه من الصنف التدرجي؛ الذي تسبق فيه المقدمات النتيجة - في النص الاستدلالي - وابتعد عن الاقترانية وهي ماكانت جميع عناصره مرتبطة فيما بينها إلا أنه حاول أن يتظاهر بها. من شروط التداول اللغوي ألا يكون المحاور ناطقا حقيقيا إلا إذا تكلم لسانا طبيعيا معينا، وحصل تحصيلا كافيا صيغه الصرفية، وقواعده النحوية، وأوجه دلالات ألفاظه، وأساليبه في التعبير والتبليغ. فعلى النص أن يكون مفتوحا فتحا مستمرا تبنى موضوعاته بناء تدريجيا، ذلك أن هذه الموضوعات تنقلب في أحوال دلالية متعددة، تنتقل فيها من الإجمال إلى التفصيل، ومن الإشكال إلى التبيين، ومن الخفاء إلى الظهور، وهذا مالم تتوفر خصائصه التفصيلية عند فندر. مبدأ الإفصاح والمصارحة الاجتماعية التي ينبغي أن يكون عليها المحاور فيتوجه إلى غيره مطلعا إياه على ما يعتقد وما يعرف، ومطالبا إياه بمشاركته اعتقاداته ومعارفه فهذا لم تظهر صورته إلا في نهاية مناظرته مع رحمت الله عندما اعترف وأقر بالتحريف؛ حيث تبنى صورة الجدل المبطن المخفي لحقائق المصطلحات التي كان يجب تحريرها قبل البدء لأنه لوحظ اختلاف مقاصدها عن المعنى المتداول مثل: النسخ وما يؤول إليه اللفظ من معنى، وكذلك التحريف الذي قصد به شيئا معينا لا على إطلاقه. لقد اختلف أسلوب فندر ومنهجه بين كتابه وبين مناظرته في طريق الإقناع، فعندما يطالب المحاور غيره بمشاركته اعتقاداته، فإن مطالبته لا تكتسي صبغة الإكراه، ولا تدرج على منهج القمع، وإنما تتبع في تحصيل غرضها سبلا استدلالية متنوعة تجر الغير جرا إلى الإقناع برأي المحاور. وقد تزدوج أساليب الإقناع بأساليب الإمتاع، فتكون، إذ ذاك، أقدر على التأثير في اعتقاد المخاطب، وتوجيه سلوكه لما يهبها هذا الإمتاع من قوة في استحضار الأشياء، ونفوذ في إشهادها للمخاطب، كأنه يراها رأي العين.

стр. 141

وهذا ما حدث بالفعل مع فندر في كتاباته حيث أخذ أسلوب الإقناع وتدرج به، مخفيا الحقائق، إلا أنه افتقد الإقناع والإمتاع عندما ناظر رحمت الله؛ حيث أظهر الله الحقائق على يد رحمت الله مما تسبب له في فقد ذلك الإقناع وذاك الإمتاع. إلا أن كتاباته لم تصل إلى استحضار الأشياء كأنه يراها رأي العين إلا عند الجاهل الذي يجهل حقيقة النصوص المجمعة دون قص أو تذييل. كذلك على كل محاور أن يعتقد القضايا الضرورية والبديهية والمسلم بها، فضلا عن كونه يعتقد الرأي الذي يعرضه على الغير، ويعتقد صحة هذا الاعتقاد، وما يلزم عنه، وصحة الدليل الذي يقيمه على رأيه، كما أنه يعتقد الانتقاد الذي قد يوجهه إلى رأي الغير، ولا يقتنع برأي الغير إلا إذا اعتقد أن هذا الرأي مقبول، وأن عناصر الدليل الذي أقامه هذا الغير عليه مقبولة، وأن تدليله بها مقبول - هو بدوره - وهذا لم يصل إليه فندر - وظهر ذلك في آخر المناظرة؛ لأن كل الانتقادات كانت واهية، ولم تكن مستندة إلى أدلة صحيحة تعين السامع على الاعتقاد بالرأي الذي يعرضه. لم يلجأ فندر إلى عرض حقيقي باطلاع المعروض عليه على النتائج التي توصل إليها، وعلى المراحل التي قطعها، وعلى الوسائل التي استعملها بل لجأ إلى الحوار الشبيهي الذي يتظاهر بإشراك غيره في طلب المعرفة وإنشائها وتشقيقها، بينما هو في حقيقة الأمر آخذ بزمام توجيه المعروض عليه في كل مرحلة من مراحل الحوار، فهو الذي يحدد للمعروض عليه مسألة سبق أن تدبرها، ويعين طريقا لبحثها قد خبرها من قبل، وينتهي إلى نتائج معلومة؛ فإن العارض الفيلسوف يبذل غاية إمكانه لاقتلاع آثار المعروض عليه، وذلك بتصرفه في كل ظهور حواري للمعروض عليه وتسخيره لأغراض العرض (١). - المصادر: يعتمد فندر كثيرا على آرائه وتحليلاته الشخصية، ويندر ما يستدل بآراء المفسرين أو العلماء النصارى حيث - غالبا - ما يكون في موقف المهاجم على الخصم، أما رحمت الله فكثيرا ما يستند إلى أقوال علماء النصارى الثقات ويدعم حججه بمقولاتهم. - العرض: يعمد فندر إلى مقارنة أجزاء من بعض آيات القرآن بما ورد في كتابهم المقدس - ويظهر واقع النصارى من خلال مؤلفاتهم تباينا واختلافا شديدين، ولذا قلما يلجأ فندر إليهم؛ لأنه بالرجوع إليهم قد يجد التناقض عند غيره من المشهورين، وهذا يجعل دائرة المعتقد منغلقة إلى حد كبير على أفراد أو جماعات صغيرة تتباين فيما بينها، حتى لايبقى سوى الشعار الأكبر للديانة وهو المسمى فقط عند حدود الجماعة الأم أو الكبيرة. - الاستدلال: المستوى الكتابي: عال إلا أنه يخطأ من حيث اللغة أحيانا- أما النص التاريخي: فغالبا ما يعتمد على القرآن وبطريقة "ولاتقربوا الصلاة"- في حين أن الكلامي الذاتي: يستخدم أسلوب الجدل والتحوير- لكن الاستنباطي: عال بناء على ما يستحضره من نصوص، إلا أنه يعود فيطوعها على حسب مقتضى الحالة وبناء على المقدمات غير الصحيحة يصل لنتائج غير صحيحة.

стр. 142

- التبويب وعرض المسائل: توجد أخطاء في بعض الآيات القرآنية ربما مطبعية ويعتمد على تفسير البيضاوي كثيرا. ورتب كتابه بطريقة توحي بالتدرج والمنطقية بدءا من التحريف والنسخ وانتهاء بالنبوة والقرآن. يرى أن الطقوس يمكن أن تتبدل لتتحول إلى شيء روحاني؛ فهي بذلك لا تنسخ كالبذرة والشجرة، وبهذه المعاني قد خرج من دائرة المعنى المراد للنسخ إلى دائرة تطرق فيها لدائرة فلسفية بمعان أخرى، فمن المعلوم أن الحقائق لايمكن أن تنسخ، أما الأحكام فقد يعتريها التغيير تبعا للزمان والمكان، أو تبعا لحال الأمم وقت نزول التشريع. قسم الوصايا إلى طقسية وأدبية، وغير وصف المعنى في الذبيحة من ذبيحة حيوانية إلى ذبيحة النفس، واعتبر دم المسيح هو الغسيل الروحي. يفترض أن كلام الله لا يقبل التغيير، وأن الانجيل حرف بعد عصرمحمد- ﷺ . يقول قوله "مثبت" ولم يقدم دليل الإثبات أو السند. كل أرقام السنوات التي يأتيها في خانة كتابة الإنجيل غالبا ما تأتي بين سنة كذا وكذا وبينهما عشر سنوات على الأقل. يقول: "ويعقب .. على إحصائه " الأناجيل " بهذه الملاحظة في الميزان " إن بعض المسيحيين لم يقرروا رسالة يعقوب، ولا رسالة يهوذا، ولا الرسالة الثانية لبطرس، ولا رسالتي يوحنا الثانية والثالثة، ولا سفر الرؤيا، لكن بعد التحري الدقيق اقتنعنا بأن هذه الأسفار قانونية ويجب قبولها ضمن أسفار العهد الجديد بعد التأكد القوي أنها وحي الله". لايرد على كل الشبهات ويفندها على الرغم من إيراد الأقوال بنفسه. ويذكر " حاول بعض الكتاب المسلمين أن يثبتوا وجود اختلافات كثيرة بين أسفار الكتاب المقدس، وزعموا أن هذا الاختلاف دليل على تحريفه، غير أن الكتاب المطلعين ذوي العقول الراجحة والأفكار النيرة يسلمون أنه إن كتب كاتبان أو أكثر عن واقعة حال وكتب كل منهم بمعزل عن الآخر، تأتي كتاباتهم مختلفة اختلافا ظاهريا، ولكن إن اتفقت اتفاقات ما يستدل من اتفاقهم على أنهم متواطئون، والاختلاف الظاهري بين أسفار الكتاب المقدس أعظم دليل على أمانة أهله. يكثر من قول: إدراج بسلامة نية - أخطأ بسلامة نية - كيف يمكن اعتماد تلك الألفاظ كأقوال لمصادر معتبرة! يلجأ إلى الإثبات عن طريق القول مثل: الرجوع إلى بعض الآيات التي تشير وتؤكد إلى كتب سابقة وأن الأناجيل مكملة. يعد تقسيم الأسفار عملا دنيويا لاعلاقة له بالتشريع. تجاهل ذكر التيه وقصة عبادة العجل. يرى أن القلب يميل للعصيان والتمرد. وختاما يعتبر كتاب " ميزان الحق " خلاصة حركة التأليف من حيث الأسلوب، والمضمون، وأن ما جاء من بعده دائر في فلكه، ومقتبس منه، ومنقول عنه:

стр. 143

١ - مضمون الكتاب: يخرج عن الأغراض الجدلية التاريخية التي يجترها أهل الكتاب والتي كانت مدار جدلهم التاريخي مع علماء المسلمين. ملاحظات: - رتب موضوعاته، وحاول تقديمها بطريقة نقدية، وأضفى عليها طابعا علميا، ومنهجيا، وأخرجها للناس قصد المحاجة والتحدي. - اختلفت الترجمات، وأعيد الطبع، حيث حصل تغير قصدي بالتقديم، والتأخير، والزيادة، والنقصان، بهدف إرباك الطرف الإسلامي، والتلبيس على الناس. ٢ - أسلوب الكتاب: جاء تعبيرا صادقا عن فندر من حيث تكوينه وشخصيته وشعوره بالأزمة؛ أزمة عجز عن إقناع غيره بما يحمله من مشروع تنصيري، ففندر هو المستشرق الأمريكي الكاثوليكي، ثم المبشر البروتستانتي الانجليزي، والذي يعتبر أحد ثلاثة مثلوا تحديا سافرا للإسلام بعد القس اليسوعي جيروم كزافييه والقس هنري مارتين (١). وحول مدى التزام فندر بالقواعد المنهجية في الجدل مع رحمت الله، نأخذ قاعدة قاعدة ونفصل الحديث ونبين كيف كان موقف فندر من خلالها: لايمكن لأي شريعة نسخ عقائدها لكنها يمكن أن تنسخ بعض أحكامها. ذكر أن الكتاب المقدس لم ينسخ، ولا يمكن أن ينسخ لا في حقائقه ولا في عقائده ولا في مبادئه. ثم ذكر أن القرآن لم يشر إلى هذا النسخ! ثم يرى أن القرآن ينسخ نفسه بنفسه وليس بناسخ لغيره، وأن النسخ في حقه لفظي فقط وليس في المعنى كما حدث في التوراة والإنجيل. الأصل في أي نص اندثاره إلا إذا تعاهده سند معتمد مقبول، ولا اعتبار بالنسخ الأصلية للنص بقدر الاعتماد على طريقة نقله المعتمدة المتواترة. اعتمد فندر الروايات التاريخية التي لا تثبت طريقة نقلها إلى قائلها؛ ففي حين أن الإنجيل لم ينقل إلا بطريقة الروايات التاريخية، ورد إلينا القرآن عن طريق التواتر اللفظي والمعنوي والنصي والشفهي. وكيف تثبت النسخة الأصلية دون وجود داعم لها وهو السند المعتمد؟ ! . لا يمكن اتباع الشرائع التي تخالف المنطق والعقل في عقائدها ولو جزئيا .. الاتفاق على وجوب تطبيق قواعد المنطق والعقل السليم في فهم قضية التثليث. يرى القس فندر بأن الإيمان بالتثليث واجب حتى لو خالف العقل والمنطق!

стр. 144

عند استصحاب الردود لابد أن تكون من أقوال المفسرين المعتبرة عند الطرف الآخر وأقواها حجة. نقل فندر أقوال بعض المفسرين- المقتضبة أحيانا - وبعض الآراء الغير مثتبة، من خلال وجهة نظره. تحرير كل المصطلحات أولا قبل البدء في الحديث، مع تحديد الوجهة والهدف الذي يسير عليه المتناظران قبل المناظرة. لم يحرر فندر المصطلح ولم يلتزم أو يلزم غيره به، بل دار حول تعريف بعض المصطلحات والمبهمة لدى الطرف الآخر. ولكن حدد القضايا المثارة عند المناظرة، ورتب الأولويات فيها. الإنصاف في النقل والتحري والرد والفصل في الأمور، والاستدلال يكون بكافة الأوجه الممكنة. حيث يرى فندر أن عزرا من حفظة أسفار الوحي، حيث إن عزرا استدعى الكتبة إلى كتابة كل ما عمل في العالم منذ البدء، وأنه قد جاء في تفسير البيضاوي لسورة التوبة آية ٣٠ ما ينقض زعم رحمت الله ويؤيد بيانه؛ فقال ما معناه عندما سبى بختنصر اليهود لم يبق أحد من حفظة الوحي، فبعث الله عزيرا من الأموات وقد مر عليه مئة سنة ميتا، فأملى التوراة وجاءت طبق الأصل حتى تعجب منه اليهود، وأن سكوت اليهود عن التناقضات الواردة في الأسفار لدليل قوي على تمكنهم بالمتون الأصلية واستحفاظهم عليها مهما يكن من أمرها. ويكون الاختلاف في الألفاظ دون المعاني، وشبه التناقض الوارد في القرآن كذلك يدل على أمانة أهله في النقل. إلا أنه قد ورد في تفسير الآية كما وردت عند البيضاوي في كتابه أنوار التنزيل وأسرار التأويل: " ﴿يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُوا﴾ أي يضاهي قولهم قول الذين كفروا فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلهم والمراد قدماؤهم على معنى أن الكفر قديم فيهم، أو المشركون الذين قالوا الملائكة بنات الله، أو اليهود على أن الضمير للنصارى، والمضاهاة المشابهة والهمز لغة فيه. وقرأ به عاصم ومنه قولهم امرأة ضهيأ على فعيل للتي شابهت الرجال في أنها لا تحيض. ﴿قاتلهم الله﴾ دعاء عليهم بالإِهلاك فإن من قاتله الله هلك، أو تعجب من شناعة قولهم. ﴿أنى يُؤْفَكُونَ﴾ كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل. فلم يوضح ويفصل الأمر كما ذكر البيضاوي، كما لم يثبت الوجه الذي حمله المفسر في الآية التي أوردها. أورد تفسير الرازي لكيفية التحريف في الإنجيل وأن البيضاوي ذكر أنه ربما وقع في عصر ﷺ لكن الرازي أكده، والتحريف عبارة عن إبدال لفظ بآخر أو إلقاء الشبه الباطلة أو تغيير المعنى المراد بعد الاجتماع مع النبي وأن شهرة الإنجيل تمنعه من إلحاق ذاك التبديل أو التغيير فيه! لكن بالرجوع إلى تفسير الرازي (ج ١٠ - ص ٩٥) (١) تبين أنه أغفل عن ذكر وجه التحريف الرابع المذكور وهو التحريف بتأويل النص تأويلا فاسدا وأن الجمع بين تلك

стр. 145

الآية وآية سورة المائدة فيثبت الأمران في أنهما يخرجون النص من الكتاب وفي ذات الوقت يأولونه تأويلا فاسدا، وهذا مما يشهد على فندر بعدم الأمانة العلمية في النقل والتحري. كلام الله جائز أن يتبدل ويتغير ما لم يتعهد الله بحفظه. فالنسخ عند فندر غير جائز، وعليه تبنى الأحكام وتقدر، ولا يمكن - في رأيه - عقلا - تغيير كلام الله أو تبديله أو تحريفه. إن هناك توافقا بين تعهد الله وسند هذا التعهد فكلاهما متلازمان؛ فلا يمكن أن يتصور أن يكون هناك فقد في السند لآية تعهد الله فيها بحفظ هذا السند، ولا يمكن أن يلزم من ذلك حفظ النص دون تعهد من الله بحفظه وإلا لما أمكن في الأساس أن تكون هناك معصية واحدة لله على وجه البسيطة. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لا في الفهم ولا في التكليف. فاعتقاد الوحدانية أمر سهل وميسور في العقيدة الإسلامية، ولا توجد حسابات معقدة يصعب فهمها كما لدى النصارى، كما لا يوجد إرهاق في التكاليف ومدارها مصلحة العبد. اتحاد الذات المؤلفة من الجسد والروح والنفس قوة وفي انفصالها ضعف وفناء. لم يتعرض فندر لموضوع الانفصال، أو أن في الانفصال ضعف، بل مازال - حتى الآن - يكتنف قضية التثليث غموضا في الفهم. المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط. وجد فندر أنه إن وجد التعارض بين النص والعقل فمداره الإيمان والتسليم به؛ لأن في النص خفايا قد يعجز العقل البشري على إدراكها. لا تقتبس من نصوص غيرك لتشهد بها لنفسك في حين أنك تنكر الباقي منها إلا إن كانت بتفسير غيرك المعتمد لديه. دائما ما يلجأ فندر لتفسير الآيات برأيه أو الاعتماد على شواهد غير موثقة، مثل: يقول: علم المطلعون من المسلمين بالروايات المنسوبة إلى البخاري ومسلم التي تنفي عن محمد ﷺ وصمة الجهل بالقراءة والكتابة من ذلك ما ينسبونه إليه في معاهدة الحديبية من أنه أخذ القلم وضرب على توقيع علي بن أبي طالب بالنيابة عنه تحت إمضاء رسول الله، وكتب ابن عبد الله ... وبما أن هذه الروايات موضوع نزاع بين أهل السنة والشيعة فلا نجزم بصحتها غير أننا نقول أن مجرد وجودها مسندة إلى أئمة الحديث أمر يستحق الاعتبار وخصوصا أن لا شيء فيها بعيد الوقوع. ولا يؤخذ ما يؤيد وجهة نظره في التفسير - متجاهلا - باقي الاحتمالات. وألا يكون المناظر ملتزما بضد الدعوى التي يناظر من أجلها كما في حالة طلب المناظرة في التثليث مع إثبات بطلان نصوص الكتاب المقدس للاعتراف بتحريفها، ولا يوجد سوى النص ليستشهد به. وألا يكون في الدعوى أو في الدليل الذي يقدمه المناظر تعارض مثل ما حدث في حادثة بيلي أثناء التناظر.
следующие страницы →