← Акыда

Акыда · id 132410

منهج دراسة الأديان بين الشيخ رحمت الله الهندي والقس فندر

شريف فياض

Полный текст (323 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المبحث الثاني تحليل منهج رحمت الله أما بالنسبة لمنهجه فقد حدد مفاصل الكتاب الكبرى والموضوعات الجدلية. أوضح الأسلوب الذي اتبعه في الردود، وأن ذلك لايعني تجاوزا منه، وسوء أدب مع الآخرين إن استعمل مصطلحات غير مألوفة في الردود الإسلامية، وإنما هو استعمال لأسلوب النصارى المعتاد عندهم في توجيه النقد لكتبهم، أو تقرير حقائق نهائية، أو الحكم على الأشخاص، وذلك من خلال استعمال القساوسة هذه الاصطلاحات والنعوت عند مخاطبتهم للمسلمين، وهم أحق بها من خلال نسبة القس. وحدد المصادر والمراجع التي اعتمدها في كتابه، وأن أغلبها منسوب إلى فرقة البروتستانت؛ لغلبة المنصرين فيها في الهند، وتوفر كتبهم هناك. وعرض خمسة وثلاثين نموذجا من التحريف القصدي الذي اتسمت به كتب المنصرين، وجرت عليه عادتهم قصد التمويه والتضليل، مأخوذة من كتب القسيس فندر " ميزان الحق " و " حل الإشكال " و "مفتاح الأسرار".وإن الأمور التي نبه عليها في المقدمة هي جوهر المباحث التي تناولها في الكتاب. قام بتقسيم مباحث كتابه بشكل مفصل، واتضح أنه زبدة مؤلفاته، ومرجع يعتمد عليه، وأعجز غيره في الرد عليه، وأثر في النصارى وعلماءهم وعاميتهم (١). تناول رحمت الله قضاياه بشيء من التفصيل، فجمع بين الإسهاب الغير ممل، والتقصير غير المخل. دخل رحمت الله في مجال الدين المقارن وحوار الأديان والجدل بسبب ما وجده في بيئته من تأثر بنشاط الإرساليات المسيحية التبشيرية المختلفة، وخوفا على عوام المسلمين من التأثر بتلك الدعاوي، قرر الخوض في مسائلها - مستنيرا بالكتاب والسنة وأقوال من سبقوه - متأثرا بهم - مطورا ما كان عندهم. قصد رحمت الله التأثير في المخاطب من خلال: إبراز أهم القضايا المثارة بين الديانتين - الإسلام والمسيحية - شارحا - مستغرقا في تفاصيلها - مبرزا القواعد التي يسير عليها وأدلته - مسترشدا بأقوال العلماء، ومن الكتب المشهورة والمعتمدة. تحدث رحمت الله من خلال المذهب البروتستانتي مع عدم إغفال المذاهب الكبرى لما كان للبروتستانتية من انتشار كبير في تلك الآونة. كان ﵀ قدوة في الأدب، ومنارة في العلم، واعتذر في مقدمة كتابه " إظهار الحق " عما إن صدر عن قلمه ما يوهم بسوء الأدب للكتب أو الأنبياء المسلمين عندهم فليس من سوء اعتقاد في حقهم، بل هو من قبيل إنكار التحريف والأباطيل.

стр. 212

جمع رحمت الله عادات خصمه - مجملة - وذكرها في صدر كتابه، وهي التي دار عليها منهج خصمه، وتتبعها رحمت الله من خلال ما نظر وخبر، واشتملت على التفسير بالرأي، والكذب، والغضب من المخالف إن صدر عن قلمه ما يوهم بعدم المناسبة لمنصبه أو منصب أهل بيته في حين تكون حسنة إن صدرت عن قلمه هو! . يرد رحمت الله على المسألة الواحدة من عدة أوجه مختلفة يحتمل معها الشك في أحدها. ويحرر المصطلحات الواجبة؛ حيث تبين له من خلال المناظرة أنها قد تجرى حول تحرير المصطلح أو النزاع حول تعريفه، مثال ذلك: ما حدث حول معنى التحريف هل هو من سهو الكاتب - كما عرفه فندر- أم أنه الإضافة والتعديل والتبديل - كما بينه رحمت الله. يعمد رحمت الله قبل تحرير المسألة قراءة كل ما انبرى حولها وثار من ردود وأقاويل وشبهات. وقد بين رحمت الله أن اعتماد النصارى على سند كتابهم يحمل على الظن والتخمين والشك، وأن الكتب مملؤة بالاختلافات والأغلاط الكثيرة. كما فصل الحديث في ذلك بأنه لو تدبر أحد في كتبهم لما أمكن له الإذعان بكون عيسى مسيحا موعودا صادقا. بين أن التحريف امتد حتى إلى القرون الحاضرة، وأنها عادتهم، وأورد مثالا لذلك من خلال حديثه عن الإمام لوثر - الإمام الأول لفرقة البروتستانت من إدخال وإسقاط ما أوحى به إمامهم لما وقف على عادتهم في التحريف في حين قارن ذلك بتواتر القرآن - مطالبا - المتحقق من تجربة ذلك عمليا باختيار حفظة القرآن من الأزهر على سبيل المثال. أبطل التثليث بعدة أمور: البراهين العقلية - أقوال السيد المسيح - وإبطال الأدلة النقلية على ألوهية المسيح. وحول مدى التزام رحمت الله بالقواعد المنهجية في الجدل مع فندر، نأخذ قاعدة قاعدة ونفصل الحديث ونبين كيف وقف رحمت الله من خلالها: لايمكن لأي شريعة نسخ عقائدها لكنها يمكن أن تنسخ بعض أحكامها. حيث بين النسخ بأنه بمعنى الإزالة وهو انتهاء الحكم العملي الجامع للشروط؛ فلا يطرأ النسخ على القصص ولا على الأمور القطعية العقلية، ولا على الأمور الحسية، ولا على الأدعية، ولا على الأحكام المؤبدة أو المؤقتة، بل تطرأ على الأحكام المطلقة وألا يكون الوقت والمكلف والوجه متحدة بل لابد من الاختلافات في الكل أو في البعض من هذه الثلاثة. الأصل في أي نص اندثاره إلا إذا تعاهده سند معتمد مقبول، ولا اعتبار بالنسخ الأصلية للنص بقدر الاعتماد على طريقة نقله المعتمدة المتواترة. حيث عرف السند المتصل وشرح المقصود بالسند المتنازع عليه وهو السند المتصل؛ أي عبارة عن أن يروي الثقة بواسطة أو بوسائط عن الثقة الآخر بأنه قال إن الكتاب الفلاني تصنيف فلان الحواري أو فلان النبي، وسمعت هذا الكتاب كله من فيه أو قرأته عليه أو أقر عندي أن هذا الكتاب تصنيفي، وتكون الواسطة أو الوسائط من الثقات الجامعين لشروط

стр. 213

الرواية، وهذا السند غير موجود عندهم من آخر القرن الثاني أو أول القرن الثالث إلى مصنف الأناجيل كما ذكر رحمت الله. كما أورد حكاية حول التواتر، يعضد بها قوله: جاء يوماً أمير من أمراء الإنكليز في مكتب في بلدة سهار تفور من بلاد الهند ورأى الصبيان مشتغلين بتعلم القرآن وحفظه، فسأل المعلم: أي كتاب هذا. فقال: القرآن المجيد، فقال الأمير: أحفظ أحد منهم القرآن كله؟ ، فقال المعلم: نعم، وأشار إلى عدة منهم فلما سمع استبعد فقال: اطلب واحداً منهم وأعطني القرآن أمتحن، فقال المعلم: اطلب أيهم شئت فطلب واحداً منهم كان ابن ثلاثة عشرة أو أربعة عشرة وامتحنه في مواضع فلما تيقن أنه حافظ لجميع القرآن تعجب، وقال: أشهد أنه ما ثبت تواتر لكتاب من الكتب كما ثبت للقرآن، يمكن كتابته من صدر صبي من الصبيان مع غاية صحة الألفاظ، وضبط الأعراب. كما عند المقارنة بين سند زيد بن ثابت عند المسلمين وسند عزرا في التوراة نجد أنه بينما تشكلت لجنة من المسلمين لجمع المصحف من الحفاظ المتقنين وتقديم شاهدي عدل على كل آية، نجد أن عزرا - الغير معروفة هويته - بالتحديد يجمع التوراة بنفسه - بعدما مرت أعوام على هزيمة اليهود على يد بختنصر وتفرقهم وفقد نصوصهم الأصلية. كذلك المقارنة بين جمع قسطنطين للإنجيل الحقيقي واعتماده، وجمع عثمان للمصحف الحقيقي واعتماده - فارق كبير- فبينما كان قسطنطين وثنيا، وأقر الإنجيل المزيف - الذي يخدم مصالحه - على الرغم من أن أغلبية المجلس المشكل مقرون بالإنجيل الحقيقي - نجد عثمان قد نسخ القرآن بلجنة مشكلة معتمدة من صحابة الرسول، ثم رد أصل النسخة إلى صاحبه، ونسخ منه للأمصارالمختلفة لاعتماده وحرق المخالف عنه؛ حتى لا تنتشر النسخ المخالفة للأصلين المتشابهين تماما. لا يمكن اتباع الشرائع التي تخالف المنطق والعقل في عقائدها ولو جزئيا .. الاتفاق على وجوب تطبيق قواعد المنطق والعقل السليم في فهم قضية التثليث. مثل: قضية التثليث وردها ببراهين عقلية وأمثلة وليس كما يرى القس فندر بأن الإيمان بالتثليث واجب حتى لو خالف العقل والمنطق! عند استصحاب الردود لابد أن تكون من أقوال المفسرين المعتبرة عند الطرف الآخر وأقواها حجة. والتدليل على ذلك هي القواعد التي استنها في الرجوع إلى الكتب والمصادر -ولم يستنها فندر في المقابل- مثل: النقل عن كتب علماء البروتستانت بطريق الإلزام والجدل، ويكون النقل من خلال التراجم أو التفاسير أو التواريخ لتلك الفرقة؛ فبين رحمت الله الكتب التي ينقل عنها وهي: - ترجمة الكتب الخمسة لموسى ﵇ طبعة وليم واطس العربية بلندن عام ١٨٤٨ م من النسخة الرومية عام ١٢٦٤ م. - ترجمة وليم واطس لكتب العهدين عام ١٨٤٤ م. - ترجمة العهد الجديد بالعربية طبعة بيروت عام ١٨٦٠ م.

стр. 214

- التفاسير (آدم كلارك لندن عام ١٨٥١ م - هورن ط ٣ عام ١٨٨٢ م - هنري واسكات - لاردنر عام ١٧١٧ م ١٠ مجلدات - دوالي ورجردمينت عام ١٨٤٨ م - هارسلي - واتسن - ترجمة فرقة البروتستانت بالإنجليزية عام ١٨١٩ م - ١٨٢٠ م - ١٨٢١ م - ١٨٣٦ م - ترجمة العهدين لرومن كاثلك دبلن عام ١٨٤٠ م بالإنجليزية. تحرير كل المصطلحات أولا قبل البدء في الحديث، مع تحديد الوجهة والهدف الذي يسير عليه المتناظران قبل المناظرة. حرر معنى السند المتصل، وحرر معنى النسخ، كما حرر معنى التحريف في كتابه وأثناء المناظرة بأنه التغيير والتبديل وحدد القضايا المثارة، إلا أنه لم يبدأ في تحرير المصطلحات إلا بعد البدء في المناظرة وعند تحرير الكتاب. كذلك حدد قضايا النزاع وتم ترتيبها وفقا للأولويات. الإنصاف في النقل والتحري والرد والفصل في الأمور، والاستدلال يكون بكافة الأوجه الممكنة. مثل ما كان في قضية السند واتصاله: يقول فيها: " استدل فندر بقول سلسوس بأن من كتب الأناجيل هم الحواريون وورد في الصفحة ١٤٦: سلسوس كان من علماء الوثنيين في القرن الثاني وكتب كتاباً في رد الملة المسيحية، وبعض أقواله موجودة إلى الآن، لكنه ما كتب في موضع أن الإنجيل ليس من الحواريين". رد رحمت الله هذا القول بوجهين: أولاً: فلأنه أقر بنفسه أن كتابه لا يوجد الآن، بل بعض أقواله موجودة فكيف يعتقد أنه ما كتب في موضع، وعندي هذا الأمر قريب من الجزم (بأنه) كما أن علماء البروتستنت ينقلون أقوال المخالف في هذه الأزمنة، فكذلك كان المسيحيون الذين كانوا في القرن الثالث وما بعده ينقلون أقوال المخالف، ونقل أقوال سلسوس أرجن في تصنيفاته، وكان الكذب والخداع في عهده في الفرقة المسيحية بمنزلة المستحبات الدينية ... ويضيف: "رأيت بعيني الأقوال الكاذبة التي نسبت إلى المباحثة التي طبعها القسيس النبيل بعد التحريف التام في بلد أكبر أباد، ولذلك احتاج السيد عبد الله الذي كان من متعلقي الدولة الإنكليزية، وكان من حُضّار محفل المناظرة، وكان ضبطها بلسان الأردو أولاً ثم بالفارسي وطبعهما في أكبر أباد، إلى أن كتب محضراً وزينه بخواتيم المعتبرين وشهاداتهم مثل قاضي القضاة محمد أسد الله، والمفتي محمد رياض الدين، والفاضل الأمجد علي، وغيرهم من أراكين الدولة الإنكليزية وأهل البلدة". ثانياً: فلأن هذا القول ليس بصحيح في نفس الأمر، لأن سلسوس كان يصيح في القرن الثاني: "إن المسيحيين بدلوا أناجيلهم ثلاث مرات أو أربع مرات بل أزيد منها تبديلاً كأن مضامينها أيضاً بدلت" وكذا (فاستس) من علماء فرقة (ماني كيز) كان يصيح في القرن الرابع: "بأن هذا الأمر محقق أن هذا العهد الجديد ما صنفه المسيح ولا الحواريون، بل صنفه رجل مجهول

стр. 215

الاسم، ونسب إلى الحواريين ورفقائهم خوفاً من أن لا يعتبر الناس تحريره ظانين أنه غير واقف على الحالات التي كتبها، وآذى المريدين لعيسى إيذاء بليغاً بأن ألف الكتب التي توجد فيها الأغلاط والتناقضات. كلام الله جائز أن يتبدل ويتغير ما لم يتعهد الله بحفظه. فالنسخ جائز، وعليه تبنى الأحكام وتقدر، أما العقائد فلا تنسخ كما يطال الكلام تحريف البشر كسائر الكلام؛ حيث لم يشترط الله عدم التغيير فيه. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لا في الفهم ولا في التكليف. فاعتقاد الوحدانية أمر سهل وميسور في العقيدة الإسلامية، ولا توجد حسابات معقدة يصعب فهمها كما لدى غيره من العقائد، كما لا يوجد إرهاق في التكاليف ومدارها مصلحة العبد. اتحاد الذات المؤلفة من الجسد والروح والنفس قوة وفي انفصالها ضعف وفناء. أورد سبعة براهين في نقض التثليث بالعقل ومثال ذلك: إذا وجد التثليث الحقيقي لابد أن توجد الكثرة الحقيقية، وإن الواحد الحقيقي ليس له ثلث صحيح، والثلاثة لها ثلث صحيح وهو واحد، فيستلزم كون الواحد ثلث نفسه، وكون الثلاثة ثلاثة أمثال نفسها، والواحد ثلاثة أمثال الثلاثة. كذلك كيف كان الأب والروح القدس عند انفصال الابن عنهما؟ كما أن اتحاد عدة ذوات مع بعضهم يصيرون شيئا آخر جديد! المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط. لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين نص وعقل، فطالما اختلفا فلابد من وجود نقص إما في النص أو في العقل؛ فاجتماع الآراء حول عدم عقلانيته يدحض النص والعكس صحيح. لا تقتبس من نصوص غيرك لتشهد بها لنفسك في حين أنك تنكر الباقي منها إلا إن كانت بتفسير غيرك المعتمد لديه. لم يجتزئ رحمت الله النصوص أو تفسيراتها، بل تجاوز الأمر، حتى عندما حاول فندر أثناء المناظرة أن يأتي له بنصوص أخرى مختلفة، وعمل على الالتزام بالدعوى التي يقيمها أثناء المناظرة إلا أن فندر خالفها مرتين، الأولى: في عدم الالتزام بالتناظر حول مجموع العهدين، والذي أدى تجاهله بإمكانية نسخ الإنجيل بالقرآن بالتبعية، الثانية: التأكيد على إلزام رحمت الله، بالاعتراف: بعدم تحريف نص التثليث - في الكتاب المقدس - عقب اعتراف فندر بالتحريف الغير ممكن تعيينه في الإنجيل! لا يمكن أن تتعدد العقائد في الدين الواحد وإلا لما كان هناك ما يميزه كدين. فالأحكام ربما تختلف فهي جائزة عقلا، أما إن اختلفت العقائد في الدين الواحد فمبعثها اختلاف الديانات مثل: الإيمان بعقيدة التثليث في وحدة والوحدة في تثليث! فالعقيدة الإسلامية واحدة غير متعددة.

стр. 216

ومن قامت البراهين والآيات على صدقه فيما يبلغه عن الله كان صادقا في كل ما يخبر به عن الله. وذلك في إثبات النبوة وقدم فيه ستة مسالك. المسلك الأول: معجزاته ﷺ بإخباره عن الغيبيات الماضية والمستقبلية، وذكر ٣٠ مثلا قد ذكرها أئمة الحديث، وأتبعها بمثيلها في الإنجيل ب ١٢ مثالا لأشياء لم تتحقق. أما الأفعال على خلاف العادة فاكتفى بذكر ٤٠ مثالا. ثم تحدث في المساك الأخرى عن أخلاقه وأوصافه، وما اشتملت عليه شريعته، وظهور دينه على سائر الأديان - في مدة قليلة - وظهوره في وقت كان الناس بحاجة إليه. ثم قدم المسلك السادس بثمانية أمور بإخبار النبيين المتقدمين عليه عن نبوته ثم ثماني عشرة بشارة وخمس شبه على الشبهة الثامنة عشرة والأخيرة. التمسك بالنص الصريح المحكم ورد المتشابه إليه، ولا يجوز التمسك بالمتشابه ورد المحكم إليه. تتفاوت درجات إثبات النص، فمتى تم إثبات إحكام النص لا يمكن أن يرده من هو أقل منه درجة، وخاصة المتشابه والذي يرد بأكثر من احتمال، فيتأكد بالنص المحكم إن وجد وثبت احتماله. وقد عمل رحمت الله على الالتزام بالنص الصريح المحكم ورد المتشابه إليه، كما في آية الآب والابن والروح القدس بردها لأصلها وهي: الروح والماء والدم عكس ما فعل فندر. دراسة منهجه في كتبه ١ - كتاب إظهار الحق الكتاب موجه إلى فرقة البروتستانت التي كانت تحكم الهند آنذاك وقليلا للكاثوليك، وشملت تراجم - تفاسير - تواريخ، وأورد المؤلف الكتب والمراجع التي استند عليها، ثم بين منهجه في الاستدلال. عندما أراد أن يرد قضية ما عند فندر- كقضية قتل المرتد- نظر إلى عمق المسألة، فإن وجده متشددا في إثبات وجودها في الإسلام أتى بما يناظر قوله في الإنجيل، وإن وجده لا يتشدد رده بالدليل النقلي والعقلي بما ورد في الإسلام وثبت (١). يورد مسألة مسألة، ويرد عليها، أورد رحمت الله عن فندر أنه كاتب غير مبال بالقول الكذب، والثاني أنه يشخصن الأمور، والثالث أنه يترجم الآيات القرآنية ويفسرها على رأيه ليعترض عليها في زعمه (٢).

стр. 217

أثبت المؤلف أنه لا سند للكتاب المقدس، ولا يمكن الاعتماد على الظن وبعض القرائن فقط (١). يستند رحمت الله كثيرا إلى تفسير هنري واسكات عند النصارى ربما بسبب ما حمله الدكتور وزير خان معه من كتب عندما كان يدرس في لندن. ويبين إنصاف بعض مفسري الكتاب المقدس - إن لزم الأمر - إنصافا منه وتقديرا - واعتراضا - بما لهم وما عليهم. وتساءل عن من ترجم متى؟ - لم لا يكون لوقا ملهما، وإن لم يكن من الحواريين فكيف يعتبر ويصدق إنجيله .. ومن هو ايليا؟ وهل جلس عيسى على كرسي داوود؟ وكيف تم نسب بولس يواقيم حسب نسب متى! ويورد أحيانا الدليل بالفارسي، وكثيرا ما يورد ترجمته. استشعر الباحث أنه حبر من أحبار النصارى وهو يقرأ له؛ فهو دقيق جدا في التوصيف والنقد. احتج بأنه وإن كان لا يعلم يوم القيامة سوى الآب؛ فهذا ينفي التثليث لأن الابن لا يعلم فكيف بالإله لا يعلم! آية ٣٢ باب ١٣ مرقس (٢). جاءت عبارة (ويكون اللفظ أعذب) وردت كلمة " أعذب " في كتابه مرفوعة على خلاف! (٣). وفي طريقته للرد على فندر، يورد آيات من الكتاب المقدس في نفس الشبه التي ألقاها من القرآن، كشبهة الجنة وما تحويها من القصور والأنهار (٤). تواضع رحمة الله وأخلاقه أبت إلا أن يذكر أن الفاضل عباس علي الجاجموي الهندي صنف أول كتاب في رد أهل التثليث وسماه " صولة الضيغم على أعداء ابن مريم "، ثم ناظر ويت ووليم -القسيسين - في بلد كانفور - من بلاد الهند - وألزمهما، ثم اختصر كتابه وسمى مختصره " خلاصة صولة الضيغم " ومناظرته كانت قبل أن يناظر رحمت الله فندر في أكبر آباد بمقدار ٢٢ سنة (٥). استطاع من خلال عرض معمق ومؤصل أن يقنع القارئ بأنه وإن كانت المقولة بأن الإسلام انتشر بحد السيف فكذلك فعلت النصرانية (٦). يستنكر كيف يؤتمن النبي وقد أخرج النصارى الأنبياء من عصمتهم إلا فيما يبلغه عن ربه. علق فيها أنه لعل إله النصارى في زعمهم أقوى من إله المسلمين، وكذلك لما لم تكن العصمة من ذنب من الذنوب، حتى الشرك وعبادة العمل، والأصنام، والزنا، والسرقة، والكذب، حتى في تبليغ الوحي، وغيرها من المعاصي، شرط للنبوة عندهم، كانت

стр. 218

ساحة النبوة عندهم أوسع من ساحتها عند المسلمين، أو لعل منشأها أن يعقوب وداوود وسليمان وعيسى ﵈ لما كانوا أبناء الله، فلهم أن يفعلوا في مملكة أبيهم ما يشاءون بخلاف محمد ﷺ ، فإنه لما كان عبد الله بن عبد الله لا يجوز له أن يفعل في مملكة مالكه وسيده ما يشاء (١). أخيرا: في رأيي أنه يجب أن يتفق قبل المناظرة على تحرير المصطلحات. وانتهى الكتاب حيث تم العمل عليه مدة خمسة شهور تقريبا حتى استيفاؤه. ٢ - كتاب التنبيهات يتحدث في المقدمة أن أكثر أبناء هذا الزمان مالوا في إنكار الاحتياج إلى البعثة إلى رأي جمهور البراهمة والتناسخية؛ فاعتقدوا بأن العقل البشري كاف في تمييز الأشياء النافعة عن المضرة، ومالوا في إنكار الحشر مطلقا جمسانيا كان أو روحانيا إلى رأي القدماء من الفلاسفة الطبيعيين. ثم أورد التنبيهات اللازمة والتي كانت بمثابة القواعد التي يخططها رحمت الله في الاعتقاد والعمل به. وينبغي هنا التسليم بالتصديق البديهي كالتصديق النظري ولكي يكون أكثر دقة أعرف بهما: - التصديق البديهي، وهو كل قصة لا يحتاج التسليم بمضمونها إلى نظر واستدلال، وربما احتاج إلى التنبيه فقط بالنسبة إلى الغافل عن كونه بدهيا أو الغافل عنه أصلا. - التصديق النظري: وهو كله قضية لا يجزم العقل فيها بثبوت المحمول للموضوع أو نفيه عنه، إلا بعد النظر فيها والاستدلال عليها. كقولنا: خالق العالم أزلي أبدي (٢). التنبيه الأول: أن الإنسان مدني بطبعه؛ يحتاج إلى قانون ينظم علاقاته مع الآخرين يتمثل في النبوة. التنبيه الثاني: إن العقول متفاوتة؛ فالعقل غير كاف ولابد من الاحتياج إلى نبي. التنبيه الثالث: التفكير في معجزات النبي وتكاليف الإله والحكم منها. التنبيه الرابع: قد توجد في الشرائع أحكام تعبدية لا تظهر حكمة مشروعيتها للعقول القاصرة. التنبيه الخامس: حصول الاطلاع على المغيبات الماضية والآتية للنبي لا تستنكره الفلاسفة ولا تحصل للشخص العادي إلا بطريق الرياضة والمجاهدة فكيف بالنبي. التنبيه السادس: ظهور الأفعال الخارقة للعادة - من النبي- ليس بمستنكر عند الفلاسفة؛ حيث النفوس القدسية أعلى إرادة من النفوس العادية. التنبيه السابع: إذا ظهرت المعجزة على يد مدعي النبوة، خلق الله العلم الضروري بصدقه - قطعا - على ما جرت به العادة، ولا تنافيه الاحتمالات الصرفة، والتجويزات العقلية المحضة؛ لأنها لا تنافي العلوم العادية الضرورية القطعية.

стр. 219

التنبيه الثامن: التواتر إذا كان جامعا للشروط المفصلة في علم الأصول، فلا شك أنه يفيد العلم الضروري بما تواتر الإخبار عنه، إذ لاسبيل إلى العلم بالبلاد البعيدة والأشخاص الماضية سوى التواتر. التنبيه التاسع: نزول الوحي بواسطة الملك المصور بصورة المحسوس، وسماع الكلام منه، لا يستنكر عقلا؛ لأن رؤية الملائكة والسماع منهم - وإن لم يكونا متصورين - على ظاهر كلام الفلاسفة عبارة عن ذوات مجردة دون أجسام. التنبيه العاشر: الإنسان ليس عبارة عن هيكل محسوس بماله مزاج مخصوص، بل هو عبارة عن الجوهر المجرد - كما هو المختار عند محققي الفلاسفة علماء المسلمين - وتعلقه ببدنه جائز، مادام حصل للمشاهد في المرة الأولى. وتمييز المنكرات هي من العدل الإلهي، لكن ترتيب الوعد والوعيد لتصارع الشهوات مع الخير والاقتصاص من الظالم للمظلوم، والرؤى والمنامات - إن أرشده الميت لشيء ما - تؤيد عدم فناء الشخص بالكلية. التنبيه الحادي عشر: أتم السعادات هو الجمع بين البدن والنفس في ملذاتها، وروحها العالية، ولا تحصل إلا في المرة الثانية من النفس المجردة لبدن آخر جديد بعدما استحال الجمع بين الشيئين في الأولى. التنبيه الثاني عشر: وذلك للنظر في القادر الذي جمع المني من أماكن متفرقة حتى يصير دما، ثم شهوة تقذف به ليصبح إنسانا، لهو قادر على جمعه مرات ومرات. ومن هنا نرى أن التنبيهات كانت بمثابة قواعد يسير عليها الإنسان في حياته؛ ليحصل السعادة المنشودة، كما أنها أسلوب في التفكير، وتعريف للمصطلحات اللازمة. دراسة القضايا شملت المقدمة في بيان الأمور التي يجب التنبيه عليها، ثم يتناول بالشرح معنى كلمة ... (بيبل) وأصلها ومكونات العهدين القديم والجديد، والأناجيل المقبولة المعتبرة وتغير قبولها والأخذ بها أو ببعضها على مدار التاريخ. - في قضية النسخ تحدث عن نسخ أحكام التوراة باستثناء بعض الأحكام مثل: ذبيحة الصنم وحرمة الدم وحرمة المخنوق وحرمة الزنا ثم نسخ بولس الأحكام الثلاثة الأولى بفتوى الإباحة العامة ... ورد على أن استدلالهم المبني على الآية وفيها (إلى الأبد) محرفة إلحاقية، لا وجود لها في أقدم النسخ وأصحها. - وفي قضية التحريف ضرب مثالا على تحريف البروتستانتيين لبعض آيات كتاب الصلوات، وتساءل إن كانت تلك الآيات من كتاب الله فلم تركوها، وإن لم تكن من كلام الله فلم لم يظهر عدم صدقها! ؟ . - وفي قضية عصمة الأنبياء ذكر أنهم كذبوا في التبليغ بنص الكتاب المقدس، واستشهد بسفر الملوك بحال النبي إلى يوربعام وعودته ليهودا بخبر كاذب.

стр. 220

- وفي قضية الكتب المقدسة بين أن ما أورده القس فندر من آيات تثبت إلهية الكتب المقدسة لديهم أنها أغلاط وفصلها في بابها. - وفي قضية انقطاع السند بين أن الكذب والخداع - في عهد سلسوس الذي يستدل به فندر- كان بمنزلة المستحبات الدينية، وكان " أرجن " من الذين أفتوا بجواز جعل الكتب الكاذبة ونسبتها إلى الحواريين والتابعين أو إلى قسيس من القسيسين المشهورين، كما حرف فندر أقوالا نسبت إلى المباحثة، وطبعها في بلده " أكبر آباد " مما دفع السيد عبد الله أن كتب محضرا وزينه بخواتيم المعتبرين وشهاداتهم. تناول في الباب الأول قضية اتصال السند؛ فتناول في الفصل الأول: أنهم يقسمون الكتب إلى قسمين: - قسم منها يدعون أنه وصل إليهم بواسطة الأنبياء الذين كانوا قبل عيسى ﵇. - قسم يدعون أنها كتبت بالإلهام بعد عيسى ﵇. وأما الفصل الثاني فتحدث رحمت الله فيه أنه لابد لكون الكتاب سماويا واجب التسليم أن يثبت أولا بدليل تام أن هذا الكتاب كتب بواسطة النبي الفلاني، ووصل بعد ذلك إلينا بالسند المتصل بلا تغيير ولا تبديل، والاستناد إلى شخص ذي إلهام بمجرد الظن والوهم لا يكفي في إثبات أنه من تصنيف ذلك الشخص، وكذلك مجرد ادعاء فرقة أو فرق لا يكفي فيه، لكنهم يتعللون - كما حدث في المناظرة - بأن سبب فقدان السند عندنا هو وقوع المصائب والفتن على المسيحيين إلى مدة ٣١٣ سنة، ثم أورد رحمت الله الأدلة على انقطاع السند، ثم تحدث عن نسب الأناجيل الأربعة، وبين أنها مجهولة المصدر، أو مشكوكة في بعض الأبواب، أو بعض الآيات. وتناول في الفصل الثالث الاختلافات والأغلاط الكثيرة الواقعة في نصوصهم وذكر ١٢٥ اختلافا و ١١٠ خطأ، ورد عليهم بأوجه متعددة، ثم أورد رحمت الله - بعد ذلك - تنبيها مدعوما بالأدلة - أنه لو تدبر أحدهم في كتبهم لما أمكن له الإذعان بكون عيسى مسيحا موعودا صادقا. وفي الفصل الرابع أبطل ادعاء أهل الكتاب أن كتب العهدين كتبت بالإلهام، وأورد ١٧ وجها على بطلانه. ثم أورد قوله - ملخصا - في التوراة والإنجيل بأنها بمنزلة كتابين من السير مجموعين من الروايات الصحيحة والكاذبة وكلام بولس غير مقبول لديه؛ لأنه من الكاذبين الذين ظهروا في الطبقة الأولى. والحواريون يعتقد في حقهم الصلاح، ولا يعتقد في حقهم النبوة، وفقدان السند المتصل إلى آخر القرن الثاني، وفقدان الإنجيل العبراني الأصلي لمتى يرفع الأمان عن أقوالهم، ولم تؤت التوراة والإنجيل بالوحي بل كما قال الله تعالى عنهما: (ولقد آتينا موسى الكتاب) - (وآتيناه الإنجيل). وشرح المقصود بالسند المتنازع عليه وهو السند المتصل؛ أي عبارة عن أن يروي الثقة بواسطة أو بوسائط عن الثقة الآخر بأنه قال إن الكتاب الفلاني تصنيف فلان الحواري أو فلان

стр. 221

النبي، وسمعت هذا الكتاب كله من فيه أو قرأته عليه أو أقر عندي أن هذا الكتاب تصنيفي، وتكون الواسطة أو الوسائط من الثقات الجامعين لشروط الرواية، وهذا السند غير موجود عندهم من آخر القرن الثاني أو أول القرن الثالث إلى مصنف الأناجيل كما ذكر رحمت الله. وتناول في الباب الثاني قضية التحريف وقسم الباب إلى مقاصد: - المقصد الأول: في إثبات التحريف اللفظي بالتبديل بين أن النسخ المعتمدة ثلاث هي: العبرانية واليونانية والسامرية، وأن بينهم اختلافات كثيرة. المقصد الثاني: في إثبات التحريف بالزيادة وأورد رحمت الله ٤٥ شاهدا على ذلك، ومثال ذلك: أن ثمانية كتب من العهد العتيق كانت مشكوكة غير مقبولة عند المسيحيين إلى ٣٢٤ سنة، ثم جعلها أسلاف المسيحيين في المجالس المتعددة واجبة التسليم، وأدخلوها في الكتب الإلهامية، وأجمع الألوف من علمائهم على حقيقتها وإلهاميتها، كذلك كانوا يعتقدون صحة النسخة اليونانية وتحريف النسخة العبرانية؛ حيث حرفها اليهود في عام ١٣٠ م، والآن تم عكس الوضع؛ فأصبحت العبرانية هي المثبتة والمقبولة، واليونانية هي المشكوك في صحتها، حتى أن البروتستانت حرفوا أقوال معلمهم لوثر بعد موته بثلاثين سنة فقط بعد أن أوصى في مقدمة ترجمة كتابه ألا يحرف أحد في ترجمته. أما المقصد الثالث: في إثبات التحريف بالنقصان أورد رحمت الله ١٩ شاهدا و ٢٠ قولا و ٥ مغالطات. أما في الباب الثالث فتناول قضية النسخ؛ فبين أن النسخ بمعنى الإزالة وهو انتهاء الحكم العملي الجامع للشروط؛ فلا يطرأ النسخ على القصص ولا على الأمور القطعية العقلية، ولا على الأمور الحسية، ولا على الأدعية، ولا على الأحكام المؤبدة أو المؤقتة، بل تطرأ على الأحكام المطلقة وألا يكون الوقت والمكلف والوجه متحدة بل لابد من الاختلافات في الكل أو في البعض من هذه الثلاثة. وأورد رحمت الله ٢١ شاهدا على ذلك و ١٢ مثالا على أمثلة القسم الثاني. وأورد بيان تعريف النسخ مفصلا ومنكريه وشروطه وأدلته ومذاهبه. فالنسخ هو «دفع حكم شرعي بدليل شرعي»، ومؤداه أن النسخ لا يكون إلا في الأحكام. أما العبادات وأمهات الأخلاق ومدلولات الأخبار المحضة فلا نسخ فيها إن التعريف السابق يقتضي (١): - كون النسخ يختص بالأحكام دون العبادات وأمهات الأصول والأخلاق والأخبار.

стр. 222

كون الحكم الناسخ يأتي بعد الحكم المنسوخ بتراخي الزمان، لأنه لا معنى لناسخ ومنسوخ متوافقين. - كون مصدر الناسخ والمنسوخ واحد. - أن يكون بين الحكمين تعارض حقيقي. بهذه المقتضيات كان النسخ ذا وظيفة فعالة في النظام التشريعي الإسلامي يتفاعل مع مصالح الفرد ويوجهه ويستحثه نحو الأفضل الأصلح باستمرار، وإذا لم يكن هذا هو السر فيه، فماذا يكون وراء نزول القرآن نفسه منجما خلال ثلاث وعشرين سنة من فائدة. ولهذا قامت الشبهة أيضا ضد هذا السر الإلهي العظيم «وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة» [الفرقان: ٣٢]. ويأتي الجواب الإلهي «كذلك، لنثبت به فؤادك». وكذلك يجب أن يكون دستور البشرية متفاعلا مع الأحداث، ناميا مع الإنسان متدرجا به نحو الأسمى والأصلح، تثبيتا لفؤاد النبي العظيم، وللتاريخ، وللأمة التي تدين به في التاريخ. إن النسخ لا يدل على البداء في حق الله تعالى، والبداء عبارة عن ظهور الشيء بعد خفائه، ومنه يقال: بدا لنا سور المدينة بعد خفائه ... فإن قيل: لا يخلو إما أن يكون الباري تعالى قد علم استمرار أمره بالفعل المعين أبدا، أو إلى وقت معين، وعلم أنه لا يكون مأمورا بعد ذلك الوقت: فإن كان الأول، استحال نسخه لما فيه من انقلاب علمه جهلا، وإن كان الثاني فالحكم يكون منتهيا بنفسه في ذلك الوقت، فلا يتصوربقاؤه بعده، وإلا لانقلب علم الباري جهلا، وإذا كان منتهيا بنفسه فالنسخ لا يكون مؤثرا فيه؛ لا في حالة علم الله تعالى أنه يكون الفعل مأمورا فيها، ولا في حالة علم الله أنه لا يكون مأمورا فيها؛ لما فيه من انقلاب علمه إلى الجهل وإذا لم يكن الناسخ مؤثرا فيه، فلا يتصور النسخ (١). استدل الجمهور على جواز النسخ عقلا بدليلين (٢): الأول: إنه لا يترتب على فرض وقوعه محال لذاته. الثاني: وهو أن موسى وعيسى ﵉ قد بشرا بهذا الرسول الكريم النبي الأمي، وأوصيا أتباعه. وأهل الأديان على مذاهب ثلاثة في النسخ (٣): أولها: إنه جائز عقلا وواقع سمعا. وعليه إجماع المسلمين من قبل أن يظهر أبو مسلم الأصفهاني [المعتزلي] ومن شايعه، وعليه أيضا إجماع النصارى من قبل معاصريهم الذين خرقوا الإجماع وركبوا رءوسهم فأنكروا النسخ؛ ليصلوا من هذا الإنكار إلى بقاء ديانتهم

стр. 223

بجانب الديانة الإسلامية بدعوى أن الشريعة لا تنسخ الشريعة قبلها، وهو رأي العيسوية إحدى طوائف اليهود الثلاث. ثانيها: إن النسخ ممتنع عقلا وسمعا وهو ما جنح إليه نصارى هذا العصر وتقول به أيضا الشمعونية، وهم طائفة ثانية من طوائف اليهود. ثالثها: إن النسخ جائز عقلا ممتنع سمعا وبه تقول العنانية وهي الطائفة الثالثة من طوائف اليهود. كما يعزى هذا الرأي إلى أبي مسلم الأصفهاني من المسلمين، ولكن على اضطراب في النقل عنه وعلى تأويل يجعل خلافه لجمهور المسلمين أشبه بالخلاف اللفظي إن لم يكن كذلك فعلا. كما يتبين أيضا أن النسخ مجمع على جوازه عقلا ولم يخرج عن هذا الإجماع إلا " الشمعونية " إحدى فرق اليهود وبعض نصارى هذا الزمان، ولا شك أن مذهب هؤلاء المنكرين هو أخطر المذاهب وأشنعها في هذا الباب وأبعدها عن الحق وأكثرها مجانبة للصواب وولوغا في الباطل. إذ إن مجرد إنكار الجواز العقلي إنكار للوقوع الشرعي بالضرورة؛ إذ لا يمكن أن يقع في الوجود ما أحاله العقل. تناول الباب الرابع قضية التثليث، واشتمل على مقدمة وثلاثة فصول وفي المقدمة بيان ١٢ أمرا تفيد الناظر بصيرة: مثال ذلك: إن كتب العهد العتيق ناطقة بأن الله واحد أزلي أبدي لايموت، قادر يفعل ما يشاء ليس كمثله شيء لا في الذات ولا في الصفات، بريء عن الجسم والشكل. وفي الفصل الأول: إبطال التثليث بالبراهين العقلية أورد سبعة براهين ومثال ذلك: إذا وجد التثليث الحقيقي لابد أن توجد الكثرة الحقيقية، وإن الواحد الحقيقي ليس له ثلث صحيح، والثلاثة لها ثلث صحيح وهو واحد، فيستلزم كون الواحد ثلث نفسه، وكون الثلاثة ثلاثة أمثال نفسها، والواحد ثلاثة أمثال الثلاثة. أما الفصل الثاني: في إبطال التثليث بأقوال المسيح أورد رحمت الله اثني عشر قولا. وأما الفصل الثالث: في إبطال الأدلة النقلية على ألوهية المسيح حيث غالب الأقوال التي يتمسك بها المسيحيون مجملة منقولة من إنجيل يوحنا وعلى ثلاثة أقسام: - بعضها لا يدل بحسب معانيها الحقيقية على مقصودهم فاستنباط الألوهية منها مجرد زعمهم. - بعضها أقوال يفهم تفسيرها من الأقوال المسيحية الأخرى ومن بعض مواضع الإنجيل ففيها أيضا لا اعتبار لرأيهم. - بعضها أقوال يجب تأويلها عندهم أيضا فإذا وجب التأويل فنقول لابد أن يكون هذا التأويل بحيث لا يخالف البراهين والنصوص، ثم أورد رحمت الله أمثلة على ذلك مثل: إطلاق لفظ (ابن الله) على المسيح ﵇.

стр. 224

أما الباب الخامس فتناول قضية القرآن، فشمل إثبات أن القرآن كلام الله المعجز ورفع شبهات القسيسين، كما يتضمن مبحث إثبات صحة الأحاديث النبوية المروية في كتب الصحاح من كتب أهل السنة والجماعة. وجعل هذا الباب مشتملا على أربعة فصول: الأول: في إثبات أن القرآن كلام الله، واكتفى على اثني عشر أمرا على عدد حواري المسيح منه: - كونه في الدرجة العالية من البلاغة وراعى تعالى فيه الصدق وتنزيهه عن الكذب، وجاء أفضل من الشعر على الرغم من أن أحسن الشعر أكذبه - كما قيل- ومع طول القرآن وتكرير عباراته واقتصاره على العبادات وتحريم القبائح والحث على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة فإن ذلك لم يؤثر على فصاحته. - تأليفه العجيب وأسلوبه الغريب في المطالع والمقاطع والفواصل، مع اشتماله على دقائق البيان، وحقائق العرفان، وحسن العبارة، ولطف الإشارة، وسلامة التركيب، وسلامة الترتيب، فتحيرت فيه عقول العرب العرباء، وفهوم الفصحاء. - كون القرآن منطويا على الإخبار عن حوادث حدثت بالفعل. - ما أخبر من أخبار القرون السابقة والأمم الهالكة على الرغم من أمية الرسول، وعدم اشتغاله بمدارسة مع العلماء أو مجالسة مع الفضلاء. - ما فيه من كشف أسرار المنافقين، وحمله لمعارف جزئية، وعلوم كلية لم تعهدها العرب. - كونه بريئا عن الاختلاف والتفاوت مع أنه كتاب كبير يشمل الكثير من العلوم. - معجزة باقية تكفل الله بحفظه، ولما كان المعجز منه بمقدار أقصر سورة فكل جزء منه بهذا المقدار معجزة، فعلى هذا يكون القرآن مشتملا على أكثر من ألفي معجزة. - سامعه لا يسأمه بل تكراره يوجب زيادة محبته لصاحب القلب السليم، كما أن الخشية تلحق قلوب سامعيه عند سماعهم له، وحفظه لمتعلميه بالسهولة. - كونه جامعا بين الدليل ومدلوله. ثم أورد ثلاث فوائد تالية هي: أنه نزل في قوم بلغوا في اللغة والفصاحة أعلى المنازل فكان في نزوله تحديا لهم، كما أنه نزل منجما حتى لا تنزل الأحكام دفعة واحدة فتثقل على الخلق، كما أن كان ينزل حسب الوقائع، وتكرار الآيات تنزل لاختلاف أجناس البشر فكانت من أجل التأكيد والتقرير. الفصل الثالث: في رفع شبهات القسيسين على القرآن، وذكر رحمت الله أنه مملوء من أوله إلى آخره ب ١٢٧ أمرا من الأمور وسردها مثل: - الصفات الكاملة الإلهية - تنزيه الله عن المعايب والنقائص - الدعوة إلى التوحيد الخالص - ذكر الأنبياء ﵈ تنزيههم عن عبادة الأوثان - مدح المؤمنين بالأنبياء وذم منكريهم وتأكيد الإيمان بالأنبياء عموما وبالمسيح خصوصا ... الخ - كما لايوجد في القرآن أن النبي زنى بابنتيه أو ارتد في آخر العمر أو عبد الأصنام أو خلافه مما ذكر في الكتاب المقدس. وضرب رحمت الله اثني عشر مثالا على ذلك.

стр. 225

- وكذلك لايوجد فيه مثل المسائل الفخيمة التي عجزت في أكثرها عقولنا مثل أن مريم والدة الله حقيقة، وضرب ١٧ مثالا على ذلك، ثم ذكر مواضع الاختلافات من الكتاب المقدس بالإشارة إلى الباب والآية والسفر، ثم رد على بعض الشبه وأقواها بإيراد أقوال من الكتاب المقدس تشابه شبههم على القرآن ثم شرح المقصود من المعاني المرادة حول الشبهة. ثم انتقل للفصل الثالث في إثبات صحة الأحاديث النبوية في كتب الصحاح من كتب أهل السنة والجماعة واشتمل الفصل على ثلاث فوائد. ثم الفصل الرابع في دفع شبهات القسيسين الواردة على الأحاديث، وأورد خمس شبهات ورد عليها. تناول في الباب السادس قضية النبوة، تحدث في إثبات نبوة محمد ﷺ ودفع مطاعن القسيسين وهو مشتمل على فصلين. الأول: في إثبات النبوة وفيه ستة مسالك. المسلك الأول: معجزاته ﷺ بإخباره عن الغيبيات الماضية والمستقبلية، وذكر ٣٠ مثلا قد ذكرها أئمة الحديث، وأتبعها بمثيلها في الإنجيل ب ١٢ مثالا لأشياء لم تتحقق. أما الأفعال على خلاف العادة فاكتفى بذكر ٤٠ مثالا. ثم تحدث في المساك الأخرى عن أخلاقه وأوصافه، وما اشتملت عليه شريعته، وظهور دينه على سائر الأديان - في مدة قليلة - وظهوره في وقت كان الناس بحاجة إليه. ثم قدم المسلك السادس بثمانية أمور بإخبار النبيين المتقدمين عليه عن نبوته ثم ثماني عشرة بشارة وخمس شبه على الشبهة الثامنة عشرة والأخيرة. أما الفصل الثاني في دفع المطاعن؛ فأورد أربعة مطاعن مثل: الجهاد في سبيل الله ومعجزات الرسول ﷺ ، وزوجات النبي ونسائه، وشفاعة الرسول للمذنبين حيث يراه مذنبا، إلا أن رحمت الله أورد أمثلة من الكتاب المقدس على ذنوب الأنبياء عندهم وأكد أن مطاعنهم في النبي في بعض الأمور التي يفهمونها ذنوبا - في زعمهم - لا تقدح في نبوته على أصولهم. وختاما اتضحت طريقة رحمت الله في (١): ١ - التفصيل دون الاستطراد. ٢ - النقد الذاتي للقضية مثل: نفي ألوهية المسيح بنصوص العهدين. ٣ - الطرق الاستدلالية: - عرض مقدمات منطقية رياضية. - يستمد كلامه من نصوص الوحي والرد من خلال كلام الخصم وردوده. - اعتبار المنطق والتاريخ في حجته (العقل - كتب العهدين - كلام علماء النصارى المعتبرين). - يورد بعض تعليقاته الشخصية لتقرير حقيقة ما.

стр. 226

- استدلاله بقول مؤرخي المسلمين في الحديث عن فرق النصارى. - إبطال التثليث إما عقلي أو بالأدلة النقلية على ألوهية المسيح. - اختار رحمت الله طريقة التدمير الداخلي للمقولات العقائدية النصرانية انطلاقا من النص الديني المقدس لدى النصارى واعتمد المنطق وشواهد كتب العهدين. - يحتج على الخصم بمقولاته. - الاستدلال بالحقائق التاريخية وضرب الأمثال. والكتاب متعدد الموضوعات مركز على القضايا الخمس المشهورة. رتب موضوعاته ترتيبا جيدا يخدم الغرض، ويفند المزاعم طبقا لآراء علماء النصارى وتبعا لترتيبهم؛ فتأتي قضية انقطاع السند والتحريف ثم النسخ ثم التثليث ثم القرآن وأخيرا النبوة حيث بإثبات التحريف يبطل التثليث لكنه مع كل مبحث كان يفترض صحة ما قبله حتى تأتي الحجج مضاعفة في القوة والتأييد. يستطرد في البحث حتى إذا شعر بأن القارئ سيشعر بالملل استوقف نفسه ودخل في مبحث آخر. ولقد أفلح فيما قصد إليه حتى أن النصارى يخافون هذا الكتاب - حتى الآن - ويطالبون بحرقه. لقد أثر في الكثيرين من المسلمين والنصارى وتثبيت المتشككين ويكفي أن نجاحه مازال أثره ممتدا حتى اللحظة لدرجة تأثر أحمد ديدات بمنهجه كثيرا، وإنشاء مدرسة لتسير على منهج رحمت الله، كما أضاف إلى العلم الكثير بتخصصه في موضوع مقارنة الأديان بين المسلمين والنصارى ففاق في ذلك أقرانه وسابقيه وأثر في لاحقيه.

стр. 227

الفصل الرابع "تحليل ومقارنة المنهج بين رحمت الله وفندر "

стр. 228

تمهيد بعدما عرضنا في الفصل الأول حياة الشيخ والقس، وعرض أهم ما أنتجوه من كتب، وكما تم دراسة منهجهما من خلال الفصلين الثاني والثالث، نتوجه في هذا الفصل - بمشيئة الله تعالى - إلى مقارنة ما ورد في الفصلين الثاني والثالث، من خلال أهم ما قدموه من مباحثات ومناظرات والقضايا المتنازع فيها بين كل من الشيخ والقس ومن خلال المدخل، ثم مبرزا القواعد الجدلية التي يجب أن يسير عليها المتناظران في ختام الفصل، بعد عقد المقارنة بين كل منهما، ووضع كل منهما على تلك القواعد، وبيان من التزم ومن لم يلتزم بها.

стр. 229

مدخل إن المباحثة تكون مكتوبة غالبا، أما المناظرة فتكون علانية في الغالب لكن قد يشير كل منهما إلى الآخر أو يكمل كل منهما الآخر. المناظرة (١) كانت وقائع هذه المناظرة بين الشيخ والقس في الفترة الزمنية التي كانت الهند تحت نيران الاحتلال الإنجليزي، حيث أخذ نشاط علماء النصارى ودعاة التنصير يزداد بمرور أربعين عاماً على ذاك الاحتلال؛ فأخذوا يكتبون الرسائل، ويؤلفون الكتب، ويلقون الكلمات والمحاضرات في الأماكن العامة وحيث يجتمع الناس. إن سبب عناية واحتفاء المنصِّرين والقُسُس بكتاب ميزان الحق هو شموله جميع الشبه والافتراءات على دين الإسلام، كما أنه يعد جامعا لأوجه الرد والدفاع عن العقائد النصرانية؛ فأصبح هذا الكتاب المرجع الرئيسي للكتاب الذين يطعنون في الإسلام. وقد تصدى علماء المسلمين في الهند لمواجهة التنصير آنذاك؛ فكان من تلك الجهود الرد على كتاب " ميزان الحق " وتفنيد شبهه، وكشف افتراءاته؛ حيث ألفت عدة كتب منها: ميزان الميزان، والاستفسار، ولسان الصدق، وأدلة اليقين، ورد الشيخ رحمة الله بثلاثة كتب بلغات مختلفة هي: إزالة الأوهام، ومعدِّل اعوجاج الميزان، وإظهار الحق. ونتيجة لهذه الردود قام فندر بإخراج نسخة جديدة منقحة، غيَّر فيها أشياء كثيرة زيادة ونقصاً وتبديلاً، ثم أخذ الكتاب يصدر في الأزمنة اللاحقة بنسخٍ يتضح فيها الحذف والإضافة والتغيير والتبديل. لذلك كله طلب الشيخ رحمة الله الهندي مناظرة عامة أمام الناس مع كبير الحملة التنصيرية في الهند القسيس فندر، وجرت المناظرة في مدينة أكبر آباد بالهند، في شهر رجب سنة ١٢٧٠ هـ، الموافق نيسان/ إبريل ١٨٥٤ م. - أطراف المناظرة: أولاً: الشيخ رحمة الله ابن خليل الرحمن الكَيرانوي العثماني ثانيا: القِسِّيس فندر Pfander - التهيئة للمناظرة: دارت عدة مكاتبات بين الطرفين الرئيسيين في المناظرة من أجل الإعداد لها وتحديد شروطها؛ واشترط فندر في أول مكتوب له لرحمت الله شروطا ووضع قواعد وهي: ١ - أن تكون المناظرة في النسخ والتحريف كما استدعوا؛ حيث قد اختارهما رحمت الله في مكتوبه الأول له بناء على أن النصارى يرونهما أهم مبحثين على الإطلاق؛ فأراد رحمت الله أن يبدأ بهما لما يرونه فيهما من أهمية. ٢ - يتكلم في أمر يكون مختارا للطرفين. ٣ - أن لا يذكر أمرا خارجا عن المبحث في أثناء المناظرة.

стр. 230

٤ - أن يكون واحدا حكما يقال له: جيرمن Chairman في عرف الإنجليز، لئلا يكون محفل المناظرة عاريا من حسن الانتظام والتهذيب. ثم اختار رحمت الله د. محمد وزير خان مساعدا له، معللا في مكتوبه أن لغته الإنجليزية ضعيفة، وطلب توضيح الشرط الثاني، واعترض على الرابع وأضاف شرطا خامسا: وهو ألا يكون لأحد دخل في أثناء المناظرة، ولا يتكلم بلا أو نعم غير الأربعة، فوافق فندر في مكتوبه التالي على الشرط الخامس، واختار القس فرنج مساعدا له. ثم حدثت بعض الاختلافات بعد ذلك على تحديد ميعاد الجلسة ومقدارها لكنهما اتفقا فيه بعدما تدخل فندر لرئيس عمل د. وزير خان في المستشفى؛ للحصول على إجازة له في يوم المناظرة، كما اختلفا في ترتيب المباحث الخاص بالشرط الثاني الموضوع، هل النبوة قبل التثليث؟ كما أراد فندر أو أن التثليث قبل النبوة كما أراد رحمت الله حيث مدار إثبات التثليث هو إبطال النبوة، ومن خلال المكتوب التالي تم الاتفاق على أن المباحث أربعة على الترتيب: النسخ والتحريف ثم التثليث والنبوة. عند بداية المناظرة تحدث القس فندر، والواضح أنهما قد اتفقا على أن المباحث تكون ستة وهي النسخ والتحريف وألوهية المسيح ثم التثليث والنبوة وحقية القرآن حيث لم يعترض رحمت الله على ذلك؛ وحيث يكون فندر مجيبا في المسائل الأربع الأولى، ويكون الفاضل معترضا، وفي المسألتين الأخيرتين يكون رحمت الله مجيبا وفندر معترضا. وقائع المناظرة الجلسة الأولى: في مبحث النسخ انعقدت جلسة المباحثة الأولى في الحادي عشر من رجب سنة ١٢٧٠ من الهجرة، والعاشر من نيسان/ إبريل الإفرنجي سنة ١٨٥٤ من الميلاد، يوم الإثنين وقت الصبح في خان عبد المسيح. وكان من حضور تلك الجلسة: إسمت حاكم صدر ديواني] رئيس الديوان [أي: مشير الضبطية] حاكم وزارة العدل [، وكرسجن سكرتير صدر بورد- مستشار النظارة المالية] وزارة المال [، ووليم William حاكم المعسكر- أي حاكم قشله] ثكنة، أو معسكر [، وليدلي Laidly، والقسيس وليم كلين William Clean، والمفتي الحافظ رياض الدين، والفاضل فيض أحمد سرتشته دار صدر بورد- أي باشكاتب النظارة المالية] أمين سر وزارة المال [، والفاضل حضور أحمد، والفاضل أمير الله وكيل راجه بنارس Benares، والفاضل قمر الإسلام إمام الجامع الكبير في أكبر آباد، والكاتب خادم علي صاحب " مطلع الأخبار "، و] الصحفي [الفاضل سراج الحق بن فيض أحمد؛ وكان أناس آخرون غيرهم أيضا من المسلمين والمسيحيين ومجوس الهند، زهاء خمسمئة أو ست مئة. الجلسة الثانية: في التحريف انعقدت هذه الجلسة يوم الثلاثاء الثاني عشر من رجب سنة ١٢٧٠ هـ من الهجرة، والحادي عشر من نيسان/ إبريل الفرنجي سنة ١٨٥٤ من الميلاد، وقتَ الصباح، في المكان المعهود؛ واجتمع فيه الخواص والعوام أزيد من الجلسة الأولى. وكان من حضَّار تلك الجلسة: إسمت حاكم صدر ديواني] رئيس الديوان [أي: مشير الضبطية] حاكم وزارة العدل [، وريد Red حاكم صدر يورد- أي مشير النظارة المالية] حاكم وزارة المال [، ووليم William حاكم المعسكر، والقسيس وليم كلين William Clean، والقسيس هارلي Harly، وغيرهم من أمراء الإنكليز، والمفتي محمد رياض

стр. 231

الدين، والفاضل أسد الله قاضي القضاة، والفاضل فيض أحمد سرشته دار صدر يورد- أي باشكاتب النظارة المالية] أمين سر وزارة المالية [، والفاضل حضور أحمد، والفاضل أمير الله وكيل راجه بنارس Benares، والفاضل قمر الإسلام إمام الجامع الكبير في أكبر آباد، والفاضل أمجد علي وكيل الدولة الإنكليزية- أي: دعو به ناظري - و] الصحفي [الفاضل سراج الحق] بن فيض أحمد [، والكاتب خادم علي مهتم " مطلع الأخبار "، وغيرهم من رؤساء البلد من عوام المسلمين والمسيحيين والمشركين زهاء ألف رجل، وكانت الكتب الدينية أيضاً بين أيدي الفريقين أزيد من الجلسة الأولى. واختتمتِ المباحثةُ (التقريرية) على هذا وودَّع كلٌّ من الفريقين الفريقَ الآخر، ثم وقعَ التحريرُ على رجاء المباحثة التقريرية، لكنها لم تقع. خاتمة المسائل (١) عرض السيد الهندي في مكاتبات الشيخ والقس بعد انتهاء مبحثي النسخ والتحريف أن رحمت الله وضع قواعد جديدة لاستكمال المباحثات لكن هناك شرطا لم يقبله فندر؛ ولذا كان هذا الشرط سببا رئيسيا في عدم استكمال المناظرة، وكذلك مع عدم اعتراف القس وتحريفه لما حدث في المناظرة، ومطالبته بالاعتراف بأنه لايوجد تحريف في المتن ويقصد في آيات التثليث. ١ - أن يوقع الطرفان على أقوالهما بعد الانتهاء. ٢ - أن الكلام كان ولا يزال على مجموع العهدين لا على العهد الجديد فقط. ٣ - ألا يظهر لفظ " لا " من جانبهم وقت الجواب وألا تكون المباحثة على طريقة الحكام وأن تراعى آداب المناظرة. ٤ - مباحثة النبوة وحقية القرآن بعد التثليث وألوهية المسيح. وحصل السيد عبد الله الهندي على توقيعات الحضورالخاصة بمطابقة المناظرة للواقع بعد تحريف فندر لها وإسقاط كثيرمن الأقوال بعد طباعتها ومنهم: - محمد أمير الله (وكيل راجه بنارس) "كيفية هذه المناظرة التي حررت في هذه الرسالة صحيحة ألبتة، وصادقة جزما ". - قادري فيض أحمد (باشكاتب النظارة المالية) "هذه المباحثة وقعت بحضوري ". - محمد سراج الحق ابن الفاضل فيض أحمد المزبور" كنت موجودا في جلسة اليوم الثاني، فالقدر الذي نقل عن تقرير هذا اليوم أشد ضبطا وأصح ". - محمد أسد الله (قاضي القضاة ببلدة أكبر آباد) "كنت موجودا في الجلستين كلتيهما، وهذا التقرير كله وقع بين يدي، وضبط بالاحتياط التام ". - محمد رياض الدين (المفتي) "كنت في جلسة اليوم الثاني، فضبط تقرير هذا اليوم بالصحة". - محمد أمجدعلي (وكيل الدولة الإنجليزية أي دعويه ناظريه) "كنت في الجلستين، فالتقدير كله صحيح ومطابق للواقع". - السيد الحافظ مولى حسن " كنت في الجلستين، وهذا التقرير كله وقع بحضوري ". - الحافظ خدابخش "هذا بيان واقع وقع في الحضور، لا شبهة فيه". - إمام الدين " كنت حاضرا في جلستي المناظرة، فالتقرير كله صحيح لاريب فيه".

стр. 232

- محمد قمر الإسلام (إمام الجامع الكبير في بلدة أكبر آباد) "كنت شريكا في المباحثتين، والتقرير كله ضبط بالصحة ". - قادري محمد جعفر نجش " هذا التنميق واقع وأنا حاضر في الجلستين ". - خادم علي مهتم (مطلع الأخبار) " سمعت تقرير نصف الجلسة في اليوم الثاني، فحرر بعينه كما كان، لا تفاوت فيه بمقدار ذرة". - محمد قمرالدين مهتم (أسعد الأخبار والمدرس الأول في مشنيري كالج) " التقرير الذي سمعته في الجلستين، رأيته مكتوبا في هذه الأوراق ". - محمد عبد الشهيد كولوي " هذا العبد كان حاضرا في الجلستين، والتقرير المنقول في هذه الرسالة وقع بلا زيادة ونقصان ". كما عرض د. الملكاوي المسائل الثلاث الباقية من وجهة نظر المنصرين، والرد عليهم بما يجوزون الاستدلال به من كتبهم وبما يصلح للمناظرة معهم ... مستعينا بكتاب إظهار الحق الذي عرض فيه الشيخ رحمت الله الهندي مسائل المناظرة الخمس عرضا وافيا، لكنه زاد على منهاجه في المناظرة؛ لأنه كان في كتابه مؤلفا وليس مناظرا (١). تحليل ودراسة منهج المناظرة فيما بينهما جرت مناظرة بين الشيخ رحمت الله ومعه د. محمد وزير خان والقس كئي في منزل القسيس فرنج - أولا - عام ١٨٥٤ م - بمدينة أكره بالهند - وتم نشرالمناظرة في هامش المجلد الثاني من كتاب الشيخ رحمت الله " إزالة الشكوك "، ونقلها أ. إمداد صابري في كتابه " آثار رحمت الله " في فصل المناظرة الشفهية. كان كتاب "إزالة الأوهام" هو أول كتاب لرحمت الله للرد على كتاب ميزان الحق لفندر. دارت المناظرة مع القس كئي حول سند الكتاب المقدس، والتناقضات الواردة فيه: مثل الأعداد، وكلا القسين لم يستطيعا إثبات صحة السند، أو إبطال التناقضات، واتضح من خلال المناقشة دراية د. وزير خان بكلام كبار مفسري الكتاب المقدس (٢). دارت المناظرة الكبرى والتي سجلها عبد الله الهندي - المترجم الثاني للدولة الإنجليزية - في دار الحكومة - أكبر آباد - وطبقت سنة ١٢٧٠ هـ. دارت تلك المناظرة الكبرى بين رحمت الله الهندي والقس فندر، حول التحريف وكذلك معنى النسخ عند النصارى معرفة حقيقية وجلية؛ حيث فرق بين النسخ في الأخبار وبين الأحكام والأمور العقدية والتي ليس فيها نسخ (٣). حيث تقرر عقد مجلس المناظرة في (١٠ من إبريل ١٨٥٤ هـ) في أكره إحدى مديريات الولاية الشمالية الرئيسية وأحد مجالات النشاط التنصيري في الهند، وفي حي من أحيائها

стр. 233

المعروفة بحارة ((عبد المسيح)) (١) (بدأ الحفل في اليوم المعين، والساعة المحددة وقد حضرها ولاة المديرية من حكام وقضاه، وبعض كبار موظفي الثكنة الإنجليزية من الإنجليز، وحضر القس (وليم كلين WILLIAM CLEAN) وعدد كبير من أعيان البلد ووجهائه، ومن أبناء البلد المسلمين والمسيحيين والهنادك والسيخ، وكان الدكتور محمد وزير خان بجوار الشيخ رحمة الله يساعده ويتعاون معه، وكانت تلك القضايا موضوع البحث والمناظرة وهي (٢): - التحريف في الكتاب المقدس (العهد القديم والجديد). - وقوع النسخ. - التثليث. - نبوة محمد ﷺ . - صدق القرآن وصحته. وقد تقرر أنه إذا انتصر الشيخ رحمة الله في المناظرة يدخل ((فندر)) في الإسلام، وإن كان العكس يتنصر الشيخ .. أسفرت هذه المناظرة التي لفتت أنظار المعنيين بالقضية في داخل البلد وخارجه، وكانت حديث النوادي، والشغل الشاغل، والمقيم في البلد عن اعتراف القس ((فندر)) بوقوع التحريف في ثمانية مواضع من الإنجيل، وقد أفزع ذلك الولاة وأنصار ((فندر)) وشيعته، ولكنه سهم أطلق من القوس فلا راد له، وتزايد عدد الحاضرين في الغد، وازداد عدد الحكام الإنجليز، والمسيحيين والهنادك والسيخ، وحضرها جم غفير من المسلمين، وأصر ((فندر)) على أن الأخطاء التي وقعت في الإنجيل كانت من سهو الكاتب، أما العبارات التي تتضمن عقيدة التثليث، وألوهية المسيح، والفداء والشفاعة فهي مصونة من التحريف، وقد رد عليه الشيخ بقوله: (إنك ما دمت قد اعترفت بوقوع التحريف في الإنجيل، فقد أصبح هذا الكتاب مشكوكا فيه برمته) وانتهى البحث على ذلك، ولم يرجع القس إلى البحث والمناظرة في اليوم الثالث (٣) وكان من الواضح أنه انسحب عن ميدان المناظرة، وكان انتصارا رائعا للجانب الإسلامي، قويت به معنوية المسلمين، وتشجعوا على مواجهة القسس ورد دعاويهم، وفقدت الدعوة التنصيرية الكثير من اعتبارها وقيمتها (٤). يبدو أن المناظرة تركزت في البداية حول تحرير مصطلح النسخ، إلا أنه لو كانت وضعت في المكاتيب وتحددت المصطلحات التي سبقت التحرير لكانت أولى وأدق. سأورد تحليلي في المناظرة بعد الإتيان بالكلام نصا لأحدهما أو لكليهما مع استنتاجات موجزة.

стр. 234

الجزء الأول: في النسخ عندما قال الشيخ رحمة الله: هذا بعيدٌ من إنصافِكم أن القول الذي تسمعونه من أحدٍ من المسلمين تنسِبونَه إلى القرآن والتفاسير، وبالجملة، لا شك أنه (أي: ادِّعاء كون الزبور ناسخاً للتوراة ومنسوخاً من الإنجيل) غلط. قال القسيس: نعم! [- فهذا إقرار بالخطأ؛ أنه نقل شيئا في كتابه دون علم وتحر]. ولما قال القسيس: لا يمكن نسخ الإنجيل قطعا؛ لأن قول المسيح في الآية العدد ٣٣ من الباب الحادي والعشرين من إنجيل لوقا Luc هكذا: (السماءُ والأرضُ تزولان وكلامي لا يزولُ). قال الحكيم محمد وزير خان: هذا القول ليس بعام، بل خاصٌ بالخبر عن الحادثة التي أخبر عنها المسيح ﵇ قبل تلك الآية، ومعناه: لو زالتِ السماءُ والأرضُ بالفَرَض، لكن كلامي هذا لا يزولُ عن الحادثةِ التي أخبرتُ به عنها. قال القسيس: إنّ هذا القول ليس بخاص بل عام. [-إن تعميم الخاص أو تخصيص العام يحتاج إلى دليل]. قال القسيس: نعم! التوراةُ منسوخٌ، لكن كلامنا ليس في التوراة. [-اعترف القس النبيل بنسخ التوراة في هذا الموضع]. قال الحكيمُ: لِمَ لا يكونُ كلامكم في التوراة وعندنا التوراةُ والإنجيلُ مستويان؟ ! وقد صرَّحتم في عنوان الفصل الثاني من الباب الأول من كتاب "ميزان الحق": إنَّ الإنجيل وكُتُبَ العهد العتيق لم تُنْسخ في وقتٍ من الأوقات! [- أظهر الحكيم أن قوله في كتابه يناقض ما أدلى به منذ قليل من الاعتراف بنسخ التوراة]. فتحيِّرَ القسيسُ وقال: أفتى بعض العلماء بِحِلِّيةِ هذه الأشياء نظراً إلى تلك الآيات. [-يعترف ببعض العلماء، ولكن سيأتي استنكاره للعلماء الذين يوردهم الفاضل بعد ذلك]. قال الفاضل الشيخ رحمة الله: إن قولَ المسيح في حق الحواريين في الباب العاشر من إنجيل متى هكذا: (إلى طريقِ أُمَمٍ لا تمضوا، وإلى مدينةٍ للسَّامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحَرِيِّ إلى خِراف بيت إسرائيل الضَّالَّة)، وفي الباب الخامس عشر من إنجيل متى وقع قوله في حق نفسه هكذا: (لم أُرسَل إلاَّ إلى خِراف بيت إسرائيل الضالة)؛ فأقر بخصوص نبوته إلى بني إسرائيل، ووقع قوله في خطابهم في الآية الخامسة عشر من الباب السادس عشر من إنجيل مرقس Mac هكذا: (اذهَبُوا إلى العالم أجْمَع، وأكرزوا بالإنجيل للخليقَة)؛ فالقولُ الثاني ناسخٌ للأول. قال القسيس: إن المسيحَ نفسَه نَسَخَ الحكم الأول.

стр. 235

[- الاعتراف الثاني أن النسخ جائز في الإنجيل كذلك]. ثم قال: بيِّنوا. [- لا أراه إلا أنه قد أعطى نفسه مهلة للتفكير في حين أن رحمت الله أراد غلق الباب تماما]. قال القِسِّيسُ فرنج French: قد قلنا في السابق - يعنى في المباحثة السابقة- أنه نُسخَ من التوراة أحكامٌ كانت أظلالاً للمسيح، وكان نَسْخُها مناسباً؛ لأن المسيحَ كمَّلها؛ وأمَّا البشاراتُ التي كانت في حق المسيح فهي غير منسوخة. [-المباحثة السابقة يقصد بها المناظرة الصغرى]. قال الحكيم: لو سُلِّمَ أن أحكام التوراة كمُلَت بمجيء المسيح؛ فلا بد من إقرار النَّسخ في الأحكام التي نُسخِت قبلَ المسيح. [-استدراك خطير من الحكيم]. قال القسيس فندر Pfander: نحن نفرِّق أيضاً بين إمكانِه ووقوعِه بالفعل، وتَمَّ الكلام في النَّسْخ؛ فاشرعوا في مبحث التحريف. [-يحاول أن يثبت أن النسخ لم يقع على الرغم من اعترافه بإمكان وقوعه]. الجزء الثاني: في التحريف الجلسة الأولى قال الفاضل المناظر الشيخ رحمة الله، عامله الله بلطفه: التِماسنا أولاً أن تُبيِّنُوا أن التحريفَ بأيِّ وجهٍ يثبُتُ عندكم، ليثبت على ذلك الوجه (ويتم عليكم)؟ فما أجابَ القسيس بجوابٍ واضح. [-يحاول تحرير مصطلح التحريف قبل الخوض في المناظرة]. قال القسيس: لا نقولُ في حق الألفاظ شيئاً. [- سيورد رحمت الله كلام علمائهم المشهورين الذين يقولون أنها ليست إلهامية؛ حيث أثبتوا إسقاط بعض الآيات من النسخ].

стр. 236

قال القسيس: إن جستن Justin كان رجلاً واحداً، وسَها. قال القسيس: ماذا يكونُ بتحريرِ هنري واسكات Henry&Scott؟ ! لأنهما مفسِّران، والمفسرون غيرُهم مِئون. [- لايعترف بجستن -كذلك لا يعترف بسكوت وهنري]. قال الفاضل الشيخ رحمة الله: إن هذَيْن المفسرَين ما كتَبَا آراءهما فقط، بل بَيِّنا مذهبَ جمهور القُدماء. قال القسيس: إن المسيحَ شهِدَ في حق كُتُب العهد العتيق، وشهادَتُهُ أزيد قبولاً من شهادة غيره، وهي هذه الآية ٤٦ من الباب الخامس من إنجيل يوحنا Jean، هكذا: (لو كُنتم تصدِّقون موسى لكنتم تصدِّقونني؛ لأنه كَتَب عني)، والآية ٢٧ من الباب ٢٤ من إنجيل لوقا Luc: (ثُم ابتَدأَ من موسى ومِنْ جميع الأنبياء يُفَسِّرُ لهما الأمورَ المختصَّةَ به في جميع الكُتب)، والآية ٣١ من الباب ١٦ من إنجيل لوقا: (فقال له: إنْ كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء، ولا إنْ قامَ واحدٌ من الأمواتِ يُصدِّقون). [-استدراك خطير من القس؛ حيث يريد أن يثبت التوراة عن طريق نصوص الإنجيل، بينما كان يصر رحمت الله على إبطال التوراة ثم الإنجيل عن طريق السند وأقوال المفسرين المعتبرين، فغير فندر مجرى الإثبات]. قال القسيس: لا نُسَلِّمُ لبيلي Paley في هذا الموضع. [-شعر فندر أنه قد اقترب من تحقيق النصر، وأن عدة رحمت الله ووزير خان قد أوشكت على الانتهاء؛ فأصر على موقفه من عدم قبول أقوال بعض العلماء على الرغم من تحججه في بداية حديثه بآراء بعض العلماء]. قال القسيس: أوردنا لِكتُبِ العهد العتيق شهادةَ المسيح، فعليكم إثبات تحريفِ الإنجيل. [- أغلق فندر الباب، وشعر بالانتصار؛ حيث إن الخصم لا يدور إلا في فلك واحد مع الإصرار عليه دون غيره]. قال الحكيم: إن قولكم هذا، وإن كان غير صواب - لما علمتَ فيما مضى - لكنكم إن كنتم مشتاقين لثُبوت تحريف الإنجيل؛ فاسمعوا. [- كانت المفاجأة! اسمعوا]. ثم أقر القسيس: إن التحريف وقَعَ ههنا، وكذا في موضع أو موضعَيْن آخرين. [-اعتراف بتحريف الإنجيل].

стр. 237

ثم التفت القسيس فرنج إلى الحكيم، وقال في لسان أردو: إن القسيس فندر أيضاً يُسلِّمُ أن التحريفَ قد وقَعَ في سبعة أو ثمانية مواضع. [- الغريب أن فرنج يؤكد التحريف! ]. فقال الفاضل قمرُ الإسلام إمامُ الجامع الكبير في أكبر آباد للكاتب خادم علي، مهتم " مطلع الأخبار: " اكتبوا أنّ القسيس أقرَّ بالتحريف في سبعة أو ثمانية مواضع، (واطبَعوا في جريدتكم). قال القسيس بعد استماعه: نعم! اكتُبوا. ثم قال: ما يلزم النقصان في الكتب المقدسة وإن وقع التحريف بهذا القدر، وقد اختلفَت العباراتُ يقيناً بسهو الكاتبين. [-هنا اتضح موقف فندر من الاعتراف بالتحريف أنه يفرق بينه وبين النقص في المتن الذي يشير إلى عبارات التثليث، ويستمر موقفه حتى نهاية المناظرة على هذا الشكل .. إلى أن أنهيت المناظرة ورد عليه أحد الحضور: كيف يكون هناك تحريف ولا يكون هناك نقص في المتن! ؟ ]. قال الحكيم: إنَّ اختلافات العبارة عند البعض مئة ألف وخمسون ألفاً، وعند البعض ثلاثون ألفاً، فمختاركم أيّ قولٍ من هذين القولين؟ [- تأكد الحكيم أن القس وقع في أزمة وأنه لامناص من الاعتراف، فأراد أن يجهز عليه وأن يغلق الباب تماما]. قال القسيس: لا نقدِرُ أن نعيِّن إحداهما جزْماً. [-تأكيد تام بالتحريف في الكتاب المقدس] قال الفاضل المناظر النحرير: أقْرَرْتُم بالتحريف في ثمانية مواضع، ونحن نثبته إن شاء الله في خمسين أو ستين موضعاً بإقرار العلماء المسيحية؛ فإن كانت المباحثةُ مقصودةً لكم فلا بُدَّ من مراعاة ثلاثة أشياء: الأول: نطلب منكم السندَ المتصل لبعض الكتب، فلا بُد من بيانِه. والثاني: لا بد من تسليم خمسين أو ستين موضعاً التي أقرَّ فيها العلماء المسيحية بالتحريف، أولا بُدَّ من تأويلها، ولا نقولُ: إنَّهُ يلزمكم تسليم قول هورن Horne طَوعاً أو كرهاً، وأنتم أدونُ من هورن، بل نقول لا بُد أولاً من استماع هذه المواضع ثم اختيار أحد الأمرين، أعني: التسليم أو التأويل. والثالث: ما لم تفرغوا من تسليم هذه المواضع الخمسين أو الستين أو تأويلها لا تستدلّوا بهذا المجموع علينا. قال القسيس: نقْبَلُ بشرط، هو أنِّي أَسألُ غدا: إن الإنجيل الذي كان في عهد نبيكم أيّ إنجيل كان؟ . [-يظن القس أنه بإثبات هذا يكون قد أثبت صحة الإنجيل دون تقديم إسناد]

стр. 238

وأشار إلى إسمت مشير الضبطية؛ فقال: اسألوه. لكنه ما قال في هذا الباب شيئاً، ثم قال المفتي: إذا كان اختلافُ العبارات مسلَّماً عندكم، فإذا وجدت العبارتان مختلفتين، فهل تقدرون أن تعيّنوا إحداهما أن هذه كلام الله جزما أم لا تقدرون؟ بل كلتاهما مشكوكتان! ). [- سؤال في غاية الأهمية للتأكيد على إقراره التحريف؛ حيث إن الكلام كان به ثغرة لم يدركها فندر في حينها، وهي أنه قد يكون هناك تحريف لكنه مع تعيين مواضعه يبطل الغرض، إلا أن فندركان يخشى إن أقر بشيء كهذا أن يلزم بإحضاره وهو لايعرفه] الجلسة الثانية قال الفاضل: لم يثبتْ براويةٍ ضعيفةٍ أو قويةٍ تعينهُ حتى يتبين أنَّه إنجيل متى أو يوحنا أو شخص آخر، وما كُنَّا مأمورين بتلاوتِه ليُعلم حاله. أشارَ القسيس إلى أمراء الإنكليز، وقال: هؤلاء الجالسون كلُّهم أهلُ الكتاب؛ فاسألوهم: أيّ إنجيل كان؟ قال الحكيم: إنّ الثابت بالقرآن هذا القدر فقط: إن الإنجيلَ نَزلَ على عيسى ﵇، ولا يعلم أنَّه أيّ إنجيل كان، وكان الأناجيلُ الكثيرةُ مشتهرةً في ذلك الزمان، مثل إنجيل برناباه Barnabas، وبَرْتُولُمَا Bartholomew وغيرهما. [-يحاول الحكيم الإشارة إلى الأناجيل الصحيحة مع السقيمة حتى يقرب له معنى الآية الواردة عقلا لا نقلا ولا بتفسير المفسرين]. فأرادَ الحكيمُ أن يجيبُ؛ فمَنَعَهُ القسيس فندر، وكلما أرادَ الحكيم أنْ يجيب كان القسيس فندر يمنعه ويقول: لا! [- شعر فندر أن الحكيم هوالمختص بالإجابة على تلك النوعية من الأسئلة وأنه الأقوى في تلك الجزئية؛ فأراد أن يحرج رحمت الله ووزير خان خلافا لآداب المناظرة وحتى يستطيع أن يحقق أي انتصار جزئي ولو على حسابهما بعد توالي انتصارات رحمت الله عليه]. ثم التفتَ القسيس إلى الفاضل المناظر؛ فقال المفتي رياض الدين: لابُدَّ أن يُبَيِّن أولاً معنى التحريف، ثم يُباحث عليه لينكشف الحال للحاضرين حق الانكشاف. [-تدارك المفتي الأمر، وانتقل إلى تحرير التحريف بدقة، حتى يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح]. قال القسيس: إن هذه الأشياء كلّها داخلةٌ عندنا في سهو الكاتب، سواءٌ كان وقوعُها قصداً أو سهواً أو جهلاً أو غلطاً، لكن مثل هذا السهو يوجد في الآيات في خمس أو ست، وفي الألفاظ في مواضع كثيرة. [-تأكيد أن النزاع في المصطلح كان لفظيا وأن التحريف لا يعني سوى التحريف].

стр. 239

قال القسيس: إن تحريفَ المتنِ يثبُتُ إذا وجدتُم نسخةً عتيقةً لا يكون فيها ذكر ألوهية المسيح ﵇ ويوجد في هذه النسخة المتداولة الآن، ولا يكون فيها ذكر كفّارة المسيح ويوجد في هذه. [- وهنا خروج آخر عن قواعد التناظر؛ لأن المفروض أن القاعدة تقول: رحمت الله معترضا وفندر مجيب وليس العكس، وبما أن رحمت الله قد أثبت التحريف، وتحول فندر إلى معترض؛ فأصبح يلزمه إثبات ذلك والجواب عليه، كما أن سند الكتاب المقدس لم يقدم، وكان الأمر يتطلب إثبات كيفية التحريف بضرب الأمثلة لا أكثر، فلما تبين ذلك لم يحتج الأمر إلى الوصول لإثبات نص التثليث؛ لأن النسخ الأصلية غير موجودة فضلا عن إثبات تحريف النسخ الحالية؛ فيلزم من تحريف البعض إمكان تحريف أي شيء آخر]. قال الفاضل النحرير: كان على ذِمَّتِنا هذا القدر فقط، أن نُثبِتَ كونَ هذه النسخة مشكوكة؛ فثبت بحمد الله، وصارَ الكتابُ كلُّه بهذا الإثبات مشكوكاً، لكنَّكم لما ادَّعَيتم سلامة بعض المواضع عن التحريف مع اعتراف وقوعه في بعض آخر؛ فإثبات تلك السلامة على ذِمَّتِكم لا على ذِمَّتِنا. وبقي أمرٌ آخر قابلٌ لأن يُسألَ عنه، وهو هذا: أَتُسَلِّمون أنّ سهواً من هذه السهوات التي هي مسلَّمة عندَكم، وهي تحريفات بعينها عندنا، يوجد في جميع النُّسَخ أم لا؟ [- استدراك خطير من رحمت الله، لكن كالعادة يخشى القس أن يجيبه بما لا يعلم فإذا أجاب في البعض لكان السؤال التالي إذن فعينها]. قال القسيس: نعم! مثل هذا السهو يوجَدُ في جميع النُّسَخ. فاعترض عليه القسيس فرنج؛ فقال القسيس فندر: غلطتُ، ورأي القسيس فرنج أحسن. [-تدارك فندر الفكرة بعدما كان ذهنه مشوشا، وأراد الرجوع، وعلى الرغم من خطأ ذلك وتم إثباته إلا أن رحمت الله سمح له بالتراجع واستمر في التناظر]. قال القسيس: أجيبوني بالاختصار، أتُسلِّمون المتْنَ أم لا؟ فإنْ سَلَّمتم تكون المباحثة في الأسبوع الآتي؛ لأنا لا نستدلُّ في المباحثة الباقية إلا بالأدلَّة النقلية من هذا الكتاب، ونعلَمُ أن العقلَ محكومُ الكتاب، لا أنّ الكتابَ محكومُ العقل. [-أغلق فندر الباب بإصراره، بل أغلق كل ما تلى من مناظرات؛ لأن أدلته في التثليث لم تكن مستندة على العقل بل النقل، وفي حد ذاته أنا أرى أن المناظرة قد تمت في التثليث بتلك العبارة وقد أبطل التثليث من ناحية العقل دون الخوض في الحديث فيه وبالتالي فتح الباب أمام الناظرين للاعتراف بتحريف الديانة وصرف النظر عنها لديانة أكثر سلامة وأمنا ومقبولة عقلا ومعتمدة نقلا]. قال الفاضل: لما ثَبَتَ الزيادةُ والنقصانُ في هذه الكُتُبِ على اعترافكم أيضاً، وثَبَتَ التحريفُ فيها، صارت مشتَبَهةً عندنا بهذا السَّبب، ولا نعتقدُ البَتَّةَ أنَّ الغَلَطَ لم يقع في المتْن، فلا يصحّ لكم أن تُورِدوا دليلاً من هذه الكتب علينا في المباحثة الآتية في مسألَتَي التثليث والنبوة؛ لأنه لا يكون حُجَّةً علينا.

стр. 240

[- أدرك رحمت الله سؤال فندر أنه وضع شرط الاستمرار في المناظرات التالية مقابل هذ الاعتراف، إلا أنه بذكاء رحمت الله الحاد ودربته في التناظر اكتفى بإن إثبات التحريف والنسخ دال على إبطال التثليث كذلك؛ لأنه لايوجد لفندر سوى الأدلة النقلية وأقوال المسيح، وعلى الرغم من ذلك فإن رحمت الله لما شرع في تأليف إظهار الحق بنى مبحث إبطال التثليث على صحة الكتاب المقدس حتى يكون أبلغ وأقوى في الرد بالإضافة إلى إبطالها بالنقل وأقوال المسيح كذلك، كما اهتم بمبحث انقطاع السند]. قال الفاضل النحرير: إنَّ هذَين المفِّسرَين كما كَتَبا الأمورَ التي نقلتموها زاعمين أنها مفيدةٌ لمقصودِكم هكذا كتباهما وسائر المفسِّرين كافة أنَّ محمداً ﷺ رسول الله ومنكره كافرٌ، والقرآنَ كلامُ للهِ بلا شك؛ فهل تُسَلِّمون أقوالهم هذه أيضاً؟ قال القسيس: لا! .قال الفاضل: فكذا لا نُسَلِّم القولَ الآخر لعلمائكم. [- سؤال للتسلل والهروب لكن الجواب رادع بحق]. والتفت الفاضل فيض أحمد باشكاتب إلى القسيس فندر، وقال: العجبُ أن يقع التحريفُ في الكتاب ولا يقع نقصٌ ما! ! فبالنسبة للتحريف - أثبت فندر عدة مواضع للتحريف بما يسمى (سهو الكاتب)، ولكنها ليست في المتن؛ حيث قصد أمور التثليث وما شابهها .. محتجا بقبول ذلك بنسخة قديمة مقابل حديثة - إن وجدت - مع إصراره على أن الإنجيل ما حرف إلا بعد بعثة النبي ﷺ . ثم تهرب فندر، وحرف ما ورد في المناظرة - من تقريرات - استلزم ايقاف المباحثات، والمكتوبات، من جانب رحمت الله (١). نتائج المناظرة (٢): ١. لم يمهل فندر خصمه رحمت الله كثيرا حتى يستوفي مسألته فكان يقاطعه في كثير من الأحيان وهذا يفسد عليه توارد أفكاره. ٢. يختار أحد المتناظرين دور المدعي أو المعلل أو المجيب والآخر دور المعترض أو السائل أو المانع، وقد كان فندر يكثر من كونه معللا ورحمت الله من كونه معترضا أو سائلا. ٣. لم يتقيد فندر بالمناظرات الفرعية التي تولدت عن تعرض دعاوى المنع كأنه لا يجدد منع ما سبق إثباته، وثبت جليا بعد انتهاء أعمال المناظرة والمكاتبات التي تلت ذلك. ٤. لم يخل رحمت الله بالقواعد التي تم إرساؤها سواء كان قولا أو فعلا يؤدي إلى جعل فندر يمتنع عن الجواب وينسحب من المناظرة. ٥. أفحم رحمت الله فندر إذ أعجزه عن إقامة الدليل على صحة دعواه. ٦. من حق رحمت الله على فندر أن يقدم تفسيرا أو شواهد ترفع الغرابة والإجمال.

стр. 241

وتبين من المناظرة: - إلمام رحمت الله الواسع بأمور التوراة والإنجيل، كما اتضح تدليس القس فندر. - إصرار فندر أن المناظرة في الإنجيل فقط على خلاف العبارة المتفق عليها ... " مجموع العهدين ".

стр. 242

المبحث الأول مقارنة بين فندر ورحمت الله إن منهج رحمت الله وفندر في المباحثات حول مجموع العهدين أو في كتبهما حول قضايا السند والنسخ والتحريف والتثليث والنبوة أو ما تفرع عنهم كقضية القرآن وألوهية المسيح وكذلك عصمة الأنبياء هو المنهج النقدي الإلزامي؛ الذي يلزم كل طرف باعتناق عقيدة الطرف الآخر، إلا أنه بمقارنة بين المباحثات أو المناظرات بينهما وبين الكتب المختلفة لكل منهما نجد أن المواجهة شيء مختلف عما كتب في الكتب؛ فقد يتغير مسار الحديث تماما عند المواجهة التي تسلتزم التغيير ناحية إلزام الخصم، أما الكتاب فيعتمد على السرد أكثر وسد كل الثغور والاحتمالات التي قد تتبادر إلى ذهن القارئ. ظهر أثناء التحليل أن المناظرة قد سارت بشكل وكأنها تدور حول تحرير المصطلحات بشكل ما أو بآخر؛ فلم تكن المناظرة - خارجيا - إلا أداة لتحرير المصطلح؛ والذي تبين - أثناء المناظرة - اختلافه اختلافا جذريا في ذهن كل مناظر؛ فما كانت المناظرة في التحريف والنسخ إلا أنها أداة لإظهار وإيضاح معنى كل من التحريف والنسخ عند كل جانب. فبينما يرى فندر أن النسخ غير جائز في الشرع فضلا عن العقل وأن النسخ بمعنى التكميل أو التحويل لشيء آخر، يرى رحمت الله أن النسخ جائز في الأحكام المطلقة المقيدة بشروط ولا تجوز في الأحكام الأخرى أو في الاعتقاد. كما يرى فندر أن التحريف يعني سهو الكاتب، بينما رحمت الله يرى أن التحريف هو أي زيادة أو نقصان أو تبديل أو خلافه- في النص- ولو كان في الكلمة أو حتى الحرف. إن الاختلاف في الاصطلاح وصل إلى حد الدليل؛ فبينما يرى فندر أن الدليل يكفي بآراء أو بشهادة أكثر من رجلين مقبولين دون قواعد في العلم أو في الجرح والتعديل، ودون إسناد واضح، فيقبل فيها الروايات التاريخية إن كانت تؤيد الحجج المطروحة ويرفضها على عكس ذلك، بينما لا يقبل رحمت الله سوى الدليل المسند المعتمد الموافق للكتاب والسنة أو منهما من أشخاص معتمدة موثوقة تم عرضهم على قواعد للجرح والتعديل. ولا يرى تعارضا بين العقل والنقل. لم تكن المناظرة سوى ضربا من ضروب إثبات الحق، وتثبيت الأفئدة السائرة على الحق أو التي تنشد الحقيقة. لم تكن المناظرة سوى كشف الدليل في إطار المصطلح. كما يبدو أن علم المنطق الموضوع حتى لم يفلح - عند كثير من الناس - في الوصول للحقيقة؛ فحتى قواعد المنطق عجزت عن أن تقدم - في كثير من الأحيان - ثوب الحقيقة، أو أنها قد قدمته لكن المشكلة كانت في القلوب التي تعي وتسمع ذلك.

стр. 243

إن تحرير مضامين المصطلحات، واكتشاف مناطق الاتفاق ومناطق التمايز في معاني ومفاهيم هذه المصطلحات -وخصوصا تلك المصطلحات الأكثر شيوعا، والأكثر إثارة للجدل بين تيارات الفكر في عصرنا، وفي واقعنا - ... هو مهمة أساسية، وأولية بالنسبة لأي حوار فكري حقيقي وجاد ينقذ حياتنا الفكرية من خطر الاستقطاب الحاد ويوجد لغة فكرية واحدة بين بين الفرقاء المتحاورين (١). كذلك تحرير المصطلحات "فمن هو النبي ومن هو الملك ومن هو الكاهن الذي يكهن للرب؟ إن هناك اختلافا في المفاهيم. فمن كان نبيا في القرآن قد لايكون سوى كاهن يخدم في بيت الرب. ومن كان أبا الأنبياء كإبراهيم ﵇ قد لايكون في العقيدة النصرانية سوى جد من أجداد عيسى المسيح إذا اعتبرناه نبيا بشرا جسدا وروحا" (٢). لاشك - على الرغم مما سبق - أن فندر يعد من أهم المنصرين الذين استخدموا المنهج العلمي - وإن لم يكن على الوجه الأكمل - في سبيل الدفاع عن المسيحيين، وفي سبيل القضاء على الإسلام، كذلك يعد رحمت الله من أهم المنظرين والدعاة عند المسلمين تجاه تلك النصرانية. كذلك اتضح أن منهج ريموند لول كان أقوى من فندر، بل إن فندر هو من سار على منهج ريموند لول من خلال عمل المنظمات التبشيرية التي سارت على خطط ريموند، إلا أن كتاب فندر هو الذي يتوج أعمال لول في هذا المجال. وبالمقارنة بين لول ورحمت الله نجد أنهما يتشابهان كثيرا في الحركة، إلا أنه قد أشارت بعض المصادر على أن لول قد أوصى أحيانا باستخدام العنف في التنصير إذا لم تفلح الطرق السلمية في ذلك. كما عمل رحمت الله على تأسيس المدرسة الصولتية في مكة المكرمة بعد جهاده في الهند باليد واللسان والقلم، وعمل على تعليم وتفهيم الناس خطورة المستعمر والمبشر، بالإضافة إلى تعليم الناس علوم دينهم الحنيف، بينما عمل ريموند لول على المساعدة في إنشاء الجامعات، وإصدار الكتب، وتعليم اللغة العربية. وأستنتج من هنا أن رحمت الله كان أقوى من فندر - كذلك - على وجه الخصوص - من حيث النشاط العام الجماهيري المؤثر، وليس فقط من خلال الكتب أو المناظرة. أما عن القمص زكريا بطرس - والذي ورد في هامش الحديث - فهو لا يعتمد المنهج العلمي أصلا في حواره أو مناظراته؛ فقد تتبعت بعض مصادر كلامه في الهجوم على الدين الإسلامي فلم أجد لها أي أساس من الصحة بل إنها مجرد تأليف ووهم من الناقد فقط! وهذا يضعه في مصاف الدعاة المدلسين فلا يقف حتى في الدرجة الدعوية عند سلم الشيخ أحمد ديدات ﵀ مثلا؛ فيعمد منهج بطرس إلى شيئين: ١ - الجماعية ٢ - الفردية؛ فالجماعي يكون من خلال الوسائل الإعلامية كالتلفاز أو الانترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي، أما الفردية فتكون بالشخص منفردا تماما عن غيره.

стр. 244

إن مرحلة ابن تيمية هي الفترة التالية لنشأة الحركة الكلامية وطغيان مناهجها وأساليبها الكلامية في الحجاج ومقارعة الخصم، وقد تفرد ابن تيمية بطريقته، وهي إضافة جديدة لطبيعة المناهج النقدية فإلى جانب تميزه الفقهي يومها بقيادة حركة التجديد الفقهي والاجتهاد، عمل على تأسيس منهج جديد في الدفاع عن العقيدة والتصدي للانحراف الداخلي والوقوف في وجه التحدي الخارجي (١). وإن كلا الطريقين: التدمير الداخلي عند رحمت الله، أوالبناء العقائدي الإسلامي عند ابن تيمية، هو المنهج التربوي الذي سلكه الرسول في دعوة أهل الجاهلية إلى الإسلام (٢). إن ابن تيمية يعد من واضعي حجر الأساس لهذا العلم وتلك القواعد، ويعد رحمت الله امتدادا له مطورا لتلك القواعد مستفيدا منه، لكن مع التركيز بشكل أكبر على نصوص العهدين، وتقويض المقولات من الداخل. ولقد حاول ابن تيمية وضع منهج تجريبي، رافضا منطق اليونان بجميع أقسامه، ناقدا له ابتداء من الحد وانتهاء بالقياس. كما أنه وضع منهجا في الاستدلال، شبيها بالمناهج الاستقرائية الحديثة، من حيث عدم حصر المقدمات في عدد معين لا ينقص ولا يزيد؛ حيث يرى ابن تيمية أن القياس لا يصل إلى شيء من النتائج والعلوم إذا انفصل عن التجربة؛ فالتجربة وحدها تؤدي إلى كشف الحقيقة، كما أن تكرار التجربة يؤدي إلى تكوين الكليات العقلية اليقينية (٣). إن الأبواب أو القضايا المثارة - بين المسلمين والنصارى - لم تظهر إلا بعد عصر ابن تيمية، وعند المقارنة بين منهجي كل من ابن حزم وابن تيمية نجد المذهب الظاهري لدى ابن حزم في المقابل نجد المذهب الحنبلي هو الغالب عند ابن تيمية، ويلجأ ابن حزم إلى نقد التوراة والإنجيل بتقويض مقولاتها بينما ينقضهما ابن تيمية عن طريق إثبات الإسلام والنبوة ونقد منطق التثليث في مقابل التوحيد؛ لذلك بدأ إرساء المنهج النقدي عند ابن حزم بينما بدأت تتشكل موضوعات وأبواب هذا المنهج عند ابن تيمية لتنتهي عند رحمت الله، إلا أن ابن تيمية وابن حزم قد اتفقا في القضية الأساسية والقضية الفرعية من خلال قاعدة (والكلام في صدق مدعي الرسالة وكذبه متقدم على الكلام في عموم الرسالة وخصوصها)، لكن ابن حزم رأى أن الحديث في العقائد أولى من الأحكام؛ فيرى ابن حزم أن المناظرة تكون في المعتقدات لا الأحكام؛ أي يقصد القضايا الأساسية لا الفرعية، إلا أنه قد نجد أحيانا أن القضية في الأحكام كالنسخ توصلنا إلى نقد ونقض الدين وأساس الاعتقاد، ولكني أتفق معه في مبدأ قضية فرعية كقضية ما إذا كانت معجزة يونس ﵇؛ فليس لها الأثر الكبير كما كنا نناقش عقيدة التثليث أو النسخ حتى! إلا أن الشيخ ديدات - حديثا - انتهج منهج ابن حزم في عدم الأخذ بتفسيرات الرهبان واختلف منهج رحمت الله في أنه يثبت خطأ وتناقض تفسيراتهم كما

стр. 245

يناقشهم في الأحكام فضلا عن المعتقدات. كما أن لانتشار ديدات الكبير والتأثر الكبير به هو دليل على أهمية قضية الإعلام والتكنولوجيا الحديثة في باب الدعوة والتناظر. كما جمع رحمت الله بين منهج ابن حزم الجدلي ومنهج ابن تيمية الدفاعي في بوتقة علمية جديدة. كما لا أجزم بأن رحمت الله قد استمد منهجه من ابن تيمية أو غيره؛ فلا دليل على ذلك واضح، لكن الواضح أنه امتداد لهذا المنهج الإسلامي في باب الردود كامتداد ابن تيمية لمنهج ابن حزم وغيره من العلماء. وقد تميز ديدات عن رحمت الله في مدة التناظر؛ فقد كان رحمت الله في مناظرته مع فندر يسير على منهج سؤال وجواب أو معلل ومجيب على قدر زمن الإجابة، كما أن الأسئلة والأجوبة في الجلسة الواحدة تنطلي على مناقشة مبحث أو موضوع واحد فقط، أما ديدات فقد كان يناقش - غالبا - من خلال أسئلة تنظلق منذ البداية وتحتوى على مناقشة موضوع واحد أو عدة موضوعات متداخلة في زمن طويل يتيح له إخراج كل ما لديه. لكن في الحقيقة أرى أن منهج رحمت الله كان أوفقا في هذا الباب؛ فقد كان يسلك مسلك العلماء لا مسلك الدعاة كما فعل ديدات، كذلك لم يكن يعتمد ديدات على آراء المفسرين الشارحين للنصوص كما كان يفعل رحمت الله. إن قضية السند والدليل المتصل وتحرير المصطلح هم من أهم القضايا للبحث والتفنيد؛ ولذا فإن النص عند قبوله لابد أن يصل إلينا من طريق ثقة حتى منتهاه؛ أي من أوله إلى آخره، وبصرف النظر عن المخطوطة، فما هي إلا سبيل لإثبات النقل السليم، إلا أن الحديث يفترض أن يكون عن كيفية النقل عموما سواء أكان في مخطوطة أو في شخص أو في جماعة أو نقل بالتواتر أم بالآحاد بطريق الصدق أو بالتدليس وهكذا. وقد كان بعد عرض قضايا السند والدليل من الأهمية بمكان تحليل الأقوال والآراء حول سند العهدين القديم والجديد وما دار حولهما من كلام .. سند التوراة والإنجيل: أولا: التوراة يحلل اسبينوزا (١) أسفار التوراة سفرا سفرا مبينا نصيب كل منها في الصحة التاريخية فالأسفار الخمسة لم يكتبها موسى، بالرغم من تأكيد الفريسيين ذلك حتى أن ابن عزرا - وهو العالم الناقد الحر - لم يجرؤ على الجهار بذلك.

стр. 246

كتب الأسفار الخمسة إنسان آخر، عاش بعد موسى بمدة طويلة، وذلك لبعض الأسباب التي يذكرها ابن عزرا مثل (١): - لم يكتب موسى مقدمة سفر التثنية لأنه لم يعبر نهر الأدرن. - كان سفر موسى مكتوبا على حائط المعبد الذي لم يتجاوز اثني عشر حجرا، أي أن السفر كان أصغر بكثير مما لدينا الآن. - قيل في سفر التثنية: " وقد كتب موسى التوراة، ولايمكن أن يقول موسى ذلك إن كان هو كاتبها ". - في سفر التكوين، يعلق الكاتب قائلا: " وكان الكنعانيون في هذه الأرض " مما يدل على أن الوضع قد تغير وقت تدوين الكاتب هذا (السفر) أي بعد موت موسى وطرد الكنعانيين وبذلك لايكون موسى هو الراوي. - في سفر التكوين سمى جبل موريا "جبل الله، ولم يسم بهذا الاسم إلا بعد بناء المعبد، وهو ما تم بعد عصر موسى. - وفي سفر التثنية وصفت بعض الآيات في قصة أوج، توحي بأن الرواية كتبت بعد موت موسى بمدة طويلة، إذ يروي المؤلف أشياء حدثت منذ زمن بعيد، ثم يضيف سبينوزا على ملحوظات ابن عزرا تلك ملحوظات أخرى: - - كتابة الأسفار بضمير الغائب، وليست بضمير المتكلم. - مقارنة موت موسى ولحده والحزن عليه بموت الأنبياء التالين له. - تسمية بعض الأماكن بأسماء مختلفة عما كانت عليه في عصر موسى. - استمرار الرواية في الزمان حتى بعد موت موسى. - خلاصة القول إن أسفار الكتب المقدسة لم يكتبها مؤلف واحد في عصر واحد لجمهور واحد، بل كتبها مؤلفون كثيرون - في عصور متعاقبة - لجماهير مختلفة في المزاج والتكوين - ويمتد التدوين إلى ألفي عام وربما أكثر من ذلك. ثانيا: الإنجيل إنه بظهور كتاب أيشهورن (J.G.Eichhorn) عام ١٨٠٤ م " مدخل إلى العهد الجديد " بمجلداته الخمسة، يكون النقد التاريخي لسند العهد الجديد قد خطا خطوات بعيدة، إذ يتتبع أيشهورن في هذا الكتاب أسفار العهد الجديد سفرا سفرا بفحص صحة الإسناد وحقيقة النص، مع استبعاد مسألة إلهامية الأسفار وطرحها جانب الطريق، فيقرر: أولا: أن العهد الجديد كمجموعة من الكتب لم يكن له وجود قبل منتصف القرن الثاني. ثانيا: أن هناك كتابات كثيرة من التي استبعدتها الكنيسة يجب أن تأخذ مكانها في قائمة القانون. ثالثا: أن هناك عددا من الكتب التي يتضمنها القانون يجب إخراجها منه لعدم صحة نسبتها إلى الرسل الذين تحمل أسماءهم مثل:

стр. 247

١ - رسائل بولس الثلاثة. ٢ - رسالة بطرس الثانية (١). الأستاذ رودلف سيدل العالم اللاهوتي البروتستانتي، والأستاذ في جامعة لايبسيغ (الألمانية) وأحد الكبار في زمانه يقول في كتابه (أسطورة بوذا) (٢): " فإنه من ثمانين وعشرين إصحاحا التي يتألف منها إنجيل متى، فإن إصحاحين منها فقط هما الثاني والعشرون والرابع والعشرون خاليان من النصوص الهندوسية، ومن إنجيل مرقس الذي يتكون من ستة عشر إصحاحا، فإن إصحاحين أيضا هما: السابع، والثاني عشر غير منقولين، وفي إنجيل لوقا، الإصحاح السادس عشر والسابع عشر والعشرون فقط من مجموع أربعة وعشرين إصحاحا التي يتشكل منها الإنجيل المذكور، هي ليست منتحلة - أي مسروقة - ثم إنجيل يوحنا المتضمن واحدا وعشرين إصحاحا، فإن الإصحاحين العاشر والسابع عشر فقط خاليان من النقل ". والعالم البروتستانتي هابل مؤرخ الأديان، يوافق ويؤيد أقوال (رودلف سيدل)، ويذكر ويسمي ستة وثلاثين نصا في الكتاب المقدس، مقتبسة عن العقائد الوثنية، منها: تجسد يسوع، الطفل يسوع في الهيكل، قصة مريم المجدلية الخاطئة ومعجزة المشي على الماء. والعالم (برنهارد سبيس Prof.Bernhard spies) العليم بالسنسكريتية، وبالخط المسماري يقرر ويثبت ويجزم بأن الأمثال بأجمعها - تقريبا - التي في الأناجيل، هي نسخ عن أمثال الهندوسيين والسومريين والآشوريين، وخصوصا سلسلة الأمثال التي تتعاقب في الإصحاح الثالث عشر من انجيل متى. وغارب Garbe يقول: إن أكبر وأعظم علمائنا اللاهوتيين أمثال (هارناك Harnack (وغونكل Gunkel يعدون النصرانية ويحسبونها بسهولة وببساطة وإخلاص وصراحة كدين توفيقي تلفيقي، أي يعادل التوفيق بين النقيضين، أو بين المذاهب والآراء المتناقضة وهو مذهب توحيد المذاهب المتناقضة (Sineretism) . كما نجد أن الآيات فيما بينها اشتراك تعود لكتابات وسيطة وليست إلى الكتابات النهائية الأصلية والتي قد ترتبط أو لا ترتبط بالسند لأقوال عيسى ﵇ ذاته. إن أقدم الأناجيل هو إنجيل مرقس، قد كتب بعد رفع المسيح بحوالي ٣٥ سنة، وأن أحدث الأناجيل، وهو إنجيل يوحنا قد كتب بعد المسيح بحوالي ٧٠ أو ٩٠ سنة. ولقد كتب بولس رسائله قبل كتابة أقدم إنجيله بفترة تصل إلى ١٥ سنة (٣). ويتحدث موريس بوكاي عن مصدر الأناجيل بقوله:

стр. 248

- آيات مشتركة بين اللوائح الثلاث ٣٣٠. - آيات مشتركة بين مرقس ومتى ١٧٨. - آيات مشتركة بين مرقس ولوقا ١٠٠. - آيات مشتركة بين متى ولوقا ٢٣٠. - الآيات الخاصة هي: متى ٣٣٠ آية، لوقا ٥٠٠٠ آية، مرقص ٥٣ آية (١). إن تنقيحات النصوص وتكييفها من أولئك الذين نقلوها إلينا، أجريت بأسلوب يقدمه الأب بوامار بصورته المعقدة التي هي تطوير للنظرية المسماة ذات المصدرين ... ثمة أربع وثائق أصلية تسمى أ - ب - ث - ك تمثل المصادر الأصلية للأناجيل. أ: ناشئة في وسط يهودي - مسيحي، وقد أثرت في متى ومرقس. ب: هي إعادة لترجمة الوثيقة، لاستعمال الكنائس الوثنية - المسيحية، وقد أثرت في جميع الإنجيليين ماعدا متى. ث: أثرت في مرقس ولوقا ويوحنا. ك: تؤلف أكثر المصادر المشتركة بين متى ولوقا. إنها الوثيقة المشتركة ذات المصدرين. على أن واحدة من هذه الوثائق التي اعتمدت كأساس، لم توصل إلى كتابة النصوص النهائية التي بين أيدينا. إذ قد انتصبت بينها وبين الكتابات النهائية، كتابات وسيطة، أطلق عليها الكاتب واسطة متى، وواسطة مرقس، وواسطة لوقا ويوحنا. وهذه الوثائق الأربع الوسيطة هي التي أوصلت إلى الكتابات النهائية للأناجيل الأربعة (٢). إن مسيحيي اليوم ينطبق عليهم تماما اسم (البولسيون) لاتباعهم أوامر بولس ولسيرهم معه في التيار الذي سار فيه، ولتمسكهم بدينه الذي اخترعه لهم اختراعا، وأنشأه لهم إنشاء، والذي اقتبسه لهم من ديانات الأمم الوثنية المختلفة واستعاره من عقائد بعض الشعوب (٣). إن رسائل بولس في الواقع ليست إلا النصوص الأولى للعهد الجديد ما دام أنها كتبت بين سنة ٥٠، ٦٠ للميلاد، بينما لم تكتب أناجيل " العهد الجديد " التي وصلت إلينا إلا بين ٧٠، ١١٠ للميلاد، أي أن مؤلفي هذه الأناجيل تأثروا برسائل بولس التي كتبت قبلهم وتشربوا بأفكاره وتأويلاته لأعمال عيسى ﵇. إن بولس حاضر ناظر في العهد الجديد منذ كلمته الأولى، على الرغم من أن هذه الأناجيل تتحدث عن أمور وقضايا سبقت تأثير بولس. ولاشك أن مفاهيم بولس ونظرته قد طغت على الأناجيل طغيانا دل على انتصار نظرته على كل ما فعله المسيح على الأرض، وذلك في عقيدة الكنيسة بعد ذلك، ولقد كانت هناك

стр. 249

تفسيرات مختلفة عن تفسيرات بولس، وكانت متماشية مع المسيحية الأولى، غير أن هذه التفسيرات والآراء أزيلت واتهمت بالكفر عندما ثبتت الكنيسة البولسية لائحة الكتابات التي صارت تعرف بعد ذلك بالعهد الجديد (١). فضلا عن ذلك الآراء الشاذة والغريبة التي تناولها الكتاب المقدس مثل (٢): نقل عن ميلانكتون العالم البروتستانتي في كتابه (الأماكن اللاهوتية) ص ٩٢ طبعة اكسبرج ١٨٢١ قوله: إن كنت سارقا أو زانيا أوفاسقا، فلا تهتم بذلك، عليك فقط، ألا تنسى أن الله هو شيخ كثير الطيبة، وأنه قد سبق وغفر لك خطاياك، قبل أن تخطئ بزمن مديد. ونقل عن القس (بطرس حنا) في كتابه (فضائح الكنيسة الانجيلية) قوله: أنه مسموح للراعي الإنجيلي أن يوجد في بيته لبعد منتصف الليل في غياب زوجته عن البلد فتاة عظيمة الجمال، رشيقة القد، عديمة الحشمة، هذا ما صرح به سنودس النيل للمحكمة الدينية العليا لطائفة الانجيلية ... " مسموح للراعي الإنجيلي أن يختلس من مال الرب ما يستطيع اختلاسه، وإن وصل القدر إلى أكثر من سبعة آلاف جنيه وفي كل هذا لاعقاب عليه. ولو جهدت بكل جهدك، وجمعت كل عقلك أن تفهم قولهم في المسيح، لما قدرت عليه حتى تعرف به حد النصرانية وخاصة قولهم في الإلهية. وكيف تقدر على ذلك، وأنت لو خلوت ونصراني نسطوري فسألته عن قولهم في المسيح لقال قولا، ثم إن خلوت بأخيه لأمه وأبيه وهو نسطوري مثله فسألته عن قولهم في المسيح لأتاك بخلاف قول أخيه وضده، وكذلك جميع الملكانية واليعقوبية؛ ولذلك صرنا لا نعقل حقيقة النصرانية كما نعرف جميع الأديان. إلا أن آريوس (٣) كان دائما يلجأ إلى المنطق والتعليل، ولأن اسكندر لم يستطع أن يواجهه بنفس منطقه فقد كان يحتد دائما عند انتهاء الجدال، وكان آريوس عند تقديم افتراضاته يقول " أين الخطأ في استنتاجي وفي قياسي المنطقي " وفي عام ٣٢١ م أصبح آريوس قسيسا متمردا محبوبا وواثقا ومتأكدا بعمق من معتقداته، وبعد هذا التقاعس الشخصي من جانبه طلب اسكندر عقد مجمع كنسي محلي للحكم على مذهب آريوس، وحضر هذا المجمع حوالي مائة قسيس مصري وليبي وتمسك آريوس بالموقف الذي اتخذه بشجاعة وقدرة كبيرة قائلا:

стр. 250

كان يوجد زمن لم يكن فيه المسيح موجودا فأين كان يوجد الله عندئذ، ولأن المسيح خلقه الله فإن وجوده له نهاية، ولذلك ليس لديه صفة الخلود؛ لأن الله فقط هو الخالد، ولأن المسيح مخلوق فإنه خاضع للتغيير مثل كل المخلوقات الأصلية والله فقط هو الذي لايتغير، وهكذا فإن المسيح ليس الله (١). إلا أن النصارى لا يريدون النصوص الدينية أن تخرج لأرض الواقع وقد "صارحهم المسيح بن مريم بالحقيقة ووضح لهم أن هذا موجود في الكتب التي بين أيديهم ولكنهم لا يهتمون بها، ولا يتدبرونها، ويريدونها فقط نصوصا مدفونة في بطون الكتب، ثم قرأ لهم بشارة داوود في الحجر المرفوض وهو نسل الجارية هاجر وأن نسل هذه الجارية سوف يرث النبوة من اليهود، ثم وضح لهم أكثر فقال " لذلك أقول لكم أن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره " ثم حذرهم من العناد، ومحاولة القضاء على هذا النبي القادم الموصوف بالحجر فقال: من سقط على هذا الحجر ترضض؛ أي من حاول الصدام معه ومحاربته يتهشم ومن سقط عليه يسحقه، ومن أعلن هو الحرب عليه يسحقه " (٢). وهذا يؤكد النبوة ويهدد اليهود .. إن المسيحية البوليسية الجديدة قد بنيت على دعامة قوية قامت عليها وبهدمها لايكون لها معنى ألا وهي عقيدة التثليث ولذا سأحاول التعرض إليها بشيء من التفصيل. عقيدة المسيحية الجديدة: لم تكن قضية تثليث في وحدة ووحدة في تثليث مقنعة للعقل البشري فضلا عن إنكارها شرعا بل إن الإسلام ردها وأظهر بطلانها نقلا وعقلا. أولاَ: قول النصارى في المسيح يتناقض مع دعوة عيسى إلى التوحيد. قال تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار .... ) [المائدة ٧٢_٧٣]. ثانياَ: إن نسبة الولد إلى الله قول باطل وبهتان كبير. قال الله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، لقد جئتم شيئاَ إدّا، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا، وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا .... ) [مريم ٨٨_٩٣] ثالثاَ: اتصاف الله عزوجل بالكمال في ذاته وصفاته يستحيل معه نسبة الولد إليه سبحانه.
следующие страницы →