كتب الأسفار الخمسة إنسان آخر، عاش بعد موسى بمدة طويلة، وذلك لبعض الأسباب التي يذكرها ابن عزرا مثل (١):
- لم يكتب موسى مقدمة سفر التثنية لأنه لم يعبر نهر الأدرن.
- كان سفر موسى مكتوبا على حائط المعبد الذي لم يتجاوز اثني عشر حجرا، أي أن السفر كان أصغر بكثير مما لدينا الآن.
- قيل في سفر التثنية: " وقد كتب موسى التوراة، ولايمكن أن يقول موسى ذلك إن كان هو كاتبها ".
- في سفر التكوين، يعلق الكاتب قائلا: " وكان الكنعانيون في هذه الأرض " مما يدل على أن الوضع قد تغير وقت تدوين الكاتب هذا (السفر) أي بعد موت موسى وطرد الكنعانيين وبذلك لايكون موسى هو الراوي.
- في سفر التكوين سمى جبل موريا "جبل الله، ولم يسم بهذا الاسم إلا بعد بناء المعبد، وهو ما تم بعد عصر موسى.
- وفي سفر التثنية وصفت بعض الآيات في قصة أوج، توحي بأن الرواية كتبت بعد موت موسى بمدة طويلة، إذ يروي المؤلف أشياء حدثت منذ زمن بعيد، ثم يضيف سبينوزا على ملحوظات ابن عزرا تلك ملحوظات أخرى: -
- كتابة الأسفار بضمير الغائب، وليست بضمير المتكلم.
- مقارنة موت موسى ولحده والحزن عليه بموت الأنبياء التالين له.
- تسمية بعض الأماكن بأسماء مختلفة عما كانت عليه في عصر موسى.
- استمرار الرواية في الزمان حتى بعد موت موسى.
- خلاصة القول إن أسفار الكتب المقدسة لم يكتبها مؤلف واحد في عصر واحد لجمهور واحد، بل كتبها مؤلفون كثيرون - في عصور متعاقبة - لجماهير مختلفة في المزاج والتكوين - ويمتد التدوين إلى ألفي عام وربما أكثر من ذلك.
ثانيا: الإنجيل
إنه بظهور كتاب أيشهورن (J.G.Eichhorn) عام ١٨٠٤ م " مدخل إلى العهد الجديد " بمجلداته الخمسة، يكون النقد التاريخي لسند العهد الجديد قد خطا خطوات بعيدة، إذ يتتبع أيشهورن في هذا الكتاب أسفار العهد الجديد سفرا سفرا بفحص صحة الإسناد وحقيقة النص، مع استبعاد مسألة إلهامية الأسفار وطرحها جانب الطريق، فيقرر:
أولا: أن العهد الجديد كمجموعة من الكتب لم يكن له وجود قبل منتصف القرن الثاني.
ثانيا: أن هناك كتابات كثيرة من التي استبعدتها الكنيسة يجب أن تأخذ مكانها في قائمة القانون.
ثالثا: أن هناك عددا من الكتب التي يتضمنها القانون يجب إخراجها منه لعدم صحة نسبتها إلى الرسل الذين تحمل أسماءهم مثل:
стр. 247
١ - رسائل بولس الثلاثة.
٢ - رسالة بطرس الثانية (١).
الأستاذ رودلف سيدل العالم اللاهوتي البروتستانتي، والأستاذ في جامعة لايبسيغ (الألمانية) وأحد الكبار في زمانه يقول في كتابه (أسطورة بوذا) (٢): " فإنه من ثمانين وعشرين إصحاحا التي يتألف منها إنجيل متى، فإن إصحاحين منها فقط هما الثاني والعشرون والرابع والعشرون خاليان من النصوص الهندوسية، ومن إنجيل مرقس الذي يتكون من ستة عشر إصحاحا، فإن إصحاحين أيضا هما: السابع، والثاني عشر غير منقولين، وفي إنجيل لوقا، الإصحاح السادس عشر والسابع عشر والعشرون فقط من مجموع أربعة وعشرين إصحاحا التي يتشكل منها الإنجيل المذكور، هي ليست منتحلة - أي مسروقة - ثم إنجيل يوحنا المتضمن واحدا وعشرين إصحاحا، فإن الإصحاحين العاشر والسابع عشر فقط خاليان من النقل ".
والعالم البروتستانتي هابل مؤرخ الأديان، يوافق ويؤيد أقوال (رودلف سيدل)، ويذكر ويسمي ستة وثلاثين نصا في الكتاب المقدس، مقتبسة عن العقائد الوثنية، منها: تجسد يسوع، الطفل يسوع في الهيكل، قصة مريم المجدلية الخاطئة ومعجزة المشي على الماء.
والعالم (برنهارد سبيس Prof.Bernhard spies) العليم بالسنسكريتية، وبالخط المسماري يقرر ويثبت ويجزم بأن الأمثال بأجمعها - تقريبا - التي في الأناجيل، هي نسخ عن أمثال الهندوسيين والسومريين والآشوريين، وخصوصا سلسلة الأمثال التي تتعاقب في الإصحاح الثالث عشر من انجيل متى.
وغارب Garbe يقول: إن أكبر وأعظم علمائنا اللاهوتيين أمثال (هارناك Harnack (وغونكل Gunkel يعدون النصرانية ويحسبونها بسهولة وببساطة وإخلاص وصراحة كدين توفيقي تلفيقي، أي يعادل التوفيق بين النقيضين، أو بين المذاهب والآراء المتناقضة وهو مذهب توحيد المذاهب المتناقضة (Sineretism) .
كما نجد أن الآيات فيما بينها اشتراك تعود لكتابات وسيطة وليست إلى الكتابات النهائية الأصلية والتي قد ترتبط أو لا ترتبط بالسند لأقوال عيسى ﵇ ذاته.
إن أقدم الأناجيل هو إنجيل مرقس، قد كتب بعد رفع المسيح بحوالي ٣٥ سنة، وأن أحدث الأناجيل، وهو إنجيل يوحنا قد كتب بعد المسيح بحوالي ٧٠ أو ٩٠ سنة. ولقد كتب بولس رسائله قبل كتابة أقدم إنجيله بفترة تصل إلى ١٥ سنة (٣).
ويتحدث موريس بوكاي عن مصدر الأناجيل بقوله:
стр. 248
- آيات مشتركة بين اللوائح الثلاث ٣٣٠.
- آيات مشتركة بين مرقس ومتى ١٧٨.
- آيات مشتركة بين مرقس ولوقا ١٠٠.
- آيات مشتركة بين متى ولوقا ٢٣٠.
- الآيات الخاصة هي: متى ٣٣٠ آية، لوقا ٥٠٠٠ آية، مرقص ٥٣ آية (١).
إن تنقيحات النصوص وتكييفها من أولئك الذين نقلوها إلينا، أجريت بأسلوب يقدمه الأب بوامار بصورته المعقدة التي هي تطوير للنظرية المسماة ذات المصدرين ... ثمة أربع وثائق أصلية تسمى أ - ب - ث - ك تمثل المصادر الأصلية للأناجيل.
أ: ناشئة في وسط يهودي - مسيحي، وقد أثرت في متى ومرقس.
ب: هي إعادة لترجمة الوثيقة، لاستعمال الكنائس الوثنية - المسيحية، وقد أثرت في جميع الإنجيليين ماعدا متى.
ث: أثرت في مرقس ولوقا ويوحنا.
ك: تؤلف أكثر المصادر المشتركة بين متى ولوقا. إنها الوثيقة المشتركة ذات المصدرين.
على أن واحدة من هذه الوثائق التي اعتمدت كأساس، لم توصل إلى كتابة النصوص النهائية التي بين أيدينا. إذ قد انتصبت بينها وبين الكتابات النهائية، كتابات وسيطة، أطلق عليها الكاتب واسطة متى، وواسطة مرقس، وواسطة لوقا ويوحنا. وهذه الوثائق الأربع الوسيطة هي التي أوصلت إلى الكتابات النهائية للأناجيل الأربعة (٢).
إن مسيحيي اليوم ينطبق عليهم تماما اسم (البولسيون) لاتباعهم أوامر بولس ولسيرهم معه في التيار الذي سار فيه، ولتمسكهم بدينه الذي اخترعه لهم اختراعا، وأنشأه لهم إنشاء، والذي اقتبسه لهم من ديانات الأمم الوثنية المختلفة واستعاره من عقائد بعض الشعوب (٣).
إن رسائل بولس في الواقع ليست إلا النصوص الأولى للعهد الجديد ما دام أنها كتبت بين سنة ٥٠، ٦٠ للميلاد، بينما لم تكتب أناجيل " العهد الجديد " التي وصلت إلينا إلا بين ٧٠، ١١٠ للميلاد، أي أن مؤلفي هذه الأناجيل تأثروا برسائل بولس التي كتبت قبلهم وتشربوا بأفكاره وتأويلاته لأعمال عيسى ﵇. إن بولس حاضر ناظر في العهد الجديد منذ كلمته الأولى، على الرغم من أن هذه الأناجيل تتحدث عن أمور وقضايا سبقت تأثير بولس. ولاشك أن مفاهيم بولس ونظرته قد طغت على الأناجيل طغيانا دل على انتصار نظرته على كل ما فعله المسيح على الأرض، وذلك في عقيدة الكنيسة بعد ذلك، ولقد كانت هناك
стр. 249
تفسيرات مختلفة عن تفسيرات بولس، وكانت متماشية مع المسيحية الأولى، غير أن هذه التفسيرات والآراء أزيلت واتهمت بالكفر عندما ثبتت الكنيسة البولسية لائحة الكتابات التي صارت تعرف بعد ذلك بالعهد الجديد (١).
فضلا عن ذلك الآراء الشاذة والغريبة التي تناولها الكتاب المقدس مثل (٢):
نقل عن ميلانكتون العالم البروتستانتي في كتابه (الأماكن اللاهوتية) ص ٩٢ طبعة اكسبرج ١٨٢١ قوله: إن كنت سارقا أو زانيا أوفاسقا، فلا تهتم بذلك، عليك فقط، ألا تنسى أن الله هو شيخ كثير الطيبة، وأنه قد سبق وغفر لك خطاياك، قبل أن تخطئ بزمن مديد.
ونقل عن القس (بطرس حنا) في كتابه (فضائح الكنيسة الانجيلية) قوله: أنه مسموح للراعي الإنجيلي أن يوجد في بيته لبعد منتصف الليل في غياب زوجته عن البلد فتاة عظيمة الجمال، رشيقة القد، عديمة الحشمة، هذا ما صرح به سنودس النيل للمحكمة الدينية العليا لطائفة الانجيلية ... " مسموح للراعي الإنجيلي أن يختلس من مال الرب ما يستطيع اختلاسه، وإن وصل القدر إلى أكثر من سبعة آلاف جنيه وفي كل هذا لاعقاب عليه.
ولو جهدت بكل جهدك، وجمعت كل عقلك أن تفهم قولهم في المسيح، لما قدرت عليه حتى تعرف به حد النصرانية وخاصة قولهم في الإلهية. وكيف تقدر على ذلك، وأنت لو خلوت ونصراني نسطوري فسألته عن قولهم في المسيح لقال قولا، ثم إن خلوت بأخيه لأمه وأبيه وهو نسطوري مثله فسألته عن قولهم في المسيح لأتاك بخلاف قول أخيه وضده، وكذلك جميع الملكانية واليعقوبية؛ ولذلك صرنا لا نعقل حقيقة النصرانية كما نعرف جميع الأديان.
إلا أن آريوس (٣)
كان دائما يلجأ إلى المنطق والتعليل، ولأن اسكندر لم يستطع أن يواجهه بنفس منطقه فقد كان يحتد دائما عند انتهاء الجدال، وكان آريوس عند تقديم افتراضاته يقول " أين الخطأ في استنتاجي وفي قياسي المنطقي " وفي عام ٣٢١ م أصبح آريوس قسيسا متمردا محبوبا وواثقا ومتأكدا بعمق من معتقداته، وبعد هذا التقاعس الشخصي من جانبه طلب اسكندر عقد مجمع كنسي محلي للحكم على مذهب آريوس، وحضر هذا المجمع حوالي مائة قسيس مصري وليبي وتمسك آريوس بالموقف الذي اتخذه بشجاعة وقدرة كبيرة قائلا:
стр. 250
كان يوجد زمن لم يكن فيه المسيح موجودا فأين كان يوجد الله عندئذ، ولأن المسيح خلقه الله فإن وجوده له نهاية، ولذلك ليس لديه صفة الخلود؛ لأن الله فقط هو الخالد، ولأن المسيح مخلوق فإنه خاضع للتغيير مثل كل المخلوقات الأصلية والله فقط هو الذي لايتغير، وهكذا فإن المسيح ليس الله (١).
إلا أن النصارى لا يريدون النصوص الدينية أن تخرج لأرض الواقع وقد "صارحهم المسيح بن مريم بالحقيقة ووضح لهم أن هذا موجود في الكتب التي بين أيديهم ولكنهم لا يهتمون بها، ولا يتدبرونها، ويريدونها فقط نصوصا مدفونة في بطون الكتب، ثم قرأ لهم بشارة داوود في الحجر المرفوض وهو نسل الجارية هاجر وأن نسل هذه الجارية سوف يرث النبوة من اليهود، ثم وضح لهم أكثر فقال " لذلك أقول لكم أن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره " ثم حذرهم من العناد، ومحاولة القضاء على هذا النبي القادم الموصوف بالحجر فقال: من سقط على هذا الحجر ترضض؛ أي من حاول الصدام معه ومحاربته يتهشم ومن سقط عليه يسحقه، ومن أعلن هو الحرب عليه يسحقه " (٢). وهذا يؤكد النبوة ويهدد اليهود ..
إن المسيحية البوليسية الجديدة قد بنيت على دعامة قوية قامت عليها وبهدمها لايكون لها معنى ألا وهي عقيدة التثليث ولذا سأحاول التعرض إليها بشيء من التفصيل.
عقيدة المسيحية الجديدة:
لم تكن قضية تثليث في وحدة ووحدة في تثليث مقنعة للعقل البشري فضلا عن إنكارها شرعا بل إن الإسلام ردها وأظهر بطلانها نقلا وعقلا.
أولاَ: قول النصارى في المسيح يتناقض مع دعوة عيسى إلى التوحيد.
قال تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار .... ) [المائدة ٧٢_٧٣].
ثانياَ: إن نسبة الولد إلى الله قول باطل وبهتان كبير.
قال الله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، لقد جئتم شيئاَ إدّا، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا، وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا .... ) [مريم ٨٨_٩٣]
ثالثاَ: اتصاف الله عزوجل بالكمال في ذاته وصفاته يستحيل معه نسبة الولد إليه سبحانه.
стр. 251
قال الله تعالى: (بديع السموات والأرض أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم)] الأنعام ١٠١ [
رابعاَ: رد القرآن على شبهة النصارى في ولادة عيسى من أم دون أب
قال الله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثمّ قال له كن فيكون)] آل عمران: ٥٩ [
قال ابن تيمية " وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح فإن حواء خلقت من ضلع آدم وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم وخلق آدم أعجب من هذا وهذا وهو أصل خلق حواء فلهذا شبهه الله بخلق آدم الذي هو أعجب من خلق المسيح فإذا كان سبحانه قادرا أن يخلقه من تراب والتراب ليس من جنس بدن الإنسان أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هي من جنس بدن الإنسان وهو سبحانه خلق آدم من تراب ثم قال له كن فيكون لما نفخ فيه من روحه فكذلك المسيح نفخ فيه من روحه وقال له كن فيكون " (١).
خامسا: الرب لايكون محتاجا كالبشر. قال تعالى: (ما المسيح ابن مريم إلارسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام)] المائدة: ٧٥ [.
دائماَ ما يدافع النصارى عن عقيدتهم بأنها حقائق فوق العقل والقياس فلا مناص من تصديقها من غير محاولة الاعتماد على العقل فيها.
يقول ابن تيمية عن النصارى أنهم " لا يميزون بين ما يحيله العقل ويبطله ويعلم أنه ممتنع وبين ما يعجز عنه العقل فلا يعرفه ولا يعلم منه بنفي ولا إثبات ... فلم يفرّقوا بين محالات العقول ومحارات العقول " (٢).
ويقول ابن القيم (٣): " ولهذا قال بعض ملوك الهند: أما النصارى فإن كان أعداؤهم
من أهل الملل يجادلونهم بالشرع فأنا أرى جهادهم بالعقل " (٤).
وفيما يلي بعض الردود عليهم:
стр. 252
١ - عقيدة التثليث عقيدة اجتهادية بحتة، مصدرها فهم بعض رؤساء الدين ولا يصح في منطق العقل أن تكون أمور العقائد من وضع البشر- بل هي من الله- ومن رأى قرارات المجامع!
٢ - إذا كان المسيح ﵇ أحد الأقانيم الثلاثة ومعروف أنه تلحقه الأعراض البشرية كالجوع والعطش والشبع والأكل وغير ذلك، بينما الآب والروح القدس لا يلحقهما شيء من هذا، فكيف يكون واحداَ من تلك الثلاثة ويلحقه ما لا يلحقها؟
٣ - عقيدة التثليث لم يأت بها نبي من الأنبياء ولا في كتاب سماوي، ومن طالع التوراة لم يجد فيها لا تصريحاَ ولا تلميحاَ، فلو كانت عقيدة التثليث حقا لوجب على موسى وسائر أنبياء بني إسرائيل وآخرهم عيسى ﵇ أن يبينوها حق التبين.
٤ - أهل التثليث يعتقدون أن عقيدتهم هذه هي مدار النجاة فكيف فارق أنبياء بني إسرائيل كلهم الدنيا دون أن يبينوا هذه العقيدة بيانا واضحا صريحاً، في وقت بينوا فيه أموراَ أقل أهمية بكثير.
٥ - جاءت امرأة وطلبت من عيسى أن يقعد ابنيها أحدهما عن يمينه والثاني عن شماله فقال عيسى ﵊: ( ....... وأما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا الذين أعد لهم من أبى) متى: ٢٠: ٢٤.
قال ابن حزم: " في هذا الفصل بيان أنه ليس إليه من الأمر شيء وأنه غير الأب كما يقولون بخلاف دينهم فإذا هو غير الأب وكلاهما إله فهما إلهان إثنان متغايران أحدهما قوي والآخر ضعيف لأنه بإقراره ليس له قدرة على تقريب أحد إلا من وهب له ذلك الذي يسمونه أبا وليت شعري كيف يجتمع ما ينسبون إليه ههنا من الاعتراف بأنه ليس بيده أن يجلس أحد عن يمينه ولا عن شماله وإنما هو بيد الله تعالى مع ما ينسبون إليه من أنه قدر على إعطاء مفاتيح السموات والأرض لأنذل من وجد وهو باطرة وأنه يفعل كل ما يفعله الأب " (١).
٦ - أنه باطل بأقوال المسيح الكثيرة ومنها: " وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته " يوحنا ١٧: ٣ (٢).
وفي حديثنا عن السند والدليل وتحرير المصطلح ولكن على الجانب الإسلامي؛ نجد أن القرآن قد نقل بطريق التواتر من ثقة إلى ثقة ومن لسان إلى لسان ومن نص إلى نص، وبصرف النظر عن القضية المثارة حول حرق النسخة الأولى، إلا أنه قد نقل بطريق التواتر المتفق عليه المعتمد المشهور بين جمع إلى جمع.
стр. 253
جوانب الاتفاق والاختلاف بين رحمت الله وفندر:
لابد عند المقارنة بين رحمت الله وفندر - مقارنة منهجية - في دراستهما للإسلام والمسيحية -أن نعتمد على أمور عدة هي (١):
١ - الهدف
اختلف الهدف عند كل منهما؛ فقد اعتمد فندر على إثارة الشبهات حول الدين الإسلامي، ودحض شبهات المسلمين - حول دين النصارى - ومحاولة تنصير أكبر عدد ممكن منهم. بينما اعتمد رحمت الله على صد القس فندر في محاولاته تشكيك المسلمين في دينهم، ورد تلك الشبهات ودحض افتراءاته، وإلزام فندر بالدين الصحيح، وتثبيت أفئدة المتزعزعين من عوام المسلمين ودحر محاولات التنصير.
٢ - المنهج
أنقد النصوص: تعرض كل منهما لنقد النص؛ سواء أكان النقد الداخلي للنص؛ من إثبات التناقض والتعارض، كما فعل رحمت الله، أونقد الإعجاز القرآني، كما فعل فندر.
ب الاحتجاج بالكتب: فقد احتج رحمت الله على النصارى، بما في كتبهم، وألزم خصمه بها، بينما ابتعد فندر على المنهج العلمي في الاحتجاج؛ لأنه لم يلتزم الشمول في العرض والدقة في النقل.
ت الاعتماد على المنهج التاريخي: فقد اعتمد رحمت الله على إثبات ضياع النسخ الأصلية من الإنجيل وفقدان السند المتصل، كذلك تحريف العقيدة الصحيحة في مجمع نيقية والانتصار لعقيدة التثليث. أما فندر فقد تعرض لقضية التواتر الكتابي للنص من خلال حرق الوثيقة الأصلية أو الوثائق الأخرى للقرآن على يد عثمان بن عفان بعد نسخ الأصل وتوزيعه على الأمصار.
ث المنهج المقارن: لجأ كل منهما إلى مقارنة الدينين الإسلامي والمسيحي معا وتفنيد الشبهات وردها بالعقل أو بالنقل أو بكليهما.
٣ - المصادر: اعتمد رحمت الله على الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح في الإسلام وعلى علماء النصارى المعتمدين لديهم في المسيحية، بينما اعتمد فندر على رأيه من خلال بعض التفاسير للقرآن والحديث وبعض المقولات الشاذة الغير مثتبة في الإسلام وعلى آرائه وتحليلاته من خلال نص الكتاب المقدس في المسيحية.
٤ - الدقة العلمية: لم يعتمد فندر الدقة العلمية في نسبة النصوص إلى أصحابها كذلك بعض آيات القرآن الكريم، وعدم نقل بعض التفسيرات كاملة لأصحابها، وفي مواضعها اللازمة، بينما كان رحمت الله يتحرى النقل في الأقوال - من الجانبين - الإسلامي والمسيحي - بدقة بالغة.
أما من حيث جوانب الاتفاق والاختلاف بينهما، فشملت الكتب والقضايا المثارة من خلال تلك الكتب أو المناظرة.
стр. 254
أولا: بالنسبة للقضايا
١ - قضية التحريف
قسم رحمت الله أبوابه بشكل منظم سواء أكان التحريف بالزيادة أو بالنقصان أو بالتبديل. وأورد شواهد كثيرة جدا في هذا الباب.
أما فندر فيورد أدلته بدون شواهد، بل يقحم نفسه كمفسر وشارح للقرآن وزعم أن التحريف هو عبارة عن " سهو الكاتب " ولا غضاضة فيه.
٢ - قضية النسخ
أنكر فندر النسخ وقصره على النسخ اللفظي فقط، بينما أورد رحمت الله أمثلة على النسخ في الأحكام في الإنجيل، وعلله فندر بأنه روحي فقط أو تحول لشيء معنوي وكان بمثابة تدريبا بشكل مؤقت في ذلك الزمان ولا يعد نسخا.
كما بين رحمت الله أن النسخ لا يقع إلا في الأحكام المطلقة وألا يكون الوقت والمكلف والوجة متحدة بل لابد من الاختلاف في الكل أو البعض من هذه الثلاثة.
٣ - قضية التثليث
يرى فندر أن علاقة اللاهوت بالناسوت علاقة اتحاد فقط لا امتزاج، وأن التثليث سر عجيب غير مفهوم، ويجب الإيمان به، وساوى بين الصفات الإلهية والأقانيم الإلهية.
أما رحمت الله فقسم فصوله بشكل أكثر دقة وتحدث عن إبطال التثليث بأوجه عدة: بالعقل والنقل وأقوال السيد المسيح. وبرهن على أنه إذا وجد التثليث الحقيقي فلابد أن توجد الكثرة الحقيقية، وذكر أن غالب ما يتمسك به المسيحيون من أقوال هي أقوال مجملة منقولة من إنجيل يوحنا المملوء بالمجاز.
٤ - قضية القرآن
لم يؤكد فندر فصاحة القرآن بل ذكر أنه قد ورد ما هو أفصح من القرآن، كما يرى أن هناك كلمات في القرآن من لغات غير عربية، وأن هناك من يشهد بفصاحته كما ورد في الكتاب المقدس في سفر أشعياء والتثنية والمزامير، وجميع الحقائق التي ذكرت في القرآن هي حادثة في الكتاب المقدس.
بينما ذكر رحمت الله أمثلة عديدة على تحقق المعجزات الواردة في القرآن، وفي ذات الوقت حقائق أخرى لم تحدث في الكتاب المقدس، كما أن القرآن تحدى بفصاحته العرب الذين بلغوا في الفصاحة مبلغا عظيما، ولكنهم لم يأتوا بأفضل منه كما كان القرآن منطويا على الإخبار بأقوال القرون السابقة والأمم الهالكة، كما لم يحمل القرآن ما يفيد بزنا الأنبياء أو عبادتهم للأصنام أو ردتهم كما ورد ذلك في الكتاب المقدس أو أشياء أخرى خارجة عن المفاهيم العقلية كأن مريم هي والدة الله على الحقيقة.
стр. 255
٥ - قضية النبوة
أورد فندر قضية القرآن بعد النبوة على عكس رحمت الله فقد أوردها قبل القرآن. أنكر فندر جميع البشارات الواردة في الكتاب المقدس عن محمد ﷺ وردها بتفسيرات مغايرة لما أوردها المسلمون، لكن رحمت الله رد المطاعن، وأورد البشارات المتعددة على إثبات النبوة، وأثبتها بوجوه متعددة منطقية.
ثانيا: من خلال كتبهما
يورد رحمت الله الهندي عندما يريد أن يرد قضية ما عند فندر: كقضية قتل المرتد، فينظر إلى عمق المسألة، فإن وجده متشددا في إثبات وجودها رده بالدليل النقلي والعقلي بما ورد في الإسلام وثبت. أما فندر فيرد على رحمت الله بنفس طريقته مثل: موضوع عدم وجود نسخ أصليه بأن عثمان قد أحرق النسخ الأخرى، أو أنه لايوجد سند، لأن هناك حفظة كما في الإسلام - وهذا دون تقديم سند واضح يتم الاعتماد عليه!
أورد رحمت الله مسألة مسألة ورد عليها أما فندر فلم يرد على كل الشبهات أو يفندها على الرغم من إيراد الأقوال بنفسه.
تحدث رحمت الله عن صفات فندر وذكر بأنه كاتب غير مبال بالقول الكذب، والثاني أنه يشخصن الأمور، والثالث أنه يترجم الآيات القرآنية ويفسرها على رأيه ليعترض عليها في زعمه، كما وضح أن الأسلوب الذي اتبعه في الردود لايعني هذا تجاوزا منه، وسوء أدب مع الآخرين إن استعمل مصطلحات غير مألوفة في الردود الإسلامية وإنما هو استعمال لأسلوب النصارى المعتاد عندهم في توجيه النقد لكتبهم، أو تقرير حقائق نهائية، أو الحكم على الأشخاص، وذلك من خلال استعمال القساوسة هذه الاصطلاحات والنعوت عند مخاطبتهم للمسلمين وهم أحق بها من خلال نسبة القس، ويستند رحمت الله كثيرا إلى تفسير هنري واسكات عند النصارى، ويبين إنصاف بعض مفسري الكتاب المقدس - إن لزم الأمر - إنصافا منه وتقديرا واعتراضا بما لهم وما عليهم ويورد أحيانا الدليل بالفارسي مع ترجمته غالبا. أما فندر فيعتمد على تفسير البيضاوي كثيرا، ويخطئ في بعض الآيات القرآنية أو ربما كانت أخطاء مطبعية.
إن رحمت الله دقيق في التوصيف والنقد، ويستشعر القارئ بتعمقه وتبحره في علوم النصارى، لكن فندر يخطئ أحيانا باستدلالات في النواحي اللغوية، وطريقة تفسيره لبعض الآيات غير علمية، وتتبع طريقة " ولا تقربوا الصلاة " إلا أنه قد ذكر أن سورة فاطر تعني سورة الملائكة وربما يدل على ثقافة واسعة في العلوم الإسلامية لا تعني بالضرورة التعمق فيها، كما أنه غير وصف المعنى في الذبيحة من ذبيحة حيوانية إلى ذبيحة النفس، كذلك حرف معنى الختان إلى معنى روحي.
لجأ رحمت الله إلى النقد الذاتي للقضية مثل: نفي ألوهية المسيح بنصوص العهدين، أما فندر فعمد إلى الإثبات من خلال أجزاء من آيات القرآن الكريم موصولة بآيات من العهدين.
стр. 256
عرض رحمت الله مقدمات منطقية رياضية ليثبت صحة كلامة وسلامه حججه، كما يورد بعض تعليقاته الشخصية، أما فندر فأسقط معان محددة - من واقع فهمه - للآيات ثم يقوم بالترجيح ثم الإثبات ولا توجد لديه استدلالات واضحة.
استدل رحمت الله بالحقائق التاريخية، وعن طريق ضرب الأمثال، وبأقوال النصارى، ومؤرخي المسلمين، أما فندر فلا أجد له استدلالات بأقوال النصارى إلا أنه استدل بأقوال بعض علماء المسلمين لكن أحيانا دون عزو محدد.
حدد رحمت الله مفاصل الكتاب الكبرى والموضوعات الجدلية، وقسم مباحث كتابه بشكل مفصل، أما فندر فاستخدم أسلوب التدرج والتتابع والاستنتاج بناء على معان محددة مبنية على اجتهاد شخصي ثم الترجيح والإثبات.
حدد رحمت الله المصادر والمراجع التي اعتمدها في كتابه، وكانت أغلبها منسوبة للبروتستانت؛ لغلبة منصريها في الهند آنذاك، أما فندر فيورد أقوالا غير مثبتة عند المسلمين مثل: توقيع علي بن أبي طالب، ولا يقدم سندا أو أوأية أدلة دامغة على ما يقول وما يثبت إلا أنه حدد القليل من مصادره مثل: عزوه لتفسير البيضاوي وكثيرا ما يلجأ إليه.
عرض رحمت الله نماذج مختلفة للتحريف الذي اتسمت به كتب المنصرين من ميزان الحق، وحل الإشكال، ومفتاح الأسرار، واعترف فندر بأنه على مدار التاريخ سقط المسيحيون في الوثنية على فترات مختلفة، كما اعترف بالتحريف في أكثر من موضع في المناظرة الكبرى.
اعتمد رحمت الله في قضية التثليث على المنهج العرضي النقدي؛ أي عرضها ونقدها في آن واحد، واعتمد البراهين العقلية والنقلية، أما طريقة فندر في الرد فتكون بما ورد في الكتاب المقدس فقط ولا اعتبار لأية زوايا أو احتمالات أخرى.
اعتبر رحمت الله المنطق والتاريخ في حججه؛ فقد أثبت التحريف والنسخ عن طريق ضرب الأمثال من الكتب المقدسة وإيراد الشواهد مثل: الحوادث التي مرت من تدمير ملكهم، وتغيير معتقدهم، وتناقض أخبار الأيام في الأسماء والأعداد، ولم يكن هناك رسم للكتابة فضلا عن صعوبتها في الحجارة، كما أن إنجيل متى مفقود، والموجود هو ترجمة الترجمة باليوناني، بالإضافة إلى الجهل بنسبة الترجمة واسم مترجمها. إلا أن فندر يرد على موضوع النسخ بذكر بعض آيات من القرآن الكريم؛ حيث يستشهد بها على جواز النسخ في القرآن فقط، وأنه لاتوجد آية دالة على نسخ القرآن للكتب السابقة، وأيد قوله ببعض مقولات - ذكرها - لرحمت الله الهندي في كتابه إظهار الحق! . ومن الواضح أن فندر لايفرق بين نسخ الأحكام ونسخ العقائد، وأن العهدين القديم والجديد يكملان بعضهما البعض، وعلى ذلك فالقرآن هو مجرد ناقل.
قسم فندر الوصايا إلى طقسية وأدبية واستنتج أنه كما لايمكن نسخ الوصايا الأدبية مثل: الزنا والسرقة فلايمكن نسخ الإنجيل أو التوراة، وأن المسيحيين لم يلتزموا فقط بالوصايا الطقسية، ويساوي بين الأقانيم الإلهية والصفات الإلهية، ولايفرق بين الحواري والرسول كما لايفرق بين النسخ والقراءات المختلفة، ويرى أن وسائل الحصول على المغفرة في الإسلام سطحية، وخارجية، وغير قابلة للممارسة والتطبيق - في وجود القداسة الإلهية والعدالة - واعتبر هذا
стр. 257
غير كاف للتأثير في القلب، والشعور براحة الضمير؛ حيث نلحظ هنا أن كل ماسبق عبارة عن اجتهادات وتحليلات شخصية، إلا أن الرجل تفوق في مهارة الإلقاء، وجانب الروحانيات، وتهيئة القارئ للحديث عن النصارى وحكايتهم كما حدث في حكاية اليهود.
قوض رحمت الله نصوصهم واستعان بها ضدهم، لكن فندر قد استعار نصوص المسلمين ليشهد لهم، وهذا فارق كبير؛ لأن شهادته لهم لابد أن تؤول لشهادته بالباقي وبالحق.
إن كتاب فندر لا يستهدف الخاصة بل العامة، ولذا نجده حريصا على الاستمرار فيه بالرغم من دفع الشبهات بأقوال كثيرة يصعب على العامة قراءتها وحصرها.
عند المقارنة بين سند "زيد بن ثابت" عند المسلمين وسند "عزرا" في التوراة نجد أنه بينما تشكلت لجنة من المسلمين لجمع المصحف من الحفاظ المتقنين وتقديم شاهدي عدل على كل آية أيام جمع المصحف على يد أبي بكر ثم مرة ثانية على يد عثمان بن عفان، نجد أن عزرا الغير معروف هويته بالتحديد يجمع التوراة بنفسه - بعدما مرت أعوام على هزيمة اليهود على يد بختنصر وتفرقهم وفقد نصوصهم الأصلية- كذلك المقارنة بين جمع "قسطنطين" للإنجيل الحقيقي واعتماده، وجمع "عثمان" للمصحف الحقيقي واعتماده - فارق كبير- فبينما كان قسطنطين وثينا، وأقر الإنجيل المزيف - الذي يخدم مصالحه - على الرغم من أن أغلبية المجلس - المشكل - مقرون بالإنجيل الحقيقي، نجد عثمان قد نسخ القرآن بلجنة مشكلة معتمدة من صحابة الرسول، ثم رد أصل النسخة إلى صاحبه، ونسخ منه للأمصارالمختلفة لاعتماده وحرق المخالف عنه حتى لا تنتشر النسخة المخالفة للأصل.
إن في اتهام فندر الإسلام أنه انتشر بالسيف- لو افترضنا صحة ما يقول - فالسيف مدعاة للتفكر في أصول الديانة وليس مجرد الخوف منه.
ناقش كل باب منفصلا عن الباب الآخر حيث لا يفترض إبطال التثليث في باب النبوة وهكذا؛ فليس ترتيب الكتاب ملزم بإبطال قضاياه واحدة تلو الأخرى كما يعرض القس فندر، كما أن رحمت الله قسم كتابه بناء على أبواب المناظرة، في حين أن فندر حاول أن يقسمها - كذلك - ولكنه يعود أدراجه في الحديث عن قضية سابقة عند مناقشة قضية لاحقة.
تسمية فندر لكتبه بمسميات غريبة لا تدل عليها، مثل: مفتاح الأسرار ... ولا يوجد مفتاح! ميزان الحق ... ولا يوجد ميزان! طريق الحياة ... ولا يوجد سوى التيه! ملاحظات محمدية ... وفي الحقيقة هي ملاحظات مسيحية! بينما ركز رحمت الله على كل القضايا من خلال كتابه " إظهار الحق " مع قواعد وتنبيهات من خلال كتابه " التنبيهات ".
стр. 258
وفي الختام يجب علينا العمل على (١):
- أخذ الدين من مصادره فقط دون الاعتداد بسلوك معتنقيه سواء أكان سلوكهم طيبا أم غير ذلك، متفقا مع ديانتهم أم مخالف لها.
- عدم الأخذ بتمدين دولة ما دليلا على سلامة الدين الذي تعتنقه أو الحكم بعدم سلامة عقيدة ما لمجرد أن الدولة التي تأخذ بها ليس لها حظ من الرقي، إذ فضلا عن انعدام السببية بين الدين ومستوى الدولة، فإننا سنجد دولا عظمى لكنها لا تأخذ بأي دين من الأديان.
- أن نبتعد عن المناورة التي يلجأ إليها عادة بعض المتناظرين، وأن تتجنب المكابرة التي يتمسك بها ضعاف العقول، فقضية الدين أجل وأعظم من أن تكون مجالا للمحاورة، إنما ينبغي أن تتكاتف كافة الأطراف للبحث عن الحقيقة والوصول إليها، ليهتدي من يهتدي عن بصيرة، ويهلك من هلك عن بينة.
- عدم تأويل النصوص الواضحة الصريحة أو تفسيرها بما يخرجها عن ظاهر النص إلى معنى آخر لا يتفق مع هذا الظاهر. أن يكون الحكم والفيصل فيما نقول للعقل وحده بعيدا عما استقر في الوجدان من اعتناق كل منا عقيدة بدأت معه طفلا لايميز شيئا، واستمرت معه صبيا وصاحبته حتى صار رجلا.
стр. 259
المبحث الثاني
رحمت الله وفندر في الميزان
إن ادعى الغرب أن المسلمين طوروا آليات مقتبسة من الحضارة الغربية للرد على النصارى فمن باب أولى منذ ١٥٠ عاما وحتى الآن لم نجد أي تطوير إضافي لهم يرد على أسئلة المسلمين المثارة حول الديانة المنسوبة- تلك- إلى عيسى ﵇ ومدى صحتها.
ولوضع رحمت الله وفندر في الميزان لابد من وضع الميزان - أولا - للحكم عليهما من خلال التالي:
أولا: القواعد
١ - لا يمكن اتباع الشرائع التي تخالف المنطق والعقل في عقائدها ولو جزئيا كذلك المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط (١).
٢ - عند استصحاب الردود لابد أن تكون من أقوال المفسرين المعتبرة عند الطرف الآخر وأقواها حجة.
٣ - تحرير كل المصطلحات أولا من قبل البدء في الحديث.
٤ - تحديد الوجهة والهدف الذي يسير عليه المتناظران قبل المناظرة.
٥ - الإنصاف في النقل والتحري والرد والفصل في الأمور.
٦ - الاطلاع على جميع النسخ وتحقيقها قبل الرد.
٧ - الاستدلال يكون بكافة الأوجه الممكنة والمعتمدة للنص.
٨ - لا تقتبس من نصوص غيرك لتشهد بها لنفسك في حين أنك تنكر الباقي منها إلا إن كانت بتفسير غيرك المعتمد لديه.
٩ - ألا يكون المناظر ملتزما في أمر من أموره بضد الدعوى التي يحاول أن يثبتها، فإذا كان ملتزما بشيء من ذلك، كان حاكما على نفسه بأن دعواه مرفوضة من وجهة نظره. مثال: قالوا: " ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق " مع أنهم يعتقدون برسالة كثير من الرسل السابقين وهم بشر وليسوا بملائكة كما يرون الرسالة تكون للملائكة فقط.
١٠ - ألا يكون في الدعوى أو في الدليل الذي يقدمه المناظر تعارض، أي: ألا يكون بعض كلامه ينقض بعضه الآخر، فإذا كان كذلك كان كلامه ساقطا بداهة. مثل: ساحر مجنون، سحر مستمر (٢).
стр. 260
ونلاحظ أن كل القواعد مستمدة من القرآن الكريم في الأساس كمثل: قل هاتوا برهانكم - أو لم يتفكروا - ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها - لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ... الخ وكذلك تستمد القواعد من القواعد الجدلية المسلمة في المنطق.
وإن كانت قاعدة كل ما يدل على كذب الكاذب لا يدل على صدق الصادق والعكس صحيح هي قاعدة صحيحة إلا أني لا أتفق في الأخذ بها عند محاورة النصارى والأقوى هو فضح كذب الكاذب، وإثبات صدق الصادق كما فعل رحمت الله.
ثانيا: الالتزام بشروط التعريف:
[الشرط الأول] يكون التعريف جامعا أو منعكسا: أي أنه لا يخرج عنه شيء من المفرد التصوري الذي يشرح به، ومعنى كونه مانعا أو مطردا أنه لا يسمح بدخول شيء من غير المفرد التصوري الذي يشرح به.
[الشرط الثاني]: أن يكون أجلى وأوضح من المفرد التصوري الذي نشرحه، فإذا كان قولنا الشارح (تعريفنا) أخفى من المفرد الذي نشرحه أو مماثلا له في الخفاء، فإن المخاطب لن يستفيد شيئا من شرحنا وتعريفنا، بل يبقى في جهالته، ولا يستطيع أن نتصور هذا المفرد الذي نشرحه له عن طريق قولنا، كتعريف الأسد للأعجمي بأنه (الغضنفر) أو (القسورة)، والقول الشارح هنا أبعد وأخفى أو مماثل في الخفاء للقول المشروح، وكتعريف النار بأنها (استقصى من ألطف الاستقصات) فهذا أيضا تعريف بالأخص، وكل ذلك غير صحيح، لاختلال شرط كون التعريف أوضح وأجلى من المعرف.
هذان هما الشرطان الأساسيان للتعريف الصحيح، وهناك شرط ثالث يمكن أن يفهم من ضمنهما، وهو أن لا يتوقف العلم بالتعريف على العلم بالمعرف، وإلا لزم الدور وهو ممنوع عقلا، كتعريف العلم بأنه إدراك المعلوم، وذلك لأنه لا يعرف المعلوم حتى يعرف الحكم، فكيف يدخل المعلوم في تعريف العلم فهو إذن تعريف غير صحيح (١).
أخذ علماء فن آداب البحث والمناظرة قاعدتهم المشهورة التي يقولون فيها إن كنت ناقلا فالصحة أو مدعيا فالدليل. مثال من القرآن: سورة البقرة: " وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " (٢).
يجب أن يضمن ضمن القواعد: التعريف بالموضوع بشكل جيد، وكذا حدوده، وغاياته، والهدف المرجو منه، بالإضافة إلى التعريفات الأخرى محل البحث والمناقشة والنظر مثل:
١ - النسخ ... وهل يعني نسخ اللفظ أم المعنى أم التحول لشيء آخر معنوي؟
٢ - المتن ... وهل يعني التثليث أم متن النص؟
٣ - السند ... وهل يعني سلسلة الرواة أم الروايات التاريخية فقط؟
стр. 261
٤ - التحريف ... هل يعني التغيير ونقل اللفظ والمعنى أو كليهما أم سهو الكاتب؟
٥ - صفات الله ... هل تعنى الصفات الملازمة للخالق سبحانه أم أقانيم تنفصل عنه؟
٦ - النبي ... هل هو القدوة والمبلغ أم المبلغ فقط وليس معصوما؟
ومن القواعد الكلية في المناظرات عدم المجادلة في البديهيات فالبديهي معيار يعول عليه في كشف الحق في مسائل الخلافيات، فلا يطلب إقامة الدليل على البديهي، وطلب الدليل على البديهي سفسطة وتعطيل للمناظرات وشغب، فالبديهيات ضروريات تقوم العلوم بها (١)، وما حاولت القيام به من تأصيل لقواعد هو محاولة نقل العلم التصوري الكسبي المعرفي في علوم المنطق إلى علم بدهي.
إن القواعد الجدلية ليست وليدة الساعة؛ فابن تيمية وريموند لول ورحمت الله قد أصلوا قواعدهم، لكن الجديد هنا هو ضبط تلك القواعد وتطويرها بشكل عصري أكبر قوة، وأكثر وضوحا. فإن دعيت للمناظرة فأجب واعرض تلك القواعد- بشكل ملزم - وإن كنت معللا فافرض تلك القواعد.
إن الكذب لا يمكن قبوله في علوم المنطق، كذلك منهج المواراة والكذب والتدليس؛ لأن المنطق يكون بحقائق مجردة. وكما نقل د. حمد إبراهيم العثمان في كتابه: " المتناظران لابد أن يرجعا في المسألة التي اختلفا فيها إلى كليات ليتم تحرير المسألة المختلف فيها. فلابد للطرفين من الموافقة على هذه الكليات، وإذا نوزع في هذه الكليات لم تنتظم مناظرة، ولم يمكن إقامة حجة ولا تقرير مذهب " (٢).
وللمختصين بعد ذلك كلام كثير حول هذا السؤال: أتكون الأسس الصورية المجردة التي استخلصها أرسطو من فكر عصره، هي نفسها الأسس التي لا تتغير في أي فكر وفي أي عصر وعند جميع الأمم ومختلف الثقافات؟ وكان الجواب على هذا السؤال، هو أن تلك الأسس إنما يضاف إليها أسس أخرى، كلما استحدث الإنسان ضربا جديدا من فاعلية التفكير (٣).
وبتطبيق القواعد السابقة نجد أن فندر كان بعيدا جدا عن مفهوم التعريف الواضح الدقيق، وتحرير المصطلحات، والإنصاف، بالإضافة إلى التعارض والتناقض في الأقوال، وعدم تقديم الأدلة البينة الواضحة والسند المتصل - كما تبين من المبحث السابق - والالتباس في فهم النصوص وعدم الرجوع إلى المصادر وتحقيقها، واتضح أن هذا الدين هو دين جديد لشخص يدعى بولس وليس من رسول موحى به من الله، ومن ذلك اتضحت قوة وغلبة الشيخ رحمت الله فيما ناظر فيه.
ما معنى الانتصار أو الغلبة؟
стр. 262
ينتصر الشخص إذا توصل للهدف المطلوب أو النتيجة المرجوة، لكن إذا قصر كل طرف عن الوصول للهدف، فيقاس قرب أحدهما في كل موضوع من الهدف المنشود، وليحدد درجة كل واحد على حدى من مجموع الدرجات الكلي والذي يحدد المنتصر.
لذا كان رحمت الله هو من حقق الهدف المنشود بجدارة فائقة ومهارة عالية، واستطاع كشف الحقيقة الغائبة، كذلك استطاع إقناع جمهوره بمناظرته الكبرى مع فندر.
في الختام أعرض بعض التجارب المهمة (١)
والتي مررت بواحدة منها شخصيا وهي: تجربة مناظرتي مع دكتور قس ألماني بروتستناتي، وكأن حلقة الحياة تدور مرة أخرى؛
حيث دارت حلقات النقاش التي استمرت لساعات حول قضايا مختلفة: انقطاع السند - التحريف والتناقضات - التثليث - القرآن ... الخ
وكان من نتائج تلك المحاورات:
١ - في قضية انقطاع السند قدم لي دليلا من اليوتيوب لعالم مسيحي يدعي وجود أصول النسخ، فتتبعته معه وشاهدناه سويا فلم نجد إلا التطويل دون تقديم سند واضح! .
٢ - في قضية التحريف والتناقضات رأى أنه لكل آية معنى مختلفا أو في سياق مختلف دون الاستناد إلى آراء علماء.
٣ - لم يكن يسمع عن تلك المناظرة الكبرى أصلا، وتحمس للقراءة فيها بشدة حتى أنه ذكر صفدر علي وعماد علي وأنهما تنصرا بعد المناظرة، وكنت في ذلك الوقت لم أكن قد بحثت في أمرهما بعد، فعمدت إلى التفصيل حولهما وحول ما جرى معهما وتفنيد ذلك.
٤ - جادلته في التثليث إلا أنه ذكر أنه لا يقتنع بالفعل بتلك القضية، وأن هدمها هدم النصرانية بالكامل، وحاول التوفيق بين الإسلام والمسيحية في اعتناق دين يجمع بينهما إلا أنه لم يفعل.
٥ - جادلني في السبعة أحرف التي نزل بها القرآن وهذا دليل التناقض؛ فبينت له الفروق الجوهرية بين الحرف والاختلاف وبين التناقض المذكور، كما بينت في مبحث التحليل.
٦ - تناقشنا في باب المعجزات وخاصة آية انشقاق القمر فبحثنا سوية في وكالة ناسا؛ حيث أثبتوا بالفعل وجود خط يمر في منتصف القمر لكن لم يقدموا سببا يقينيا لذلك.
وفي موقع ناسا الفضائية (١):
توضح الصور أن الحفر تمتد لمئات الكيلومترات وتتقاطع مع بعضها البعض واندمجت فيما بينها لتشكل شريط لحامي يمتد عبرها وبأعماق كبيرة تحت سطح الكوكب، كما أن الحفر الكبيرة لا تظهر على سطح الكوكب كالحفر الصغيرة، وتلك المنحدرات لها شكل شبه دائري على شكل شحمة الأذن ويرجعها العلماء نتيجة للحمم البركانية والنيازك أو بفعل خطوط التصدع. يقارن العلماء بينه وبين كوكب عطارد على نفس المجموعة الشمسية حيث يرون أن عطارد قد انصهر ثم عاد فتشكل من جديد نتيجة للبرودة الموجودة على سطحه وأن حجم عطارد أزيد من ثلث حجم القمر، كما أن المنحدرات على كوكب عطارد أكبر من تلك التي على القمر ومن هنا أرى أنه من المرجح أن القمر
стр. 265
قد أعيد تشكيله بعد انشقاقه وهذا ما يفسر الشريط اللحامي الممتد والبرودة الموجودة على سطح الكوكب ككوكب عطارد. وقد ذكر الدكتور توماس واترز من مركز الدراسات الأرض والكواكب في سميثسونيان الوطني للطيران ومتحف الفضاء في واشنطن أن المسافة بين مركز القمر وسطحه تقلصت بنحو ٣٠٠ قدم.
بالإضافة إلى ما سبق لم يستطع العلم الحديث أو أي من المراكز البحثية المنتشرة حول العالم أن يأتوا بمثل سورة في القرآن قوامها ١٥ كلمة (١)!
стр. 266
النتائج
стр. 267
من أهم النتائج التي خلصت إليها:
- تدرجت المناظرة بدءا من بداية عصر الرسول ﷺ وحتى الآن، ثم تطورت المناظرة في العصر الحديث وبدأت تتشكل قضايا الحوار بين المسلمين وأهل الكتاب - بشكل أكثر وضوحا - وزيدت فيها موضوعات جديدة: كقضية المرأة والصلب والنجاة والمغفرة. يعد رحمت الله مستفيدا من ابن حزم كذلك ابن تيمية - والذي يعد من أوائل من نظم قواعد لمناظرة أهل الكتاب وغيرهم معتمدا في ذلك على العقل والنقل معا - وامتدادا لمنهجه ومع التركيز بشكل أكبر على القضايا والموضوعات وعلى نصوص العهدين وتقويض المقولات من الداخل وكما فعل من قبل ابن حزم، ولكن بزيادة إثبات كذب الكاذب وصدق الصادق - بشكل أكثر تفصيلا - وقد سار الشيخ رحمت الله وفق المنهج القرآني في الجدل. وباتت أدلة الشيخ أكثر إقناعا واتضحت فيها الأصالة والصدق والبراعة في الجدل كما أنها أزالت أمامها عناد القس فندر.
- ركز رحمت الله على قضايا التحريف والنسخ أكثر من قضايا التثليث فالنبوة؛ فبإثبات النبوة ثم القرآن مع إبطال الثليث يكون بذلك قد أثبت الإسلام، فعكس رحمت الله المنهجية - مقارنة بسابقيه - بالبدء بما يراه النصارى - من حيث إثبات التحريف والنسخ ثم إبطال التثليث؛ حيث يكون بذلك قد أثبت كذب الديانة النصرانية ثم يلجأ - بعدها -إلى إثبات القرآن والنبوة، فيكون بذلك قد استوفى الناحيتين إثبات كذب الكاذب وإثبات صدق الصادق. تدرج رحمت الله من إثبات الكذب ثم إثبات الصدق كي يتبع رأي النصارى في إثبات النبوة وكذلك نفي التثليث والتحريف والنسخ، فيكون بذلك أبلغ وأقوى في سوق الحجة، كما أنه يعتبر كل مبحث منفصل عن غيره من حيث النفي ولا يرتبه على ماسبق؛ فقد أوقف المناظرة على إثبات التحريف والنسخ في حين كان يبدأ كل مبحث جديد في الكتاب بافتراض صدق ما سبقه وذلك حتى يكون في ذلك أبلغ، وكذلك إثبات الحق في كل باب وتقديم الأدلة على عكس فندر كان يبني كل مبحث على ما يليه، إلا أن رحمت الله أيضا لم يسن قواعد كلية قبل المناقشة تخص صلب موضوعات المناقشة كما ينوه هذا البحث وكما ذكرت.
- تطورت قضايا البحث والمناظرة بين الإسلام والنصرانية فبدأت بالعمومية في الطرح مثل ما كان عند: ابن حزم وابن تيمية ثم اتضحت القضايا والأبواب والموضوعات بشكل أكبر بدءا من ابن تيمية حتى تجلت عند رحمت الله والتي قسمت موضوعاتها وقضاياها بناء على القضايا المثارة - حتى ذلك الوقت - ثم تميز الشيخ ديدات - حديثا - عن رحمت الله في مدة التناظر؛ فقد كان رحمت الله في مناظرته مع فندر يسير على منهج سؤال وجواب أو معلل ومجيب على قدر زمن الإجابة، كما أن الأسئلة والأجوبة في الجلسة الواحدة تنطلي على مناقشة مبحث أو موضوع واحد فقط، أما ديدات فقد كان يناقش - غالبا - من خلال أسئلة تنطلق منذ البداية وتحتوى على مناقشة موضوع واحد أو عدة موضوعات متداخلة في زمن طويل يتيح له إخراج كل
стр. 268
ما لديه، لكنها لم تشمل جميع الأبواب المهمة سواء أكان عنده أو عنده غيره فمثلا: هل أثبت النبي محمد ﷺ ما مع النصارى من كتب ونفى عنها التهم والتبديل؟ أو هل حرفت ألفاظ جميع النسخ منها بعد مبعث النبي؟ لم أعثر فيه على مناظرة بهذا الشكل ... لكني أرى أن منهج رحمت الله كان أقوى في هذا الباب؛ فقد كان يسلك مسلك العلماء لا مسلك الدعاة كما فعل ديدات، كذلك لم يكن يعتمد ديدات على آراء المفسرين الشارحين للنصوص كما كان يفعل رحمت الله وابن حزم، وأن ما كان عند الشيخ ديدات يعد تطويرا شكليا لا منهجيا، دعويا إعلاميا لا علميا.
- إن هذا البحث يؤصل ويوضح لنمط جديد ألا وهو فكرة وجود قواعد مناظراتية، مع استخدام التكنولوجيا في علم المناظرة والجدل الحديث؛ فهناك فرق بين قواعد لمناظرة أهل الكتاب، وبين أن تجرى المناظرة بناء على تلك القواعد؛ فالقواعد الأولى أشمل وأعم من الثانية؛ حيث يمكن أن تكون الثانية قاعدة تضاف إلى القواعد والآداب العامة عند الجدل وفي المناظرة. لا تأتي مرحلة استخراج القواعد إلا بعد الاستهلاك في الشروح والمناظرات أو باستيعات القدر الكافي للدين الآخر أو وجهة النظر الأخرى والتي تحدد مواضع الإشكاليات، وتختلف قواعد المناظرة عن آداب المناظرة. كما يفضل أن تستخدم المناظرات عند من يظهر معاداة الإسلام والتحدي؛ أي استخدام القوة لصد العدوان. كما تبين أن المنهج القرآني في مناظرة المسلمين للنصارى هو منهج التخطئة والإلزام لكنه بعد تلك المناظرة الكبرى ونجاح رحمت الله الساحق يمكن أن يستكمل ذاك البناء بالدعوة وشرح مبادئ الإسلام كما نادى الدكتور كلينتون على الجانب الآخر أو باستخدام التكنولوجيا الحديثة في كلا الأمرين.
- بعض الآراء تذكر أن فندر كان مبشرا أمريكيا كاثوليكيا تحول إلى البروتستانتية - كما نقل عن القس فرنج - مساعده- والرأي الآخر لا ينوه - مطلقا - على كونه مبشرا أمريكيا كاثوليكيا، بل يراه مبشرا جمع بين الكاثوليكية والبروتستانتية - كمبدأ لتوحيد النصرانية - وكما لم ينوه كذلك على كونه أمريكيا إلا ما نقل عن فرنج، بل سافر وتزوج وعمل لحساب إنجلترا، وهو في الأصل ألماني قد تعلم في سويسرا وتخرج في بازل. إن كتاب فندر لا يستهدف الخاصة بل العامة؛ ولذا نجده حريصا على الاستمرار فيه بالرغم من دفع الشبهات بأقوال كثيرة يصعب على العامة قراءتها وحصرها وإن سر التمسك بنشر كتابه، وعدم الاهتمام بنشرالرد عليه ككتاب إظهار الحق - حتى الآن - هو مصلحة عدم ظهور الحقيقة؛ لأن مع الباطل قوة. استنتج الباحث من خلال العرض أن فندر بالرغم من ضعف حجته، وسقم منهجه، واعترافه بالتحريف، إلا أنه آثر البقاء على دينه بل والتبشير والدعوة إليه وكأن كل ما سبق عبارة عن معركة لا بين دين وعقيدة! استمد فندر هذه الصلابة من خلال ما نشأ وتربى عليه، وربما كان من خلال هوى في نفسه، وكبر استقر في قلبه. وبالرغم من رفض المسيحية للعقل في قبول عقيدة التثليث كعقيدة إيمانية واجبة التسليم إلا أنه مازال هناك الكثير من معتنقيها، وهذا يدل على التأثر المجتمعي بعضهم ببعض وأنه أول ما يعود المرء لرشده ويستشعر الهداية يتحول عنها إلى الدين الحق.
стр. 269
- عرض د. كلينتون رأيه عن فندر بنزاهة وشفافية وحيادية واستنبط الباحث من خلال عرضه أنه يرى فندر شخصا مستهترا لم يراع حقوق المناظرة على الأوجه الأمثل من خلال التمهيد والتحضير المسبق لها. وتقييم الدكتور كلينتون في النهاية يشير إلى أنه من الأفضل الابتعاد عن مناظرة المسلمين، وعدم الجدل معهم؛ لأنه لم يأت بفائدة مرجوة، وأظهر أن الخسارة كان محلها عدم التجهيز والإعداد المسبق، وأنه بذلك يمكن الرد على المسلمين بسهولة، لكنه من الأفضل مخاطبة قلوبهم لا عقولهم، أو شرح المسيحية بدلا من مهاجمة الإسلام - في إشارة - إلى أنه من الصعب إقناعهم بما ليس لديهم، وهذا في حد ذاته اعتراف بضعف حججهم، وانتصار المسلمين الساحق على خصومهم. وبالنسبة لصفدر علي وعماد الدين، وكانا من حضور المناظرة الكبرى، فقد رجع الباحث إلى مصادر كتبهم، ورسائلهم، حيث تبين أنهما ينتميان إلى عقائد صوفية منحرفة مهدت وفتحت الطريق لهم -أمام أعينهم- فغشت أبصارهم عن طريق الحق كذلك بسبب البيئة المحيطة (أسرة أرثوذكسية - رفقاء سوء).
- إن طريقة النقد التاريخي المزعومة لم تكن لدى المسلمين، بل استقاها المسلمون من الأوربيين، وإن ادعوا أن لديهم القدرة على الرد من خلالها فلم لم نشهد ذلك حتى الآن! وإن زعموا أن المسلمين طوروها فإما لأنهم على حق وإما أن عليهم تطويرها -هم كذلك - وإلا كان لزاما عليهم أن يسلموا أو أن يبتعدوا عن طريق الجدل كما نصح د. كلينتون؛ حيث يظن الغرب أن المنهج الذي اقتبسه المسلمون منهم وطوروه هو السبب في الانتصار إلا أن الغرب وقف عاجزا عن التطوير، فالحقيقة ليست في منهج مطور أو مقلد بل في إظهار حق وإزهاق باطل؛ حيث أثبتت هذه الدراسة أن التقنيات الحديثة لن تغير من مسار الحق بل تثبته وتؤكده.
- تبين مما سبق أن التناظر مميز ببلوغ أعلى مراتب التنصير بالقوة العسكرية الاستعمارية الصليبية - في ذلك الوقت - ولم يتبعها في القرون التالية أي جديد سوى محاولات التأثر والتطوير. تحتاج الجوانب الإجرائية في هذه المناظرات وكذلك القواعد الجدلية إلى تطوير، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى التأثير الإيجابي في طريقة وعمل وأداء المناظرة، كذلك تطوير في طرق عرض وتقديم الكتب العلمية؛ للرد على المخالفين. هناك ملامح خاصة تميز بها كل من منهج الشيخ رحمت الله والقس فندر عن غيرهما، بالإضافة إلى البيئة والزمان الذان كانا فيه؛ أدى ذلك لزيادة الاقبال إلى التعرف عليهما. لم يلتزم فندر بالقواعد المنطقية كما التزم بها الشيخ رحمت الله في الجدل والتناظر؛ أدى ذلك إلى تراجع القس فندر أمام الشيخ رحمت الله الهندي. وكانت المشكلة في قلة علمه واستهتاره بمستوى المناظرة وغشيانه للحق وقد تطورت الطرق والأساليب الحجاجية - عند الشيخ والقس- عن طرق وأساليب سابقيهم، وفق القواعد المنطقية الجدلية وخاصة لدى الشيخ رحمت الله بمساعدة رفيقه د. وزير خان. كما حدثت تطورات في الطرق والأساليب الحجاجية - شكليا - بعد تلك المناظرة الكبرى. وإن الأمر يستلزم إحداث تطوير في مناهج البحث في الأديان من الناحية الهيكلية والوظيفة الأساسية كما يستلزم وجود قواعد منطقية جدلية حديثة،
стр. 270
وقواعد إجرائية مناظراتية حديثة؛ تحدث تأثيرا وتجديدا في علم الكلام أو بمعنى آخر في علم النظر والاستدلال؛ حيث يسلك المتكلم - بعد تعقل أصول العقيدة - سبل الاستدلال والاقناع بطرق مخصوصة، يعتقد أنها قادرة على الظفر بالشيء المخصوص محل النظر.
стр. 271
التوصيات
стр. 272
لابد أن تكون هناك أسس واضحة عند المناقشة والحوار قبل بدء أي حوار كالتالي:
أولا: أسس المناقشة
- أخذ الدين من مصادره فقط دون الاعتداد بسلوك معتنقيه سواء أكان سلوكهم طيبا أم غير ذلك، متفقا مع ديانتهم أم مخالفا لها.
- عدم الأخذ بتمدين دولة ما دليلا على سلامة الدين الذي تعتنقه أو الحكم بعدم سلامة عقيدة ما لمجرد أن الدولة التي تأخذ بها ليس لها حظ من الرقي، إذ فضلا عن انعدام السببية بين الدين ومستوى الدولة، فإننا سنجد دولا عظمى لكنها لا تأخذ بأي دين من الأديان.
- أن نبتعد عن المناورة التي يلجأ إليها عادة بعض المتناظرين، وأن تتجنب المكابرة التي يتمسك بها ضعاف العقول؛ فقضية الدين أجل وأعظم من أن تكون مجالا للمحاورة، إنما ينبغي أن تتكاتف كافة الأطراف للبحث عن الحقيقة والوصول إليها، ليهتدي من يهتدي عن بصيرة، ويهلك من هلك عن بينة.
- عدم تأويل النصوص الواضحة الصريحة أو تفسيرها بما يخرجها عن ظاهر النص إلى معنى آخر لا يتفق مع هذا الظاهر.
- أن يكون الحكم والفيصل فيما نقول للعقل وحده بعيدا عما استقر في الوجدان من اعتناق كل منا عقيدة بدأت معه طفلا لايميز شيئا، واستمرت معه صبيا وصاحبته حتى صار رجلا.
ثانيا: تحرير المصطلحات وتعريفها
١. الالتزام بشروط التعريف:
[الشرط الأول] التعريف جامعا أو منعكسا: أنه لا يخرج عنه شيء من المفرد التصوري الذي يشرح به، ومعنى كونه مانعا أو مطردا أنه لا يسمح بدخول شيء من غير المفرد التصوري الذي يشرح به.
[الشرط الثاني]: أن يكون أجلى وأوضح من المفرد التصووري الذي نشرحه، فإذا كان قولنا الشارح (تعريفنا) أخفى من المفرد الذي نشرحه أو مماثلا له في الخفاء، فإن المخاطب لن يستفيد شيئا من شرحنا وتعريفنا، بل يبقى في جهالته، ولا يستطيع أن نتصور هذا المفرد الذي نشرحه له عن طريق قولنا، كتعريف الأسد للأعجمي بأنه (الغضنفر) أو (القسورة)، والقول الشارح هنا أبعد وأخفى أو مماثل في الخفاء للقول المشروح، وكتعريف النار بأنها (استقصى من ألطف الاستقصات) فهذا أيضا تعريف بالأخص، وكل ذلك غير صحيح، لاختلال شرط كون التعريف أوضح وأجلى من المعرف.
стр. 273
هذان هما الشرطان الأساسيان للتعريف الصحيح، وهناك شرط ثالث يمكن أن يفهم من ضمنهما، وهو أن لا يتوقف العلم بالتعريف على العلم بالمعرف، وإلا لزم الدور وهو ممنوع عقلا، كتعريف العلم بأنه إدراك المعلوم، وذلك لأنه لا يعرف المعلوم حتى يعرف الحكم، فكيف يدخل المعلوم في تعريف العلم فهو إذن تعريف غير صحيح.
أخذ علماء فن آداب البحث والمناظرة قاعدتهم المشهورة التي يقولون فيها إن كنت ناقلا فالصحة أو مدعيا فالدليل. مثال: سورة البقرة: " وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ".
إن المناظرة قد تعد طريقة منهجية قد يسير عليها الناهج، لكنها قد لا تكون السبيل النمطي المتعارف عليه الأوحد، ولكنها قد تتطور أو تستكمل بأشكال مستحدثة.
٢. التعريفات اللازمة:
تحدد التعريفات اللازمة المطلوبة قبل الدخول في التناظر مثل:
١. النسخ ... وهل يعني نسخ اللفظ أم المعنى أم التحول لشيء آخر معنوي؟
٢. المتن ... وهل يعني التثليث أم متن النص؟
٣. السند ... وهل يعني سلسلة الرواة أم الروايات التاريخية فقط؟
٤. التحريف ... هل يعني التغيير ونقل اللفظ والمعنى أو كليهما أم سهو الكاتب؟
٥. صفات الله ... هل تعنى الصفات الملازمة للخالق سبحانه أم أقانيم تنفصل عنه؟
٦. النبي ... هل هو القدوة والمبلغ أم المبلغ فقط وليس معصوما؟
٧. التناقض والاختلاف ... والفرق بينهما؟
٣. التسليم بالتصديق البديهي كالتصديق النظري:
التصديق البديهي: وهو كل قصة لا يحتاج التسليم بمضمونها إلى نظر واستدلال، وربما احتاج إلى التنبيه فقط بالنسبة إلى الغافل عن كونه بدهيا أو الغافل عنه أصلا. التصديق النظري: وهو كله قضية لا يجزم العقل فيها بثبوت المحمول للموضوع أو نفيه عنه، إلا بعد النظر فيها والاستدلال عليها، كقولنا: خالق العالم أزلي أبدي، ولذلك لابد من وجود أداة كالمنطق تكون سببا في عدم الوقوع في الخطأ في التفكير، والنظر إلى الأقوال بقلب مفتوح وعقل مستنير.
ثالثا: قواعد منطقية جديدة للمتناظرين قبل التناظر
أرى أن مبحث التثليث كان أولى بالبداية عند رحمت الله وابن تيمية مما سواهم؛ حتى لا يوقف المتناظر الحديث بعد مبحثي التحريف والنسخ - كما فعل فندر - فيكون بذلك قد فوت فرصة إثبات الإسلام عن طريق نقض التثليث، ولسبب آخر هو أنه لا يمكن البدء في التثليث بافتراض صحة ما قبله من النسخ والتحريف ولكن يمكن البدء بالتثليث ولا يعني هذا نقض التحريف فيكون الاستمرار في التناظر له معنى أقوى وأبلغ؛ حيث إن صلب الديانة تتمثل في التثليث. لاحظت عدم التركيز على قضية الصلب والفداء كباقي القضايا بالرغم أنها قضية مهمة ومن المهم أن يتم التركيز على جميع القضايا المهمة.
стр. 274
القواعد:
١. لا يمكن لأي شريعة نسخ عقائدها لكنها يمكن أن تنسخ بعض أحكامها.
٢. الأصل في أي نص اندثاره إلا إذا تعاهده سند معتمد مقبول، ولا اعتبار بالنسخ الأصلية للنص بقدر الاعتماد على طريقة نقله المعتمدة المتواترة.
٣. لا يمكن اتباع الشرائع التي تخالف المنطق والعقل في عقائدها ولو جزئيا.
٤. عند استصحاب الردود لابد أن تكون من أقوال المفسرين المعتبرة عند الطرف الآخر وأقواها حجة.
٥. تحرير كل المصطلحات أولا من قبل البدء في الحديث، مع تحديد الوجهة والهدف الذي يسير عليه المتناظران قبل المناظرة.
٦. الإنصاف في النقل والتحري والرد والفصل في الأمور، والاستدلال يكون بكافة الأوجه الممكنة والمعتمدة للنص.
٧. كلام الله جائز أن يتبدل ويتغير مالم يتعهده الله بحفظه.
٨. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لا في الفهم أو التكليف، كما سأل الرسول صلى الله عليه السلم المرأة: أين الله؟ فأجابت: في السماء، بمنتهى البساطة مع لزومية الاعتقاد والعمل الصحيحين كما لو كنت أقول إن الله معلوم والكيف به مجهول.
٩. اتحاد الذات المؤلفة من الجسد والروح والنفس قوة وفي انفصالها ضعف وفناء.
١٠. الاتفاق على وجوب تطبيق قواعد المنطق والعقل السليم في فهم قضية التثليث.
١١. المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط.
١٢. عدم الاقتباس من نصوص الغير ليستشهد بها لنفسه في حين إنكار الباقي منها إلا إن كانت بتفسير الغير المعتمد لديه. وألا يكون المناظر ملتزما في أمر من أموره بضد الدعوى التي يحاول أن يثبتها، فإذا كان ملتزما بشيء من ذلك، كان حاكما على نفسه بأن دعواه مرفوضة من وجهة نظره. مثاله: قالوا: " ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق " مع أنهم يعتقدون برسالة كثير من الرسل السابقين وهم بشر وليسوا بملائكة كما يرون الرسالة تكون للملائكة فقط. وألا يكون في الدعوى أو في الدليل الذي يقدمه المناظر تعارض، أي: ألا يكون بعض كلامه ينقض بعضه الآخر، فإذا كان كذلك كان كلامه ساقطا بداهة. مثل: ساحر مجنون، سحر مستمر.
١٣. لايمكن أن تتعدد العقائد في الدين الواحد وإلا لما كان هناك ما يميزه كدين!
١٤. ومن قامت البراهين والآيات على صدقه فيما يبلغه عن الله كان صادقا في كل ما يخبر به عن الله.
١٥. التمسك بالنص الصريح المحكم ورد المتشابه إليه، ولا يجوز التمسك بالمتشابه ورد المحكم إليه.
стр. 275
ونلاحظ أن كل القواعد مستمدة من القرآن الكريم في الأساس كمثل: قل هاتوا برهانكم - أو لم يتفكروا - ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها - لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ... الخ. ويجب على كل متناظر تحقيق كل النسخ المستعمله قبل الدخول في التناظر.
إن القواعد ليست بجديدة ولكن الجديد هو إبرازها وإيضاحها وأن تكون الفكرة موجودة قبل التناظر، وقد تتطور تلك القواعد الجديدة الموضوعة بناء على التجربة والمناظرات، كما يمكن أن تمتد إلى التطبيق في كافة المجالات المختلفة من جدل وتناظر.
- قواعد منهجية حديثة عند المناظرات -
دراسة بين الشيخ رحمة الله الهندي (ت: ١٨٩١ م) والقس فندر (ت: ١٨٦٥ م)
هذا هو العنوان المقترح إذا تم إخراج الدراسة في شكل كتاب والذي أسفرت عنه النتائج والتوصيات بصورة واضحة في هذا البحث؛ فلقد عملت على التطوير في مجال مقارنة الأديان، والدفاع عن الإسلام، فكما أسس الشيخ الفقيه - ابن حزم الأندلسي - أصول هذا العلم النقدي داخليا وخارجيا - من حيث السند والمتن - توسع فيه شيخ الإسلام - ابن تيمية - وطوره، ووجهه بشكل آخر دفاعي، يكتفي فيه بأن إثبات صدق الصادق دليل على كذب الكاذب، بالإضافة إلى ما قام به من جهود في نقض وهدم عقيدة التثليث.
وإن كان ابن حزم يرى أن كذب الكاذب يدل على صدق الصادق فإن الشيخ (رحمت الله الهندي) استفاد من المنهجين - الدفاعي والهجومي - لابن حزم وابن تيمية - رحمهما الله - فعمل على إثبات صدق الصادق من خلال: إثبات النبوة والقرآن، كما عمل على إثبات كذب الكاذب من خلال قضايا: التحريف والنسخ والتثليث، مطورا في منهج ابن حزم الجدلي والنقدي، ومعتمدا على تحديد أكبر للموضوعات المثارة بين الطرفين لتكون الحجة أقوى وأبلغ، كذلك عمد على الاستفادة من شارحي ومفسري الكتاب المقدس - كما فعل ابن حزم - ليدحض بالحجة والبرهان أساليب الافتراء والبطلان. كما قام رحمت الله الهندي بعد هجرته من الهند، وبعد الاحتلال البريطاني، وبعد جهاده هناك بالسيف والعلم والقلم وبعد المناظرة الكبرى مع القس (فندر)، بتأسيس المدرسة الصولتية بمكة المكرمة ليستمر العطاء، ويستمر تعليم وتفهيم الناس خطورة المستعمر والمبشر.
إلا أنه قد ظهرت في عصرنا الحديث محاولات أخرى عظيمة في هذا المجال: كأحمد ديدات ومن بعده ذاكر نايك في مجال الدفاع عن الإسلام ومقارنة الأديان والمناظرات، لكن الخط الذي سارا عليه لا يعد تطويرا منهجيا بل تطويرا شكليا، وأسلوبا دعويا لا أكثر؛ حيث إنهما اعتمدا منهج النص والحفظ أكثر من اهتمامهم بالأبواب والموضوعات ووضع وتأصيل للقواعد، كما اهتموا بالمناظرة على حساب المنهج، وبالدعوة - الجماعية أو الفردية - دون وضع قواعد محددة واضحة.
حاولت في بحثي هذا أن أضفي عليه سمة التجربة الواقعية المنشودة، والتي يمكن من خلالها الاستفادة بتحويل هذا المشروع العلمي إلى آخر دعوي، ومن خلال الاستفادة من تجارب السابقين لرحمت الله على المستوى الفردي أو التنظيمي، أو ممن تبعوه على نفس النسق أو خالفوه، كما عملت على الاستفادة من الجانب الآخر النصراني في وضع القواعد والأصول المطلوبة للدعوة في الفترات القادمة.
стр. 276
إن المنهج الموضوع لا يشترط أن يكون الشخص حافظا متقنا بقدر ما يتوفر لديه من مواهب وتحصيل شرعي للقدر المطلوب فقط؛ كي يستطيع القيام بأمر الدعوة، وإن هذا ليساعد على الانتشار وبقوة أكبر من الاعتماد على أشخاص بأعينهم، كما يساعد على تأسيس المنظمات والعمل التنظيمي الذي يرعى ويحمي هذا التوجه.
إن المنهج الموضوع وباختصار ينتهي إلى إنشاء موقع الكتروني أو تطبيق من تطبيقات المحمول! فلقد استنتجت من خلال البحث أو الدراسة أن الدعوة الجماعية، وفي المناظرات العلنية قد تضر أحيانا أكثر مما تفيد بعض الأشخاص؛ حيث إنه ليس كل شخص مستعدا لأن يسمع انتقادات عن دينه أو عقيدته بقدر ما يسمع عن عقيدة الدين الصحيح أو مبادئه، وعلى الجانب الآخر هناك من يريد أن يسمع ..
إذن وضع شخص غير مناسب في مناظرة علنية قد تحدث معه نتائج عكسية - وإن كان مسلما - كما حدث أن تنصر اثنان من الدعاة في أكبر مناظرة حدثت بين المسلمين والنصارى وانتصر فيها المسلمون وهذا حدث غريب! .
فمن خلال الدراسة وجد أنه لا يلجأ إلى استخدام هذا الأسلوب إلا عند التيقن من مزاياه، ومدى استفادته، كما عرضت ذلك من خلال آراء وإجابات ديدات من خلال الرسالة، لكن الأفضل هو التصنيف: تصنيف الحاضرين قبل الولوج في أية مناظرة.
وكما يختلف الأشخاص في مستواهم التعليمي والثقافي والبيئي، عملت على تصنيف البشر من خلال موقع الكتروني يتم إنشاؤه حسب: التعليم، والسن ... الخ، غير مستخدم لاسمه الحقيقي بل باسمه المستعار؛ وحيث تفتح له صفحة تحدد له اختياره وإن كان يريد أن يسمع الشبهات المثارة حول دينه، أو يسمع عن الإسلام وعقيدته ومبادئه السمحة، أو رد الشبهات عن الدين الإسلامي، ومن خلال اختيار المستخدم يتبين مدى إلمامه وحاجاته؛ فيتم وضعه في الغرفة الحوارية المناسبة مع الأشخاص المناسبين، كما يتم وضع المناظرات المناسبة له ولمستواه إن وجد.
إن هذا التطور الديناميكي للموقع في مجال مقارنة الأديان، والاستفادة من تكنولوجيا المعلومات بعد أن كانت الأساليب الحوارية غير محددة الغرض أو ثابتة استاتيكية تعرض كل شيء لأي شخص، أصبح - الآن - في الإمكان الاستفادة من مزايا الدعوة الفردية، والتي تناسب كل شخص في إطار جماعي يستهدف المتشابهين من كافة الفئات.
كما تم - وهو الأهم - وضع قواعد ولوائح للتناظر، ومنع وجود أي مناظرة تخلو من تلك القواعد؛ حيث إنها تنظم تلك العملية لتحقيق أكبر قدر من الاستفادة، فإن شئت قلت: إغلاق أو تقييد أو إحكام للمناظرة، ولكنها زبد النتائج التي خرجت بها من خلال البحث والدراسة، كما يلزم أن يوقع الطرفان على القواعد كما توقع عقود الإيجار.
إن من أهم تلك القواعد - أنه لا يمكن التنازل عما حدث في المناظرة الكبرى التي حدثت بين الشيخ رحمت الله والقس فندر من نتائج وتساؤلات تم توجيهها للطرف الآخر. وإن حدث ولم يتم الاتفاق على المناظرة في تلك القواعد، فالتناظر يكون ساعتها حول تلك القواعد ذاتها.
كما يتم وضع أفضل الردود - بعد جمعها وتنقيحها - في جميع الأبواب والمسائل - في شكل
стр. 277
ذاكرة دعوية، توضع على الموقع يستفيد منها الدعاة عليه ومن خلاله، أو المستخدمين كل حسب مستواه، وهذا نظرا لامتلاء المكتبة الإسلامية بالردود ولا يوجد ردود عليها مناسبة من الطرف الآخر. كما يمكن الاستفادة من هذا التطور مع أي ديانة أخرى.
كما يمكن إدراج موضوعات: كدراسة الإسلام، أو ردود إسلامية على أرباب الملل الأخرى، أو الردود على الديانة الأخرى مع استصحاب ردودهم بأقوال مفسريهم، ثم رد المسلمين عليهم عن طريق مجموعة من الأسئلة الحوارية تقلل من حجم القراءة لدى المستطلع، يتبع هذا تقييم المستخدم أو المستطلع مع السماح بالتعليقات أثناء الشروح والأسئلة والتقديمات المختلفة.
إن الالتزام بوضع قواعد قبل التناظر مع الالتزام بشروط التعريف لكل مصطلح، سيعمل على سد أبواب من الجدل لا طائل من ورائها سوى الجدل. إن الباحث عن الحقيقة لا يهمه سوى إثبات الحق دون سماع مخالفات أو أقوال من الطرف الآخر. كما تحمي تلك القواعد المناظر المسلم من تلاعب المناظر الآخر؛ حيث تلاعب (فندر) وغيره بالمصطلحات هروبا من الأزمة.
إن مرحلة استخراج القواعد لا تأتي إلا بعد الاستهلاك في الشروح والمناظرات أو استيعاب القدر الكافي للدين الآخر ... كما يفضل أن تستخدم المناظرات في النوع الذي يظهر معاداة الإسلام والتحدي؛ أي استخدام القوة لصد العدوان وليس في كل وقت.
كما تبين أن المنهج القرآني في مناظرة المسلمين للنصارى هو: منهج التخطئة والإلزام، إلا أنه بعد تلك المناظرة الكبرى ونجاح رحمت الله الساحق يمكن أن يستكمل ذاك البناء بالدعوة، وشرح مبادئ الإسلام.
يسهم هذا الموضوع في مواجهة حركات التبشير، والتي اتسعت دائرتها، ولم تقتصر فقط على النقاش، بل أصبح هناك أكثر من قناة فضائية تؤسس لذاك المنهج. كما أن التبشير هو البديل للحملات الصليبية الفاشلة لتحطيم العالم الإسلامي ومحوه من الوجود.
وإن أفضل جهود المسلمين في مجال الأديان والتناظر هي: جهود الشيخ رحمت الله الهندي، وخاصة عندما ناظر القس فندر؛ حيث وصلت المناظرة في عهدهما إلى أعلى درجات البحث والنظر والجدل، وتشكلت أقوى المراحل المنهجية في دائرة علوم الجدل والمناظرة.
المنهج المقترح
ويتمثل المنهج الجديد المطور - وكما يتفق مع منهج القمص زكريا بطرس - المصري - في التفاعلية والفردية في الدعوة والحوار ولكن بشكل أكثر تفاعلية من ذي قبل - فيعتمد على اختيار القارئ للمنهج الذي يريده عبر الطريقة السلمية في التغيير فيختار إما:
- بالتعريف بالديانة الإسلامية.
- بنقض النصرانية وإثارة الشبهات.
- برد الشبهات حول الدين الإسلامي والدفاع عنه.
стр. 278
كذلك على وجود القواعد المذكورة قبل التناظر، والالتزام بشروط التعريف، وأسس المناقشة والحوار قبل بدء أي حوار. فيتمثل المنهج في:
١ - أقترح تأسيس علم الذاكرة الدعوية، أو الفهرس الدعوي، أو علم المناظرات الالكتروني كموقع الكتروني أو تطبيق على أجهزة المحمول. يقوم هذا العلم الجديد على تسجيل كافة الردود الإسلامية وغيرها على أربات الديانات الأخرى وذلك نظرا لامتلاء المكتبة الإسلامية بالردود، ولايوجد ردود مناسبة عليها من الطرف الآخر. البناء على ماسبق إنتاجه من علماء قدامى، وفهرسته فهرسة صحيحة، وانتقاء أفضل الردود. يهدف هذا للتقليل من عملية المهاجمة والصدام وستكون نافعة جدا للباحثين عن الحق دون المجادلين من أجل الجدل فقط، كما يعد غلقا لباب المناظرات؛ وذلك لاستيفائها، أو يعد امتدادا لها من زاوية أخرى بحثية علمية منهجية.
٢ - يشمل هذا الموقع تفريغ كافة المحاضرات المرئية والمسموعة وتحديد الأهداف المرجوة، والتعامل مع الأفراد ذات الصلات الشبيهة، أو بالموضوع الواحد، أو بالفرد الواحد، واختيار أنسب الموضوعات للحديث والبدء بها، وتكوين خريطة دعوية مسجلة؛ لتفيد صغار الباحثين والدعاة الجدد. العمل على بناء شجرة الاحتمالات الممكنة، وتحديد البدائل المناسبة للرد، واختيار البديل الأمثل بأقصر طريق وأقل جهد ممكن.
٣ - تنشر هذه الذاكرة على الانترنت مع غرف تواصل للحديث؛ بهدف تأليف القلوب، ولأن الموضوع ليس نصا فقط، وإنما نص له روح يدخل قلب إنسان.
٤ - تتضمن الذاكرة شرحا مفيدا مختصرا للإسلام، وعقيدته، ومنهجه، مع تضمينه صور وفيديوهات ... الخ مع حصر كافة ردود أرباب الديانات الأخرى والرد عليها. ويتم توجيه السائل لفهرس معين طبقا لمجموعة أسئلة الكترونية في البداية تحدد مستواه العلمي ومستوى الخطاب " طريقة التوجيه الذكية ".
٥ - جمع المادة العلمية لرحمت الله وردوده على كل جزئية في شكل ملف صوتي وعرض مرئي. العمل على تفنيد الشبهة أولا قبل الدراسة: إن كان لدى القارئ شبهة حسب الموضوع مثلا: القرآن أو السنة ... الخ.
٦ - تقسيم الملل والنحل حسب المستوى، بالإضافة إلى دراسة الإسلام، وتكون اختيارية، أما النصرانية فتورد الحقائق حول الموضوعات المختلفة: كالسند مثلا.
٧ - عند دخول أي عضو جديد في ذلك الموقع لابد من وضع أسئلة التقصي الإجباري، وسؤاله عن اسمه المستعار الذي يود التعامل به، وديانته، وسنه؛ حتى يتسنى الاستفادة منها في إخراج تقارير معلوماتية تفيد في التطوير المستقبلي، وتقديم أسئلة اختيارية أخرى مثل: نوع الجنس والحالة الاجتماعية ومستوى التعليم ... الخ؛ حيث لابد من مراعاة العقلية الفردية والعقلية الجماعية، فالتعامل مع فرد أفضل من التعامل مع جماعة إذا ما خصصنا لكل فرد حاجاته ومشتملاته.
٨ - التمسك بوقائع المناظرة التي تمت بين رحمت الله وفندر في أن المسيحيين إلى اليوم لم يستطيعوا تقديم أية إجابات على ما نتج من المناظرة في إثبات تحريف كتابهم المقدس. إن الابتعاد عن التمسك بوقائع المناظرة الكبرى يعمل على فتح موضوعات أخرى وجدل
стр. 279
لا طائل من ورائه؛ حيث لم يتم الرد - إلى الآن - على أسئلة المناظرة من حيث إثبات سند الكتاب المقدس بعد الاعتراف بتحريفه.
٩ - لا يستلزم في الدعوة إلى الإسلام أن تكون كمثل الحقيبة Package أو على هيئة قوالب جامدة، بل يمكن إعادة تقديمها وتحريرها إلى قوالب جزئية؛ فلا يشترط في الدعوة إلزام الباحث عن الإسلام يصوم كمسلم في بداية أمره، بل يمكنه فعل ذلك وهو على دينه؛ حيث يتعلم الاستفادة من الصيام، وتجربة أثره مع المسلمين؛ لعله ينتفع ويتعلم ويتأثر فيسلم، وعلى ذلك مختلف الشعائر باستثناء المنهي عنه كدخول المسجد والمكوث فيه ... الخ
من هنا وبعد تطوير القواعد والشروط الإجرائية في المناظرات - كما ذكرت - يمكن بذلك تطوير النموذج الحواري وتوسيعه وتدقيقه - لكي يستوعب الكثير من جوانب المناظرة - ومن دعم هذا التوسيع والتدقيق بتوظيف نتائج النظريات الحجاجية المستحدثة التي أولت اهتماما كبيرا للمقومات التداولية للحوار. بل في الإمكان أن يبنى تصور للمناظرة نفسها يكون أوسع وأشمل مما عرفه إلى حد الآن منظروا الحوار الإسلامي؛ فقد يتصور أن يشارك فيها أكثر من متناظرين وأن تتنوع دعاويهم ووظائفهم، وقد يعين مذاهبهم وغاياتهم ومعتقداتهم، وتصورات بعضهم عن بعض، والزمن الذي تستغرقه المناظرة بينهم، وقد يجعل الغلبة مراتب، فيحدد درجة غلبة كل من المتناظرين في كل مستوى من مستويات المناظرة.
الاحتياجات لتحويله لمشروع دعوي: إن الحاجة هي تأسيس موقع الكتروني ديناميكي وتطبيق محمول خاص به - كما شرحت سابقا - وتوظيف مجموعة من الدعاة والموظفين الثابتين غير المتطوعين لإدارتهما. يفترض أن تكون القيمة عالية للجودة العالية ولتشمل القيمة كافة الأصول، والمصاريف النثرية والثابتة من: مكان وتسويق وإعلان ودعاية ومتابعة وإدارة وتوظيف ... الخ
وأخيرا يجب العمل على التقدم في علم الاستغراب؛ حيث يصبح في مقابل علم الاستشراق ضرورة ملحة في عصر الثورة المضادة بعد أن عاد الغرب بهجمته الاستعمارية الثانية بعد هجمته الاستعمارية الأولى، إثر حركات التحرر الوطني ... حيث يهدف هذا العلم إلى إحالة الثورات الحديثة من عثراتها، واستكمال عصر التحرر من الاستعمار، والانتقال من التحرر العسكري إلى التحرر الاقتصادي والسياسي والثقافي، وقبل كل شيء التحرر الحضاري. فطالما أن الغرب قابع في قلب كل منا كمصدر للمعرفة وكإطار مرجعي يحال إليه كل شيء للفهم والتقييم فسنظل قاصرين في حاجة إلى أوصياء. العمل على تحرير الأرض من الغزو الخارجي، الاستعمار والصهيونية، الحريات العامة ضد صنوف القهر والتسلط والطغيان الداخلي، العدالة الاجتماعية في مواجهة هذا التفاوت الضخم بين الأغنياء والفقراء، وحدة الأمة في مواجهة التجزئة والتشتت والتشرذم، التنمية الشاملة في مقابل التخلف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي، الهوية ضد التغريب والتبعية والتقليد، وأخيرا تعبئة الجماهير وحشد قواها وتجنيد طاقاتها في مقابل اللامبالاة والفتور وعدم الاكتراث.
стр. 280
ق ا ئمة المصادر والمراجع
المراجع باللغة العربية
أ
ألبير بايه، أخلاق الإنجيل دراسة سوسيولوجية، ترجمة: د. عادل العوا (دمشق: : دار الحصاد / دار كنعان)
أبو الحسن الندوي، المسلمون في الهند، (بيروت: دار ابن كثير، ط ٣، ١٩٩٩ م)
أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، في تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، (حيدر آباد، الهند: مطبعة مجلس دار المعارف العثمانية، ط ٢، ١٩٥٨)
أبي حسن الندوي (مقدمة) لإظهار الحق، طبعة الدوحة، قطر، ١٩٨٠ م
أحمد ديدات، هل الكتاب المقدس كلام الله، ([د. م]: [د. د]، [د. ط] [د. س])
أحمد شلبي، المسيحية (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، ط ١٠، ١٩٩٨ م)
أحمد عبد الوهاب، المسيح في مصادر العقائد المسيحية، (القاهرة: مكتبة وهبة، ط ٢، ١٩٨٨ م)
أحمد محمود الساداتي، تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية وحضارتهم، (القاهرة: مكتبة الآداب، ج ٢، بدون ط، ١٩٥٧ م)
ا
ابراهيم بن صالح الحميدان، أسلوب المناظرة في دعوة النصارى إلى الإسلام، دارسة تحليلية تقويمية للمناظرات التي جرت في أمريكا الشمالية في التفرة من ١٤٠٠ هـ - ١٤١٠ هـ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٩٩٤.
ابن القيم، هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، (المدينة المنورة: جامعة الإسلامية، [د. ط]، [د. س])
ابن تيمية، الرد على المنطقيين، نشر: عبد الرحمن شرف الدين الكتبي (باكستان: دار ترجمان السنة، ط ٣، ١٩٧٧)، (الهند: طبعة بومباي، ١٩٤٩ م)
ابن تيمية، تحقيق: د. علي بن حسن بن ناصر، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح- (الرياض: دار العاصمة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية -١٩٩٩ م)
ابن حجر، لسان الميزان، (بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط ٣، ١٤٠٦ هـ- ١٩٨٦ م)
стр. 281
ابن حزم الظاهري، الفصل في الملل والأهواء والنحل، (القاهرة: مكتبة الخانجي، [د. ط]، [د. س])
تفسير القرآن العظيم، : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي] ٧٠٠ - ٧٧٤ هـ[، المحقق: سامي بن محمد سلامة، الناشر، ([د. م]: دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م)
البيضاوي ناصرالدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي (المتوفى: ٦٨٥ هـ)، أنوار التنزيل وأسرار التأويل ([د. م: ] [د. د]، [د. ط]، [د. س])
الزركلي، الأعلام، (بيروت: دار العلم للملايين، ط ٥، ١٩٨٠).
السفاريني، لوامع الأنوار البهية، (بيروت، المكتب الإسلامي، ط ٣، ١٤١١ هـ)
ا. ل شاتليه A.LC Chateliere لخصها ونقلها للعربية: مساعد اليافي ومحب الدين الخطيب، الغارة على العالم الإسلامي، ([د. م] [د. د]، ط ١، ١٣٥٠ هـ)
الذهبي، سير أعلام النبلاء، ت/ شعيب الأرناؤوط (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط ٩، ١٤١٣ هـ)
القرآن الكريم
السيد عبد الله الهندي ترجمة: رفاعي الخولي الكاتب بعناية: بسام عبد الوهاب الجابي، المناظرة الكبرى بين العلامة الشيخ رحمت الله والدكتور القسيس (بيروت، لبنان: دار البشائر الإسلامية، ط ١، ١٩٩٦ م)
د. السيد محمد الشاهد، التوحيد والنبوة والقرآن في حوار المسيحية والإسلام- دراسة تحليلية نقدية، (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط ١، ١٩٩٤ م)
الشهرستاني، الملل والنحل، ت/ محمد سيد كيلاني، (بيروت: دار المعرفة، [د. ط]، [د. س])
أبو جعفر الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، (السعودية: مؤسسة الرسالة، ط ١، ٢٠٠٠ م)
الكتاب المقدس، (لبنان: ط. جمعية الكتاب المقدس، [د. ط]، [د. س])
المستشار محمد عزت الطهطاوي، في مقارنة الأديان النصرانية والإسلام، (القاهرة: مكتبة النور، ط ٢، ١٩٨٦)
الموسوعة العربية السورية، تأسست عام ١٩٩١ م (arab-ancy.com), مجموعة من العلماء والباحثين.
الموسوعة العربية العالمية، مجموعة من العلماء والباحثين د. إبراهيم القرشي عثمان، د. صالح معيض الغامدي، د. عبد الرحمن الشمراني، د. خليل أحمد خليفة (الرياض: مؤسسة أعمال للنشر والتوزيع، ط ٢، ١٩٩٩)
стр. 282
ا لموسوعة العر ب ية الميسرة، م ج موعة من العلماء والبا ح ثين (بيروت: المكتبة العصرية، ط ١، ٢٠١٠)
الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، إشراف ومراجعة د. مانع الجهني، ([د. م]: دار الندوة العالمية، الطبعة الرابعة، ١٤٢٠ هـ)
اندريه نايتون، إدغار ويند، كارل يوستاف يونغ، الأصول الوثنية للمسيحية، ترجمة سميرة عزمي الدين، منشورات المعهد الدولي للدراسات الإنسانية، سلسلة من أجل الحقيقة (٤) ([د. م: ] [د. د]، [د. ط]، [د. س])
إ
د. إبراهيم خليل، لماذا أسلم صديقي ورأي الفاتيكان في تحديات القرآن، (القاهرة: مكتبة التراث الإسلامي، [د. ط]، [د. س])
ب
بربارا براون، نظرة عن قرب في المسيحية، ترجمة المهندس مناف حسين الياسري (كندا: نشر توحيد، [د. ط]، ١٩٩٣)
بسام داودد عجك، الحوار الإسلامي المسيحي، ([د. م]: دار قتيبة، ط ١، ١٩٩٨ م)
ج
جريدة الشعب، حوار: عنتر عبد اللطيف.
جورج طرابيشي، مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام، (لبنان: مؤسسة الوفاء)
ح
حسن الباش، العقيدة النصرانية بين القرآن والأناجيل، الجزء الثاني، (لبنان: دار قتيبة، الطبعة الأولى، ٢٠٠١.)
حسن حنفي، مقدمة في علم الاستغراب، (الإسكندرية: الدار الفنية للنشر والتوزيع، [د. ط]، ١٩٩١ م)
المستشار حسن إمام إسماعيل، حوار مع زميلي المسيحي، الكتاب الأول، (السعودية: [د. د]، [د. ط]، ١٩٩٢ م).
د. حمد بن إبراهيم العثمان، أصول الجدل والمناظرة في الكتاب والسنة، (بيروت: دار ابن حزم، ط ٢، ٢٠٠٤ م)
د. حمدي بن حميد بن حمود القريقري، قواعد ابن تيمية في الرد على المخالفين، (الرياض: دار الفضيلة، ط ١، ٢٠١١ م)
стр. 283
خ
خال د بن عبد الله القا س م، الحوا ر مع أهل الكتاب أسسه ومناهجه في الكتاب والسنة، ([د. م]: دار المسلم، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ)
د
دار الإفتاء السعودي، مناظرة بين الإسلام والنصرانية، (القاهرة: دار الحرمين للطباعة، ط ٢، ١٩٩٢ م)
ر
رائدة ابراهيم اللحام، أحمد ديدات وجهوده في الرد على النصارى، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية بغ ز ة، ٢٠٠٨ م
رحمت الله الهندي، إظهار الحق، تحقيق: محمد أحمد عبد القادر ملكاوي، مراجعة:
رحمت الله الهندي، كتاب التنبيهات، (القاهرة: دار البصائر، ط ١، ٢٠٠٦)
ز
زكي نجيب محمود، قصة الفلسفة الحديثة، (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والن ش ر، [د. ط]، ١٩٣٦ م)
س
سامح وصفي، المسيح والتثليث، ، ([د. م: ] دارالفضيلة، ط ٤: ، [د. س]).
سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم د. حسن حنفي، مراجعة د. فؤاد زكريا، (بيروت، لبنان: دار التنوير، الطبعة الأولى، ٢٠٠٥)
سعد رستم، الفرق والمذاهب الإسلامية منذ ظهور الإسلام حتى اليوم، (دمشق، سوريا: دار الأوائل للنشر والتوزيع، ط ٢، ٢٠٠٥ م)
سعود الخلف، دراسات في الأديان، (الرياض: مكتبة أضواء السلف، ط ١، ١٤١٨ هـ)
ش
شريف محمد هاشم، الإسلام والمسيحية في الميزان، (لبنان: مؤسسة الوفاء، [د. ط]، [د. س])
شعبان محمد إسماعيل، النسخ في الشرائع السماوية، (القاهرة: دار السلام، ط ١، ١٩٨٨ م)
стр. 284
د. شوقي أبو خليل، الإسقا ط في مناهج المستشرقين والمبشرين، (دمشق: دار الفكر، الإ ع ادة الأولى، ١٩٩٨)
ص
صحيح البخاري
ط
طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ([د. م]: المركز الثقافي العربي، ط ٣، ٢٠٠٧ م)
ع
أ. د. عامرالنجار، القاديانية، (بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط ١، ٢٠٠٥ م)
عبد الجليل شلبي، الإرساليات التبشيرية، (الإسكندرية: المعارف، [د. ط]، [د. س]
عبد الخالق بن محمد بن سعيد، رحمت الله الهندي وجماعته وجهودهم في مواجهة الحملات التبشيرية، (القاهرة: الأزهر، رسالة دكتوراة، ١٩٩٢ م)
د. عبدالحليم محمود (ترجمة)، تأليف: شارل جنيبر، المسيحية نشأتها وتطورها، منشورات المكتبة العصرية.
عبد الراضي عبد المحسن، منهج أهل السنة والجماعة في الرد على النصارى، (القاهرة: دار الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، ط ٢، ١٩٩٥ م)
عبد الراضي عبد المحسن، المعتقدات الدينية لدى الغرب، (الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ط ١، ٢٠٠١ م)
عبد الراضي عبد المحسن، ماذا يريد الغرب من القرآن، (الرياض: مجلة البيان، ط ١، ٢٠٠٦ م)
عبد الراضي عبد المحسن، نبي الإسلام بين الحقيقة والادعاء، (الرياض: الدار العالمية للكتاب الإسلامي، ط ١، ١٩٩٨ م)
عبد الراضي عبد المحسن، سلسلة أبحاث جامعية العدد (٥٠)، دراسات عربية وإسلامية، (القاهرة: دار الهاني للطباعة، ط ١، ٢٠١٥)
عبد الرحمن بن عبد الله صالح، التنصير تعريفه أهدافه وسائله حسرات المنصرين، (بيروت: دار الكتاب والسنة، ط ١، ١٩٩٩ م)
عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة، (دمشق: دار القلم، ط ٤، ١٩٩٣ م)
عبد السلام بنهروال، المنهج القرآني في الجدل والاستدلال، أستاذ التعليم العالي بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة، المغرب.
стр. 285
عبد ال ف تاح إسماعيل غراب، العمل التنصيري في العالم العربي، رسالة ماجستير، (القاهرة: مكتبة البدر، [د. ط]، [د. س])
عبد الفتاح حسين الزيات، ماذا تعرف عن المسيحية (القاهرة: مركز الراية للنشر والإعلام، ط ٣، ٢٠٠١ م)
عبد المجيد الشرفي، الفكر الإسلامي في الرد على النصارى إلى نهاية القرن الرابع l العاشر، رسالة دكتوراة، (تونس: الدار التونسية للنشر، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، ط ١٩٨٦ م)
عبد المنعم أحمد النمر، البابية والبهائية (القاهرة: مكتبة التراث الإسلامي، [د. ط]، [د. س])
عبد المنعم النمر، تاريخ الإسلام في الهند، (بيروت: المؤسس الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط ١، ١٩٨١ م)
عبير محمد ربيع عاتي، وسائل التنصير وكيفية مواجهتها، رسالة ماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٣١ هـ.
عثمان القطعاني، الحوار المثمر مع القس فندر حول صفات النبي المنتظر، (الاسكندرية: دار الايمان للنشر والتوزيع، [د. ط]، ٢٠٠٠)
عدنان المقراني، نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، (أمريكا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط ١، ٢٠٠٨ م)
على الجوهري (ترجمة)، مناظرتان في استكهولم، (القاهرة، دار النصر للطباعة، د. ط، ١٩٩٢ م)
علي بن نايف الشحود، المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام، المكتبة الشاملة ([د. م: ] [د. د]، [د. ط]، [د. س])
علي بن نايف الشحود، موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة، [د. م: ] [د. د]، [د. ط]، [د. س])
عمر الدسوقي في تحقيق إظهار الحق: ، (الدوحة، قطر: دار إحياء التراث الإسلامي، ط ١، ١٩٨٠ م)
عمر بن علي بن موسى البزار أبو حفص، الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية، تحقيق: زهير الشاويش (بيروت: المكتب الإسلامي، ط ٣، ١٤٠٠ هـ)
أبو عثمان بن عمرو بن بحر الجاحظ، المختار في الرد على النصارى، تحقيق أ. د. محمد عبد الله الشرقاوي، (لبنان: دار الجيل، مكتبة الزهراء، الطبعة الأولى، ١٩٩١)
ف
فندر، مفتاح الأسرار، (، مصر: مطبعة النيل المسيحية، الطبعة الثانية، القاهرة، ١٩٢١ م)
فندر، ميزان الحق، (سويسرا: جامعة بازل، ط ٣، [د. س])