دراسة المزامير والعهد الجديد؛ فقد أصبح جوريه مرشده الروحي، وقد عمده في يوم عيد الميلاد عام ١٨٦٤ م من قبل E.Champion منظمة التبشير CMS في جابالبور. على الرغم من أنه كان أول عالم دين مسلم هندي يتلقى المعمودية، تحول اثنان آخران من المدرسين المسلمين معه؛ فهذا الخبر قد أثر في عماد مسعود الدين الذي تحول في عام ١٨٦٦ م. وعلى عكس عماد، صفدر لم يرسم أبدا وكان أقل مجهودا في الكتابة وأقل تفاعلا في الجدل. وتتمثل أفضل أعماله في شعر غزة اروه المعروفة، والذي روى فيه قصة تحوله. وفي عمله المنهجي الكبير: نيازناما. دافع عن النصوص المسيحية دون فتح المواضيع القديمة الجدلية بين المسلمن والمسيحيين، وحث المبشرين في الخارج على الاستمرار في العيش والتعبير عن الإنجيل بطرق مناسبة روحية بين المسلمين (١)
стр. 72
التحليل
أسباب التحول إلى النصرانية عند كل من عماد وصفدر:
نظرا لأنهما لم يتسلحا بمنهج السنة والجماعة، وتأثروا ببعض المناهج المنحرفة في التصوف مما أدى إلى عدم رؤية الحقيقة ومن هنا انجذبوا للنصرانية. ونفصل الحديث في ذلك:
١ - البيئة (أسرة أرثوذكسية - رفقاء سوء وجهل) وربما تعرض عماد الدين لمرض نفسي مثل ما كان مع ميرزا غلام أحمد القادياني؛ فقد عملت البيئة المحيطة والظروف على دفعهما دفعا نحو التنصر.
٢ - طريقة التصوف البدعية وعدم فهم حقيقة الدين الإسلامي. وكما يقول البيروني: نقلا عن صاحب كتاب باتنجل: إفراد الفكرة في وحدانية الله يشغل المرء بالشعور بشيء غير ما اشتغل به ومن أراد الله أراد الخير لكافة الخلق من غير استثناء واحد بسبب، ومن اشتغل بنفسه عما سواها لم يصنع لها نفسا مجذوبا ولا مرسلا، ومن بلغ هذه الغاية غلبت قوته النفسية على قوته البدنية فمنح الاقتدار على ثمانية أشياء بحصولها يقع الاستغناء، فمحال أن يستغني أحد عما يعجزه، وأحد تلك الثمانية: التمكن من تلطيف البدن حتى يخفى عن الأعين، والثاني: التمكن من تخفيفه حتى يستوي عنده وطي الشوك والوحل والتراب، والثالث: التمكن من تعظيمه حتى يريه في صورة هائلة عجيبة، والرابع: التمكن من الإرادات، والخامس: التمكن من علم ما يروم، والسادس: التمكن من الترأس على أية فرقة طلب، والسابع: خضوع المرؤوسين وطاعتهم، والثامن: انطواء المسافات بينه وبين المقاصد الشاسعة، وإلى مثل هذا إشارات الصوفية في العارف إذا وصل إلى مقام المعرفة فإنهم يزعمون أنه يحصل له روحان، قديمة لا يجرى عليها تغيير واختلاف بها يعلم الغيب ويفعل المعجز، وأخرى بشرية للتغيير والتكوين؛ ولا يبعد عن مثله أقاويل النصارى؛ قالت الهند: فإذا قدر على ذلك استغنى عنه وتدرج إلى المطلوب في مراتب، أولاها: معرفة الأشياء اسما وصفة وتفاصيل غير معطية للحدود، والثانية: تجاوز ذلك إلى الحدود العاجلة جزئيات الأشياء كلية إلا أنه لا تخلو فيها من التفصيل، والثالثة: زوال ذلك التفصيل والإحاطة بها متحدة ولكن تحت الزمان، والرابعة: تجردها عنده عن الزمان واستغناؤه فيها عن الأسماء والألقاب التي هي آلات الضرورة، وفيها يتحد العقل والعاقل بالمعقول حتى تكون شيئا واحدا (١).
إن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل ... (وقر) اطمأن وسكن .. فقد يأتي الإيمان للكافر دون وقر فينزع ولا يثبت أعاذنا الله منها.
إن أسلوب الصوفية، وهو الأسلوب الذي تطورت ونمت به الحياة الدينية في أسمى صورها، في الشرق والغرب، أصبح الآن في حكم الفاشل، ولعله أضر بالشرق الإسلامي أكثر مما أضر بأي مكان آخر، فقد كان أبعد ما يكون عن تدعيم قوى الحياة النفسانية - عند
стр. 73
الرجل العادي - بحيث تعده للمشاركة في موكب التاريخ، فعلمه نوعا من الزهد الزائف، وجعله يقنع، بجهله ورقه الروحي، قناعة تامة (١).
٣ - الاستعماروإخماد الثورة الهندية والحاجة المادية وحب الظهور عوامل ساعدت على ذلك.
٤ - كلاهما لم يتنصر إلا بعد المناظرة بعشر سنوات على الأقل، بل كانوا دعاة للإسلام بعد المناظرة كما تأثر عماد الدين بتنصر صفدر علي.
٥ - تفسيره للآية الكريمة لم يكن صحيحا ولم يلجأ إلى المعتمدين في التفسير من المسلمين.
يقول الله جل ذكره في الرهبنة المسيحية - قوله: ورهبانية ابتدعوها) أي: ابتدعتها أمة النصارى (ما كتبناها عليهم) أي: ما شرعناها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم.
وقوله: إلا ابتغاء رضوان الله) فيه قولان، أحدهما: أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قال سعيد بن جبير، وقتادة. والآخر: ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله.
وقوله: فما رعوها حق رعايتها [الحديد: ٢٧]) أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام. وهذا ذم لهم من وجهين، أحدهما: في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله، .
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا إسحاق بن أبي حمزة أبو يعقوب الرازي، حدثنا السندي بن عبدويه، حدثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن جده ابن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ : " يا ابن مسعود ". قلت: لبيك يا رسول الله، قال: " هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة؟ لم ينج منها إلا ثلاث فرق، قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم، ﵇، فدعت إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة فقتلت فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال، فقامت بين الملوك والجبابرة فدعوا إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيران، فصبرت ونجت.
ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال ولم تطق القيام بالقسط، فلحقت بالجبال فتعبدت وترهبت، وهم الذين ذكرهم الله، : (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) الجزء الثامن ص ٢٩ - عن معجم الطبراني الكبير (١٠ - ٢١١) من طريق هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، عن بكير بن معروف به نحوه، وبكير بن معروف متكلم فيه (٢).
وأظن أن إقبال الناس على التصوف أو سبب نشره يرجع لثلاث فوائد لهم أو لغيرهم:
١ - تقوية الاستعمار ووقف الجهاد في سبيل الله.
٢ - موافق للرهبنة المسيحية والمذاهب الهندية والفلسفية القديمة والتي أثرت على تصوف المسلمين بشكل عام.
٣ - اتباع الأهواء وإسقاط التكاليف ومخافة ملاقاة العدو.
стр. 74
ولا يمكن أن يكونا قد وجدا المعنى الروحي كما يجدونه في الإسلام أثناء الخشوع في الصلاة على سبيل المثال: مما قد يطبع أثره في الوجه نورا وصفاء وبهاء ونضرة وقوة في الجسد ويتبعه توفيق من العلي الحكيم، إلا أن الشيطان أنساهما المعاني الحقيقية لذلك بالتقرب إلى الأضرحة، واتخاذ الواسطة بينهما وبين الله وهذا شرك عظيم قد وقعا فيه.
وقد بدأت شكوك عماد الدين من خلال ارتباطه بالعديد من المسيحيين. ونقطة التأثر والانطلاق في تحوله كانت بسبب زميله الطالب: صفدر علي. وإن كثرة الجهل المنتشرة - آنذاك- كانت سببا من أسباب إحباطه، كذلك الاهتمام بالقشور والجوانب الخارجية في الشريعة قبل الولوج في مضامينها وجوهرها. كان يرى أن جوهر الدين عند الصوفية وفي التصوف.
إن شبهة عدم قراءة الإنجيل والتوراة خوفا من التأثر هو كعدم تدوين الحديث الشريف في عهد الصحابة؛ فالخوف من التأثر وارد وخاصة في بداية الالتزام والتمسك بالدين.
تفسير الآية الواردة التي كانت سببا في شكوكه هو تفسير شخصي لم يراع فيها القواعد أو الرجوع لأئمة التفسير وأهل العلم أو حتى الإشارة إليهم. وإن تضعيف أحاديث الشفاعة والتي أوردها جلال الدين السيوطي - كما زعم - لم يبن على أي أساس علمي في قبول الأحاديث وردها.
زيارة القبور والتماس الفرج منها يعد من الأمور الشركية التي لا توفق صاحبها لطريق الحق؛ حيث يطلب المعونة من البشر وليس من رب البشر. والاعتقاد في أهمية الكتاب الذي لديه وتقديسه دون التماس سند واضح له، بل مجرد اهتمام مشايخه الصوفية به لهو أكبر دليل على تقديم الهوى محل العلم والمنطق. وإن اهتمام الناس به على تحمله المشاق وأثر ذلك عليه بعد تنفيذ تعاليم الكتاب الصوفي أسقط هؤلاء الناس من نظره؛ فعندما أدرك خطأ هذ الكتاب أدرك بالتبعية خطأهم؛ فرفضهم بالكلية وازدرى الشريعة التي أوصلته لتلك الحالة وشعر بعدم جدوى الدين، ودخل في حالة إحباط وتخبط لا شعوري.
عند قراءة الإنجيل بدأت الشكوك حول إسلامه السابق تراوده - والحقيقه هو تصوفه السابق وليس إسلامه - فكأنه ذاق حرمان الاطلاع على الإنجيل وشعر باللذة عندما تخطى هذا الحاجز كما قابل مجموعة أحسب أنهم من المنافقين الذين يظهورن الإسلام ويبطنون الكفر أو مجموعة من الجهلة الذين لم يتعلموا قواعد وأصول الدين فما وجد عندهم إجابة لتساؤلاته؛ فالدليل على ذلك اعترافه بانتصار رحمت الله في المناظرة بينه وبين فندر! فلم لم يذهب ويسأل رحمت الله أو غيره من أمثاله عما استشكل فيه؟ ! .
اهتمام النصارى بتعليمه وخدمته كان له الأثر الواضح في استمراره. وتعمد زوجته وأبنائه إلى النصرانية لم يكن عن قناعة بل عن قوامة.
إن التوفيق الذي شعر به والراحة التي شعر بها هما نواتج طريق الغي الذي صار فيه؛ حيث لم يذق طعم الإسلام الحقيقي بل طعم التصوف المنحرف، والذي ختمه بنصرانية ضالة مضلة. وختاما: إن المال طريق يسعى إليه كل مريد ما لم يجد في الحياة هدفا أسمى له.
стр. 75
ثانيا: فندر في عيون الغرب
وأناقش في تلك الجزئية كيف وصف الغربيون القس فندر، وكيف تناولوا أوجه حياته ومذهبه وتقييمه مع تعليقي الشخصي على القضايا المهمة؛ حيث قمت بترجمة قصة حياة فندر للأستاذ الدكتور / كلينتون (١) مع سرد بعض الآراء الأخرى، حول فندر، والمناظرة مع الشيخ رحمت الله، يليهم النقاش والتحليل.
١ - رأي د. كريستين في الجدل بين المسلمين والمسيحيين في القرن التاسع عشر: هي من مواليد ١٩٦٢ م (MA في الدراسات الإسلامية عام ١٩٨٨ م، Dr.Phil في الدراسات الإسلامية ١٩٩١ م). في الوقت الحاضر هي أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة بروتستانتية في لوفين / بلجيكا، ومدير معهد الدراسات الإسلامية الألمانية الإنجيلية فضلا عن المتحدث الرسمي والمستشار على الإسلام عن التحالف الإنجيلي العالمي (WEA) (٢) .
стр. 76
ملخص كتابها: -
١. في القرن التاسع عشر أخذت دائرة النقاش بين المسلمين والمسيحيين مكانا بعيدا عن المراكز التقليدية للتعليم الإسلامي. في أجرا في عام ١٨٥٤ م، وربما للمرة الأولى، استخدم علماء الدين الإسلامي - بطريقة أحرجت الأوربيين - البراهين ضد المبشرين المسيحيين.
٢. يصادف القرن التاسع عشر نقطة تحول عندما يتعلق الأمر بعلوم الدفاع عن المسيحيه الإسلامية: وضع المسلمين طريقة جديدة تماما لإثبات المسيحية ليكون (الدين الباطل) بمساعدة مصادر أوروبية أنشأها اللاهوتيين المسيحيين أساسا (مثل التعليقات على الكتاب المقدس).
٣. بعد نشر كتاب ميزان الحق، أصبح هذا الأسلوب الجدلي مشترك بين المدافعين المسلمين مثل: محمد رشيد رضا ومحمد محمد أبوزهرة لإثبات تحريف الانجيل.
٤. التحريف هو أساس المسيحية، وحجة المسلمين في القرن التاسع عشر (نظرية الخلاص المسيحي قادت علوم المسيحيين في القرن العشرين).
٥. وهذا أنتج وجهة نظر المسلمين الجدد عن المسيحية خلال القرن التاسع عشر؛ حيث لم تعد العقائد المسيحية صحيحة في أجزاء بل ككل.
٢ - آراء أخرى حول نظرة الغرب في المناظرة وازدياد وعيهم (١):
ذكر ألبرت هوراني أنه: "كانت المناظرة حاسمة حيث انسحب فندر من الجلسة الثانية وبدا واضحا من خلال النتائج أنه لم يعد هناك بد من الاستمرار؛ حيث تمكن رحمت الله من خلال معارفه العلمية الألمانية بطريقة نقد الانجيل فقادته عن طريق زميله الطبيب الهندي المسلم الذي يتقن الانجليزية والذي استخدمها بحرفية ليتساءل عن سند ومصدر هذا الكتاب" (٢).
стр. 77
ويقول د. جونسون: "كذلك ازداد الوعي وأصبح الفضول يتجه إلى شيئين اثنين هما العالم المسيحي والعالم المحمدي وأي شيء آخر غيرهما يعد بربريا همجيا " (١). تعد نقطة التحول عند النصارى بعد انطلاق القراءة في أواخر القرن ١٦ في المعرفة والتقاتل عند الأخذ من معارف المسلمين والتعرف على الآخر! كمثل ما فعله جوزيف ١٧٨٤ م جامعة أكسفورد في المقارنة بينهما. في الختام يتبين كيف كانت خطوة المناظرة بين الشيخ والقس لها الأثر القوي البالغ في التأثير والتأثر، وفي تغيير الكثير من الآراء، وفي كتابة العديد من الكتب.
٣ - قصة حياة فندر يرويها د. كلينتون (٢):
تم وصف فندر بالبطل من حيث الهجوم الساحق على المسلمين، والنصر المبين الذي تحقق، ويظن أحد المتنصرين على يديه- عماد الدين- عام ١٩٠١ م ويقول: إن فندر قد هزم المسلمين واستطاع القضاء على هذا الدين الكاذب بشكل قاطع.
بعد تتبع مهنة التبشير التي قام بها فندر، ودراسة نهجه في الإسلام، سنعمل على تقديم موجز لتلك الثروة بيد أن فاندر فيرف بين أن مهمة التبشير- بعد فندر- قد استمرت، ولكن بردة فعل عنيفة تستدعي - ربما - التعديل في منهجه.
وبصرف النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف في المنهج، فإن فندر كان سببا رئيسيا في اعتذار المسيحيين للمسلمين.
الطفولة والتعليم:
ولد فندر عام ١٨٠٣ م في يبيلجن، ساكسونيا [ألمانيا]؛ حيث والداه أعضاء قياديين في جماعة الورع المحلية، ونشأ في قرية، وفي الثانية عشرة من عمره دخل فندر المدرسة اللاتينية، وفي سن السادسة عشرة التحق بأكاديمية مورافيا في شتوتغارت، وتأثر في طفولته بالقراءة عن مهمة بازل (٣) في التبشير في أن يصبح مبشرا وكانت تلك الحركة " بازل " ترى في نفسها المجتمع الروحي فهي طائفة في المجتمع المسيحي تكرست جهودها لتوحيد المسيحيين الورعين سواء أكانوا لوثريين أو مورافيين للالتزام بمهمة التبشير الملائكي.
كانت الفكرة المسيطرة آنذاك للورع هي الحاجة إلى التوبة الفردية، والتجديد بدءا من وعي المرء بخطيئة نفسه، وبتلك العملية - فقط - من الاكتشاف الروحي يمكن أن يؤدي ذلك إلى الخلاص.
стр. 78
كان الكتاب المقدس هو المصدر الوحيد للسلطة، وشكلت دراسته اللوح المركزي في المناهج الدراسية في كلية التدريب في بازل والتي تأسست عام ١٨١٥ م.
إن طريقة النقد التاريخي عند بور (١٧٩٢ - ١٨٦٠) م وشتراوس (١٨٠٨ - ١٨٧٤) م وغيرهم لم يصطدم بمفهوم الخلاص لدى الورعين والتقاه في فهم حقيقة الانجيل، وإن محاضرات أستاذ اللاهوت (W.M.L Wetts) (١٨٢٢ - ١٨٤٩) م في جامعة بازل كانت خارج حدود الطلاب في كلية التبشير حيث سبقتها فترة لغة العصمة اللفظية المؤسسة - في القرن التاسع عشر- ولكنها كانت نظرة التقاة للكتاب المقدس - في أنه معصوم ودليل وحي للتعليم المسيحي والحياة والعمل - ولم يكن لمجادلة الفلاسفة واللاهوتيين ضد مايرونه؛ لأن الايمان الروحي أهم من العقل والمنطق.
عرض فندر نفسه على المجتمع في سن السابعة عشرة من العمر، ودخل كلية بازل عام ١٨٢٠ م، وهذا إلى جانب دراسة الكتاب المقدس، مع التركيز على اللغات الأصلية، وتعلم اللغة العربية والقرآن.
إن المبشرين الأوائل الذين يعملون في المناطق الإسلامية حددوا مهمة التبشير بأنها أولى الأولويات.
كان فندر في عام (١٧٧٩ - ١٨٣٨) م يأخذ محاضرات حول تعلم القرآن واللغة العربية خمس ساعات في الأسبوع، كذلك تلقى الطلاب في بازل دراسات في تعلم كيفية التجارة اليدوية بمهارة، وأصبح الاستقلال المالي سمة مميزة لكثير من الطوائف المسيحية والتي ترعاهم بازل.
غادر فندر بازل مستحوذا بعض المعارف الإسلامية - والتي تقوم في الأصل على القرآن - واختلف عن معاصريه في أنها - ربما - كانت أكثر دقة ممن اعتمد فقط على المصادر الأوروبية.
التبشير في أرمينيا (١):
стр. 79
في عام ١٨٢٥ م وبعد استكمال فندر لمساره، ارتسم في أوامر ومعتقدات اللوثرية والمتمركزة في شوشة - عاصمة إقليم كاراباخ في أرمينيا الروسية - حيث تركزت بعض المراكز هناك على إصلاح الكنيسة الأرثوذكسية الأرمينية والتي يعتقد بفسادها، وبالتالي تخليص ثلث السكان المحليين اللذين كانوا من مسيحيي الأرمن.
على أن فندر تحول انتباهه سريعا إلى المسلمين اللذين يشكلون ثلثا عدد السكان المحليين، وأعرب عن اعتقاده بأنه إذا قرأ المسلمون العهد الجديد باللغة الفارسية - وهي اللغة التي يفضلونها- فإنهم سيعترفون - تلقائيا - بالحقيقة وينبذون ذاك الإسلام كما ينبذ المرء خطيئته. ولإتقان اللغة الفارسية قام فندر بعدة رحلات إلى إيران وقضى عاما في بغداد.
بدأ فندر في كتابة أعمال "اعتذار المسيحي"، وقال أنه يعتقد أن إقناع المسلمين بالتفوق المسيحي لاتوصف! وقال أنه يدرك جيدا أن هذا النوع من الاعتذار سواء أكان من جانب الإسلام إلى المسيحية، أو المسيحيين إلى المسلمين، كان له تاريخ طويل، ولكنه رأى أن كتبه ستشكل آفاقا جديدة، من حيث الدقة العلمية - ربما - أكبر من حصر اللغة والثقافة في مجرد كلمات أو مصطلحات عند القراء المسلمين، كما ذكر أنه نجح في هذا المسار ويعتقد أن عددا غير قليل من القراء المسلمين تداولوا كتابه ومنهم من ارتد عن دينه كذلك.
تعرف فندر على آراء هنري مارتين المثيرة للجدل، على الرغم من أن أي تأثير يظل مدرجا في التفاصيل كما ظهرت المخطوطة الألمانية لكتابه ميزان الحق لأول مرة عام ١٨٢٩ م وخصص فندر جزءا كبيرا من عمله - في وقت لاحق - لتنقيح وترجمة كتابه الميزان بالإضافة إلى كتابيين تاليين وهما مفتاح الأسرار وطريق الحياة إلى لغات أخرى، وعلق W. A رايس بقوله: كان د. فندر يبلغ الأربعين من العمر حين أجاد في عمله بشكل مثير للجدل.
في عام ١٨٣١ م ظهر ميزان الحق بالأرمينية، وفي عام ١٨٣٥ م ظهر بالفارسية، وفي عام ١٨٣٣ م تلقى فندر إذنا من البعثة "بازل" للحصول على إجازة - لبعض الوقت - بغرض الزواج وطبقا - ربما - لتقاليد المجتمع اتفقت رغبته مع عادات وتقاليد المجتمع - آنذاك - في الزواج من روسية وعدم الزواج من أجنبية، فتم السماح له بادئ الأمر بالذهاب لروسيا
стр. 80
فإن لم يجد فيذهب إلى ساكسوني، ولكنه وجد ما يناسبه في موسكو وهي صوفيا رويس ابنة أحد الأرستقراطيين فتزوج بها، ثم قاما بزيارة سريعة لعائلة فندر في ساكسونيا ثم التحقا - سويا - ببعثة شوشة.
للأسف في عام ١٨٣٥ م كان عاما مأساويا على فندر؛ حيث مرضت زوجته صوفيا، وماتت، بينما كانت الحملة تحت يد السلطات الروسية. تم إلقاء اللوم على فندر من قبل السلطات في تبشير المسلمين، وبدأ الأمر عند رئيس أساقفة الأرمن الذي بلغ به الضيق مبلغا عندما تلقى اثنان من الشمامسة الصغار تعليماتهما من البعثة فنتج عن ذلك إزالة الدير، والتماسا لرضا القيصر تم طرد المبشرين - ومنهم فندر - الذي أصبح أرمل العاطلين عن العمل.
الانجيلية التبشيرية في الهند:
اتجهت مصلحة فندر في تبشير المسلمين إلى التمركز في بلد مسلم، وبعد زيارة تركيا أوعز له المضي قدما إلى كلكوتا لاستكشاف إمكانيات العمل في جزء غالبية سكانه من المسلمين الهنود، وعلى الرغم من أن بعثة بازل لم تعمل في أي من هذه المجالات، فقد تم توظيف العديد من المبشرين بالفعل من قبل جمعية الكنيسة التبشيرية CMS وهي وكالة تطوعية داخل كنيسة انجلترا في كلكوتا، ودرس فندر الأردية، وكذلك التفاوض الوظيفي مما عمل على تطوير عملية المشاركات بين اثنين من الهيئات المهمة هناك، وأخيرا في عام ١٨٤٠ م أرسلته CMS إلى بعثة أجرا (١)،
وفي الوقت نفسه كان يعمل على النسخة الأردية للميزان والذي تم نشره عام ١٨٤٣ م، وكذلك تم نشر كتابه ملاحظات محمدية عام ١٨٤٠ م، وفي عام ١٨٤١ م التقى وتزوج باليزابيث إيما - المعينة من قبل CMS للتبشير بين النساء - والتي كانت قد سبقته إلى الهند بعام واحد، وأنجب منها ثلاثة أبناء وثلاثة بنات.
خصص فندر معظم طاقته للغة، وأعمال الترجمة، وتطوير ردوده على الإسلام .. ووصف الأسقف " استيفن نيل " الميزان بأنه واحد من أقدم أعمال التعلم المسيحي في حقل العلوم الإسلامية، في حين أشار مؤرخ بعثة " بازل " إلى فندر بقوله: إنه حقا واسع المعرفة ومخترق للإسلام.
стр. 81
إن فندر لاينطبق عليه صفة الباحث بشكل كامل في الإسلام على الرغم من أنه كان على استعداد للسماح لأي مطلع بتعديل آرائه، ففي طبعات لاحقة من كتابه الميزان شملت إشارات إلى العمل الرائد الذي أنتجه غوستاف ويل (١٨٠٨ - ١٨٨٩) م وهو أحد العلماء الأوربيين الأوائل اللذين طبقوا طريقة التاريخ النقدي على حياة محمد ﷺ ونشر عام ١٨٤٣ م كما قام بترجمة سيرة ابن هشام عام ١٨٦٤ م.
صور "ويل" محمدا ﷺ على أنه مخدوع الصرع، وهو تشخيص ظهر - لاحقا - في العديد من الكتب في القرن التاسع عشر عن الإسلام. أعاد فندر هذا التصور؛ حيث ذكر أن السلوك العام يظهره كرجل حاد دقيق، ولكن بعض تصرفاته تشبه العقول الأخرى - غير المستقرة - وأن النجاح العسكري الذي تحقق في الإسلام مع غنيمة السيادة والازدهار غطت عقول صحابته عن أوجه قصوره، ومن بين تلك الأوجه هو موضوع تعدد الزوجات وطريقة معاملته مع الأعداء.
شملت ملاحظاته - كذلك - نجاح الإسلام في بيانه الملذات الحسية في الجنة ووعوده بها. بشكل عام كشف أن الإسلام هو دين السيف، والمسيحية هي دين السلام، كما ساورته الشكوك حول السند التاريخي للأحاديث، والتي اتفقت مع أغلب آراء المستشرقين.
إذا أردنا الحصول على أفضل فهم لنكهة الكتابة لدى فندر فعلينا عرض تلخيص حجة الميزان؛ حيث إن المقدمة تحوي القواعد الأساسية للأقسام الثلاثة التالية:
أولا: يرى فندر أن كلا من الإسلام والمسيحية تدعي أنها وحي الله النهائي، لكنه يجب أن يكون أحدهما على حق والآخر على باطل، والمنطق يرفض أن يكون كلاهما على حق، لذا يجب أن يحاكم مطلب كل منهما في شريط العقل.
ثانيا: حدد خمسة شروط مسبقة من الإيمان الحقيقي ..
- الايمان الحقيقي يوجب الوفاء بالرغبة الإنسانية نحو العفو والتبرير.
- يجب ألا يتعارض الضمير مع الأخلاق الطبيعية.
- يجب أن يكون الله عادلا ومقدسا ويكافئ بالخير ويعاقب بالشر.
- يجب أن يكون الله واحدا خالدا قاهرا عالما غير قابل للتغيير.
- طريق الخلاص يجب أن يتم في تقدم تدريجي في معرفة الله، أي أن الوحي يقف في المنتصف.
ثالثا: يتناول القسم الأول الكتاب المقدس، ورفض الاتهامات الإسلامية التقليدية للتحريف، ثم يعرض في القسم الثاني المذاهب المسيحية - في إطار معاييرها وإنشاء أساس عقلاني لها - وأخيرا في القسم الثالث يختبر ادعاءات الإسلام ويحدد مريديها، وبالتالي فإن القراء لديهم الاختيار بين الرب يسوع المسيح - والذي جال ليضع خيرا - وبين محمد ﷺ نبي السيف.
إن نهج الخلفية الورعة لفندر جعلت هدفه واضحا، وهو تلبية الرغبة الروحية الشديدة- عند الناس- من الصفح، والتجديد، ومكافحة الشرك مع الله، بيد أن المعايير والاختبارات لديه جعلته يرفع السبب فوق الشعور، فعلى الرغم من رفضه - بشكل قاطع - السبب كوسيلة للحصول على معرفة الله في طبعاته الأولى للكتاب، إلا أنه في طبعات لاحقة يجادل في
стр. 82
أسباب الوحي، وفي ضوء خلفيه فندر الروحية وتعارضها مع المجادلة في الأسباب يبقى الأمر محيرا وشيئا من اللغز! إلا أن ناقدا لاحقا يبرر ذلك بأنه قد كتب لا ليمس قلوب المسلمين بل لإقناع عقولهم، ويعتقد وليام موير أنه كتب يبررعن الثالوث - كانعكاس للعالم الطبيعي - أمثلة على التوحيد تبدو وكأنها حجة فرضية لازمة مثل أن الإله يجب أن يكون موجودا في الثالوث! وهذا أعطى لخصومه ميزة لا أساس لها من الصحة! .
المناظرة (١):
في أجرا تم تقديم لواحق كتاب الميزان إلى الأردية، ووزعت الكتب الثلاثة على نطاق واسع ولم يشمل التوزيع الجديد اللغة أو الأسلوب فقط، ولكن صممت - كذلك - بشكل يسهل على عوام المسلمين قراءتها، وسرعان ما بدأ المسلمون في الاستجابة لحججه في الرسائل والنشرات والمقالات في الصحافة الأردية. بعض هذه المراسلات ظهرت بين يناير وأغسطس ١٨٤٥ م في صحيفة " الإخوان خير " وتعاقب المسلمون عليها بسرعة، ووصف السير وليام موير هذا الجدل في مقال كتبه لأول مرة عام ١٨٤٥ م، وتم تنقيحه - في وقت لاحق - بأن معظم من استجاب من طلبة العلم للتغيير كان بسبب كتاب " حل الإشكال " الذي طبع عام ١٨٤٧ م وفي عام ١٨٥٤ م - أي بعد مرور عشر سنوات من التغيير الثقافي - قامت مناظرة مع أحد العلماء وأحد الرواد المسلمين من بلده وهو رحمت الله (١٨١٨ - ١٨٩١) م حيث دعا فندر للانضمام إليه في مناظرة عامة حيث كانت تعد تقليدا إسلاميا على مر التاريخ؛ فمنذ أقل من نصف قرن سابق شهد هنري مارتن هذا التحدي من قبل وقبله على مضض، كذلك شهد القرن السادس عشر - في أجرا - مجادلة المبشرين اليسوعيين لممثلي الديانات الأخرى في بلاط الإمبراطور "أكبر"، فربما حازت جميع الحوارات الجدلية - منذ وقت مبكر جدا - مساحة وعناية كبيرة بين اللاهوتيين المسيحيين والمتكلمين المسلمين. وفي سوريا - في القرنين السابع والثامن الميلاديين - قام الحوار الشهير بين النسطوري الكاثوليكي مارتيموثي (٧٨٠ - ٨٢٣) م والخليفة المهدي في دار الخلافة.
أبدى فندر - كما سبق لمارتن - تحفظاته على هذا النوع من الجدل وكتب إلى CMS أنه يدرك جيدا أنه لايأتي من وراء تلك المناظرات الخير الكثير، على الرغم من أنه لامفر منها؛ حيث لابد من تقديم الدليل الدامغ للمحمديين ليس عن طريق السيف، بل بالإقناع، ورأى من الحكمة قبول تحديهم.
المناظران الرئيسيان في تلك المناظرة هما فندر ورحمت الله، وتم دعمهما بمساعدين اثنين، واحد لكل منهما، كذلك بفريق مساعدين صغير، وقد اختار فندر توماس فالبي الفرنسي (١٨٢٥ - ١٨٩١) م كمساعد، وهو شاب خريج جامعة كامبردج، وكان أول أسقف للاهور،
стр. 83
كذلك أصبح وليام كاي (١٨٢٠ - ١٨٨٦) (١)
مسئولا - بعد ذلك - عن تأسيس كلية بيشوب بكلكوتا.
стр. 84
اختار رحمت الله د. وزير خان كمساعد له، وعددا من المساعدين الآخرين، ومنهم عماد الدين. كان صفدر علي حاضرا وهو موظف حكومي، وقد تم منح المسلمين البارزين الحضور والمسيحيين كذلك الدعم المعنوي بما فيهم المسئولين الحكوميين النافذين مثل السير وليام موير- الأمين العام لدى CMS- والقاضي موسلي سميث. وقبل المناظرة تم الاتفاق على موضوعات المناقشة بين الجانبين وهي: تحريف الكتاب المقدس - عقيدة التثليث - نبوة محمد ﷺ - القرآن والوحي ..
ظن فندر أن الأمر سهلا - وخصوصا - أن موضوعات المناقشة كانت هي نفس موضوعات كتابه الاستفسار، وهو الأمر الذي جعله لم يستعد له بأكثر من ذلك.
استخدم خصوم فندر طريقة النقد الأوروبي للكتاب المقدس لإثبات التحريف التاريخي له؛ فالوزير خان كان طالبا للطب بلندن في الأربيعينيات، وقد اطلع على أعمال الأوربيين في نقد الكتاب المقدس، ودرس العبرية واليونانية، فقد قرأ T.H Home (١٧٨٠ - ١٨٦٢) م و J.G Eichorn ... (١٧٥٢ - ١٨٥١) م و N.Lardner (١٦٤٨ - ١٧٦٨) م، وأحضر بعض كتبه معه للمناظرة بما في ذلك جورج اليوب ١٨٤٧ م ترجمة د. شتراوس اليسوعي، ولم يكن فندر يعلم عنها شيئا.
وخلال المناقشة وجد فندر أنه من المستحيل عدم الاعتراف بالمزيد من التناقضات بين الأناجيل الأربعة من خلال خطأ الناسخ - فقط - لكنه استمر في الإصرار على أن المذاهب الأساسية - بما في ذلك الثالوث - وكانت تلك المتعلقة بالألوهية والتكفير والشفاعة - لم يمسها أي سوء من قبل.
стр. 85
وجد المتنازعون أن فندر يجادل في عدم إمكانية نسخ العهد الجديد، بينما لايدافع عن العهد القديم؛ حيث إن استيفاءه من خلال تحويل الطقوس العبرية حيز المبادئ الداخلية لايمكن لأحد الدفاع عنها تماما، مما صُدم جمهوره المستمعون بحقيقة غير مستساغة؛ حيث إنه يجعل القرآن يحل محل العهد الجديد بدوره.
اتهم فندر المبشرين الكاثوليك بأنهم السبب في إفساد المناظرة من خلال تزويد خصومه بتلك الأعمال فسيكون هو وجيل كامل - لاحق - من بعده من المبشرين الانجيليين مستبعدون مثل الكفار!
كتب EM (١٨٤٣ - ١٩٢٧) م: اضطر المسلمون للتخلي عن أعمالهم الخاصة، وسعوا لإنقاذ اليوم من أي هجوم مضاد، وزعم كلا الجانبين النصر في حين التزم المسيحيون الصمت - بشكل ملحوظ - حول الحادث كله، وتوالت أصوات إسلامية قبالة المطابع .. وليس هناك دليل مفصل يحكي تلك الواقعة من قبل موير والذي كان متحمسا وداعما سابقا لفندر.
السنوات الأخيرة:
بعد المناظرة بوقت قصير، تم نقل فندر إلى بيشاور، والذي يصفها "باول" بأنها خطوة سياسة من جانب CMS للتغطية على خبر الكارثة من الوصول إلى كلكوتا، ومع ذلك لايوجد أي دليل حقيقي على أن CMS فقدت الثقة في فندر أو أنهم لايوافقون على موقفه تجاه الإسلام.
وبالفعل تم تكريم فندر عام ١٨٥٦ م مع الطبيب لامبث - دكتور اللاهوت - تقديرا لجهوده السابقة في تنصير المسلمين، وفي العام نفسه ارتسم في أوامر الانجيلكانية والتي سجلها أسقف كلكوتا عن تنصير لاحق في صفوف المسلمين من جانب صفدر علي - الذي حضر المناظرة - (١٨٦٤) م على الرغم من عدم نسبة السبب إلى جهود فندر، وكذلك عماد الدين (١٨٦٦) م والذي اعترف بتأثير فندر القوي على المدى البعيد.
بقي فندر في الهند حتى عام ١٨٦١ م، عندما تم تعيينه مساعدا لكويل (١٩٠٢) م خريج بازل لإنشاء بعثة CMS في اسطنبول، وهي مدينة مألوفة بالفعل له من خلال رحلاته السابقة إليها. ربما كان من المتوقع من استراتيجية فندر أن يقوم بتوزيع كتبه مرة أخرى، وهذا ما تم بالفعل حتى في حرم الجامع الكبير في سانت صوفيا، وكذلك أشهر كنيسة هناك وكان اسمها " عويل ".
ظهرت الطبعة التركية من الميزان عام ١٨٦١ م وطوال حياته المهنية - حتى خلال الأحداث العنيفة في الهند من (١٨٥٧ - ١٨٥٨) م كان يبشر دائما في الأماكن العامة؛ فالكتاب المقدس في متناول اليد - كالعادة - ويأخذ مكانه على جسر أو في شارع - دون مجاملة أو خوف - ويعلن الحقيقة، ويظهر جمال الدين المسيحي وفي ذلك الحين وتلك الأثناء كانت إمبراطورية المسيحيين في الهند ترتجف!
стр. 86
ومن المثير للاهتمام أن رحمت الله شارك بنشاط مع جانب المتمردين في الهند، وهرب منها إلى مكة، وبالتأكيد كل من الهندوس والمسلمين استاءوا، ليس فقط لوجود الامبرياليين في الهند، ولكن أيضا بسبب العداء تجاه الثقافة الهندية بما في ذلك دينها.
إن مذكرة الرب ماكولي سيئة السمعة عام ١٨٣٥ م تشير إلى أن العلماء تقاسموا هذه السلبية تجاه أي شيء هندي، وعلى الرغم من أن شركة الهند الشرقية ادعت سياسة الحياد الديني ثم تقديم الدعم المفتوح للبعثات المسيحية من قبل المسئولين الاستعماريين حيث بدا التعاطف كبيرا كجزء من تضافر الدولة لمحاولة تقويض التراث الديني والثقافي في الهند.
أعرب فندر عن الثقة المبكرة في فعالية أوربا من حيث التفوق التكنولوجي والتقدم الاجتماعي في ضمان النجاح في نهاية المطاف للانجيل؛ حيث كان واثقا من أن الله لن يسمح للهند أن تعود للحكم الإسلامي مرة أخرى.
وجه الخليفة العثماني الدعوة لرحمت الله - ذلك الرجل - الذي حقق شعبية كبيرة في جميع أنحاء العالم الإسلامي للقدوم إلى اسطنبول لإرشاد العلماء حول كيفية المجادلة مع المسيحيين، وظن البعض أن رحمت الله عاد لمناظرة فندر مرة أخرى في اسطنبول لكن هذا الأمر غير مؤكد.
وعمل الخليفة العثماني على تقليص أنشطة فندر في تركيا، وتم منع كتابه الميزان من التداول في عام ١٨٦٤ م، وتم غلق قاعة وعظه في السجن، وسجن كل المسلمين الذين تحولوا إلى النصرانية بسببه.
وعندما تم نزع تلك الحماية من الخليفة العثماني، أصبح العمل التبشيري أقل نجاحا في الهند وبريطانيا، وكذلك عند المسئولين الحكوميين مثل: السير وليام موير، وأيام بيشاور، والسير هربرت ادوارد (١٨١٩ - ١٨٦٨) م.
انتقلت CMS إلى مصر، وعاد فندر إلى انجلترا حيث سبق له زيارتها من قبل عام ١٨٥٣ م مع زوجته السابقة وحيث توفي فيها فجأة عام ١٨٦٦ م بعد إصابته بنفس مرض زوجته بشكل لم يكن متوقعا! .
لخص باول حكاية فندر في تركيا بأنه قد تركها بعد أن خاب أمله في تنصير المسلمين هناك، إلا أن فندر لم يمت؛ فقد عملت CMS على استمرار أعماله بقوة كما كان لو كان حيا في كل مكان عن طريق نشر كتابه في الأقطار المحمدية .. ينبغي أن تترجم أعماله إلى اللغة الانجليزية كنصوص للمبشرين والمدارس التبشيرية في كل ربوع آسيا.
التقييم:
عرض الدكتور كلينتون رأيين في التقييم يدور أحدهما حول التعديل والثاني حول التغيير في منهج فندر وضربهما بمثالين:
стр. 87
الأول: رأي صفدر علي (في كتابه "نياز ناما ") حيث افتقرت كتابته إلى العنصر اللاذع ورأى أنه من الأنسب مخاطبة قلوب المسلمين بدلا من عقولهم، وعد فندر خليفة لهنري مارتين.
الثاني: رأي لويس بيغان جونز (١٨٨٠ - ١٩٦٠) م حيث رفض طريقة فندر في مهاجمة الإسلام؛ حيث لايمكن رفض الإسلام كلية، ولكن يمكن شرح المسيحية بدلا من مهاجمة المسلمين، إلا أنه بشكل عام لايمكن إنكار تأثير رحمت الله على شخصية ديدات، وكذلك المهارات التي تكونت لدى فندر في عمليات التبشير من حيث القدرات الفكرية، والمهارات الأدبية، والتفاني المسيحي، والتمكن من اللغات، واحتل فندر بذلك مكانة مشرفة في تاريخ البعثات الإسلامية كما يذكر فاندرفيرف.
* * * * *
стр. 88
التحليل
بالنسبة للشخصين اللذين تنصرا، وكانا من حضور المناظرة الكبرى، فقد رجع الباحث إلى مصادر كتبهم، ورسائلهم، حيث تبين أنهما ينتميان إلى عقائد صوفية منحرفة مهدت وفتحت الطريق لهم -أمام أعينهم- فغشت أبصارهم عن طريق الحق وكما بينت سابقا.
عرض د. كلينتون رأيه بنزاهة وشفافية وحيادية. واستنبط الباحث من خلال عرض الدكتور أنه يرى فندر كشخص مستهتر لم يراع حقوق المناظرة على الوجه الأمثل من خلال التمهيد والتحضير المسبق لها.
إن تقييم الدكتور كلينتون في النهاية يشير إلى أنه من الأفضل الابتعاد عن مناظرة المسلمين، وعدم الجدل معهم؛ لأنه لم يأت بفائدة مرجوة، وأظهر أن الخسارة كان محلها عدم التجهيز والإعداد المسبق، وأنه بذلك يمكن الرد على المسلمين بسهولة، لكنه من الأفضل مخاطبة قلوبهم لا عقولهم، أو شرح المسيحية بدلا من مهاجمة الإسلام - في إشارة - إلى أنه من الصعب إقناعهم بما ليس لديهم، وهذا في حد ذاته اعتراف بضعف حججهم، وانتصار المسلمين الساحق على خصومهم.
استنتج الباحث من خلال العرض أن فندر بالرغم من ضعف حجته، وسقم منهجه، واعترافه بالتحريف، إلا أنه آثر البقاء على دينه بل والتبشير والدعوة إليه وكأن كل ما سبق عبارة عن معركة لا بين دين وعقيدة! استمد فندر هذه الصلابة من خلال ما نشأ وتربى عليه، وربما كان من خلال هوى في نفسه، وكبر استقر في قلبه.
إن طريقة النقد التاريخي المزعومة لم تكن لدى المسلمين، بل استقاها المسلمون من الأوربيين، وإن ادعوا أن لديهم القدرة على الرد من خلالها فلم لم نشهد ذلك حتى الآن! وإن زعموا أن المسلمين طوروها فإما لأنهم على حق وإما أن عليهم تطويرها -هم كذلك - وإلا كان لزاما عليهم أن يسلموا أو أن يبتعدوا عن طريق الجدل كما نصح د. كلينتون.
في أقسام الايمان التي عرضها د. كلينتون عن فندر والتي يشترطها الأخير لا أظنها تتعارض مع المفهوم الإسلامي، لذا لا أراه استخدم الإقناع في لزوم طريقته والتي أنهى كتابه بلزوم اتباع منهجه - بطريقة غير مباشرة - فكان استنتاجا لمقدمة غير مقنعة لاتصل لتلك النتيجة. وقد انتقد د. كلينتون فندر في مواضع كثيرة منها: رفعه، وطلبه السبب لمعرفة الله، وهو ماكان ينكره فندر نفسه.
من خلال العرض تبين وتأكد أن نقد العهد القديم في حد ذاته هو هدم للعهد الجديد لاتصالهما ببعضهما حيث يؤمن المسيحيون أن العهد الجديد امتداد للعهد القديم، وأنه طالما تم إهمال العهد القديم، والإصرار على عدم نسخ العهد الجديد؛ فذلك يعني بالتبعية نسخ العهد الجديد بالقرآن.
على الرغم من أن الدكتور انجليزي الجنسية إلا أنه في بعض الأحيان يقف مهاجما دولته في تقويض التراث الديني والثقافي للهند.
стр. 89
وأخيرا، أرى أنه يفضل أن تستخدم المناظرات عند من يظهر معاداة الإسلام والتحدي أي استخدام القوة لصد العدوان، وبعد هذا النجاح لرحمت الله الساحق يمكن أن يستكمل البناء بالدعوة، وشرح مبادئ الإسلام كما نادى الدكتور كلينتون على الجانب الآخر.
بعض الآراء تذكر أن فندر مبشر أمريكي كاثوليكي تحول إلى البروتستانتية - كما نقل عن القس فرنج - مساعده- والرأي الآخر لا ينوه - مطلقا - على كونه مبشرا أمريكيا كاثوليكيا، بل يراه مبشرا جمع بين الكاثوليكية والبروتستانتية - كمبدأ لتوحيد النصرانية - كما لم ينوه على كونه أمريكيا إلا ما نقل عن القس فرنج مساعد فندر، بل سافر وتزوج وعمل لحساب إنجلترا، وهو في الأصل ألماني قد تعلم في سويسرا وتخرج في بازل.
стр. 90
المبحث الثالث
نبذة عن التنصير وتاريخ المناظرات
أولا: نبذة عن التنصير
لخطورة التنصير، ودوره في تحويل بعض المسلمين وزعزعة الكثيرين من الإسلام إلى النصرانية، كان لابد من سرد وبيان تاريخه في ذلك.
يعد التنصير أحد الأجنحة التي تتلاقى مع الاستعمار في أهدافه وغاياته وقد تعاون في خدمة الحروب الصليبية (١) والاستعمار الأوروبي للوطن الإسلامي تعاونا كبيرا، كما يعد التنصير الوجه الآخر للاستعمار والبديل الآخر له.
لم تنفك المسيحية تشغل حيزا من اهتمامات المسلمين منذ خرجوا من الحجاز، مهد الإسلام إلى الشام، والعراق وبلاد فارس وغيرها، فلقد اتصل الفاتحون العرب بجاليات نصرانية أهلية عريقة في منطقة الشرقيين الأدنى والأوسط وفي شمال أفريقيا وإسبانيا مدة الحكم الإسلامي للأندلس تعين عليهم التعاون معها والتعايش، وكانت الحرب سجالا مع الامبراطورية البيزنطية إلى أن انتهت بسقوط القسطنطينية، كما كانت الحروب مع القوى الأوروبية في ايطاليا وجنوب فرنسا ثم في فلسطين والشام زمن الحملات الصليبية مظهرا آخر من مظاهر العلاقات بين المسلمين والنصارى، واستمر الصراع في العصور الحديثة بين الخلافة العثمانية والممالك النصرانية، واحتدم مع المد الاستعماري الغربي منذ القرن الماضي وما صحبه من تبشير وقح. وعلى صعيد آخر، كان التجذر التاريخي للإيمان المسيحي على امتداد ستة قرون سابقة للرسالة المحمدية، وادعاء المسيحية الانتساب إلى الوحي النهائي الأكمل، وصبغتها التبشيرية والكونية عوامل هيئتها للتصادم مع الإسلام في توقة إلى استيعاب الأديان التي ظهرت قبله وتجاوزها وجمع شتاته الموحدين على اختلاف أجناسهم وألوانهم تحت راية رسالة خاتم الأنبياء (٢).
تطور التنصير مع بدايات الاستعمار حتى بدأ يأخذ شكل مجموعات إلى تنظيمات.
هناك مؤسسة يطلق عليها زويمر للدراسات الإسلامية -وهي تدرب على أعمال التبشير بين المسلمين؛ حيث يدرسون اللغة العربية والتاريخ والحضارة الإسلامية وكذلك العقيدة ويتميزون بالعلم مع التحيز، بالإضافة إلى ندوات تمتد لساعات حول الإسلام، وهناك مركز
стр. 91
للنشر تابع له يختص بكل أنواع النشرات والدعاية والملازم والأفلام وشرائط الفيديو .. الخ، وتتمثل خطورتهم في أنهم يمثلون الإسلام على أنه يحتوي شظايا من الحقائق تتكامل حقائقها في المسيحية (١).
كذلك يعتمد التنصير - كما قال المنصر الشهير " صموئيل زويمر " على مذاهب الشك واللا أدرية لتشكيك المسلمين في دينهم، إذا لم تنجح حملات التنصير في تحويلهم إلى النصرانية بدلا من الإسلام (٢).
وفي العصر الحديث بلغت الأموال المقدرة لحركة التنصير عام ١٩٩٠ م ١٦٤ مليار دولار وفي عام ١٩٩٢ م بلغت حوالي ١٨٠ مليار دولار بحسب بعض الإحصائيات (٣)، "كما أن بعض طوائف المسيحية تدعم العودة لفلسطين .... وفي أوساط بعض الفرق الأصولية التي تشعبت عن البروتستانتية، كالسبتيين، والمعمدانيين، وشهود يهوه، ونحوهم، لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية، تتعاطف وتنادي وتطالب - بصراحة - بلزوم عودة الشعب اليهودي إلى أرض الميعاد (٤).
إن من أخطار التبشير على العالم الإسلامي قد امتدت واتسعت آفاقها حتى أن شاتليه أشار إلى بترهيلنغ الذي احتك بمسلمي سواحل أفريقية وإلى اهتمام هولندا بالتبشير في جاوة في أوائل القرن الثامن عشر حتى قسمت إلى مناطق لكل منها كنيسة ومدرسة، وقال إن عدد اللذين تنصروا سنة ١٧٢١ م بلغ ١٠٠,٠٠٠ من إجمالي ٤٢٤,٠٠٠ (٥).
إن التنصير اتسعت دائرته ولم يقتصر على المسلمين فحسب بل امتد ليشمل كافة البشر والأديان المختلفة؛ حيث يرى النصراني نفسه هو الأحق ويدين بالدين الأوحد والأجمع.
стр. 92
في حين يرى الغربيون أن الإسلام بدعة: "في عيون المسيحية، كان الإسلام بدعة، انحرف من جذوره اليهودية حيث يشترك في إنكار ألوهية المسيح" (١).
فلم يقتصر الأمر في السعي إلى تنصير المسلمين فحسب، ولكن وصلت طريقة تعامل النصارى - كذلك - إلى أرباب الديانات الأخرى وتبديدهم للكتب والآثار منها: المصرية القديمة وقصة هيباتي خير دليل؛ فهذا تيوفيل بطريرك الاسكندرية قد انتحل أدنى الأسباب؛ لإثارة ثورة في المدينة، لإتلاف ما بقي من مكتبة البطالسة، بعضه بالإحراق، وبعضه بالتبديد، ولقد قال أوروسيوس أنه رأى أدراج المكتبة خالية من الكتب، بعد أن نال تيوفيل الأمر الامبراطوري من قيصر الرومان بإتلافها بنحو عشرين سنة، وكانت مكتبة الإسكندرية تحتوي على كتب البطالسة والمصريين القدماء على عهد جول قيصر، وكانت قسمين أحدهما مكتبة البروخيوم وتحتوي على ٤٠٠ ألف مجلد، والأخرى السرابيوم وتضم ٢٠٠ ألف مجلد (٢).
ثم جاء بعد تيوفيل ابن أخته سيريل بطريركا على الإسكندرية، وكان خطيبا مفوها له على الشعب سلطان بفصاحته، وكان في الإسكندرية فتاة تسمى هيباتي الرياضية، تشتغل بالعلوم والفلسفة، وكان يجتمع إليها كثير من أهل النظر في العلوم الرياضية، وكان لا يخلو مجلسها من البحث في الفلسفة في مسائل ثلاث هي:
١ - من أنا؟
٢ - وإلى أين أذهب؟
٣ - وماذا يمكنني أن أعمل؟
فلم يحتمل سيريل السماع بها وبعلومها - مع أن الفتاة لم تكن مسيحية (لم تكن على دينه) بل كانت على دين آبائها من المصريين القدماء - فأخذ يثير الشعب عليها حتى قعدوا لها وقبضوا عليها في الطريق سائرة إلى دار ندوتهم، وجردوها مكشوفة العورة إلى الكنيسة وقتلوها. ويقول مؤرخ هذه القصة، ولم تسأل الدولة القديس سيريل بطريرك الاسكندرية عما صنع بالفتاة هيباتي، ولم تنظر الحكومة الرومانية فيما وقع عليها (٣).
وكان النصارى يبذلون الغالي والنفيس من أجل إقناع الغير بصحة الديانة وما هم عليه؛ حتى يؤمنوا بهم أو يقدروا عليهم؛ فيقتلوهم أحيانا أو يستولوا على ممتلكاتهم أحيانا أخرى.
كذلك كانت هناك كنيسة في بعض بلاد الروم مشهورة، يحجون إليها في أحد أيام السنة، وهناك يشاهدون صمنا بها، إذا قرئ الإنجيل بين يديه وثدييه خرج منهما اللبن، فيشاهده من حضر، ويحدث به من غاب، ويعدها آية بينة، ودلالة على صحة دين المسيحية، وبالبحث بمعرفة أحد ملوكهم تبين له وجود طاقة لطيفة وراء جدران التمثال تصل منها إلى ثديي الصنم أنبوبة من النحاس، فإذا كان يوم العيد فتحها وصب فيها لبنا فيخرج من ثديي الصنم،
стр. 93
ويسقط نقطة نقطة على التدريج، فلا يشك من حضر أنها آية ظهرت عند تلاوة الإنجيل، وقد كشف أمر تلك الحيلة أحد رؤساء الدولة النصارى هناك وقتئذ (١).
بل إن الأمر تخطى ذلك حتى وصل الاضطهاد إلى اليهود أنفسهم ففي عام ١٠٩٥ م تبدلت نوعية الموقف السلبي المسيحي من اليهود في أوروبا، فبدلا من أعمال المضايقة والحرمان والمقاطعة وسواها المتبعة بحقهم، صارت أعمال العنف والقتل والنهب هي المعروفة - وهي المتبعة بحقهم - ففي ٣ آيار ١٠٩٦ م وفيما كانت الجيوش الصليبية الزاحفة إلى فلسطين قد وصلت إلى أسبير في ألمانيا قام الجنود بقتل ١١ يهوديا رفضوا التعميد (٢).
وفي منيوز قتل الصليبيون ألف وأربعة عشر يهوديا اختبأوا في أحد السراديب، وفي العام نفسه قتلوا مئتي يهودي في كولوني، وفي وورمز هاجم الصليبيون جموعا هاربة من اليهود أبادوهم عن بكرة أبيهم فبلغ من قتل في مذبحة وورمز ١١٠٠ يهودي. وحدثت مذبحة مشابهة في متز وأخرى في رتجز برج وثالثة في براغ (٣).
وبعدما غدا الدين الإسلامي بإطاره الحضاري والعقائدي والثقافي والاجتماعي مصدر الخطر والتهديد بعدما حل محل الشيوعية الأيديولوجية الرسمية للاتحاد السوفيتي المنهار، وأدمج العالم الإسلامي بعض دوله وجماعاته ضمن اصطلاحات سياسية وعقائدية عدائية، مثل: الحرب على الإرهاب والذي فرضت أمريكا على العالم تبنيه والمشاركة في تفعيله ومورست تحت رايته ضروب من حروب الإبادة والمحاصرة والتدخل السافر، فتم تسخير الآلة الإعلامية الرهيبة، ودور النشر، ومراكز البحوث، ومن يتسمون " خبراء الشرق الأوسط والشئون الإسلامية " بدعم غير محدود من اللوبي اليهودي المتحالف مع الأصولية المسيحية المتطرفة فيظهر المسلمون كمصدر لتهديد السلم العالمي، وكتهديد خاص لأمن الغرب وإسرائيل (٤).
من الواضح أن التنصير لا يفرق بين دين وآخر فكل شيء ينظر إليه من جانب التنصير بعين الاستئصال فإما معه أو ضده .. وفي الختام وبعد كل ما سبق عرضه وبعد عودة الحملات الصليبية في ثوب التنصير والتبشير ودور الاستشراق في تمهيد الطريق لكل ذلك أجد أن على الشرق الأوسط والعالم الإسلامي العمل على التحرر من تلك الهجمة و"التقدم في علم الاستغراب حيث يصبح " في مقابل علم الاستشراق ضرورة ملحة في عصر الثورة المضادة بعد أن عاد الغرب بهجمته الاستعمارية الثانية بعد هجمته الاستعمارية الأولى، إثر حركات التحرر الوطني ... يهدف هذا العلم إلى إحالة الثورات الحديثة من عثراتها، واستكمال عصر التحرر من الاستعمار، والانتقال من التحرر العسكري إلى التحرر الاقتصادي والسياسي والثقافي، وقبل كل شيء التحرر الحضاري. فطالما أن الغرب قابع في قلب كل منا كمصدر
стр. 94
للمعرفة وكإطار مرجعي يحال إليه كل شيء للفهم والتقييم فسنظل قاصرين في حاجة إلى أوصياء" (١).
ثانيا: نبذة عن تاريخ المناظرات
تدرجت المناظرة بدءا من بداية عصر الرسول ﷺ وحتى الآن مرورا بابن تيمية الذي يعتبر ممن أصل قواعد لمناظرة أهل الكتاب وغيرهم معتمدا في ذلك على العقل والنقل معا. إن المناظرة مع النصارى كانت ولا تزال من أبرز المناظرات التي تحدث في مجال الدعوة.
تطورت المناظرة في العصر الحديث وبدأت تتشكل قضايا الحوار بين المسلمين وأهل الكتاب بشكل أكثر وضوحا وزيدت فيها موضوعات جديدة: كقضية المرأة والصلب والنجاة والمغفرة.
كما تطورت المناظرة في العصر الحديث لترتبط بعلوم التنمية البشرية وإلى قنوات اتصال تفاعلية أكبر بكثير من ذي قبل تستوعب أعدادا لا حصر لها؛ فالتلفاز أو الانترنت أدوات اختيار من المشاهد أو القارئ لموضوع أو بحث معين، وتعتمد قدرة المنتج وكفاءته على الوصول لهذا المشاهد بالصورة الأمثل أو للقارئ بالشكل الأكثر إقناعا. وقد أرسى القرآن الكريم طرقا لمجادلة أهل الكتاب منها: السبر والإسجال وغيرهما.
المناظرة قديما:
أولى اللقاءات التي حدثت بين الإسلام والنصرانية بمستوى المناظرة تلك التي جرت بين الرسول ووفد نصارى نجران في المدينة المنورة. كما جرت مناظرة بين المقوقس في مصر وحاطب بن أبي بلتعة، كما جرت مناظرة كذلك بين عمرو بن سعد بن أبي وقاص وبين البطريرك اليعقوبي مار يوحنان الأول، وعلى الرغم من ضعف مستوى هذه المناظرة التي سجلت بعد ذلك بالسريانية - من حيث مستوى الأسئلة والإجابات - إلا أنها تعطي دلالة على أن علماء النصارى في ذلك الوقت لم يكونوا يعرفون شيئا عن الاعتقادات الإسلامية. كما كانت تجرى مناظرات في مجلس معاوية بن أبي سفيان ومجلس عبد الملك بن مروان بين المسلمين والنصارى من نساطرة ويعاقبة (٢).
وتشير بعض الدراسات إلى أن القرن الثاني الهجري كان بداية الهجوم النصراني على العقائد الإسلامية، وربما تأيدت هذه الفكرة بكونها نتيجة للكتابات النصرانية الجدلية ككتابة يحيى الدمشقي أو يوحنا الدمشقي كما يطلق عليه النصارى (٣) ولا يعد يوحنا الدمشقي كارزا أو
стр. 95
مبشرا أو حتى منصرا بالمعنى المتداول المعروف بل معلما، ولا يصل مستواه كما وصل ريموندلول على سبيل المثال في وضع خطط لتنصير العالم الإسلامي.
كما أن الرشيد كان يجري مناظرات بين أتباع الديانات المختلفة، كما يقال أنها جرت بين المهدي (١) وتيموثاوس الأول (٢)، كما دعى المأمون جماعة من رؤساء النساطرة وعقد لهم مناظرة مع بعض علماء المسلمين كانت الغلبة فيها للمسلمين (٣).
وكانت الأندلس محيطا رحبا للمناظرات - استمرت حتى سقوطها - كذلك مناظرة الفخر الرازي لأحد علماء النصارى في خوارزم. وكان جنكيز خان يحرص على إجراء مناظرات بين أتباع الديانات المختلفة ومن بينها الإسلام والنصرانية (٤).
ومنذ بداية عصر ابن تيمية ﵀ فقد بدء منهج جديد في الرد على النصارى، وقد سلك ابن تيمية فيه مسلك العدل والعلم - مسلك الأنبياء في محاججة النصارى، وبين سبب ضلال النصارى، وأمثالهم من أهل البدع في المسلمين في أمور منها:
١ - تمسكهم بالألفاظ المتشابهة المجملة المشكلة.
٢ - اعتمادهم على خوارق وأحوال شيطانية ظنوها آيات.
٣ - اعتمادهم على أخبار منقولة إليهم ظنوها صدقا، وهي كذب.
وذكر أنهم بنوا كلامهم في أن تحريف كتبهم وقع بعد مبعث النبي على أصلين فاسدين هما:
١. أن الرسول أثبت مامعهم، ونفى - عن كتبهم التي بأيديهم - التهم والتبديل.
٢. ظنوا أن المسلمين يقولون أن هذه الكتب حرفت ألفاظ جميع النسخ الموجودة منها بعد مبعث محمد ﷺ ((٥).
والمناظرة مع النصارى كانت ولا تزال من أبرز المناظرات التي تحدث في مجال الدعوة؛ إما دفعا لشبهة يثيرونها على الإسلام، أو إظهارا لفساد قول عندهم مما حرفوه وأدخلوه على دين المسيح عيسى بن مريم كالقول بألوهيته وصلبه ونحو ذلك. يقول شارل جنيبر: "ولم يقل عن نفسه أنه "ابن الله"، وذلك تعبير لم يكن في الواقع ليمثل - بالنسبة إلى اليهود - سوى خطأ لغوي فاحش، وضرب من ضروب السفه في الدين، كذلك لا يسمح لنا أي نص من نصوص الأناجيل بإطلاق تعبير "ابن الله" على عيسى، فتلك لغة لم يبدأ في استخدامها سوى المسيحيين اللذين تأثروا بالثقافة اليونانية، إنها اللغة التي استخدمها القديس بولس كما استخدمها مؤلف الانجيل الرابع، وقد وجد فيها معاني عميقة وعلى قدر كاف من الوضوح
стр. 96
بالنسبة إليهما. ويمكن لليهودي أن يعتبر نفسه "عبدا ليهوه"، "لا" ابنا ليهوه، ونعتقد أنه من المحتمل أن يكون عيسى قد تصور نفسه " عبد الله " وتقدم للناس بهذه الصفة والكلمة العبرية "عبد" وكثيرا ما تترجم إلى اليونانية بكلمة تعني "خادما" و "طفلا" على حد سواء. وتطور كلمة " طفل " إلى كلمة "ابن" ليس بالأمر العسير، ولكن مفهوم "ابن الله" ينبع من العالم الفكري اليوناني (١).
وفي المقابل ومع مناظرة مع يهودي، قال يحيى بن أكثم (٢): إنه كان للمأمون مجلس نظر، فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب طيب الرائحة، فتكلم فأحسن الكلام والعبارة، فلما أن تقوض المجلس دعاه المأمون فقال له: إسرائيلي؟ قال: نعم! قال له: أسلم حتى أفعل بك وأصنع ووعده. فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف، فلما كان بعد سنة جاءنا مسلما فتكلم عن الفقه فأحسن الكلام، فلما تقوض المجلس دعاه المأمون وقال: ألست بالأمس؟ قال له: بلى. قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، فأنت مع ما تراني حسن الخط، فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها البيع فاشتريت مني وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الوراقين فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها سبب الزيادة والنقصان رموا بها ولم يشتروها، فعلمت أن هذا كتاب محفوظ فكان هذا هو سبب إسلامي (٣).
المناظرة في العصر الحديث:
قامت مناظرة في السويد بين داعية العصر الشيخ أحمد ديدات وكبير القساوسة في السويد استانلي شوبيرج حول: هل الإنجيل كلام الله؟ في ١٧ أكتوبر ١٩٩١ م ودارت المناظرة حول عدة أسئلة وإجابات طرحها الجانبان وفي أول سؤال من الشيخ ديدات حول قضية اتصال السند تهرب القس من الإجابة إلا أن الشيخ ديدات رد عليه بهدوء وبين له منطق عدم الرد كما يلي (٤):
نشكر باستر استانلي لإجابته الجميلة. حقا إن إجابته تتسم بالجمال. لقد أجاب عن الأسئلة التي واجهها بجمال! لقد تفادى الرجل إجابة الأسئلة وراح يحدثنا عن أشياء أخرى. لقد كان أول الأسئلة - كما تذكرون - واسمحوا لي أن أنشط ذاكرتكم، وستدركون ذلك عند مشاهدة الفيديو بمنازلكم، وستدركون النكتة، كان أول الأسئلة هو أنني طلبت تحديد الشهود وبالنسبة لأي قضية تنظرها محكمة مدنية من الضروري تحديد شهود كل طرف من أطرافها. وإذا أنت لم توفر وتحضر الشهود يستوقفك القاضي قائلا: من هم شهودك؟ ولقد كان ذلك على وجه التحديد هو أول سؤال سألته. لقد قلت إن هذه الكتب المقدسة لديكم المختلفة المحتوى عندكم هي الشهود التي أعتمد عليها: أيها يحوي كلام الله؟ إنجيل الكاثوليك؟ أم إنجيل جيمس؟ أم إنجيل
стр. 97
سكوفيلد؟ أم الطبعة المنقحة من الإنجيل؟ لقد أخذ باستر استانلي ربع ساعة من الوقت زيادة عن الوقت المحدد له ولم يجب هذا السؤال الذي كان هو أول الأسئلة الموجهة إلى سيادته.!
وبالإضافة إلى مناظرة الشيخ والقس، هناك دراسة أجريت على المناظرات ما بين عامي ١٩٨٠ - ١٩٩٠ م في أمريكا تم استخلاص بعض النتائج كالتالي:
أولا: أبرز النتائج التحليلية
١ - تشعر عناوين المناظرات بشيء من أسباب قيامها؛ فوجود ست منها موجهة إلى نقد النصرانية يشير إلى أن المسلمين هم المبادرون غالبا إلى طلب هذه المناظرات وعقدها؛ وذلك في مقابل اثنتين فقط موجهة إلى نقد الإسلام.
٢ - تكاد تنحصر المناظرات في النصف الثاني من مدة الدراسة، وكان عام ١٩٨٦ م أكثر الأعوام نشاطا في انعقاد المناظرات فيه.
٣ - نشاط المناظرات في مدة الدراسة كان في الولايات المتحدة، وأكثره كان في ولايتي أوكلاهوما وكنساس.
٤ - مجموع ساعات المناظرة المدروسة: ٢٦: ٥٤ ساعة، ومتوسط كل مناظرة ٢: ٢١ ساعة تقريبا.
٥ - كان أبرز المناظرين المسلمين وأجودهم هو الدكتور جمال بدوي، وهو كذلك أكثر المناظرين المسلمين من حيث عدد المناظرات التي شارك فيها، كما كان أبرز المناظرين النصارى وأجودهم هو الدكتور روبرت دوجلاس، وهو كذلك أكثر المناظرين النصارى من حيث عدد المناظرات التي شارك فيها.
٦ - أبرز القضايا التي تكررت في تلك المناظرات باعتبار ترتيب عددها ابتداء بالأكبر فالأصغر هي كما يلي:
أقضية ألوهية عيسى ﵇، إثباتا ونفيا.
ب قضية الكتاب المقدس، صحته وموثوقيته، إثباتا ونفيا.
ت قضية القرآن، صحته وموثوقيته، إثباتا ونفيا.
ث قضية صلب المسيح ﵇ وموته وقيامه من الموت، إثباتا ونفيا.
ج قضية نبوة محمد ﷺ ، إثباتا ونفيا.
ح قضية الطعن في الإسلام (جوانب متفرقة من أبرزها العنف والمرأة) إثباتا ونفيا.
خ قضية النجاة والمغفرة، من وجهة نصرانية مع رد غيرها، ومن وجهة إسلامية ورد غيرها.
د قضية التثليث، إثباتا ونفيا.
ذ قضية الطعن في المسيحية (جوانب متفرقة من أبرزها العنف والمرأة).
إن ما يفعله النصارى من جهود تبشيرية - دائما - يثير المسلمين إلى طلب التناظر، ثم يثير النصارى لاختيار موضوعات التناظر، ويستنتج مما سبق بشكل قاطع غلبة جانب نقد النصرانية من خلال كثرة عدد القضايا التي تعالج قضايا في الديانة النصرانية، في مقابل عدد القضايا التي تعالج قضايا في الإسلام، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن عناوين المناظرات، إلا أنه هنا يتأكد بشكل واضح.
стр. 98
٧ - في جانب طرق الاستدلال:
أتفوق الأطراف الإسلامية في عدد الأدلة في كل من طرق الاستدلال المركبة والعقلية والنقلية.
ب تفوق الطرف الإسلامي في الاستدلالات العقلية والمركبة على الطرف النصراني في كل مناظرة تقريبا وفي كل المناظرات بشكل عام.
ت طرق الاستدلال الأخرى التي تمثل ما سوى الاستدلالات العقلية والنقلية - ومن باب أولى المركبة - تبين بشكل قاطع تفوق الطرف الإسلامي في المناظرات؛ كل على حدة وفي مجموع المناظرات.
٨ - في منشأ القضايا:
أكثرة القضايا التي منشؤها الجمهور.
ب غلبة إنشاء القضايا لدى الطرف النصراني من قبله، مقابل إنشاء القضايا لدى الطرف الإسلامي من قبله، وهذه القضايا عندما ينشئها طرف ما في وقته وخلال حديثه غالبا ما تكون غير مرتبطة بالموضوع الأصلي للمناظرة.
ت غلبة إنشاء القضايا من الطرف النصراني على الطرف الإسلامي، مقابل إنشاء القضايا من الطرف الإسلامي على النصراني.
٩ - الطرف النصراني معلل أكثر منه سائلا، ويزيد على الطرف الإسلامي بمقدار الثلث تقريبا، كما أن نقد الطرف الإسلامي للمعتقدات النصرانية أكثر من نقد الطرف النصراني للمعتقدات الإسلامية، وذلك من كونه - أي الطرف الإسلامي - سائلا بزيادة مقدار الضعف على الطرف النصراني ومن كونه سائلا ومعللا بمقدار ستة أضعاف مقابل الطرف النصراني.
١٠ - تفوق الطرف الإسلامي في قلة إنشاء القضايا غير المرتبطة مقابل الطرف النصراني بشكل كبير، وأثر الجمهور كثيرا في إنشاء القضايا غير المرتبطة، حيث كان سببا في إنشاء نصفها.
١١ - المناظرة في التصديق هي الغالبة على المناظرات المدروسة.
١٢ - اللغة المستخدمة في إحدى عشرة مناظرة من المناظرات الاثنتي عشرة هي الإنجليزية، وكانت المناظرة الوحيدة المستثناة هي المناظرة العاشرة، حيث كانت باللغة العربية.
١٣ - تميز الأطراف الإسلامية جميعا في الالتزام بالآداب الظاهرة للمناظرة، وانضباط أكثر الأطراف النصرانية بالآداب الظاهرة للمناظرة، سوى الدكتور أنيس شروش، الذي كان عليه بعض الملحوظات.
بعد عرض النتائج نتعرض لعرض آداب المناظرة والتناظر.
ثانيا: آداب المناظرة
آداب في هيئة المناظر وحاله؛ ومنها:
١ - أن يتقابل المناظران في المجلس إن أمكن، وأن يجلسا للمناظرة جلسة المكترث بها وبموضوعها.
стр. 99
٢ - ألا يكون في حالة قلق نفسي، أو في حالة يكون فيها خارجا عن حد الاعتدال؛ كالجوع والعطش والامتلاء الخارجة عن حد العادة، والغضب والمدافعة والفرح البالغة مبلغ التأثير.
٣ - أن يحترز عن الضحك ورفع الصوت والسفاهة، فإن الجهال يسترون بها جهلهم.
٤ - أن يجتنب مناظرة ذي هيبة يخشاه؛ لأن الهيبة تذهب دقة النظر.
آداب في مقالة المناظر؛ ومنها:
١ - أن يحترز عن إطالة الكلام إطالة تؤدي إلى الإملال أو يختصره اختصارا يخل بالفهم.
٢ - ألا يستخدم الألفاظ الغريبة، أو الجمل المحتملة أكثر من معنى.
٣ - أن يحترز عما لا دخل له بالمقصود، ويكون كلامه ملائما للموضوع.
آداب كل من المتناظرين مع خصمه؛ ومنها:
١ - أن يقصد كل منهما إظهار الحق ولو على يد خصمه.
٢ - ألا يحتقر خصمه، أو يقلل من شأنه لأن ذلك يقلل من اهتمامه فيغلبه.
٣ - ألا يدخل في كلام خصمه قبل تمامه وفهمه له وإن احتاج إلى طلب إعادته فلا بأس، إذ الدخول في الكلام قبل الفهم قبيح، ويغني عنه الاستفسار.
٤ - يمكن النظر إلى طرق الاستدلال في المناظرة بعدة اعتبارات من أبرزها وأفضلها اعتبار مادة الدليل التي تكون نقلية أو عقلية أو مركبة منهما (١).
كانت المناظرة قديما تقوم بين كل من الديانتين الإسلامية والمسيحية - بشكل عام - أما حديثا فأصبحت تختار وتركز على الموضوعات قبل الدخول في التناظر. وإنه ليهمنا التعرف على المنهج الجدلي عند الدعاة المسلمين وعند التبشيريين المسيحيين، وإن المنهج الجدلي عند المسلمين لينبع من النبع الصافي، والمصدر الأساسي لهم، وهو القرآن الكريم.
المنهج القرآني في الجدل:
الجدل لغة: اللدد في الخصومة والقدرة عليها، ورجل جدل ومجدال: شديد الجدل، يقال: جادلت الرجل جدلا، أي غلبته. وفي الاصطلاح: الخصومة والمنازعة في البيان، والكلام لإلزام الخصم بإبطال مدعاه، وإثبات دعوى المتكلم، ومنه الحسن والقبيح، وكل محاورة فكرية تحدث عنها القرآن الكريم تعد داخلة في جدل القرآن، وإن لم تكن بلغة الجدل فهي بمعناه كما يدل عليه الوضع اللغوي، وقد ورد الجدل في القرآن بعدة صيغ. والجدال الممدوح هو ما كان بنية خالصة، وجرى بطريقة سليمة، وأدى إلى خير (٢).
стр. 100
ومن طرق الاستدلال القرآني (١):
١ - الأقيسة الإضمارية: وهي الأقيسة التي تحذف فيها إحدى المقدمات مثل: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون، الحق من ربك فلا تكن من الممترين " [آل عمران: ٥٩، ٦٠] لم تذكر فيه سوى مقدمة واحدة، وهي إثبات مماثلة آدم لعيسى، وطوى ما عداها وكان سياق الدليل هكذا: إن آدم خلق من غير أب كعيسى، فلو كان عيسى ابنا بسبب ذلك لكان آدم أولى؛ لكن آدم ليس ابنا باعترافكم، فعيسى ليس ابنا أيضا، وقد كان في حذفها طلاوة.
٢ - القصص: مثل قصة إبراهيم ﵇ مع أبيه.
٣ - قياس الخلف: وهو الذي يتجه فيه إلى إثبات المطلوب بإبطال نقيضه مثل: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما تصفون " [الأنبياء: ٢٢].
٤ - السبر والتقسيم: حيث يذكر أقسام الموضوع المجادل فيه، ويبين أنه ليس من خواص واحد فيها ما يوجب الدعوى التي يدعيها الخصم.
٥ - التمثيل: وهو أن يقيس المستدل الأمر الذي يدعيه على أمر معروف، ويبين الجهة الجامعة بينهما.
يتبين أن القرآن يسلك في مجادلته سياسة جدلية بيانية يعالج بها أوضاع الخصوم، ويناقشهم مما يتناسب مع أحوالهم في مقام المجادلة ومثال ذلك قصة إبراهيم مع قومه. يطالب كل مجادل أن يكون جداله عن علم، كما أن الدعوة للحق يجب أن تكون بعلم، وقد ذم الله المجادلين بغير علم فقال: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله، له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق) [الحج: ٨ - ٩]. إن الأصل في الجدل القرآني أن يكون بالتي هي أحسن، وهو يستخدم الجدل كوسيلة من وسائل الإقناع بالحجة والبرهان في إثبات الحق وإزهاق الباطل، وعندما يستخدم القرآن في جدالة القسوة وتأنيب الخصم، فهذا لا يرجع إلى أسلوب الدعوة العام، ولكنه يرجع إلى أمور ذاتية تتعلق بالخصم المجادل؛ لأنه لم يصغ للحق، ولم يستخدم عقله، فيما يلقى إليه من بيان معزز بالبراهين والحجج، ولعل ذلك يفهم من الاستثناء في قوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم) [العنكبوت: ٤٦]. إن المظهر العام للجدل القرآني هو معاملة الخصوم بما يتناسب مع أحوالهم العلمية والاعتقادية، فكثيرا ما يكون جدل القرآن مع المشركين جدل هداية ودلالة، وقد يشتمل على تخطئة بعض مزاعمهم، بينما يكون جدل القرآن مع أهل الكتاب، جدل تخطئة وإلزام لأنهم على علم، أما الجدال القرآني مع المنافقين فتبدو عليه سمة الشدة والقسوة مصحوبا بالتهديد والوعيد (٢).
стр. 101
وختاما وردت في القرآن الكريم صيغ للجدال منها: )) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)) آل عمران: ٦٤
ورد في تفسير ابن كثير: هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم، والكلمة تطلق على الجملة المفيدة كما قال هاهنا. ثم وصفها بقوله: (سواء بيننا وبينكم) أي: عدل ونصف، نستوي نحن وأنتم فيها. ثم فسرها بقوله (ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا) ... (فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) أي: فإن تولوا عن هذا النصف وهذه الدعوة فأشهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم (١).
وورد في تفسير الطبري: يقول أبو جعفر: تعالوا: هلموا إلى كلمة سواء، يعني: إلى كلمة عدل بيننا وبينكم، والكلمة العدل، هي أن نوحد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه، فلا نشرك به شيئا.
(ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا): ولا يدين بعضنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله، ويعظمه بالسجود له كما يسجد لربه. (فإن تولوا): فإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من كلمة السواء التي أمرتك بدعائهم إليها فلم يجيبوك إليها فقولوا أيها المؤمنون للمتولين عن ذلك اشهدوا بأنا مسلمون.
واختلف أهل التأويل فيمن نزلت فيه هذه الآية: فقال بعضهم: نزلت في يهود بني إسرائيل الذين كانوا حوالي مدينة رسول الله ﷺ ... وقال آخرون: بل نزلت في الوفد من نصارى نجران (٢).
كذلك آية: ((ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون)) (العنكبوت: (٤٦
ورد في تفسير ابن كثير:
(وجادلهم بالتي هي أحسن) أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب (٣).
وفي تفسير ابن تيمية: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم) فهو أمر للمؤمنين أن يقولوا الحق الذي أوجبه الله عليهم وعلى جميع الخلق ليرضوا به الله
стр. 102
وتقوم به الحجة على المخالفين فإن هذا من الجدال بالتي هي أحسن وهو أن تقول كلاما حقا يلزمك ويلزم المنازع لك أن يقوله فإن وافقك وإلا ظهر عناده وظلمه (١).
في الختام تبين لنا - في هذا المبحث - كيف كانت المناظرة قديما وحديثا، كما تبين غلبة جانب نقد النصرانية من خلال كثرة عدد القضايا التي تعالج قضايا في الديانة النصرانية في مقابل عدد القضايا التي تعالج قضايا في الإسلام، وتفوق الطرف الإسلامي في طرق الاستدلال، وغلبة إنشاء القضايا لدى الطرف النصراني من قبله مقابل إنشاء القضايا لدى الطرف الإسلامي من قبله، وأن نقد الطرف الإسلامي للمعتقدات النصرانية أكثر من نقد الطرف النصراني للمعتقدات الإسلامية، وأن هناك آداب حال التناظر يجب مراعاتها، وأن نقد الطرف الإسلامي للمعتقدات النصرانية أكثر من نقد الطرف النصراني للمعتقدات الإسلامية، وهناك طرق متعدد وأساليب مختلفة تستمد من القرآن الكريم في باب الجدل، وتبين كيف أن المنهج القرآني في مجادلة النصارى وأهل الكتاب هو منهج التخطئة والإلزام.
стр. 103
الفصل الثاني
"منهج دراسة الأديان عند فندر "
стр. 104
تمهيد
بعدما عرضنا في الفصل الأول مقدمة عن الهند، والتعريف بحياة الشيخ، وكذلك القس، وتاريخ المناظرة، وتاريخ التنصير، وعرض السابقين واللاحقين للشيخ والقس، وآراء الغرب في فندر، وعرض مجموعة العلماء في زمن رحمت الله، سنعرض من خلال هذا الفصل تحليل أهم ما أنتجه القس فندر من كتب، ودراسة منهج فندر من خلال كتبه وقضاياه ومناظراته، ومن خلاله نتعرف على نشأة عيسى ﵊، ومعجزاته، ودعوته، من خلال العقيدتين المسيحية والإسلامية، وروافد العقيدة المسيحية، وقانون الإيمان المسيحي، وكيف اتجهت فرقهم إلى التأليه، ومن هو مؤسس المسيحية الجديدة؟ وما هي طوائفهم؟ ، وما هي مذاهبهم؟ ثم نعرض كتاب ميزان الحق بالتفصيل فصلا فصلا، ثم التوجه إلى عرض عقيدة الصلب والفداء بين كتابيه ملاحظات محمدية وطريق الحياة تلك العقيدة التي شكلت الركيزة الأساسية والمحور الرئيس في بناء الكتابين. كذلك عرض كتاب مفتاح الأسرار.
стр. 105
مدخل
نبدأ أولا بالتعرف على نشأة وتطور المسيحية، ومن خلاله نتعرف على نشأة عيسى ﵊، ومعجزاته، ودعوته، وخصائص ومميزات وروافد العقيدة المسيحية، وقانون الإيمان المسيحي، وكيف اتجهت فرقهم إلى التأليه، ومن هو مؤسس المسيحية الجديدة؟ وما هي طوائفهم؟ ، وما هي مذاهبهم؟ .
أول ما ظهرت الماسونية (١) في القرن الأول الميلادي كانت تحت اسم (القوة الخفية)، وكان هدفها الرئيسي القضاء على الديانة النصرانية، التي جاء بها عيسى ﵇، ومطاردة أتباعها، وقد بذلت في سبيل ذلك كل الوسائل من تحريف الأناجيل، وتغيير المعقتدات النصرانية والشريعة التي جاء بها عيسى ﵇، إلى التنكيل بأصحابها وأتباعها؛ بالقتل والطرد، والحبس، إلى غير ذلك من الأساليب المعروفة عن اليهود، وذلك طيلة القرون الأربعة الميلادية الأولى (٢).
ثم تطورت المسيحية ذاتها من التنكيل بأصحابها إلى التنكيل بغيرها، فبعدما كان ينكل بالمسيحية وأهلها، وبعد تمكين أهلها من دينها أصبحت تفعل بغيرها ما كان يفعل بها من قبل.
стр. 106
كانت المسيحية السلمية التي ترى لها حق القيام على كل دين يدخل تحت سلطانها، تراقب أعمال أهله وتخصهم دون الناس بضروب من المعاملة لا يحتملها الصبر مهما عظم حتى إذا تمت لها القدرة على طردهم بعد العجز عن إخراجهم من دينهم وتعميدهم، أجلتهم عن ديارهم، وغسلت الديار من آثارهم، كما حصل ويحصل في كل أرض استولت عليها أمة مسيحية استيلاء حقيقيا. أما الإسلام الحربي فكان يكتفي من الفتح بإدخال الأرض المفتوحة تحت سلطانه، ثم يترك الناس وما كانوا عليه من الدين يؤدون ما يجب عليهم في اعتقادهم كما شاء ذلك الاعتقاد، وإنما يكلفهم بجزية يدفعونها لتكون عونا لهم على صيانتهم والمحافظة على أمنهم في ديارهم، وهم في عقائدهم ومعابدهم وعاداتهم بعد ذلك أحرار (١).
لقد جاءت المسيحية، حتى قبل تسنينها في عقيدة مغلقة، مصادمة لروح الفلسفة اليونانية في نقطتين ميتافيزقيتين أساسيتين:
الخلق من عدم، والتجسد الإلهي؛ فالله في المسيحية هو وحده الخالد والكامل. والكون الذي لم يكن موجودا، هو من خلقه، ولسوف يكون مآله إلى مثل العدم الذي جاء منه بقرار إلهي أيضا، ولكن الكون في التصور السائد - وبخاصة الأرسطي - من الفلسفة اليونانية غير مخلوق، وقديم قدم الله نفسه، ومشارك في الماهية الإلهية بثباته وبثبات القوانين التي تنتظمه وتحكم حركته الأبدية؛ فالكون، بمعنى من المعاني، هو الله نفسه، وهو بلا تاريخ، وغير خاضع للتغيير؛ لأن حركته دورية وتغيراته لاتعدو أن تكون تكرارا أبديا. والحال أن المسيحية تقوم على فكرة مبادأة تاريخية جذرية تتمثل بتجسد المسيح الذي يحدث تغيرا انقطاعيا في مسار الكون والزمن معا. وبما أن الشق الذي انتصر وساد من المسيحية هو ذاك الذي يقول بألوهية المسيح، فإن فعل التجسد يعادل خرقا للثبات الإلهي والكوني معا، وهذا بالتحديد ما كان يشق كل المشقة على ورثة الفلسفة اليونانية أن يقبلوه (٢).
التعريف بعيسى ﵇ (بين القرآن والأناجيل)
اسمه ونسبه:
الذي ذكر في القرآن من اسم عيسى ﵊ ونسبه أنه عيسى ابن مريم؛ حيث قد نسبه الله تعالى إلى أمه مريم؛ لأنه خلق من غير أب، قال الله تعالى: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين) (٣). جاء في القرآن أيضاً نسب أمه وأنها ابنت عمران قال الله تعالى: "ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها" (٤).
стр. 107
أما عند النصارى فاسمه يسوع جاء في لوقا (١) [(٣١: ١] "وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع" وقد جعلوا لعيسى ﵊ أباً وأخوة وذكر ابن حزم (٢) " اتفاق الأناجيل الأربعة على أنه كان له والد معروف من الناس وأخوة " (٣).
وذكر في عدة مواضع من الإنجيل أن لعيسى أب منها قوله: "وعندما دخل بالصبي يسوع أبواه" [لوقا: ٢٧: ٢]، وأيضاً ذكر أن له أخوة كما جاء في متى (٤) [٥٥: ١٣] "وأخوته يعقوب وموسى وسمعان ويهوذا " وقد حكى الله الاختلاف في شأن عيسى ﵊ فقال: "فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم" [مريم: ٣٦] جاء في انجيل متى [٥٥: ١٣] ما يدل على أنه ابن النجار " أليس هذا ابن النجار أليس أمه تدعى مريم " وفي مرقس [٦: ٣] وفيه " أليس هذا النجار ابن مريم .. "
مولده ونشأته:
ذكر الله قصة ولادة عيسى في القرآن في عدة مواضع منها قوله: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا)] مريم: ١٦ - ٢٣ [
أما مكان ولادة عيسى ﵊، يذكر متى كيف ولد المسيح بقوله: "كانت أمه مخطوبة ليوسف وتبين قبل أن تسكن معه أنها حبلى من الروح القدس، وكان يوسف رجلا صالحا فما أراد أن يكشف أمرها " متى [١٨: ١ - ١٩]، وقد ذكر متى [١: ٢] أن المسيح ولد في (بيت لحم).
وقد جاء في متى [٢: ١٣] " ظهر ملاك الرب ليوسف في الحلم وقال له قم خذ الطفل وأمه واهرب إلى مصر ... لأن هيرودس سيبحث عن الطفل ليقتله " فأقام فيها حتى مات هيرودس ثم رجع للناصرة.
معجزاته:
هناك أربع معجزات جمعها الله في قوله: "ورسولاً إلى بني اسرائيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين" [آل عمران: ٤٩] ونزول المائدة، وكلامه في المهد.
стр. 108
أما معجزات عيسى عند النصارى فتحفل الأناجيل بالحديث عن العشرات من المجانين والمصروعين والعميان والموتى والمشلولين الذين شفاهم السيد المسيح (١) وأحياناً يذكر إنجيل متى أن جموعاً كثيرة جاءت ليسوع فيهم العرج والعمى والخرس والشلل وطرحوا عند قدمي يسوع فشفاهم (٢).
دعوته ﵊:
جاء في لوقا [٣: ٢٣] "كان يسوع في نحو الثلاثين من العمر عندما بدأ رسالته "
وقال الشهرستاني (٣): " وقد أوحى الله تعالى إليه إنطاقاً في المهد، وأوحى إليه إبلاغا عند الثلاثين. وكانت مدة دعوته ثلاث سنين" (٤).
وقد كانت دعوة كل رسول هي التوحيد أولاً، قال تعالى: "ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" [النحل: ٣٦] وذكر الإنجيل دعوة عيسى إلى التوحيد "إن أول الوصايا هي: "اسمع يا اسرائيل. الرب إلهنا رب واحد وتحب الرب من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك" مرقس (٢٩: ١٢، ٣٠) إلا أن أتباعه ﵇ يفسرون هذه العبارة بالتثليث.
وقد ذكر الله دعوته في القرآن الكريم (وقال المسيح يا بني اسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) [المائدة: ٧٢]
ولقد كانت دعوة عيسى ﵇ موجهة إلى بني اسرائيل قال الله تعالى: "ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولاً إلى بني اسرائيل" [آل عمران ٤٨ - ٤٩] وجاء عند النصارى ما يدل على أنها مقصورة على بني اسرائيل كما جاء ذلك في إنجيل متى (١٥: ٢٤) (لم أرسل إلا إلى خراف بني اسرائيل الضالة) وفي لوقا (١٦: ١) "ويرد كثيرين من بني اسرائيل إلى الرب إلههم"، أما الصنف الثاني ممن يدعوهم عيسى ﵇ وهم أمة محمد ﷺ في آخر الزمان لكن بشرع نبينا (٥).
وتعتبر عقيدة التثليث عند النصارى من أصول الاعتقاد التي لا يختلفون فيها في الجملة، وكان الملك الروماني قد جمع علماء النصارى في مجمع نيقية لمناقشة الخلاف في شخص المسيح، والذي حصل أن قسطنطين تبنى الرأي الذي اعتمد فيه تأليه المسيح وأنه من جوهر الله وفرضت هذه العقيدة على النصارى مؤيدة بالسلطان، مع العلم أن من نصر هذا القول كانوا أقلية (٦).
стр. 109
ومما ينبغي الإشارة إليه أن قسطنطين في وقت عقد هذا المجمع قد تنصر، فما الذي جعله يحكم بهذا القول؟ إنه لا يسوغ لنا إلا القول بأن له إرب خاص وهو أنه عندما رجح، فإنما رجح ما هو أقرب إلى وثنيته، وأدنى ما يعرفه من عقيدة، أو أن هدفه تقريب النصرانية من الوثنية (١)، وفي مجمع القسطنطينية تمت فكرة التثليث!
روافد العقيدة النصرانية
واضح أن المسيحية استقت عقيدة التثليث عن المصريين الذين كانوا يعبدون الثالوث: أوزوريس، إيزيس، حورس، وهو التثليث الذي طوره الأفلاطونيون لاحقا، وتبنته الكنيسة ... ويتساءل يونغ: لماذا لم تكن السيدة مريم ﵍ ثالث الثلاثة بدلا من الروح القدس؟ ويرى أن ذلك عائد إلى التأثر بأديان مصر القديمة التي ترفض أن تكون المرأة عنصرا في الثالوث، وهذا في رأيه ما انتقل إلى المسيحية حيث نرى في الإنجيل موقفا غريبا جدا ينسبه يوحنا إلى السيد المسيح ﵇ زورا وبهتانا تجاه أمه، فهو يظهر في الإنجيل ينهر أمه وينكرها ولا يعترف بها (٢).
كذلك نجد أن هناك أوجه شبه كثيرة بين الديانات والعقائد القديمة وبين الفكر المسيحي، وهذا التشابه يوضح أن المسيحية استعارت كثيرا من معتقداتها وطقوسها من البوذية واليهودية، وحتى الوثنية أخذت المسيحية منها نصيبا موفورا؛ فالتثليث، والأقانيم الثلاثة، وقصة الصلب والفداء للتكفير عن خطيئة البشر، والزهد، والرهبنة، كلها مأخوذة من البوذية التي تتشابه تعاليمها مع المسيحية تشابها كبيرا، مع بعد المسافة بين الديانتين، إذ ظهرت البوذية قبل المسيحية بأكثر من خمسة قرون (٣).
وعندما ننظر في العهد الجديد فإننا لا نتوقع أن نجد عقيدة محددة وثابتة، أو تفصيلا كاملا لتنظيم الكنيسة، بل العكس من ذلك تماما، فإننا نتوقع - وهذا ما نجده فعلا ... اقتراحات لم يعمل بها أبدا، وحلول تجريبية قصد التغاضي عنها في مستقبل الكنيسة (٤).
توصل علماء الغرب - في القرن العشرين - بعد التنقيب والفحص والموازنة - إلى أن النصرانية قد استمدت عقائدها الأساسية (التثليث، والكلمة، والتجسد، أو الاتحاد، أو اللاهوت والناسوت، وموت الإله الابن وصلبه، وقيامته من الأموات، والفداء والكفارة، والخلاص، ... الخ) من الديانات الوثنية القديمة السابقة على المسيحية، وبذلك قد تخلت عن ديانة عيسى التي أوحاها الله إليه وتشبهت بالوثنيات وتابعتها وأتمت بها. هذا ما أعلنه علماء الغرب المسيحيون أخيرا.
стр. 110
ومما يذكر هنا أن القرآن الكريم نص على ذلك منذ أربعة عشر قرنا، حيث قال الله تعالى تعليقا على تبديل النصارى العقائد وتغييرها:
(ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل) [التوبة: ٣٠] (١)؛ أي: ذلك قولهم هم، وليس ما جاء به الوحي، وأبلغه لهم عيسى ﵇، وهم يقلدون ويتشبهون بالأمم الوثنية الكافرة التي سبقتهم: الوثنية المصرية القديمة، والوثنية الهندية البوذية والبرهمية، والوثنية البابلية والفارسية والرومانية واليونانية .. الخ (٢).
وأما بالنسبة للعهد الجديد فلا توجد له مخطوطات أصلية أيضا؛ فلا يوجد إلا نسخا أقدمها يعود إلى القرن الرابع، وهو الوقت الذي وضعت فيه الكنيسة الكتاب القانوني أو الرسمي. إن هذا الفقدان للمخطوطات الأصلية قد ألغى أية إمكانية للتثبت من صحة النسخ. وهكذا فإن التغييرات التي زحفت إلى النص قد بقيت في نص الكتاب المقدس (٣).
وفي رأيي أن الكتاب المقدس هو جملة من الروايات التاريخية - غير المثبتة - يحمل بعض الحقائق أو العبارات المقدسة التي توافق القرآن الكريم.
قانون الإيمان المسيحي (٤):
يعتقد النصارى بفرقهم الحالية الموجودة بما يسمى (قانون الإيمان المسيحي) الذي صدر عن مجمع نيقية مع الإضافات التي أدخلت عليه في مجمع القسطنطينية ٣٨١ م الذي تم التعرض فيه لروح القدس، هل هو إله أم روح مخلوقة؟
ولم يكن مجمع نيقية أصدر قراراَ بهذا الأمر، والذي صدر في هذا المجمع (أي القسطنطينية) أن الروح القدس الرب المحيي المنشق من الآب، فقرروا أنه إله على الرغم من كثرة المعارضين.
نص القانون: " نؤمن بإله واحد، الله الآب ضابط الكل خالق السموات والأرض وما يرى ومالا يرى ونؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور الإله، حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر، كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيئاَ مما كان، هذا الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء فتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وتأسّ وصلب عنّا، على عهد بيلاطس النبطي وتألم وقبر ....... (إلى هنا قرار مجمع نيقية وما بعده قرار القسطنطينية).