← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 132414

الاستدراك الفقهي تأصيلا وتطبيقا

مجمول الجدعاني

Полный текст (596 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٢ - اقتصر التعريف الأول على جعْل الأقوال وحدها موضوعًا (١) للاستدراك، ويبدو لي أن ذلك راجع إلى العرف النحوي - والأصوليون تبعٌ للنحويين في ذلك - لأن موضوع علم النحو هو القول، بينما أطلق التعريف الثاني المُصلَح والمكمّل والمُزال عنه اللبس بحذف المتعلّق، وعمم التعريف الثالث ذلك بالتعبير بـ «النشاط». ٣ - أشارت التعريفات إلى موقع الاستدراك من الزمن وهو (البَعْديَّة)، فالاستدراك يكون بعد المُستدرَك عليه وقوعًا، ولا يُمكن تصوره قبله، أشار التعريف الأول لذلك بقوله: «سابق»، بينما أشار التعريف الثاني لذلك بالتعبير بالفعل الماضي «وقع»، والتعريف الثالث بالتعبير بالفعل الماضي «قام»، وهو لازمٌ مهمٌّ في التعريف. ٤ - فسّرت التعريفات الاستدراك بمعناه المصدري؛ فذات رفع التوهم (٢)، وذات الإصلاح والإكمال والإزالة (٣)، ونفس العملية التي يقوم بها الشخص هي الاستدراك (٤)، وليس ما يحصل به ذلك وهو (المُستَدْرَك)، وبين المقامين فرق ظاهر، ففي التعبير بالأول: تفسير جنس المصطلح بالحَدَث، وفي التعبير بالثاني: تفسير جنس المصطلح بإقامة المفعول مقام المصدر، والتفسير بالحدث أولى، للفرقِ بين الفعل والمفعول، فالاستدراك هو الفعل، والمستدرَك هو ناتج الفعل. ٥ - أطلق التعريف الثاني غرضَ إكمال النقص، وفي نظري أن تكميل النقص ليس دائمًا استدراكًا في العُرف الاصطلاحي، كوفاة المؤلِّف قبل تمام مؤلَّفه، فتكميله

стр. 37

بعدُ ليس استدراكًا عليه، فينبغي تقييده بما إذا عِيبَ، وكذلك القول في التعبير بتكميل النشاط في التعريف الثالث. ٦ - حدد التعريف الثاني الهدف من الاستدراك وهو «الوصول إلى الصواب»، وتغيّي هذا الهدف ضمانٌ لقبول الحق ونبذ التعصّب. ٧ - تعبير التعريف الثاني بكلمة «بُغية» فيه دلالة على عدم التلازم بين الصحة والاستدراك؛ فليس كل استدراك صحيحًا، ولا تلزم صحتُه لإطلاق لفظ الاستدراك عليه، وهذه الدلالة تؤيدها التطبيقات العملية للاستدراكات. ٨ - يظهر لي أن التقييد في التعريف الثالث بـ «في المجال نفسه» هو للإطلاق الواقع في «النشاط» المُراد تكميله؛ ليخرج من التعريف تكميل النشاطات بالطريقة التعاونية كلٌّ في مجال تخصصه. ٩ - عبّر التعريفان الثاني والثالث بما يفيد عدم شمول أن يكون المُستدرِك هو نفسه المستدرَك عليه، بمعنى أن يستدرك المستدرِك على نفسه؛ ففي التعريف الثاني قال: «وقع فيه الغير»، وفي التعريف الثالث قال: «قام به غيره»، وهما زيادتان في التعريف لا أرى صحتهما؛ لأن المُمكن العقلي والواقع العملي جرَيا باستدراك العامل على عمله أيضًا. المنهج الثاني: التعريف به بذكر آليته في الوقوع، مع ذكر أغراضه أو بعضها، وملاحظة لازم (البَعْديّة) اللغوي لمادة اللفظ. منه: «تعقيب الكلام برفع ما يوهم ثبوته» (١). ومنه: «إتباع القول بقولٍ ثانٍ يُصلح خطأه أو يكمل نقصه أو يزيل عنه لبسًا» (٢).

стр. 38

ويُلاحظ في التعريفين ما يلي: ١ - ملاحظة لازم المعنى اللغوي وهو (البَعْدِيَّة)، وهو ما عبر عنه التعريفُ الأول بكلمة «تعقيب»، وعبر عنه التعريفُ الثاني بكلمة «إتباع»، وهو لازمٌ مهمٌّ في التعريف. ٢ - الجنس في التعريفين هو فعل التعقيب أو الإتباع بما يحصل به الغرض من الاستدراك، وليس هو ذات الحدث الذي يدل عليه المصدر (الاستدراك)، فجنسُ الاستدراك في التعريفين - بحسب ألفاظهما -: ليس ذات الإصلاح أو الإكمال أو إزالة اللبس (١)، أو رفع التوهم (٢) الذي يعقُب العمل، ولكنه هو تعقيبٌ بما يحصل به ذلك (٣) أو إتباعُه به (٤)، وبين المقامين فرق ظاهر، فعلى المقام الأول هو تعريف بمعنى المصدر مقيّدًا بزمن وقوعه، وعلى المقام الثاني هو تعريف لآلية العمل الاستدراكي من حيث مَوْقعها من الزمن. وقد فُسِّر الاستدراك في معاجم اللغة بهذا وبهذا، ولاحظتُ أنهم إذا عرّفوا لفظَ مصدره، أو لم يذكروا ما استُدرِك به، فسّروا الاستدراك بملاحظة مصدريته، ففي (تاج العروس): «استدرك عليه قولَه: أصلح خطأه، ومنه المُستدرَك للحاكم» (٥)، وفي (بصائر ذوي التمييز): «والاستدراك: إصلاح الخطأ» (٦)، وفي (أقرب الموارد): «استدرك ... عليه قولَه: خطّأه» (٧).

стр. 39

وإذا ذكروا ما استُدرِك به فإنهم يفسّرونه بالإتباع، ففي (أقرب الموارد): «استدرك ... الخطأ بالصواب: أتبعه به» (١). وما جاء في (أساس البلاغة) من قوله: «وتدارك خطأ الرأي بالصواب واستدركه. واستدرك عليه قولَه» (٢) يُشعِر بالفرق بين المقامين. ذلك لأن لفظ (استدراك) يحمل معنيين: معنى اللحوق، وهو أصل مادته، ومعنى الاجتهاد والتعمُّل للّحوق، وهو ما أفادته الإضافة الصرفية، وهو ما يميّزه عن باقي المصادر من هذه المادة، فتُفسّر به مصدريته، فإذا ذُكر هذا المدلول - من إصلاح أو إزالة لبس أو تكميل نقص - الذي دلَّت عليه مصدريته، لم يبق من مدلول الكلمة سوى أصل مادتها، فتُفسَّر به. ٣ - حصر التعريفان موضوع الاستدراك في القول، سواء في المستدرَك عليه، أو في المستدرَك به. وعليه فلا تدخل الأفعال في الاستدراك بالمعنى الاصطلاحي في هذين التعريفين، وسبب ذلك في التعريف الأول يُقال فيه ما قيل في الملاحظة الثانية في المنهج الأول، أما السبب في التعريف الثاني فلعله راجعٌ إلى طبيعة البحث، فهو يبحث في استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى، فمحلّ بحثه هو في الأقوال التي قيلت في تفسير الآيات، وإلاّ فالاستدراك عمومًا يكون بالقول وبالفعل على القول وعلى الفعل (٣). ٤ - ذكر التعريف الأول غرضًا واحدًا من أغراض الاستدراك وهو: رفع التوهم، ويُقال هنا ما قيل في الملاحظة الأولى في المنهج الأول. بينما ذكر التعريف الثاني أغراض الاستدراك الثلاثة وهي: إصلاح الخطأ، وتكميل النقص، وإزالة اللبس. ويُقال هنا في تكميل النقص ما قيل في الملاحظة الخامسة في المنهج الأول.

стр. 40

المنهج الثالث: التعريف به باعتبار علم معين. ومنه: «هو في النحو: رفع التوهم المتولد من كلام سابق بلفظة (لكنّ) أو (لكن) أو (على) أو ما يقوم مقامها من أدوات الاستثناء» (١). ومعناه في الأصول هو نفس معناه في النحو، وذلك عند الكلام على معاني الحروف (٢). ومنه: «رفع توهم يتولد من الكلام السابق رفعًا شبيهًا بالاستثناء، وهو معنى (لكن)، على أن تكون هناك نكتة طريفة لتحسنه وتدخله في البديع، وإلا فلا يُعد منه» (٣)، وهو اصطلاح البلاغيين. التعريف المُختار للاستدراك في الاصطلاح: قبل أن أعرض ما أقترحه تعريفًا اصطلاحيًّا للاستدراك أُحدد مسار التعريف ووجهته بأمور: الأمر الأول: راعيتُ في التعريف الاصطلاحي ما اخترتُه في المبحث اللغوي، ويتلخّص الاختيار في ثلاثة أمور: - مناسبة معنى (التلافي) للمعنى الاصطلاحي. - ترجيح معنى التسبب والاجتهاد والتعمُّل للزيادة الصرفية (الألف والسين والتاء) على أصل المادة.

стр. 41

- تعدية الفعل، وليس لزومه. الأمر الثاني: قصدتُ من التعريف أن يكون مفهومًا شاملاً لهذا اللفظ فيما يستعمله العلماء - في مختلف الفنون - بمعنى التلافي في الأعمال، سواء كانت أقوالاً أو أفعالاً؛ ليسهُل تقييده في علم من العلوم بما يُناسب المفهوم المراد. الأمر الثالث: قصدتُ من التعريف أن يشمل الاستدراك الذي دافعه عيبٌ في العمل السابق، والاستدراك الذي دافعه تقويم نظر الناظر للعمل؛ خشية حصول خطأ في التصوّر، أو عيب في غير مَعيب. وبعدُ، فأستفيدُ مما سبق من المباحث اللغوية والمناهج في التعريف الاصطلاحي للفظ ومن المناقشات والاختيارات؛ لأستخرج تعريفًا اصطلاحيًّا للاستدراك، فأقول هو: تلافي خللٍ واقعٍ أو مُقدّرٍ؛ لإنشاء نفعٍ أو تكميله في نظر المتلافي. وأقرر - بعد التعريف - دلالات ألفاظه بما يلي: أولاً: لفظ (تلافي) فيه: ١ - تعريف المصطلح بملاحظة مصدريته، وليس بإقامة المفعول مقامه، وليس بآليته في الوقوع، وهذا أسلم في التعريف؛ لأنه أقرب إلى الطبيعة اللغوية للفظ، وللفرق بين الحدث والمُحدَث، وبين الحدث وكيفية حدوثه؛ فالمحُدَث لازمُ الماهية وليس هو الماهية، وكذلك كيفية الحدوث، فلم يُناسب جعل ذلك جنسًا في التعريف. ٢ - تفسير اللفظ بالمعنى المرادف؛ فالتلافي فسّرتْهُ المعاجم بالتدارك (١)، وكذلك فُسّر الإصلاحُ بالتلافي (٢). ٣ - دلالة اللفظ - باللزوم - على:

стр. 42

- مُستدرِكٍ ومُستدرَكٍ ومُستدرَكٍ عليه، فالتلافي حدَثٌ لا بد له من مُحدِث، وإذا حصل التلافي لزم في تصوّر حصوله: وجود مُتلافَى - وهو الخلل الذي في المُستدرَك عليه -، ووجود مُتلافىً به - وهو المُستدرَك -. - موقع الاستدراك من الزمن وهو (البَعديّة)، لأنه لا يُتلافى شيءٌ إلا بعد وقوع شيء، أو توقّع وقوعه، فيُنزّل منزلة الواقع. ثانيًا: لفظ (خللٍ): يمثّل موضوعَ الاستدراك. وهو شامل لكل ما يُمكن أن يكون عيبًا، من خطأٍ أو نقصٍ أو إيهام، فيشمَل متَعلّقات أغراض الاستدراك الثلاثة. وهو شامل للأقوال والأفعال، وقد جاء في اللغة استعمال الاستدراك فيهما، ولا مانع من تصور ذلك، وهو واقع، أما في استعماله في القول فهو واضح مما سبق من مباحث لغوية واصطلاحية، وأما في استعماله في الفعل فمنه قول زهير: تداركتما عبسًا وذبيان بعدما ... تفانوا. . . . (١) أي تلافيتما أمر هاتين القبيلتين بالصلح بعدما تفانوا بالحرب (٢). ثالثًا: لفظ (واقعٍ أو مقدّرٍ): وصفان للخلل، وبالوصف بهما يشمل التعريفُ الاستدراكَ دفعًا ورفعًا: فالدفع يكون بابتداء الاستدراك على ما يُتوقّع من مبادرة المستفيد إلى عيب العمل - محل البحث -، والرفعُ يكون بالاستدراك على ذات العمل لما حصل فيه من خلل.

стр. 43

رابعًا: لفظ (لإنشاء نفعٍ أو تكميله): فيه الغرض من الاستدراك وهو يتمثّل في اتجاهين: إنشاء النفع، وتكميل النفع. والنفعُ يتمثّل في: تصحيح الخطأ، وتكميل النقص، ودفع التوهم، وهذا الأخير يُعبّر عنه بإزالة اللبس. فإنشاءُ النفع هو تصحيح الخطأ، لأنه بالخطأ لا يحصُل نفعٌ من العمل، وتكميل النفع هو إكمال النقص؛ لأن العمل المُستدرك عليه قد أتى بالنفع ولكنه ناقص يحتاج لتكميل. أما دفعُ التوهم: فإن كان سببُ اللبس ناشئًا من العمل المستدرك عليه كان من قبيل تكميل نفعه، وإن كان سبب اللبس فهمَ المستفيد فيكون من قبيل إنشاء النفع، ويكون المُستدرَك عليه هو عمل المستفيد لا العمل الذي أراد الاستفادة منه. خامسًا: لفظ (في نظر المتلافي): هذا قيد للتلافي، وهو يُفيد عدم التلازم بين صحة المستدرَك وصحة إطلاق الماهية على العمل الاستدراكي، فالمعتبر في ماهية المصطلح هو نظر المستدرِك، وعليه فقد يكون ما استَدرك به مُستدرَكًا عليه فيه، وهذا الاستدراك الثاني لا يلزم منه خطأ الاستدراك الأول، بل يُقال في ماهيته ما قيل في الأول، وهكذا في استدراك ثالث ورابع ... المسألة الثالثة: تعريف الفقه لغة . الأصل الذي اقتصرت عليه أكثر المعاجم في معنى الفقه هو: الإدراك والعلم والفهم والفطنة. (١)

стр. 44

و (فقِه) بكسر عينه: فَهِم، و (فقَه) بفتح عينه: سبق إلى الفهم (١)، و (فقُه) بضم عينه: صار الفقه له سجية، بمعنى ملكة راسخة في النفس، وطَبْع لها. (٢) المسألة الرابعة: تعريف الفقه اصطلاحاً . مرّ مصطلح (الفقه) بمراحل، في كل مرحلة منها يدلّ على معنى (٣)، وسأسلك هنا سبيل الاختصار والاختيار، بالاقتصار على ما يخدم التصور الصحيح لمصطلح (الاستدراك الفقهي). فالفقه عُرّف باعتبار الملكة القائمة في النفس (٤) بأنه: «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية» (٥). وشُرح التعريف شرحًا مفصّلاً في كتب

стр. 45

أصول الفقه (١) مما يُغني عن الإطالة بشرحه هنا، ولكن أشيرُ هنا إلى أهم دلالاته في مسار مبحثنا: - أن التعريف ارتكز على مفهوم الفقه من حيث إنه ملكة في النفس، وهو إطلاق من إطلاقات مصطلح (الفقه)، فلفظ (العلم) في التعريف أتى بمعناه المصدري. - أن هذه الملكة كائنة في مجال معين، وهو فروع الدين، وليس علم العقائد، فالعلم بها لا يُسمى فقهًا اصطلاحًا، وإن كان قبل الاصطلاح يُطلق عليه، كما في كتاب (الفقه الأكبر) المنسوب إلى أبي حنيفة ﵀. من جانب آخر نجد أن (الفقه) أُطلق أيضًا على المعلوم - وهو المسألة من علم الفروع - (٢)، وعلى الفن المُدوَّن (٣)، فصَارَ علمًا على علمٍ معين، على سبيل العرف (٤).

стр. 46

المطلب الثاني: تعريف الاستدراك الفقهي باعتبار المعنى اللقبي . قبل استنتاج تعريف (الاستدراك الفقهي) مصطلحًا، يلزم النظر في أمرين: - في استعمال الفقهاء للفظ (استدراك)، وما تصرّف منه. - وفي ما يفيده وصف الاستدراك بـ (الفقهي). وما تحصّل لي من استعمال الفقهاء للفظ الاستدراك يمكن تصنيفه إلى أربعة استعمالات: الاستعمال الأول: الاستعمال بالمعنى اللغوي . مثاله قول الشافعي ﵀ عن القرآن: « ... فحق على طلبة العلم بلوغ غاية جُهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله في استدراك علمه نصًّا واستنباطًا ... » (١). الاستعمال الثاني: الاستعمال باعتبار المعنى النحوي والأصولي . مثاله ما جاء في (حاشية الدسوقي على الشرح الكبير): «(قَوْلُهُ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْإِخْلَالِ بِمَا ذُكِرَ إلَخْ) عَلَى هُنَا لِلِاسْتِدْرَاكِ بِمَعْنَى لَكِنْ» (٢). الاستعمال الثالث: الاستعمال بمعنى التلافي بالإصلاح في عمل المكلَّف . فيُعرّف بأنه: «إصلاح ما حصل في القول أو العمل من خلل أو قصور أو فوات» (٣). وهذا التلافي والإصلاح عند الفقهاء على قسمين: عملي، وقولي (٤). فالعملي يتجلّى في قسم العبادات، حيث يقع خلل في العبادة فيستدركه المكلف بفعلٍ شرعه الشارع لذلك.

стр. 47

ولاستدراك الخلل الواقع في العبادة وسائل في الشريعة (١)، كالقضاء - مثلاً - حيث عُرّف بأنه: «استدراكُ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ» (٢). ومثاله ما جاء في (كشاف القناع) ممزوجًا بمتن (الإقناع): «(فإن لم يصمها) أي الثلاثة أيام (فيها) أي في أيام منى ولا قبلها (ولو لعذر) كمرض (صام بعد ذلك عشرة أيام) كاملة؛ استدراكًا للواجب، (وعليه دم) لتأخيره واجبًا من مناسك الحج عن وقته» (٣). والقولي يكون في إخبارات وإنشاءات المكلّف، حيث يُخبر بشيء أو ينشئ عقدًا، ثم يبدو له غلط أو قصور فيستدرك ذلك (٤). وعلى هذا الاستعمال جرى كلام الفقهاء في بحث ألفاظ المكلَّف في قسم المعاملات، حيث يذكرون لفظَ المكلَّف الذي يحتوى الاستدراك، وأثرَ استدراكِه على عقده. مثاله ما جاء في (المبسوط): «(قال) ولو قال: أنت طالق واحدة لا بل اثنتين. فهي طالق ثلاثًا إن كان دخل بها؛ لأن كلمة (لا بل) لاستدراك الغلط بإقامة الثاني مقام الأول والرجوع عن الأول، وهو لا يملك الرجوع عما أوقعه، ولكنه يتمكن من إيقاع أخريين إذا كان قد دخل بها، فتطلق ثلاثًا لهذا» (٥).

стр. 48

الاستعمال الرابع: الاستعمال بمعنى تلافي خلل باعتبار الصنعة الفقهية . وهو أسلوب من أساليب النقد والبيان والتقويم في الصنعة الفقهية، وهو المعنى المقصود في هذا البحث. مثاله: ما جاء في (حاشية العدوي على شرح الخرشي): «(قَوْلُهُ لَكِنَّ الَّذِي فِي التَّوْضِيحِ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى كَلَامِ تت (١) لِبَيَانِ أَنَّهُ نَاقِصٌ» (٢). بقي النظر في وصف الاستدراك بـ (الفقهي)، فمصطلح (الاستدراك الفقهي) مركب وصفي، والصفة في هذا المركَّب صفة مُقيِّدة، أفادت تقييد موصوفها بعلم معين هو علم الفقه؛ لأن الاستدراك مصطلحٌ في غير علم الفقه أيضًا، كما تبين ذلك في المنهج الرابع من مناهج التعريف الاصطلاحي. وفي ختام المبحث هنا تأتي ثمرته، وهي التعريف الاصطلاحي للاستدراك الفقهي، فبعد مراعاة ما سبق من اختيارات ومناقشات في البحث اللغوي والبحث الاصطلاحي لكل من اللفظين (الاستدراك) و (الفقه) أستفيدُ من ذلك لاستخلاص تعريف (الاستدراك الفقهي) فأقول: الاستدراك الفقهي هو: تلافي خللٍ واقعٍ أو مقدّرٍ، بعملٍ فقهي، لإنشاء نفعٍ أو تكميله في نظر المتلافي.

стр. 49

وتقرير دلالات ألفاظ التعريف لا تختلف عن تقرير دلالات ألفاظ التعريف الاصطلاحي المُختار للاستدراك، إلا أن هذا التعريف زاد عليه بلفظ (بعمل فقهي) وهو يُفيد اختصاص هذا المصطلح بالشأن الفقهي، مراعاةً للوصف الذي في تركيبه الوصفي. والخلل الواقع أو المقدّر لا يلزم منه أن يكون في عمل فقهي، فقد يكون في عمل غير فقهي لكن يُستدرَك عليه من الناحية الفقهية. والعمل الفقهي شاملٌ للمَلكة الاستنباطية، وللعلم المدوّن، كما سيظهر ذلك في فصل الأنواع (١).

стр. 50

المبحث الثاني: ألفاظ مشابهة للاستدراك الفقهي . وفيه المطالب التالية: المطلب الأول: النقد. المطلب الثاني: التنكيت. المطلب الثالث: الزيادات. المطلب الرابع: التحرير. المطلب الخامس: التنقيح. المطلب السادس: التهذيب. المطلب السابع: التصحيح. المطلب الثامن: التعقُّب والتعقيب. المطلب التاسع: التعليق.

стр. 51

تشترك اصطلاحاتٌ أخرى مع الاستدراك الفقهي في سلوك التقويم وتغيّي الإصلاح في الصنعة الفقهية، وقد تتداخل هذه المصطلحات في ماهية أو هدف معه. أَعرض في هذا المبحث ما بدا لي منها مما فيه شبه بالاستدراك الفقهي، مبيّنةً وجه الشبه، ووجه الفرق بينها وبينه، بادئةً بأقربها اشتباهًا بالاستدراك - فيما أحسب - في المطالب التالية: المطلب الأول: النقد . لمناقشة الشبه والاختلاف بين النقد والاستدراك في الفقه، يلزم - قبلها - التعرُّض لحقيقة النقد، فيتم البحث هنا في ثلاث مسائل على النحو التالي: المسألة الأولى: معنى النقد لغة: مادة (ن ق د) ترجع معانيها إلى «إبراز شيء وبُروزه» (١)، ومنه: نَقْدُ الدِّرهم، وهو أن يُكشف عن حاله في جودته أو غير ذلك (٢). وجاء (نَقَدَ) بمعنى (نَاقَشَ)، وعليه معنى: نقَد الكلام، وناقده في الأمر (٣). وجاء في المعاجم ما يُشْعِرُ باتجاه عُرفيّ في معنى النقد، يُخصِّصُه بإبراز المعائب دون المحاسن، فخرج بهذا عن مُطلق الإبراز الذي هو أصل المادة، وبه فُسّر النقد في قول أبي الدرداء - ﵁ «وإن نقدتهم نقدوك» (٤): أي إن عِبْتَهم واغتبتهم (٥).

стр. 52

المسألة الثانية: معنى النقد اصطلاحًا . اطلعتُ على محاولتين لتحديد المراد من مصطلح (النقد الفقهي)، باعتباره منهجًا: - محاولة راعت مطلق معنى الإبراز، الذي يقتضي التمييز بين الجيد وغيره، حيث قال الباحث: «أما معنى النقد الفقهي الذي استعملته في ثنايا الدراسة فهو: العملية البحثية التي تروم تحرير مسائل المذهب، سواء من حيث المرويات والأقوال، أو من حيث توجيهها والتخريج عليها، بتمييز أصحها وأقواها من ضعيفها ومرجوحها، وذلك باعتماد طرق معلومة، ومصطلحات مخصوصة» (١). - ومحاولة راعتْ المعنى العرفي المُشار إليه في المعنى اللغوي، حيث قال الباحث: «والذي أراه في معنى النقد أنه يرجع إلى مطلق التغاير في الرأي، فنقد الفكر أو الرأي يتبادر منه في العادة إبداء مواضع القصور أو التقصير فيه» (٢).

стр. 53

ومنهج (النقد الفقهي) لا يزال في بداية تشكُّله، ومن خلال ما استطعتُ الاطلاع عليه من دراسات (١) حول هذا المنهج، أدوّن: المسألة الثالثة: جوانب الشبه والاختلاف بين النقد الفقهي والاستدراك الفقهي . إن الفرق بين النقد الفقهي والاستدراك الفقهي يظهر من تحديد العلاقة بينهما، ويظهر لي أن العلاقة بينهما هي علاقة اللازم والملزوم (٢)، فالاستدراك ملزوم، والنقد لازم. ذلك أن الاستدراك إصلاحٌ وتلافٍ يقتضي وجود نقد قبله، أما النقد فلا يقتضي تلافيًا في ذاته وإن كان ينبغي أن يكون هدفًا له، وعليه فكل استدراك يلزَمُ نقدًا، ولا يلزم من النقد استدراكٌ، فالنقد هو خطوة سابقة للاستدراك ولازمة له، ولا يلزم من النقد أن يلحقه استدراك. والله أعلم. مثال توضيحي: في (الموطأ): «عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن (٣)، أنه قال: سألت سعيد بن المسيب (٤): كم في أصبع المرأة؟ فقال: عشر من الإبل. فقلت: كم في أصبعين؟ قال:

стр. 54

عشرون من الإبل. فقلت: كم في ثلاث؟ فقال: ثلاثون من الإبل. فقلت: كم في أربع؟ قال: عشرون من الإبل. فقلت: حين عظم جُرحها، واشتدت مصيبتها نقص عقلها (١)؟ ! فقال سعيد: أعراقي أنت؟ فقلت: بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم. فقال سعيد: هي السنة يا ابن أخي» (٢). فقول ربيعة: «حين عظم جُرحها، واشتدت مصيبتها نقص عقلها» نقدٌ وليس استدراكًا؛ لأنه لم يتلافَ بهذا النقد شيئًا، بل هو مناقشة بإبراز موضع في الحكم ظاهرُه معيبٌ عقلاً، أما قول سعيد: «هي السنة يا ابن أخي» فهو استدراك، لأنه تلافى به توهّمَ خطأِ الحكم في المسألة، بأن لها دليلاً.

стр. 55

المطلب الثاني: التنكيت . لمناقشة نواحي الشبه والاختلاف بين التنكيت والاستدراك الفقهي، يلزم - قبلها - التعرُّض لحقيقة التنكيت في اللغة والاصطلاح، وعليه فيتم البحث هنا في ثلاث مسائل على النحو التالي: المسألة الأولى: حقيقة التنكيت لغة . تُفيدنا المعاجم بمعنيين بارزين لمادة (نكت): المعنى الأول: تأثيرٌ يسيرٌ في الشيء. وعلى هذا المعنى النّكْتُ في الأرض بقضيب؛ لأنه يؤثِّر بطرفه فيها (١). ومنه (النُّكْتة) كالنُّقطة وزنًا ومعنى، وهي شبه وسخ في المرآة والسيف ونحوهما، والنُّقطة السوداء في شيء صافٍ، وكلُّ نَقْطٍ في شيء خالف لونه: نكْتٌ (٢). المعنى الثاني: الإلقاء. وعلى هذا المعنى قولك: نكَت كنانته، أي ألقاها ونكبها. وطعنه فنكته على رأسه: أي ألقاه (٣). وفي (مقاييس اللغة) أنّ قولك: «نكتُّه، إذا ألقيتَه على رأسه فانْتَكَت» لعله «من أثرٍ يؤثِّره في الأرض»، وجعله مما يُقاس على المعنى الأول (٤).

стр. 56

والمعنى الأول هو المعنى المناسب للمعنى الاصطلاحي؛ لأن المعاجم خرّجته عليه؛ ففي (تاج العروس): «النُّكتة هي اللطيفة المؤثّرة في القلب، من النَّكْت، كالنقطة من النَّقْط» (١). وفي (أقرب الموارد): «النُّكتة ... المسألة الدقيقة، أخرجت بدقة نظر وإمعان فكر، من نكت رمحه بالأرض إذا أثر فيها؛ لتأثر الخواطر باستنباطها ... » (٢). كما تُطالعُنا المعاجم أنّ النُّكْتة أُطلقت على المسألة الدقيقة لعلاقة مجازية (٣)، ولحظْتُ أنها تشير إلى علاقتين: العلاقة الأولى: هي نقل المعنى المحسوس إلى معنى غير محسوس، فالقرع في الأرض بقضيب ونحوه مؤثّرٌ محسوس، خلّف أثرًا محسوسًا، شُبهت به المسألة الدقيقة في العلم؛ لأنها تؤثر في القلب والنفس، وهو أثر غير محسوس. يُفيد هذا تعليلُهم في تخريجها على معنى التأثير بأنها تؤثر في النفس (٤) قبضاً أو بسطاً (٥). ومنه قولهم: نكت في العلم بموافقة فلان أو مخالفة فلان: أي أشار (٦). العلاقة الثانية: علاقة الملازمة؛ لما يحصل من نكت الأرض غالبًا عند التفكير في المسألة الدقيقة، كما يفعل المهموم عند تفكره في أمره. قال في (التاج): «وتطلق على المسائل الحاصلة بالنقل المؤثرة في القلب، التي يقارنها نكتُ الأرض غالبًا بنحو

стр. 57

الإصبع» (١). ويبدو لي - والله أعلم - أنه لأجل هذه العلاقة فُسر الفعل (ينْكُت) بـ (يفكّر ويحدث نفسه) (٢). المسألة الثانية: حقيقة التنكيت اصطلاحًا . ما توفّر لدي من مراجع في شأن التعريف الاصطلاحي يمكن أن أقسّمه إلى منهجين: المنهج الأول: لم يُقصد منه تحرير تعريف التنكيت أو النُّكتة، وإنما الإشارة إلى المعنى العُرفي عند العلماء بذكر بعض لوازم هذا المعنى. وهو ما تُطالعنا به المعاجم، أو الكلام العرَضيُّ للعلماء في مؤلفاتهم؛ لكشف المراد من الكلمة عند ورودها في الكلام. من ذلك ما يلي: تعريف (التاج): « ... وتطلق على المسائل الحاصلة بالنقل المؤثرة في القلب» (٣). يعني النكتة. وتعريف (أقرب الموارد): «النُّكتة ... المسألة الدقيقة أخرجت بدقة نظر وإمعان فكر» (٤). وأورد تعريفًا آخر فقال: «وقيل: النكتة من الكلام الجملة المنقحة المحذوفة الفضول» (٥). وتعريف (المعجم الوسيط): «الفكرة اللطيفة المؤثرة في النفس» (٦). وعرفها بتعريف آخر فقال: «المسألة العلمية الدقيقة يُتوَصَّل إليها بدقة وإنعام فكر» (٧).

стр. 58

وعرّفها ميّارة (١) بقوله: «والنُّكَت جمع نكتة ... وهي التنبيه على ما ينبو عنه النظر ولا يُدرك بسرعة» (٢). وتُفرّق المعاجم بين اللطيفة والنكتة في المعنى الاصطلاحي، بأن الأولى أخص حيث تُطلق على ما يورث في النفس أثر الانبساط (٣). وأستفيد مما سبق؛ لاستنتاج صفات النكتة في المعنى الاصطلاحي، وهي: ١ - الدقة؛ فلا تكون واضحة لكل أحد. ٢ - وبالتالي تحتاج إلى إمعان فكر؛ فليست سهلة الاستنباط على كل أحد. ٣ - التنقيح؛ فليست كلامًا مُسهبًا، بل تجمع المعاني المركّزة في ألفاظ قصيرة. ٤ - التأثير في النفس، ويبدو لي أن هذا التأثير هو تنبيه الغافل عن مرامي الكلام، أو كشف وَهمٍ يعتريه منه، ونحو هذا. كما تُفيدُ المعاجم أن النُّكتة بتلك الصفات تُطلق على الفكرة، كما تُطلق على المسألة. المنهج الثاني: استهدف تعريف التنكيت أو (النكتة) في اصطلاح العلماء.

стр. 59

وبعض هذه التعريفات في هذا المنهج لا يخرج عن ما أفادت به المعاجم، منه ما في (التعريفات): «النكتة هي مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان فكر» (١). أما القصدُ إلى تعريف (التنكيت) منهجًا في التقويم والبيان والنقد فلم أجد - فيما توفر لدي - إلا تعريفين: التعريف الأول: «والتنكيت: اللطائف المستخرجة بدقة النظر وإتعاب الفكر في تحقيقها، وفيها من الشرح والتحقيق ما لا تظفر به في غيرها» (٢). ويُلاحظُ في التعريف جَعْل (اللطائف) جنسًا للمُعرّف، وهذا فيه: - تعريف التنكيت بناتِجِه، والتعريفُ بالحَدَث أولى. - قد تقدم أن اللطيفة أخص من النكتة، حيث تطلق على ما يورث نوع انبساط. التعريف الثاني: تعريف الباحثة د. حنان الحازمي، حيث استنبطت تعريفًا لكتب التحرير والتنكيت، فقالت: «هي الكتب التي اشتملت على المسائل الدقيقة، التي استخرجت بإمعان، وكانت المؤثرة في القلب، مع تحرير المسألة عما تلتبس به» (٣). ويُلاحظ في التعريف ما يلي:

стр. 60

- لم تتعرّض للتنكيت منهجًا في التأليف، ولكن عرّفت الكتب التي احتوتها. - جمعت بين كتب التحرير وكتب النكت في تعريف واحد. ولعل الأمرين راجعان إلى طبيعة بحثها؛ حيث تحقق كتابًا في التحرير وهو يحتوي نكتًا. تعريف التنكيت اصطلاحًا: وقبل اقتراح تعريف لمصطلح التنكيت، أحدد مساره، ووجهته بأمرين: ١ - هدف التعريف هو بيان التنكيت منهجًا في النقد والبيان والتقويم. ٢ - منهج التنكيت مُتّبعٌ في علم الفقه وفي غيره أيضًا (١)، ويهتم التعريف هنا بمُلاحظة استعماله عند الفقهاء، مع الاستفادة من سلوك هذا المنهج عند غيرهم. وبعدُ، فأستفيدُ من مجموع ما سبق، ومن تأمل بعض تصرفات العلماء (٢) في هذا المنهج لأُعرّف التنكيت بأنه: "إبرازُ مسألةٍ دقيقةٍ، بعبارةٍ موجزةٍ، ينشأ منه نفعٌ من عمل سابق، أو يكمله، في نظر المُبرِز". وأقرر دلالات ألفاظ التعريف بما يلي:

стр. 61

أولاً: لفظ (إبراز): فيه أن المسألة قبل هذا العمل كانت خفية على الناظر فيه - في نظر المبرز -، ويشمل ما يُتوقع خفاؤه؛ لأن المتوقّع يُنزل منزلة الواقع. ثانيًا: لفظ (مسألة): هي التي يُطلق عليها (النّكتة)، والتنكيت هو إبرازها. ولا يلزم أن تكون فقهيةً، بل يُمكن أن تكون غير فقهية يُخدم بها الشأن الفقهي في المُنكّت عليه. ثالثًا: لفظ (دقيقة): وصف للمسألة، يخرج به المسائل الجلية، فهي بارزة لا تحتاج إلى إبراز، إلا في حالات نادرة، والنادر لا حكم له. والوصف بالدقّة يُشير إلى أنّ استخراجها يحتاج إلى تأمل. رابعًا: لفظ (بعبارة): يشمل المقول والمكتوب، وهي صيغة الإبراز. خامسًا: لفظ (موجزة): وصف للعبارة، يُخرج العبارات المُطنبة. وفي ذلك قول السرخسي (١) في (نكته على زيادات الزيادات): « ... ثم بالاقتداء بالسلف ﵏ في الاكتفاء بذكر المُؤْثَرات (٢) من النكات، مع ترك التطويل بكثرة العبارة، كما هو طريقة الماضين من علماء الدين ﵏» (٣). وصفة الإيجاز واضحة في كتب النكت.

стр. 62

سادسًا: لفظ (ينشأ منه نفع): فيه دلالة على الهدف الأول من التنكيت، والضمير في (منه) عائد إلى الإبراز. وإنشاء النفع له صور كثيرة، منها تصحيح الخطأ، أو ذكر ما أُغفل، أو مقارنة، أو إيرادات مشكلة، أو عبارات نفيسة تتعلق بالمسألة ... ونحو ذلك. جاء في (نُكت النبيه) مبيِّنًا سبب تنكيته على (تصحيح التنبيه) (١): « ... ولما كثر خطؤه فيما خطأه، وإخلاله فيما وطأه؛ عمدت إلى بيان ما أغفله، وتصويب ما أعضله ... » (٢). وفي (نكت ابن النقيب على المنهاج): «فهذا تبيين لطيف ... يستعين به من يدرس الكتاب على ... تعريف الصواب ... وأنبه في كثير مما جزم به على ما فيه من خلاف، وأقايس بينه وبين أصله ... وأذكر ما حضرني مما يرد من الأسئلة ... وأدرج فيه ما تيسر من محاسن شرحه لشيخنا ... تقي الدين السبكي (٣) ... والشيخ ... جمال الدين عبد الرحيم

стр. 63

الإسنوي (١) ... وأذكر في كل باب ... ما في (التنبيه) نصًّا مما ليس في (المنهاج)» (٢). ثامنًا: لفظ (من عمل سابق): الجار والمجرور متعلق بـ (نفع)، وفيه دلالة على أن أعمال التنكيت تكون مرتبطة بأعمال سابقة، ولا تكون مستقلة. تاسعًا: لفظ (أو يكمله): هذا الهدف الثاني من التنكيت، وهو يُثبت للعمل السابق نفعًا ولكنه يحتاج لتكميل، كتصوير المسائل، أو بيان لفظ، أو تقييد مطلق، أو تخصيص عام ... ونحو ذلك. كما في (نكت ابن النقيب): «فهذا تبيين لطيف على غالب ألفاظ المنهاج ... يستعين به من يدرس الكتاب على إيضاح لفظه، ... وأوضح فيه ما يحتاج إليه من تصوير مسائله وتقرير إشاراته» (٣). وفي (النكت على عمدة الأحكام): «الثاني (٤): تحرير ألفاظ يقع فيها التصحيف، ويؤدي بها ذلك إلى التحريف، ولا يجد الإنسان سبيلاً إلى عرفانها ولو كشف عليها، ولا في كلام أحد من الشراح الإشارة إليها» (٥).

стр. 64

عاشرًا: لفظ (في نظر المُبرز): فيه عدم التلازم بين الخفاء الحقيقي للمسألة أو النفع الحقيقي أو تكميله فيها وبين إطلاق الماهية على العمل، بل يكفي في إطلاقها أن المبرِز يرى ذلك. المسألة الثالثة: جوانب الشبه والاختلاف بين التنكيت والاستدراك الفقهي . يتقارب المنهجان كثيرًا، فهما يتداخلان في كثير من الصور، ويتفقان في الأهداف، ولكن لعلي أُبرز أهم جوانب الشبه والاختلاف بينهما فيما يلي: فمن وجوه الشبه: ١ - ارتباط عمل المنكِّت وعمل المستدرِك بعمل سابق. ٢ - الهدف من التنكيت والاستدراك إنشاء النفع أو تكميله. ومن وجوه الاختلاف: ١ - أن الاستدراك تلافٍ في المقام الأول، فما كان من إبراز لمسائل دقيقة لم يكن في إبرازها تلافٍ فليس باستدراك، كإضافة قول أو مسألة تتعلق بالمسألة محل النظر يصعب على المستفيد غالباً الحصول عليها، فقرّبها له المُنكِّت. فيكون التنكيتُ من هذه الجهة أعم؛ ولذلك يُطلق الاستدراك على إبراز المسائل التي في إبرازها تلافٍ. من ذلك ما في (النجوم الزاهرة) عن مؤلفات الإمام النشائي (١): «وعلق على (التنبيه) استدراكات» (٢). وهذه الاستدراكات هي التي جمعها في (نكت النبيه على أحكام التنبيه)، فسمّاها (نُكَتًا).

стр. 65

وبالرجوع إلى مقدمة (نكته) نجد أن هذه النكت استدراكات على استدراكات النووي (١) في (تصحيح التنبيه)، حيث قال: « ... ومما وُضع عليه (٢) لكمال نفعه وتكميل جمعه، تصحيح الشيخ أبي زكريا النووي ... ولما كثر خطؤه فيما خطأه، وإخلاله فيما وطأه، عمدت إلى بيان ما أغفله، وتصويب ما أعضله ... » (٣). وعلى هذا جرى كلام المحلي (٤) في شرحه للمنهاج عند قول النووي: « ... ومنها مسائل نفيسة أضمها إليه (٥) ينبغي أن لا يُخلى الكتاب منها ... » حيث قال: «صرح بوصفها الشامل له ما تقدم [أي في قوله: من النفائس المستجادات] (٦)، وزاد عليه: (ينبغي إلخ) إظهارًا للعذر في زيادتها، فإنها عارية عن التنكيت بخلاف ما قبلها» (٧). قال

стр. 66

الشربيني (١) - بعد أن ساق كلام المحلي - معلّقًا: «أي أنه لا تنكيت على المصنف في زيادة فروع على ما ذكره من الفروع ... بخلاف التنبيه على القيود واستدراك التصحيح، فإن التنكيت يتوجه على من أطلق في موضع التقييد، أو مشى على خلاف المصحح، وغير ذلك» (٢). ويظهر لي أن هذا منهما من باب إطلاق العام على بعض أفراده؛ لأن المقام مقام مقارنة بين الزيادة والتنكيت، كما يُساعد على هذا الفهم تعدية التنكيت بـ (على)، وتفسير المُحشِّي قليوبي (٣) التنكيت بالاعتراض (٤). والله أعلم ٢ - اعتماد التنكيت على إيجاز العبارة وعدم الإسهاب، وذلك ليس شرطًا في الاستدراك.

стр. 67

ومثال صحة إطلاق المصطلحين تعليق ابن النقيب (١) في (نُكته على المنهاج): «قوله (٢): (ووفى بما التزمه) فيه نظر، فإن كثيرًا ما يَستدرِك عليه بأنه خالف الأكثرين» (٣). ومثال صحة إطلاق التنكيت دون الاستدراك ما جاء في (النكت والفوائد السنية): «قوله (٤): (ولا يستحلف في العبادات، ولا في حدود الله تعالى). وعند الشافعي وأبي يوسف (٥): يستحلف في الزكاة ونحوها، لأنها دعوى مسموعة، يتعلق بها حق آدمي، أشبه حق الآدمي، واختاره ابن حمدان (٦) في الزكاة، ووجه قولنا: أنه حق له أشبه الصلاة

стр. 68

والحد» (١). فلم يُعتبر إبراز هذا استدراكًا؛ لأنه ليس تلافيًا لعمل (المحرر)؛ لأن (المحرر) هو في أصول المسائل في الفقه الحنبلي، وتحرير قول الشافعي وأبي يوسف واختيار ابن حمدان في المسألة ليس داخلاً في عمله، فلا يُتلافى به، ولكن في ذكره فائدة لطيفة تُنشئ نفعاً للناظر في (المحرر)، كأن يعرف من يوافق الفقيه الحنبلي ابن حمدان في قوله المخالف للمذهب!

стр. 69

المطلب الثالث: الزيادات . لمناقشة الشبه والاختلاف بين الزيادات والاستدراك الفقهي، يلزم التعرُّض لحقيقة الزيادات في اللغة والاصطلاح، وعليه فيتم البحث هنا في ثلاث مسائل على النحو التالي: المسألة الأولى: حقيقة الزيادات لغة . الزيادات جمع زيادة، والزيادة مصدرٌ من زاد، وتُجمعُ الزيادة على زيادات وزوائد وزَيايِد وزَيائِد (١). ومادة «(الزاء والياء والدال) أصلٌ واحدٌ يدل على الفَضْل» (٢). وعلى هذا المعنى تعريف (التوقيف) للزيادة بأنها: «استحداث أمر لم يكن في موجود الشيء» (٣). وما جاء في (بصائر ذوي التمييز): «أن ينضم إلى ما عليه الشيء شيءٌ آخر» (٤). وتُطالعُنا المعاجم أن وصفها بالمدح أو بالذم لا يُخرجها من الماهية (٥). وتُفيدُنا (الكليات) بأن القياس أن الشيء لا يوصف بالزيادة إلا إذا كان من جنس المزيد عليه، وقد تتحقق الزيادة من غير جنسه استحسانًا (٦). المسألة الثانية: حقيقة الزيادات اصطلاحًا . في استعمال لفظ الزيادة في الاصطلاح تُفيدُنا (الكليات) باستعمالين: - أن الزيادة تُستعمل بمعنى الزائد المُستدرَك، وأنه هو المعنى المشهور.

стр. 70

- أن الزيادة تستعمل فيما به الشيء ويكمل به في عين الكمال (١). ولم أجد فيما توفر بين يدي من مراجع من عرّف الزيادات منهجًا في التأليف في الفقه، ولكن ما تطالعنا به المعاجم وتصرف العلماء في هذا اللفظ يُمكن أن أستفيد منه لأستنبط منه تعريفًا للزيادات، وقبل ذكر التعريف المستنبط أحدد مساره ووجهته بأمور: ١ - راعيتُ في التعريف معنى الزيادات التي هي من جنس المزيد عليه، لأن هذا المعنى هو المناسب للزيادات في المؤلفات، وهو ما تدل عليه تصرفات الفقهاء وغيرهم في التأليف (٢).

стр. 71

٢ - يهدف التعريف إلى تعريف الزيادات النافعة في نظر المُضيف العالم، ولا يدخل فيه الزيادات التي تكون من النُسَّاخ، أو الزيادات المُفتراة المدسوسة على مؤلف الكتاب في كتابه. ٣ - يهدف التعريف إلى تعريف الزيادات باعتبار الصنعة التأليفية في المؤلفات الفقهية. وبعدُ، فأستفيد من مجموع ما سبق لأستنبط تعريفًا للزيادات، فأعرفها بأنها: «مسائلُ فقهيةٌ مُضافةٌ لعملٍ فقهيٍّ سابقٍ، من جنسه؛ ينشأ منها نفعٌ أو يكمُل، في نظر المُضيف». وأقرر دلالات ألفاظ التعريف بما يلي: أولاً: لفظ (مسائل): تعبير عن جنس الزيادات، يُخرج غيرها. ثانيًا: لفظ (فقهية): قيد للمسائل، فلا تدخل غير الفقهية في الزيادات، كالمسائل النحوية أو التاريخية، فهي وإن كانت زيادة بالنظر إلى المعنى اللغوي، ولكن لم يظهر لي دخولها بالمعنى الاصطلاحي عند التأمل في تصرفات الفقهاء. ثالثًا: لفظ (مُضافة): صفة للمسائل تقتضيها طبيعة المعنى اللغوي والتصرف الاصطلاحي للزيادات. رابعًا: لفظ (لعمل فقهي سابق): هذا هو المُضاف إليه الزيادة، وهو يعني أن الزيادات لا تكون مستقلة، بل ترتبط بعمل سابق، إذ لا تكون إلا بذلك تصوُّرًا ووقوعًا. خامسًا: لفظ (من جنسه): عائد الضمير هو العمل السابق، فالزيادة تكون من جنس ذلك العمل، فالزيادات على مؤلَّف في الفقه الحنفي - مثلاً - تكون بمسائل من الفقه الحنفي، وذكر مسائل من غير الفقه الحنفي ليس بزيادة اصطلاحًا، وإن كانت زيادةً لغةً، وهو ما ظهر لي من التأمل في تصرف الفقهاء في الزيادات. سادسًا: لفظ (ينشأ منها نفع): هذه صفة للمسائل المُضافة، تُشير إلى الهدف الأول من الزيادات، وهو إنشاء نفعٍ من إضافتها.

стр. 72

وإنشاء النفع قد يكون تلافيًا، كاستدراك ما فات في العمل السابق ومن صوره زيادات محمد بن الحسن (١) على (الجامع الكبير) في (الزيادات) و (زيادات الزيادات)، وزيادات مالك في (موطئه). وقد لا تكون تلافيًا، كأن تُضاف مسائل هي على غير شرط العمل السابق؛ جمعًا للمسائل في مكان واحد، ومن صوره (النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات) (٢). سابعًا: لفظ (أو يكمل): ضمير الفاعل المستتر عائد على النفع، والمعنى أن يكون في العمل السابق نفعٌ، ولكن يحتاج لإضافة مسائل ليكمل، كزيادة قيد، أو استثناء لم يُذكر في العمل السابق. واللفظ يُشير إلى الهدف الثاني من الزيادات. ثامنًا: لفظ (في نظر المُضيف): الجار والمجرور متعلقان بـ (ينشأ) وبـ (يكمل)، وهو قيد يُفيد عدم التلازم بين الزيادات النافعة حقيقة في نظر كل ناظر وبين إطلاق الماهية، فيكفي في إطلاق الماهية أن تكون الزيادات نافعة في نظر المُضيف.

стр. 73

المسألة الثالثة: جوانب الشبه والاختلاف بين الزيادات والاستدراك الفقهي . سبقني إلى المقارنة بين الاستدراك والزيادة الباحثان: د. عبد العزيز بن مطيع الحجيلي، ود. محمد عليثة الفزي، وانتهيا إلى أن الاستدراكات والزيادات بينهما عموم وخصوص؛ فكل استدراك زيادة، وليس كل زيادة استدراكًا (١). وهي نتيجة لا أرى ما ينافيها - في حال افتراق المصطلحين - بل أجد ما يؤيدها من وجهين: الوجه الأول: تصريح (الكليات) بأن الزيادة تُطلق على المستدرَك، وأنها تُطلق بمعنى آخر (٢). وهذا دليل على أنها أعم من الاستدراك. الوجه الثاني: تصرفات العلماء في استعمال اللفظ تدل على ذلك، فمثلاً كتابا (الزيادات) وَ (زيادات الزيادات) لمحمد بن الحسن ألفهما بعد الجامع الكبير استدراكًا لما فاته (٣). وكذلك عند التأمل في الكتب التي حملت اسم (الزيادات) أو (الزوائد) أو ما تصرّف من المادّة، نجد أن بعض الزيادات يصح إطلاق الاستدراك عليها، وبعضها لا يصح؛ لكونها ليست تلافيًا. ولكن يظهر لي أن عموم الزيادة يختص بحال افتراق اللفظين، أما في حال اجتماعهما يختص الاستدراك بما فيه تلافٍ، وتختصّ الزيادة بما أُضيف ليس بهدف

стр. 74

التلافي، يُشير لهذا قول النووي في (الروضة): « ... وأضم إليه (١) في أكثر المواطن تفريعات وتتمات، وأذكر مواضع يسيرة على الرافعي (٢) فيها استدراكات» (٣). كما يُشير إليه الشربيني في شرحه لقول النووي في (منهاجه): « ... ومنها مسائل نفيسة أضمها إليه ينبغي أن لا يخلى الكتاب منها، وأقول في أولها: (قلتُ)، وفي آخرها: (والله أعلم)». حيثُ قال (٤): «(وأقول في أولها: قلتُ، وفي آخرها: والله أعلم.) لتتميز عن مسائل (المحرر) (٥). وقد قال مثل ذلك في استدراك التصحيح عليه مع أنه ليس من المسائل المزيدة» (٦). وفي موضع قبله فسّر كلامَ المحلي: «وزاد عليه: (ينبغي إلخ) إظهارًا للعذر في زيادتها فإنها عارية عن التنكيت بخلاف ما قبلها» (٧). فقال (٨): «أي أنه لا تنكيت (٩) على المصنف في زيادة فروع على ما ذكره من الفروع، إذ لا سبيل إلى استيعاب الفروع الفقهية، حتى ينكت عليه بأنه لم يذكر مسألة كذا وكان ينبغي أن يذكرها، بخلاف التنبيه على القيود واستدراك التصحيح، فإن التنكيت يتوجه على من أطلق في موضع التقييد، أو مشى على خلاف المصحح، ونحو ذلك» (١٠). والله أعلم.

стр. 75

المطلب الرابع: التحرير . قبل مناقشة وجوه الشبه والاختلاف بينه وبين الاستدراك الفقهي، أبحث معنى التحرير في اللغة والاصطلاح، وعليه فأقسم المطلب على النحو التالي: المسألة الأولى: حقيقة التحرير لغة . يُرجِع (مقاييس اللغة) معنى مادة (الحاء والراء) في المضاعف إلى أصلين: ١ - ما خالف العبودية، وبرئ من العيب والنقص. ٢ - خلاف البرد (١). والشق الثاني من المعنى الأول هو المعنى المناسب للتحرير بالمعنى الاصطلاحي. وعليه فالتحرير: هو تصيير الشيء إلى البراءة من العيب والنقص، بعمل يحصل به ذلك (٢). والمُحرَّر في الاصطلاح يطلق على الكتاب أو الكتابة أو المسألة أو القول. والمعاني التي توفرت لي في تحرير الكتاب والكتابة هي: التحسين، والتخليص، والإصلاح بإصلاح السقط أو غيره، وإقامة الحروف (٣). وهي معانٍ تقتضي تبرئة الكتابة أو الكتاب مما فيهما من عيب أو نقص. ولا مانع من تطبيق هذه المعاني على تحرير
следующие страницы →