← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 132414

الاستدراك الفقهي تأصيلا وتطبيقا

مجمول الجدعاني

Полный текст (596 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٢ - يهدف التعريف إلى تعريف الزيادات النافعة في نظر المُضيف العالم، ولا يدخل فيه الزيادات التي تكون من النُسَّاخ، أو الزيادات المُفتراة المدسوسة على مؤلف الكتاب في كتابه. ٣ - يهدف التعريف إلى تعريف الزيادات باعتبار الصنعة التأليفية في المؤلفات الفقهية. وبعدُ، فأستفيد من مجموع ما سبق لأستنبط تعريفًا للزيادات، فأعرفها بأنها: «مسائلُ فقهيةٌ مُضافةٌ لعملٍ فقهيٍّ سابقٍ، من جنسه؛ ينشأ منها نفعٌ أو يكمُل، في نظر المُضيف». وأقرر دلالات ألفاظ التعريف بما يلي: أولاً: لفظ (مسائل): تعبير عن جنس الزيادات، يُخرج غيرها. ثانيًا: لفظ (فقهية): قيد للمسائل، فلا تدخل غير الفقهية في الزيادات، كالمسائل النحوية أو التاريخية، فهي وإن كانت زيادة بالنظر إلى المعنى اللغوي، ولكن لم يظهر لي دخولها بالمعنى الاصطلاحي عند التأمل في تصرفات الفقهاء. ثالثًا: لفظ (مُضافة): صفة للمسائل تقتضيها طبيعة المعنى اللغوي والتصرف الاصطلاحي للزيادات. رابعًا: لفظ (لعمل فقهي سابق): هذا هو المُضاف إليه الزيادة، وهو يعني أن الزيادات لا تكون مستقلة، بل ترتبط بعمل سابق، إذ لا تكون إلا بذلك تصوُّرًا ووقوعًا. خامسًا: لفظ (من جنسه): عائد الضمير هو العمل السابق، فالزيادة تكون من جنس ذلك العمل، فالزيادات على مؤلَّف في الفقه الحنفي - مثلاً - تكون بمسائل من الفقه الحنفي، وذكر مسائل من غير الفقه الحنفي ليس بزيادة اصطلاحًا، وإن كانت زيادةً لغةً، وهو ما ظهر لي من التأمل في تصرف الفقهاء في الزيادات. سادسًا: لفظ (ينشأ منها نفع): هذه صفة للمسائل المُضافة، تُشير إلى الهدف الأول من الزيادات، وهو إنشاء نفعٍ من إضافتها.

стр. 72

وإنشاء النفع قد يكون تلافيًا، كاستدراك ما فات في العمل السابق ومن صوره زيادات محمد بن الحسن (١) على (الجامع الكبير) في (الزيادات) و (زيادات الزيادات)، وزيادات مالك في (موطئه). وقد لا تكون تلافيًا، كأن تُضاف مسائل هي على غير شرط العمل السابق؛ جمعًا للمسائل في مكان واحد، ومن صوره (النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات) (٢). سابعًا: لفظ (أو يكمل): ضمير الفاعل المستتر عائد على النفع، والمعنى أن يكون في العمل السابق نفعٌ، ولكن يحتاج لإضافة مسائل ليكمل، كزيادة قيد، أو استثناء لم يُذكر في العمل السابق. واللفظ يُشير إلى الهدف الثاني من الزيادات. ثامنًا: لفظ (في نظر المُضيف): الجار والمجرور متعلقان بـ (ينشأ) وبـ (يكمل)، وهو قيد يُفيد عدم التلازم بين الزيادات النافعة حقيقة في نظر كل ناظر وبين إطلاق الماهية، فيكفي في إطلاق الماهية أن تكون الزيادات نافعة في نظر المُضيف.

стр. 73

المسألة الثالثة: جوانب الشبه والاختلاف بين الزيادات والاستدراك الفقهي . سبقني إلى المقارنة بين الاستدراك والزيادة الباحثان: د. عبد العزيز بن مطيع الحجيلي، ود. محمد عليثة الفزي، وانتهيا إلى أن الاستدراكات والزيادات بينهما عموم وخصوص؛ فكل استدراك زيادة، وليس كل زيادة استدراكًا (١). وهي نتيجة لا أرى ما ينافيها - في حال افتراق المصطلحين - بل أجد ما يؤيدها من وجهين: الوجه الأول: تصريح (الكليات) بأن الزيادة تُطلق على المستدرَك، وأنها تُطلق بمعنى آخر (٢). وهذا دليل على أنها أعم من الاستدراك. الوجه الثاني: تصرفات العلماء في استعمال اللفظ تدل على ذلك، فمثلاً كتابا (الزيادات) وَ (زيادات الزيادات) لمحمد بن الحسن ألفهما بعد الجامع الكبير استدراكًا لما فاته (٣). وكذلك عند التأمل في الكتب التي حملت اسم (الزيادات) أو (الزوائد) أو ما تصرّف من المادّة، نجد أن بعض الزيادات يصح إطلاق الاستدراك عليها، وبعضها لا يصح؛ لكونها ليست تلافيًا. ولكن يظهر لي أن عموم الزيادة يختص بحال افتراق اللفظين، أما في حال اجتماعهما يختص الاستدراك بما فيه تلافٍ، وتختصّ الزيادة بما أُضيف ليس بهدف

стр. 74

التلافي، يُشير لهذا قول النووي في (الروضة): « ... وأضم إليه (١) في أكثر المواطن تفريعات وتتمات، وأذكر مواضع يسيرة على الرافعي (٢) فيها استدراكات» (٣). كما يُشير إليه الشربيني في شرحه لقول النووي في (منهاجه): « ... ومنها مسائل نفيسة أضمها إليه ينبغي أن لا يخلى الكتاب منها، وأقول في أولها: (قلتُ)، وفي آخرها: (والله أعلم)». حيثُ قال (٤): «(وأقول في أولها: قلتُ، وفي آخرها: والله أعلم.) لتتميز عن مسائل (المحرر) (٥). وقد قال مثل ذلك في استدراك التصحيح عليه مع أنه ليس من المسائل المزيدة» (٦). وفي موضع قبله فسّر كلامَ المحلي: «وزاد عليه: (ينبغي إلخ) إظهارًا للعذر في زيادتها فإنها عارية عن التنكيت بخلاف ما قبلها» (٧). فقال (٨): «أي أنه لا تنكيت (٩) على المصنف في زيادة فروع على ما ذكره من الفروع، إذ لا سبيل إلى استيعاب الفروع الفقهية، حتى ينكت عليه بأنه لم يذكر مسألة كذا وكان ينبغي أن يذكرها، بخلاف التنبيه على القيود واستدراك التصحيح، فإن التنكيت يتوجه على من أطلق في موضع التقييد، أو مشى على خلاف المصحح، ونحو ذلك» (١٠). والله أعلم.

стр. 75

المطلب الرابع: التحرير . قبل مناقشة وجوه الشبه والاختلاف بينه وبين الاستدراك الفقهي، أبحث معنى التحرير في اللغة والاصطلاح، وعليه فأقسم المطلب على النحو التالي: المسألة الأولى: حقيقة التحرير لغة . يُرجِع (مقاييس اللغة) معنى مادة (الحاء والراء) في المضاعف إلى أصلين: ١ - ما خالف العبودية، وبرئ من العيب والنقص. ٢ - خلاف البرد (١). والشق الثاني من المعنى الأول هو المعنى المناسب للتحرير بالمعنى الاصطلاحي. وعليه فالتحرير: هو تصيير الشيء إلى البراءة من العيب والنقص، بعمل يحصل به ذلك (٢). والمُحرَّر في الاصطلاح يطلق على الكتاب أو الكتابة أو المسألة أو القول. والمعاني التي توفرت لي في تحرير الكتاب والكتابة هي: التحسين، والتخليص، والإصلاح بإصلاح السقط أو غيره، وإقامة الحروف (٣). وهي معانٍ تقتضي تبرئة الكتابة أو الكتاب مما فيهما من عيب أو نقص. ولا مانع من تطبيق هذه المعاني على تحرير

стр. 76

المسألة أو القول ولو لم يُكتَبَا، من طريق المجاز الذي ثبت به المعنى لتحرير الكتاب والكتابة (١). المسألة الثانية: حقيقة التحرير اصطلاحًا . لمعرفة حقيقة التحرير في الاصطلاح، يلزم معرفة ما يفعله المحرِّر في تحريره، ومعرفة الأمور التي يُبرّئ كتابه أو كتابته منها. جاء في (الكليات) أن «تحرير المبحث: تعيينه وتعريفه» (٢). وَ «التحرير: بيان المعنى بالكتابة» (٣). وهذا التعيين والتعريف والبيان، يكون بإظهار ذلك خالصًا، بدون حشو ولا تطويل (٤)، بل بذكر الخلاصة المنافية لهما، كما تقتضي المعاني السابقة أن لا يكون الكلام مختلطًا، بل تتميز فيه المسائل، والأبواب (٥). وعليه فيُمكن استخلاص صفات الكتاب المُحَرَّر أو الكتابة المحررة، وهي: ١ - قصْر الكلام على المُراد بعبارة موجزة، ويُنافيه الحشو والتطويل. ٢ - الوضوح، ويُنافيه الغموض بإشكال أو بإبهام.

стр. 77

٣ - الحُسن والجودة، وهذا يُمكن تصوره في عبارته، وتبويبه، وترتيبه، ويُنافيه خلط المسائل، وتفريق الكلام عنها في مواضع مشتتة. ٤ - الإصلاح أو الصلاح، فهو مُصلحٌ لما سبقه من أعمال، وهذا يُتصوّر عند ارتباط التحرير بعمل سابق. وهو صالحٌ في نفسه - في نظر المُحرِّر - بحسب ما أدى إليه اجتهاده. وعلى هذه المعاني تدور تحريرات المحرِّرين، وكلام الفقهاء في معنى التحرير، ففي (المحرر) قال الرافعي: « ... وأستوفقك (١) لما هممتُ به من نظم مختصر في الأحكام، محرر عن الحشو والتطويل، ناصٍّ على ما رجحه المعظم من الوجوه والأقاويل، مفرغ في قالب مهذب الجملة والتفصيل، مخمر التفريع والتأصيل ... » (٢). وفي (محرر ابن تيمية): « ... هذّبتُه (٣) مختصرا، ورتبته محرّرًا، حاويًا لأكثر أصول

стр. 78

المسائل، خاليًا من العلل والدلائل، واجتهدتُ في إيجاز لفظه ... » (١). وفي (تحرير الفتاوي): « ... فهذا تعليق على (التنبيه) (٢) و (المنهاج) (٣) و (الحاوي) (٤) محكم ... » (٥). ولم أجد - فيما اطلعتُ عليه - من عرّف التحرير منهجًا في الصنعة الفقهية، إلاّ ما كان من الباحثة د. حنان الحازمي، حيث عرّفت الكتب المشتملة على التحرير والنكت فقالت: «وخلاصة ما يكون من معاني كتب التحرير والنكت هي: الكتب التي اشتملت على المسائل الدقيقة التي استخرجت بإمعان، وكانت المؤثرة في القلب، مع تحرير المسألة عما تلتبس بها» (٦). ويُلاحظ في التعريف: - استهدافُ تعريف كتب التحرير، وليس منهج التحرير.

стр. 79

- جمعُ مُعرَّفين في تعريف واحد، وهما: كتب التحرير، وكتب التنكيت. ولعل ذلك راجع إلى طبيعة رسالتها حيث إنها تحقق كتابًا في التحرير، وهو يحتوي نكتًا. تعريف التحرير في اصطلاح الفقهاء: وقبل اقتراح التعريف الاصطلاحي أحدد مساره ووجهته بأمور: ١ - يهدف التعريف إلى بيان التحرير منهجًا في الصنعة الفقهية، ولا يدخل فيه اصطلاح الفقهاء في التعبير عن العتق بأنه تحرير رقبة. ٢ - لا يقتصر التعريف على الكتب التي حملت اسم التحرير وما تصرف من مادته، بل يعم تحرير المسائل داخلَ المؤلفات الفقهية، ولو لم تحمل ذلك الاسم. ٣ - لا يقتصر التعريف على التحرير المكتوب، بل يشمل التحرير المقول. وبعدُ، فأستفيدُ من المعاني اللغوية، والتعريفات الاصطلاحية، وتصرفات الفقهاء في هذا المنهج لأستنبط من ذلك تعريفًا للتحرير عند الفقهاء، فأقول: التحرير في اصطلاح الفقهاء هو: «عملٌ فقهيٌّ منظَّمٌ، خالٍ من الزيادة على المُراد، واضحُ العبارة، في نظر المُحرِّر» وأقرر دلالات ألفاظ التعريف بما يلي: أولاً: لفظ (عمل): يشمل الكتابة، والقول. ثانيًا: لفظ (فقهي): فصلٌ خرج به غير الفقهي؛ لأن التعريف استهدف التحرير في استعمال الفقهاء دون غيرهم. ثالثًا: لفظ (منظم): أي مرتّب الكلام والتبويب والتقسيم، وينافيه تشتيت الكلام عن المسألة في مواضع مختلفة، أو تقديم ما حقه التأخير ... ونحو ذلك. رابعًا: لفظ (خالٍ من الزيادة على المراد): ينافيه الحشو والتطويل.

стр. 80

خامسًا: لفظ (واضح العبارة): والوضوح في العبارة يشمل وضوح منطوقها ومفهومها. سادسًا: لفظ (في نظر المحرِّر): هذا قيد، والجار والمجرور يتنازعهما ماقبلهما وهي الصفات المذكورة قبل: (منظم)، (خال)، (واضح). بمعنى يكون منظمًا في نظر المحرر، وخاليًا من الزيادة على المراد في نظر المحرر، وواضحَ العبارة في نظر المحرر. وفائدة هذا القيد هو إفادة عدم التلازم بين صحة إطلاق الماهية وبين انتقاض شيء من الصفات في نظر غير المحرّر، إذ المعتبر هو نظر المحرر في صحة إطلاقها. المسألة الثالثة: جوانب الشبه والاختلاف بين التحرير والاستدراك الفقهي . من خلال التعريف بالتحرير والاستدراك الفقهي يظهرُ أن التحرير أعم من الاستدراك الفقهي من ناحية أنه قد يرتبط بعمل سابق يحتاج لتحرير، وقد لا يرتبط بعمل سابق فيكون في نفسه محرَّرًا، أما الاستدراك الفقهي فلا يمكن تصوره من غير ارتباط بعمل سابق. إذا تقرر هذا فيشمل التحرير التلافي في الأعمال السابقة، ويشمل غيره.

стр. 81

المطلب الخامس: التنقيح . وبيانُ وجه التقارب والاختلاف بينه وبين الاستدراك الفقهي يلزمُ مناقشَةَ ثلاث مسائل على النحو التالي: المسألة الأولى: حقيقة التنقيح لغة . مادة (نقح) ترجع معانيها إلى أصل واحد، وهو تنحية شيء عن شيء (١)، فـ «كلُّ ما نحّيتَ عنه شيئًا فقد نَقَّحْتَه» (٢). المسألة الثانية: حقيقة التنقيح اصطلاحًا . التنقيح في الاصطلاح يتّجه إلى الكلام، من طريق المجاز (٣)، سواء في الأعمال الفقهية أو غيرها، وتنقيح الكلام يكون - حسب المعنى اللغوي - بإزالة زوائد فيه، إلا أن المعاجم تُفيدُنا بمعانٍ زائدة على هذا، وهي: الإصلاح، وتحسين الأوصاف، ووضوح المعنى، والتفتيش، وإحسان النظر (٤). وهذه الأوصاف غاياتٌ ولوازم لتنقيح الكلام؛ فهي معانٍ متلازمة. وعليه فيُمكن الاستفادة من تعريفات المعاجم لتنقيح الكلام لمعرفة أوصاف التنقيح اصطلاحًا: ١ - إيجاز عبارته، وهو يكون بإزالة زوائد الكلام، ويُمكن تصوُّر إزالة الزوائد من الكلام المنقح في صورتين: - أن يكون الزائدُ مَعِيبًا، كأن يكون خطأً، أو تطويلاً، أو حشوًا.

стр. 82

- أن يكون الزائِد مفيدًا، ولكن أراد المنقح الاستغناء عنه؛ اقتصارًا على المهمّات، طلبًا للاختصار، كأن يقتصر على القول الراجح في المسائل، التي احتواها عمل سابق. ٢ - وضوح عبارته. ٣ - يأتي نتيجةً للبحث والمراجعة وحسن النظر والتأمل. أما صفة حسن الأوصاف فتدخل فيها إيجاز العبارة ووضوحها، كما يمكن تصوره في حسن التأليف والجمع وهو الجاري في كتب التنقيح. وصفة الإصلاح يدخل فيها إزالة الزوائد، كما يدخل فيه تلافي عيوب أخرى: كتقديم ما حقه التأخير، وإطلاق ما حقه التقييد ... ونحو ذلك، وهو جارٍ في كتب التنقيح. تعريف التنقيح في الأعمال الفقهية اصطلاحًا: لم يتوفّر لديّ تعريفٌ اصطلاحي للتنقيح منهجًا في الصنعة الفقهية. وقبل التعريف الاصطلاحي المُقترح أحدد مساره ووجهته، بأنه يهدف إلى بيانه منهجًا في الأعمال الفقهية، كما أنه يُراعَى فيه أصل المادة اللغوي، والعرف الاصطلاحي. وعليه فيمكنني أن أعرف التنقيح في كتب الفقه بأنه: «اختصارٌ مُصلِحٌ لعمل فقهي بعمل فقهي واضحِ اللفظِ، في نظر عاملِه» وأقرر دلالات ألفاظ التعريف بما يلي: - أولاً: لفظ (اختصارٌ): جنس في التعريف مُستفاد من أصل مادته اللغوية، ومن الواقع العُرفي. - ثانيًا: لفظ (مُصلِحٌ): قيد يخرج به مجرد الاختصار، ومن صور الإصلاح: حذف الزائد؛ لتكراره، أو لحشوه، أو للتطويل به، أو لعدم الحاجة إليه في العمل المُنقّح وإن كان مفيدًا في نفسه، لسبب يبرِّره المُنقِّح. ومن الصور أيضًا: تقييد المطلق، تخصيص العام، ترتيب المشتت، تجميع المتفرق ...

стр. 83

ومن أمثلة ما يُبرزُ هذا العمل ما جاء في (تنقيح الفتاوى الحامدية)، حيث كشف مؤلفه عن منهجه فقال: « ... غير أن فيه (١) نوع إطناب، بتكرار بعض الأسئلة وتعداد النقول في الجواب، فأردت صرف الهمة نحو اختصار أسئلته وأجوبته، وحذف ما اشتهر منها ومكرّراته، وتلخيص أدلته، وربما قدمتُ ما أخر وأخرت ما قدم، وجمعتُ ما تفرق على وضع محكم، وزدت ما لابد منه من نحو استدراك أو تقييد أو ما فيه من تقوية وتأييد، ضامًّا إلى ذلك أيضًا بعض تحريرات نقحتها ... دونك كتابًا خاويًا عن مستنكرات الزوائد، هو العمدة في المذهب» (٢) - ثالثًا: لفظ (لعمل فقهي): يُشير إلى تعلق التنقيح بعمل سابق، وأنه لا يكون مستقلاًّ، ويُستفاد من التنكير العموم في الأعمال، سواء عمل نفسه، كما في (التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع) مع (الإنصاف) (٣)، أو عمل غيره كما في (تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق) (٤). - رابعًا: لفظ (بعمل فقهي): وهو العمل المُنقِّح. - خامسًا: لفظ (واضحِ اللفظِ): صفة للعمل المُنقِّح. - سادسًا: لفظ (في نظر عاملِه): يُشير لعدم التلازم بين صحة إطلاق ماهية التنقيح والتوفر المطلق للصفات السابقة، بل هو مقيد بنظر المنقّح.

стр. 84

المسألة الثالثة: جوانب الشبه والاختلاف بين التنقيح والاستدراك الفقهي . من التعريف، ومما ظهر لي من تصرفات الفقهاء يظهر أن التنقيح نوع من الاستدراك في غير حذف الزيادات المفيدة، فإنه ليس باستدراك، وسبب حذفها هو حال الفئة المستهدفة من تأليف التنقيح، كأن تكون فئة أقل مرتبة، أو لا تعنيها هذه الزوائد في عملها. مثال الحالة الأولى: (التنقيح المُشبع) الذي هو اختصار (للإنصاف)، فإنه وإن اقتصر فيه على القول الراجح في المذهب، إلا أنه لا يُغني عن (الإنصاف) في التعرف على الروايات الأخرى للمذهب وتحرير الكلام فيها. ومثال الحالة الثانية: (تنقيح الفصول في اختصار المحصول) (١)، قال عنه مؤلفه: « ... ولم أتعرض فيها (٢) لبيان مدارك الأصول، فإن ذلك من وظيفة الأصولي لا من وظائف الفقيه، فإن مقدمات كل علم توجد فيه مسلمة، فمن أراد ذلك فعليه بكتبه» (٣).

стр. 85

المطلب السادس: التهذيب . ومناقشة وجهي التقارب والاختلاف بين مصطلح الاستدراك الفقهي ومصطلح التهذيب تلزمها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: حقيقة التهذيب لغة . تُفيدُنا المعاجم بمعنيين لمادة (هذب) (١): المعنى الأول: تنقية الشيء مما يعيبه. وتُذكر تحت مظلة هذا المعنى معاني القطع والتخليص والإصلاح، فهي معانٍ ملازمة للتنقية. ويجري على هذا المعنى قولك: رجل مهذّب، أي مخلَّص نقيّ من العيوب، مطهّر الأخلاق. المعنى الثاني: الإسراع (٢)، ومنه الإِهْذاب والتهْذيب، بمعنى الإسراع في الطيران والعَدْوِ والكلام. والمعنى الأول هو المعنى المناسب للتهذيب بالمعنى الاصطلاحي، وتنقية العيوب في كل شيء بحسبه، والتهذيب في الاصطلاح يستهدف الكلام والكتب. المسألة الثانية: حقيقة التهذيب اصطلاحًا . عندما ذكرَت المعاجم تهذيب الكلام والكتب، وخرّجتْه على المعنى الأول، ذكرتْ ما يُقصد به التهذيب فيها (٣)، وأستفيد منها لأجمع أعمال المُهذّب في تهذيبه للكلام أو الكتاب:

стр. 86

١ - التلخيص: بتخليص الكتاب من الحشو والتطويل. ٢ - تغيير ما يجب تغييره. ٣ - إصلاح ما يتعين إصلاحه. ٤ - كشف ما يُشكل من غريب ألفاظه، ومن صوره إعراب الألفاظ. ٥ - تحرير ما يدق من معانيه. ٦ - اطّراح الألفاظ ذات الدلالة المُشكلة، وإبدالها بألفاظ واضحة. ويلزم لهذه الأعمال ترداد النظر، وتدقيقه. هذا ما تحصّل لي من أعمال المُهذِّب، وعلى هذا دارت أعمال المُهذِّبين في علم الفقه وغيره (١). وللوصول إلى تعريف اصطلاحي للتهذيب في الأعمال الفقهية راعيتُ: ١ - الأصل اللغوي للمادة، فهو يفيدُ بأن التنقيح منهج معتمدُه الأساسيُّ التنقية، وهذه التنقية لها وجهان: - إزالة الزوائد الضارّة أو غير اللازمة، وهذا يستلزم تلخيص العمل العلمي السابق. - إزالة العيوب الواقعة في العمل السابق. ٢ - أن منهج التهذيب مُتّبعٌ في علم الفقه وفي غيره أيضًا، ويهتم التعريف هنا بمُلاحظة استعماله عند الفقهاء، مع الاستفادة من سلوك هذا المنهج عند غيرهم.

стр. 87

وبالتأمل في أعمال المُهذِّب يظهر أنّ عمل المُهذِّب لكتاب هو ما يعملُه المحرِّر له، وهو ما يعمله المنقِّح له، فالتهذيب والتحرير والتنقيح ألفاظ تتعاورُ منهجًا واحدًا في الأعمال العلمية، مع ملاحظة ما سبقت الإشارة إليه من أن التحرير قد لا يرتبط بعمل سابق، والكلام هنا في حالة ارتباطه بعمل سابق. يُساعد على هذا الفهم - وهو تعاوُر الألفاظ على منهج واحد - تفسيرُ معانيها في المعاجم، وفي الكتب التي سُميت بها، من ذلك ما يلي: في (لسان العرب): «ونقّح الكلام إذا هذّبه، وأحسن أوصافه» (١). وفي (التوقيف): «والتحرير التهذيب، وأخذ الخلاصة وإظهارها» (٢). وفي (الكليات): «وتنقيح الشعر وإنقاحه: تهذيبه» (٣). وفي (المعجم الوسيط): «نقَّح ... الكلام أو الكتاب: هذَّبه وأصلحه» (٤). وفي (تنقيح الفتاوى الحامدية): « ... ضامًّا إلى ذلك أيضًا (٥) بعض تحريرات نقّحتها ... » (٦). وفي (دقائق المنهاج): «المحرَّر: المهذَّب المتقن» (٧). ووصف (المحرّرَ) مؤلفُه بقوله: «هذّبته مختصرًا، ورتبته محرّرًا» (٨). زِدْ على ذلك تفسيرَ هذه الألفاظ بالمعاني نفسها: من التلخيص، والتخليص، والإصلاح، والتوضيح، والحُسن، وإزالة العيوب (٩) ...

стр. 88

لذلك أكتفي بتعريف التنقيح تعريفًا للتهذيب، أما التحرير فيشملهما وزيادة؛ لكونه قد لا يرتبط بعمل سابق. المسألة الثالثة: جوانب الشبه والاختلاف بين التهذيب والاستدراك الفقهي . يُستحضر هنا ما في التنقيح من بحث في المسألة المشابهة.

стр. 89

المطلب السابع: التصحيح . وأناقش هذا المطلب - كما في المطالب قبله - في ثلاث مسائل على النحو التالي: المسألة الأولى: حقيقة التصحيح لغة . مادة (الصاد والحاء) أصل واحد يدل على البراءة من العيب والمرض، وعلى الاستواء (١). والتَّصْحِيح: تفعيل من صحَّح، بمعنى صيَّر الشيءَ صحيحًا (٢)، أي: مبرَّأً من العيب والمرض، وجعله مستويًا. وعيبُ كُلِّ شيء بحسبه، وعيب الكتاب ما فيه من الأخطاء، ولذلك فُسر تصحيح الكتاب بإصلاح خطئه (٣). المسألة الثانية: حقيقة التصحيح اصطلاحًا . التصحيح في اصطلاح الفقهاء له معنيان: معنى عام، وهو المعنى الذي يشير إلى منهج من مناهج النقد والتقويم للأعمال الفقهية، وهو: «إزالة الخطأ» (٤). معنى خاص في الفرائض، وهو: «جعل السهام منقسمة على الرؤوس من غير كسر» (٥). والمعنى الأول هو المعنى المراد هنا. وعليه فيُمكن تعريف التصحيح في الكتب الفقهية بالاعتبار الأول بأنه:

стр. 90

«إزالةُ خطأ بعمل فقهي، في نظر المُزيل». ودلالات ألفاظ التعريف واضحة. والأخطاء مفرداتٌ كثيرة، من أمثلتها ما تُفْسِر عنها مقدمات الكتب الفقهية المُهتمة بالتصحيح، كما في (تصحيح التنبيه): « ... ومن ذلك (١) بيان ما يُفتى به من مسائله، فإن فيه مسائل كثيرة فيها خلاف مطلق بلا ترجيح، ومسائل جزم بها، أو صحح فيها خلاف الصحيح عند الأصحاب والمحققين والأكثرين منهم، ومواضع يسيرة جدًّا هي غلط ليس فيها خلاف» (٢). وكما في (تصحيح الفروع): «وربما نبهت على بعض خلل، إما في العبارة، أو الحكم، أو التقديم، أو الإطلاق» (٣). ومن الأخطاء التناقضات في الكتاب، كأن يُقدّم حكمًا (٤) في مسألة بموضع، ويطلق الخلاف فيها بموضع آخر (٥). المسألة الثالثة: جوانب الشبه والاختلاف بين التصحيح والاستدراك الفقهي . إذا تقرر تعريف التصحيح فإن التصحيح نوع من الاستدراك الفقهي؛ لأن الخطأ نوع من العيوب التي يستهدفها الاستدراك الفقهي بالتلافي.

стр. 91

المطلب الثامن: التعقُّب والتعقيب . التعقُّب والتعقيب مصطلحان مُشابهان للاستدراك الفقهي، وجمعتُهما في مطلب واحد؛ لاتحاد مادتهما، ولتلازمهما. وخطة مناقشة المطلب هي نفسها في المطالب السابقة المشابهة قبله، على النحو التالي: المسألة الأولى: حقيقة التعقّب والتعقيب لغة . ترجع معاني (١) مادة (عقب) إلى أصلين (٢): الأصل الأول: تأخير شيء وإتيانه بعد غيره، فعَاقبَةُ كلِّ شيء: آخره. والمُعَقِّب من كل شيء ما خَلَف بعَقِبِ ما قبله. وتذكر المعاجمُ تحت هذا الأصل معانٍ تُلازم التعقّب والتَّعْقيب زيادة على أصل المادة: من التتبُّع أو الطلب، والتدبّر والنّظر ثانية أو التفحُّص. وقد تُخصِّص المعنى في التعقُّب والعَقْبِ والإِعْقاب والاستعقاب بأنه ذِكْر أمر سيّء بعد تتبُّع. فتقول: «تَعَقَّبْتُ ما صنع فلانٌ، أي تتبعتُ أثره» (٣). وَ «عقَبتُ في إثر الرجل أعقُب عَقْبًا، إذا تناولتَه بما يكره ووقعت فيه» (٤). «ويُقال: عقّبتُ الأمر إذا تدبرتَه ... والتعقُّب: التدبّر والنظر ثانية» (٥). «واستعْقَبْتُ الرجل وتعَقَّبْتُه، إذا طلبتَ عورته وعثرته» (٦). الأصل الثاني: ارتفاع وشدة وصعوبة، ومنه العَقَبَة، وهي طريق في الجبل.

стр. 92

والأصل الأول هو المناسب للمعنى الاصطلاحي للتعقُّب والتعقيب، وهما - في الاصطلاح - يستهدفان الكلام المقول أو المؤلَّف. وتخريج معناهما على الأصل الأول أشارت إليه المعاجم، فقولُك: لم أجد عن قولك مُتعَقّبًا، أي رجوعًا أنظر فيه، أي لم أُرخّص لنفسي التعقُّب فيه لأنظر آتيه أم أدعه. وبمعنى لم أجد متفحّصًا، أي أن القول من السداد والصحة بحيث لا يحتاج إلى تعقُّب (١). المسألة الثانية: حقيقة التعقّب والتعقيب اصطلاحًا . أطلق في (التوقيف) معنى التعقيب بقوله: «التعقيب: أي يأتي بشيء بعد آخر» (٢). فهو معنى لا يخرج عن الحقيقة اللغوية في أصل المادة. أما في (معجم لغة الفقهاء) فقد راعى الحقيقة العرفية في التعقُّب والتعقيب، وفرّق بين المصطلحين، فعرف (التعقُّبَ) بأنه: «التتبع لإظهار الخطأ أو الخلل» (٣)، و (التعقيبَ) بأنه: «ما يُثبتُه بعد التتبع» وهو «إصلاح الخطأ أو سد الخلل» (٤). وعليه فالتعقّب هو العملية البحثية، والتعقيب هو إثبات نتائجها. وعلى هذا جرى كلام الفقهاء في استعمال اللفظين، ويُطلقون التعَقُّب على التعقيب، من باب تسمية الشيء بلازمه. مثاله ما في (رد المحتار): «قوله (٥): (وأما وصي الميت فلا أجر له على الصحيح) تعقَّبه الرملي (٦) في فتاواه بما مر عن (جامع الفصولين) من أن الوصي لا يأكل من مال اليتيم ولو محتاجًا، إلا إذا كان له أجرة فيأكل قدرها» (٧).

стр. 93

وإصلاح الخطأ وسد الخلل يجمعهما التعبير بالتلافي. وعليه فيُمكن تعريف التعقيب في الأعمال الفقهية - والذي يعبّر عنه بالتعقّب أيضًا - بنفس التعريف الاصطلاحي للاستدراك الفقهي. المسألة الثالثة: جوانب الشبه والاختلاف بين التعقُّب والتعقيب وبين الاستدراك الفقهي . يتبيّن مما سبق تقريره أن الألفاظ الثلاثة تتعاور معنى واحدًا، إن راعينا الإطلاق المجازي للتعقب على التعقيب.

стр. 94

المطلب التاسع: التعليق . وأناقشه على غرار المطالب قبله على النحو التالي: المسألة الأولى: حقيقة التعليق لغة . مادة (علق) ترجع إلى معنى واحد وهو «أن يُناط الشيء بالشيء العالي، ثم يتسع الكلام فيه» (١). «وعلّق الشيءَ بالشيء، ومنه، وعليه تعليقًا: أناطه به» (٢). والتعليق تفعيل من علَّق، بمعنى صيّره مُعَلَّقًا بشيءٍ آخر (٣)، أي مُناطًا به. المسألة الثانية: حقيقة التعليق اصطلاحًا . التعليق في الاصطلاح يُستعمل في تعليق كلام على كلام، مكتوبًا كان أو منطوقًا، ورُوعي العُرف الاصطلاحي في التعليق مع الحقيقة اللغوية، فلم يكن التعليق على الكلام مجرد إناطة كلام بكلام - أي إلحاقه به - بل أُضيف إلى هذا المعنى هدفُ هذه الإناطة، فتقول: «علَّق الرجلُ ... على كلام غيره: تعَقَّبه بنقد أو بيان أو تكميل أو تصحيح أو استنباط» (٤). ومنه سُميت (التَّعْلِيقَة) وهي «ما يُذكر في حاشية الكتاب من شرح لبعض نصِّه وما يجري هذا المجرى» (٥). وعلى هذا جرى استعمال الفقهاء في التصنيف (٦)، وكذا غيرهم في غير علم الفقه. والتعاليق قد تطُول عباراتها فتقرُب من (الشروح والحواشي)، وقد تقصُر فتقرب من (النُّكت) (٧).

стр. 95

المسألة الثالثة: جوانب الشبه والاختلاف بين التعليق والاستدراك الفقهي . التعليق أعم من الاستدراك؛ لأنه قد يكون للتلافي وقد لا يكون، فقد يُعلق على مسألة بذكر ما يؤيدها من الأدلة، أو من قال بنفس الحكم فيها، أو باستنباط مفهومها، ... فهذا لا يصدق عليه الاستدراك. ومن جانب آخر فإنهما يتشابهان في أنهما يتعلقان بعمل سابق، غير أن التعليق في أصل وضعه لا ينفصل عن محلّ المُعلَّق عليه - كما يبدو من مناقشة التعريف -، ثم إنه قد تُجمع التعاليق في مؤلَّف مستقل، أما الاستدراك فليس كذلك في أصل وضعه.

стр. 96

الفصل الثاني أصول الاستدراك الفقهي وتحته ثلاثة مباحث: المبحث الأول: أصول الاستدراك الفقهي من الكتاب. وتحته مطلبان: المطلب الأول: تأصيل الاستدراك الفقهي من الكتاب بنص عام. المطلب الثاني: تأصيل الاستدراك الفقهي من الكتاب بنص خاص. المبحث الثاني: أصول الاستدراك الفقهي من السنة. وتحته مطلبان: المطلب الأول: تأصيل الاستدراك الفقهي من السنة بنص عام. المطلب الثاني: تأصيل الاستدراك الفقهي من السنة بنصوص خاصة. المبحث الثالث: أصول الاستدراك الفقهي من القواعد الكلية والمبادئ العقلية العامة.

стр. 97

المبحث الأول أصول الاستدراك الفقهي من الكتاب وتحته مطلبان: المطلب الأول: تأصيل الاستدراك الفقهي من الكتاب بنص عام. المطلب الثاني: تأصيل الاستدراك الفقهي من الكتاب بنص خاص.

стр. 98

الهدف من هذا الفصل هو تقرير منهجية الاستدراك الفقهي، بتأصيله منهجًا مشروعًا دلَّت عليه نصوص الكتاب والسنة والقواعد الكلية والمبادئ العقلية العامة، وليس الهدفُ حصرَ النصوص والقواعد في ذلك. كما لا يدخل في المبحث البحثُ في استعمال هذا اللفظ في نصوص الوحيين. المبحث الأول: أصول الاستدراك الفقهي من الكتاب . أكتفي في هذا المبحث بنص عام وبنص خاص في التأصيل للاستدراك الفقهي من الكتاب: المطلب الأول: تأصيل الاستدراك الفقهي من الكتاب بنص عام . وردت نصوص عامة (١) يُستفاد منها تأصيل الاستدراك الفقهي منهجًا مشروعًا، يكفي نص واحد منها في التأصيل. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢). ووجه الاستدلال بالآية على مشروعية الاستدراك الفقهي يأتي تقريره من وجوه:

стр. 99

الوجه الأول: تقرير معنى البر والتقوى في الآية. جاء في (تفسير الطبري) في معناها: «وليعن بعضكم بعضًا أيها المؤمنون على ﴿الْبِرِّ﴾ وهو العمل بما أمر الله بالعمل به، ﴿وَالتَّقْوَى﴾ هو اتقاء ما أمر الله باتقائه واجتنابه من معاصيه» (١). وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢): «اختلف أهل التأويل في معنى (البر) الذي كان المخاطبون بهذه الآية يَأمرون الناسَ به، وينسَوْن أنفسهم، بعد إجماع جميعهم على أن كل طاعة لله فهي تسمى برًّا» (٣). الوجه الثاني: تقرير عموم لفظتي (البر) و (التقوى): فهما اسمان مفردان مُحَلَّيان بـ (أل) لغير العهد، وهي من صيغ العموم على الصحيح عند المحققين من الأصوليين (٤)، قال محمد الأمين الشنقيطي (٥): «ومن قال إن

стр. 100

المفرد المعرف بأل لا يعم يرد عليه بقوله تعالى ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١)، إذ لو لم يعم كل إنسان لما استثني منه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية» (٢). وعلى تقرير صحة القاعدة ينبني فهم ألفاظ القرآن التي جاءت بهذه الصيغة. قال السعدي (٣): «القاعدة الثالثة: الألف واللام الداخلة على الأوصاف وأسماء الأجناس تفيد الاستغراق بحسب ما دخلت عليه. وقد نص على ذلك أهل الأصول وأهل العربية، واتفق على اعتبار ذلك أهل العلم والإيمان» (٤). الوجه الثالث: تقرير أن الاستدراك الفقهي من البر والتقوى: أما كونه من البر فلأنه مما أمر الله - تعالى - به، ذلك أن الله فرض على أهل العلم بيانَه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (٥)،

стр. 101

والاستدراك سبيل من سبل تبيين العلم، فهو داخل فيه على سبيل التضمن (١)، لأن تصحيح الخطأ نوع من بيان العلم، ورفع الإشكال نوع من بيان العلم، وقُلْ مثل ذلك في باقي أغراض الاستدراك (٢). وأما كونه من التقوى، فلأن العالِم بتراجعه عن بيان الحق واقعٌ فيما نهى الله عنه (٣)، لأن أمْرَه بالتبيين يقتضي نهيَه عن نقيضه (٤)، وهو عدم التبيين، مشيًا على القاعدة المقررة في علم الأصول (٥). الوجه الرابع: تقرير أن الاستدراك الفقهي من التعاون. فالأمر بالتعاون على البر والتقوى يقتضي تلاقي الجهود في العمل الصالح، والاستدراك الفقهي هو من هذا التعاون؛ لأن الإنسان لا يسلم من خلل؛ فيسده عنه أخوه، فيكون بحاجة إلى جُهد إضافي لإخراج العمل بيِّنًا مُقَوَّمًا نافعًا، وكذا الحال في الأعمال الفقهية.

стр. 102

المطلب الثاني: تأصيل الاستدراك الفقهي من الكتاب بنص خاص . أجلى ما وقفتُ عليه في هذا المقام هو قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (١). وحاصل معنى الآية أن داود ﵇ قضى في قضية قوم لهم حرثٌ أفسدته غنمُ قوم آخرين: أنّ الغنم لصاحب الحرث، ولكنّ سليمان ﵇ رأى أنّ الحرثَ يُسلَّم لأصحاب الغنم ليعمروه ويُصلحوه، وتُسلّم الغنم لأصحاب الحرث، لهم لبنُها ونفعُها حتى يصلُح حرثهم (٢). والاستدلال بها على مشروعية الاستدراك الفقهي يستقيم بالاستدلال المركب، وهو يتركب من أمرين: تقرير وجه الاستدراك الذي دلت عليه الآية، ثم تقرير الدعوة إلى انتهاجه. فالأمر الأول أشار إليه المفسرون للآية (٣)، وفي (تفسير القرطبي) تصريح بلفظ الاستدراك في نحو حكم سليمان المخالف لحكم أبيه ﵉، حيث قال: «وذهب أبو علي ابن أبي هريرة (٤) من أصحاب الشافعي إلى أن نبينا ﷺ مخصوص منهم (٥) في جواز الخطأ عليهم، وفرق بينه وبين غيره من الأنبياء أنه لم يكن بعده من

стр. 103

يستدرك غلطه، ولذلك عصمه الله تعالى منه، وقد بُعث بعد غيره من الأنبياء من يستدرك غلطه. وقد قيل: إنه على العموم في جميع الأنبياء، وأن نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم في تجويز الخطأِ على سواء، إلا أنهم لا يقرّون على إمضائه، فلم يعتبر فيه استدراك من بعدهم من الأنبياء» (١). أما الأمر الثاني من مركب الاستدلال، فهو في تقرير الدعوة إلى انتهاج هذا الاستدراك، ويُمكن تقرير ذلك من وجهين: الوجه الأول: ضميمة قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٢)، ففيها الأمر المتوجه إلى النبي ﷺ بالاقتداء بالأنبياء (٣)، المُشار إليهم بـ ﴿أُولَئِكَ﴾ ... بدلالة سباق الآية، والخطاب للنبي ﷺ خطاب لأمته، ما لم يرد مُخصص (٤)، ولا مخصص. واستدراك خطأ الرأي بالصواب عملٌ من نبي وهو سليمان ﵇ فيتوجّه الاقتداء به في ذلك، وتصحيح الخطأ غرض من أغراض الاستدراك الفقهي، وتُقاس عليه باقي الأغراض بجامع التلافي وإقامة الأمر غير المستقيم. والله أعلم. الوجه الثاني: إن لم يكن في حكاية القصة فائدة العمل بما دلت عليه لكان في حكايتها عبثٌ يُنزّه عنه القرآن؛ فقصص الأولين عبرة لنا، قال تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٥)، وثمرة الاعتبار العمل. ومما دلت عليه الآية من العمل

стр. 104

استدراك خطأ الرأي بالصواب، وهو من أغراض الاستدراك الفقهي، وتُقاس عليه باقي الأغراض بجامع التلافي وإقامة الأمر غير المستقيم. والله أعلم.

стр. 105

المبحث الثاني أصول الاستدراك الفقهي من السنة . وتحته مطلبان: المطلب الأول: تأصيل الاستدراك الفقهي من السنة بنص عام. المطلب الثاني: تأصيل الاستدراك الفقهي من السنة بنصوص خاصة.

стр. 106

أكتفي في هذا المبحث بنص عام وببعض ما يحصل به الغرض من النصوص الخاصة لتأصيل الاستدراك الفقهي منهجًا مشروعًا بدلالة السنة. المطلب الأول: تأصيل الاستدراك الفقهي من السنة بنص عام . وردت نصوص عامة كثيرة في السنة يُستفاد منها مشروعية الاستدراك الفقهي، وأكتفي بواحد منها؛ لحصول الغرض بذلك. في (صحيح مسلم) عن تميم الداري (١) ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة». قُلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٢). وتقرير وجه الاستدلال بالحديث يأتي من وجوه: الوجه الأول: تقرير معنى النصيحة. نبّه شُرّاح الحديث في تفسير النصيحة في هذا الحديث إلى أصل الكلمة في اللغة، وهذا الأصل هو: «ملاءمة بين شيئين، وإصلاح لهما» (٣). ومن خلاله فسروا معنى النصيحة في الحديث، وخلاصة كلامهم أنها ترجع إلى معنيين (٤): ١ - الخلوص والتصفية: من نصحت العسل إذا صفيته، ومنه: (نصح له القول) بمعنى أخلصه.

стр. 107

٢ - اللَّمّ: من النَّصْح، وهو الخياطة بالمنْصَحة، وهي الإبرة، وعليه فمعنى (نصح له): لمّ شعث أخيه بالنُّصح كما تلم المنصحة أطراف الثوب. الوجه الثاني: تقرير ما يشمله معنى (النصيحة). في (معالم السنن): «النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر هذا المعنى بكلمة واحدة تحصرها وتجمع معناها غيرها» (١). الوجه الثالث: تقرير أن الاستدراك الفقهي من النصيحة. إذا تقرر المعنى الشامل للنصيحة، فإن الاستدراك الفقهي من سبل بذل الخير للمنصوح له، سواء لصاحب العمل السابق أو للمستفيد. أما صاحب العمل السابق فإنه يكون بالتعاون معه للوصول بعمله إلى الخيريّة والنفع. وأما المستفيد فإنه يكون بتهيئة سبيلٍ له للاستفادة من العمل، ببيان الصواب، أو رفع إشكال، أو تقييد مطلق ...

стр. 108

المطلب الثاني: تأصيل الاستدراك الفقهي من السنة بنصوص خاصة . يظهر لي عدم الحاجة إلى الإسهاب بذكر نصوص خاصة في التأصيل من السنة؛ ذلك لأن حياة النبي ﷺ مليئة بالاستدراكات على الأفعال، وعلى الأقوال، وعلى المفاهيم، وذلك لأنه مكلّفٌ بالإصلاح والبلاغ المُبين، فلا يسكت عن خطأ، ولا يترك الأفهام تسرح مع الأوهام. ووجه الاستدلال بحال النبي ﷺ من الإصلاح والبلاغ المبين، هو أن العلماء ورثته في هذا العلم الذي جاء به، وهو قدوتهم في تبليغه والدعوة إليه، فلا سبيل لهم إلا سبيله، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ (٢)، ومن هذا التبليغ تبليغ علم الحلال والحرام الذي اختص بعلم الفقه اصطلاحًا. وبما أن الاستدراك يتوجه إلى القول أو إلى الفعل أو إلى الفهم، فأمثل بنص خاص على كل جهة منها. من هذه النصوص ما في (صحيح البخاري) بسنده عن سعد بن أبي وقاص (٣) ﵁: «أن رسول الله ﷺ أعطى رهطًا وسعدٌ جالسٌ، فترك رسول الله ﷺ رجُلاً هو أعجبهم إليّ، فقلتُ: يا رسول الله! مالَكَ عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا. فقال: أوْ مُسلِمًا.

стр. 109

ثم غلبني ما أعلم منه فعُدْتُ لمَقالَتِي، وعاد رسول الله ﷺ . ثم قال: يا سعد! إني لأعطي الرجل وغيرُه أحبُّ إليّ منه؛ خشيةَ أن يكُبَّه الله في النار» (١). ففي هذا الحديث استدرك النبي ﷺ على سعد ﵁ استدراكين: استدراك على لفظه، واستدراك على فهمه. أما الاستدراك على لفظه فهو في التعبير عن رأيه في الرجل بلفظ الإيمان عندما قال: «فوالله إني لأراه مؤمنًا»، فاستدرك عليه الجزمَ بهذا اللفظ - وهو الوصف بالإيمان - فقال: «أوْ مُسلِمًا». قال في (هدي الساري) في معنى (أوْ) هنا: «هو بسكون الواو على معنى الإضراب، ويجوز أن يكون بمعنى التردد أي لا تقطع بأحدهما» (٢). وفائدة هذا الاستدراك التفريق بين إطلاق اللفظين، بالتنبيه على الخطأ في إطلاق اللفظ الأول في هذا المقام. قال النووي: « ... معناه النهى عن القطع بالإيمان، وأن لفظة الإسلام أولى به، فإن الإسلام معلوم بحكم الظاهر، وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلا الله تعالى» (٣). وأما الاستدراك على فهمه فهو فيما ظنه من أن العطاء دليل محبة وتفضيل، فاستدرك عليه هذا الفهم بقوله: «يا سعد! إني لأعطي الرجل وغيرُه أحبُّ إليّ منه؛ خشيةَ أن يكُبَّه الله في النار». قال في (فتح الباري): «ومحصل القصة أن النبي ﷺ كان يوسع العطاء

стр. 110

لمن أظهر الإسلام تألّفًا، فلما أعطى الرهط وهم من المؤلفة، وترك جُعيلاً (١) وهو من المهاجرين مع أن الجميع سألوه، خاطبه سعد في أمره؛ لأنه كان يرى أن جُعيلاً أحق منهم؛ لما اختبره منه دونهم، ولهذا راجع فيه أكثر من مرة» (٢). ومن أمثلة الاستدراك على الأفعال، ما في (صحيح البخاري) عن عائشة (٣) ﵂: «أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة. قال: من هذه؟ قالت: فلانة. تذكر من صلاتها. قال: مَهْ! عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمَلّ الله حتى تملّوا. وكان أحبَّ الدين إليه ما داوم عليه صاحبُه» (٤).
следующие страницы →