← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع تأليف الإمام شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني (٨١٢ هـ - ٨٩٣ هـ) تحقيق د/ سعيد بن غالب كامل المجيدي [الجزء الأول]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

الدُّرَرُ اللَّوَامِع فِي شرْح جَمْع الْجَوَامِع [١]

стр. 4

(ح) الجامعة الإسلامية، ١٤٢٨ هـ. فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر المجيدي، سعيد بن غَالب كَامِل الدُّرَر اللوامع فِي شرح جمع الْجَوَامِع للكوراني/ سعيد بن غَالب كَامِل المجيدي - الْمَدِينَة النورة، ١٤٢٨ هـ. ٢٨٨٠ ص؛ ١٧ × ٢٤ سم ردمك: ٢ - ٥٨٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠ ١ - أصُول الْفِقْه أ - العنوان ديوي ٢٥١ ٣٦٢٠/ ١٤٢٨ رقم الْإِيدَاع: ٣٦٢٠/ ١٤٢٨ ردمك: ٢ - ٥٨٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠ جَمِيع حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للجَامعة الإسْلاميَّة بِالْمَدِينَةِ المنوَّرة

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة معالي مدير الجامعة الإسلاميَّة الحمد لله الذي علم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم، والصَّلاة والسَّلام على رسول الهدى الذي أمر بالعلم قبل العمل، فبه ارتفع وتقدّم، وعلى آله وأصحابه ومَن بأثره اقتفى والتزم. وبعد: فإنَّ الاشتغال بطلب العلم والتفقه في الدِّين من أجلِّ المقاصد وأعظم الغايات وأولى المهمات؛ لذلك ندب إليه الشَّارع الحكيم في كثبر من نصوص كتابه، وأمَرَ نبيَّه ﷺ بالزيادة منه؛ فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢]. وقال جلّ وعلا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤]. وقد رتّب النبي ﷺ الخير كلَّه على التفقّه في الدّين فقال ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين" متّفق عليه. وقال ﷺ : "النَّاس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" متّفق عليه. وهذا مما يدلّ على أهميته وعظم شأنه. لذلك كان الاهتمام بالعلم الشّرعيّ المستمد من الكتاب والسنّة وفهم السَّلف الصَّالح هو الهدف الأسمى لمؤسس هذه الدّولة المباركة الملك عبد العزيز - يرحمه الله - وكذلك أبناؤه من بعده الذين كانت لهم اليد الطولى وقَدَمُ السبقِ في الاهتمام بالعلم وأهله؛ فأولوه عنايةً فائقةً، وخصّوه بجهود مباركة، ظهرت آثارها على البلاد والعباد.

стр. 6

وكان لخادم الحرمين الشَّريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز -حفظه الله - جهودٌ واضحةٌ استوت على سوقها ووفّقت لمقصودها، ومن ذلك أمره بزيادة عدد الجامعات، وفتح جميع الوسائل ذات العلاقة بالتطوير والتنقيح والتأليف والنَّشر كعمادات ومراكز البحث العلميّ في شتّى الجامعات وعلى رأسها الجامعة الإسلاميَّة - العالمية العلمية - التي أولت البحث العلميّ اهتمامًا بالغًا وجعلته غاية من غاياتها وهدفًا من أهدافها. ومن هنا فعمادة البحث العلمي بالجامعة تهتم بالبحوث العلميَّة نشرًا وجمعًا وترجمة وتحكيمًا في داخل الجامعة وخارجها، من أجل النُّهوض بالبحث العلميّ، والتشجيع على التَّأليف والنّشر، ومن ذلك كتاب: [الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع للإمام شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني] تحقيق: د/ سعيد بن غالب كامل المجيدي أسأل الله أنْ يوفّقنا جميعًا لما يحبّ ويرضى ويرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمَّدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين. معالي مدير الجامعة الإسلاميّة أ. د/ محمد بن علي العقلا

стр. 7

شكرٌ وتقديرٌ أشكر الله على نعمه التي لا تحصى، فهو الذي رزقني الوقت، والصحة، ووفقني لإتمام هذه الرسالة، فله الحمد أولًا، وآخرًا. وبعد شكر الله كان لزامًا عليّ أن أتوجه بالشكر، والتقدير، والعرفان إلى كل من أسدى إليَّ عونًا في عملي هذا عملًا بقوله ﷺ : "من لا يشكر الناس لم يشكر الله" (١). وإن من أكثر الناس عليَّ منّة في عملي هذا - بعد الله وأولاهم بذلك هو شيخي الجليل العلامة المتواضع فضيلة الأستاذ الدكتور / عمر بن عبد العزيز بن محمد. الذي كان لي الاعتزاز الكبير في إشرافه على هذه الرسالة، فبذل جهده، ووقته، وزوَّدني بتوجيهاته السديدة، وملاحظاته المفيدة، التي كان من ثمارها - بعد توفيق الله إخراج هذه الرسالة إلى حيز الوجود، فجزاه الله خيرًا، وشكر له سعيه، وأمدَّ في عمره، ونفع المسلمين بعلمه.

стр. 8

أما الجامعة الإسلامية فلها في نفسي ووجداني أكبر الأثر، وأعظم الذكريات، فقد عشت في رحابها عقدين من الزمن، فجزى الله القائمين عليها خيرًا، ووفقهم لما فيه صلاح الإسلام، والمسلمين. كما أتوجه بالشكر إلى كل من مدَّ إليّ يد العون والمساعدة من الأساتذة الكرام، والإخوة الزملاء، والقائمين على مكتبات الجامعة. وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. * * *

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلّم تسليمًا كثيرًا. وبعد: فإن علم الأصول عظيم شأنه، عميم نفعه، يحتاج إليه الفقيه، والمتفقه، والمحدِّث، والمفسر، لا يستغني عنه ذو نظر، ولا ينكر فضله أهل الأثر، إذ هو الدستور القويم للاستنباط، والاجتهاد، به يتمكن من نصب الأدلة السمعية على مدلولاتها، ومعرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية. ولذا فإنه يعتبر من أهم الوسائل التي تُثبِّت قواعد الدين، وتدعمها، وترد على شُبَه الملحدين، والمضلّلين، وتبطلها، فكان لأهل البحث والاجتهاد هاديًا، وللمبتدعة على بدعهم رادًّا، وقاضيًا. ولقد كان بين أهل الرأي، وأهل الحديث بَوْنٌ شاسع، ﵏ جميعًا؛ إذ كان الفريق الأول متميزًا بقوة البحث والنظر والاستنباط، بينما كان الفريق الثاني متضلِّعًا بعلم الحديث، دراية ورواية، وكان كل فريق يوجه اللوم إلى الآخر، ويتهمه بالقصور، حتى جاء الإمام الشافعي رضي الله

стр. 10

عنه وأرضاه، وكان قد رزقه الله معرفة بكتابه، وسنة نبيه ﷺ ، مع اطلاعه على مسالك الرأي، وطرقه، متمرِّسًا بالبيان وفنونه، مع عقل ثاقب، ورأي صائب، وحجة بالغة، ومكانة عالية، فنظر إلى ذلك الخلاف المحتدم، ورأى اقتصار أهل الحديث عليه دون سواه من جدال ونظر، كما رأى غلوَّ أهل الرأي، وتوسعهم في فن الاستنباط والنظر، فوضع كتابه المسمى بـ "الرسالة" جامعًا فيه بين الحديث والرأي، مبيّنًا الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيَّد، والمجمل والمبين، والعام الذي أُريد به الخاص، والظاهر الذي أُريد به غير ظاهره وتكلم فيه على حُجِّية أخبار الآحاد، وتقديمها على القياس، ومنزلة السنة ومكانتها، وتكلم على القياس، والإجماع، والاجتهاد، وشروط المفتي في دين الله تعالى، إلى غير ذلك من المباحث الأصولية التي حررها، ودونها. فكانت هذه الرسالة بمثابة القانون القويم الذي يعوَّل عليه، ويحتكم إليه، مع خلوها من علم المنطق الذي أُحدِث بعد ذلك. وبذلك خف أثر النزاع بعد أن علم كلا الفريقين القواعد التي يجب عليهم أن يلتزموها، ويسيروا على نهجها، وصاروا على بينة مما يدافعون به عن مذاهبهم، وآرائهم. ثم جاء العلماء من بعده، فواصلوا البحث، ونظموا الأصول، ورتبوها، غير أنه أُدخل فيها علم المنطق والجدل نتيجة لحركة الترجمة النشطة؛ حيث ترجمت علوم اليونان في العهد العباسي الأول إلى اللغة العربية.

стр. 11

وهكذا مزج أصول الفقه بعلم المنطق، وبخاصة من أواخر القرن الثالث وما بعده. وقد شاء الله تعالى -بعد الانتهاء من مرحلة الماجستير- أن يقع اختياري على هذا المخطوط "الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع" في علم الأصول، فقدمته إلى قسم الدراسات العليا بالجامعة ليكون موضوعًا لرسالة الدكتوراة، وتم قبوله بحمد الله وتوفيقه. * * *

стр. 12

سبب الاختيار أولًا: يعد هذا المخطوط شرحًا لأكبر متن في الأصول أُلّف في القرن الثامن الهجري، حيث جمعه مؤلفه ﵀ من أكثر من مائة مصنف، فهو على اسمه "جمع الجوامع" إذ جمع في طياته غالب المسائل الأصولية، والدينية، فهو إذًا جامع للأصلين، أصول الفقه، وأصول الدين. ثانيًا: احتل الأصل مكانة علمية قيمة لدى الباحثين، والمتعلمين، حيث اهتم به العلماء، فمنهم من شرحه، ومنهم من نظمه، ومنهم من وضع عليه بعض الحواشي، والتعليقات، ومنهم من كتب أجوبة على بعض مسائله. لذا فإن شروحه تمنح له هذه الأهمية، وتضفي له هذه القيمة تبعًا لأصله، ومتنه. ثالثًا: ألف هذا الشرح في مرحلة استقرار أصول الفقه، وكمال نضجه؛ لأن القرن التاسع الهجري كان حافلًا بالمصنفات الأساسية لهذا الفن، فاعتمد الشارح في كتابه على جُلِّ وغالب من تقدمه، فكان بذلك جامعًا، وشاملًا، ومؤلفًا متكاملًا في علم الأصول، مع ما له من حرية في الرأي، وتحقيق في الأقوال، وبيان للأدلة، مع طول النفس في المناقشات، وحسن العرض، ورصانة الأسلوب.

стр. 13

رابعًا: -وهو الأهم: - إسهامًا في إحياء تراثنا العظيم، ونشره لما في ذلك من عموم الفائدة التي قد لا توجد في اختيار موضوع معين الذي ربما قد كررت حوله البحوث، وتناولته أيدي المتخصصين، رأيت أن تحقيق هذا الكتاب كاملًا أولى من اختيار جزئية معينة. * * *

стр. 14

خطة البحث وهي تتكون من تمهيد، وبابين، وتحت كل باب فصول، وتحت كل فصل مباحث، وفيما يلي بيان ذلك: التمهيد: وفيه لمحة تاريخية موجزة عن عصر المؤلف. (الباب الأول) في ترجمة المؤلف، والتعريف بكتابه وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: في التعريف بالكوراني: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في اسمه، ونسبه، ونسبته، وشهرته. المبحث الثاني: في لقبه، ومكان وتاريخ ولادته. المبحث الثالث: نشأته. الفصل الثاني: في حياته العلمية وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: رحلاته في طلب العلم، والتعليم. المبحث الثاني: شيوخه الذين أخذ عنهم العلوم المختلفة. المبحث الثالث: تلامذته. المبحث الرابع: بعض أقرانه الذين كانت له بهم علاقة ما.

стр. 15

الفصل الثالث: في أعماله، وصفاته، ووفاته وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: عمله في القضاء والتدريس. المبحث الثاني: صفاته وأخلاقه. المبحث الثالث: وصيته ووفاته. الفصل الرابع: مؤلفاته، وآثاره وفيه مبحثان: المبحث الأول: في ذكر مؤلفاته عامّةً. المبحث الثاني: دراسة تحليلية لكتابه "الدرر اللوامع" وفيه سبعة مطالب: • المطلب الأول: عنوان الكتاب، ونسبته إلى المؤلف. • المطلب الثاني: سبب تأليف الكتاب، والظرف الذي ألِّف فيه. • المطلب الثالث: منهج المؤلف في الكتاب. • المطلب الرابع: أهمية الكتاب. • المطلب الخامس: تقويم عام لشروح جمع الجوامع التي اطلعت عليها. • المطلب السادس: وصف مخطوطتي الكتاب. • المطلب السابع: منهجي في تحقيق الكتاب.

стр. 16

(الباب الثاني) ترجمة موجزة للتاج السبكي وفيه فصلان: الفصل الأول: في التعريف به وفيه مبحثان: المبحث الأول: في اسمه، ونسبه، ونسبته، وكنيته، ولقبه. المبحث الثاني: أسرته، ومولده، ونشأته. الفصل الثاني: حياته العلمية، وأعماله وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: طلبه للعلم، وشيوخه. المبحث الثاني: تلامذته. المبحث الثالث: أعماله، وصفاته. المبحث الرابع: مؤلفاته، ووفاته. * * *

стр. 17

(تمهيد) التمهيد في عصر المؤلف عاش شهاب الدين الكوراني - رحمه الله تعالى - في المدة ما بين سنة (٨١٣ هـ إلى سنة ٨٩٣ هـ) فهو من علماء القرن التاسع الهجري، وعندما دخل هذا القرن كانت دولة المماليك الجراكسة تحكم مصر والمشرق، ثم بدأت الدولة العثمانية تنازعها السلطة، وتسعى جاهدة لتنفرد بحكم المشرق، وتتطلع إلى الاستيلاء على مصر. وقد استطاع العثمانيون - في هذا القرن - فتح القسطنطينية، وسيأتي بيان ذلك في القسم الدراسي (١). وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة العثمانية في أوج قوتها، ومجدها في شرق العالم الإسلامي، كان الوضع في غرب العالم الإسلامي على العكس. فقد كثرت النزاعات والثورات الداخلية في المغرب العربي، وتفاقم الخلاف بين ملوك المغرب الأقصى وملوك تونس، مما أدى إلى ضعف كلمتهم.

стр. 18

والاختلاف بين المسلمين سلاح يجيده أعداء الإسلام في كل زمان ومكان، للاستفادة منه، ولذلك تحالف النصارى الإسبان مع البرتغاليين، وعملوا على طرد المسلمين من الأندلس. ففي سنة (٨١٨ هـ) استولى البرتغاليون على سبتة، وفى عام (٨٦٧ هـ) استولى الإسبان على جبل طارق، وفى عام (٨٩٧ هـ) استولوا على غرناطة، وبذلك فقد المسلمون الأندلس، وخرج حكمها من أيديهم بعد أن دام بها قرابة ثمانية قرون، أقاموا بها إحدى أعظم الحضارات في التاريخ البشري. وعلى الرغم من ذلك، فقد شهد هذا القرن ازدهارًا وتقدمًا في المجالات العلمية والثقافية، ويعتبر عديم النَّظير نتيجة لما تعرضت له المكتبة الإسلامية، والتراث الإسلامي على أيدي التتار في المشرق العربي، وعلى أيدي النصارى الإسبان في الأندلس من الإحراق والإغراق، والتخريب، كما أن المماليك الأتراك الذين كانت لهم السيادة على مصر، والشام في هذا العصر عملوا جاهدين على سد الثغرة التي أحدثتها تلك الحملات، والتي استهدفت القضاء على التراث الإسلامي، فأنشأوا المدارس وخصوصًا في القاهرة ودمشق، حتى أضحت تعد بالمئات. كما عني المماليك بالعلماء، وشجعوهم على التأليف ونشر العلوم المختلفة، ونتيجة لذلك قامت نهضة علمية رائعة زودت المكتبة الإسلامية بالكثير من المؤلفات في شتى العلوم والفنون، فقهًا، وأصولًا، وحديثًا،

стр. 19

وتاريخًا، ونحوًا، وتفسيرًا، وكانت المتون، والمختصرات، والشروح، والحواشي، والتقريرات سمة هذا العصر كثرة (١)، ولقد كان العلامة الكوراني أحد علماء هذا العصر الذين أثروا الفكر الإسلامي في العلوم المختلفة، يظهر ذلك في مؤلفاته التي خلفها في الحديث، والتفسير، والأصول، والقراءات، وغيرها، وسيأتي بيانها في القسم الدراسى في المبحث الذي يخصها إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 20

الباب الأول في التعريف بالكوراني وكتابه وفيه أربعة فصول: الفصل الأول في التعريف بالكوراني وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في اسمه، ونسبه، ونسبته، وشهرته. المبحث الثاني: في لقبه، ومكان، وتاريخ ولادته. المبحث الثالث: نشأته.

стр. 21

المبحث الأول في اسمه، ونسبه ، ونسبته، وشهرته اسمه، ونسبه: هو أحمد (١) بن إسماعيل (٢) بن عثمان بن أحمد بن رشيد بن إبراهيم.

стр. 22

نسبته، وشهرته: الشهرزوري (١)، الهمداني (٢)، التبريزي (٣)، الكوراني (٤) القاهري، الرومي. وقد شاركه في النسبة التي اشتهر بها كثير من العلماء الذين برزوا في كثير من العلوم، وسأذكر بعضًا منهم فيما يأتي:

стр. 23

١ - محمد بن بهرام، الدمشقي الشافعي، الكوراني شمس الدين، فقيه، خطيب، مقرئ، أخذ عن العز بن عبد السلام، وناب في الحكم بدمشق، ثم ولي القضاء بحلب، وألف مختصرًا في الخلاف، وتوفي بحلب سنة (٧٠٥ هـ) في جمادى الأولى (١). ٢ - يوسف بن عبد الله بن عمر بن علي بن خضر، الكردي، الكوراني الأصل، ويعرف بالعجمي، جمال الدين، أبو المحاسن، له رسالة "ريحانة القلوب في التوصل إلى المحبوب"، (وتوفي سنة ٧٦٨ هـ) (٢). ٣ - أحمد بن يوسف بن عبد الله بن عمر بن علي، الكردي، الكوراني القرافي، الشافعي، ويعرف بابن الشيخ يوسف العجمي، شهاب الدين، أصولي، أديب، ومن مؤلفاته "نظم المنهاج في الأصول"، (وتوفي سنة ٨١٠ هـ) (٣). ٤ - يوسف بن محمود بن كمال الدين، الكوراني، الصديقى، مفسر، متكلم، منطقي، من آثاره حاشية على "حاشية الخيَّالي (٤) على

стр. 24

شرح العقائد"، وحاشية على "أنوار التنزيل" في التفسير، ورسالة في المنطق (وتوفي بعد سنة ١٠٠٠ هـ) (٢). ٥ - محمد بن شريف بن يوسف بن محمود الصديقي، الكوراني، الشافعي، مفسر، حكيم، من آثاره: حاشية على "أنوار التنزيل"، وحاشية على "تهافت الفلاسفة"، وغيرها، (وتوفي باليمن سنة ١٠٧٨ هـ) (٣). * * *

стр. 25

المبحث الثاني لقبه، و تاريخ، ومحل ولادته لقبه: شهاب الدين، ويقال له شرف الدين، وعالم بلاد الروم، وشيخ الإسلام والمفتي، وشمس الملة والدين، وهناك أوصاف وألقاب غيرها، واشتهر باللقب الأول، وكذا وصف بالقاضي، لأنه كان قاضي قضاة عساكر الروم، كما سيأتي، ولقب بشهاب الدين لقوته في حكمه، ولمقابلته الأحكام الشرعية بالاحترام، كما أنه ألف مؤلفات نافعة، مفيدة في فنها وموضوعها (١). تاريخ ومحل ولادته: ولد شهاب الدين سنة ثلاث عشرة وثمانمائة للهجرة (٨١٣ هـ) باتفاقِ مَنْ ترجوا له، وكانت ولادته في قرية (كوران) (٢) التي هي من قرى أسفرايين (٣).

стр. 26

المبحث الثالث نشأته نشأ الإمام شهاب الدين في بلده كوران، وعاش حياته الأولى فيها، فحفظ القرآن، ونشأ على الخير، ولازم التعليم، واشتغل بجملة من العلوم. ودأب في تحصيل فنون العلم، حتى فاق غيره في المعقولات (١) والأصلين (٢)، ومهر في النحو (٣)، والمعاني، والبيان (٤)، وبرع في الفقه، واشتهر بالفضيلة.

стр. 27

الفصل الثاني في حياته العلمية وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: رحلاته في طلب العلم، والتعليم. المبحث الثاني: شيوخه الذين أخذ عنهم العلوم المختلفة. المبحث الثالث: تلامذته الذين أخذوا عنه العلوم. المبحث الرابع: أقرانه الذين كانت له بهم علاقة ما.

стр. 28

المبحث الأول رحلاته في طلب العلم والتعليم سبق أن ذكرت أنه نشأ في قريته كوران، فحفظ القرآن، وتلاه للسبع، ومهر في النحو، وعلم المعاني، والبيان، والعروض، وتميز في الأصلين، والمنطق، وغير ذلك من العقليات، وبرع في الفقه الشافعي، وقد أجازه علماء عصره في العلوم إلى سبق ذكرها، كما أجازه الحافظ في الحديث رواية ودراية، وسيأتي بيان ذلك في الكلام على شيوخه. ولقد كان لشمس الدين عدة رحلات: والرحلة - في الطب - مفيدة، لأن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم تارة بالعلم والتعليم، وتارة بالمحاكاة والتلقين المباشر، فالرحلة في طلب العلم لاكتساب الفوائد لا بد منها (١). وإليك بيان الرحلات التي قام بها الإمام الكوراني: الرحلة الأولى: كانت من بلده كوران إلى (حصن كيفا) (٢)،

стр. 29

وجال في بغداد، وديار بكر (١)، وأخذ عن علمائها في عدة فنون. الرحلة الثانية: كانت من بغداد إلى دمشق، حيث قدم إليها في حدود الثلاثين وثمانمائة، ولازم فيها بعض العلماء، وانتفع بهم. الرحلة الثالثة: كانت من دمشق إلى بيت المقدس، مع بعض شيوخه الذين انتفع بهم، وقرأ عليهم، وسيأتي بيان أسمائهم في المبحث الخاص بهم. الرحلة الرابعة: كانت من بيت المقدس إلى القاهرة حيث قدم إليها في حدود سنة خمس وثلاثين وثمانمائة، وبها أخذ عن الحافظ الحديث، وعلومه، ولازمه، وغيره من علماء عصره، وأكب على الاشتغال، ولازم حضور المجالس الكبار كمجلس قراءة البخاري بحضرة السلطان، وغيره. واتصل بالكمال البارزي (٢)، فنوَّه به، كما اتصل بالزيني

стр. 30

عبد الباسط (١) وغيرهما من المباشرين والأمراء، بحيث اشتهر وظهر فضله وعلمه، فارتقى بذلك إلى مصاف العلماء النابغين المعتبرين، وناظر الأماثل، وذكر بالطلاقة، والبراعة، والجرأة الزائدة. فلمّا ولي الظاهر جقمق (٢) وكان يصحبه تردد إليه، فأكثر، وصار أحد ندمائه وخواصه، فانثالت عليه الدنيا - بعد قدومه القاهرة، وكان

стр. 31

قبل ذلك فقيرًا جدًّا - فتزوج مرة بعد أُخرى لمزيد رغبته في النساء، مع كونه مطلاقًا (١). الرحلة الخامسة: كانت من القاهرة إلى الروم. وسبب ذلك: أنه وقع - في سنة (٨٤٤ هـ) يوم السبت من جمادى الآخرة - مخاصمة بين المترجم له، وبين حميد الدين النعماني (٢) المنسوب إلى أبي حنيفة، والمحكي أنه من ذريته، وآل أمرهما إلى السلطان، فأمر بالقبض على الكوراني، وسجنه بالبرج، ثم ادعى عليه عند قاضي الحنفية، وأقيمت عليه البينة بأنه طعن في نسب النعماني، وبكون المشتوم من ذرية الإمام أبي حنيفة، فأمر بتعزير الكوراني بحضرة السلطان نحو ثمانين جلدة، وأمر بنفيه وإهانته، وكتب مرسوم بنفيه إلى دمشق، ثم

стр. 32

إلى البلاد المشرقية، وسلمت أعماله التي كان يقوم بها إلى غيره وكذا مرتباته (١). قال - في البدر -: "وقد لطف الله بالمترجم له بمرافعته إلى حاكم حنفي فلو رفع إلى مالكي لحكم بضرب عنقه، وقبح الله هذه المجازفات والاستحلال للدماء والأعراض بمجرد أشياء لم يوجب الله فيها إراقة دم ولا هتك عرض، فإن ضرب هذا العالم الكبير نحو ثمانين جلدة، ونفيه، وتمزيق عرضه، والوضع من شأنه بمجرد كونه شاتم من شاتمه، ظلم بيِّن، وعسف ظاهر، ولا سيّما إذا كان لا يدري بانتساب من ذكر إلى الإمام. لا جرم قد أبدله الله بسلطان خير من سلطانه، وجيران أفضل من جيرانه، ورزق أوسع مما منعوه منه، وجاه أرفع مما حسدوه عليه، فإنه لما خرج توجه إلى مملكة الروم، ولم يزل يترقى بها في المناصب، ولم يكن عند السلطان أحظى منه" (٢). وبعد الذي وقع للكوراني، خرج منفيًّا، وباع أثاثه، وعند خروج الحاج توجه معه فرد إلى حلب، فلم يشعروا به حتى قدم الطور ليمضي في البحر إلى مكة، فقبض عليه، وسير به حتى تعدى الفرات، وذلك كله سنة (٨٤٤ هـ)، واتفق في هذا العام قدوم محمد بن أرمغان

стр. 33

الشهير بيكان (١)، فالتقى بالكوراني، ولما شهد فضله أخذه معه إلى بلاد الروم. ولما لقي يكان السلطان مراد خان (٢)، قال له السلطان: هل أتيت إلينا بهدية؟ قال: نعم معي رجل مفسر، ومحدث، قال: أين هو؟ قال: هو بالباب، فأرسل إليه السلطان فدخل عليه وسلم، ثم تحدث معه ساعة، فرأى فضله، وولاه عدة أعمال سيأتي ذكرها في مبحثها - إن شاء الله تعالى (٣).

стр. 34

الرحلة السادسة: كانت من الروم إلى مصر. وسبب ذلك: أن السلطان (١) عرض له قضاء العسكر، فقبله، ولما باشر أمر القضاء أعطى التدريس، والقضاء لأهلهما من غير عرض على السلطان، فأنكره السلطان، ولكنه استحيا منه فلم يظهره، لأنه شيخه، ومعلمه، فتشاور مع الوزراء، فأشاروا عليه أن يقول له السلطان: سمعت أن أوقاف جدي بمدينة بروسا قد اختلت، فلا بد من تداركها، فلما قال له السلطان ذلك، قال المولى الكوراني: إن أمرتني بذلك أُصلحها، فقال السلطان: هذا يقتضي زمانًا مديدًا، فقلده قضاء بروسا، مع توليه الأوقاف، فقبل الكوراني، وذهب إلى مدينة بروسا، وبعد مدة أرسل السلطان إليه واحدًا من خدامه بيده مرسوم السلطان، وضمنه أمرًا يخالف الشرع، فمزق الكتاب، وضرب الخادم، فاشأز السلطان لذلك، فعزله، ووقع بينهما منافرة، فارتحل الكوراني إلى مصر وسلطانها يومئذ الملك قايتباي (٢)،

стр. 35

فأكرمه غاية الإكرام، ونال عنده القبول التام، وعاش عنده زمانًا بعزة عظيمة، وحشمة وافرة، وجلالة تامة (١)، وهكذا الحياة لا تخلو من الكدر، والصفاء (٢). ثم إن سلطان الروم ندم على ما فعله مع الكوراني، فأرسل إلى السلطان قايتباي يلتمس منه أن يرسل الكوراني إليه، فحكى السلطان قايتباي كتاب السلطان للكوراني وأنه يريد رجوعه إليه ثم قال له: لا تذهب إليه، فإني أكرمك فوق ما يكرمك هو، قال الشهاب الكوراني: نعم هو كذلك إلا أن بيني وبينه محبة عظيمة، كما بين الوالد، والولد، وهذا الذي جرى بيننا شئ آخر، وهو يعرف ذلك مني، ويعرف أني أميل إليه بالطبع، فإذا لم أذهب إليه يفهم أن المنع من جانبك، فيقع بينكما عداوة، فاستحسن السلطان قايتباي هذا الكلام، وأعطاه مالًا جزيلًا،

стр. 36

وهيأ له ما يحتاج إليه من حوائج السفر، وبعث معه هدايا عظيمة إلى سلطان الروم، فلما وصل الروم أكرمه السلطان وولاه عدة أعمال، كما سيأتي ذكرها (١). * * *

стр. 37

المبحث الثاني شيوخه الذين أخذ عنهم العلوم المختلفة وبيانهم كالآتي: ١ - القزويني البغدادي الزين الجزيري: عبد الرحمن بن محمد بن العلامة سعد الدين الشافعي زين الدين الجزيري، نسبة إلى جزيرة ابن عمر (١)، عالم بغداد، ويعرف بالحلّالي، وبابن الحلّال لحل أبيه المشكلات إلى اقترحها العضد عليه، ولد في سنة (٧٧٣ هـ) وأخذ عن أبيه، وغيره في بغداد، وغيرها، ودرس بالجزيرة، وبرع في الفقه، والقراءات، والتفسير، وحج، وقدم حلب لطلب زيارة القدس، فزار، ثم رجع إلى حلب، وظهرت فضائله، ودخل القاهرة في سنة (٨٣٤ هـ) وأخذوا عنه العلوم المختلفة، ثم رجع إلى بلده، وكان إمامًا متقنًا، مفتيًا، مفسرًا، مقرئًا، نحويًا، عروضيًا، له اليد الطولى في علم المعاني، والبيان، وكان يُرجَّح على العلاء البخاري التي ستأتي ترجمته بعد قليل.

стр. 38

وقد لازمه الشهاب الكوراني فأخذ عنه القراءات السبع، وبه تخرج وتفقه، كما أخذ عنه النحو، مع علمي المعاني والبيان، والعروض، ولما قدم بيت المقدس في سنة (٨٣٥ هـ) كان الكوراني في صحبته، ملازمًا له وقرأ عليه في "الكشاف" بالمسجد الأقصى، كما أخذ عنه القراءات، والتفسير وغير ذلك الجم الغفير، وله مصنفات في القراءات، وشرح الطوالع، وتوفي في بلده جزيرة ابن عمر سنة (٨٣٦ هـ) (١). ٢ - الجلال الحلوائي: هو محمد بن يوسف بن الحسن بن محمود بن العز الحلوائى، السرائى الأصل التبريزي، الشافعي، أقام بحصن كيفا من ديار بكر، وعندما قدم إليها الشهاب الكوراني من بغداد أخذ عن الجلال العربية، ثم قدم الحلوائي حلب سنة (٨٣٤ هـ)، ثم توجه منها إلى مصر، فأكرمه واليها حينها. ورتب له رواتب، فأقام بها مدة، ثم طلبه صاحب حصن كيفا منه، فجهزه إليه مكرّمًا، فلما وصل إلى حمص مات بها سنة (٨٣٨ هـ) (٢). ٣ - العلاء البخاري: علاء الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد البخارى العجمي الحنفي العلامة.

стр. 39

ولد سنة (٧٧٩ هـ) ببلاد العجم، ونشأ بها، فأخذ عن أبيه، وعن السعد التفتازاني، وآخرين، وارتحل في شبيبته إلى الأقطار لطلب العلم إلى أن تقدم في الفقه، والأصلين، والعربية واللغة، والمنطق، والجدل، والمعاني، والبيان، والبديع، وغير ذلك من المعقولات والمنقولات. ومهر في الأدبيات، وتوجه إلى الهند ونشر العلم هناك، وكان ممن قرأ عليه ملكها، ثم قدم مكة فجاور بها، ثم قدم القاهرة، فأقام بها سنين، ثم توجه إلى الشام، وأخذ عنه العلم الجم الغفير. واتفق له حوادث بدمشق منها أنه كان يسأل عن مقالات ابن تيمية شيخ الإسلام إلى قال بها مخالفًا علماء وقته، فكان يصرح بتبديعه، ثم بتكفيره، ثم صرح بتكفير من أطلق عليه شيخ الإسلام. فانتدب للرد عليه الحافظ ابن ناصر الدين (١)، وصنف كتابًا سماه "الرد الوافر على من زعم أن من أطلق على ابن تيمية أنه شيخ الإسلام كافر" جمع فيه كلام من أطلق عليه ذلك من الأئمة الأعلام من أهل

стр. 40

المذاهب سوى الحنابلة، وضمنه الكثير من ترجمة شيخ الإسلام، وذكر مناقبه، وأرسل بنسخة منه إلى القاهرة، فقرظه جماعة من أعيانها، كابن حجر، والعلم البلقيني (١)، والعيني (٢)، والبساطي (٣) وغيرهم.
следующие страницы →