وهيأ له ما يحتاج إليه من حوائج السفر، وبعث معه هدايا عظيمة إلى سلطان الروم، فلما وصل الروم أكرمه السلطان وولاه عدة أعمال، كما سيأتي ذكرها (١).
* * *
стр. 37
المبحث الثاني شيوخه الذين أخذ عنهم العلوم المختلفة
وبيانهم كالآتي:
١ - القزويني البغدادي الزين الجزيري:
عبد الرحمن بن محمد بن العلامة سعد الدين الشافعي زين الدين الجزيري، نسبة إلى جزيرة ابن عمر (١)، عالم بغداد، ويعرف بالحلّالي، وبابن الحلّال لحل أبيه المشكلات إلى اقترحها العضد عليه، ولد في سنة (٧٧٣ هـ) وأخذ عن أبيه، وغيره في بغداد، وغيرها، ودرس بالجزيرة، وبرع في الفقه، والقراءات، والتفسير، وحج، وقدم حلب لطلب زيارة القدس، فزار، ثم رجع إلى حلب، وظهرت فضائله، ودخل القاهرة في سنة (٨٣٤ هـ) وأخذوا عنه العلوم المختلفة، ثم رجع إلى بلده، وكان إمامًا متقنًا، مفتيًا، مفسرًا، مقرئًا، نحويًا، عروضيًا، له اليد الطولى في علم المعاني، والبيان، وكان يُرجَّح على العلاء البخاري التي ستأتي ترجمته بعد قليل.
стр. 38
وقد لازمه الشهاب الكوراني فأخذ عنه القراءات السبع، وبه تخرج وتفقه، كما أخذ عنه النحو، مع علمي المعاني والبيان، والعروض، ولما قدم بيت المقدس في سنة (٨٣٥ هـ) كان الكوراني في صحبته، ملازمًا له وقرأ عليه في "الكشاف" بالمسجد الأقصى، كما أخذ عنه القراءات، والتفسير وغير ذلك الجم الغفير، وله مصنفات في القراءات، وشرح الطوالع، وتوفي في بلده جزيرة ابن عمر سنة (٨٣٦ هـ) (١).
٢ - الجلال الحلوائي:
هو محمد بن يوسف بن الحسن بن محمود بن العز الحلوائى، السرائى الأصل التبريزي، الشافعي، أقام بحصن كيفا من ديار بكر، وعندما قدم إليها الشهاب الكوراني من بغداد أخذ عن الجلال العربية، ثم قدم الحلوائي حلب سنة (٨٣٤ هـ)، ثم توجه منها إلى مصر، فأكرمه واليها حينها. ورتب له رواتب، فأقام بها مدة، ثم طلبه صاحب حصن كيفا منه، فجهزه إليه مكرّمًا، فلما وصل إلى حمص مات بها سنة (٨٣٨ هـ) (٢).
٣ - العلاء البخاري:
علاء الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد البخارى العجمي الحنفي العلامة.
стр. 39
ولد سنة (٧٧٩ هـ) ببلاد العجم، ونشأ بها، فأخذ عن أبيه، وعن السعد التفتازاني، وآخرين، وارتحل في شبيبته إلى الأقطار لطلب العلم إلى أن تقدم في الفقه، والأصلين، والعربية واللغة، والمنطق، والجدل، والمعاني، والبيان، والبديع، وغير ذلك من المعقولات والمنقولات. ومهر في الأدبيات، وتوجه إلى الهند ونشر العلم هناك، وكان ممن قرأ عليه ملكها، ثم قدم مكة فجاور بها، ثم قدم القاهرة، فأقام بها سنين، ثم توجه إلى الشام، وأخذ عنه العلم الجم الغفير.
واتفق له حوادث بدمشق منها أنه كان يسأل عن مقالات ابن تيمية شيخ الإسلام إلى قال بها مخالفًا علماء وقته، فكان يصرح بتبديعه، ثم بتكفيره، ثم صرح بتكفير من أطلق عليه شيخ الإسلام.
فانتدب للرد عليه الحافظ ابن ناصر الدين (١)، وصنف كتابًا سماه "الرد الوافر على من زعم أن من أطلق على ابن تيمية أنه شيخ الإسلام كافر" جمع فيه كلام من أطلق عليه ذلك من الأئمة الأعلام من أهل
стр. 40
المذاهب سوى الحنابلة، وضمنه الكثير من ترجمة شيخ الإسلام، وذكر مناقبه، وأرسل بنسخة منه إلى القاهرة، فقرظه جماعة من أعيانها، كابن حجر، والعلم البلقيني (١)، والعيني (٢)، والبساطي (٣) وغيرهم.
стр. 41
وكتب العلاء، الترجم له إلى السلطان يُغريه بابن ناصر الدين، وبالحنابلة، فلم يلتفت السلطان إليه. ونعم الموقف من هذا الوالي.
قال الشوكاني (١): "وما كان أغنى صاحب الترجمة - يعني العلاء - عن ذلك، ولكن الشيطان له دقائق لا سيما في مثل من هو في هذه الطبقة من الزهد والعلم".
стр. 42
ولما قدم الكوراني دمشق لازم العلاء البخاري، وانتفع به، ورحل في صحبته إلى بيت المقدس، وقرأ عليه في "الكشاف"، وفي "فاضحة الملحدين وناصحة الموحدين"، ورسالة في الرد على الوجودية، وهما للعلاء نفسه، وتوفي العلاء يوم الخميس الثالث والعشرين من رمضان سنة (٨٤١ هـ) بالمزة، ودفن بسطحها، وهي من ضواحي دمشق (١).
٤ - الزين الزركشي:
عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد، أبو ذر المصري الحنبلي ولد سنة (٧٥٨ هـ) بالقاهرة، ونشأ بها، فحفظ القرآن، و "العمدة"، و"المحرر الفقهي"، وأخذ عن الجم الغفير من علماء عصره، وأجازوا له، ثم ارتحل إلى دمشق، والتقى بعلمائها فأخذ عنهم، وأجازوه بالإفتاء، والتدريس، وتنقل في أماكن كثيرة في الشام، ومصر، وناب في القضاء، وكان أبوه أسمعه في صغره كثيرًا، لكن لما مات حصلت لهم كائنة، فذهبت أثباته في جملة كتبه. ثم ظفر بنسخة سماعه لصحيح مسلم، فأخذ عنه الجم الغفير ذلك، ومنهم أحمد بن إسماعيل الكوراني، فقد أخذ عن المذكور، سماع "صحيح مسلم"، وتوفي ابن الزركشي سنة (٨٤٦ هـ) بالقاهرة (٢).
стр. 43
٥ - الحافظ ابن حجر:
أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الكناني، العسقلاني المصري المولد، والمنشأ، والدار، والوفاة، الشافعي، ويعرف بابن حجر، شهاب الدين أبو الفضل، ولد سنة (٧٧٣ هـ) بمصر، ونشأ بها يتيمًا في كنف أحد أوصيائه، فحفظ القرآن، ثم حفظ عدة متون في الفقه، والحديث والأصول، والنحو، وبحث في ذلك على شيوخ عصره، وأخذ عنهم غالب العلوم الآلية والأصولية، ثم حبب الله إليه فن الحديث، فأقبل عليه بكليته، وطلبه من سنة (٧٩٣ هـ) فعكف على الزين العراقي (١)، وحمل عنه جملة نافعة من علم الحديث سندًا، ومتنًا، وعللًا، واصطلاحًا، وارتحل إلى الشام، والحجاز، واليمن، ومكة، وما بين هذه النواحي حتى صار إمامًا، حافظًا، فقيهًا، محدثًا، مورخًا، أديبًا، شاعرًا، مقرئًا، وتخرج على يديه أئمة يقتدى بهم في العلوم المختلفة، وقد زادت مؤلفاته التي معظمها في الحديث، والتاريخ،
стр. 44
الأدب، والفقه، والأصلين على مائة وخمسين مصنفًا منها: "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، و "الإصابة في تمييز الصحابة"، و "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة"، وعمل شرحًا على الإرشاد في فروع الفقه الشافعي، وله ديوان شعر، وغر ذلك كثير، وقد أخذ عنه أحمد بن إسماعيل الكوراني علم الحديث رواية ودراية، حيث سمع عنه في البخاري، وشرح الألفية للعراقي ولازمه، فأجازه الحافظ في الحديث، وشهد له في ذلك سيما "صحيح البخاري". وتوفي الحافظ في القاهرة سنة "٨٥٢ هـ" (١).
٦ - القلقشندي:
العلاء، أبو الفتح علي بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن القطب القرشي القاهري الشافعي، ولد سنة (٧٨٨ هـ) بالقاهرة، ونشأ بها في كنف أبيه، فحفظ القرآن، وأخذ الفقه، والحديث والقراءات، والمعاني، والبيان، والمنطق عن علماء عصره، كالزين العراقي، والحافظ، والبساطي، وغيرهم، فأجازوا له في كثير من العلوم، وحج سنة (٨١١ هـ) وجاور في مكة، وأخذ عن علمائها، ثم زار المدينة، وأخذ كذلك عن علمائها، ثم ارتحل إلى الشام في سنة (٨٣٤ هـ) فأخذ بها عن حافظها ابن ناصر الدين، ولازم العلاء البخاري حتى قرأ عليه مؤلفاته، وأجاز له فيها،
стр. 45
وفي غيرها، وزار القدس، والخليل، وأخذ بكل منهما عن جماعة، وأجاز له خلق، ثم رجع إلى القاهرة، وتولى عدة مناصب كالإفتاء والتدريس، فانتفع به خلق من الأعيان، وأخذ الناس عنه طبقة بعد طبقة، وكان ممن أخذ عنه الشهاب الكوراني أحمد بن إسماعيل حيث قرأ عليه في "الحاوي"، وتوفي المترجم له سنة "٨٥٦ هـ" (١).
٧ - الشرواني:
محمد بن إبراهيم، وقيل: ابن مراهم الدين، الأستاذ العلامة، شمس الدين، القاهري، الشافعي، وهو منسوب لمدينة بناها أنوشروان محمود باد، ولد سنة (٧٧٨ هـ)، وقيل: (٧٨٠ هـ)، وحفظ القرآن، وأخذ عن علماء عصره في بلده، ثم قدم القاهرة في سنة (٨٣٠ هـ) واستوطنها مدة، وقُرئ عليه "شرح العضد"، و"شرح الطوالع"، وأخذ عنه جم غفير في فنون عديدة، وكان أحد أفراد الدهر في علوم المعقولات، وكان زاهدًا، ورعًا، عفيفًا، نزيهًا، مع الانجماع - أي العزلة - عن بني الدنيا لا يتردد إلى أحد مطلقًا، وقد لازمه الإمام الكوراني كثيرًا، وقرأ عليه "صحيح مسلم"، و "الشاطبية"، وغير ذلك، وله مؤلفات منها: "حاشية على شرح العضد"، وحاشية على "شرح الطوالع"، وغيرهما، وتوفي سنة (٨٧٣ هـ) مستهل صفر، مبطونًا (٢).
стр. 46
المبحث الثالث تلامذته
تقدم ذكر رحلاته في البلدان الإسلامية، وكان له فيها مكوث للطلب والتحصيل، وكان له في بعضها أعمال زاولها كالتدريس، والإفادة، والتأليف، فأخذ عنه الكثير العلوم المختلفة، غير أن كتب التراجم لم تصرح إلا في أفراد قليلة، واكتفى بعضها بالقول: وأقرأ الحديث، والتفسير، وعلوم القرآن، حتى تخرَّج من عنده كثير من الطلاب، وتمهروا في العلوم المذكورة، وقد أخذ عنه الأكابر فقهًا، وأصولًا، وغير ذلك.
ورغم أني تتبعت الوفيات في كتب التراجم إلا أنِّي لم أعثر إلا على التالية أسمهاؤهم:
أولًا: محمد خان بن مراد خان بن محمد خان بن بايزيد خان بن أورخان بن عثمان الغازي سلطان الروم، وابن سلطانها، ولد سنة (٨٣٦ هـ) وهو الذي أسس ملك بني عثمان، وقرر قواعده، ومهد قوانينه، وهو الذي فتح القسطنطينية (١) الكبرى، وساق إليها السفن برًّا، وبحرًا، وكان
стр. 47
فتحها في يوم الأربعاء سنة (٨٥٧ هـ) من جمادى الآخرة، واستقر بها هو ومَنْ بعده من السلاطين، وبنى بها المدارس الثمان المشهورة، وكان مائلًا إلى العلماء، مقرِّبًا لهم يخلطهم بنفسه، ويأخذ عنهم في كل علم، ويحسن إليهم ويستجلبهم من الأقطار النائية، ويراسلهم ويفرح إذا دخل إلى مملكته واحد منهم، وله معهم أخبار مبسوطة في "الشقائق النعمانية" عند ذكر علماء دولته، وتوفي سنة (٨٨٦ هـ).
وقد أخذ تعلمه وتعليمه في صباه على الشهاب الكوراني عندما قدم من مصر على السلطان مراد خان، وكان ولده محمد المذكور غائبًا في ذلك الوقت ببلدة مغنيا، وقد أرسل إليه والده عددًا من المعلمين، ولم يمتثل أمرهم، ولم يقرأ شيئًا، حتى إنه لم يختم القرآن، فطلب السلطان المذكور رجلًا له مهابة وحدة، فذكروا له الكوراني، فجعله معلمًا لولده محمد، وأعطاه بيده قضيبًا يضربه بذلك إذا خالف أمره، فذهب إليه، فدخل عليه والقضيب بيده، فقال: أرسلني والدك للتعليم وللضرب إذا خالفت أمري، فضحك السلطان محمد خان من هذا الكلام، فضربه الكوراني في ذلك
стр. 48
المجلس ضربًا شديدًا حتى خاف منه السلطان محمد مراد خان وختم القرآن في مدة يسيرة، ففرح بذلك والده السلطان مراد، وأرسل إلى الكوراني أموالًا عظيمة (١).
ثانيًا: المقريزي:
أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد المحيوي، الحسيني، العبيدي، البعلي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة، ويعرف بابن المقريزي، تقي الدين، شهاب الدين، أبو العباس، محدث، مؤرخ، مشارك في بعض العلوم.
ولد بالقاهرة سنة (٧٦٩ هـ) وقيل: (٧٦٦ هـ) ونشأ بها، وتفقه
على مذهب أبي حنيفة، واشتغل في العلوم التي كانت معروفة في عصره.
ونظم ونثر، وولي حسبة القاهرة، وألف كتبًا كثيرة حتى قيل: إنها زادت على مائتي مجلدة كبار، وإن شيوخه بلغت ستمائة نفس، ومن مؤلفاته: "المواعظ"، و"الاعتبار بذكر الخطط والآثار"، و"درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة"، و"مجمع الفرائد ومنبع الفوائد"، و"إمتاع الأسماع فيما للنبي ﷺ من الحفدة والمتاع"، و"الخبر عن البشر"، و"السلوك في معرفة دول الملوك"، وغير ذلك، وقد ذكر المقريزي نفسه أنه قرأ على الكوراني "صحيح مسلم"، و"الشاطبية"، فظهر له منه براعة وفصاحة،
стр. 49
ومعرفة تامة لفنون من العلم ما بين فقه، وعربية وقراءات وغيرها. وتوفي المقريزي سنة (٨٤٥ هـ) (١).
ثالثًا: ابن اللجام:
علي بن عبد الله العربي الحلبي، علاء الدين، نشأ في حلب، وقرأ على علمائها، ثم قدم بلاد الروم، وأخذ عن علمائها العلوم المختلفة، ولازم شهاب الدين الكوراني صاحبنا، وأخذ عنه، وكان الكوراني يرجحه على غيره من تلامذته نظرًا لنبوغه في العلوم المختلفة، فقد كان محدثًا، مفسرًا، فقيهًا، أصوليًّا، نحويًّا، مشاركًا في غيرها من العلوم العقلية، وتولى التدريس في أماكن متعددة من الروم، وذكر له في "الشقائق النعمانية" ترجمة طويلة، وحكايات كثيرة، وله مؤلفات منها: حواشي على المقدمات الأربع، وتعليقة على "التوضيح في الأصول"، وحاشية على "شرح عقائد النسفي" للتفتازاني، وتوفي سنة (٩٠١ هـ) (٢).
стр. 50
رابعًا: محيي الدين العجمي:
كان من تلامذة الشهاب الكوراني وأخذ عنه عدة فنون، ثم صار مدرسًا في عدة أماكن في الروم، ثم صار قاضيًا بأدرنة إلى أن توفي بها، كان ورعًا، زاهدًا، متمسكًا بالشرع، قويًّا في الحق، وله تقرير واضح، وتحرير حسن، واشتهر بحسن الخط وجودته، وله مؤلفات منها: حواشي على "شرح الفرائض" للسيد الشريف، وله تعليقات، ورسائل، منها رسالة في باب الشهيد كتبها على "شرح الوقاية" لصدر الشريعة (١).
* * *
стр. 51
المبحث الرابع أقرانه
كان القرن التاسع الهجري مزدهرًا بالعلم والعلماء، ورواد العلم، وطلابه، لذا، فإن أقران شهاب الدين الكوراني كثيرون، ولكني سأقتصر على ذكر القلة من أقرانه، وهم بعض الذين كانت له بهم صلة ما، من زمالة في الطب، وتنافس في العلم، والتعليم، ونحو ذلك، وهم كالآتي مرتبين حسب وفياتهم:
١ - الإمام جلال الدين المحلي (١):
محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن هاشم، الشافعي، المصري، ولد بالقاهرة سنة (٧٩١ هـ) ونشأ بها، ثم اشتغل بعدة فنون، فأخذ الفقه وأصوله، والعربية عن الشمس البرماوي (٢)،
стр. 52
وعن الجلال البلقيني (١)، والولي العراقي (٢)، والعز بن جماعة (٣)، وغيرهم.
стр. 53
كما أخذ المنطق، والجدل، والمعاني، والبيان، والعروض عن آخرين من شيوخ عصره، ولازم البساطي في التفسير، وأصول الدين وغيرهما، وأخذ عن العلاء البخاري، وكان يرجحه على الشهاب الكوراني صاحبنا، وأخذ علوم الحديث عن الولي العراقي، والحافظ ابن حجر، ومهر وتقدم وتفنن في العلوم النقلية والعقلية، وتصدى للتصنيف والتدريس، فأخذ عنه العلم الجم الغفير، وله مؤلفات متقنة، ومختصرة، رغب الأئمة في تحصيلها وقراءتها، كان ذكيًّا، مفسرًا، فقيهًا، متكلمًا، أصوليًّا، نحويًّا، منطقيًّا، صحيح الذهن، معظمًا عند الخاصة والعامة، مشهور الذكر بعيد الصيت، مقصودًا بالفتاوى من الأماكن البعيدة.
ومن مؤلفاته: "شرح جمع الجوامع"، و"شرح الورقات"، و"شرح المنهاج الفرعي"، و"شرح البردة"، وله "تفسير القرآن"، كمله جلال الدين السيوطي، و"شرح تسهيل الفوائد" لابن مالك في النحو، و"شرح
стр. 54
الشمسية في المنطق" لم يكمل، واختصر "التنبيه" للشيرازي، وتوفي سنة (٨٦٤ هـ) (١).
٢ - العلامة البقاعي:
إبراهيم بن عمر بن حسن الحافظ، الرباط، الخرباوي، الشافعي، نزيل القاهرة، ثم دمشق الشام، ولد بقرية خربة روحا من عمل البقاع سنة (٨٠٩ هـ) ونشأ بها، ثم تحول إلى دمشق، وبعدها إلى بيت المقدس، ثم دخل القاهرة، أخذ علم القراءات والفقه عن علماء عصره، وأخذ الحديث عن الحافظ ابن حجر، ومهر وبرع في الفنون المختلفة، ورحل، وسمع من خلق كثير، جمعهم في معجمه الذي سماه: "عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران"، وكان حافظًا، عالمًا، مفسرًا، محدثًا، مؤرخًا، أديبًا (٢).
стр. 55
وله مؤلفات منها: "الجواهر والدرر في مناسبة الآي والسور"، و"النكت على شرح ألفية العراقي"، و"النكت على شرح العقائد"، ومختصر كتاب "الروح" سماه: "سر الروح"، و"القول المفيد في أصول التجويد"، و"الاطلاع على حجة الوداع"، وله ديوان شعر، وتوفي بدمشق سنة (٨٨٥ هـ) (١).
٣ - الإمام السخاوي:
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر شمس الدين، أبو الخير، أو أبو عبد الله الشافعي، ولد بالقاهرة سنة (٨٣١ هـ)، أخذ العلوم المختلفة عن علماء عصره، ولازم الحافظ ابن حجر، وأخذ عنه علم الحديث، وبرع فيه.
وكان فقيهًا، مقرئًا، محدثًا، مؤرخًا، مشاركًا في أصول الفقه، والفرائض، والحساب، والتفسير، وغير ذلك.
له مؤلفات نافعة، خاصة في الحديث والتاريخ منها: "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع"، و"المقاصد الحسنة في الأحاديث الجارية على الألسنة"، و"البستان في مسألة الاختتان"، و"الأصل الأصيل في تحريم النظر في التوراة والإنجيل"، و"القناعة فيما تحسن إليه الحاجة من أشراط الساعة"، وتوفي سنة (٩٠٢ هـ) (٢).
стр. 56
وعندما ترجم للشهاب الكوراني صاحبنا قلل من شأنه، بل وصرح بنبزه (١).
٤ - الإمام الكمال بن أبي شريف:
محمد بن محمد بن أبي بكر بن علي بن مسعود المري القدسي، الشافعي، كمال الدين، أبو المعالي، فقيه محدث، أصولي، مفسر، متكلم، ولد بالقدس سنة (٨٢٢ هـ) ونشأ بها، وقرأ القرآن بالروايات، وأخذ العربية، والأصول، والحديث، والفقه، والمنطق، والعروض، وغيرها عن علماء عصره، ثم رحل إلى القاهرة، فأخذ عن علمائها، كالحافظ ابن حجر، وغيره، كما سمع بمكة، والمدينة، واستوطن القاهرة، وانتفع به أهلها، ثم عاد إلى القدس، وتولى بها عدة أعمال.
وله مؤلفات منها: "الفتاوى"، و"حاشية على تفسير البيضاوي"، و"شرح الإرشاد لابن المقري في الفقه"، و"إتحاف الأخصا بفضل المسجد الأقصى"، و"شرح كتاب المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة"، و"حاشية على شرح الجلال". وتوفي بالقدس سنة (٩٠٦ هـ) (٢).
стр. 57
الفصل الثالث في أعماله، وصفاته، ووفاته
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: عمله في القضاء، والتدريس.
المبحث الثاني: صفاته، وأخلاقه.
المبحث الثالث: وصيته، ووفاته.
стр. 58
المبحث الأول الأعمال التي تولاها
أولًا: عمله في القضاء:
لقد كان القضاء ولا يزال فريضة محكمة، وأمانة عظيمة له خطورته وأهميته، وقد كان الرسول ﷺ هو الحاكم والقاضي، ثم آل الأمر من بعده إلى خلفائه الراشدين، وأصحابه المهديين ﵃، فالتزموا طريقته، وسنته في ذلك، وقاسوا الأمور بنظائرها، فيما لا نص فيه من كتاب، أو سنة.
ولمّا كثرت الفتوحات، وتعددت الأمصار، وكثر المسلمون ظهر اهتمام الخلفاء بهذا العمل الجليل، فعينوا قضاة ينوبون عنهم في البلدان المفتوحة، رأوهم أهلًا لإسناد هذا المنصب المهم، والخطير إليهم، ثم جاء من بعدهم مَنْ تولى أمور المسلمين، فمنهم من وفق للعدل في أحكامه، ومنهم الظالم لنفسه ولغيره، وعندما حاول البعض منهم إخضاع القضاء لسلطان هواهم، والخروج به عمّا رسم له من معالم وأسس يقوم عليها، امتنع كثير من العلماء عن تولِّي هذا المنصب الجليل. وعلى الرغم من ذلك لم يزل القضاء -عمومًا- محتفظًا بهيمنته ومكانته، وكانت ميزته -غالبًا- العفة، والنزاهة، والعدل، والأمانة بدليل أننا لو نظرنا وتتبعنا العلماء
стр. 59
الذين أسند إليهم منصب القضاء في القرون المتتابعة حتى القرن التاسع الهجري -نجدهم-غالبًا- قدوة في الخير والزهد والصلاح، والعفة والعدل والأمانة.
فمثلًا في القرن التاسع الهجري في عصر الكوراني تولى فيه القضاء أئمة يقتدى بهم؛ كالزين الزركشي الحنبلي عبد الرحمن بن محمد، والحافظ ابن حجر العسقلاني أحمد بن علي بن محمد، والبساطي المالكي محمد بن أحمد بن عثمان، والعينى الحنفى محمود بن أحمد بن موسى الحلبي، والبلقينى صالح بن عمر بن رسلان، وغيرهم، كما أن ولاة الأمور كانوا يحرصون في الغالب على أن لا يلي هذا المنصب إلا من عرف بالدين، والعلم، والزهد، والورع، والتقوى، والأمانة.
ولمّا توجه شهاب الدين الكوراني من مصر، ووصل إلى الروم للسبب الذي سبق ذكره، وعُرِف علمه، وفضله، وتقواه، وصفاته الحميدة، وظهرت مقدرته وقوته وصراحته في الحق، دفع ذلك السلطان محمد خان إلى أن يوليه عدة مناصب في دولته، وإليك بيانها (١):
стр. 60
١ - عرض السلطان على الكوراني منصب الوزارة:
فلم يقبل الكوراني ذلك، وقال للسلطان: إن مَنْ في بابك من الخدم والعبيد إنما يخدمونك كي ينالوا الوزارة آخر الأمر، وإذا كان الوزير من غيرهم تنحرف قلوبهم عنك، فيختل أمر سلطنتك. فاستحسنه السلطان محمد خان.
٢ - قضاء عساكر الروم:
وهذا يعتبر قمة في السلطة القضائية حينها، فقد ولاه السلطان ذلك بعدما اعتذر عن قبول منصب الوزارة.
ولما باشر الكوراني القضاء، أعطى التدريس والقضاء لأهلهما من غير عرض ذلك على السلطان، فأنكر ذلك السلطان، واستحيا من إظهاره له فاستشار وزراءه في ذلك، فأشاروا عليه بما سبق ذكره في سبب رحلته من الروم إلى مصر.
٣ - قضاء مدينة بروسا، مع إشرافه على أوقافها:
ولمّا استشار السلطان وزراءه في إحالة الكوراني عن منصب قضاء العسكر أشاروا عليه بأن يواليه في توليته له قضاء بروسا؛ لأن الأحوال فيها تدهورت ولا يصلح لذلك أحد غيره، فقبل الكوراني ذلك بناء على التعليل السابق، ولم يعلم بالحيلة التي اتخذت لإحالته عن المنصب السابق.
ولمّا ذهب الكوراني إلى مدينة بروسا، وقام بالأمر فيها على خير ما يرام، وبعد مدة أرسل إليه السلطان واحدًا من خدمه بيده مرسوم السلطان
стр. 61
وضمّنه أمرًا يخالف الشرع، فما كان من الكوراني إلا أن مزق الكتاب، وضرب الخادم، فاشمأز السلطان لذلك، فعزله، ووقع بينهما منافرة أدت إلى رجوع الكوراني إلى مصر، وقد سبق بيان ذلك في رحلاته.
٤ - توليته قضاء بروسا مرة أخرى:
ولمّا عاد الكوراني من مصر إلى الروم بطلب من السلطان محمد خان، ولاه قضاء بروسا ثانية، ودام على ذلك مدة، ينفذ فيها أحكام الله تعالى دون محاباة، أو مجاملة.
٥ - تقليده منصب الفتوى:
لمّا أخذ منه القضاء قلده السلطان الفتوى العامة في البلاد، وهذا المنصب لا يتولاه إلا من بلغ بين أقرانه مرتبة في العلم يشار إليه بالبنان، والكوراني كان كذلك.
وعين له السلطان كل يوم مائتى درهم، وفي كل شهر عشرين ألف درهم، وفي كل سنة خمسين ألف درهم سوى ما يبعث إليه من الهدايا والتحف والعبيد والجواري، وعاش في نعمة، وعيش رغد، وكان ذلك سببًا في إنتاجه العلمى، فألف، وصنف كتبًا نافعة في فنها وموضوعها (١) وسيأتي بيانها في البحث الذي يخصها إن شاء الله تعالى.
стр. 62
ثانيًا: المدارس التي درس فيها:
إنَّ إفادة الناس ونشر العلم من أفضل العبادات، إذا ما صحبته النية الصادقة والإخلاص.
وينبغي لمن تولى هذه المهمة العظيمة أن يكون قدوة لغيره في السلوك والأخلاق، كما يكون مشفقًا وناصحًا لتلامذته، مراعيًا استعدادهم وتقبلهم، فيبدأ بالأهم، فالأهم إلى غير ذلك من آداب التدريس.
وقد تولى شهاب الدين الكوراني التدريس في عدة مدارس، فاستفاد منه الكثير، وتخرج على يديه علماء عاملون، وكان وقورًا في درسه، مشفقًا على تلامذته، قدوة لهم في الخير والصلاح، وإليك ذكر المدارس التي درَّس فيها.
١ - المدرسة البرقوقية (١):
حيث تولى فيها تدريس الفقه.
стр. 63
٢ - مدرسة مراد الغازي بمدينة بروسا (١):
وذلك أن السلطان مراد خان، لما قدم الكوراني الروم، ورأى فضله أسند إليه السلطان مهمة القيام بها تدريسًا وإدارة، فقام الكوراني في ذلك خير قيام، وتخرج منها العديد من الطلاب.
٣ - مدرسة السلطان بايزيد خان (٢) الغازي:
وذلك أن السلطان مراد خان لما رأى إخلاص شهاب الدين الكوراني
стр. 64
في عمله وحسن إدارته، أسند إليه القيام على مدرسة جده السلطان بايزيد خان الغازي بمدينة بروسا كذلك (١).
٤ - ومدرسة دار الحديث:
ولما استقر به المقام في الروم، وألقى عصا الترحال، وانثالت عليه الدنيا، أنشأ الكوراني في اسطنبول دورًا للمحتاجين، ومدرسة سماها دار الحديث، وجامعًا بخطبة، وآخر بدونها (٢).
* * *
стр. 65
المبحث الثاني صفاته، وأخلاقه
جرت العادة -غالبًا- على ذكر المؤرخين صفات العلماء الخلقية، بضم المعجمة، واللام؛ لأنها هي الميزان الذي يوزن به الإنسان، ويقاس به.
وقد عُرِف الإمام الكوراني بصفاته الحميدة، وأخلاقه المرضية، علمًا، وورعًا، وزهدًا، وعفة، ونزاهة، ودماثة أخلاق، وتواضعًا وسلامة صدر، وصراحة في الحق دون محاباة، أو مجاملة لأحد مهما كانت منزلته ومكانته، وإليك بعضًا من تلك الصفات:
١ - عرض عليه السلطان محمد مراد خان منصب الوزارة في دولته، فاعتذر عن قبولها بما سبق ذكره.
٢ - لمّا ولاه السلطان محمد خان منصب قضاء عساكر الروم باشر الأمور بنفسه وأشرف على تنفيذها، ووضعها في مواضعها، دون الرجوع إلى السلطان، فدفع ذلك السلطان إلى عزله عن هذا المنصب بالطريقة التي سبق ذكرها.
٣ - لمّا كان قاضيًا في مدينة بروسا، وجاءه مرسوم من السلطان، وفيه مخالفة للوجه الشرعي، مزَّق المرسوم السلطاني، وأمر بضرب الخادم الذي حمله إليه، مما أدى إلى عزله وخروجه من الروم، كما تقدم.
стр. 66
٤ - كان يخاطب السلطان باسمه، ولا ينحني له، ولا يقبِّل يده، بل يصافحه مصافحة، وكان لا يأتي إلى السلطان يوم عيد، ولا غيره إلا إذا أرسل إليه ودعاه.
٥ - كان ينصح للسلطان محمد خان، ويقول له: إن مطعمك حرام، وملبسك حرام، فعليك بالاحتياط، واتفق في بعض الأيام أنه أكل مع السلطان محمد خان، فقال السلطان له: أنت أيها المولى أكلت -أيضًا- من الحرام، فقال الإمام شهاب الدين له: ما يليك من الطعام حرام، وما يلينى حلال، فحول السلطان الطعام. فأكل الكوراني منه، فقال السلطان له: أكلت من جانب الحرام، فقال شهاب الدين: نفد ما عندك من الحرام، وما عندي من الحلال، فلهذا حولت الطعام.
وأرسل إليه السلطان بايزيد خان الثاني (١) يوم عرفة يسأله المجيء إليه، وكان يوم مطر، فجاءه الخادم، وقال له: السلطان يسلم عليكم، ويلتمس منكم أن تشرفوه غدًا، فقال الكوراني: لا أذهب، واليوم يوم
стр. 67
وحل أخاف أن يتوحل خُفّي، فذهب الخادم، فلم يلبث إلا أن جاء، وقال: سلم عليكم السلطان، وأذن لكم أن تنزلوا عن الدابة في موضع نزول السلطان، حتى لا يتوحّل خُفّكم، فذهب إليه بعد ذلك.
٦ - قيل له يومًا: إن الشيخ فلانًا يزور فلانًا، ولا يزورك. فقال العلامة الكوراني: أصاب لأن فلانًا - ويعنى المُزار- عالم عامل تجب زيارته، وأنا، وإن كنت عالمًا لكنى خالطت السلاطين، فلا تجوز زيارتي.
٧ - كان -رحمه الله تعالى- لا يحسد أحدًا من أقرانه إذا فضل عليه في المنصب، وإذا قيل له في ذلك كان يقول: المرء لا يرى عيوب نفسه، ولو لم يكن له فضل عليّ لما أعطاه الله تعالى ذلك المنصب.
٨ - قال الكوراني يومًا للسلطان محمد خان -بطريق الشكاية عنه-: إن الأمير تيمور خان (١) أرسل بريد المصلحة، وقال له: إن احتجت إلى فرس خذ فرسَ كلِّ مَن لقيته، وإن كان فرس ابني فلان، فتوجه البريد إلى
стр. 68
ما أمر به، فلقى العلامة سعد الدين التفتازاني، وهو نازل في موضع، قاعد في خيمته، وأفراسه مربوطة قدامه، فأخذ البريد منها فرسًا، فأخبر العلامة سعد الدين بذلك، فضرب البريد ضربًا شديدًا، فغضب الأمير تيمور خان غضبًا شديدًا، ثم قال: لو كان ابنى فعل ذلك لقتلته، ولكنى كيف أقتل رجلًا ما دخلت في بلدة إلا وقد دخلها تصنيفه قبل دخول سيفى؟ ثم قال الكوراني للسلطان: إن تصانيفى تُقرأ الآن بمكة المكرمة، ولم يبلغ إليها سيفك. فقال السلطان محمد خان: نعم أيها المولى، الناس يكتبون تصانيفه، وأنت كتبت تصنيفك، وأرسلته إلى مكة المكرمة، فضحك الكوراني واستحسن هذا غاية الاستحسان.
٩ - كانت أوقاته مصروفة إلى الدرس والفتوى والتصنيف والعبادة، حكى بعض تلامذته أنه بات عنده ليلة، فلما صلى العشاء ابتدأ بقراءة القرآن من أوله، قال: وأنا نمت، ثم استيقظت، فإذا هو يقرأ، ثم نمت، فاستيقظت، فإذا هو يقرأ سورة الملك، فأتم القرآن عند طلوع الفجر، قال: سألت بعض خدامه عن ذلك، فقال: هذه عادة مستمرة له.
١٠ - كان -رحمه الله تعالى- رجلًا مهيبًا طويلًا كبير اللحية، وكان يصبغها، وهذه صفته الخلقية، بفتح المعجمة وسكون اللام.
وقد ذكر هذه الصفات السابقة صاحب "الشقائق النعمانية"، ثم قال في نهايتها: ومناقبه كثيرة لا يتحمل ذكرها هذا المختصر (١).
стр. 69
المبحث الثالث وصيته، ووفاته
وبعد أن استقر في الروم في القسطنطينية، وألقى عصا الترحال فيها ولازم التدريس، والفتوى، والإفادة، والتأليف، حتى تقدم به السن، وألمَّ به ما يلمُّ بغيره من الوهن والضعف، حينها أسلم روحه لباريها في سنة (٨٩٣ هـ) (١).
وكان لوفاته حكاية، وهو أنه أمر يومًا في أوائل فصل الربيع أن تضرب له خيمة في خارج قسطنطينية، فسكن هناك إلى أول فصل الخريف، وفي هذه المدة كان الوزراء يذهبون إلى زيارته في كل أسبوع مرة، ثم إنه صلى الفجر في يوم من الأيام، وأمر أن ينصب له سرير في الموضع الفلاني من بيته في قسطنطينية، فلما صلى الإشراق جاء إلى بيته، واضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، وقال: أخبروا مَنْ في البلد من الذين قرؤوا عليَّ القرآن، فأخبروهم فحضروا كلهم، فقال لهم: لي عليكم حق، واليوم يوم قضائه، فاقرؤوا عليَّ القرآن العظيم إلى وقت العصر.
стр. 70
فأخبر الوزراء بذلك، فجاءوا إليه لعيادته، فبكى أحد الوزراء لما كان بينهما من المحبة الزائدة، فقال الكوراني له: لماذا تبكي؟ قال: فهمت فيكم ضعفًا، فقال له: ابك على نفسك، فإني عشت في الدنيا بسلامة، وأختم إن شاء الله تعالى بسلامة، ثم قال للوزراء: سلموا منا على بايزيد -يريد السلطان بايزيد خان- وأوصيه أن يحضر صلاتي بنفسه، وأن يقضي ديوني من بيت المال قبل دفنى، ثم قال: أوصيكم إذا وضعتموني عند القبر أن تأخذوا برجلي، وتسحبوني إلى شفير القبر، ثم تضعوني فيه.
ثم إن الكوراني شهاب الدين صلى صلاة الظهر مومئًا، ثم أخذ يسأل عن أذان العصر، فلما قرب وقته أخذ يستمع صوت المؤذن، فلما قال المؤذن: الله أكبر، قال الإمام شهاب الدين: لا إله إلا الله، فخرجت روحه في تلك الساعة.
ثم إن السلطان بايزيد خان حضر صلاته، وقضى ديونه بلا شهود، فكانت ثمانين ألفًا ومائة ألف درهم، ثم إنهم لما وضعوه عند قبره لم يتجاسر أحد على أن يأخذ برجله، فوضعوه على حصير، وجذبوا الحصير إلى شفير القبر، ثم أنزلوه فيه، وسلموه إلى رحمة الله تعالى ورضوانه، وامتلأت المدينة ذلك اليوم بالضجيج والبكاء من الصغار والنساء والكبار، وكانت جنازته مشهورة مشهودة (١).
وبذلك خرجت روحه معلنة نهاية حياة شخص كان له أثر كبير في حياة الناس العلمية، فرحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وأجزل مثوبته على ما قدمه من خدمة للإسلام والمسلمين.
стр. 71
الفصل الرابع في مؤلفاته، وآثاره
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في مؤلفاته عامة.
المبحث الثاني: دراسة تحليلية لكتابه "الدرر اللوامع"
وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: عنوان الكتاب ونسبته إلى المؤلف.
المطلب الثاني: سبب تأليف الكتاب، والظرف الذي ألفه فيه.
المطلب الثالث: منهج المؤلف في الكتاب.
المطلب الرابع: أهمية الكتاب.
المطلب الخامس: تقويم عام لشروح "جمع الجوامع" التي اطلعت عليها.
المطلب السادس: وصف مخطوطتي الكتاب.
المطلب السابع: عملي في تحقيق الكتاب.
стр. 72
المبحث الأول مؤلفاته
لقد شارك شهاب الدين الكوراني في تزويد المكتبة الإسلامية بمؤلفات نافعة في فنون متعددة، وإليك بيانها:
١ - "حاشية المرشح على الموشح"، وهو شرح للخبيصي (١) على الكافية في النحو للإمام ابن الحاجب.
أولها: "الحمد لله الذي رفع بناء العربية بأدلة وحجج إلخ". وكتبها سنة (٨٨٩ هـ).
وقد قام بنسخها ويس بن ملا محمود سنة (١٢٠٨ هـ) ونوع الخط بالاستنساخ، بمقاس ٢١ × ١٥ سم، وعدد الأوراق (٢٦١) ورقة، وهي موجودة ضمن مخطوطات عبد الله مخلص بمكتبة الأوقاف العامة بالموصل (٢).
стр. 73
٢ - "حاشية العبقري على شرح الجعبري" (١) واسم شرحه: "كنز المعاني في شرح حرز الأماني" (٢).
٣ - "الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع"، وسيأتي الكلام عليه في مبحثه الخاص. إن شاء الله تعالى.
٤ - "دفع الختام عن موقف حمزة وهشام".
стр. 74
ومكان وجوده في مكتبة لالا بتركيا تحت رقم/ ٥٧، كما ذكر ذلك بروكلمان (١).
٥ - رسالة رد بها على الرسالة في الولاء لمحمد بن فرامرز الشهير بملا خسرو (٢)، وذكر في "كشف الظنون" أن رسالة ملا خسرو اشتملت على مقدمة، ومقصد، وفصل، وتذنيب، وفرغ منها في رمضان سنة (٨٧٣ هـ) ذهب فيها مذهبًا في الولاء، خرجه من أقوال الفقهاء، وخالف فيه سائر العلماء، وقرره في غرره ودرره، ورتب رسالة في تحقيقه، أولها: "الحمد لله الذي أحكم الشرع المبين إلخ"، وكُتِب في ردها رسالة المفتي أحمد بن إسماعيل الكوراني، أولها: "الحمد لله الذي مَنْ أراد به خيرًا فقهه في الدين إلخ"، ثم أجاب عليه ملا خسرو (٣) أيضًا.
стр. 75
٦ - "الشافية في العروض"، وهي قصيدة مشتملة على ستمائة بيت، نظمها للسلطان محمد خان مطلعها:
"بحمد إله الخلق ذي الطَّوْل والبِرِّ ... بدأت بنظم طَيُّه عبق النشر
وثَنَّيتُ حمدي بالصلاة لأحمدٍ ... أبي القاسم المحمود في كربة الحشر
صلاة تعمُّ الآل والشِّيّع التي ... حَموْا وجهه يوم الكريهة بالنصر" (١)
٧ - شرح أبيات الموشح الذي نظمه بها بعض علماء كرمان (٢) لبعض الولاة. وأوله: "الحمد لله الذي أوضح بأنوار هدايته منهج الدين إلخ" (٣).
٨ - "غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني" (٤).
وهو يقع في مجلد كبير، أوله: "الحمد لله المتوحد بالإعجاز في النظام إلخ".