الفصل الرابع في مؤلفاته، وآثاره
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في مؤلفاته عامة.
المبحث الثاني: دراسة تحليلية لكتابه "الدرر اللوامع"
وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: عنوان الكتاب ونسبته إلى المؤلف.
المطلب الثاني: سبب تأليف الكتاب، والظرف الذي ألفه فيه.
المطلب الثالث: منهج المؤلف في الكتاب.
المطلب الرابع: أهمية الكتاب.
المطلب الخامس: تقويم عام لشروح "جمع الجوامع" التي اطلعت عليها.
المطلب السادس: وصف مخطوطتي الكتاب.
المطلب السابع: عملي في تحقيق الكتاب.
стр. 72
المبحث الأول مؤلفاته
لقد شارك شهاب الدين الكوراني في تزويد المكتبة الإسلامية بمؤلفات نافعة في فنون متعددة، وإليك بيانها:
١ - "حاشية المرشح على الموشح"، وهو شرح للخبيصي (١) على الكافية في النحو للإمام ابن الحاجب.
أولها: "الحمد لله الذي رفع بناء العربية بأدلة وحجج إلخ". وكتبها سنة (٨٨٩ هـ).
وقد قام بنسخها ويس بن ملا محمود سنة (١٢٠٨ هـ) ونوع الخط بالاستنساخ، بمقاس ٢١ × ١٥ سم، وعدد الأوراق (٢٦١) ورقة، وهي موجودة ضمن مخطوطات عبد الله مخلص بمكتبة الأوقاف العامة بالموصل (٢).
стр. 73
٢ - "حاشية العبقري على شرح الجعبري" (١) واسم شرحه: "كنز المعاني في شرح حرز الأماني" (٢).
٣ - "الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع"، وسيأتي الكلام عليه في مبحثه الخاص. إن شاء الله تعالى.
٤ - "دفع الختام عن موقف حمزة وهشام".
стр. 74
ومكان وجوده في مكتبة لالا بتركيا تحت رقم/ ٥٧، كما ذكر ذلك بروكلمان (١).
٥ - رسالة رد بها على الرسالة في الولاء لمحمد بن فرامرز الشهير بملا خسرو (٢)، وذكر في "كشف الظنون" أن رسالة ملا خسرو اشتملت على مقدمة، ومقصد، وفصل، وتذنيب، وفرغ منها في رمضان سنة (٨٧٣ هـ) ذهب فيها مذهبًا في الولاء، خرجه من أقوال الفقهاء، وخالف فيه سائر العلماء، وقرره في غرره ودرره، ورتب رسالة في تحقيقه، أولها: "الحمد لله الذي أحكم الشرع المبين إلخ"، وكُتِب في ردها رسالة المفتي أحمد بن إسماعيل الكوراني، أولها: "الحمد لله الذي مَنْ أراد به خيرًا فقهه في الدين إلخ"، ثم أجاب عليه ملا خسرو (٣) أيضًا.
стр. 75
٦ - "الشافية في العروض"، وهي قصيدة مشتملة على ستمائة بيت، نظمها للسلطان محمد خان مطلعها:
"بحمد إله الخلق ذي الطَّوْل والبِرِّ ... بدأت بنظم طَيُّه عبق النشر
وثَنَّيتُ حمدي بالصلاة لأحمدٍ ... أبي القاسم المحمود في كربة الحشر
صلاة تعمُّ الآل والشِّيّع التي ... حَموْا وجهه يوم الكريهة بالنصر" (١)
٧ - شرح أبيات الموشح الذي نظمه بها بعض علماء كرمان (٢) لبعض الولاة. وأوله: "الحمد لله الذي أوضح بأنوار هدايته منهج الدين إلخ" (٣).
٨ - "غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني" (٤).
وهو يقع في مجلد كبير، أوله: "الحمد لله المتوحد بالإعجاز في النظام إلخ".
стр. 76
وأورد فيه مؤاخذات كثيرة على العلّامتين الزمخشري، والبيضاوي، وفرغ من تأليفه في ثالث رجب سنة (٨٦٧ هـ) (١).
وهو موجود في مكتبة سليم أغا بتركيا تحت رقم/ ٩٥، وفي مكتبة آيا صوفيا تحت رقم/ ٢٥٣ (٢).
وله نسخة في مكتبة الحرم النبوي الشريف تحت رقم/ ٤١/ ٢١٢.
وعدد الأوراق فيها/ ٢٩٠ ورقة.
٩ - قصيدة مدح للنبي ﷺ . وفيها يقول:
"لقد جاد شعري في ثناك فصاحة ... وكيف وقد جادت به السن الصخر
لئن كان كعب قد أصاب بمدحه ... يمانية تزهو على التبر في القدر
ففى أملي يا أجود الناس بالعطا ... ويا عصمة العاصين في ربعة الحشر
شفاعتك العظمى تَعمُّ جرائمي ... إذا جئت صفر الكف محتمل الوزر" (٣)
١٠ - قصيدة في مدح السلطان محمد بن مراد خان مطلعها:
"هو الشمس إلا أنه الليث باسلا ... هو البحر إلا أنه مالك البر"
стр. 77
بل قيل: له فيه قصائد طنانة كثيرة غير ذلك (١).
١١ - "كشف الأسرار: عن قراءة الأئمة الأخيار": وهو شرح على نظم (٢) الجزري، وأول الشرح: "الحمد لله الذي جعل حملة كتابه مع السفرة الكرام إلخ"، وفرغ من تأليفه في ربيع الأول سنة (٨٩٠ هـ) (٣)، وهو موجود في مكتبة نور عثمانية بتركيا تحت رقم/ ٨٤ (٤).
وأيضًا هو موجود ضمن مخطوطات عبد الله مخلص في مكتبة الأوقاف العامة في الموصل باسم "شرح الجزرية"، وأوله: "قال الشيخ رضى الله عنه" ونسخ سنة (١٠٥١ هـ بمقاس ٢١ × ١٦) وعدد الأوراق (٩٧/ ورقة) (٥).
١٢ - "الكوثر الجاري على رياض البخاري".
وهو شرح متوسط، أوله: "الحمد لله الذي أوقد من مشكاة الشهادة إلخ .. "، وقد رد في كثير من المواضع على الكرماني (٦)، والحافظ
стр. 78
ابن حجر، وضبط فيه أسماء الرواة في موضع الالتباس، وبين مشكل اللغات.
وقبل الشروع فيه ذكر سيرة النبي ﷺ إجمالًا، ومناقب المصنف وتصنيفه، وفرغ من تأليفه في جمادى الأولى سنة (٨٧٤ هـ) بأدرنة (١).
وهو موجود في مكتبة نور عثمانية بتركيا تحت رقم/ ٤٢١/ ٤٢٤، وفي مكتبة سليم أغا تحت رقم/ ٩٥، وفي مكتبة قوالا تحت رقم/ ٧٢ (٢).
١٣ - لغز قاله نظمًا في لقب الزين عبد الباسط بن خليل ناظر الجيوش. وهو قوله:
"أتيت بلغزي باسم من فاق رتبة ... على كوكب الجوزاء والشمس والبدر
تفطن له من غير فكر فإنه ... هو الغرة الغراء في جبهة الدهر
ولا تحصرن يومًا جميل صفاته ... فحاصرها ما عاش لم ينج من حصر
стр. 79
فشطر اسمه إن فات شخصًا فلم يجد ... سبيلًا إلى نيل المفاخر في العمر
وفي شطره الثاني اجتهد ذا تأمل ... فمن فاته يومًا يواصل بالكفر
وفي آخر الشطرين حرف مكرر ... وذلك حيوان توطن في البحر
وجملته وصف لنفس كريمة ... بها قام أصل المجد والعز والفخر
أتتك عويصات المعاني فكن بها ... فهيمًا بلطف في التدبر والفكر
وإن كان عيب فلتكن ذا مروءة ... وعجمتي العجماء موضحة العذر" (١)
١٤ - "اللوامع الغرر في شرح الفوائد الدرر":
وهو موجود في المكتبة السليمانية تحت رقم/ ٤٧، بتركيا (٢).
* * *
стр. 80
المبحث الثاني دراسة تحليلية لكتاب "الدرر اللوامع "
وفيه مطالب:
المطلب الأول: عنوان الكتاب، ونسبته إلى المؤلف:
قلت: قد ذكر عنوان كتابنا هذا في النسختين (أ، ب)، وهما اللتان توفرتا لديَّ عند القيام بالتحقيق، حيث جاء على الورقة الأولى منهما، ما نصه: "هذا الكتاب المسمى: بالدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع، تصنيف الحبر الإمام ......... أحمد بن إسماعيل الكوراني".
كما أن الشارح نفسه صرح بذلك في مقدمته، حيث قال - بعد ذكره السبب الذي دفعه إلى القيام بشرح "جمع الجوامع" -: " ...... وسميته: بالدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع" (١).
نسبة الكتاب إلى المؤلف:
يعتبر كتاب "الدرر اللوامع" من أكثر مؤلفات شهاب الدين الكوراني شهرة، فلذلك ذكرته جل الكتب التي ترجمت له، بل إن بعضها اكتفى بالتصريح به دون غيره.
стр. 81
قال السخاوي -وهو يترجم له-: "وشرح جمع الجوامع، وكثر تعقبه للمحلي بما اختلف الفضلاء فيه، تصويبًا، وردًّا" (١).
وقال السيوطي (٢) -في سياق ترجمته له-: "وألف شرح جمع الجوامع وغيره" (٣).
وقال الشوكاني -عند ترجمته له-: "وشرح جمع الجوامع، وكثر تعقبه للمحلي" (٤). كما أنه قد سبق ذكر نسبته إليه على الورقة الأولى من النسختين (أ، ب) بل من نص كلام الإمام الكوراني نفسه، وذلك عند ذكر عنوان الكتاب، كما سيأتي -أيضًا- نص كلام الكوراني في السبب الذي دفعه إلى تأليفه.
стр. 82
المطلب الثاني: سبب تأليف الكتاب، والظرف الذي ألفه فيه:
أولًا: سبب تأليفه:
ذكر الإمام الكوراني السبب الذي دفعه إلى ذلك في مقدمة كتابه المذكور، حيث قال: "ولقد أكثر السلف، والخلف من التصانيف المعتبرة -يعني في أصول الفقه- مطولة، ومختصرة، وبذلوا الوسع غايته، وبلغوا الجد نهايته.
ثم إنى وجدت كتاب "جمع الجوامع"، الذي ألفه العلامة المحقق، والحبر المدقق، قاضى القضاة، تاج الملة والدين، عبد الوهاب السبكي -ألبسه الله حلل الغفران، وأسبل عليه شآبيب الرضوان- أجمع للقواعد، وأوسع للفرائد والفوائد، مع سلاسة تراكيبه، ورشاقة أساليبه، ولم يقع له شرح (١) يكشف عن مخدراته نقابها، ويستخرج الصعاب من شعابها، ولم يزل يختلج في خلدي أن أضع له شرحًا يوضح مشكلاته، ويظهر معضلاته، ويبين مجملاته ... " (٢).
ثانيًا: الظرف الذي ألفه فيه:
أما ظرف الزمان، فإن الإمام الكوراني قدم من مملكة الروم إلى حلب سنة (٨٥٩ هـ)، ثم توجه إلى بيت المقدس، وبدأ تأليفه فيها في
стр. 83
السنة المذكورة نفسها، وانتهى منه في يوم الخميس الثاني من رجب سنة (٨٦١ هـ)، وقد صرح الكوراني بذلك في آخر كتابه بقوله:
"هذا آخر ما قصدنا شرحه من كتاب "جمع الجوامع"، وقد وفق الله الكريم بمنِّه ختمه يوم الخميس الثاني من رجب الفرد سنة (٨٦١ هـ) تجاه باب الجنة في المسجد الأقصى" (١)، ثم حج في السنة نفسها، وبعدها رجع إلى مملكة الروم (٢).
وأما ظرف المكان فهو المسجد الأقصى نهاية، كما سبق، وبداية حيث قال في مقدمته: " ... إلى أن يسر الله، -وله الحمد- الحلول بأشرف بلاد الأرض المقدسة، التي هي على تقوًى من الله مؤسسة، وقرت العين بجمال المسجد الأقصى، وكان ذلك المقصد الأقصى، فقلت: لعمري إن هذه ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]، فلما انزاحت عني الغصة، وانجابت لي الفرصة، شددت بلا ريث مظنة العزم، ورأيت ذلك غاية الحزم، فشرعت في شرح له يميط لثام مخدراته، ويزيح ختام كنوزه ومستودعاته" (٣).
стр. 84
المطلب الثالث: منهج المؤلف في الكتاب:
لقد رسم شهاب الدين الكوراني -رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه "الدرر اللوامع"، منهجه الذي يسير عليه في شرحه المذكور، فقال: " ... فشرعت في شرح له يميط لثام مخدراته، ويزيح ختام كنوزه ومستودعاته، أنقح فيه الغثّ من السمين، وأميز السين من الشين، أورد الحجج على وجه تتبختر اتضاحًا، وأترك الشبهة تتضاءل افتضاحًا، أطنب حيث يقتضي المقام، وأوجز إذا اتضح المرام، أشيد في كل ذلك القواعد، وأضم إليها ما ظهر لي من الفوائد، في ضمن تراكيب رائقة، وأساليب فائقة، وسوف تقر بما فيه عينُ كلِّ لبيب، ويفوز منه ببغيته كل أريب" (١).
ومن خلال صحبتي أربع سنوات لكتاب "الدرر اللوامع"، وبحثى فيه، وتتبعي لمسائله، وجزئياتها من ألفه إلى يائه، ثم اطلاعى على مصادره التي اعتمد عليها، يمكن أن ألخص منهجه فيما يأتي:
١ - اعتمد الإمام الكوراني في شرحه لـ "جمع الجوامع" على الكتب الأصولية التي ألفت قبله، كـ "المعتمد"، و"البرهان"، و"اللمع"، و"المستصفى"، و"المنخول"، و"المحصول"، و"الأحكام"، و"المختصر"، و"شرح العضد عليه"، و"التلويح"، وغيرها من كتب الأصول (٢)، وكل ذلك قد بينته عند نقله منها، بذكر مصادرها.
стр. 85
٢ - عند نقله منها يصرح -غالبًا- بالقول، فيقول مثلًا: قال في "المحصول" كذا، وبالرجوع إلى المصدر أجد أنه ينقل -غالبًا- بتصرف، وقد بين ذلك في محله.
٣ - عادة الشارح أن يذكر بداية المتن في المسألة، كأن يقول: "قوله: نحمدك ... إلى آخره"، ولا يذكر المتن كاملًا، ثم يسترسل في الشرح، وهذه عادته غالبًا.
٤ - كان شرحه للمتن متمثلًا في بيانه، وتوضيحه وفق مراد المصنف ثم بعد ذلك يبدي الإمام الكوراني رأيه سلبًا، أو إيجابًا، مدلِّلًا على ذلك، ومبينًا صحة ما ذهب إليه، ولهذا كانت له شخصيته المتميزة عن غيره من شراح المتن، وسيأتي بيان ذلك.
٥ - وقف الشارح على شرح الزركشي (١)، والجلال المحلى، ثم أبدى اعتراضات وردودًا عليهما، فيما قد يوجهان به المتن، أو يختار من القول
стр. 86
خلاف ما يرجحه هو ويختاره، غير أنه كان شديد اللهجة -عفا الله عنا وعنه- على الجلال المحلى، ومع ذلك لم يصرح باسم واحد منهما، بل يكتفى بالقول: قال بعض القاصرين، أو: وما قيل: إنه كذا، أو: وفي بعض الشروح، ونحو ذلك، وقد بينت ذلك، ومن المراد به عند الشارح في محله، وأحلت على مرجعه.
٦ - كان الشارح منصفًا مع المخالفين حيث يذكر ما لهم من الأدلة على ما ذهبوا إليه، ووجه دلالتها على المطلوب، ثم يناقشها، ويبين ما هو الصواب في ذلك، وهذه أمانة علمية التزمها الشارح في جلِّ مسائله إن لم أقل: في كلها.
٧ - رتب الشارح كتابه "الدرر اللوامع"، على وفق متن المصنف في كتبه ومسائله، غير أنه قد يبدو له القول أن لو تقدم هذا على ذاك، أو تأخر ذلك على هذا كان أولى، وقد ذُكِر ذلك في محله مع التوجيه لما ذهب إليه من قِبَله، أو التوجيه لصحة ما فعله المصنف من قِبَلى.
٨ - التزم الشارح بما قاله، ففي بعض المسائل أطنب واسترسل؛ لأن المقام يقتضي ذلك في نظره، وفي بعضها أوجز القول لوضوحها كذلك.
* * *
стр. 87
المطلب الرابع: أهمية الكتاب:
من المعلوم أن كتاب "جمع الجوامع" للإمام السبكي، قد حوى كثيرًا مما اشتملت عليه كتب الأصول التي سبقته، وقد ذكر مصنفه أنه جمعه من أكثر من مائة مصنف، فهو على اسمه "جمع الجوامع"؛ لأنه جمع في طياته غالب المسائل الأصولية، إن لم أقل كلها، بل وما اكتفى بذلك حيث عقد في نهاية كلامه على مسائل أصول الفقه عدة مباحث في الكلام على مسائل أصول الدين، وقسمها قسمين، مسائل اعتقادية عملية، ومسائل اعتقادية علمية، ثم أنهى كتابه بخاتمة في التصوف، وقد استغرق ذلك من المخطوط بما يزيد على عشرين لوحة، أي ما يعادل خمسة وأربعين صفحة تقريبًا، تصلح لأن تكون رسالة علمية مستقلة في العقيدة.
ولا غرابة في ذلك، لأن المصنف قد التزم في مقدمة كتابه أن يكون مؤلفه محيطًا بالأصلين، أصول الفقه، وأصول الدين، فوفى بما وعد، حيث قال: " ... ونضرع إليك في منع الموانع، عن إكمال "جمع الجوامع" الآتي من فني الأصول بالقواعد، القواطع، البالغ من الإحاطة بالأصلين، مبلغ ذوي الجد والتشمير، الوارد من زهاء مائة مصنف، منهلًا يروي ويمير، المحيط بزبدة ما في شرحي على المختصر والمنهاج، مع مزيد كثير، وينحصر في مقدمات، وسبعة كتب" (١).
стр. 88
فلذا لا غرابة إذا ما وجدناه، قد احتل مكانة عظيمة لدى العلماء والمتعلمين والباحثين، وتلقوه بالقبول، واهتموا به اهتمامًا كبيرًا، فمنهم من شرحه، ومنهم من نظمه، ومنهم من قام بعمل حواشى على بعض شروحه، ومنهم من كتب أجوبة على بعض مسائله، وهو جدير بهذا الاهتمام لما سبق ذكره.
وسيأتى بيان ذلك عند الكلام على كتاب "جمع الجوامع" إن شاء الله تعالى.
وعلى ما سبق، فإن أهمية كتاب "الدرر اللوامع" تظهر فيما يأتي:
١ - حيث إنه شرح لأهم وأجمع مصنف في الأصول -أشرت قبل قليل إلى قيمته ومكانته العلمية- وتلك الأهمية تمنح كتاب "الدرر اللوامع"، وتضفى عليه هذه القيمة تبعًا لأصله.
٢ - إن كتاب "الدرر اللوامع" ألف في مرحلة استقرار أصول الفقه، وكمال نضجه، وذلك لأن القرن التاسع الهجري كان حافلًا بالمصنفات الأساسية لهذا الفن، التي كانت ولا زالت، فيما بعدُ هي قواعد هذا الفن وأركانه، وقد سبق ذكر بعضها، فاعتمد شارحنا في كتابه "الدرر اللوامع" على جلِّ وغالب مَن تقدمه، فكان بذلك جامعًا وشاملًا، مع ما اشتمل عليه من التحقيق في بعض المسائل.
٣ - يعتبر كتاب "الدرر اللوامع" كتابًا متكاملًا في علم أصول الفقه، بل وأصول الدين، جمع فيه الشارح من الأقوال والآراء الشئ الكثير، كما أنه حفل بالمناقشات العلمية، وعرض الأدلة لمختلف المذاهب، مع الإنصاف مع من خالفه في الرأي والمذهب.
стр. 89
المطلب الخامس: تقويم عام وموجز لشروح "جمع الجوامع" التي اطلعت عليها:
ويُعدُّ هذا التقويم شبه مقارنة بينها، غير أن ذلك من حيث العموم لا من حيث الجزئيات، لأني قد بينت ذلك في الهوامش عند ذكرها.
وأمَّا الشروح التي لازمتها، إضافة إلى كتاب "الدرر اللوامع" الذي قمت بتحقيقه هي كالآتي مرتبة حسب وفاة أصحابها:
١ - كتاب "منع الموانع عن جمع الجوامع".
وهذا للمصنف نفسه، وهو في الحقيقة ليس شرحًا لـ "جمع الجوامع"، ولكنه ردود على الاعتراضات التي أوردت على "جمع الجوامع"، وذلك أن شمس الدين محمد بن محمد الأسدي الغزي الشافعي (١) أرسل إلى المصنف في حياته بمؤلفه "البروق اللوامع فيما أورد على جمع الجوامع"، فلما رآه المصنف أثنى عليه، وأجابه عنها في مؤلفه السابق الذكر (٢).
стр. 90
وقد صرح المصنف بذلك في مقدمته حيث قال: " ... وقد وردت عليَّ أسئلة، وكثير منها لا يختص به، فأخذت في جواب جميعها حبًّا للعلم وطلبه، ورغبة في إزالة كل مشتبك ومشتبه، وضممت إليها -بعد ذلك- سؤالات أخر وردت من جنسها، فأجبت عليها بما أرجو أن يمطمئن به القلب، ويقر البصر ... " (١). وبلغ المؤَلَّف المذكور ما يقارب تسعين لوحة بالحجم المتوسط، علمًا بأن الكتاب قد حقق بجامعة أم القرى، وقدِّم كرسالة علمية أخذ بها المحقق دكتوراه في أصول الفقه.
٢ - "تشنيف المسامع بجمع الجوامع":
وهو للإمام الزركشى، ومن خلال ملازمتى له، واطلاعى عليه، ظهر لي ما يأتي:
أ - يعد أول شرح لـ "جمع الجوامع"، لأنه عاصر صاحب الأصل (٢).
ب - تميز بكبر حجمه مقارنة بالشروح التي اطلعت عليها، حيث بلغت لوحاته ما يقارب مائتي لوحة من الحجم الكبير، بما يساوي أربعمائة صفحة مسطرتها (٣١ سطرًا)، مع دقة في الخط، وتراص في السطور.
ج - فاق غيره من الشروح التي لازمتها بكثرة النقل والجمع، وسعة الاطلاع، وتحقيق الأقوال في نسبتها إلى أصحابها.
стр. 91
د - تابع المصنف في جلِّ المسائل وغالبها، ولم يخالفه إلا نادرًا، وتعريضًا لا تصريحًا.
وقد ذكر في مقدمة مؤلفه، أنه أورد على المصنف اعتراضات كثيرة أجاب المصنف عن القليل منها، وأنه سيقوم هو بإكمال ما تبقى من الرد على الاعتراضات التي وجهت على "جمع الجوامع" (١). فكان شرحه مبيّنًا للأصل، وموضحًا له، ومؤيدًا لصاحبه في الأعم الغالب.
هـ - ظهر في شرحه حسن التركيب، وسلاسة الأسلوب، وسهولة العبارة، مع طول النفس، وهدوء البال في مناقشاته وردوده (٢).
٣ - "الغيث الهامع في شرح جمع الجوامع".
وهو لولي الدين أبي زرعة العراقي، وهو في الواقع لا يعتبر شرحًا مستقلًّا بذاته، بل هو مختصر لشرح الزركشى السابق قبله، وقد ذكر ذلك
стр. 92
وبينه في مقدمة مؤلفه المذكور (١)، ولذلك أكتفي بما ذكرته سابقًا من الكلام على شرح الزركشي، إذ الفرع تابع لأصله، ولا يعنى هذا أن العلامة الحافظ وليّ الدين العراقي لم ينفرد بقول، أو يحقق في مسألة من المسائل في مؤلفه المذكور، بل كانت له تحقيقات وآراء انفرد بها وخالف صاحب الأصل، ولكن كما يقال: الحكم للغالب، وهي قاعدة مطردة (٢).
علمًا بأن شارحنا الكوراني لم يتعرض، ولم يشر إلى مؤلفه لا تصريحًا، ولا تلويحًا مطلقًا.
٤ - شرح جلال الدين المحلى "البدر الطالع في حل جمع الجوامع" (٣).
وبعد ملازمتى له، واطلاعى على مسائله ظهرت لي الأمور الآتية:
стр. 93
١ - يعتبر هذا الشرح من أهم شروح "جمع الجوامع"، لأنه في غاية التحرير والدقة والإتقان، مع الإيجاز في العبارة، ووضوحها دون الإخلال بها.
٢ - كان اهتمام الشارح منصبًّا على بيان المتن وتوضيحه، وحل ألفاظه، وتقرير مسائله، وتحريرها على أحسن وجه، وأسهل أسلوب (١).
٣ - كان الشارح مؤيدًا للمصنف في جلِّ وغالب مسائله، وقلَّ أن يخالفه، وهذا نفس منهج العلامة الزركشى كما سبق ذكره.
٤ - تميّز -على غيره من الشروح- في رغبة الأئمة في تحصيله ودراسته وتدريسه، وقرأه على مؤلفه من لا يحصى كثرة.
٥ - بعد وفاة مؤلفه، اهتم به العلماء اهتمامًا بالغًا، ووضعوا عليه حواشى متعددة، وفيما يأتي ذكر بعضها:
منها: حاشية تلميذ المؤلف ابن خطيب الفخرية (٢)، تصدى فيها لرد الاعتراضات التي أوردها الكمال ابن أبي شريف على الجلال المحلى.
وتقريرات الشربيني (١)، وغيرهم (٢).
٥ - "الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع" للشهاب الكوراني.
وهو الذي قمت بتحقيقه، وقد تقدم الكلام عليه في المبحث الثاني من الفصل الرابع في عدة مطالب.
وحيث إني هنا في صدد تقويم شروح "جمع الجوامع" التي اطلعت عليها، ولازمتها، فلا مانع من ذكر بعض الأمور التي تميز بها الشرح المذكور -فيما ظهر لي- عن غيره من الشروح، سلبًا أو إيجابًا، وهي كالآتي:
١ - كانت شخصية الإمام الكوراني مستقلة، اختيارًا وترجيحًا، موافقة، أو مخالفة، فلم يكتف ببيان المتن وتوضيحه، وتقرير مسائله تبعًا
стр. 96
لوجهة المصنف -كما فعله غيره- بل متى ما ظهر له الحق رجحه، واختاره وإن خالف في ذلك المصنف، أو غيره.
٢ - قام بتتبع الإمام جلال الدين المحلي (١)، واعترض عليه في مسائل عديدة، وقد بينت ذلك في الهوامش، وما اكتفى بذلك عفا الله عنّا وعنه حيث كان يصرح مرة، ويلوح أخرى بأوصاف تحط من مكانته العلمية، وقد علقت عليه في محله من الهوامش.
وهذا هو الذي يؤخذ عليه رحمه الله تعالى، أما الاعتراض من حيث هو اعتراض، فلا مؤاخذة عليه، إذ جرت سنة الله تعالى في خلقه أن فاوت بينهم في الأفهام والعقول، وغير ذلك (٢)، بغض الطرف عن كون الاعتراض، مسلَّمًا، أو مردودًا، أترك بيان ذلك للهوامش.
كما أنه اعترض -كذلك- على الإمام الزركشي، ولكنه كان معه أقلَّ من سابقه، وأهدى أسلوبًا معه.
٦ - "الدرر اللوامع في تحرير جمع الجوامع".
وهو للكمال ابن أبي شريف، وقد صرح في مقدمته أنه وضعه كتعليق على شرح جلال الدين المحلي.
стр. 97
ومع ذلك يعتبر -أيضًا- شرحًا بالقول لـ"جمع الجوامع" إذ هو صريح التسمية المذكورة سابقًا، كما أنه قد أشار إلى ذلك أيضًا (١).
وهو، وإن كانت له شخصيته المتميزة، في شرحه المذكور، وتحقيقاته العلمية، واختياراته المكينة، إلا أنه تبع الشهاب الكوراني حيث أخذ من شرحه جلَّ وغالب الاعتراضات إلى أوردها على شرح الجلال المحلي (٢)، ولذلك كان بينه وبين شارحنا شبه توافق (٣).
стр. 98
٧ - "همع الهوامع: شرح لمع اللوامع في نظم جمع الجوامع":
والنظم وشرحه للعلامة نور الدين علي بن محمد (١) الأشموني (٢)، وقد ظهرت في شرحه سهولة العبارة، ووضوحها، غير أنه لا يخرج في غالب مسائله
стр. 99
على ما حرره شيخه جلال الدين المحلي هذا، مع ما له من تحقيقات في بعض المسائل، وتوسع في النقل، وذكر الأدلة، وإسناد الأقوال إلى أصحابها (١).
٨ - "الآيات البينات":
وهي للعلامة أحمد بن قاسم العبادي (٢)، ولقد رأيتها قمة في غزارة المادة العلمية، مع الدقة والتحقيق، إلا أنها تعتبر في الغالب الأعم إنما ألفت لرد الاعتراضات التي وجهت على شرح الجلال المحلي (٣)، وقد جعل مؤلفها للكوراني منها نصيب الأسد، لأن غالب الاعتراضات التي أوردها فيها ورد عليها، إنما هي للإمام الكوراني.
ولئن كنت قد أخذت على الشهاب الكوراني شدة أسلوبه على الجلال المحلي غير أنه لم يصرح في شرحه قطُّ باسم الجلال، كما تقدم.
стр. 100
أما العلامة العبادي -عفا الله عنّا، وعنه- فقد صرح باسم الكوراني عند كل اعتراض رد عليه، وليته اكتفى بالرد! ! ولكنه كان أشد لهجة، وأقسى أسلوبًا على الشهاب، تحقيرًا وسخرية وحطًّا من مكانته العلمية، وتصريحًا دون تلويح.
وحبّذا لو جعل من نفسه حكمًا بين الجلال والشهاب، وأخذ بالمثل القائل: "كما تدين تدان" كان أخف من التعدي في القول والتجاوز فيه، وبخاصة عندما يصدر من إمام يقتدى به.
وفي الواقع لا أنتقد الاعتراض من الكوراني، ولا الرد من العبادي، فكلٌّ له وجهة نظر قابلة للأخذ والرد، ولكن الذي ينتقد ما تقدم ذكره.
وكنت أود من الإمامين الجليلين، أن يقف الكوراني عند إبدائه الاعتراض فقط، ويقف العبادى عند رد الاعتراض، دون التجاوز في القول، والوقوع فيما ذكرت.
هذه هي الشروح التي أمكنني ملازمتها، والاطلاع عليها.
وأما ما قلته فيها، أو في أصحابها، فليس حكمًا مسلَّمًا، وإنما هي وجهة نظر رأيت إبداءها، وإلا فليس من حقي المقارنة، أو الحكم بين جبال العلم، وشوامخ المعرفة، لأني أقل من ذلك، كيف لا، وقد مكثت مدة أربع سنوات، أكرّ وأفرُّ ليل نهار لأفهم ما قالوه، ودوَّنوه في مؤلفاتهم، وبعد اللُّتيا والتي، خرجت بما هو إلى الخطأ، أقرب منه إلى الصواب.
فرحمهم الله، وعفا عنهم، وجعلنا وإياهم ممن قال فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧].
стр. 101
المطلب السادس: وصف مخطوطتي الكتاب:
بين يدي النسختين:
بعد مراجعات استغرقت مني وقتًا طويلًا لاختيار مخطوط مناسب عثرت على نسخة وحيدة في بداية الأمر، لكتاب "الدرر اللوامع".
ولم أكتف بذلك -رغم أني كدت أجزم بعدم وجود نسخة أخرى له- بل تابعت البحث، فتبين لي -بعد سؤال المعنيين بهذا الفن ومخطوطاته- أن له نسخة أخرى، أيضًا، فحمدت الله على توفيقه وتسهيله.
مكان وجودهما:
إحداهما: موجودة في مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، ورقمها في المركز/ ١٨٥، مكروفيلم، وقد صورها المركز من مكتبة الأحمدية بحلب، وهي موجودة فيها برقم/ ١٣٤، ثم قمت بتصويرها من المركز السابق، وهي كذلك موجودة في الجامعة الإسلامية تحت رقم/ ٤٢٩١.
والثانية: موجودة في مكتبة قرا جلبي زادة بتركيا تحت رقم/ ٨١.
ونظرًا لصعوبة تصوير المخطوطات من هناك، فيما لو ذهبت بنفسي، كما فعل غيري، ثم رجع بخُفَّي حُنين، فقد يسر الله وله الحمد أن صورتها بواسطة أحد الإخوة الأتراك جزاه الله خيرًا.
ولأني استقدمتها على حسابي الخاص، فقد ضم ذلك عن طريق التبادل بمخطوطات أخرى مع الجامعة الإسلامية، ومركز البحث العلمى بجامعة أم القرى، وعندما توفرت المخطوطتان لديَّ، بدا لي -بعد الاطلاع عليهما-
стр. 102
أن لا أتخذ إحداهما أصلًا، والأخرى فرعًا -كما هو الغالب في المقابلات بين النسخ عند التحقيق- بل جعلت النص المختار منهما، وقد يكون من غيرهما، هو المعتمد في المقابلة، وهذه، وإن كانت أقل من سابقتها في التداول إلا أنها طريق معتمد في التحقيق، بل قد تفضل لاعتبارات لدى بعض المحققين.
١ - نسخة تركيا (مكتبة قرا جلبي زادة)، وقد رمزت لها بـ (أ).
وأوصافها كالآتي:
أ- امتازت بحسن الخط، وجودته، ووضوحه.
ب- كانت كاملة وسليمة من الطمس والخروم والتآكل والسقط (١).
ج- عندما تسقط من المتن كلمة أو أكثر، يقوم الناسخ بإثباتها -غالبًا- في هامشها، وقد ذكرت ذلك في هوامش الكتاب عند التحقيق.
د- بدأ الناسخ في تحريرها في حياة المؤلف، وانتهى منها في السنة التي توفي فيها المؤلف، فهى تعتبر أقدم من الأخرى التي سيأتي الكلام عليها.
стр. 103
هـ- صرح الناسخ أنه نسخها من نسخة المؤلف نفسه، حيث قال في آخر المخطوط: "علقه لنفسه، ولمن شاء الله من بعده -من نسخة مؤلفه، الشيخ شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني عفا الله عنه وعن والديه وعن مشايخه- أقل عباد الله، وأحوجهم إلى عفو ربِّه أحمد بن محمد بن عمر الشافعي: الشهير والده يحكم غفر الله له ولوالديه، ولمشايخه وأحبته، وجميع المسلمين، في مدة متفرقة آخرها نهار الأحد يوم العشرين من شوال سنة (٨٩٣ هـ) ... ".
وقد بلغت أوراقها (١٥٨) ورقة بما يساوي (٣١٦) صفحة، مسطرتها (٢٥) سطرًا، وكلمات السطر الواحد تتراوح ما بين (١٧ - ١٩) كلمة تقريبًا، ونوع الخط نسخ حسن، وكانت أوراقها من الحجم الكبير.
٢ - نسخة سوريا (مكتبة الأحمدية)، وقد رمزت لها بـ (ب).
وأوصافها كالآتي:
أ- قام الناسخ بتجزئتها إلى أجزاء كل جزء حوى تسع أوراق تقريبًا، وفي نهايته يصرح بهامشها بقوله: "بلغ مقابلة على خط مؤلفه"، كما أنه صرح بالأجزاء في بداية أوراقه على الهامش أيضًا.
ب- جاء على هوامشها بعض التحقيقات والتعليقات على المتن، وقد بينت ذلك في هوامش التحقيق.
ج- وقع فيها سقط، ففي باب التقليد بعد ورقة (١٢٣/ أ) سقط منها أربع صفحات = لوحتان، أو ورقتان، علمًا بأن ترقيم الأوراق متسلسل، وعند قراءة النص مع مقابلته بنسخة (أ) تبين السقط المذكور.
стр. 104
د- عند قيامي بتصوير النسخة المذكورة من مركز البحث العلمي، واطلاعي بعد ذلك على النسخة الموجودة في الجامعة الإسلامية تبينت أن ورقة (٩٣/ ب، ٩٤/ أ) ساقطة منها، فكلفت أحد الإخوة السوريين عند سفره بالقيام بتصويرها من مكتبة الأحمدية بحلب، فقام بذلك وصورها جزاه الله خيرًا.
هـ- في كثير من الورقات وجدت صعوبة في قراءة الخط؛ نظرًا لرصِّ سطورها، وإدخال بعضها في بعض، مع دقة الخط، ونمنمته، بحيث وصل في الصفحة إلى أربعين سطرًا كما سيأتي، ولولا تسهيل الله تعالى بتصوير نسخة تركيا، لكان لي ولهذه شأن آخر.
و- لم يذكر الناسخ في آخرها اسمه، ولا تاريخ انتهاء النسخ، غير أنه ذكر في آخرها ترجمة للشهاب الكوراني، ونص أنه لخصها من "الشقائق النعمانية"، فاستدللت بعبارته هذه أنه متأخر، لأن صاحب "الشقائق النعمانية" هو طاشكبري زاده (١)، وقد توفي سنة (٩٦٨ هـ)، ففى الواقع هو يكون بعده غالبًا.
وعدد أوراق هذه النسخة (١٣٧) ورقة من الحجم الكبير بما يساوي (٢٧٤) صفحة مسطرتها مختلفة ما بين (٢٥، ٣٥، ٤٠) سطرًا، وكلمات السطر الواحد تتراوح من (٢٠ - ٢٢) كلمة تقريبًا، بخط النسخ.
стр. 105
المطلب السابع: عملي في التحقيق:
بتوفيق الله تعالى ومعونته وتسهيله، توفرت لديّ نسختان لكتاب "الدرر اللوامع"، نسخة تركيا، ونسخة سوريا، وبعد اطلاعي على النسختين، جعلت النص المختار هو المعتمد في الصلب، وإن كانت نسخة تركيا قد امتازت بأمور ذكرتها في محلها، ثم قمت بإثبات الفروق بين النسختين في الهامش.
وأما عملي في التحقيق، فيمكن تلخيصه فيما يأتي:
١ - وضعت المتن -الذي ذكره الشارح- بين حاصرتين هكذا "".
٢ - قمت بتخريج نقول الشارح من مصادرها، التي أمكنني الرجوع إليها، وهي الغالب، وهناك مراجع عسر عليَّ الرجوع إليها لعدم وجودها وهي قليلة جدًّا.
٣ - أحيانًا يذكر الشارح أن في المسألة خلافًا بين العلماء، ولا يبينه، فأقوم بذكر الخلاف بصورة موجزة، ثم أحيل على المراجع.
٤ - عندما يكون الكلام -في المسألة- متداخلًا، أو أتى الشارح منها بجانب، وترك بعض الجوانب فيها، ففي هذه الحالة، أذكر خلاصة للمسألة تتضمن ما فيها من آراء، وقد لا أذكر الأدلة غالبًا؛ لأن المقام لا يسمح بذلك، غير أني أحيل المطلع على المراجع ليرى الأقوال مع أدلتها.
٥ - قمت بدراسة كل مسألة -لم يتعرض الشارح لبيانها- من كتب الأصول، ثم أحلت إلى مراجعها، وهدفي من ذلك، خدمة الكتاب
стр. 106
وإعانة الباحث كى يتمكن من إدراك حاجته، بأيسر الطرق وأسهلها، مع مراعاة قواعد الدراسة والتحقيق، دون إفراط، أو تفريط.
٦ - قمت بتحقيق الأقوال من مصادرها الأصلية، فمثلًا أنقل آراء الأحناف من كتبهم، وكذلك آراء المالكية، والشافعية، والحنابلة والظاهرية، وغيرهم رحمهم الله تعالى، ولا أعتمد نقل مذهب لآراء المذهب الآخر.
٧ - عزوت المسائل إلى مصادرها الأصلية.
فالمسألة الفقهية أحققها من كتب الفقه، والمسألة الأصولية من كتب الأصول، والمسألة النحوية من كتب النحو، والمسألة اللغوية من كتب اللغة، والمسألة المنطقية من كتب المنطق، والمسألة المتعلقة بمصطلح الحديث أو بسنده ورجاله أحققها من الكتب التي تخصها، وهكذا المسائل البلاغية، والكلامية، ففي كل ذلك أرجع في كل فن إلى كتبه الموضوعة له، ولا أكتفي بذكر الأصوليين لها في كتب الأصول.
٨ - تطفلت على بعض المسائل حيث قمت بترجيح ما ظهر لي فيها من الآراء أنه أولى من غيره -في نظري- مع بيان سبب الترجيح.
٩ - قمت بالتعليق على العبارات التي تفتقر إلى بيان وإيضاح، ولكن بالقدر الذي يزيل غموضها، ويكشف لبسها، ويوضح المراد منها.
١٠ - عرّفت المصطلحات الواردة في الشرح، كالجنس، والعرض، والنوع وغيرها، وعند تعدد التعاريف لمصطلح واحد أختار تعريفًا واحدًا ثم أحيل إلى المراجع التي تعرضت لذلك.
стр. 107
١١ - حاولت ترتيب المراجع أثناء التحقيق على حسب تقديم وفاة أصحابها، ولكن فاتني الكثير. وخالفت هذا المنهج لصعوبة ملازمته أحيانًا.
١٢ - جعلت كل مسألة في عنوان بارز بعد أن كان مدرجًا في السطر من المخطوط.
١٣ - كتبت النص حسب القواعد الإملائية الحديثة، ولم أشر إلى الخلاف بين النسختين في الكلمات الإملائية إلا إذا تغير المعنى من خطاب إلى غَيْبة، ونحو ذلك.
١٤ - جعلت النص المختار من النسختين، بل ومن غيرهما عند الاضطرار هو المعتمد، ولم أجعل إحداهما أصلًا، رغم ما امتازت به نسخة (أ) وهي التركية، كما سبق بيان ذلك.
١٥ - نبهت على نهاية كل ورقة، فعند انتهاء ألف من الورقة أشير على جانب الصفحة بقولي مثلًا: ق (٣/ أمن أ)، وعند نهاية الورقة (ب) (١) أشير كذلك: ق (٣/ ب من أ) ثم أضع على نهايتها رقمًا، وأنزل في الهامش قائلًا: آخر الورقة (٣/ ب من أ)، وذلك لتسهيل عملية المراجعة.
١٦ - عرفت الأعلام المذكورين في صلب الكتاب بذكر نسب العالم، وشهرته، وبعض مصنفاته، وتاريخ وفاته، ثم أحيل على مصادر ترجمته التي اطلعت عليها.
стр. 108
١٧ - بينت مواضع الآيات القرآنية الكريمة بذكر السورة، ورقم الآية.
١٨ - خرَّجت الأحاديث النبوية بذكر أماكنها في كتب الحديث، وإن كان الحديث فيه كلام، فإنّي أشير إلى بعض ما قيل فيه من صحة وضعف من كلام علماء هذا الفن رحمهم الله تعالى.
١٩ - حيث إن شرح الجلال المحلي كان محطًّا لاعتراضات الكوراني عليه، فقد أثبت ذلك في الهوامش، ثم أبدي تسليم الاعتراض، أو عدم تسليمه، مع ذكر ما قاله العبادي من الرد والتوجيه.
وهي تعتبر شبه مقارنة، وقد تقدم بيان ذلك عند ذكري للشروح التي اطلعت عليها.
٢٠ - قمت بوضع الفهارس العلمية، وذلك كي يستكمل التحقيق جوانبه الفنية، وهي عشرة فهارس بيانها كالآتي:
١ - فهرس: الآيات القرآنية.
٢ - فهرس: الأحاديث النبوية.
٣ - فهرس: الآثار.
٤ - فهرس: المصطلحات، والحدود.
٥ - فهرس: الأشعار.
٦ - فهرس: الأماكن.
٧ فهرس: الفرق.
٨ - فهرس: الأعلام المترجم لهم في هذا الكتاب.
٩ - فهرس: مراجع التحقيق والدراسة.
١٠ - فهرس: الموضوعات.
стр. 109
ملاحظة:
وضعت الآيات القرآنية بين قوسين مزهَّرين هكذا ﴿﴾.
كما وضعت الحديث الشريف بين قوسين هكذا ""، وغير ذلك من النصوص جعلته بين علامات التنصيص هكذا ""، وأما ما يتعلق بالنسختين من مقابلات، وغيرها، فقد جعلته بين معكوفتين هكذا [].
علمًا بأن عناوين موضوعات الكتاب كالأبواب هي من فعلي وليس من وضع المؤلف.
تنبيه:
ذكرت بعض الأعلام في صلب القسم الدراسى، ولم أترجم لهم، لأن الشارح ذكرهم في كتابه، وقد ترحمت لهم هناك كما سيأتي، وهذا منهج التزمته في ذلك، فلا أترجم في القسم الدراسي إلا لمن لم يتعرض الشارح لذكره، باستثناء والد المصنف فقط.
وبعد هذا، فقد بذلت غاية جهدي، ومنتهى وسعي في سبيل إخراج نص الكتاب بصورة صحيحة وسليمة، كما وضعه مؤلفه، أو قريبًا من ذلك، ملتزمًا بقواعد التحقيق، وأسسه العلمية، حسب القدرة والاستطاعة.
والله أسأل أن يجعل عملي خالصًا لوجهه، وأن يجنِّبنا بفضله ورحمته فساد القصد إنه جواد كريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا وإمامنا وقدوتنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سعيد بن غالب كامل المجيدي
وقد كان الانتهاء من تحقيق ودراسة هذا السفر المبارك في صبيحة يوم الجمعة ١٥/ ١/ ١٤١٢ هـ من محرم الحرام في المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم.
стр. 110
الباب الثاني ترجمة موجزة لتاج الدين السبكي صاحب الأصل
وفيه فصلان:
الفصل الأول في التعريف به
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في اسمه، ونسبه، ونسبته، وكنيته، ولقبه.
المبحث الثاني: أسرته، ومولده، ونشأته.