← Сира

Сира · id 132416

سفر السعادة للفيروزابادي

الفيروزآبادي

Полный текст (270 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فصل في العادات النبوية في تفقد المريض كان ﷺ يعود كل مريض من أصحابه، وكان إذا دخل على المريض قرب منه، وقعد عند رأسه، وسأله عن حاله، وقال: كيف تجدك. وكثيرا ما كان يقول: ما الذي تريد، وما الذي تشتهيه طبيعتك، فإن اشتهى شيئا لم يضره، أمر له به، وكان يجعل يده اليمنى على المريض، ويقول: "اللهم رب الناس أذهب البأس اشف، أنت الشافى، ولا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما، امسح البأس رب الناس بيدك الشفاء ولا كاشف له إلا أنت" (١). وكان يدعو للمريض ثلاث مرات، ولما عاد سعدا. قال: "اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا" (٢). وكان إذا دخل على مريض يعوده، يقول لا بأس طهور إن شاء الله، وفي بعض الأحيان يقول: كفارة، وطهور، وكان إذا اشتكى الإنسان الشئ منه، أو قرحة، أو جرح وضع النبي ﷺ السبابة على الأرض، ثم رفعها وقال: "بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا" (٣). وقالت عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ ، إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه، ثم نفث فيهما: - يعني جمع نفسه ونفخ - يقرأ قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس ثم يمسح بهما، ما

стр. 107

استطاع من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات" (١) قالت: فلما اشتكى، كان يأمرنى أن أفعل ذلك به، فكنت آخذ بيديه، وأمسح بهما لبركتهما. وفي رواية أخرى: كان النبي ﷺ يقرأ، ويتنفث، وعائشة ﵂ تأخذ بيديه، وتمسح بهما بدنه، كان غاية الضعف، والوجع، كان يمنع من تحريكهما، ولم يجعل للعبادة يوما معيشا بل كان يعود في جميع الأوقات هن الليل والنهار، وقال: "عائد المريض مخرفة الجنة" (٢). وفي رواية أخرى: "لم يزل في خرفة الجنة، وما من مسلم يعود مسلما مريضا، غدوة، إلا صلى عليه سبعون ألف ملك، حتى يمسى، وإن عادة عشية صلى عليه سبعون ألف ملك، حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة" (٣). وكان ﷺ يعود من رمد العين. وكان يخدمه ﷺ شاب من اليهود، فلما مرض (٤) عاده، ولا مرض عمه أبو طالب عاده، مع أنه كان مشركا، وكان عرض عليهما الإسلام فلم يقبل أبو طالب وأسلم اليهودى (٥).

стр. 108

فصل في العادة النبوية في أحوال الميت وأداء حقوقه كانت عادته ﷺ مشتملة على الإحسان العظمى إلى الميت، ومعاملته بأمور تنفعه في القبر، وفي القيامة، وعلى الإحسان لأقاربه وأهل بيته، وعلى تعليم الأحياء، ما يؤدون به حق العبودية، في معاملة الميت. وأول الإحسان إلى الميت أنه كان يأمر بتجهيزه نحو آخرته، على أحسن الأحوال، وأفضل الصفات. ثم يقف ﷺ وجميع أصحابه صفا، يستغفرون للميت، ويطلبون له الرحمة، من حضرة ذي العزة، ثم يسيرون معه إلى مدفنه، ويقوم هو وأصحابه على قبره يدعون له، ويسألون له التثبيت والرحمة، عند أشد ما يكون محتاجا إليها، ثم لا يزال يتعهد قبره، ويخصه بالدعاء، الذي يستوجب الروح، والراحة، والمغفرة، والرحمة. وكان يعوده قبل موته، ويذكره بالآخرة، ويأمره بالتوبة، والوصية، ويأمر من حضر مريضا مشرفا أن يلقنه الشهادة، ليكون آخر كلامه كلمة التوحيد. وكان يمنع من عادات أمم الذين لا يؤمنون بالبعث والنشر بحال، وينهى عن لطم الحدود، وشق الجيوب، وحلق الرأس، وأمثال ذلك، ويردع عليه ردعا بليغا، ويأمر بالحمد، والاسترجاع والرضا، ولا ينهى عن جرى الدمع، وحزن القلب. ومع أنه كان أرضى الخلق لقضاء الحق، وأشكرهم، وأصبرهم، أجرى الدمع، وبكى لما توفى ولده ابراهيم، وعمره سنتان وقال: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" (١).

стр. 109

وكان من كمال عاداته النبوية أن يأمر بتجهيز اليث، وتطهيره، وتنظيفه، ودفنه بسرعة، وأن يكفن في ثياب بيض. وكانت الصحابة مدة إذا احتضر شخص، وأشرف على الموت، دعوا حضرة الرسول فحضر ﷺ هناك إلى أن يتوفى، ويجهزه ويصلى عليه، ويشيعه إلى القبر، فلما رأت الصحابة ما في ذلك من المشقة، اقتصروا على أن يعلموه بعد وفاة الشخص، ليحضر التجهيز والصلاة والدفن، ثم رأوا أن هذا لا يخلو من مشقة، فكانوا يجهزون الميت، ويحملونه إليه ﷺ ليصلى عليه حينا بالمسجد، وحينا خارجه، وكلاهما يجوز. وفي الحديث المروي عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ قال: من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له (١) " غلط، وصوابه مارواه الخطيب البغدادي. وقال: هو في الأصل في شيء عليه (٢). وقال بعض أئمة الحديث: هذا الحديث ضعيف لأنه من إفراد صالح مولى التوءمة، وقد صلى على أبي بكر، وعمر في المسجد، بحضرة جميع المهاجرين والأنصار، ولم يصدر من أحد إنكار. وكان يأمر أن يغسل الميت ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر، على حسب ما يقتضيه رأى الغاسل، وأن يجعل في الغسلة الآخرة شيئا من الكافور، وكانوا لا يغسلون الشهيد، وينزعوا عنه السلاح، والملبوس، ويستعملون شيئا من الطيب، وإدا قصر الكفن غطوا رأسه، وجعلوا على رجليه شيئا من الأب (٣).

стр. 110

وكان من العادات إذا أحضروا ميتا، سأل ﷺ هل عليه دين (١)؟ فإن لم يكن عليه دين صلى عليه، وإلا أمر أصحابه فصلوا عليه، ولما كثرت الفتوحات وظهرت الغنائم صلى ﷺ على المديون، وقضى دينه، وكان إذا شرع في الصلاة، قرأ الفاتحة بعد التكبيرة الأولى. والمحفوظ من الدعاء، الذي كان يقرأ في الصلاة على الميت. هذا: "اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار" (٢). وحينا كان يقول: "اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا، وشاهدنا، وغائبنا، اللهم من أحييت منها، فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده" (٣). وفي بعض الأوقات. كان يقول: "اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك، وحبله جوارك، فقه من فتنة القبر، وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء، والحق، فاغفر له، وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم" (٤). وحينا كان يقول: "اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت رزقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، تعلم سرها، وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر لها" (٥).

стр. 111

وكان يكبر في بعض الأحيان أربعا، وفي بعضها خمسا، وفي بعضها ستا، والذين يمنعون من الزيادة على أربع. يقولون: ثبت أن آخر صلاة صلاها الرسول ﷺ كان أربعا. وروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن الملائكة لما صلوا على آدم كبروا أربعا. وقالوا: هذه سنتكم يابنى آدم؟ وكان يخرج من الصلاة بتسليمتين، وقد يقتصر على واحدة. وكان يرفع يديه في كل تكبيرة، وحيثما فاتته صلاة الجنازة على شخص صلى على قبره فصلى مرة على قبر، بعد يوم وليلة، وأخرى بعد ثلاثة أيام، وأخرى بعد شهر، وحديث الصلاة على القبر صح من طرق ستة. وكان يصلى على الطفل الميت، ويقول: "صلوا على أطفالكم فإنهم من أفراطكم" (١)، وكان لا يصلى على من أهلك نفسه، ولا على من كان يخون في الغنائم، ويصلى على من قتل بحد شرعى. وثبت أنه صلى على الجهنية التي رجمها فقال عمر: تملى على من زنى؟ فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل الدينة لكفتهم" (٢). وأي توبة أفضل، من توبة من وضع نفسه في طريق الحق؟ وكان إذا صلى على الميت، سار معه إلى المدفن ماشيا وقال "عجلوا في الذهاب" (٣). وكان لا يجلس حتى توضع الجنازة عن رقاب الرجال، وقال: "إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع". وكان لا يصلى على كل غائب، لكن صح أنه

стр. 112

صلى على النجاشى وقد توفى بالحبشة، وأمر الصحابة بذلك. وقال: "توفى أخ لكم فصلوا عليه" (١) وصلى على معاوية الليثى، صلاة الغائب. واختلف الفقهاء في هذا. فقال الشافعى وأحمد: الصلاة على الغائب سنة مطلقا، وأبو حنيفة ومالك يمنعان مطلقا، وبعض المحققين يقول: إن كان قد مات في بلد لم يصل عليه صلينا، وإن صلى عليه فقد سقط الفرض فلا حاجة، وكانت العادة أن لا يدفن الميت وقت طلوع الشمس، ولا وقت غروبها، ولا وقت استوائها، وكانوا لا يرفعون القبر، ولا يبنون عليه بآجر، ولا نورة، ولا حجر، ولا لبن، ولا غير ذلك. وكانوا لا يجعلون على هذا القبر، عمارة ولا قبة، وهذا كله بدعة، ومكروه، ومخالف للطريقة النبوية، وبعث رسول الله ﷺ ، علي بن أبى طالب أن لا يدع تمثالا إلا طمسه، ولا قبرا مشرفا إلا سواه، ونهى أن يتخذ على القبر مسجد أو يشعل عليه سراج، ولعن فاعل ذلك، ونهى عن الصلاة عند المقابر، وعن الصلاة على القبر (٢)، ونهى عن إهانة القبور، وعن أن تداس أو يتكأ عليها، أو يجلس عليها (٣). ومن العادات النبوية زيارة القبور، والدعاء، والاستغفار، ومثل هذه الزيارة تستحب، وقال: "إذا رأيتم المقابر فقولوا: السلام عليكم أهل الديار

стр. 113

من المؤمنين، والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية" (١). وكان يقرأ وقت الزيارة من نوع الدعاء، الذي كان يقرؤه في صلاة الميت، وقد ذكرناه فيما تقدم، وكانت العادة أن يعزى أهل الميت ويأمرهم بالصبر، ولم تكن العادة أن يجتمعوا للميت، ويقرأ له القرآن ويختموه عند قبره، ولا في مكان آخر، وهذا المجموع بدعة ومكروه، ولم يكن من عادة أهل الميت، أن يرسلوا للناس طعاما، بل كان يأمر الناس أن يرسلوا لأهل الميت طعاما لأنهم من المصيبة، في شغل كاف.

стр. 114

فصل الصلاة أثناء معارك الرسول ﷺ - كان إذا دخل وقت الصلاة في حال القتال، والعدو إلى جانب القبلة، تقدم ﷺ واصطفت الأصحاب عقبه، وشرعوا في الصلاة، وركعوا بجملتهم، ورفعوا الرؤوس من الركوع بجملتهم، ثم أخذوا في السجود بعد هذا، سجد معه أهل الصف الأول، واستقام أهل الصف الثاني، تجاه العدو، حتى إذا فرغ النبي ﷺ وأهل الصف الأول، من الركعة الأولى، وقاموا إلى الركعة الثانية، هناك يسجد أهل الصف الثاني، ثم يقومون، ويتقدمون إلى مكان أهل الصف الثاني، سجدتا الركعة الثانية، ليحصل لكلتا الطائفتين فضيلة الصف الأول، وليحصل لأهل الصف الثاني مع النبي ﷺ كما حصل لأهل الصف الأول (١) - سجدتا الركعة الأولى، فيتساويان في الفضيلة، وذا غاية العدل، فإذا جلس في التشهد، سجد أهل الصف المؤخر، ثم لحقوه في التشهد وسلم المجموع بالاتفاق. وأما إذا لم يكن العدو في جهة القبلة، جعل الناس طائفتين: طائفة تجاه العدو، وطائفة معه، وصلوا مع النبي ﷺ ، ثم صاروا إلى مكان تلك الطائفة فأدركوا الركعة الثانية مع الرسول ﷺ ، ثم سلم هو وقضى كل من الطائفتين ركعة بعد سلام الرسول ﷺ . وفي بعض الأحيان كان يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، فإذا تشهد خرج المأمون من الصلاة وتوقف الرسول ﷺ في التشهد، إلى أن تأتى الطائفة

стр. 115

الأخرى، فيصلي بهم ركعتين، ويسلموا جميعا، فيكون قد صلى ﷺ أربعا، وهم ركعتين، وحينا كان يصلي بكل طائفة ركعتين مستقبلا ويسلم، وحينا كان يصلى بكل طائفة ركعة. والطائفة الأولى يخرجون من الصلاة بعد تمام ركعة، وتأتى الطائفة الأخرى، فيصلون مع الرسول ﷺ ، ويخرجون معه من الصلاة، فتكون طائفة قد صلت ركعة، وصلى الرسول ﷺ ركعتين (١). وهذه الوجوه كلها جائزة، وبعض علماء الحديث روى هذه الصلاة على خمسة عشر وجها، لكن أصح الوجوه هذا الذي بيناه، وبالله التوفيق.

стр. 116

فصل مراعاة النبي ﷺ لأحوال الفقراء في الزكاة كان من العادة النبوية في الزكاة مراعاة الفقراء، مع مراعاة أصحاب الأموال والنظر في مصلحة الجانبين، بأقصى الغاية، وأوجب الزكاة في أصناف أربعة من المال، دورانها بين الخلق أكثر، واحتياج الناس إليها أوفر. الصنف الأول: الزروع والثمار. الصنف الثاني: بهيمة الأنعام من الإبل، والبقر، والغنم (١). الصنف الثالث: الذهب والفضة اللذان بهما قوام معاش العالم. الصنف الرابع: أموال التجارة من أي صنف، وأمر أن تؤدى في السنة مرة، وفي الزرع والثمار يوم حصاده على الفور، وذا غاية العدل، وبحسب سعى الشخص في تحصيل المال، وسهولته، ومشقته تفاوت الواجب، فيما بين ﵌. لا جرم أوجب الخمس، في مال يحصل من غير مشقة، وتكلف، كما إذا وجد كنز، ولم يعتبر السنة في ذلك، بل حال ما يجده عليه إخراج الخمس، وما لا بد في تحصيله من مشقة وكلفة ما أوجب فيه نصف ذلك. كالزروع، والثمار الحاصل من ماء المطر، وأوجب نصف ذلك فيما يحتاج في تحصيله إلى زيادة تكلف من دولاب أو بئر، أو شراء ماء. وأوجب نصف ذلك فيما يحتاج إلى عمل، وتعب دائم، كارتكاب مشقة الأسفار، وركوب البحار، والترقب، والانتظار، وما أشبه ذلك. وأيضا عين في كل نوع من المال نصبا بحسب مصلحة الحال. ففى الفضة مائتا درهم، وفي الذهب عشرون مثقالا، وفي الغلات والثمار ثمانمائة مد

стр. 117

شرعى، وذلك وقر خمس من الإبل العراب، وفي الغنم أربعون، وفي البقر ثلاثون، وفي الإبل خمس. ولما لم يحتمل هذا النصاب المواساة من جنسه عين شاة، في كل خمس من الإبل، أما إذا بلغ خمسا وعشرين احتمل أن يؤدى من جنسه، لا جرم يكون مخيرا بين خمس شياه وبعير، ومن علم أنه من أهل الزكاة أعطاه منها، وإن طلب شخص من الزكاة شيئا، ولم يعلم حاله أعطاه. إما إذا علم غناه، أخبره أن لاحظ فيها لغنى، ولا لقوى مكتسب. وكانت العادة أنهم إذا أخذوا الزكاة من مدينة، أو قرية، صرفوها على فقراء ذلك المكان، فإن فضل شيء، أتوا به إلى حضرة الرسول ﷺ ، فيصرفه لفقراء المدينة. ولم يكن من العادة النبوية، أخذ الزكاة من الخيل، والرقيق، والبغال، والحمير، والبقول، والبطيخ، والخيار، والعسل، والفواكه، التي لا تدخل المكيال، ولا تصح للادخار، إلا الرطب، والعنب، فإنه كان يأخذ الزكاة منهما، لا يفرق بين الرطب واليابس، ومن أتى بزكاته، إلى حضرة سيدنا، رسول الله ﷺ دعا له وقال: "اللهم بارك فيه وفي إبله" (١). وكان ينهى المتصدق، أن يشترى صدقته، وكان يدوغ إبل الصدقة، بيده المباركة، وفي الغالب كان يدوغ على الأذن، وربما اقترض لمصالح الإسلام، وأحال على مال الصدقة، وفي أوقات الضرورة، كان يطلب زكاة سنتين تقدمة.

стр. 118

فصل في زكاة الفطر كان ﷺ يرسل مناديا، ينادى في الأسواق، والمحلات، والأزقة من مكة: "ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ومسلمة ذكر أو أنثى حر أو عبد صغير أو كبير" (١) مدان من قمح، أو سواه صاعا من طعام". وثبت في سنن النسائى: أنه لما أفضت نوبة الحلافة إلى أمير المؤمنين، علي ﵁. قال: أما إذا وسع الله عليكم فأوسعوا، اجعلوا صاعا من بر وغيره. وفي لفظ أبي داود: فلما قدم على ﵁، رأى رخص السعر. فقال: قد أوسع الله عليكم فلو جعلتموه صاعا من كل شيء. ومن العادة النبوية، أن تؤدى زكاة الفطر، قبل صلاة العيد وكان يقول: "من أداها قبل صلاة الفطر فهى صدقة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهى صدقة من الصدقات" (٢)، وفي الصحيحين عن ابن عمر، أنه قال: "وأمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة (٣). وظاهر هذه الأحاديث، أنها بعد الصلاة لا تجزى، وكان يخص المساكين بهذه الصدقة، ولا يقسمها على الأصناف الثمانية، ولم يرد بذلك أمر نصا، وبه قال بعض العلماء ويجوز الصرف للأصناف الثمانية.

стр. 119

وأما صدقة التطوع فإنه كان يحبها حبا شديدا، وكان يسر بأدائها، أشد من سرور الفقير بأخذها، وكان لا يستكثر ما يصرفه في طريق الحق، بل يحسبه قليلا وما سأله أحد شيئا حاضرا إلا أجابه، ولم يعده كثيرا قل أو جل. وكان يعطى عطاء من لا يخاف الفقر، ولا يبالى بالعدم، وإذا رأى محتاجا أثره بطعامه وشرابه، وكان يتنوع في العطاء والصدقة، فحينا يهب وحينا يتصدق، وحينا يهدى، وحينا يشترى شيئا، ويدفع ثمنه، ثم يهبه لبائعه، وحينا كان يقترض، ويؤدى أكثر من المبلغ، وحينا كان يشترها شيئا، ويؤدى أكثر من الثمن، وحينا كان يقبل الهدية وينعم بأضعافها، وكان الغرض من إيصال أنواع الإحسان إلى الخلق، مهما أمكن، وكان يأمر الناس بالصدقة، ويحرص عليها، وكان يدعو إلى السماحة والسخاوة بحاله ومقاله، بحيث أن البخيل الشحيح، إذا رآه أثر فيه وتخلق بالكرم، والبذل، وكل من خالطه وصاحبه، لم يكد يملك نفسه، حتى يغلبه الإحسان، والبذل، ولهذا لم يزل منشرح القلب، طيب النفس، منبسط الخاطر ﷺ .

стр. 120

فصل في أسباب انشراح صدر حضرة سيدنا رسول الله ﷺ الذي أنزلت فيه سورة (ألم نشرح لك صدرك) للإمتنان بتلك النعمة ينبغي أن يعلم أن أجل أسباب انشراح الصدر هو: التوحيد. وبحسب كماله وتمامه، وقوته، وزيادته، يزيد انشراح الصدر. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (١) وقال الله تعالي: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢) فلا جرم أن يكون التوحيد، والهداية، من أعظم أسباب انشراح الصدر، والشرك والضلالة هن أعظم أسباب ضيق الصدر والقلب. ومن جملة أسباب انشراح الصدر، نور يجعله البارى تعالى، في قلب العبد، ضياء وذلك نور الإيمان، فمتى ما وقع في قلب العبد، دخله الفرح، والسرور، والانشراح وسعة القلب، وظهر فيه. وإذا فقد ذلك النور وقع في ضيق القلب، وابتلى بالشدة، والمشقة، وقال ﷺ : "إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح" قالوا: وما علامة ذلك

стр. 121

يا رسول الله؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله" (١). وينبغي أن يعلم أن نصيب الشخص، من انشراح الصدر، وسعة القلب، بحسب نصيبه من كثرة النور، ومن هذه الجهة للنور المحسوس أيضا من فرح الخاطر، وشرح الصدر، حظ وافر، والظلمة المحسوسة بعكس ذلك. ومن جملة أسباب دلك أيضا العلم، فإن العلم يجعل كل زاوية من روايا القلب، أوسع، وأشرح من السماء والأرض، وكلما زاد علم الشخص، زاد انشراح صدره، وليس المراد من هذا كل علم، بل العلم المورث من الأنبياء. فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا، ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، أشار إلى ذلك العلم. وأهل ذلك أوسع قلبا، وأطيب عيشا، وأحسن خلقا، من سائر الخلق ومن هذا العلم تتولد الإنابة، ومحبة الحق، وللمحبة في شرح الصدر مدخل عظيم، وكلما نمت المحبة، وقويت، زاد شرح الصدر، وكمل، وأعظم أسباب ضيق الصدر وأقوى موجباته الإعراض عن الحق، وتعلق القلب بغير ذلك الجناب، والغفلة عن ذكر الحق، ومحبة غيره. ومن أحب غير الحق عذب به، وحبس معه، ولم يك في العالم أسوأ حظا منه، ولا أمر عيشة ولا أكثرهما، لأن المحبة محبتان: إحداهما: سرور النفس، ولذة القلب، ونعيم الروع، ودواء الهموم، وهي محبة الحق بكل قلب.

стр. 122

والأخرى: عذاب الروح، وهم النفس، وحبس القلب، وضيق الصدر، ومادة كل بلاء وهي محبة غير الحق، وأيضا جملة أسباب شرح الصدر: دوام ذكر الحق في حال، وأيضا الإحسان إلى خلق الله، مهما أمكن من جار، ومال، وغير ذلك، وأيضا الشجاعة، وأيضا تطهير القلب، من الصفات المذمومة. والرسول ﷺ كان صاحب الكمال، في مجموع هذه الخصال، ومن جعل اتباعه قصده، يكون أكمل الخلق، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

стр. 123

باب صيام النبي ﷺ -

стр. 124

فصل صيام النبي ﷺ - كان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان، وكان يستغرق أوقاته بالذكر والصلاة والاعتكاف، والتلاوة، ويخص هذا الشهر العظيم بأنواع العبادات. وكان يواصل في بعض لياليه، وينهى غيره عن الوصال، فقالوا: أتواصل وتنهانا يا رسول الله؟ قال: "لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي" وفي لفظ: "أظل عند ربي يطعمني ويسقيني" (١). وللعلماء في ذا الطعام أقوال: أحدها: أنه طعام وشراب محسوس، فإن هذا حقيقة اللفظ، وليس في الظاهر ما يوجب العدول عن الحقيقة فتعين الحمل على الحقيقة. الثاني: أن المراد غذاء روحاني، يحصل من المعارف، ولذة المناجاة، وفيضان اللطائف الإلهية الواردة على قلبه الكريم وتوابعها من نعيم الأرواح، ومسرة النفس، والروح والقلب، ونور البصر، ويحصل بذلك من القوة، والمسرة، ما يستغنى به عن الغذاء الجسمانى. لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهها عن الزاد لها بوجهك نور تستضئ به ... ومن حديثك في أعقابها حادى إدا اشتكى من كلال السير واعدها ... روح القدوم فتحيا ضد ميعاد وهذا القول الثاني هو المختار، لأنه يتصور الوصال لو حمل على حقيقة الطعام والشراب بل يبطل الصيام.

стр. 125

وكان من العادة أن لا يشرع في صيام رمضان إلا بعد رؤية الهلال على التحقيق، أو بشهادة الواحد العدل كما صام مرة بشهادة ابن عمر، ومرة بشهادة أعرابى، واكتفى بمجرد اختبارهما، ولم يكلفهما لفظ الشهادة، فإن لم ير ولم يشهد به أتم شعبان ثلاثين يوما (١)، ثم صام وأمر الناس أن يصوموا بشهادة شخص واحد، ويفطروا بشهادة شخصين، وكان يعجل الفطر (٢) ويواظب على السحور ويؤخره، وأمر الأمة بالسحور وتأخيره، وأمر أن يفطر الصائم بثلاث رطبات، فإن لم يجد فثلاث تمرات، فإن لم يجد فالماء. وهذا غاية الشفقة على الأمة، لأن الطبيعة أوآن خلو المعدة، تقبل على الطعام أتم إقبال، فإذا كان الحلو أول واصل إلى المعدة ينتفع البدن بقبوله، غاية الانتفاع، على الخصوص القوة الباصرة، فإن انتفاعها بالحلو يكون أزيد من انتفاع سائر القوى، ولما كان التمر حلو الحجاز، وطبائعهم قد نشأت عليه، كان انتفاعهم به أزيد من انتفاعه بغيره من أنواع الحلواء من جهة الطب. وأما وجهة الشرع، وأسرار ذلك، فالحق جل شأنه جعل تمر المدينة ترياقا، ودواءً لكل الهموم، ببركة سيد العالم، صلوات الله عليه وسلامه، ومن ثم قال: "إن في عجوة العالية شفاء من كل داء وأنها ترياق أول البكرة" (٣) وقال في موضع آخر "من تصبح بسبع تمرات مما بين لابتيها لن يضره ذلك اليوم ولا سحر" (٤).

стр. 126

وليس يظهر للأطباء الرسميين في هذا المقام غير التحير، ودوران الرأس، وسر ذلك يعلمه أطباء القلوب، وفي وقت الإفطار، كان يقول هذا الدعاء: "اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا فتقبل منا إنك أنت السميع العليم" (١)، وفي إسناده مقال. وثبت في سنن أبي داود أنه كان يقول: "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت" (٢) وجاء في بعض الروايات أنه كان يقول: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر" (٣). وكان ينهى الصائم عن الرفث، وعن الجهل، وقال: "إن قاتله أحد أو شاتمه فليقل إنى صائم" (٤) وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: قال بعضهم: السنة أن يقول في جوابه هذا اللفظ بلسانه وذا أظهر الأقوال. قال بعضهم: يقول بقلبه ويذكر نفسه أنه صائم لئلا يشتغل بالجواب. قال بعضهم: إن كان صومه فرضا يقول بلسانه وإن كان سنة يقول بقلبه ليكون أبعد عن الرياء.

стр. 127

فصل إفطار الرسول ﷺ خلال رمضان كان ﷺ إذا سافر في رمضان أفطر في بعض الأحيان وصام في بعضهما، وخيّر الناس في الصوم والإفطار، وكان إذا اقترب من العدو أمر بالإفطار، وإن وقع مثل هذا في الحضر، وإن كان في إفطار العسكر تقوية على العدو حل الإفطار، وكان من العادة النبوية في ليالى رمضان، أنه إن احتاج إلى الغسل، اغتسل في الليل، وفي بعض الليالى كان يؤخر ويغتسل بعد الصبح، وكان يقبل أمهات المؤمنين في أيام رمضان. والحديث الذي رواه ابن ماجه سئل النبي ﷺ عن رجل قبل امرأته وهما صائمان؟ فقال: "قد أفطر" (١) إسناده ليس بثابت، ولم يبلغ درجة الصحة. ومن أكل الطعام أو شرب ناسيا لم يأمره بالقضاء، وكان يقول: "إن الله هو الذي أطعمه وسقاه" وكان يعد هذا الأكل والشرب منزلة أكل النائم وشربه، وكان يحتجم في رمضان ويستاك، وكان لا يبالغ في الضمضة والاستنشاق، ولم يصح في النهي عن السواك والاكتحال حديث، وورد في هذا الباب حديثان: "اكتحل رسول الله ﷺ وهو صائم (٢)، والآخر قال في الكحل: "ليتقه الصائم" (٣) وهذان الحديثان ضعيفان، لا يصلحان للاحتجاج.

стр. 128

فصل في صيام النافلة كان رسول الله ﷺ يصوم نافلة، حتى يظنوا أنه لا يفطر، ويفطر حتى يظنوا أنه لا يصوم نافلة بعدها، وكان لا يدع شهرا خاليا من الصيام، وما يفعله العوام من صيام الأشهر الثلاثة لم يرد فيه شيء. ونهى عن صيام رجب، وقال في سنة شوال: "ومن صام رمضان واتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر" (١)، وكان يصوم عاشوراء البتة. ولصيام عاشوراء ثلاث مراتب: أفضلها وأكملها أن يصوم ثلاثة أيام، العاشر، ويوم قبله، ويوم بعده. المرتبة الثانية: أن يصوم التاسع، والعاشر. المرتبة الثالثة: أن يصوم العاشر على انفراده، وأما صوم التاسع على انفراده، فإنه لا يجزى عن السنة، وأما يوم عرفة، فإن كان في الحج أفطر، ليتقوى على الدعاء والاجتهاد، ولأن الإفطار في السفر أفضل. وأيضا فإنه كان يوم الجمعة، وإفراد صوم الجمعة مكروه، وأيضا فإن يوم عرفة لأهل الموقف عيد، فإنهم كانوا يجتمعون فيه، كما يجتمع غيرهم من مواطن الأعياد. وورد في الحديث النبوي "ويوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى عيدنا أهل (٢) الإسلام" وكان في بعض الأوقات يصوم يوم السبت والأحد، وغرضه مخالفة اليهود والنصارى.

стр. 129

وفي حديث أم سلمة حيث قالوا: أي الأيام كان رسول الله ﷺ أكثرنا صياما؟ قالت: يوم السبت والأحد. ويقول: "إنهما عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم" (١) ولم يكن من العادة النبوية، دوام الصيام بل نهى عن صوم الدهر، قال في حق الصائم: "ولا صام ولا أفطر" (٢). كان في غالب الأيام، إذا دخل بيته، سأل: "هل عندكم ما يؤكل؟ " فإن قالوا: لا، قال: "فإني صائم"، ونوى الصيام، وكان في بعض الأوقات ينوى صوم التطوع ولا يتم الصيام، بل يفطر، وقال: "من نزل على قوم، فلا يصومن تطوعا إلا بإذنهم" لكن طعنوا في إسناد هذا الحديث، وكان يكره تخصيص يوم الجمعة بصوم، ويقول: "إنه يوم عيد فلا تصوموه إلَّا أن يتقدمه يوم أو يعقبه يوم" (٣) فلا يكره إذا وقد بين سر هذا في باب الجمعة. فصل اعتكاف النبي ﷺ - لما كان الاعتكاف سبب جمعية الخاطر والانقطاع عن الغير إلى الحق، والإقبال على العبادات، وموجب البعد عن الخلق، وواسطة لزوال التفرقة، والهموم المغايرة، وهذه القاصدة في حالة الصيام أكمل وأفضل. لا جرم أنه ﷺ بين للأنام، تشريع الاعتكاف، في أفضل أيام الصيام، وهي العشر الأواخر، من شهر رمضان، ولم يرد أنه اعتكف بغير صيام أبدا،

стр. 130

وكانت عائشة ﵂ تقول: لا اعتكاف إلا بصوم، واعتكف في جميع الرمضانات في العشر الأواخر (١)، ولم يفته إلا رمضان واحد قضى اعتكافه في شوال، واعتكف مرة في العشر الأول، ومرة في العشر الأوسط، ومرة في العشر الأخير. ولما علم أن ليلة القدر في ذا العشر، واظب اعتكافه، إلى آخر الحال، وكان إِذا قصد الاعتكاف، صلى الصبح ودخل معتكفه، وهو خيمة كانت تنصب له في المسجد ليختلى فيها، وكان لا يأتى إلا لقضاء الحاجة (٢). وكان في بعض الأحيان يخرج رأسه من المسجد إلى حجرة عائشة ﵂ لترجل له رأسه (٣) وتغسله. ومن أراد من أمهات المؤمنين زيارته ﷺ في حال الاعتكاف جاءت إليه وعند قيامها للرجوع كان يقوم معها، ويعانقها ويقبلها. وهذا المجموع كان في الليل، وكان لا يباشر في مدة الاعتكاف، وكان إذا أراد الاعتكاف يوضع له سرير في معتكفه. ويفرش له عليه. وكان إذا دخل منزله لقضاء الحاجة، لا يشتغل بأحد، وكان يمر في بعض الأحيان على المريض من أهل بيته، فلا يقف عنده ولا يسأل عن حاله، وكان يعتكف في كل عام عشر أيام، وفي العام الأخير اعتكف عشرين يوما (٤). وكان يعرض القرآن على جبريل في كل عام مرة، وفي العام الأخير عرضه مرتين. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 131

باب حج النبي ﷺ -

стр. 132

فصل حج النبي ﷺ - أجمعت جماهير العلماء على أنه حج بعد الهجرة حجة، وتلك حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت في السنة العاشرة من الهجرة، وأما قبل الهجرة، فثبت في جامع الترمذي: أنه حج حجتين، ونقل صاحب المحلى أنه زاد على ثلاث وأربع، لكن لم يحفظ العدد. ولما فرض الحج في العام التاسع، اشتغل بتجهيز أسباب السفر في الفور، وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ (١) الآية فإنها نزلت في اليوم السادس، وهذا لا يدل على فريضة الحج والعمرة بل هو أمر بإتمام الحج والعمرة بعد الشروع فيه. فصل في سياق حج الرسول ﷺ - لما عزم ﷺ على الحج أعلم أصحابه بذلك، فاستعدوا للسفر بأجمعهم، ووصل الخبر إلى القرى، والضياع القريبة من المدينة، فتجهز المسلمون بأجمعهم نحو المدينة، وفي حال السير إلى مكة تلاحق الناس من كل الأطراف، حتى تجاوزوا الحصر والعد، وسافر في يوم الخميس أو السبت، الرابع والعشرين من ذي القعدة بعد أن صلى الظهر في مسجد المدينة. وكان خطب قبل ذلك وعلّم الناس شرائط الحج وأركانه وآدابه، وكان ذلك في يوم الجمعة، وذا يؤيد أن السفر كان يوم السبت. لكن ورد في الحديث الصحيح: "أنه كان يحب إنشاء السفر في يوم الخميس". وثبت في

стр. 133

صحيح البخاري: "ما كان رسول الله ﷺ يخرج في سفر إذا خرج إلا في يوم الخميس" (١). وبعد أن صلى الظهر رجّل رأسه ودهنه، وشد إزاره، وسار بين الصلاتين حتى نزل بذي الخليفة. وقصر صلاة العصر هناك. وبات بها. وصلى المغرب والعشاء والصبح والظهر. فتم بها خمس صلوات، واستصحب معه أمهات المؤمنين كلهن، وطاف عليهم في تلك الليلة، واغتسل لصلاة الصبح، ثم اغتسل بعد الظهر أيضا للإحرام، واستعمل الخطمى (٢) والأشنان (٣). وقدمت إليه عائشة ﵂، طيبا مركبا من أجزاء طيبة الرائحة، وفيه مسلك فطيب منه بدنه، ورأسه، حتى كان يرى وبيض المسك في مفرقه المبارك ولحيته الشريفة بعد الإحرام (٤). ثم بعد ذلك لبس رداء إحرامه، وصلى الظهر قصرا، وأحرم في المكان الذي صلى فيه، ولم ينقل أنه صلى قبل الإحرام صلاة خاصة لأجل الإحرام، غير صلاة فرض الظهر وقبل الإحرام قلد البدنة بنعلين، وشق سنامها من الجانب الأيمن، ومسح الدم.

стр. 134

واختلف في إحرامه وكيفية تلبيته، فأكثر الأحاديث الصحيحة مصرحة: بأنه أحرم بحج وعمرة، وقال: "أتاني آت من ربي ، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجة" (١) والأحاديث الصريحة في هذا المعنى تزيد على عشرين. وأيضا وردت أحاديث كثيرة، شهدت بأن إحرامه كان بإفراد الحج، وفي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ أهل بحج مفردا، وثبت في الصحيحين: "خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج" (٢). وعند مسلم عن ابن عمرة "أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفردا" (٣) وورد في التمتع أحاديث صحيحة، وطريق التوفيق بين تلك الأحاديث، هو أن الإحرام كان بالحج أولا، ثم أدخل العمرة في الحج فصار قارنا، وقال دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة (٤). والذي قال بالتمتع اللغوي: وهو الانتفاع، والالتذاذ، ولا شك أن الانتفاع، والالتذاذ حاصل في القرآن، لأنه يكتفى عن نسكين بنسك واحد، ولا يحتاج إلى إفراد عمل لكل واحد من الحج والعمرة. وأما أصحابه ﵃ فقد كانوا على ثلاثة أقسام: قسم أحرموا بالحج والعمرة أو بمجرد الحج، ومعهم هدى، وبقوا على إحرامهم. وقسم ثان لم يكن معهم هدي، وأحرموا بالحج، فأمر الرسول ﷺ بأن يجعلوا الحج عمرة، يعني يقلبون الإحرام بالحج، إلى الإحرام بالعمرة. ويتممون أفعال العمرة، قبل يوم عرفة. ثم يحرمون بالحج من مكة ويمضون إلى عرفة. وقسم ثالث هم جماعة لم يكن معهم هدي وأحرموا بالحج، فأمرهم الرسول ﷺ أن يقلبوا الإحرام إلى العمرة، وهذا هو فسخ الحج والعمرة.

стр. 135

فصل صفة حج الرسول ﷺ - وقع السهو لخمس من الطوائف في صفة حج رسول الله ﷺ : الطائفة الأولى: هم القائلون بأنه حج مفردا، ولم يعتمر إذ ذاك (١). الطائفة الثانية: هم القائلون بأنه تمتع بالعمرة، ثم أحل ثم أحرم بالحج. الطائفة الثالثة: هم القائلون بأنه تمتع ولم يحل من إحرامه لأنه ساق الهدي. الطائفة الرابعة: هم القائلون بأنه كان قارنا قرانا جمع فيه بين طوافين وسعيين. الطائفة الخامسة: هم القائلون بأنه كان مفردا، ثم بعد ذلك أحرم بالعمرة من التنعيم. وأما إحرام الرسول ﷺ فوقف في سهو، لخمس طوائف أيضا: الطائفة الأولى: هم القائلون بأنه لبى بعمرة مجردة واستمر على ذلك. الطائفة الثانية: هم القائلون بأنه لبى بالحج مفردا واستمر عليه. الطائفة الثالثة: هم القائلون بأنه لبى بعمرة ثم أدخل عليها الحج. الطائفة الرابعة: هم القائلون بأنه لبى بالحج مفردا ثم بعد ذلك أدخل عليه العمرة وهذا من خصائصه. الطائفة الخامسة: هم القائلون بأن إحرامه كان مطلقا، ولم يعين نسكا ثم بعد ذلك جاء الوحي بالتعيين. ولما صلى الظهر أحرم، ولبى، ثم ركب ناقته، ولما انبعثت ناقته (٢) لبى أيضا ثم لما صعد على طرق البيداء لبى أيضا، وكان حينا يقول لبيك بحجة وعمرة، وحينا يقول لبيك بحجة.

стр. 136

وكان يقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وكان يرفع صوته ليسمع جميع الصحابة ويقول: ارفعوا أصواتكم" (١). وكان راكبا على بعير، عليه رجل وليس عليه شقدف، ولا محارة، ولا محمل، ولا هودج، ولا محفة، وداوم يلبي على هذه القاعدة، والصحابة يزيدون، وينقصون في التلبية، ولم ينكر عليهم الرسول ﷺ ، وجمع شعر رأسه ﷺ في مدة الإحرام، ولبده بالخطمى، والغسل - بكسر الغين المعجمة - وهو عبارة عن دواء يجتمع به الشعر (٢). ولا وصل إلى منزل الروحاء رأى حمار وحش مجروحا فقال "دعوة فسيأتي الذي جرحه عن قريب، فأتى على الفور وقال: يا رسول الله إفعلوا بصيدي ما شئتم، فأمر أبا بكر فقسمه على الرفاق، ثم وصل الى منزل اثابة - وهو منزل بين الروية والعرج - رأى ظبيا نائما في ظل شجرة فأمر شخصا أن يكون بالقرب منه، لئلا يتعرض له أحد من المحرمين، ولا بلغ العرج تخلف غلام لأبي بكر معه جمل، هو زاملة الرسول وأبي بكر، فانتظروه زمانا، ولا وصل لم يروا الجمل معه، فقال أبو بكر: أين البعير؟ قال: فقدته، فقام إليه أبو بكر وضربه على سبيل التأديب، وهو يقول: جعلناك على بعير واحد فضيعته، والرسول ﷺ يبتسم ويقول: انظر إلى هذا المحرم ما يصنع. ولم يزد

стр. 137

على هذا، ولما بلغ الأبواء جاء إليه صعب بن جثامة بحمار وحش هدية، فلم يقبله منه (١). ولما رأى الكراهية في وجهه قال: لم نرد هديتك، لكنا محرمون، ولما بلغ وادي عفان قال: يا أبا بكر أتعلم أي وادي هذا؟ فقال: وادي عفان، قال: لقد مر بهذا الوادي هود، وصالح، ﵉. على جملين أحمرين خطامهما من ليف، وعليهما أزاران من صوف، ورداءان من صوف هما عباءتان، وهما يلبيان بالحج. ولما بلغ "سرف" حاضت عائشة فحزنت وبكت فقال: لما تبكين؟ لعلك حضت. قالت: نعم. قال: لا تهتمين هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، وليس حجك نقص، اعملي كل ما يعمله الحاج لكن لا تطوفي بالبيت، وكانت عائشة قد أحرمت بالعمرة فقط، فقال رسول الله ﷺ : اغتسلي وأحرمي بالحج ففعلت. ولما رأت الطهر طافت وسعت. فقال رسول الله ﷺ : قد أحللت من الحج والعمرة؟ فقالت: إني لأجد في نفسي دغدغة، لأني ما طفت العمرة إلا بعد الوقوف، فأمر أخاها عبد الرحمن أن يمضى بها لتحرم من التنعيم وتأتى بعمرة (٢) وللعلماء في هذه العمرة أقوال: قال بعضهم: هي عمرة زيادة أمر بها لتطييب خاطر عائشة ﵂، وجبر قلبها، وإلا فطوافها وسعيها كاف عن حمجها وعمرتها، وهي كانت متمتعة، وأدخلت الحج على العمرة. فصارت قارنة، وذا أصح الأقوال، والأحاديث لا تدل على غيره.

стр. 138

وقال بعض العلماء: لما حاضت أمرها برفض العمرة الأولى، التي كانت أحرمت بها وهذا قول الإمام أبي حنيفة وأصحابه، ولما وصل الرسول ﷺ "سرف" (١) قال: من لم يسق الهدي، وأراد أن يجعل نسكه عمرة، فليفعل، ومن ساق الهدي فليمض على نسكه، ولما وصل مكة قال على طريق الجزم والوجوب: "من لم يسق الهدي فليجعل نسكه عمرة وليحل من إحرامه ومن ساق الهدي فليقم على إحرامه، وقال: لولا أني سقت الهدي لأحللت. ولما وصل إلى ذي طوى قبل دخوله مكة، نزل ثم بات ليلة الأحد الخامس (٢) من ذي الحجة، وصلى الصبح هناك، واغتسل، ودخل مكة بعد طلوع الشمس بهنيئة من طريق الحجوان (٣)، ولما وصل إلى باب بني شيبة، وشاهد الكعبة أخذ يدعو بهذا الدعاء "اللهم زد بيتك هذا تشريفا، وتكريما، ومهابة". وفي بعض الروايات: أنه لما نظر إلى الكعبة، ورفع يديه، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، الله زد هذا البيت تشريفا، وتعظيما، وتكريما، ومهابة، وزد من حجه، واعتمره تكريما، وتشريفا، وتعظيما، وبرا. ولما دخل المسجد قصد نحو الكعبة، ولم يصل تحية المسجد، ولما حازى الحجر الأسود استلمه، ولم يرفع يديه، ولم يكبر كما يفعله الجهال، ثم أخذ في الطواف وجعل الكعبة، على جانبه الأيسر ولم يرد شيء من الأدعية في مكان بعينه، بإسناد صحيح، إلا الدعاء بين الركن اليمانى، والحجر الأسود، فإنه قال هناك: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (٤) ورمل في ثلاثة أشواط.

стр. 139

والرمل أن يسرع في مشيته ويقارب بين خطواته، كما يفعله المصارعون، وأخرج رداءه من تحت إبطه الأيمن وجعله على كتفه الأيسر، وسار في بقية الطواف على هيئة، وكلما حاذى الحجر الأسود أشار إليه بمحجن كان في يده، ثم قبل رأس ذلك المحجن. والمحجن عصا قصيرة في رأسها اعوجاج، وكان إذا حاذى الركن اليماني، أشار إليه بالاستلام، ولم يثبت أنه إذ ذاك قبل يده أو قبل المحجن. وأما الحجر الأسود فإنه قبله، ووضع وجهه المبارك عليه، وفي بعض الأحيان كان يضع يده عليه ثم يقبلها، وكان يقول في حال الاستلام: "بسم الله والله أكبر" وكلما حاذى الحجر الأسود قال: "الله أكبر وكان في بعض الأحيان يضع جبهته عليه ساجدا، ثم يقبله، كل هذا ثابت في الصحيح (١) وكان إذا فرغ من الطواف قام خلف المقام وتلا قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٢) ثم صلى ركعتى الطواف، والمقام إذ ذاك كان موضوعا قريبا من الكعبة، وقرأ في الركعة الأولى: الفاتحة. وقل يا أيها الكافرون. وفي الثانية الفاتحة، وقل هو الله أحد. ثم بعد الصلاة توجه إلى الحجر الأسود، وجاء فاستلمه، ثم خرج من أوسط أبواب الصفا، وهي خمسة، ثم قصد الصعود، ولما قرب منه تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣) ثم قال: "ابدأ بما بدأ الله به". وفي رواية النسائي "ابدئوا" على صيغة الأمر، ثم صعد على الصفا، قدر ما يتمكن معه من مشاهدة الكعبة، ثم استقبلها وكبر الله أكبر، وقال "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".

стр. 140

ثم دعا وقال: "اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل برد، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا كربا إلا كشفته، ولا حاجة إلا قضيتها" ثم هلل ثلاثا ثم دعا بما أحب ثم هبط (١). وروت صفية بنت شيبة: أنه كان يقول بين الصفا والمروة: "رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم" (٢)، وكان يسعى ماشيا يسير من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا. فلما اشتد الزحام ركب ناقته وتمم سعيه، راكبا، وأما طواف القدوم، فإنه كان فيه ماشيا - كما ذكرنا - لما روى جابر أنه رمل في الأشواط الثلاثة، الأول، وذا لا يتصور للراكب، وأما طواف الركن فإنه أتى به راكبا لعذر، وكان يختم السعى بالمروة. وكلما وصل إليها، قرأ الأذكار، والدعوات، التي قرأها على الصفا، ولما تمم السعى، قال للصحابة: "ألا من لم يسق الهدى فليجعلها عمرة" وفرض عليهم التحلل التام من وطء، وطيب، ولبس مخيط، ثم أفاءوا على ذلك إلى يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة وقال ﷺ : "لولا أنى سقت الهدى لأحللت" (٣). وأما ما ورد في بعض الروايات من أنه ﷺ أحل، فإنه لم يثبت بل هو غلط، وهنا دعا فقال: "اللهم ارحم المحلقين" ثلاث مرات، "والمقصرين" فالها مرة (٤)، وسأل سراقة بن مالك رسول الله ﷺ عن الفسخ، والإحلال، أخاص هو في هذا العام، أم حكم دائم؟ فقال: "بل حكم دائم إلى الأبد" (٥)،

стр. 141

وأبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، لم يحلوا من إحرامهم لما ساقوه من الهدي، وأمهات المؤمنين أحللن، وكذا فاطمة ﵂ فإنها لم يكن معها هدى، وفي هذه المدة حيث أقام قصر الصلاة، بمنزله ظاهر مكة، ولما مضت أربعة أيام: الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء. وتضحى النهار من يوم الخميس، توجه بجميع الناس إلى منى، وأحرم إذ ذاك بالحج، من كان قد أحرم كل واحد من منزله. ولما وصل ﷺ إلى منى نزل وصلى الظهر، والعصر، وبات بمنى، وكانت ليلة الجمعة. ولما ارتفعت الشمس، سار من منى على طريق ضب إلى عرفة، وكان بعض الصحابة يكبر، وبعضهم يلبى، ولم ينكر ﷺ على أحد ولما بلغ إلى ثمرة - وهو موضع في قريب من عرفات - وجد قبته قد ضربت هناك، فنزل، وأقام، حتى زالت الشمس، ثم أمرهم بشد رحل ناقته، وركبها، وخطب خطبة بين فيها قواعد الإسلام بأسرها اقتلع أساس الشرك والجاهلية بالكلية" (١). وذكر ما كان محرما في جميع الملل، وجعل أوضاع الجاهلية بأسرها، وكل ربا كان فيها تحت قدمه، ووصى أمته، بملاطفة النساء، وأمرهم بالتمسك بكتاب الله، وأخبرهم أنهم لن يضلوا ما داموا به متمسكين. ثم سألهم ماذا تقولون، وبماذا تشهدون؟ قالوا نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، فرفع ﷺ أصبعه نحو السماء. وقال: "اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد" (٢). ثم قال: "ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب" ثم نزل وأمر بلال بالأذان والإقامة، وصلى الظهر والعصر جمعا وقصرا، وصلى معه أهل مكة كما صلى.

стр. 142

ثم بعد ذلك ركب وسار الى عرفات، ولما قرب من الصخرات الكبار استقبل القبلة ووقف على راحلته وأخذ في الدعاء، والتضرع، والابتهال إلى أن غربت الشمس، ثم سار وقال: "عرفات كلها موقف لا يخص مكان دون مكان"، وكان في حالة الدعاء قد رفع يديه، نحو صدره كالسائل المسكين. ومن جملة ما حفظ عنه من دعوات ذلك الموقف "اللهم لك الحمد الذي نقول، وخير مما نقول، اللهم لك صلاتى، ونسكى، ومحياى، ومماتى، وإليك مآبى، ولك رب تراثى، اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر، اللهم إنى أعوذ بك من شر ما تجئ به الريح، اللهم إنك تسمع كلامى، وتعلم سرى، وعلانيتى ولا يخفى عليك شيء من أمرى، أنا البائس الفقير، المستغيث، المستجير، الوجل، المشفق المقر، المعترف بذنوبى. أسألك مسألة المسكين، وابتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذل جسده ورغم أنفه لك، اللهم لا تجعلنى بدعائك رب شقيا، وكن بى رؤوفا، رحيما، يا خير المسئولين، ويا نصير المعطين" هذا الدعاء ثابت في معجم الطبراني (١). وروى الإمام أحمد في مسنده، أن أكثر دعاء النبي ﷺ في يوم عرفة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير" (٢). وفي سنن البيهقي أن النبي ﷺ قال: "أكثر دعائى، ودعاء الأنبياء في يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اللهم اجعل في قلبى نورا، وفي سمعى نورا، وفي بصرى نورا، اللهم اشرح لي صدرى، ويسر لي أمرى، أعوذ بك من وسواس الصدر،

стр. 143

وشتات الأمر، وفتنة القبر، اللهم إنى أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح. ومن شر بوائق الدهر" (١). ونزل في الآيات في عرفات ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢)، وفي ذلك اليوم سقط رجل عن راحلته بعرفات، فأمرَ النبي ﷺ أن يَغسل بالماء والسدر، وأن يدرج في ثوبى إحرامه، وأن لا يطيب، ولا يغطى رأسه، ولا وجهه وقال: "إنه يبعث ملبيا" (٣). ولما أفاض بعد تمام الغروب، كان أسامة بن زيد رديفه وكان ﷺ يجذب زمام الراحلة، بحيث أنه كان رأسها يحك الرجل وكان يقول: "أيها الناس اتئدوا مهلا مهلا، ليس الخير في السوق، ولا التقوى في العجلة". وكان يرجع في طريق المأزمين، يقصد ما قصده في الخروج، إلى مصلى العيد من طريق، والرجوع من أخرى. وفي أثناء ذلك ربما أرخى زمام راحلته، ليكون السير بين السريع والبطئ. وإذا وصل إلى مكان وسيع حركها بسرعة، وإذا بلغ نشرا من الأرض أرخى لها لتسير الهوينا. وكان يلبي في طريقه، وما إلى بعض الشعاب، ونقض وضوءه، ثم توضأ، وضوءا خفيفا، فقال أسامة: الصلاة يا رسول الله. فقال ﷺ أمامك ثم ركب حتى أتى "المزدلفة" فتوضأ وضوءا كاملا، ثم أمر بالأذان، والإقامة، وصلى المغرب قبل أن تحل الرحال، بل قبل أن تناخ الجمال، ولم حلوا رحالهم، أقيمت الصلاة، وصلى العشاء بغير أذان، لم يصل بين هذين الفرضين، صلاة أصلا ثم بات بالمزدلفة إلى أن تنفس الصبح" (٤).

стр. 144

ولم يحيي تلك الليلة، ولم يصح شيء من الأحاديث في إحياء ليلة العيد، ورخص لضعفاء قومه، أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر، ولا يرمون إلا بعد الطلوع. وأما قول عائشة: أن رسول الله ﵌، أرسل أم سلمة في ليلة النحر، فرمت الجمار قبل الفجر، ثم مضت فطافت طواف الركن، ثم رجعت إلى منى. ففي إسناده مقالات وأنكره الأساطين من المحدثين. وأرسل جمعا من النساء فرموا الجمر في الليل، لخوف الزحام (١)، وللناس في هذه المسألة ثلاثة أقاويل: يجوز عند الشافعى وأحمد، رمى جمرة العقبة بعد نصف الليل لكل. وأبو حنيفة يقول: لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر، وقال جماعة: لا يجوز للقادر إلا بعد طلوع الشمس بخلاف المعذور فإنه يجوز له ذلك. ولما طلع الفجر صلى الصبح لأول وقتها لا قبل الوقت، كما يظنه البعض، ثم ركب وجاء إلى المشعر الحرام، وهو تل في وسط المزدلفة، عليه عمارة محدثة. وأما قول بعض مشايخ الحديث والفقهاء: هو جبل صغير على يسار الحاج، وهذا المقام المشهور ليس بالشعر، فسهوا منهم. والصحيح أن المشعر الحرام هذا المعروف المعمور, ثم وقف ﷺ في المشعر الحرام, واستقبل القبلة، واشتغل بالدعاء، والتضرع، والابتهال والتكبير، والتهليل، إلى قريب طلوع الشمس، ثم دفع وقد أردف الفضل بن العباس، وأسامة يمشى بين قريش.

стр. 145

وفي هذا الطريق أمر الفضل بن العباس، أن يلقط له حصى الجمار، فالتقط سبعا، أخذها ﷺ ، على كفه المبارك، وجلا (١) عنها الغبار. وقال: "أمثال هؤلاء فارموا (٢) وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين". وفي هذه الطريق اعترضته امرأة جميلة من هثعم، وقالت: إن أبي شيخ كبير، لا يستمسك على البعير، فأمرها بالحج عنه، فلاحظها رديفه الفضل بن العباس، فجعل رسول الله ﷺ يده وقاية، لئلا يتلاحظا. واعترضته أيضا امرأة وأخبرت أن أمها في غاية العجز، وأنها إن ربطت على البعير فربما هلكت، فقال رسول الله ﷺ : "لو كان على أمك دين كنت تقضيه عنها أم لا؟ " فقالت: نعم كنت أقضيه. قال: "فدين الله أولى بالقضاء" ولما بلغ بطن محسر - وهو واد في أول منى - ساق راحلته سوقا شديدا وأسرع الخروج منه (٣). وهكذا جرت العادة النبوية، في جميع المواطن، التي أنزل الله فيها البلاء، على أعدائه، وفي بطن محسر جرى على أصحاب الفيل، ما هو في القرآن. وسمى محسرا لأن الفيل حسر فيه عن الحركة، وعجز عن السير نحو مكة، وبطن محسر برزخ بين منى والمزدلفة، وليس منهما كما أن عرنة ونمرة، برزخ بين عرفة والمشعر الحرام. وكذلك لم يزل يحرك رحلته, في الطريق الوسطى، إلى أن هبط في الوادي الذي تجاه جمرة العقبة، فقام - والكعبة على يساره، ومنى على يمينه، ورمى الجمار سبعا - وهو راكب، واحدة بعد واحدة, في مجل الجمرات،
следующие страницы →