← Сира

Сира · id 132416

سفر السعادة للفيروزابادي

الفيروزآبادي

Полный текст (270 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فهذه الطائفة تعلقت بهذه الأحاديث وقالوا: لا ينبغي المداومة عليها، والصواب أنه يستحب المواظبة عليها، فإن خوفهم توهم الفريضة قد ارتفع، لكن الأولى أن يصليها في البيت. وقالت عائشة: لو نشر لي أبواى ما تركتها، واختار أكثر العلماء أربع ركعات لصحة أحاديثها. وقال ابن جريرة أحاديث صلاة الضحى يظهر فيها اختلاف، أما عند التأمل فيظهر التوافق والصحة، ويرتفع التضاد ويندفع التعارض، واختلاف العدد كان بحسب اختلاف الأيام، والأحوال، فحينا كان يصلي ركعتين، وحينا أربعًا، وحينا ستا، وحينا ثمان ركعات، وحينا عشرا، وحينا اثنى عشرة. فالشخص مخير في أي عدد أراد، وحديث أبي ذر المتقدم يدل على هذا المعنى, وهو قوله ﷺ : "من صلى ركعتين لم يكتب من الغافلين، ومن صلى أربعًا كتب من العابدين .... " إلى آخر الحديث وقد تقدم. فصل صلاة النبي ﷺ في شكر الله كان من عادة حضرة سيدنا رسول الله ﷺ أنه إذا تجددت نعمة أو اندفعت نقمة سجد لله تعالى شكرا. ثبت في مسند الإِمام أحمد عن أبي بكرة، أن النبي ﷺ : وكان إذا أتاه أمر يسُره خرّ ساجدا شكرا لله ﵎ (١). وعن أنس أن النبي ﷺ بشر بحاجة فخر ساجدا.

стр. 72

وروى البيهقي بإسناد صحيح أنه لما ورد كتاب أمير المؤمنين عليّ من اليمن يتضمن أن قبيلة همدان أسلمت، خرّ النبي ﷺ ساجدا (١) من ساعته، وقال: "السلام على همدان، السلام على همدان". وروى عبد الرحمن بن عوف، أن النبي ﷺ : لما بشر بأن من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا، وأن من سلّم عليه مرة، سلّم الله عليه بها عشرا، سجد ﷺ من ساعته شكرا (٢). وفي سنن أبي داود أن النبي ﷺ رفع يديه داعيا، ثم بعد ذلك سجد شكرا لله، ثلاث مرات وقال: "شفعت في أمتي فوهبني الله ثلثها فسجدت شكرا لله، ولما رفعت رأسي شفعت ثانيا فوهبني الله ثلثا آخر، فسجدت شكرا , ولما رفعت رأسي دعوت الله ثالثا فوهبنى الثلث الباقي، فسجدت شكرا". وثبت في مسند الإِمام أحمد: أن النبي ﷺ رأى رجلًا نغاشا - يعني قصير الأرجل - حقيرا نزرا دميمًا فسجد شكرا (٣)، وكعب بن مالك لما أتاه البشير بقبول توبته سجد شكرا، وأبو بكر الصديق لما سمع قتل مسيلمة سجد شكرا، وأمير المؤمنين علي لما رأى ذا الثدية رئيس الخوارج بين القتلى سجد شكرا.

стр. 73

فصل سجدات القرآن ومحافظة النبي في أدائها لم يكن ﷺ يترك سجدات القرآن بل حيثما بلغ آية سجدة كبر وسجد وقال في سجوده: "سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته" وربما قال: "اللهم احطط عني بها وزرًا، واكتب لي بها أجرًا, واجعلها لي عندك دخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود" (١). ولم يثبت أنه لما رفع رأسه من هذه كبر، أو تشهد، أو سلم. وصح أنه سجد ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة. وفي ص. وفي النجم. وفي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. وقال عمرو بن العاص: أقرأني رسول الله ﷺ خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث سجدات في المفصل، وسجدتان في الحج. وقال أبو الدرداء: سجدت مع النبي ﷺ في أحد عشر موضعا ليس فيها شيء من المفصل بل في الأعراف، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج، والفرقان، والنمل، وألم السجدة، وص، وسجدة الحواميم (٢). وصح عن أبي هريرة: أنه سجد مع النبي ﷺ في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وفى ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، ولما كان إسلام أبي هريرة متأخرا في سنة سبع من الهجرة، رجحوا حديثه، وقول ابن عباس: لم يسجد رسول الله ﷺ في المفصل منذ تحول إلى المدينة، أسقطوه لضعف إسناده، وأبو هريرة مثبت وهو ناف.

стр. 74

فصل في فضل يوم الجمعة وعبادات النبي ﷺ فيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، وكان لليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة فكذلك هم تبع لنا يوم القيامة ونحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق" (١) وعن أوس بن أبي أوس ﵁ يرفعه: "من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا على من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي" قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليكم وقد أرمت؟ - يعنى بليت - قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (٢) رواه الإمام أحمد، وابن حبان، والحاكم. وعن أبي هريرة يرفعه: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" (٣).

стр. 75

وفي صحيح الحاكم: "سيد الأيام يوم الجمعة"، وفي الموطأ: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تغرب الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي ويسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه" (١). قال كعب: ذلك في كل سنة يوم؟ فقلت: بل في كل جمعة فقرأ التوراة فقال: صدق رسول الله ﷺ . قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته مع كعب فقال: قد علمت أية ساعة هي؟ قلت: فأخبرنى بها؟ قال: آخر ساعة في يوم الجمعة. قلت: كيف؟ وقل قال رسول الله ﵌: "لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى" وتلك الساعة لا يصلى فيها؟ قال ابن سلام: ألم يقل رسول الله ﵌: "من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلى" (٢). وعند الشافعى ﵀ في المسند: أتى جبريل النبي ﷺ بمرآة بيضاء فيها نكتة (٣)، فقال النبي ﷺ : "ما هذه؟ " فقال: هي الجمعة، فضلت بها وأمتك، فالناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد. فقال النبي ﷺ : "يا جبريل وما يوم المزيد؟ " فقال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح (٤) فيه كثيب من مسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله سبحانه ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور, عليها مقاعد النبيين، وحف تلك المنابر، بمنابر من ذهب، مكللة بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء والصديقيون، فجلسوا من ورائهم على ذلك الكثيب (٥).

стр. 76

فيقول الله لهم: أنا ربكم قد صدقتكم وعدى فسلونى أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك. فيقول: قد رضيت عنكم ولكم عليّ ما تمنيتم ولدى مزيد، فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخيرات، وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم ﵎ على العرش (١)، وفيه خلق آدم، وفيه تقوم الساعة" (٢). هذا الحديث رواه الإمام الشافعى في مسنده. وجمع أبو بكر بن أبى الدنيا طرفه، ورواه بأسانيد متنوعة مختلفة. وبالجملة فهو حديث عظيم صحيح، يشتمل على فوائد، وبشارات، وحقائق كثيرة. وروى عن أبي هريرة: أنه سأل رسول الله ﷺ عن سبب تسميته بالجمعة؟ فقال: "لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة، والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له" (٣). وفي كتاب (صفة الجنة) تصنيف (أبو بكر بن أبى الدنيا) بإسناد ثابت، من رواية حذيفة: أن النبي ﷺ قال: "أتانى جبريل وفي كفه مرآة كأحسن المرايا، وأضوئها، وإذا في وسطها لمعة سوداء، فقلت: ما هذه اللمعة التي أرى فيها؟ قال: هده الجمعة. قلت: وما الجمعة؟ قال: يوم من أيام ربك

стр. 77

عظيم، وسأخبرك بشرفه وفضله في الدنيا، وما يرجى فيه لأهله، وبإسمه في الآخرة. فأما شرفه وفضله في الدنيا فإن اللهْ جمع فيه أمر الخلق، وأما ما يرجى فيه لأهله فإن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم - أو أمة مسلمة - يسأل الله فيه خيرا إلا أعطاه إياه (١). وأما شرفه وفضله في الآخرة واسمه فإن الله ﵎ إذا صير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار, جرت عليهم هذه الأيام وهذه الليالى ليس فيها ليل ولا نهار. فاعلم الله مقدار ذلك وساعاته، فإذا كان يوم الجمعة حين يخرج أهل الجنة إلى جنتهم نادى أهل الجنة مناد: يا أهل الجنة اخرجوا إلى وادى الزبد، ووادى المزيد لا يعلم سعته وطوله وعرضه إلا الله، فيه كثبان المسك رءوسها في السماء. قال: فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور، ويخرج غلمان المؤمنين بكراسي من ياقوت، فإذا وضعت لهم وأخذ القوم مجالسهم بعث الله تعالى إليهم ريحا تدعى المثيرة تنشر ذلك المسك. وتدخله من تحت ثيابهم وتخرجه في وجوههم وأشعارهم، وتلك الرياح أعلم كيف يصنع بذلك المسك من امرأة أحدكم لو رفع إليها كل طيب على وجه الأرض. قال: ثم يوحى الله ﵎ إلى حملة عرشه ضعوه بين أظهرهم، فيكون أقل ما يسمعون منه: أن يا عبادى الذين أطاعونى بالغيب ولم يرونى وصدقوا برسلى واتبعوا أمرى سلوا فهذا يوم المزيد، فيجتمعون على كلمة واحدة (رضينا عنك، فارض عنا) فيرجع الله إليهم: أن يا أهل الجنة إنى لو لم أرض عنكم لم أسكنكم دارى، فسلونى فهذا يوم المزيد، فيجتمعون على كلمة واحدة، (ربنا أرنا وجهك ننظر إليه) فيكشف عن تلك الحجب، ويتجلى لهم من نوره شيء، لولا أنه قضى أن لا يحُرقوا لاحترقوا، لما يغشاهم من نوره، ثم يقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم، فيرجعون إلى

стр. 78

منازلهم، وقد أُعطى كل واحد منهم الضعف على ما كانوا فيه، فيرجعون إلى أزواجهم، وقد خفوا عليهم، وخفين عليهن بما غشيهم من نوره. فإذا رجعوا تراد النور حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها، فتقول لهم أزواجهم: لقد خرجتم من عندنا على صورة، ورجعتم على غيرها، فيقولون: ذلك إن الله تجلى لنا فنظرنا منه، قال: (١) إنه والله ما أحاطه خلق ولكنه قد أراهم الله من عظمته وجلاله ما شاء أن يريهم. قال: فذلك قولهم: فنظرنا منه. قال: فهم يتقلبون في مسك الجنة، ونعيمها في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه. قال رسول الله ﷺ فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) وفي لفظ: فإذا كان يوم الجمعة من أيام الآخرة هبط الرب من عرشه إلى كرسيه، ويحف الكرسى منابر من نور فيجلس عليها النبيون، وتحف المنابر بكراسى من ذهب فيجلس عليها الصديقون والشهداء، ويهبط أهل الغرف من غرفهم فيجلسون على كثبان المسك لا يرون لأهل المنابر والكراسى فضلا في المجلس، ثم يتبدى لهم ذو الجلال ﵎. فيقول: سلوني فيقولون بأجمعهم: نسألك الرضا يارب، فيشهد لهم على الرضا، ثم يقول: سلونى فيسألونه حتى تنتهى نهمة كل عبد منهم قال: ثم يغشى عليهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم يرتفع الجبار عن كرسيه إلى عرشه, ويرتفع أهل الغرف إلى غرفهم وهي غرفة من لؤلؤة بيضاء أو ياقوتة حمراء أو زمردة خضراء ليس فيها فصم ولا وصم مطردة فيها أنهار متدلية فيها ثمارها فيها أزواجها وخدمها ومساكنها قال: فأهل الجنة يتباشرون في الجنهة بيوم الجمعة كما يتباشر أهل الدنيا في الدنيا بالمطر (٣).

стр. 79

فصل تعظيم النبي محمد ﷺ ليوم الجمعة كان من عوائده الكريمة ﷺ أن يعظم يوم الجمعة غاية التعظيم، ويخصه بأنواع التشريف والتكريم، ويحفه بأنواع العبادات، كما سنبينه فيما هو آت. وللعلماء في يوم الجمعة، ويوم عرفة قولان: قال بعضهم: يوم الجمعة أفضل، وقال بعضهم: يوم عرفة أفضل، وكان ﷺ يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة سورة السجدة، وهل أتى على الإنسان. والمراد تذكير الأمة بما اشتملتا عليه مما كان، وما يكون, لما فيهما من خلق آدم ﵊، وذكر المعاد، وحشر الخلائق، وأحوالهم في الجنة والنار، وليس المراد تخصيص هذا اليوم بالسجدة كما ظنوا. وقالوا: إن من لم يتهيأ له قراءتهما، فليقرأ بعض سورة تشتمل على سجدة، أو ليقرأ في أولى بعض سورة السجدة، وفي الأخرى باقيها. إنما نشأ لهم هذا من عدم اطلاعهم على سر ما قُرئتا له في هذا اليوم، وقراءتهما في صلاة الصبح، من خواص الجمعة. الخاصية الثانية: أن يستحب الإكثار من الصلاة، على النبي ﷺ في يوم الجمعة وليلتها، وفي الحديث الصحيح: "أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة وليلة الجمعة" (١). الخاصية الثالثة: صلاة الجمعة، وهي من أعظم فروض الإسلام، ومن تهاون في الإتيان بها ختم على قلبه، وقُرب بعض الأشخاص في يوم المزيد، بحسب تقربهم إلى الله يوم الجمعة.

стр. 80

الخاصية الرابعة: استحباب الغسل في ذلك اليوم، وعند جماعة يجب، ودليل وجوبه أقوى من دليل وجوب الوتر، ومن الوضوء من مس النساء، ومن القهقهة، ومن الرعاف، ومن الحجامة، ومن القئ، ومن وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد. الخاصية الخامسة: مس الطيب، وهو في هذا اليوم أفضل منه في سائر الأيام. الخاصية السادسة: استعمال السواك في هذا اليوم مفضل على سائر الأيام. الخاصية السابعة: التكبير للصلاة. الخاصية الثامنة: الاشتغال بالصلاة والذكر. والقراءة إلى أن يصعد الإمام إلى الخطبة. الخاصية التاسعة: الإنصات للخطبة وهو واجب عند أكثر العلماء. الخاصية العاشرة: قراءة سورة الكهف لقوله ﷺ : "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء، يضئ إلى يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين" (١). الخاصية الحادية عشرة: عدم كراهية صلاة النافلة في وقت الزوال كما هي في سائر الأيام مكروهة, وهذا مذهب أكثر العلماء، لما روى أبو قتادة أن النبي ﷺ كان يكره الصلاة نصف النهار، إلا يوم الجمعة، وقال: "إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة" (٢).

стр. 81

ورد في الحديث الصحيح: استحباب الصلاة في يوم الجمعة إلى وقت الخطبة، وروى الشافعى بأسانيد متنوعة: نهى ﷺ عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة (١). وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن وقت الزوال ليس بوقت كرهة مطلقا في حال من الأحوال ولا في يوم من الأيام. وهذا مذهب الإمام مالك. الثاني: أنه وقت كراهة في الجمعة. وغيرها وهذا مذهب الإمام أبى حنيفة، وأحد قولى الإمام أحمد. الثالث: أنه وقت كراهة في جميع الأيام غير يوم الجمعة فإنه ليس بوقت كراهة. وهذا مذهب الإمام الشافعى، وجميع المحققين. الخاصية الثانية عشرة: استحباب قراءة سورة الجمعة والمنافقين في الصلاة أو سورة سبح والغاشية لمواظبة النبي ﷺ على ذلك، والاقتصار على بعض سورة الجمعة والمنافقين ليس بمستحب بل هو خلاف السنة، وجهابذة الأئمة يداومون على ذلك. الخاصية الثالثة عشر: أنها عيد الأمة يكرر في كل أسبوع، وروى ابن ماجه في مسنده عن أبي لبابة يرفعه أن يوم الجمعة سيد الأيام، وأعظمها وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى، ويوم الفطر، فيه خمس خلال: خلق الله آدم دنيه، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا أعطاه ما لم يكن حراما، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب، ولا سماء ولا أرض، ولا رياح، ولا جبال، ولا شجر، إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة. الخاصية الرابعة عشر: استحباب لبس أحسن ثوب تصل القدرة إليه وأجوده، ثبت في مسند الإمام أحمد: "من اغتسل يوم الجمعة ومس من

стр. 82

طيب إن كان له، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج وعليه السكينة، حتى يأتى المسجد فيركع إن بدا له، ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت إذا خرج إمامه، حتى يصلي. كانت كفارة لما بينهما" (١). وفي سنن أبى داود عن عبد الله بن سلام أنه سمع رسول الله ﷺ يقول على المنبر في يوم الجمعة: "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبى مهنته" (٢). الخاصية الخامسة عشر: استحباب تجمير المسجد بإحراق العود واستعمال الطيب، أمر أمير الؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه بتجمير المسجد (٣) في كل جمعة. الخاصية السادسة عشر: تحريم إنشاء السفر في يوم الجمعة بعد دخول الوقت على من لزمته الجمعة وهذا مذهب جماهير العلماء، وعند أبى حنيفة يجوز، لكن نقل السروجى في شرح الهداية عن أبي حنيفة كراهة ذلك. وأما مذهب الشافعى فيحرم من قبل الزوال أيضا لما روى الدارقطنى أن النبي ﷺ قال: "ومن سافر من دار إقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره" (٤). وقال حسان بن عطية: إذا سافر الرجل يوم الجمعة دعا عليه النهار أن لا يعان على حاجة، ولا يصاحب في سفره.

стр. 83

الخاصية السابعة عشر: هي أن من مشى إلى صلاة الجمعة كتب له بكل خطوة ثواب صيام سنة، في مسند الإمام أحمد، ومسند عبد الرازق: من غسل واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر (١) ودنا من الإمام وأنصت كان له بكل خطوة يخطوها، صيام سنة وقيامها وذلك على الله يسير. الخاصية الثامنة عشر: هي أن هذا اليوم مكفر للسيئات، روى سلمان أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرى ما يوم الجمعة، لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره، ثم يأتى الجمعة فينصت، حتى يقضى الإمام الصلاة، إلا كان كفارة لما بينه وبين الجمعة المقبلة" (٢). وورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة. الخاصية التاسعة عشر: هي أن جهنم تضرم في كل يوم، عند منتصف النهار، إلا في يوم الجمعة، لأنه أفضل الأيام، والعبادات، والطاعات فيه أزيد من سائر الأيام، والمعاصى فيه أقل، وكثير من أهل الفجور المتغولين الأثام، يجتنبون المعاصى في يوم الجمعة وليلتها بالكلية، وهذا معنى الحديث، الذي يشير إلى أن جهنم لا تضرم في هذا اليوم. الخاصية العشرون: هي أن في هذا اليوم ساعة إجابة كل عبد سأل فيها حاجة قُبل، وثبت في الصحيحين "أن في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، وقال بيده يقللها" (٣).

стр. 84

وللعلماء في هذه الساعة خلاف على قولين: قال بعضهم: ليست بباقية بل ارتفعت في زمان الرسول ﷺ . القول الثاني: وهو الصحيح أنها باقية، وفي تعين وقتها خلاف هل هي في وقت معين من يوم الجمعة، أم ليس لها وقت معين من يوم الجمعة؟ والذين قالوا بالتعيين اختلفوا في بيانه على أحد عشر قولا. القول الأول: مروى عن أبي هريرة: أنها بعد طلوع الفجر، إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى المغرب. القول الثاني: القول عند الزوال، وذا يروى عن الحسن البصرى، وأبى العالية. القول الثالث: إذا شرع المؤذن في أذان الجمعة، وذا مروى عن عائشة ﵂. القول الرابع: هي ساعة جلوس الإمام على المنبر إلى أن يفرغ من خطبته. القول الخامس: في زمان صلاة الجمعة. القول السادس: هي ما بين زوال الشمس إلى وقت صلاة الجمعة. القول السابع: هي ما بين صيرورة ظل الزوال شبرا، إلى أن يصير ذراعا. القول الثامن: من وقت العصر، إلى غروب الشمس. القول التاسع: آخر ساعة في النهار. وذا قول أكثر الصحابة والتابعين. القول العاشر: من حين خروج الإمام إلى أن يفرغ من الصلاة. القول الحادى عشر: في الساعة الثالثة من يوم الجمعة وأرجح الأقوال قولان: القول الأول: من حين يجلس الإمام على المنبر إلى أن تتم الصلاة، ودليل هذا في الحديث الصحيح "هي ما بين أن يجلس الإمام على المنبر، إلى أن تقضى الصلاة".

стр. 85

القول الثاني: أنها بعد العصر، وذا أرجح الأقوال ودليله الحديث الصحيح "أن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه" (١) وهي بعد العصر. وفي سنن أبى داود، والنسائي، من رواية جابر أن النبي ﷺ قال: "يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة فيها ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه إياه فالتمسوها في آخر ساعة بعد العصر" (٢). وفي سنن سعيد بن منصور: أن جماعة من الصحابة اجتمعوا، وبحثوا في هذه الساعة ثم قاموا, ولم يخالف منهم أحد، في أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن سلام قال: قلت - ورسول الله ﷺ جالس -: إنا لنجد في كتاب الله ساعة في يوم الجمعة لا يوافقها عبد مؤمن، يصلى، ويسأل الله فيها شيئا, إلا قضى له حاجته. قال عبد الله: فأشار إليّ رسول الله ﷺ ، "أو بعض ساعة" فقلت: صدقت يا رسول الله، أو بعض ساعة. قلت: أية ساعة هي؟ قال: "آخر ساعة من ساعات النهار" قلت: أنها ليست ساعة صلاة، قال: "بل إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في الصلاة". وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قيل للنبي ﷺ : لأى شيء سمى يوم الجمعة؟ قال: "لأن فيها طبعت (٣) طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة

стр. 86

والبعث، وفيها البطش، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له" (١). الخاصية الحادية والعشرون: هي أن للصدقة في هذا اليوم مزية، على الصدقة في سائر الأيام. الخاصية الثانية والعشرون: هي أن صلاة الجمعة مقرونة بالخطبة، مشروطة بشرائط ليست لغيرها، مثل اشتراط الإقامة والاستيطان، والجهر بالقراءة وغير ذلك. الخاصية الثالثة والعشرون: هي أن يوم الجمعة يستحب فيه التفرغ للعبادة، ومزيته على سائر الأيام كمزية شهر رمضان على سائر الشهور، وهو مخصوص بعبادات واجبة ومستحبة، وكما أن لأهل كل ملة يوما متخصصا للعبادة والتخلى عن الأشغال الدنيوية، كذلك تعين يوم الجمعة لهذه الأمة المعصومة، وساعة الإجابة في هذا اليوم، كليلة القدر في شهر رمضان. ومن هذه الجهة قال العلماء: من حصل له في يوم الجمعة السلامة من الآثام، سلم في الأسبوع، ومن سلم في شهر رمضان من الآثام، سلم في بقية العام، ومن حصل له حج بيت الله الحرام وسلم من المخالفات، سلم في جميع العمر. فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، وشهر رمضان ميزان السنة، وحج بيت الله ميزان العمر. الخاصية الرابعة والعشرون: لما كان يوم الجمعة في الأسبوع كيوم العيد في السنة والعيد يشتمل على الصلاة والقربان، والجمعة تشتمل على الصلاة، جعل الحق جل شأنه التبكير إلى المسجد بدل القربان، وقائما مقامه.

стр. 87

وفي الحديث الصحيح: "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثاني فكأنما قرب بقرة. ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة" (١). وفي هذه المساعات اختلاف، حملها بعض العلماء على الساعات الفلكية، وقال باستحباب التبكير بعد طلوع الشمس، وذا مذهب الشافعى وأكثر العلماء. وحملها البعض على الساعات العرفية، وهي أجزاء لطيفة من بعد الزوال، وذا مذهب الإمام مالك، وطائفة من أهل المدينة. الخاصية الخامسة والعشرون: أنه يوم تجلى الحق جل شأنه على عبيده في الجنة. الخاصية السادسة والعشرون: هي أن الله أقسم بهذا اليوم من بين سائر الأيام، قال الله تعالى ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ (٢) قال ﷺ : "اليوم الموعود: يوم القيامة" (٣)، "واليوم المشهود: هو يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، ما طلعت الشمس ولا غربت على أفضل من يوم الجمعة، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو فيها بخير إلا استجاب له أو يستعيذه من شر إلا أعاذه منه" (٤). الخاصية السابعة والعشرون: هي أن السموات والأرضين، والجبال، والبحار، والخلائق كلها, غير بنى آدم، والشياطين، يخافون من يوم الجمعة. قال كعب الأحبار: ألا أحدثكم عن يوم الجمعة: إذا كان يوم الجمعة فزعت له السموات والأرض، والجبال، والبحور، والخلائق كلها، إلا ابن آدم والشياطين.

стр. 88

الخاصية الثامنة والعشرون: إنه يوم ادخره الحق سبحانه لهذه الأمة المرحومة فضلت عنه جميع الأمم: قال ﷺ : "يوم ادخره الله لنا" (١). وقال: "وما طلعت الشمس، ولا غربت، على يوم خير من يوم الجمعة، هدانا الله له وأضل الناس عنه، فالناس لنا فيه تبع" (٢) الحديث. الخاصية التاسعة والعشرون: هي أن هذا اليوم خيرة الله من الأيام، كما اختار رمضان من الشهور، وليلة القدر من الليالى، ومكة من القرى. قال كعب: إن الله اختار الشهور، فاختار شهر رمضان، واختار الأيام فاختار يوم الجمعة، واختار الليالى فاختار ليلة القدر. الخاصية الثلاثون: هي أن أرواح المؤمنين في يوم الجمعة تقرب من قبورهم، ويعرفون من يزورهم فيه فضل معرفة على سائر الأيام. الخاصية الحادية والثلاثون: كراهة صوم هذا اليوم على انفراده، عند أكثر العلماء، قال محمد بن عباد: سألت جابرا: أنهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قالط: نعم ورب هذه البنية. وفي الصحيحين قال ﷺ : "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوم قبله أو يوما بعده" (٣) اللفظ للبخارى، ولمسلم: "لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" (٤).

стр. 89

وعن جويرية بنت الحارث، أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة فقال: "أصمت أمس؟ " قالت لا. قال: "تريدين أن تصومى غدا؟ " قالت: لا. قال: "فافطرى" (١). وقال ﷺ : "لا تصوموا يوم الجمعة وحده" وقال: "يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده" (٢). الخاصية الثانية والثلاثون: اختصاص هذا اليوم باجتماع الؤمنين للموعظة والتذكير.

стр. 90

فصل في الخطبة النبوية في يوم الجمعة كان ﷺ إذا خطب رفع صوته إلى غاية تحمر فيها عيناه المباركتان، وكثيرا ما كان يقول في خطبته: "بعثت أنا والساعة كهاتين وجمع بين السبابة والوسطى" (١) وبعد ذلك يقول: "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإليَّ وعليَّ" (٢) رواه مسلم، وفي لفظ كانت خطبة النبي ﷺ : يحمد الله ويثنى عليه بما هو أهله ثم يقول: "من يهدى الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وخير الحديث كتاب الله، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" (٣). وفي بعض الأخبار كان يقول: "الحمد لله نحمد الله، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا، بين يدى الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا". وكثيرا ما كان يقرأ سورة (ق) على النبر، قالت أم هشام بنت الحارث: ما حفظت سورة (ق) إلا من رسول الله ﷺ مما يخطب بها على المنبر (٤).

стр. 91

وحفظ من خطبته ﷺ من رواية علي بن جدعان وفيها ضعف "يا أيها الناس توبوا إلى الله ، قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة، وصِلُوا الذين بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية، تؤجروا، وتحمدوا، وترزقوا". واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة، فريضة مكتوبة، في مقامى هذا في شهرى هذا في عامى هذا، إلى يوم القيامة، من وجد إليها سبيلا، فمن تركها في حياتى أو بعدى جحودا بها واستخفافا، وله إمام جائر أو عادل فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا صوم له، ألا ولا وضوء له، ألا ولا حج له، ألا ولا بر له حتى يتوب، فإن تاب تاب الله عليه، ألا ولا تؤمن امرأة رجلا، ألا ولا يؤمن أعرابى مهاجرا، ألا ولا يؤمن فاجرا مؤمنا، إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه وسوطه" (١). وكان يقصر الخطبة ويطول الصلاة وقال: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مثنة من فقهه" وكان يبين في الخطبة قواعد الإسلام، ويعلم مهمات الدين، وكان إذا عرضت له حاجة أو سأله سائل، قطع خطبته وقضى الحاجة، أو أجاب السائل، ثم أتمها، وكان إذا رأى في الجماعة فقيرا أو ذا حاجة، أمر بالتصدق، وحرص على ذلك. وكان إذا ذكر الله تعالى، أشار بالسبابة، وكان إذا اجتمعت الجماعة خرج للخطبة وحده ولم يكن بين يديه صاحب، ولا خادم، ولم يكن من عادته لبس الطرحة، ولا الطيلسان، ولا الثوب الأسود المعتاد. وكان إذا دخل المسجد سلم على الحاضرين لديه، وإذا صعد المنبر، أدار وجهه إلى الجماعة وسلم ثانيا، ثم قعد، وإذ ذك يشرع بلال في الأذان، وعند فراغه، يقوم فيخطب قائما من غير فاصلة بين الأذان والخطبة.

стр. 92

ولم يكن يأخذ السيف والحربة بيده، بل كان يعتمد على القوس أو العصا، وهذا قبل اتخاذ المنبر، وأما بعد اتخاذ المنبر، فلم يحفظ أنه اعتمد على العصا، ولا على القوس ولا على غير ذلك، وكان يجلس بين الخطبتين لحظة، وإذا فرغ من الخطبة أقام بلال الصلاة. وكان في أثناء الخطبة يأمر الناس بالتقرب والإنصات، ويقول: "إن الرجل إذا قال لصاحبه أنصت فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له" (١) وكان يقول: "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا، والذي يقول: أنصت ليس له جمعة". وقال: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها ويغلو فهو حظه منها، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات، وسكون، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدا فهى له كفارة إلى الجمعة التي تليَها وزيادة ثلاثة أيام (٢)، وذلك أن الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا (٣)﴾ " ذكره أبو داود. وكان إذا فرغ بلال من الأذان شرع ﷺ في الخطبة، ولم يقم أحد لصلاة السنة، وبعض العلماء قالوا بسنة الجمعة بالقياس على الظهر، وإثبات السنة بالقياس غير جائز (٤)، والعلماء الذين صنفوا في السنن، واعتنوا بضبط سنن الصلاة، لم يرووا في سنة الجمعة قبل الصلاة شيئا. وأما بعد صلاة الجمعة، فكان إذا رجع إلى المنزل صلى أربعا وإن صلى في المسجد صلى ركعتين وقال: من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا".

стр. 93

فصل في صلاة العيد كان من عادة النبي ﷺ أن يصلى صلاة العيد في المصلى وهو مكان في ظاهر المدينة، وصلى العيد مرة في المسجد، لسبب المطر، وكان يلبس في يوم الجمعة أجمل ثيابه، وكان له حلة فاخرة برسم العيدين والجمعة. وفي بعض الأحيان كان يلبس بردا مخططا، بخطوط خضر، أو بخطوط حمر، وكان يفطر في يوم العيد، عيد الفطر قبل الخروج إلى المصلى على تميرات عددهن وتر، ولم يكن يأكل طعاما إلا بعد المراجعة، وكان يغتسل للعيد. وورد في هذا الباب حديثان وكلاهما ضعيف، لكن صح عن ابن عمر أنه كان يغتسل لكل عيد، وشدة مبالغته في متابعة السنة تقتضى أن الحديث في هذا الباب صحيح، وكان يسير إلى المصلى ماشيا، ويحمل بين يديه العنزة (١). فإذا بلغ المصلى نصبت تجاهه، لأن المصلى لم يكن له إذ ذلك جدار ولا محراب، وكان يؤخر صلاة الفطر، ويعجل صلاة الأضحى. وعبد الله بن عمر، الذي كان لا يهمل متابعة السنة في دقيقه، كان يسير من بيته إلى المصلى، بعد طلوع الشمس، وكان يكبر في جميع طريق المصلى، وكان النبي ﷺ إذا بلغ المصلى شرع في الصلاة من وقته، بلا أذان ولا إقامة، ولا الصلاة جامعة، والسنة أن لا يكون شيء من هذا. وكان يكبر في الأولى سبع تكبيرات (٢) متتابعات يفصل بين كل تكبيرتين بسكتة خفيفة. ولم يرد بين التكبيرتين ذكر ولا تسبيح معين، وكان يقرأ في الأولى سورة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ , وفي الثانية ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (٣).

стр. 94

وفي بعض الأحيان كان يقتصر على ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، ولم يصح غير هذا. وكان إذا رفع رأسه من السجود إلى الركعة الثانية شرع في التكبير، فكبر خمسا، ثم شرع في القراءة. ويروى في بعض الأحاديث، أنه والى بين القراءتين فكبر في الأولى ثم قرأ وركع، فلما قام في الثانية قرأ، وجعل التكبير بعد القراءة، لكن هذا الخبر غير صحيح، لأنه من رواية محمد بن معاوية وهو مجروح باتفاق أكابر علماء الحديث. وعن عمر بن عوف: أن رسول الله ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي الأخرى خمسا قبل القراءة (١). سأل الترمذي البخاري عن هذا الحديث؟ فقال: ليس في الباب شيء أصح من هذا وبه أقول. وكان إذا فرغ من الصلاة قام وخطب قائما ولم يكن ثم منبر، لكن ورد في الحديث الصحيح (فنزل نبي الله)، وهذا يدل على أنه كان يخطب على تل، أو صفة، أو مكان عال، يقوم مقام المنبر. وروى في بعض الأحاديث على راحلته، وفي الصحيحين عن جابر قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن ولفظ "تصدقوا" فأكثر من تصدق النساء بالقرط والخام والشئ" (٢) فإن كان له حاجة، أو يريد أن يبعث بعثا يذكره لهم، وإلا انصرف، وكان يفتتح جميع الخطب بحمد الله، ولم يرد في حديثه أنه كان يفتتح خطبة العيد بالتكبير.

стр. 95

وفي سنن ابن ماجه مروى عن سعد مؤذن النبي ﷺ أن النبي ﷺ كان يكثر التكبير بين أضعاف الخطبة (١)، وفي لفظ يكثر التكبير في خطبة العيدين وهذا لا يدل على أن الافتتاح كان بالتكبير والله أعلم. وكان يذهب إلى صلاة العيدين من طريق ويأتى من طريق آخرى وقالوا: السر في ذلك أن يُسلم على أهل الطريقين، أو لتشمل بركته الطريقين، أو ليظهر شعار الإسلام في الطريقين، أو ليغتم أهل النفاق بمشاهدة عزة الإسلام، ورفعة أعلامه، أو لتشهد بطاعته البقاع المختلفة، والمواضع المتفرقة، أو لجموع ذلك، أو لأسرار آخر، تقصر عنها عقول أكثر الخلق.

стр. 96

فصل في عباداته ﷺ في حال الاستسقاء ثبت في ذلك ستة أوجه: الوجه الأول: أنه كان يوم الجمعة في أثناء الخطبة يستمطر ويقول: "اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا، اللهم اسقنا اللهم اسقنا، اللهم اسقنا" (١). الوجه الثاني: أنه كان يعد الصحابة بالخروج في يوم معين إلى المصلى، ويخرج في ذلك اليوم، بعد طلوع الشمس بهيئة الخاشع التواضع، مبتذلا، فإذا وصل إلى المصلى، صعد إلى النبر، وقرأ الخطبة، والمحفوظ منها: "الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، لا إله إلا الله، يفعل ما يريد، اللهم أنت الله الذي لا إله إلا أنت تفعل ما تريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنى ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوتا وبلاغا إلى حين" (٢)، ثم رفع يديه وأخذ في التضرع والابتهال والدعاء، وبالغ في الرفع، حتى بدأ بياض إبطيه، ثم استقبل القبلة واستدبر الحاضرين، وقلب رداءه المبارك، حتى صار طرف اليمين، على الجانب الشمال، وطرف الشمال على الجانب اليمين (٣).

стр. 97

وما كان من الرداء داخلا صار خارجا، وما كان خارجا صار داخلا، وكان الرداء أسود اللون، وأخذ في الدعاء كذلك، ثم نزل وشرع في الصلاة، فصلى ركعتين، بغير أذان ولا إقامة، جهر فيهما بالقراءة، وقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. الوجه الثالث: أنه صعد منبر المدينة في المسجد واستسقى في غير يوم الجمعة، ولم يرد في الاستسقاء صلاة بل مجرد خطبة ودعاء. الوجه الرابع: أنه استسقى في مسجد المدينة قاعدا من غير قيام، ولا صعود على المنبر، وحفظ من دعاء ذلك اليوم: "اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا طبقا عاجلا غير رائت نافعا غير ضار" (١). الوجه الخامس: أنه استسقى مرة خارج المسجد النبوى، بالقرب من الزوراء، بمكان يعرف بأحجار الزيت، هو قريب من باب من أبواب المسجد، يقال له: باب السلام وعطف على الجانب الأيمن، وسار نحوه رمية حجر، بلغ إلى المكان المعروف بأحجار الزيت. الوجه السادس: كان في بعض الغزوات قد سبق المشركون ونزلوا على الماء واستولى العطش على المسلمين. فعرضوا حالهم على الرسول ﷺ ، وقال المنافقون: لو كان نبيا لاستسقى لقومه، كما استسقى موسى لقومه فبلغ هذا الخبر النبي ﷺ ، فقال: هكذا قالوا، فلا تيأسوا فلعل الله جل ثناؤه أن يسقيكم، ثم رفع يديه ودعا الله. فظهرت سحابة، في الوقت أظلمت الدنيا، ثم أمطرت إلى أن احتنقت الأودية العظيمة بالسيول، والمحفوظ من ذلك الدعاء في الاستسقاء هذه الكلمات: "اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر

стр. 98

رحمتك وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا نافعا غير ضار عاجلا غير رائت" (١). وفي كل وقت استسقى ﷺ أجيب، وجاء المطر، واستسقى مرة، فقام رجل من الصحابة يعرف بأبي لبابة وقال: يارسول الله التمر في المربد، ونخشى أن يتلف فقال ﷺ : "اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا فيسد ثعلب مربده (٢) بإزاره فأمطرت، فاجتمعوا إلى أبي لبابة فقالوا: إنها تقلع حتى تقوم عريانا فتسد ثعلب مربدك بإزارك كما قال رسول الله ﷺ ففعل فاستهلت السماء (٣). وكانوا إذا كثر المطر وأفرط طلبوا الصحو من رسول الله ﷺ ، وكان يقول في الاستصحاء: "اللهم على الأكام، والجبال، والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر" (٤). وكان عند ابتداء المطر يميط ثوبه عن بعض بدنه ليصيبه المطر ويقول: لأنه حديث عهد بربه، وكان إذا سال وادى العقيق وغيره يقول: "اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهورًا فنتطهر منه، ونحمد الله تعالى عليه". وكان إذا رأى الريح، والسحاب، ظهرت الكراهية في وجهه المبارك، وكان يتردد فإذا جاء المطر انبسط وزالت الكراهية.

стр. 99

وثبت أنه قال في بعض أدعيته: "اللهم اسقنا غيثا مغيثا، هنيئا، مريعا غدقا، مجلالا، عاما، طبقا، سحا، دائما. اللهم اسقنا الغيب، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم بالعباد، والبلاد، والبهائم، والخلق، من اللأواء، والجهد، والضنك، ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء وانبت لنا من بركات الأرض، الله ارفع عنا الجهد، والجوع، والعرى، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا، وكان إذا دعا في الاستسقاء رفع يديه نحو السماء" (١). وقال ﷺ : "استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث" (٢). وقال ﷺ : "تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف، وعند نزول الغيث، وعند إقامة الصلاة" (٣)، وعند رؤية الكعبة".

стр. 100

فصل في عبادات السفر أسفار رسول الله ﷺ لم تكن تخلو من أحد أربعة أنواع: إما سفر الهجرة من مكة إلى المدينة، أو لسفر عمرة، أو سفر حج، أو سفر جهاد، وهذا كان الغالب. وكان إذا عزم على سفر ضرب القرعة بين أمهات المؤمنين (١) فمن ظهرت قرعتها سافر بها. وأما في سفر الحج فإنه سافر بالمجموع، وكان يسافر أول النهار، ويحب أن يسافر في يوم الخميس (٢) وكان إذا جهز جيشا إلى الجهاد، أمرهم بالسير في أول النهار، وأمر جميع المسافرين، إذا كانوا ثلاثة أن يجعلوا أحدهم أميرا (٣). ونهى عن الوحدة دنى السفر، وقال: "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان والثلاثة ركب" (٤). ولم يرد سفرا إلا قال حين ينهض من جلوسه: "اللهم إليك توجهت وبك اعتصمت، اللهم كفنى ما أهمنى وما أهتم له، اللهم زودنى التقوى، واغفر لي ذنوبى، ووجهنى للخير أينما توجهت". وكان إذا وضع رجله الباركة في الركاب قال. "بسم الله"، وإذا استوى على ظهر المركب. قال: " ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (٥)، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، سبحانك

стр. 101

إنى ظلمت نفسي، فاغفر لي ذنوبى، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، وأطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إنى أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب (١)، وسوء المنظر في الأهل والمال". وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن: "آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون" (٢) "وكان ﷺ وهو وأصحابه إذا علو الثنايا كبروا، وإذا هبطوا سبحوا" (٣). وكان ﷺ إذا أشرف على بلدة، أو قرية، يريد دخولها قال: "اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أظللن، ورب الرياح وماذرين، أسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وأعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها". وفي بعض الأحيان كان يقول: "اللهم إنى أسألك من خير هذه القرية، وخير ما جمعت فيها، وأعوذ بك من شرها، وشر ما جمعت فيها، اللهم أرزقنا جناها، وأعذنا من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحى أهلها إلينا" (٤). وكان ﷺ الصلاة الرباعية، فما جميع أسفاره، ولم يثبت أنه أتمها في وقت من الأوقات، والحديث المروى عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : "كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر، ويصوم" (٥) لم يبلغ الصحة.

стр. 102

وكان من العادة النبوية، أن يقتصر في السفر على صلاة الفرض، ولم يحفظ أنه في السفر صلى شيئا من السنن، لا قبل الفرض ولا بعده، إلا ركعتى الفجر والوتر، وكان يصلى صلاة التهجد على ظهر المركوب. وعن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ يصلى في السفر على راحلته حيث توجهت يومئ إيماء "يعني صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته" (١). وثبت عن رسول الله ﷺ ، في حال قصر الصلاة أنه ما كان يدع صلاة الليل، لكن ثبت عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يصلون السنة، كان أصحاب رسول الله ﷺ ، يسافرون فيتطوعون، قبل المكتوبة وبعدها. وأما ابن عمر فكان لا يصلى السنة، ولا يترك صلاة الليل، كما كانت عادة النبي ﷺ ، فلو صلاها أحد جازت صلاته، وكانت تطوعا مطلقا لا راتبة. ونقل عن البراء بن عازب قال: سافرت مع النبي ﷺ ثمانية عشر سفرا فلم أره يترك ركعتين عند زيغ الشمس قبل الظهر (٢). قال الترمذي: حديث غريب، وسألت عنه محمدا - يعني البخاري - فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد، ورآه حسنا. وكان من عادته ﷺ ، إذا صلى السنة على راحلته، أن يتوجه حيثما توجهت، وإن توجهت لغير القبلة، وكان يومئ في الركوع والسجود. وثبت في سنن أحمد وسنن أبي داود، "أنه كان يوجه راحلته إلى القبلة حال تكبيرة الافتتاح ثم يتمم إلى حيثما توجهت الراحلة" (٣).

стр. 103

وروى الترمذي في حديث مستقيم الإسناد أنه صلى الفرض مرة، على ظهر مركبه واقتدت به الصحابة ركبانا، ولفظه: "انتهى النبي ﷺ إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم والبلة من أسفلهم فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذن، وأقام ثم تقدم رسول الله ﷺ على راحلته فصلى بهم، يومئ فجعل السجود أخفض الركوع" (١). وكان من عادته ﷺ إذا وقع الرحيل قبل الزوال، أن يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فإذا نزل جمع بين الظهر والعصر. وإن دخل وقت الظهر، قبل الرحيل صلى الظهر ثم ركب، وكذا في المغرب والعشاء، وإن كان في وقت المغرب والعشاء سائرا آخر الصلاة إلى وقت العشاء ليصلهما معا، وفي بعض الأوقات جمع بين الظهر والعصر، في وقت الظهر، ثم ركب، وكذا في المغرب والعشاء" (٢). ولم يكن يعتاد الجمع في السفر فيما علمت، لكن إذا كان السير حثيثا جمع، وأما الجمع في حالة النزول، والقرار، فلم يرد ولم يعين للقصر والجمع مسافة، ولم يرد في هذا الباب شيء صحيح بل رخص في مطلق السفر، وكذا التيمم لم يرد فيه سفر محدود.

стр. 104

فصل في عادة الحضرة النبوية ﷺ حال قراءة القرآن واستماعه وكمال خضوعه وخشوعه وبكائه حال سماعه كان له ﷺ في اليوم وظيفة معينة، يتلوها لا يتركها أبدا إلا لضرورة، وكان يقرأ مرتلا، مفسرا، مبينا، حرفا حرفا، ويقف عند آخر كل آية، ويتمم المد في حروف المد، كالمد في الرحمن الرحيم، فإنه كان يتمم المد في كل. وكان يقول في أول القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وفي بعض الأوقات يقول: "اللهم إنى أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه أو نفخه ونفثه" وكان يحب سماع القرآن من الغير" (١). وأمر عبد الله بن مسعود ﵄ أن يقرأ عليه القرآن فلما أخذ في القراءة استمع له ﷺ وأخذ في الخشوع والتضرع والبكاء حتى جرى ماء عينيه" (٢). وكان يقرأ القرآن على كل حال قائما، وقاعدا، ونائما، متوضأ، وغير متوضأ، ولم يكن يمنعه شيء من القراءة غير الجنابة، وكان يتغنى بالقرآن في بعض الأوقات، ويرجع في ذلك كما يفعله من الحفاظ من كان حسن الصوت، وكذا قراءة سورة الفتح في يوم فتح مكة. وكان ﷺ يقول: "زينوا القرآن بالأصوات الحسنة" وقال: "من لم يتغن بالقرآن فليس منا" (٣) قيل لراوى الحديث: فإن كان شخص لا يحسن ذلك؟ قال: يبذل طاقته فيما استطاع من تحسين القراءة.

стр. 105

وينبغي أن يعلم: أن التطريب، والتغني على نوعين: نوع تقتضيه الطبيعة وتسمح به من غير تكلف، وهو لا يحتاج إلى تمرين وتعليم، بل لو حلى شخص وطبعه لصدر منه ذلك التطريب والتلحين، وهذا النوع جائز بالإجماع، ولو أعانته الطبيعة على زيادة تحسين وتزيين، كما قال أبو موسى الأشعري لسيدنا رسول الله ﷺ "لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا" (١) يعني لو كنت أعلم أنك تستمع قراءتى، لأتممت التزيين والتحسين. (النوع الثاني): هو ما يحصل من سماحة الطبع، بل يحتاج فيه إلى التعليم، والتمرين، والتكلف، كأصوات المطربين إدا عمدوا إلى الإيقاع بأنواع الألحان، وقرأوا بأصوات وإيقاعات مخصوصة، وهذا النوع مكروه عند جماعات السلف وقد منعوا من القراءة به.

стр. 106

فصل في العادات النبوية في تفقد المريض كان ﷺ يعود كل مريض من أصحابه، وكان إذا دخل على المريض قرب منه، وقعد عند رأسه، وسأله عن حاله، وقال: كيف تجدك. وكثيرا ما كان يقول: ما الذي تريد، وما الذي تشتهيه طبيعتك، فإن اشتهى شيئا لم يضره، أمر له به، وكان يجعل يده اليمنى على المريض، ويقول: "اللهم رب الناس أذهب البأس اشف، أنت الشافى، ولا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما، امسح البأس رب الناس بيدك الشفاء ولا كاشف له إلا أنت" (١). وكان يدعو للمريض ثلاث مرات، ولما عاد سعدا. قال: "اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا" (٢). وكان إذا دخل على مريض يعوده، يقول لا بأس طهور إن شاء الله، وفي بعض الأحيان يقول: كفارة، وطهور، وكان إذا اشتكى الإنسان الشئ منه، أو قرحة، أو جرح وضع النبي ﷺ السبابة على الأرض، ثم رفعها وقال: "بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا" (٣). وقالت عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ ، إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه، ثم نفث فيهما: - يعني جمع نفسه ونفخ - يقرأ قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس ثم يمسح بهما، ما

стр. 107

استطاع من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات" (١) قالت: فلما اشتكى، كان يأمرنى أن أفعل ذلك به، فكنت آخذ بيديه، وأمسح بهما لبركتهما. وفي رواية أخرى: كان النبي ﷺ يقرأ، ويتنفث، وعائشة ﵂ تأخذ بيديه، وتمسح بهما بدنه، كان غاية الضعف، والوجع، كان يمنع من تحريكهما، ولم يجعل للعبادة يوما معيشا بل كان يعود في جميع الأوقات هن الليل والنهار، وقال: "عائد المريض مخرفة الجنة" (٢). وفي رواية أخرى: "لم يزل في خرفة الجنة، وما من مسلم يعود مسلما مريضا، غدوة، إلا صلى عليه سبعون ألف ملك، حتى يمسى، وإن عادة عشية صلى عليه سبعون ألف ملك، حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة" (٣). وكان ﷺ يعود من رمد العين. وكان يخدمه ﷺ شاب من اليهود، فلما مرض (٤) عاده، ولا مرض عمه أبو طالب عاده، مع أنه كان مشركا، وكان عرض عليهما الإسلام فلم يقبل أبو طالب وأسلم اليهودى (٥).

стр. 108

فصل في العادة النبوية في أحوال الميت وأداء حقوقه كانت عادته ﷺ مشتملة على الإحسان العظمى إلى الميت، ومعاملته بأمور تنفعه في القبر، وفي القيامة، وعلى الإحسان لأقاربه وأهل بيته، وعلى تعليم الأحياء، ما يؤدون به حق العبودية، في معاملة الميت. وأول الإحسان إلى الميت أنه كان يأمر بتجهيزه نحو آخرته، على أحسن الأحوال، وأفضل الصفات. ثم يقف ﷺ وجميع أصحابه صفا، يستغفرون للميت، ويطلبون له الرحمة، من حضرة ذي العزة، ثم يسيرون معه إلى مدفنه، ويقوم هو وأصحابه على قبره يدعون له، ويسألون له التثبيت والرحمة، عند أشد ما يكون محتاجا إليها، ثم لا يزال يتعهد قبره، ويخصه بالدعاء، الذي يستوجب الروح، والراحة، والمغفرة، والرحمة. وكان يعوده قبل موته، ويذكره بالآخرة، ويأمره بالتوبة، والوصية، ويأمر من حضر مريضا مشرفا أن يلقنه الشهادة، ليكون آخر كلامه كلمة التوحيد. وكان يمنع من عادات أمم الذين لا يؤمنون بالبعث والنشر بحال، وينهى عن لطم الحدود، وشق الجيوب، وحلق الرأس، وأمثال ذلك، ويردع عليه ردعا بليغا، ويأمر بالحمد، والاسترجاع والرضا، ولا ينهى عن جرى الدمع، وحزن القلب. ومع أنه كان أرضى الخلق لقضاء الحق، وأشكرهم، وأصبرهم، أجرى الدمع، وبكى لما توفى ولده ابراهيم، وعمره سنتان وقال: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" (١).

стр. 109

وكان من كمال عاداته النبوية أن يأمر بتجهيز اليث، وتطهيره، وتنظيفه، ودفنه بسرعة، وأن يكفن في ثياب بيض. وكانت الصحابة مدة إذا احتضر شخص، وأشرف على الموت، دعوا حضرة الرسول فحضر ﷺ هناك إلى أن يتوفى، ويجهزه ويصلى عليه، ويشيعه إلى القبر، فلما رأت الصحابة ما في ذلك من المشقة، اقتصروا على أن يعلموه بعد وفاة الشخص، ليحضر التجهيز والصلاة والدفن، ثم رأوا أن هذا لا يخلو من مشقة، فكانوا يجهزون الميت، ويحملونه إليه ﷺ ليصلى عليه حينا بالمسجد، وحينا خارجه، وكلاهما يجوز. وفي الحديث المروي عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ قال: من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له (١) " غلط، وصوابه مارواه الخطيب البغدادي. وقال: هو في الأصل في شيء عليه (٢). وقال بعض أئمة الحديث: هذا الحديث ضعيف لأنه من إفراد صالح مولى التوءمة، وقد صلى على أبي بكر، وعمر في المسجد، بحضرة جميع المهاجرين والأنصار، ولم يصدر من أحد إنكار. وكان يأمر أن يغسل الميت ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر، على حسب ما يقتضيه رأى الغاسل، وأن يجعل في الغسلة الآخرة شيئا من الكافور، وكانوا لا يغسلون الشهيد، وينزعوا عنه السلاح، والملبوس، ويستعملون شيئا من الطيب، وإدا قصر الكفن غطوا رأسه، وجعلوا على رجليه شيئا من الأب (٣).

стр. 110

وكان من العادات إذا أحضروا ميتا، سأل ﷺ هل عليه دين (١)؟ فإن لم يكن عليه دين صلى عليه، وإلا أمر أصحابه فصلوا عليه، ولما كثرت الفتوحات وظهرت الغنائم صلى ﷺ على المديون، وقضى دينه، وكان إذا شرع في الصلاة، قرأ الفاتحة بعد التكبيرة الأولى. والمحفوظ من الدعاء، الذي كان يقرأ في الصلاة على الميت. هذا: "اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار" (٢). وحينا كان يقول: "اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا، وشاهدنا، وغائبنا، اللهم من أحييت منها، فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده" (٣). وفي بعض الأوقات. كان يقول: "اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك، وحبله جوارك، فقه من فتنة القبر، وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء، والحق، فاغفر له، وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم" (٤). وحينا كان يقول: "اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت رزقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، تعلم سرها، وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر لها" (٥).
следующие страницы →