← Сира

Сира · id 132416

سفر السعادة للفيروزابادي

الفيروزآبادي

Полный текст (270 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمى، وعلى آل محمد، وأزواجه، وذريته، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد" (١) لأنها جامعة للعبارات التي وردت في الأحاديث الصحاح. وقال الإمام إبراهيم المروزى: أفضلها اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كلما ذكره الذاكرون وكلما سها عنه الغافلون. فصل ارتداء الرسول لثوب جديد كان ﷺ إذا ليس ثوبا جديدا، قرأ هذا الدعاء: "اللهم لك الحمد كسوتنيه. أسألك خيره، وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره، وشر ما صنع له". وقال: "من لبس ثوبا جديدا فقال: الحمد لله الذي كسانى هذا الثوب، ورزقنيه من غير حول منى ولا قوة. غفر له ما تقدم من ذنبه". وقال أمير المؤمنين عمر ﵁: سمعت الرسول ﷺ يقول: "من لبس ثوبا جديدا فقال: "الحمد لله الذي كسانى ما أوارى به عورتى، وأتجمل به في حياتى، ثم عمد إلى الثوب الذي أخلق فتصدق به كان في حفظ الله، وفي كنف الله، وفي سبيل الله حيا وميتا" (٢). وكان من عادته ﷺ أنه إذا استجد ثوبا سماه عمامة أو قميصا أو رداء. ورأى ﷺ على عليّ أمير المؤمنين ﵁ ثوبا فقال: أجديد هذا أم غسيل؟ فقال. بل غسيل، فقال: "إلبس جديدا، وعش حميدا، ومت شهيدا".

стр. 177

فصل الأدعية المأثورة لرسول الله ﷺ - كان ﷺ إذا رجع إلى بيته قال: "الحمد لله الذي كفانى، وآوانى والحمد لله الذي أطعمنى وسقانى، والحمد لله الذي من علي. أسألك أن تجيرنى من النار" (١). وقال: إذا ولج الرجل بيته فليقل: "اللهم إني أسألك خير المولج، وخير المخرج، بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، ثم يسلم على أهل بيته" (٢). وقال أنس بن مالك: قال لي رسول الله ﷺ : "يا بنى إذا دخلت على أهلك، فسلم تكن بركة عليك، وعلى أهل بيتك" (٣). وقال ﷺ : "ثلاثة كلهم ضامن على الله ، رجل خرج غازيا في سبيل الله ، فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر أو غنيمة، ورجل راح إلى المسجد، فهو ضامن على الله، حتى يتوفاه، فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر أو غنيمة، ورجل دخل بيته بسلام، فهو ضامن على الله " (٤).

стр. 178

وكان ﷺ يقول: "إذا دخل الرجل بيته، وذكر الله تعالى عند دخوله، وعند طعامه. قال الشيطان لا مبيت لكم، ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء" (١). فصل النبي وأدعيته في مناسبات معينة كان ﷺ يقول عند دخول الخلاء: "اللهم إنى أعوذ بك من الخبث والخبائث" (٢) ويأمر بقوله. وفي حديث آخر "لا ينبغي أن يعجز أحدكم، إذا أراد دخول الخلاء، أن يقول: "اللهم إنى أعوذ بك من الرجس، والنجس، الخبيث، المخبث، الشيطان الرجيم" (٣). ومر رجل به ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه، وقال: "إن الله يبغض العبد لذا" - يعني الكلام في الخلاء وحالة البول - وكان ﷺ يقول: "لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها ببول ولا بغائط" (٤). وروى هذا الحديث جماعة من الصحابة، وأما حديث الرخصة الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، عن عائشة أنها قالت: ذكر عند رسول الله ﷺ أن جماعة كرهوا استقبال القبلة حالة البول. فقال منكرا لذلك: "أو قد فعلوا؟ فليجعلوا القبلة تجاه أدبارهم". فالبخارى إمام أهل الحديث يطعن فيه، ولم يثبته أحد من الأئمة الكبار، وكلام أحمد لا يقتضى إثباته، وتحسينه، وأيضا هو منقطع، ومرسل وبعض رواته ضعيف.

стр. 179

وكان إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عنى الأذى وعافانى" (١) وأما أذكار الوضوء فقد ذكرناها في أول الكتاب. فصل في أذكار الأذان شرع لنا ﷺ خمسة أشياء: أحدهما: أن السامع يقول مثل ما يقول المؤذن، إلا في لفظ "حي على الصلاة حي على الفلاح" فإنة يبدل ذلك بلا حول ولا قوة إلا بالله، والحديث الذي ورد في الجمع بين الحوقلة والحيطة، لم يصح وكذا ما ورد في الاقتصار على الحيعلة. الثاني: أن يقول رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وهذا القول يوجب المغفرة. الثالث: أن يصلى على الرسول ﷺ بعد إجابه المؤذن. الرابع: أن يدعو بهذا الدعاء: "اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد". الخامس: أن يدعو لنفسه بما فيه صلاح آخرته ودنياه، وفي بعض الروايات في مسند الإمام أحمد "من قال بعد أذان المؤذن: اللهم رب هذه الدعوة القائمة، والصلاة النافعة صل على محمد، وارض عنى، رضا لا تسخط بعده، ثم دعا استجيب له" (٢).

стр. 180

وقالت أم سلمة: علمنى رسول الله ﷺ أن أقول وقت أذان المغرب: "اللهم هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك فاغفر لي" (١) وقال أبو أمامة: كان رسول الله ﷺ إذا سمع الأذان قال: "اللهم رب هذه الدعوة التامة، المستجابة، المستجاب لها، دعوة الحق، وكلمة التقوى، توفنى عليها، وأجبنى عليها، واجعلنى من صالح أهلها عملا يوم القيامة" (٢). وكان ﷺ يقول: "لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة" قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: "سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة" (٣). فصل تكبيرات الرسول في عيد الأضحى في عشر ذي الحجة كان ﷺ يكثر الدعاء فيه ويأمر بالتهليل، والتكبير، والتحميد، وجاء في بعض الروايات: أنه ﷺ "يكبر دبر كل صلاة من الفرائض، من صبح عرفة، إلى عصر أيام التشريق، ويقول: "الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد" (٤). وهذا الحديث وإن لم يبلغ إسناده درجة الصحة، لكن عمل أهل الإسلام عليه، ونقل عن الإمام الشافعى، أنه لو زاد على هذا. فقال: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله، وحده صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، والله أكبر، يكون حسنا.

стр. 181

فصل ذكر الرسول عند رؤية الهلال كان ﷺ إذا رأى الهلال قال: "اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله" وفي بعض الأحيان كان يقول: "الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربنا وربك الله" (١). وفي سنن أبي داود أن قتادة، بلغه أن نبى الله ﷺ كان إذا رأى الهلال. قال: "هلال خير ورشد (٢) - ثلاث مرات - آمنت بالذي خلقك، آمنت بالذي خلقك، آمنت بالذي خلقك، الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا" (٣)، وفي إسناده ضعف. فصل تسمية الرسول لله عند الطعام كان رسول الله ﷺ إذا أكل طعاما سمى الله، وكان يأمر بذلك، وقال: "وإذا أكل أحدكم، فليذكر الله تعالى، فإن نسى أن يذكر اسم الله، في أوله فليقل: بسم الله في أوله وآخره" (٤). وعند المحققين من أهل الحديث، أن التسمية في أول الطعام واجبة، لأن أحاديث الأمر صحيحة، سالمة من المعارضة. أما إن كان في جماعة فهل تجزى تسمية أحدهم أم لا؟

стр. 182

قال جماعة من العلماء: تجزء، وحديث حذيفة لا يوافق قولهم، لأنه قال: حضرنا مع النبي ﷺ طعاما، فجاءت جارية كأنها تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ بيدها. ثم جاء أعرابى، فأخذ بيده وقال ﷺ : "إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه، جاء بهذه الجارية فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابى ليستحل به فأخذت بيده، والذي نفسى بيده إن يده لفى يدى مع يديهما، ثم ذكر اسم الله وأكل" (١). وثبت في سنن الترمذي من حديث عائشة، أنها قالت: أكل النبي ﷺ الطعام مع ستة من الصحابة، فدخل أعرابى بغتة، وأكل الطعام في لقمتين فقال ﷺ : "لو أن هذا الأعرابى قال بسم الله لكفاكم هذا الطعام" (٢). ومحقق أن النبي ﷺ كان قد سمى الله، وكذلك أصحابه، فلو أن تسمية الواحد تكفى عن الباقي، لما احتيج إلى تسمية الأعرابى، وورد في حديث ضعيف: "من نسى أن يسمى على طعامه فليقرأ قل هو الله أحد إذا فرغ" (٣). وكان إذا فرغ من الطعام يقول: "الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، غير مكفى ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا" (٤) وأحيانا كان يقول: "الحمد لله الذي كفانا، وآوانا" (٥) وكان ﷺ يقول: "من أكل أو شرب فقال الحمد لله الذي أطعمنى هذا ورزقنيه من غير حول منى ولا قوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه" (٦).

стр. 183

وأحيانا كان يقول: "اللهم أطعمت، وسقيت، وأغنيت، وأقتنيت، وهديت، وأحييت فلك الحمد على ما أعطيت" (١) وكان يقول في بعض الأحيان: "الحمد لله الذي من علينا، وهدانا، والذي أشبعنا، وآوانا، وكل الإحسان آتانا" (٢). وثبت في حديث آخر: أنه ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه، واطعمنا خيرا منه، وإذا أكل لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه" (٣). وكان ﷺ إذا شرب الماء شربه على ثلاثة أنفاس، يقول في أول كل نفس: بسم الله، وفي آخره الحمد لله، ونهى أن يتنفس في الإناء" (٤). فصل الأذكار عند الطعام كان ﷺ في بعض الأحيان إذا دخل البيت يقول: "هل عندكم طعام، فإن أحضروا شيئا وكان موافقا لمزاجه أكل، وإلا ترك وما عاب طعاما قط، إن اشتهى أكل وإلا تركه" (٥). وكان يمدح الطعام في بعض الأحيان كقوله: "نعم الإدام الخل" (٦) وغير ذلك، وإن لم يحضروا شيئا، ينوى الصيام. ويقول: "إنى اليوم صائم" (٧) وكان يتكلم على الطعام ويكرر عرض الطعام على الضيفان كما هو عادة

стр. 184

الكرام، كما ورد في حديث أبى هريرة، وقصة شرب اللبن، وقوله ﷺ : "اشرب فشرب، فقال: اشرب فشرب، فقال: اشرب فشرب، ولم يزل يكرر حتى قال: لا والذي بعثك بالحق نبيا لا أجد له مسلكا" (١). وكان ﷺ : إذا أكل طعام قوم دعا لهم، فقال: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم وارحهمهم" وفي بعض الأحيان كان يقول: "أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة" (٢) وصنع أبو الهيثم بن التيهان طعاما فدعا النبي ﷺ وأصحابه، فلما فرغوا قال: "أثيبوا أخاكم" قالوا يا رسول الله وما إثابته؟ . قال: "إن الرجل إذا دخل بيته، وأكل طعامه، وشرب شرابه فدعوا له فذلك إثابته". وكان ﷺ يقول: "إذا أكلتم طعاما فأذيبوه بذكر الله ، والصلاة ولا تناموا عليه، فتقسوا به قلوبكم" (٣) وأخذ ﷺ ببد مجزوم، فوضعها معه في القصعة. فقال "كل بسم الله، ثقة بالله، وتوكل على الله" (٤) وثبت أنه قال: "فر من المجزوم كما تفر من الأسد" (٥). والتطبيق بينهما ظاهر، وكان يأمر بالأكل باليمين وينهى عن الأكل بالشمال، لأن الشيطان يأكل ويشرب بشماله وشكوا إليه فقالوا: إنا نأكل ولا نشبع قال: "فلعلكم تفرقون؟ " قالوا نعم. قال: "فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه، يبارك لكم فيه" (٦).

стр. 185

فصل في السلام والآداب النبوية في هذا الباب ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: "أفضل الإسلام وخيره أطعام الطعام وأن تقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف" (١) وفي الصحيح أيضا: "لما خلق الله آدم قال له: اذهب فسلم على أولئك القوم - نفر من الملائكة جلوس - فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك، وزينتك، فقال: "السلام عليكم، فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوا ورحمة الله" (٢). وكان النبي ﷺ دائما يأمر بإفشاء السلام، ويقول: "أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشموا السلام بينكم تحابوا" وقال: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا" (٣). وفي صحيح البخاري قال عمار: "ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار" (٤) وهذا الكلام يتضمن جميع أصول الخيرات وفروعها، لأن الإنصاف يوجب أداء حقوق الخالق والمخلوق على الوجه الأكمل، وبذل السلام لجميع الناس يتضمن أن لا ينكر أحد على أحد، وإنفاق المال عن قلة وفقر، يقتضى الوثوق بالله. وأنت إذا جمعتها علمت أنها جامعة فروع الإيمان وأصوله، وكان ﷺ يمر على الصبيان فيسلم عليهم وأيضا كان يسلم على العجائز والمساكين. وكان يقول: "يسلم الكبير، على الصغير، والمار على القاعد، والراكب على

стр. 186

الماشى، والقليل على الكثير، فإن تساووا في هذه الصفات، فالبادئ أفضل" (١) وقال: "أقرب الخلق إلى الله وأولاهم به، الذي يبدأ بالسلام" (٢). وكان من العادة النبوية أنه ﷺ إذا دخل سلم، وإذا رجع سلم. وقال: "إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس. ثم إذا قام فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة" (٣). وقال في موطن آخر: "إذا لقى أحدكم صاحبه فليسلم عليه، فإن حال بينهما شجرة أو جدار ثم لقيه فليسلم عليه أيضا" (٤) وكان ﷺ إذا دخل المسجد ابتدأ بتحية المسجد فصلى ركعتين، ثم سلم على الحاضرين، لأن حق الله في مثل هذه الصورة مقدم على حق العباد، وكان إذا جاء إلى البيت بليل سلم سلاما يسمعه المستيقظون، ولا ينتبه منه الراقدون. وقال: "السلام قبل الكلام، ولا تدعوا أحدا إلى طعام حتى يسلم" (٥). ولئن كان في إسناد هذا الحديث ضعف، فعمل أهل الإسلام عليه، وفي حديث آخر: "السلام قبل السؤال فمن بدأكم بالسؤال فلا تحيبوه" (٦). وفي بعض الروايات أنه كان لا يأذن بالدخول لمن لا يسلم. وقال: "ولا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام" (٧). وقال كلدة بن حنبل: أرسلنى صفوان بن

стр. 187

أمية إلى رسول الله ﷺ بهدية لبن وجداية (١) وضغابيس (٢) فولجت عليهم قبل الإسلام، والاستئذان فقال: "ارجع ثم قل السلام عليكم وادخل" (٣). وكان إذا أتى باب قوم لا يقوم تجاه الباب بل يتيامن أو يتياسر، فيقول السلام عليكم ويبدأ من لقيه بالسلام، وكان يتحمل السلام إلى عيره، ويبلغه كما تحمل سلام الله إلى خديجة، حيث قال له جبريل ﵇ ها خديجة قد جاءتك بطعام، فقل لها: "الرب يسلم عليك ويبشرك ببيت في الجنة من قصب (٤) لا صخب فيه ولا نصب" (٥). وقال مرة أخرى لعائشة: "هذا جبريل حاضر يبلغك السلام فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته" (٦) وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم، فرد عليه ثم جلس، فقال ﷺ : "عشر" ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم، ورحمة الله فرد عليه، فجلس، فقال: "عشرون" ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فرد عليه فقال: "ثلاثون" (٧) وفي بعض الروايات جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته. فرد وقال: "أربعون" هكذا تكون الفضائل، وفي إسناده ضعف (٨). وكان ﷺ يبدأ من لقيه بالسلام، وإن بدأه أحد رد عليه مثل ذلك، أو أفضل على الفور، من غير تأخير، إلا أن يمنع من ذلك عذر، كالصلاة، أو

стр. 188

قضاء الحاجة، وكان يجيب السلام، بحيث يسمع المسلم، ولا يكتفى بالإيماء والإشارة، إلا أن يكون في الصلاة، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة: أنه كان إذا سلم عليه أحد، وهو في الصلاة إِشار إليه بأصبعه المباركة جواب السلام. وليس لهذه الأحاديث معارض، إلا حديث مجهول، وهو من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد صلاته. وهذا الحديث لا يصلح للمعارضة، وكان يبتدئ السلام بقوله: "السلام عليكم ورحمة الله" وكان يكره في الابتداء أن يقال: عليم السلام. قال أبو جرى الهجيمى: أتيت رسول الله ﷺ وقلت عليكم السلام يا رسول الله فقال: "لا تقل عليكم السلام فإن عليكم السلام تحية الموتى" (١) يعني إن عادة الشعراء وغيرهم أن يحيوا الموتى بهذه الصيغة فينبغى أن يتحرز من أن يخاطب بها الأحياء. وكان يقول في جواب السلام: "وعليك السلام" (٢)، الواو، وقال بعض الفقهاء لو أجاب أحد بغير واو، لا يكون مجيبا، ولا يسقط الفرض عنه، لأنه مخالف للسنة، وعند أكثر العلماء، يسقط واستدلوا بنص التنزيل ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ (٣). ونهى ﷺ أن يبتدأ بالسلام على أهل الكتاب. روى أبو هريرة: "لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه" (٤) وللعلماء في هذه المسألة قولان: الجماهير يمنعون من ابتدائهم بالسلام.

стр. 189

وبعضهم يجوز وفي وجوب رد السلام عليهم قولان: الجمهور على وجوبه. وبعضهم يقول: لا يجب كما لا يجب رد سلام أهل البدعة، وثبت في الصحيح أنه ﷺ مر على أخلاط من الناس، منهم المسلمون والمشركون وعبدة الأوثان فسلم عليهم. وأما الحديث الذي في سنن أبي داود: "يجزى عن الجماعة، إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزى عن الجلوس أن يرد أحدهم" (١) فأحد رواته، سعيد الخزاعى، وقد ضعفه جماعة، وكان من عاداته ﷺ إذا بلغه شخص سلام غيره أن يرد على المبلغ، والمبلغ عنه كما ثبت في السنن: "أن رجلا قال: إن أبى يقرئك السلام فقال: في جوابه عليك، وعلى أبيك السلام" (٢). وكان من عادته ﷺ أنه إذا ظهر من شخص منكر عظيم، أن يعرض عنه، وأن يحرمه السلام ورد السلام، ولما كان السلام الذي هو أعظم شعار أهل الإسلام، في هذه البلاد الهندية مهجورا إلى الغاية، وقام مقامه الانحناء، والانثناء اللذان هما شعار أهل البدع صار التلفظ بالسلام عند أكثرهم يعد من سوء الأدب وعدم التمييز، فلزم ذمة أرباب الولاية وحكام منصب الرياسة لزوما مؤكدا أن يسعوا في إفشاءه إلى النهاية. وأن يبدلوا الجهد إلى أقصى الغاية، وأن يتلطفوا في أحياء هذه الشعيرة العظيمة من شعائر الدين، وأن يعدوا ذلك من أعظم القرب، وأشرف الوسائل عند رب العالمين.

стр. 190

فصل في الاستئذان ثبت في الصحيح، أن السلام كان قبل الاستئذان، فعلا وتعليما استأذن شخص على النبي ﷺ ، وهو في بيت فقال؟ أألج (١)؟ فقال ﷺ لخادمه: "اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان" فقال له: السلام عليكم أأدخل، فسمعه الرجل، فقال: السلام عليكم أأدخل" (٢) فأذن له النبي ﷺ فدخل وقال ﷺ : "إذا أستأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع (٣) وكان ﷺ يقول: "لو أن شخصا نظر في بيت قوم جاز لهم قلع عينه، ولا دية ولا قصاص" (٤). وكان يكره للمستأذن إذا سئل من أنت يقول: أنا، بل يذكر اسمه، أو كنيته (٥)، أو لقبه، وفي حديث أبى هريرة، المروى في سنن أبي داود "ورسول الرجل الى الرجل إذنه" وفي لفظ: "إذا دعى أحدكم إلى طعام، ثم جاء مع الرسول، فإن ذلك له إذن" وكما أراد ﷺ الاعتزال في محل خلوة، عين شخصا للجلوس على الباب وأمر أن لا يدع أحدا يدخل إلا بإذن.

стр. 191

فصل آداب النبي في العطاس كان ﷺ إذا عطس وضع يده المباركة أو ثوبه على فيه، وخفض صوته وقال: "التثاؤب الرفيع والعطسة الشديدة من الشيطان" (١). وقال: "إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم، وحمد الله كان حقا على كل مسلم سمعه، أن يقول له: يرحمك الله، فإن التثاؤب إما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم، فليرد ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان" (٢). وفي صحيح البخاري، أنه ﷺ قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال رحمك الله" فليقل: يهديك الله ويصلح بالكم" (٣). وعطس رجلان عند رسول الله ﷺ "فشمت أحدهم، ولم يشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمته وعطست فلم تشمتنى؟ فقال: هذا حمد الله وأنت لم تحمد الله" (٤). وفي صحيح مسلم قال: "إذا عطس أحدكم، فحمد الله فشمتوه، وإن لم يحمد الله فلا تشمتوه" (٥) قال: "حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه" (٦).

стр. 192

وفي سنن أبي داود "إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال، وليقل أخوه أو صاحبه يرحمك الله، ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم". وظاهر الأحاديث يدل على أن التشميت فرض، على كل من سمع حمد العاطس، وأن تشميت الواحد لا يجزى عن الباقين، وهذا قول جماعة، من أكابر العلماء وهو ظاهر. وهذا الشعار مهجور في بلاد الهند إلى الغاية والنهاية، ولا يأتى بها إلا خواص من الصلحاء، ومن قصد متابعة السنة النبوية. وأما عامة الخلق فإنهم لا يعرفون هذا المعروف ولا يعلمونه. ونسأل الله السلامة، وفي سنن أبي داود، "عطس رجل من القوم عند رسول الله ﷺ فقال: "السلام عليكم. فقال رسول الله ﷺ : وعليك وعلى أمك" ثم قال: "إذا عطس أحدكم فليحمد الله، وليقل له من عنده يرحمك الله، وليرد - يعني عليك - يغفر الله لنا ولكم" (١). وقوله في الجواب عليك، وعلى أمك، إشارتان: إحداهما: أن سلامك في هذا المحل لغير موقع كما لو سلم على أمك. والثانية: تذكيره أن هذا من أدب الأميين، ومن أدب أناس حرموا تربية الرجال، ونشأوا في حجر الأمهات، وتشريع الحمد في وقت العطاس لأن العطسة نعمة، وحصول منفعة، إذ بها تخرج البخارات المختنقة من الدماغ، وبقاؤها يورث أمراضا وأوجاعا.

стр. 193

وعطس شخص عند رسول الله ﷺ فقال له: "يرحمك الله" ثمَّ عطس أخرى ثانية، فقال رسول الله ﷺ "الرجل مزكوم" (١) وجاء في حديث "شمت أخاك ثلاثًا فإن زاد فهو زكام" وفي لفظ "إذا عطس أحدكم، فليشمته جليسه، فإن زاد على ثلاثة فهو مزكوم ولا تشميت بعد ثلاث" (٢). فإذا لم يحمد العاطس ينبغي للحاضرين أن يحمدوا تذكيرا له وقال بعض العلماء: يحمدوا تعزيزًا له، لأنه لو كان سنة كان النبي ﷺ أولى بفعلها.

стр. 194

فصل صلاة النبي للاستخارة قال ﷺ : إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين، من غير الفريضة ثمَّ ليقل: اللهم إنى أستخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في دينى ومعاشى وعاقبة أمرى، فاقدره لي ويسره لي ثمَّ بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في دينى ومعاشى وعاقبة أمرى، فاقدره لي ويسره لي ثمَّ بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في دينى ومعاشى، فاصرفه عني وأصرفنى عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثمَّ إرضنى (١) " ويسمى حاجته). ولما كانت عادة أهل الجاهلية إذا قصدوا سفرا أو أمرًا أن يستقسموا بالطير، والعيافة، والفأل، والتطير، وأمثال هذه الأمور، التي هي شعار أهل الشرك والكفر، عوض صاحب الشرع عن ذلك بالتوحيد، والافتقار، والعبودية، والتوكل، وسؤال الرشد، والفلاح، من الوهاب المطلق، الذي أزمة الخيرات في يد قدرته. وفي مسند الإمام أحمد، من رواية سعد بن أبي وقاص: "سعادة ابن آدم استخارة الحق، والرضا بقضائه، وشقاوة ابن آدم في ترك الاستخارة وعدم الرضا بقضائه" (٢). وفي حديث أنس: "أن النبي ﷺ ما عزم على سفر قط، إلا قال عند إرادة القيام: "اللهم بك انتشرت، وإليك وجهت، وبك اعتصمت، وعليك توكلت. اللهم أنت ثقتى، وأنت رجائى. اللهم أكفنى ما أهمنى، ولما لا

стр. 195

أهتم، وما أنت أعلم به مني عز جارك وجل ثناؤك، ولا إله غيرك، اللهم زودنى التقوى، واغفر لي ذنوبى ووجهنى للخير، أينما توجهت" (١) والذي قاله بعض المحققين من المشايخ الكبار وكتبه: يستحب للشخص أن يجعل في كل يوم وقتا معينا، يصلى فيه صلاة الاستخارة ويقول: "اللهم إنى أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم، أن جميع ما أتحرك في حقى وفي حق غيرى، وجميع ما يتحرك فيه غيرى في حقى، وفي حق أهلى، وولدى، وما ملكت يمينى، من ساعتى هذه إلى مثلها من الغد، خير لي في دينى، ومعاشى، وعاقبة أمرى، فاقدره لي، ويسره لي، وبارك في فيه. وإن كنت تعلم أن جميع ما أتحرك فيه في حقى وفي حق غيرى، وجميع ما يتحرك فيه غيرى في حقى، وفي حق أهلى، وولدى، وما ملكت يدي من ساعتى هذه، إلى مثلها من الغد شر لي في دينى ومعاشى، وعاقبة أمرى، فاصرفه عني واصرفنى عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثمَّ رضنى" (٢) والاستخارة على هذه الكيفية ولو لم توجد في الأحاديث، لكن العمل هنا موافق لحديث الاستخارة ومناسب لاتباع السنة. فصل أذكار النبي في سفره كان ﷺ إذا استوى على الراحلة قال: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر، سبحان الله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إني أسألك في سفرى هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم

стр. 196

هون علينا سفرنا هذا، واطوعنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا" (١). وإذا رجع من السفر قال: "آيبون تائبون، إن شاء الله، عابدون، ولربنا حامدون" (٢) ولفظ الدعاء في مسند الإمام أحمد "اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إنى أعوذ بك من الضنة (٣) في السفر، والكآبة (٤) في المنقلب، اللهم اقبض لنا الأرض، وهون علينا السفر". وإذا أراد الرجوع قال: "آيبون تائبون، عابدون، لربنا حامدون" وإذا دخل البلد قال: "توبا توبا لربنا أوبا، لا يغادر علينا حوبا" (٥). ولفظ الدعاء في صحيح مسلم: "اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم أصحبنا في سفرنا، وأخلفنا في أهلنا، اللهم إنى أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، ومن الحور (٦) بعد الكور من دعوة المظلوم، ومن سوء المنظر، في المال والأهل" (٧). وفي بعض الروايات أنه ﷺ وضع رجله في الركاب، وقال: "بسم الله"

стр. 197

فلما استوى على الظهر، قال: "الحمد لله الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، لا إله إلا أنت، سبحانك إنى ظلمت نفسى، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" (١). وكان ﷺ إذا ودع مسافرا قال: "أستودع الله دينك، وأمانتك، وخواتم عملك" (٢) وقال رجل من الصحابة: يا رسول الله إنى أريد سفرا فزودنى فقال: "زودك الله التقوى" قال: زودنى قال: "وغفر لك ذنبك" قال: زودنى، قال: "ويسر لك الخير حينما كنت" (٣). وقال رجل: يا رسول الله، إنى أريد أن أسافر فأوصنى، قال "عليك بتقوى الله والتكبير على كل شرف" فلما ولى الرجل قال: "اللهم ازو له الأرض، وهون عليه السفر" (٤) وكان ﷺ : "إذا علا شرفا في سفر، كبر وإذا هبط سبح" (٥) وفي بعض الأحيان كان يقول على الشرف: "اللهم لك الشرف على كل شرف، ولك الحمد على كل حال" (٦) ونهى عن السفر منفردا. وعن استصحاب الكلب والجرس وقال: "من نزل منزلا ثمَّ قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك" (٧). وكان إذا سافر فأقبل الليل في بعض الأحيان يقول: "يا أرض: ربي وربك الله. أعوذ بالله من شرك، وشر ما فيك، وشر ما خلق فيك، وشر ما دب

стр. 198

عليك. أعوذ بالله من شر كل أسد، وأسود، وحية، وعقرب. ومن شر ساكنى البلد، ومن شر والد وما ولد" (١). وقال: "إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حقها - أو قال: "حظها من الأرض" - وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا عليها السير، وبادروا بها نقيها. وإذا عرستم بالليل، فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل" (٢). وكان إذا دنا من العمران، وأشرف على قرية، أو مدينة قال: "اللهم رب السموات السبع، وما أظللن، ورب الأرضين السبع، وما أقللن، ورب الشياطين، وما أضللن، ورب الرياح، وما ذرين، اللهم إنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه القرية، وشر ما فيها" (٣). وكان في سفره إذا تنفس الصبح، يقول: "سمع سامع بحمد الله ونعمته، وحسن بلائه. علينا ربنا صاحبنا فأقبل علينا عائذا بالله من النار. يقولها ثلاثًا بصوت رفيع (٤). ونهى أن يسافر بالقرآن إلى دار الحرب، وبلاد الكفر، ونهى النساء عن مطلق السفر ولو بريدا، إلا بذى رحم محرم، وإذا قضت حاجتها فلتسرع الأوبة إلى أهلها. وكان إذا علا شرفا قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" (٥).

стр. 199

"ومنع بالقول والفعل أن يطرق (١) الغائب أهله ليلًا (٢) وكل يدخل بكرة أو وقت العصر (٣) وكان إذا رجع من السفر، خرجوا لملاقاته معهم الأولاد والأطفال، وكان يركبهم وراءه أو أمامه، اركب عبد الله بن جعفر أمامه، ثمَّ جاءوا بالحسن بن علي، فأردفه ودخل المدينة على هذه الحالة. وكان يعتنق القادمين في بعض الأحيان، وإن كان من أهله قبل وجهه، وفي بعض الأحيان يقبل جبهته، قالت عائشة: لما قدم جعفر وأصحابه، تلقاه النبي ﷺ ، فقبل ما بين عينيه واعتنقه. وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا قدموا من السفر تعانقوا، وكان ﷺ إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين، قبل دخوله بيته (٤). فصل تعليم الرسول خطبة الحاجة كان ﷺ يعلم أصحابه خطبة الحاجة: "الحمد لله نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" (٥). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٦) ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا

стр. 200

زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٢). قال شعبة: قلت لراوى الحديث: هذه خطبة نكاح، أم غير نكاح، فقال: هذه خطبة كل الحاجات، وقال ﷺ : "إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادما، فليأخذ بناصيتها قائلا بسم الله، ثمَّ يدعو ويقوك: "اللهم إنى أسألك خيرها، وخير ما جبلت عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه". وكان إذا رأى الإنسان تزوج قال: "بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير" (٣) وقال: "لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضى بينهما بولد لم يضره شيء أبدا" (٤). وقال "من رأى مبتلى فقال: "الحمد لله الذي عافانى مما ابتلاك به، وفضلنى على كثير ممن خلق تفضيلا، لم يصبه ذلك البلاء" (٥) وقال: "ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل ومال وولد، فقال: "ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، فيرى آفة دون الموت" (٦).

стр. 201

وقال: إذا رأيتم من الطيرة شيئًا تكرهونه، فقولوا: "اللهم لا يأتى بالحسنات ولا يدفع السيئات إلا أنت. لا حول ولا قوة إلا بك، أو يقول اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا رب غيرك، ولا حول ولا قوة إلا بك، فلا يصل إليه ضرر" (١). وإن رأى في منامه ما يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثًا مرات إذا استيقظ - والنفث فوق النفخ ودون البزق - فهو بينهما، ثمَّ يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومن شر ما رأى، ولا يحدث به فإنها لن تضره" (٢). وإن ابتلى بوسوسة الشيطان، فليدفع ذلك بالتعوذ، وإن غلبه الغضب فليعوذ، وإن رأى ما يسره يقول: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات" وإن رأى ما يكرهه يقول: "الحمد لله على كل حال" وإن تقرب إلى حضرته ﷺ أحد مما يسره من خدمه، أو أمر محبوب، دعا له بالخير، كما أن ابن العباس هيأ ماء لوضوئه. فقال ﷺ "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" (٣). ودعا لأبى قتادة ليلة لازم خدمة ركابه الشريف، وكان يجعل نفسه دعامة له ﷺ عندما يغلبه النعاس. فقال: "حفظك الله بما حفظ به نبيه" وقال: "من صنع إليه معروفا فقال لفاعله: جزاك الله خيرا. فقد أبلغ في الثناء" (٤). واستدان من عبد الله بن أبي ربيعة، فلما وفاه دينه، . قال: "بارك الله لك في أهلك ومالك"، وقال: "إذا سمعتم صياح الديكة، فسلوا الله من فضله، فإنها رأت ملكا، وإذا سمعتم نهاق الحمير، فتعوذوا بالله من الشيطان

стр. 202

الرجيم، فإنها رأت شيطانا، وإذا رأيتم الحريق فكبروا فإن التكبير يطفئه، وينبغى أن لا يجلس مجلسا إلا ويذكر اسم الله فيه" (١). وكان إذا أراد القيام من المجلس. يقول "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك" فسمعه بعض الصحابة، فقال: يا رسول الله سمعت كلاما لم أكن أسمعه قبل، قال: "هو كفارة لما وقع في المجلس" (٢) وشكا خالد بن الوليد الأرق، فقال له ﷺ : "إذا أخذت مضجعك فقل: "اللهم رب السموات السبع، وما أظلت، ورب الأرضين، وما أقلت، ورب الشياطين، وما أضلت، كن لي جارا من شر خلقك كلهم أجمعين. أن يفرط على أحد منهم، أو أن يبغى، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله إلا أنت" (٣). وشكا شخص الفزع في النوم فقال ﷺ : "قل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" (٤). ونهى أن يقال ما شاء الله، وشاء فلان: ومرة قال شخص: ما شاء الله وشئت، فقال ﷺ : "جعلتنى لله ندا" (٥). ومن هذا القبيل نحن في كنف الله، وكنفكم، واعتمادنا على الله وعليكم. هذه الألفاظ وأمثالها منهى عنها، يشم منها رائحة الشرك. ومن المنهيات التي منع منها ﷺ : "لا تسبوا الديك (٦)، ولا تسبوا الريح (٧) ولا يسب بعضكم بعضا" أيها المسلمون دعوا طريق الجاهلية كالنخوة، ودعوة

стр. 203

القبائل "ولا يتناجى اثنان دون ثالث" (١) "لا تباشر المرأة المرأة، فتصفها لزوجها، كأنه ينظر إليه" (٢) لا تقل. "اللهم اغفر لي أن شئت" لا تكثروا الحلف، "لا تحلفوا بغير الله" (٣) لا تقولوا بوجه الله قسما، لا تسموا المدينة يثرب، لا يسئل الرجل، فيم ضرب امرأته إلا عن ضرورة، ونهى عن تسمية القوس الذي يظهر في السماء قوس قزح.

стр. 204

فصل في ألفاظ ليس في كراهتها خلاف ملك الملوك، قاضى القضاة، سيّد الناس، سيد الكل، عبدى عابدى، عمر السلطان يكون طويلًا، أيامكم طويلة، عش ألف سنة دائمة. ولا ينبغي أن يقول في المسائل الاجتهادية: أحل الله كذا، أو حرم كذا، بل يقول ذلك فيما ورد النص بتحريمه أو تحليله. ولا يقال في أدلة القرآن والحديث. الظواهر اللفظية. وكذا لا يقال فيها مجازات لأن هذه ألفاظ تزيل الحرمة من قلوب الجهلة، لا سيما عند قوم يسمعون شبه الفلاسفة والمتكلمين، بل البراهين العقلية والحجج القواطع نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 205

باب في عموم أحواله ﷺ ومعاشه وهو مشتمل على فصول

стр. 206

فصل في طعامه ﷺ - كان من كريم عادته إذا حضر طعام لا يرده، ولا يتكلف في طلب مفقود، ومتى حضر طعام صالح من طيبات الأطعمة، لابد أن يتناول منه "وما عاب طعاما قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه" (١) وكان يكثر أكل الحلوى والعسل، ويحب ذلك، وكان يشرب كل يوم قدحا من ماء وعسل، يتجرعه، ويصبر حتى تغلب عليه شهوة الطعام ثمَّ يأكل قليلًا من خبز الشعير بالماء أو بإدام ويكتفى بذلك" (٢). وثبت في الصحيح، أنَّه أكل لحم الإبل، ولحم الغنم، ولحم الدجاج، ولحم الحبارى، ولحم الأرنب، ولحم السمك، ولحم العنبرى البحرى، والرطب، والتمر، وشرب الحليب المحض وممزوحا، وأكل الخبز والتمر، والخبز بالخل، والخبز بالشحم المسلى، ونقيع التمر والرطب بالخيار، وكبد الغنم مشويا، واللحم القديد، والدباء مطبوخة، والجبن والثريد والخبز بالزيت، والتمر بالزبد، والرطب بالبطيخ، ثبت أنَّه ﷺ تناول هذه الأشياء كلها (٣). وفي الجملة مهما حضر من الطيبات لم يرده، وإن لم يجد شيئًا صبر حتى أنَّه شد الحجر على بطنه الشريف (٤)، من شدة الجوع "وكان يمر عليه الهلالان، والثلاثة، لا يوقد في بيته نارا" (٥).

стр. 207

وإذا حضر الطعام وضعوه على السفرة وبسطوها على الأرض، ولم يأكل على خوان مرتفع "وكان يأكل بثلاثة أصابع وإذا فرغ لعق أصابعه" (١) وكان لا يأكل متكئا (٢). والإتكاد على ثلاثة أنواع: أحدها: أن يضع جنبه على الأرض. الثاني: أن يقعد مربعا. الثالث: أن يعتمد بإحدى يديه على الأرض ويأكل بالأخرى، وكلها مذمومة. وكان إذا فرغ من الطعام. قال: "الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه غير مكفى، ولا مودع، ولا مستغنى عنه ممم كلام ممسوح في المصور ممم (٣). وفي بعض الأحيان يقول: "الحمد لله الذي أطعم من الطعام وسقى من الشراب، وكسا من العرى، وهدى من الضلالة، وأبصر من العمى، وفضل على كثير ممن خلق تفضيلا، الحمد لله رب العالمين" (٤). وفي بعض الأحيان يقول: "الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه" (٥) ولم يكن من العادة أن يغسل الأيدى بعد الطعام بالماء وكان يشرب الماء قاعدا في الغالب (٦) وكان يمنع من يشرب قائما ويزجره، وشرب قائما مرة، قال بعضهم: إنما شرب قائما لبيان ممم كلام ممسوح في المصور ممم.

стр. 208

وقال بعضهم بل لعذر، لا جرم قال أكثر العلماء: لا ينبغي أن يشرب قائما، وإذا منع عذرا من القعود، جاز الشرب قائما، وكان إذا شرب الماء دفع الباقي لمن هو عن يمينه، وإن كان الذي عن يساره أسن وأدرى (١). فصل في لباسه ﷺ - كان غالب لباسه القطن، وكذا أصحابه الأخيار. وفي بعض الأحيان كان يلبس الصوف، والكتان، وما حضر وتيسر اكتفى به جبة كان أو قباء، أو قميصا وكان يلبس السراويل، والرداء، والخفين، والنعلين، يلبس كل ذلك (٢). وكان يجعل للعمامة عذبة في بعض الأحيان، ويرخيها بين كتفيه. وقد يلبسها بغير عذبة. وكان يتحنك في بعض الأحيان، وكان إذا استجد ثوبا سماه باسمه عمامة أو قميصا أو رداء. ثمَّ يقول: "اللهم أنت كسوتنيه، أسألك خيره، وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له، وإذا لبس ثوبا ابتدأ بالجانب الأيمن في الكم ونحوه" (٣). وكان في بعض الأحيان يلبس ثوبا من شعر: قالت عائشة: خرج من البيت ولبس ثوبا من الشعر الأسود (٤). وقال قتادة: سألت أنسًا عن أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ ، فقال: الحبرة - والحبرة بُرد يمنى - وكان في بعض الأحيان يلبس ثوبا من كتان مصر.

стр. 209

وقالت عائشة: صنعت له ثوبا من صوف فلبسه، وعرق فيه (١) فشم رائحة الصوف فألقاه عنه في الحال، لأنه كان يكره الرائحة الكريهة إلى الغاية، ويحب الرائحة الطيبة. قال ابن عباس: رأيت رسول الله ﷺ في أحسن حلة. وقال أبو رمثة رأيت النبي ﷺ يخطب وقد لبس بردا أخضر، والبرد الأخضر هو برد فيه. خطوط خضر، لأنه أخضر خالص، ووسادته من أديم حشوها ليف. وأكثر الناس قد صاروا فئتين: فئة اختاروا البعد عن الملابس الجميلة واقتصروا على المرقعات والمحفرات. وفئة اختاروا أفخر الملابس، وأشرف الثياب، ولبسوا الناعم المزين ذا الشهرة، وهاتان الفئتان مخالفتان لسنة النبي ﷺ ، لأنه قال: "من لبس ثوب شهرة لبس يوم القيامة ثوب مذلة" (٢). فصل أمر الرسول في الملابس النبي ﷺ لبس السراويل، ولبس العمامة بغير قلنسوة، ومع القلنسوة، والقلنسوة بغير العمامة، وكان يجعل العذبة بين كتفيه في أكثر الأحوال (٣)، وجاء في بعض الأحاديث أنَّه ﷺ قال: "رأيت رب العزة في الصوم فقال: يا محمد فيما يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدرى. قال: فوضع يديه بين كتفي، فعلمت ما بين السماء والأرض" (٤).

стр. 210

فلما أصبح ﷺ جعل العذبة بين كتفيه "وكان كم قميصه لا يجاوز رسغه (١) وكان أحب الثياب القميص، ولبس حلة حمراء" (٢) والحلة عبارة عن ثوبين والمراد بالأحمر هنا ما فيه خطوط حمر، لا أنَّه أحمر خالص، لأن الأحمر الخالص منهى عنه. لبس عبد الله بن عمر بن العاص ثوبا أحمر. فقال ﷺ : ما هذا؟ قال: فعرفت ما يكره، فانطلقت فأحرقته، فلما جئت في اليوم الثاني قال لي: ما فعلت بثوبك؟ قلت: أحرقته. قال: "هلا كسوته بعض أهلك فإنَّه لا بأس به للنساء". وفي الصحيح قال عبد الله بن عمرو: رأى رسول الله ﷺ على ثوبين معصفرين فقال: "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها" (٣). وفي الجملة ينبغي الاحتراز من لبس الثياب الحمر الخالصة، وكان ﷺ يلبس الثوب المعلم (٤)، والثوب الساذج، والثوب الأسود، والفرو المعلم على أطرافه بالسندس، والنعل والتاسومة، كل هذا لبسه، ولبس الخاتم، والروايات مختلفة ففي بعضها: أنَّه لبسه في اليد اليمنى، وفي بعضها في اليد اليسرى، وكان نقشه على هذه الهيئة: (محمَّد رسول الله). وقال: "لا ينقش أحدكم على نقش خاتمى" (٥) هذا ولبس الدرع من الزرد والخود والجواشن، وضاعف بين درعين في بعض الأحيان، وكان له جبة خسروانية، مفرجة عليها سجف من الديباج مخيطة".

стр. 211

وأما الطيلسان فإنَّه كان يلبسه حال الحر، كما في اليوم الذي أمر فيه بالهجرة، فإنَّه جاء في نصف الليل إلى بيت أبي بكر وهو مطيلس، وأما حديث أنس كان يكثر القناع يعني يلبس الطيلسان كثيرا - فحمله بعضهم على أوقات الضرورة - في السفر، وكان يلبس جبة ضيقة الكمين، وكان يلبس الإزار والرداء في بعض الأحيان، طول الرداء ستة أذرع، وعرضه ثلاثة أزرع وشبرا وطول الإزاء أربعة أذرع وشبر، وعرضه ذراعان وشبر. والله تعالى أعلم" (١). فصل في العادة النبوية في معاشرة أزواجه الطاهرات ومباشرتهن قال ﷺ : "حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عينى في الصلاة" (٢) وبعض المصنفين يزيد لفظ ثلاث وذلك غلط، وحيث لم يستقم أولوه بتأويلات كلها سهو. فإن الصلاة ليست من أمور الدنيا، وأحب الأشياء إليه من أمور الدنيا النساء والطيب، وفي كثير من الليالى كان يطوف على جميع نسائه التسع، وأكرمه الله بقوة ثلاثين رجلا من الأقوياء. لا جرم أبيح له ما شاء من النساء. وكان يسوى بينهن في المبيت والإيواء، والنفقة، وجميع الأمور. وأما في المحبة فقال: "اللهم هذا قسمتى فيما أملك فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك" (٣) يعني في المحبة والمجامعة.

стр. 212

وفي وجوب رعاية المساواة بينهن عليه قولان: أحدهما وجوب القسم. الثاني أنَّه كان يجوز له أن يعاشرهن بغير قسم وذا من خصائصه، وطلق بعضهن وراجع، وآلى مؤقتا بشهر، ولكن ما ظاهر، وبعض الفقهاء قال ظاهر أيضًا، وهو غلط واضح، وسهو فاضح، وسيرته معهن أحسن السير، وقد قال: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى" (١). وكان يسوق بنات الأنصار إلى عائشة ليلاعبوها، وإذا التمست أمرًا ليس فيه محظور وافق، وتابع. وشربت من كوز فأخذه ﷺ ووضع شفته موضع شفتها ثمَّ شرب، ورفعت عظما فنهشت مما عليه من اللحم، فأخذه ﷺ من يدها، وأكل من موضع فمها، وكان يتكئ عليها، ويقرأ القرآن، وكان يجعل رأسه في حضنها، ويتلو، وإن كانت حائضا. وفي حالة الحيض كان يأمرها بشد الإزار، ثمَّ يعانقها فوقه، ويلصق سائر بشرته بها، وكان يقبلها في أيام الصيام، ومن كمال لطفه، وغاية مكارم أخلاقه مع أهل بيته، أنَّه كان يمكنها من اللعب باللعب، كما هي عادة البنات، واتكأت على كتفه لتنظر إلى الحبشة ورقصهم. وفي السفر سابقها مرتين راجلا، سبقته عائشة في المرّة الأولى، وفي المرّة الثانية كانت عائشة قد بدنت فسبقها ﷺ فقال: "هذا بذاك" وخرجا مرة من الحجرة معا وتدافعا عند محلّ الباب، حتى خرجا، وكان إذا عزم على سفر أقرع بينهن، فمن وقعت قرعتها ذهب بها، ولم يقض للمقيمات عند العود وربما لاعب احداهن، ووضع يده عليها بحضور الجميع، وكان يطوف على

стр. 213

الحجرات كلها في كل يوم بعد العصر، يتفقد أحوال أهلها، فإذا جن الليل بات في حجرة صاحبة النوبة، وقسم بين ثمانية من نسائه، لأنَّ سودة ﵂ وهبت نوبتها لعائشة، فكانت لعائشة ليلتان (١) وللأخريات ليلة ليلة. والذي وقع في صحيح مسلم، عن عطاء، أنَّه قال: الزوجة التي لم يقسم لها هي صفية، غلط صريح من عطاء، وسبب هذا الوهم أن رسول الله ﷺ وجد على صفية في بعض الأيام، فاضطربت صفية وقالت لعائشة: إن استطعت أن ترضى رسول الله ﷺ عني وهبتك نوبتى، فقالت عائشة: بلى، ثمَّ جاءت وقعدت إلى جنب رسول الله ﷺ في يوم نوبة صفية فقال: "أبعدى فإن اليوم ليس نوبتك" قالت عائشة: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وحكت له، فرضى ﷺ عن صفية. وهذه الحالة إنما كانت في يوم واحد، ونوبة واحدة لا غير. فإذا وهم بعض الرواة، وحديث كان يقسم ثمان صحيح، وكان من السادة النبوية أنَّه إذا واقع في أول الليل اغتسل، ثمَّ نام في بعض الأحيان. وفي بعضها كان يتوضأ وينام، ثمَّ يغتسل في آخر الليل، والحديث المروى عن عائشة أنها قالت: ربما نام ولا يمس ماء، غلط من بعض الرواة، وربما طاف على جميعهن واغتسل في الآخر غسلا واحدا. وربما اغتسل عقيب كل مواقعة، وكان إذا قدم من السفر، لا يدخل البيت ليلًا (٢).

стр. 214

فصل في نوم سيدنا رسول الله ﷺ ويقظته كان النبي ﷺ ينام في بعض الأحيان على الفراش، وحينا على النطع، وحينا على الحصير، وحينا على الأرض، مجردا. وفراشه من أديم، حشوه ليف عوض القطن، وكان له مسح من شعر، ينام عليه في الليل، وكانوا يثنونه له عند النوم، فجعلوه في بعض الليالى أربع طاقات فنهاهم وقال: "اجعلوه مثنيا كما كنتم تفعلون أولًا. فإنَّه منعنى البارحة من صلاتي". وفي الجملة: كان ينام على الفراش أيضًا. ويلتحف، وقال: إن جبريل لم يأتي قط في لحاف امرأة سوى لحاف عائشة، وكانت وسادته من أديم حشوها ليف.

стр. 215

فصل في الركوب كان ﷺ في بعض الأحيان يركب الفرس، وفي بعضها يركب البغل (١)، والحمار، وكان قد يركب الفرس عريانا بغير سرج. وقد يسوق، وفي الغالب كان يركب منفردا، وفي بعض الأحيان كان يردف على البعير أحدا، وربما أركب شخصا آخر بين يديه، فيصيرون ثلاثة على بعير، وربما أردف بعض أمهات المؤمنين. وغالب مراكيبه ﷺ الفرس، والبعير، وأما البغل فإنَّه كان قليلًا في بر العرب، أهدى له ﷺ بغلة من الإسكندرية، وكان يركبها فقال بعض الصحابة: نحن أيضًا نقفز الحمير على الخيل لتنتج البغال، فقال: "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون". فصل في ممتلكات النبي ﷺ - كان للنبي ﷺ قطيع من الغنم، وكان لا يحب أن يزيد على مائة فإن زاد شيء ذبح بدله، وكان له جوار وغلمان، وكان العتقاء من تلك الجملة ينيفون على الأرقاء، وأكثر مواليه وعتقائه، الغلمان لا الإماء، وقال: "أيّما امرئ أعتق امرءا مسلما كان فكاكه من النار يجزى كل عضو منه عضوا منه" (٢)، "وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزي كل عضوين منهما عضوا منه" (٣) وهذا حديث صحيح، ودليل على أن عتق الغلام أفضل من عتق الأمة، وأن عتق الغلام يعدل عتق أمتين.
следующие страницы →