← Сира

Сира · id 132416

سفر السعادة للفيروزابادي

الفيروزآبادي

Полный текст (270 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأما الطيلسان فإنَّه كان يلبسه حال الحر، كما في اليوم الذي أمر فيه بالهجرة، فإنَّه جاء في نصف الليل إلى بيت أبي بكر وهو مطيلس، وأما حديث أنس كان يكثر القناع يعني يلبس الطيلسان كثيرا - فحمله بعضهم على أوقات الضرورة - في السفر، وكان يلبس جبة ضيقة الكمين، وكان يلبس الإزار والرداء في بعض الأحيان، طول الرداء ستة أذرع، وعرضه ثلاثة أزرع وشبرا وطول الإزاء أربعة أذرع وشبر، وعرضه ذراعان وشبر. والله تعالى أعلم" (١). فصل في العادة النبوية في معاشرة أزواجه الطاهرات ومباشرتهن قال ﷺ : "حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عينى في الصلاة" (٢) وبعض المصنفين يزيد لفظ ثلاث وذلك غلط، وحيث لم يستقم أولوه بتأويلات كلها سهو. فإن الصلاة ليست من أمور الدنيا، وأحب الأشياء إليه من أمور الدنيا النساء والطيب، وفي كثير من الليالى كان يطوف على جميع نسائه التسع، وأكرمه الله بقوة ثلاثين رجلا من الأقوياء. لا جرم أبيح له ما شاء من النساء. وكان يسوى بينهن في المبيت والإيواء، والنفقة، وجميع الأمور. وأما في المحبة فقال: "اللهم هذا قسمتى فيما أملك فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك" (٣) يعني في المحبة والمجامعة.

стр. 212

وفي وجوب رعاية المساواة بينهن عليه قولان: أحدهما وجوب القسم. الثاني أنَّه كان يجوز له أن يعاشرهن بغير قسم وذا من خصائصه، وطلق بعضهن وراجع، وآلى مؤقتا بشهر، ولكن ما ظاهر، وبعض الفقهاء قال ظاهر أيضًا، وهو غلط واضح، وسهو فاضح، وسيرته معهن أحسن السير، وقد قال: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى" (١). وكان يسوق بنات الأنصار إلى عائشة ليلاعبوها، وإذا التمست أمرًا ليس فيه محظور وافق، وتابع. وشربت من كوز فأخذه ﷺ ووضع شفته موضع شفتها ثمَّ شرب، ورفعت عظما فنهشت مما عليه من اللحم، فأخذه ﷺ من يدها، وأكل من موضع فمها، وكان يتكئ عليها، ويقرأ القرآن، وكان يجعل رأسه في حضنها، ويتلو، وإن كانت حائضا. وفي حالة الحيض كان يأمرها بشد الإزار، ثمَّ يعانقها فوقه، ويلصق سائر بشرته بها، وكان يقبلها في أيام الصيام، ومن كمال لطفه، وغاية مكارم أخلاقه مع أهل بيته، أنَّه كان يمكنها من اللعب باللعب، كما هي عادة البنات، واتكأت على كتفه لتنظر إلى الحبشة ورقصهم. وفي السفر سابقها مرتين راجلا، سبقته عائشة في المرّة الأولى، وفي المرّة الثانية كانت عائشة قد بدنت فسبقها ﷺ فقال: "هذا بذاك" وخرجا مرة من الحجرة معا وتدافعا عند محلّ الباب، حتى خرجا، وكان إذا عزم على سفر أقرع بينهن، فمن وقعت قرعتها ذهب بها، ولم يقض للمقيمات عند العود وربما لاعب احداهن، ووضع يده عليها بحضور الجميع، وكان يطوف على

стр. 213

الحجرات كلها في كل يوم بعد العصر، يتفقد أحوال أهلها، فإذا جن الليل بات في حجرة صاحبة النوبة، وقسم بين ثمانية من نسائه، لأنَّ سودة ﵂ وهبت نوبتها لعائشة، فكانت لعائشة ليلتان (١) وللأخريات ليلة ليلة. والذي وقع في صحيح مسلم، عن عطاء، أنَّه قال: الزوجة التي لم يقسم لها هي صفية، غلط صريح من عطاء، وسبب هذا الوهم أن رسول الله ﷺ وجد على صفية في بعض الأيام، فاضطربت صفية وقالت لعائشة: إن استطعت أن ترضى رسول الله ﷺ عني وهبتك نوبتى، فقالت عائشة: بلى، ثمَّ جاءت وقعدت إلى جنب رسول الله ﷺ في يوم نوبة صفية فقال: "أبعدى فإن اليوم ليس نوبتك" قالت عائشة: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وحكت له، فرضى ﷺ عن صفية. وهذه الحالة إنما كانت في يوم واحد، ونوبة واحدة لا غير. فإذا وهم بعض الرواة، وحديث كان يقسم ثمان صحيح، وكان من السادة النبوية أنَّه إذا واقع في أول الليل اغتسل، ثمَّ نام في بعض الأحيان. وفي بعضها كان يتوضأ وينام، ثمَّ يغتسل في آخر الليل، والحديث المروى عن عائشة أنها قالت: ربما نام ولا يمس ماء، غلط من بعض الرواة، وربما طاف على جميعهن واغتسل في الآخر غسلا واحدا. وربما اغتسل عقيب كل مواقعة، وكان إذا قدم من السفر، لا يدخل البيت ليلًا (٢).

стр. 214

فصل في نوم سيدنا رسول الله ﷺ ويقظته كان النبي ﷺ ينام في بعض الأحيان على الفراش، وحينا على النطع، وحينا على الحصير، وحينا على الأرض، مجردا. وفراشه من أديم، حشوه ليف عوض القطن، وكان له مسح من شعر، ينام عليه في الليل، وكانوا يثنونه له عند النوم، فجعلوه في بعض الليالى أربع طاقات فنهاهم وقال: "اجعلوه مثنيا كما كنتم تفعلون أولًا. فإنَّه منعنى البارحة من صلاتي". وفي الجملة: كان ينام على الفراش أيضًا. ويلتحف، وقال: إن جبريل لم يأتي قط في لحاف امرأة سوى لحاف عائشة، وكانت وسادته من أديم حشوها ليف.

стр. 215

فصل في الركوب كان ﷺ في بعض الأحيان يركب الفرس، وفي بعضها يركب البغل (١)، والحمار، وكان قد يركب الفرس عريانا بغير سرج. وقد يسوق، وفي الغالب كان يركب منفردا، وفي بعض الأحيان كان يردف على البعير أحدا، وربما أركب شخصا آخر بين يديه، فيصيرون ثلاثة على بعير، وربما أردف بعض أمهات المؤمنين. وغالب مراكيبه ﷺ الفرس، والبعير، وأما البغل فإنَّه كان قليلًا في بر العرب، أهدى له ﷺ بغلة من الإسكندرية، وكان يركبها فقال بعض الصحابة: نحن أيضًا نقفز الحمير على الخيل لتنتج البغال، فقال: "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون". فصل في ممتلكات النبي ﷺ - كان للنبي ﷺ قطيع من الغنم، وكان لا يحب أن يزيد على مائة فإن زاد شيء ذبح بدله، وكان له جوار وغلمان، وكان العتقاء من تلك الجملة ينيفون على الأرقاء، وأكثر مواليه وعتقائه، الغلمان لا الإماء، وقال: "أيّما امرئ أعتق امرءا مسلما كان فكاكه من النار يجزى كل عضو منه عضوا منه" (٢)، "وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزي كل عضوين منهما عضوا منه" (٣) وهذا حديث صحيح، ودليل على أن عتق الغلام أفضل من عتق الأمة، وأن عتق الغلام يعدل عتق أمتين.

стр. 216

فصل في عادة الرسول في أحواله العمومية باع سيدنا رسول الله ﷺ واشترى، لكن بعد نزول الوحي كان الشراء غالبا، والبيع قليلًا، وأما بعد الهجرة فلم يحفظ البيع، إلا في ثلاث صور والشراء كثير، وأجر ﷺ واستأجر، والاستئجار أغلب، وحفظ أنَّه قبل النبوة أجر نفسه لرعى الغنم، وأجر نفسه لخديجة ليتجر لها (١). وفي صحيح مسلم، أنَّه أجر نفسه من خديجة مرتين، وفي سفرتين كل سفرة بجمل، وشارك النبي ﷺ ووكل، وتوكل، وكان التوكيل أكثر، وأهدى له ﷺ وقبل الهدية، وعوض عنها، ووهب له ﷺ وقبل الهبة. وحصل لسلمة بن الأكوع في بعض الغزوات، جارية حسناء، فقال له ﷺ : هبها لي، فأخذها، وفادى بها جماعة من الأسرى بمكة، وخلصهم من الأسر. واقترض ﷺ برهن، وبغير رهن، واستعار واشترى بنقد ونسيئة، وضمن عن الله ، ضمانا خاصا. كما قال: "من ضمن لي ما بين لحييه (٢) وما بين رجليه ضمنت له الجنة" (٣) ومثل هذا الضمان في السنة كثير. وضمن ضمانا عاما عمن مات، وعليه دين، ولم يترك وفاء دينه. وكان ﷺ يشفع ويشفع إليه، وشفع لمغيث عند امرأته بريرة. فلم تقبل الشفاعة، ولم يغضب عليها ولم يعاتبها، وكان يكثر القسم بالله، والثابت من ذلك يزيد على ثمانين موضعا. وأمر الله تعالى نبيه بالقسم في ثلاثة مواضع:

стр. 217

الأول: قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (١). الثاني: قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (٢). الثالث: قال الله تعالِى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣). وكان في بعض الأحيان يستثنى في يمينه. وقد يكفر عنها في بعض الأحيان وقال: "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها، إلا كفرت عن يمينى، وأتيت الذي هو خير" (٤). وكان ﷺ يمزح، ولايقول إلا حقا ويورى، ولا يقول في توريته إلا حقا. كما أنه كان إذا عزم على قصد جهة سأل عن جهة أخرى ومياهها، ومراعيها، ومنزلها، وأمثال هذه التورية كان يفعلها في الغزوات، والجهاد كثيرا. وكان ﷺ يستشير، ويشير، ويعود المرضى، ويحضر الجنائز، ويجيب الدعوة، ويمضى مع الأرامل والمساكين والضعفاء، لقضاء حوائجهم فيقضيها، وكان يسمع الشعر من الشعراء، ويعطيهم الخلع، لأن جميع ما قالوه وما يقولونه إلى يوم القيامة قطرة من بحر، فعطاؤه لهم على قول حق. وأما مدح غيره، فإنه في الغالب زور وبهتان، وكذب صراح لا جرم قال: "احثوا في وجه المداحين التراب" (٥).

стр. 218

فصل في أخلاق النبي سابق رسول الله ﷺ على قدميه، وصارع، وخصف نعله بيده الكريمة ﷺ ، ورقع ثوبه، ودلو بيته، وحلب الشاة بيده، ونقى ثوبه من الهوام، وكان يخدم أهل بيته بنفسه ﷺ . وفي عمارة المسجد كان يُعين العمال، ويحمل اللبن. وربما جاع حتى شد الحجر على بطنه. وأضاف، وأضيف واحتجم ﷺ ، وأمر أمته بالحجامة. وثبت أنه احتجم على رأسه. وعلى ظهر قدميه. وفي الأخدعين، والكاهل - والأخدعان عبارة عن عرقين في جانبي العنق. والكاهل: عبارة عن مقدم الظهر - يعنى بين الكتفين. وتداوى ﷺ ، وعند الضرورة أشار إلى الكى، وأمر به لكن لم يكتو، وكان يرقى المرضى، ولم يسترق لنفسه ﷺ . وأمر المرضى بالحمية، والمعالجة. وأما استعمال الأدوية الركبة المذكورة في القراباذين، والمعاجين والمركبات، وأمثالها، فلم تكن من عادته، بل كان يتداوى بالمفردات. وربما أضاف شيئا لدفع سورة ذلك الدواء في النادر. وهذا كمال الحكمة، وغاية معرفة الأطباء. روى أبو خزامة عن أبيه قال: "قلت يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاه نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله" (١). ومنع من التخمة. وكثرة الأكل. وقال: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فان كان لابد فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" (٢).

стр. 219

فصل في الطب النبوى الشريف كان ﷺ يعالج الأمراض بثلاثة أنواع: أحدها: بالأدوية الطبيعية. الثاني: بالأدوية الإلهية. الثالث: بأدوية مركبة من هذين القسمين؟ أما علاج الحمى فقال: "الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء" (١) وجاء أيضا "إذا حم أحدكم فليرش عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر". وفي موضع آخر في مسند الإمام أحمد: كان رسول الله ﷺ إذا حم دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل. وثبت في الترمذي "إذا أصابت أحدكم الحمى فإنما الحمى قطعة من النار، فليطفئها بالماء البارد، ويستقبل نهرا جاريا فليستقبل جرية الماء بعد طلوع الفجر، وقبل طلوع الشمس وليقل: بسم الله اشف عبدك وصدق رسولك، وينغمس فيه ثلاث غمسات، ثلاثة أيام، فإن برأ، وإلا فخمسا، وإن لم يبرأ في خمس فسبع. فإنها لا تكاد تجاوز السبع بإذن الله" (٢). اتفق أهل الحديث: أن هذا خطاب خاص لأهل الحجاز كخطاب لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. ولما كان أكثر الحميات العارضة لهم، من نوع حمى يوم الناشئة من شدة الشمس، أمر ﷺ أن تعالج بالماء البارد شربا واغتسالا.

стр. 220

فصل في عادة الرسول في معالجة الأمراض استطلاق البطن حيث كان من كثرة المادة عولج بتقوية الإطلاق كما في الصحيحين: "أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال: "اسقه عسلا" فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فلم يغن عنه شيئا - وفي لفظ - فلم يزده إلا استطلاقا مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول "اسقه عسلا" فقال له في الثالثة أو الرابعة: "صدق الله وكذب بطن أخيك" (١). وفي صحيح مسلم "إن أخي عرب بطنه - أي فسد هضمه - واعتلت معدته" (٢) وفي تكرار الأمر بشرب العسل نكتة لطيفة من حديث أن الدواء ينبغي أن يكون له مقدار، وكمية بحسب حال الرض، حتى لو قصر عن ذلك يزيل الرض بالكلية، وإن زاد عن ذلك أسقط القوى، وزاد المرض. ولما لم يعط في كل نوبة ما يقاوم المرض، لا جرم كان الإطلاق يزداد، وكان ﷺ يأمر بإعادة شرب العسل وحيث وصل إلى حده قال ﷺ : "صدق الله وكذب بطن أخيك" (٣) وكذب البطن عبارة عن كثرة المادة الفاسدة. وأعلم أن الطب النبوى، لا نسبة له من طب الأطباء، لأن الطب النبوى متيقن النجاح قطعا لأنه صادر عن الوحي الإلهى، ومشكاة النبوة، وكمال العقل، وأما طب الغير غالبا، فإنه مأخوذ من الحدس، والظن، والتجربة، وهذا مثار الخطر، ومن لا ينتفع بالطب النبوى، فينبغى أن يعلم يقينا، أنه من نقص إيمانه، ومن تلقاه بالقبول، والصدق، وحسن الاعتقاد، انتفع به البتة، كما أن القرآن الكريم، شفاء لما في الصدور والقلوب، ومن لم يتلقه بالقبول، والإخلاص، زاد مرضه ووباله.

стр. 221

فصل في علاج الطاعون والوباء كان ﷺ يقول: "الطاعون رجز أرسل على طائفة من بنى إسرائيل، وعلى من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا منها فرارا منه" (١) وثبت في حديث آخر "الطاعون شهادة لكل مسلم" (٢). وجاء في حديث آخر: "الطاعون وخز الجن" (٣) وجاء في رواية أخرى: "الطاعون دعوة نبي" (٤) وفي هذا الحديث الذي نهى فيه عن دخول بلد فيها وباء وعن الخروج منها إشارة إلى الاحتراز، والاجتناب من الوباء، لأن في الدخول إلى محل الوباء تعرضا للبلاء، وإلقاء للنفس في المهلكة، وهذا مخالف للشريعة ومناف للعقل. وقد ثبت في الحديث: "أن من القرف التلف" (٥) والقرف مداناة المريض. ومقاربة الوداء، ففى الحل أمر الحذر، والحمية، ونهى عن التعرض لأسباب التلف. وأما النهي عن الخروج من محل دخله الوباء، فيظهر فيه معنيان: حمل النفس على التوكل والاعتماد على الخالق، والصبر على القضاء، والرضا به. والمعنى الثاني هو ما يقوله الأطباء من أنه يجب على كل من أراد الاحتراز من الوباء تقليل الغذاء، وإخراج الفضلات من الرطوبات من البدن. والميل إلى التدبير اللطيف، والاجتناب من الرياضة، والحمام، لئلا تنبعث الفضلات

стр. 222

الرديئة الكامنة في قعر البدن، ويجب عليه اختيار السكون، والراحة، والطمأنينة، ليسلم من هيجان الأخلاط، ولا شك أن الخروج من أرض الوباء، والسفر إلى أرض أخرى، إنما يتيسر بحركة شديدة وضرر ذلك ظاهر. فصل في الاستسقاء أمر ﷺ في علاجه بشرب ألبان الإبل وأبوالها. ورد المدينة رهط من قبيلة عكل، فلم يوافقهم ماء الهدينة وهواؤها، فاستسقوا، فجاؤا إلى الرسول ﷺ وقالوا: إنا استوخمنا المدينة، فعظمت بطوننا، وارتشهت أعضاؤنا. فقال "لو خرجتم إلى إبل الصدقة، فشربتم من أبوالها وألبانها" ففعلوا. فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم، واستاقوا الإبل، وحاربوا الله ورسوله، فبعث رسول الله ﷺ في آثارهم، فأخذوا، فقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمل أعينهم، وألقاهم في الشمس حتى ماتوا، والمحققون من الأطباء مطبقون على أن لبن اللقاح وبول الجمال، من الأدوية المعتبرة في هذا المرض. والله أعلم. فصل في علاج الجراحات أمر ﷺ في علاج الجراحات، برماد من حصير محروق لما جرح وجهه المبارك في يوم أحد، وكانت فاطمة ﵂ تغسل، وأمير المؤمنين علي ﵁ يصب الماء عليها، وحيث لم ينقطع، أخذت فاطمة قطعة من حصير فأحرقتها حتى صارت رمادا، ووضعت ذلك الرماد على الجراح فانقطع الدم من ساعته، وكانت الحصير من البردى، وفي تلك البلاد غال حصرهم من البردى، ولرماده قوة تامة في قبض الدم.

стр. 223

فصل الرسول وأقواله في الحجامة كان ﷺ يقول: "الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنا أنهى أمتي عن الكي" (١) قال العلماء: هذا الحديث إشارة إلى معالجة جميع الأمراض المادية، لأن المرض إما دموى، أو صفراوى، أو بلغمى، أو سوداوى، فإن كان دمويا، فعلاجه بإخراج الدم، وإن كان من الأقسام الثلانة، فعلاجه بالإسهال - الذي يليق بكل خلط منها - نبه بالعسل على ذلك، وبالمحجم على الفصد، والحجامة، ونبه بالكى، على حالة يعجز فيها الطبيب، ويعيا. وآخر الدواء الكى. ولما حجمه ﷺ أبو طيبة أمر له بصاعين، وقال لسادته: خففوا عنه شيئا من خراجه، ففعلوا، وكان يقول "خير ما تداويتم به الحجامة" (٢) وقال: "ما مررت ليلة أسر بي بملأ من الملائكة إلا قالوا: يا محمد مر أمتك بالحجامة" (٣) والسبب أن الحجامة تخرج الدم من نواحي الجلد، والأطباء بأسرهم قائلون بأن الحجامة في البلاد الحارة أفضل من الفصد، لأن دمهم رقيق ناضج منبسط على سطح البدن، وإنما يخرج بالحجامة، لا بالفصد، والفصد ينفع أعماق البدن. وفي الصحيحين: "كان رسول الله ﷺ يحتجم ثلاثا، واحدة على كاهله واثنتين على الأخدعين (٤) " وفي الصحيح، أنه احتجم، وهو محرم في رأسه لصداع كان به.

стр. 224

وفي سنن ابن ماجه، أن جبريل جاءه وأمره بالحجامة في الأخدعين والكاهل. وفي سنن أبي داود: "أنه ﷺ احتجم في وركه من وثى كان به" (١) والوثى، دكة في البدن، من سقطة، أو ضربة لا تصل الخلع والكسر. فصل أقوال النبي في الكي كان النبي ﷺ لا يحب الكي. ومع هذا كان يأمر به عند الضرورة، وأرسل مرة طبيبا إلى أبي بن كعب، فرآه وكواه، ولا جرح سعد بن معاذ (٢) في أكحله أمر أن يكوى. فورم فكوى ثانيا. وأمر أسعد بن زارة فكوى من داء (٣) الشوكة، والشوكة - حمرة شديدة تستولى على الوجه والجبهة - وكوى جابر على الأكحل. مجموع هذه الأحاديث صحيح، وقد بينا من قبل أنه نهى الأمة عن الكى، والجواب عنه أن الأحاديث على أربعة أنواع: بعضها دال على الفعل، وبعضها دال على دعم المحبة، وبعضها دال على الثناء والمدح على تاركه، وبعضها مشتمل على النهى عنه. أما الفعل فيدل على الجواز. وأما عدم الحبة فلا يدل على المنع. وأما الثناء والدح على الترك، فدليل على الأفضلية والأولوية، وأما النهى عنه فإنه محمول على أنه لن يفعله مختارا، أو يفعله من خوف حدوث مرضا فلا يكون بين الأحاديث تعارض.

стр. 225

فصل في علاج عرق النساء وهو ما قال رسول الله ﷺ : "دواء عرق النساء آلية شاة أعرابية تذاب، ثم تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم تشرب على الريق، في كل يوم جزءا". ولما كان هذا المرض يحدث من مادة غليظة لزجة، أو من يبس مزاج، احتاج إلى إنضاج وتليين، وهما في الألية بالخاصية، فأمر ﷺ أن يعالج بها، وإنما خص الشاة بالأعرابية لأنها أصغر وألطف، وخاصية مراعى الشيح والقيصوم والنباتات اللطيفة فيها موجودة. فصل في معالجة يبس المزاج أمر ﷺ في معالجة يبس المزاج بالتليين، واختار للتليين السنا المكى "سأل رسول الله ﷺ أسماء بنت عميس: بم كنت تستمشين؟ قالت: بالشبرم. قال: حار جار. ثم قال: استمشين بالسنا". وقال ﷺ : "لو كان شيء يشفى من الموت كان السنا" - الشبرم نبت معروف في الحجاز يستعمل من قشور عروق جذوره. (قوله) ﷺ : "حار جار" أول الأولى حاء مهملة والثانية جيم، وهذا من باب الاتباع يقال في المبالغة. وقال ﷺ "عليكم بالسنا والسنوت فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام". وفي تفسير السنوت ثمانية أقوال: الأول: العسل. الثاني: رب عكة السمن يخرج مخلوطا بالسمن. الثالث: حمة تشبه الكمون وليست به.

стр. 226

الرابع: كمون كرمان. الخامس: الرزيانج. السادس: الشبت. السابع: التمر. الثامن: عسل يكون في أسفل ظروف السمن، وهذا المعنى أقرب لأن السنا المدقوق المخلوط بعسل مخلوط بسمن أقوى للإسهال وأصلح، وجاء في حديث آخر "خير ما تداويتم به السعوط واللدود والحجامة والمشاء". السعوط يقال لدواء يقطر في الدماغ عن طريق الأنف، واللدود يقال لدواء يصب في الحلق من أحد جانبى الفم، والمشاء دواء مسهل. فصل في الحكة أمر ﷺ في علاج ذلك بلبس ثياب الحرير، قال أنس بن مالك: "إن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام، كانا في مشقة عظيمة من حكة البدن، فرخص لهما في لبس قميص الحرير". وجاء في بعض الروايات "أنهم في بعض الغزوات شكوا إلى حضرة سيدنا رسول الله ﷺ كثرة القمل، فرخص لهم في لبس قميص الحرير". ويتعلق بهذا الحديث أمران: فقهى، وطبى. أما الفقهى: فحرمة لبس الحرير على ذكور الأمة، إلا لحاجة، أو رجحان مصلحة. أما الأمر الطبي: فالتداوى بلبس الحرير من الأمراض اليابسة السوداوية، لأن الحرير من الأدوية الحيوانية، ومن خواصه تقوية القلب، والتفريح، ودفع

стр. 227

غلبة السوداء، والمرض يظهر منها، وهو حار رطب، ومعتدل في قول بعض، وليس فيه شيء من اللين ولا من الخشونة أصلا. لا جرم أنه ينفع من الحكة والجرب وأمثالهما، وبسبب ملاسته لا يثبت القمل عليه. فصل في ذات الجنب أمر ﷺ في علاج ذلك باستعمال القسط البحرى في جامع الترمذي عن زيد بن أرقم: أن النبي ﷺ قال: "تداووا من ذات الجنب بالقسط البحرى والزيت" (١). وفي حديث آخر "القسط البحرى هو العود الهندى" (٢) وذات الجنب على نوعين: حقيقى، وغير حقيقى. فالحقيقى: ورم يظهر في غشاء بين الأضلاع، وغير الحقيقى يظهر في الجنب الأيسر من احتقان ريح غليظ وهذا الدواء لهذا النوع، لأن القسط الهندى، إذا سحق سحقا جيدا، وخلط بالزيت وطلى به ذلك المكان أو لعق منه بالإصبع حلل تلك المادة، وقوى أعضاء الباطن وفتح السدد. وأما النوع الحقيقى كان من المادة بلغمية، فهذا الدواء علاجه خصوصا حالة انحطاطه المرض، ولما اشتد به ﷺ ، مرضه، وكان عنده نساؤه، والعباس وأم الفضل بنت الحارث، وأسماء بنت عميس، فتشاوروا في لده فلدوه، وهو مغمور، فلما أفاق قال: "من فعل بى هذا؟ هذا من عمل نساء جئن من هنا. وأشار بيده الى أرض الحبشة، يشير إلى أم سلمة وأسماء. قالوا: يارسول الله حسبنا أن يكون بك ذات الجنب قال: فيم لددتمونى؟ قالوا: بالعود الهندى، وشئ من ورس، وقطرات من زيت. قال: ما كان الله ليقذفنى بذلك الداء، ثم قال: عزمت عليكم لا يبقى في هذا البيت أحدا إلا لد، إلا عمى العباس فإنه لم يشهدكم، والله أعلم.

стр. 228

فصل في علاج الصداع وإذا حدث برأسه ﷺ صداع، وضع عليها الحناء. ويقول: "هذا ينفع الصداع" وفي سنن ابن ماجه: "أن النبي ﷺ كان إذا أصابه صداع غلف رأسه بالحناء". ويقول: "إنه نافع بإذن الله من الصداع" (١) والمراد به نوع من الصداع وهو ما لم يكن ماديا، بل كان ملتهبا بحرارة الشمس، والحناء لهذا النوع نافع سيما إذا دق ولت بالخل، وضمد به الجبهة. وثبت في سنن أبي داود "أن رسول الله ﷺ ما شكا إليه وجعا في رأسه إلا قال له: "اختضب بالحناء" (٢) وفي الترمذي عن أم نافع قالت: لا تصيب النبي ﷺ قرحة، ولا شوكة، إلا وضع عليه الحناء. فصل قول النبي في طعام المريض وشرابه كان النبي ﷺ يقول: "لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإن الله تعالى يطعمهم ويسقيهم" (٣) رواه الترمذي في جامعة وابن ماجه عن عقبة بن عامر الجهنى ﵁ يرفعه، وحكمته ظاهرة، لأن طبيعة المريض مشغولة بإنضاج المادة وإخراجها. وإذا أكره المريض على الطعام والشراب، تعجز الطبيعة عن فعلها وتشتغل بهضم الطعام والشراب، ولا تنضج المادة أصلا، بل يبقى شيء غير نضج، ويشتد المرض، ولا ينبغي أن يعانى على قوة المرض إلا أجزاء لطيفة من الأشربة والأغذية، يحصل بها القوة للمريض، ولا تشتغل الطبيعة بإنضاجها كالأشربة اللطيفة وأمراق الفراريج، وإنعاش القوة الغريزية، بشم العطر واستماع الأخبار الفرحة.

стр. 229

فصل أمره بعلاج العذرة يظهر في حلق بعض الأطفال علة من ثوران الدم، يقال لها: العذرة، أمر ﷺ في علاجها بالقسط الهندى، وبعض الدايات تعصر لهات الصغير بإبهامها فتخرج الدم، فنهى ﷺ وقال: "خير ما تداويتم به الحجامة، والقسط البحرى" (١) وقال: "لا تعذبوا صبيانكم بالغمز في العذرة". وفي مسند الإمام أحمد: "دخل رسول الله ﷺ على عائشة وعندها صبي تسيل منخراه دما، فقال: ما هذا؟ فقالوا: به العذرة، أو وجع في رأسه فقال: "ويلكن لا تقتلن أولادكن، أيما امرأة أصاب ولدها عذرة أو وجع في رأسه فلتأخد قسطا هنديا فلتحكه بماء ثم تسعطه إياه" فأمرت عائشة فصنع ذلك بالصبى فبرئ (٢). ولما كانت مادة تلك العلة، دما غلب عليه البلغم، كان العلاج بالقسط موافقا، لأن القسط مجفف، ومقو للعضو، والتسعيط الذي أمر به ﷺ : هو أن يصب الدواء في الدماغ، حالة الاستلقاء، وإذا وصل إلى الدماغ تخرج العلة بالعطاس، ومدح ﷺ التداوى بالسعوط، واستعط هو ﷺ . فصل في أقوال النبي عن وجع القلب من اشتكى وجع القلب يقال له مفؤد، لأن الوجع فؤاده، وأمر ﷺ في دوائه بتمر المدينة، ثبت في سنن أبي داود، عن سعيد قال: مرضت مرضا فأتانى رسول الله ﷺ يعودنى، فوضع يده بين ثديى، حتى وجدت بردها على فؤادى، وقال لي: "إنك رجل مفؤد، فأت الحارث بن كلدة من ثقيف،

стр. 230

فإنه رجل يتطبب" ثم قال: فليأخذ - يعنى صاحب هذه العلة - سبع تمرات من عجوة المدينة، فليجأهن بنواهن ثم ليدلك بهن" (١). وفي التمر خاصية عجيبة لهذا المرض، وفي تخصيص السبع سر علم بالوحي، وقال "من تصبح كل يوم بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر" (٢) وقال: "إن في عجوة العالية شفاء وإنها ترياق أول البكرة". وينبغي أن يعلم أن شرط انتفاع المريض بالدواء أن يعتقد نفعه أو تقبل طبيعته عليه، فيستعين بذلك على دفع العلة، كما أن جمعا من الأكابر، عالجوا بالحبة السوداء في جميع الأمراض، وبعضهم استعمل العسل في جميع الأمراض، وببركة حسن الاعتقاد، دفعت تلك الأمراض. فصل الأخذ بأقوال النبي عن الحمية أمر ﷺ المرضى بالحمية ومنع من الغذاء المخالف، والأصل في الحمية نص التنزيل ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾. أمر المريض بالاحتماء عن استعمال الماء البارد، لأنه يضره، وروت أم المنذر الأنصارية فقالت: "دخلت على رسول الله ﷺ ومعه عليّ، وعلى ناقة من مرض، ولنا دلول معلقة، فقام رسول الله ﷺ يأكل منها، وقام عليّ يأكل منها، فطفق النبي ﷺ يقول لعليّ: إنك ناقة، إنك ناقة" حتى كف، قالت: وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به، فقال النبي ﷺ لعليّ: "من هذا أنفع لك" (٣) ويروى "من هذا فأصب فإنه أوفق لك" (٤).

стр. 231

وعن صهيب قال: "قدمت على النبي ﷺ وبين يديه خبز وتمر فقال: "ادن فكل" فأخذت تمرا فأكلت، فقال: "أتأكل تمرا وبك رمد؟ " فقلت: يا رسول الله، أمضغ من الناحية الأخرى، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: "إن الله إذا أحب عبده حماه الدنيا كما يحمى أحدكم مريضه عن الطعام والشراب" (١). وأما الأحاديث المشهورة الجارية على ألسنة العوام من المفتريات، فمنها الحمية رأس كل دواء، والمعدة بيت كل داء. فصل في أمر النبي في دواء وجع العين أمر ﷺ في دواء وجع العين بالسكون والراحة ومنع أمير المؤمنين عليا من أكل الرطب، في حال الرمد، وكان لا يقرب من بها رمد من أمهات المؤمنين، إلى أن يحصل لها الشفاء. فصل في أقوال النبي في دواء الخدر أمر ﷺ في دواء الخدران الكلي بالماء البارد، اتفق أن جماعة ساروا في طريق فوصلوا إلى شجرة، لم يعلموا ما هي، فأكلوا منها فخدروا في مواضعهم وبطل حسهم فقال ﷺ : "بردوا الماء في الشنان، وصبوا عليهم فيما بين الآذانين يعني آذان الفجر، والإقامة" وهذا من أفضل المعالجات.

стр. 232

فصل في إصلاح الطعام والشراب الذي سقط فيه الذباب روى أبي هريرة: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فأمقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء" (١) وفي رواية أبي سعيد الخدري "فإنه يقدم السقم، ويؤخر الشفاء" (٢). وفي هذين الحديثين أمران: فقهي وطبي. أما الفقهى: فهو أن الذباب إذا وقع في ماء أو مائع فمات لا ينجس، وهذا قول جمهور العلماء. وأما الأمر الطبى: فهو دفع ضرر الأشياء بأضدادها، لأن الذباب إذا وقع في طعام أو شراب قصد دفع ضرر بسلاحه المسموم فقدمه، لا جرم أمر رسول الله ﷺ أن يقابل السمية بالترياقية ليدفع ضرره. فصل في أمر النبي في علاج البثرات أمر ﷺ في علاج البثرات بالذريرة، والبثرات جراحات صغار تظهر بسبب خلط على ظاهر البدن، والذريرة دواء يأتى به من الهند يخرج من قصب الذريرة، عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: دخل على النبي ﷺ وقد خرج في إصبعي بثيرة فقال: "هل عندك ذريرة؟ " قالت: نعم، قال "ضعيها عليها، وقولي "اللهم مصغر الكبير، ومكبر الصغير ما بي" (٣). وإذا كان بأحد ورم أمر النبي ﷺ ببطه، عن عليّ ﵁ قال: "دخلت مع رسول الله ﷺ رجل يعوده، بظهره ورم. فقال رسول

стр. 233

الله ﷺ : "هذه مدة بطوا" (١) عنه" قال عليّ: فما برحت حتى بطت والنبي ﷺ شاهد. وفي مرة أخرى أمر ﷺ ببط شخص كان قد ورم فقالوا: يارسول الله، هل ينفع الطب؟ فقال: "الذي أنزل الداء أنزل الشفاء فيما شاء" (٢). فصل في أمر النبي بمعالجة المريض بالكلمات المطيبة للنفس أمر ﷺ أن يعالج المريض في بعض الأحيان، بالكلمات المطيبة للنفس الدافعة للحزن والغم، روى أبو سعيد الخدري ﵁: إذا دخلتم على مريض فنفسوا له في أجله فان ذلك لا يرد شيئا، ويطيب نفسه" (٣). وأمر ﷺ في معالجة الحزن والغم بالتلبينة - وهي طعام رقيق يصنع من دقيق شعير غير منخول - بشرط أن يطبخ تاما، ليكون في القوام، والرقة كالحليب، ولذا قالوا التلبينة وله حكم ماء الشعير، الذي عليه اعتماد الأطباء في أكثر المعالجات. عن عائشة ﵂: أنها كانت إذا مات الميت من أهلها، واجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلا أهلهن، أمرت ببرمة تلبينة، فطبخت وصنعت ثريدا، ثم صبت التلبينة عليه ثم قالت: كلوا منها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "التلبينة مجمة لفؤاد المريض، وتذهب بعض الحزن" (٤).

стр. 234

وجاء في حديث آخر: "عليكم بالبغيض النافع: التلبين" (١) وثبت في حديث عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قيل له: إن فلان وجع لا يطعم الطعام قال: "عليكم بالتلبينة فاحسموه إياها" (٢) وكان يقول؟ "والذي نفسي بيده إنها تغسل بطن أحدكم كما تغسل إحداكن وجهها من الوسخ" (٣). فصل في علاج السم جاءت امرأة يهودية إلى رسول الله ﷺ في خيبر مصلية، فتناول منها فنطقت الشاة، فقالت الذي معناه لا تزد على هذا فإني مسمومة، فطلب ﷺ المرأة وقال: "لم فعلت هذا؟ " فقالت: إن كنت نبيا لا يضرك. فاحتجم ﷺ بين الكتفين في ثلاثة مواضع، وأمر من أكل معه بذلك وعاش بعدها ثلاث سنين، وكان يقول في كل سنة، ما زلت أجد ألم لقمة خيبر، وقال عام وفاته: "ما زلت أجد من الأدلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر، حتى كان هذا أوان انقطاع الأبهر مني" فتوفى رسول الله ﷺ شهيدا (٤).

стр. 235

فصل في علاج السحر لما سحره اليهود، ووصل المرض إلى الذات المقدسة النبوية أمر ﷺ بالحجامة على قمة رأسه المبارك، ومن لاحظ له من الدين والإيمان يستنكر كل هذا العلاج، ولو نقل عن كبار الأطباء كالجالينوس وأرسطاطاليس لم ينكره. ولما وصلت مادة السحر إلى رأسه المبارك، كان يخيل إليه أنه فعل الشئ ولم يكن فعله، وهذا تصرف من الساحر في الطبيعة، واختلطت المادة الدموية بتلك المادة، فغلبتا على بطن الدماغ، فخرج عن طبيعته الأصلية، لأن السحر مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة وانفعال قوى الطبيعة، واستعمال الحجامة في محل تضرر بالسحر غاية الحكمة، ونهاية حسن المعالجة. ومن جملة العلاجات التي هي عظيمة النفع في السحر الأدوية الربانية من آيات والدعوات المبطلة لذلك، وكان ما كان أقوى بطل به السحر عاجلا، لا جرم لما نزلت المعوذتان بطل السحر بالكلية. فصل في قول النبي عن العلاج بالقئ كان ﷺ في بعض الأحيان يعالج البدن بالقئ. عن أبي الدرداء "أن النبي ﷺ : قاء فتوضأ، فلقيت ثوبان، فذكرت له ذلك، فقال: صدق أنا صببت له وضوءه". وألقئ أحد الاستفراغات الخمس التي هي أصل أنواع الاستفراغات وهي: الإسهال، والقئ، وإخرج الدم، وخروج الأبخرة، والعرق، وقد وردت السنة بالخمس كما ذكرناه.

стр. 236

فصل من يعالج بغير معرفة كان ﷺ يضمن من يعالج بغير معرفة، عن عمرو بن العاص يرفعه "من تطبب ولم يعلم منه الطب قبل ذلك فهو ضامن". ولا خلاف بين العلماء، أن من طبب بغير علم فأهلك المريض لزمه الضمان، وإن حضر طبيبان في حضرته ﷺ أشار إلى أحذقهما. روى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم: أن رجلا في زمن رسول الله ﷺ جرح فاحتقن الدم، وأن الرجل دعا رجلين من بني أنمار، فنظر إليه، فزعم أن رسول الله ﷺ قال لهما: "أيكما أطب؟ " فقالا: أفي الطب خير يا رسول الله، فقال: "الذي أنزل الداء أنزل الدواء". فصل في أمر الرسول باجتناب معاشرة أرباب الأمراض أمر ﷺ باجتناب معاشرة أرباب الأمراض المعدية، كما في حديث أبي هريرة مرفوعا "فر من المجذوم كما تفر من الأسد" وصح في حديث جابر "أنه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فقال له: إنا بايعناك فارجع". وفي حديث ابن عباس مرفوعا "لا تديموا النظر إلى المجذومين". وجاء في حديث آخر "كلم المجذوم وبينك وبينه قدر رمح أو رمحين". والجذام مرض خبيث يظهر من انتشار السوداء في جميع البدن، فيفسد مزاج الأعضاء ويغير شكلها وهيأتها. وجد في حديث آخر أنه ﷺ أكل مع مجذوم طعاما، وأخذ بيده وجعلها معه في القصعة، وقال: "كل بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه". والجواب عن حديث "لا عدوى ولا طيرة" قالوا: إنما أمر بالاحتراز منهم، لئلا يصل هذا المرض إلى أحد والعياذ بالله، فيتصور له بهذا أن العدوى حق.

стр. 237

وقال بعضهم في الجواب: الأمر باجتناب المجذوم على سبيل الاستحباب والاختيار والإرشاد، ومؤاكلة المجذوم لبيان جواز الفعل والإعلام بأنه غير حرام. وقال بعضهم في الجواب: إن الخطاب فيه غير كلي لكل مؤمن وإنما خاطب كل مؤمن بما يليق ويتسع له حاله، فمن كان إيمانه وتوكله في نهاية القوة فلا يتضرر بمخالطتهم لأن قوة إيمانه تدفع قوة العدوى، وأما الضعفاء فأمرهم بالاحتياط والاحتراز، وهو ﷺ باشر الصورتين ليقتدى به، فيأخذ القوى بطريق التوكل والضعيف بطريق التحفظ. فصل في منع الرسول عن التداوى بالمحرمات روى أبو الدرداء "أن الله تعالى أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداووا بالمحرم"، وروى ابن مسعود "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم"، وسأل طارق النبي ﷺ عن عمل الخمر فنهاه، فقال: إنما أصنعه للدواء، فقال: "إنه ليس بدواء لكنه داء" وفي لفظ آخر في سنن أبي داود والترمذي عن طارق "قلت: يارسول الله إن بأرضنا أعنابا نعتصرها ونشرب منها. قال: لا، فراجعته، فقلت: إنا نستشفى بها للمريض قال: "إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء"، وفي سنن النسائى مروى "أن طبيبا ذكر أن الضفدع تنفع في هذا الدواء فنهى ﷺ عن قتل الضفدع"، وثبت في حديث آخر "من تداوى بالخمر فلا شفاه الله". فصل في علاج القمل أمر ﷺ في علاج القمل بحلق الرأس لتتفتح المسام وتتصاعد الأبخرة، وتضعف المادة التي يتولد منها القمل.

стр. 238

فصل المعالجة بالأدوية الروحانية الربانية والأدوية المركبة منها ومن الطبيعة كان ﷺ يقول: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا" (١) ورخص في رقية العين، والحمة، والنملة. روى مالك "أن عامر بن ربيعة، رأى سهل بن حنيف يغتسل فتأمل في حسن بدنه، وقال: والله ما رأيت مثل هذا، ولا جلد مخدرة، فلبط (٢) سهل لحينه". وبلغ خبره رسول الله ﷺ فغضب على عامر، فدعا عامرا، فتغلظ عليه. وقال: "علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت اغتسل له" فغسل عامر وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح. ثم صعب عليه فراح مع الناس ليس به بأس" (٣) قوله: ألا بركت، يعني: لم لا قلت بارك الله فيه. وكيفية الغسل بينها الزهرى فقال: يؤمر العائن أن يدخل يده في قدح ماء، ويخرج منه كفا، فيتمضمض به. ثم يصبه في القدح. ويغسل وجهه في القدح، ثم يدخل يده اليسرى، ثم يغسل إزاره. وفي داخل إزاره قولان:

стр. 239

أحدهما: مراده الفرج. الثاني: مراده طرف الإزار داخل الذي يلي البدن من الجانب الأيمن. ولا يضع القدح على الأرض ثم يصب ذلك الماء على المعيون، من خلف رأسه. ورأى ﷺ في بيت أم سلمة جارية في وجهها سعفة. فقال: "استرقوا لها فإن بها النظرة" وفي سنن أبى داود عن سهل بن حنيف. "مررت على ماء فاغتسلت منه فأخذتنى الحمى، فبلغ الخبر إلى رسول الله ﷺ فقال "مروا ابا ثابت يتعوذ" قال: فقلت يا سيدى والرقى صالحة؟ فقلت: "لا رقية إلا في نفس، أو حمة، أو لدغة" والنفس العين، والحمة كل ذى سم (١). وأكثر الرقى النبوية ثابتة في الحديث الصحيح. منها "أعوذ بكلمات الله التامات، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى ما علمت منها، وما لم أعلم، من شر ما خلق، وذرأ، وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن" (٢) ومن جملتها: "أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون" (٣). وفي تلك الجملة: "اللهم إنى أعوذ بوجهك الكريم، وبكلماتك التامات، من شر ما أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت تكشف المأثم والمغرم، اللهم إنه لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك، سبحانك وبحمدك" (٤) ومن تلك الجملة: "أعوذ بوجهه الله العظيم، الذي ليس شيء أعظم منه، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر، ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى، ما علمت منها،

стр. 240

وما لم أعلم، من شر ما خلق، وزرأ، وبرأ، ومن كل ذى شر لا أطيق شره، ومن شر كل ذى شر. رب أنت آخذ بناصيته، إن ربي على صراط مستقيم" (١). ومن تلك الجملة: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليه توكلت، وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أعلم أن الله على كل شيء قدير. وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، اللهم إنى أعوذ بك من شر نفسى، ومن شر الشيطان وشركه، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم" (٢). ومن تلك الجملة: "تحصنت بالذي لا إله إلا هو إلهى، وإله كل شيء، وتوكلت على الحى الذي لا يموت، واستدفعت الشر، بلا حول ولا قوة إلا بالله، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الرب من العباد، حسبي الخالق من المخلوق، حسبي الرازق من المرزوق، حسبي الذي هو حسبي، حسبي الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو يجار ولا يجار عليه، حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراءه مرمى، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم" (٣). ومن جرب هذه الدعوات، علم عظيم قدرها بالإجابات، ومن تلك الجملة رقية جبريل الثابتة في صحيح مسلم، التي رقى بها سيدنا رسول الله عليه من الله أفضل الصلاة والسلام: "بسم الله أرقيك" (٤). ومن جملة الكلمات، التي تدفع شر النظرة قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وإن قال العائن: "اللهم بارك عليه" دفع شر نظره، وجماعة من السلف

стр. 241

أجازوا أن يكتب آيات من القرآن، ويشربها المعيون: قال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله، ويسقيه لمريض. وروى أن امرأة أصابها المخاض مدة فأمر ابن عباس بكتابة آيتين، من القرآن فكتبتا، وغسلتا، وشربت المرأة الماء. ومن رقى العين، روى عن أبي عبدالله الباجي، أنه قال: كنت في بعض الأسفار على جمل جيد، وكان في القافلة شخص معروف أنه إذا نظر إلى شيء واستحسنه تلف، فقيل، لأبي عبد الله ذلك فقال: ليس له قدرة على جملي، فبلغ كلامه إلى العائن، فارتقب أبا عبد الله عند المنزل، ثم جاء فنظر إلى البعير، فاضطرب وسقط كما تسقط النخلة إذا اقتلعت من جدرها. فلما جاء أبو عبد الله أخبر بذلك، فقال سيروا إليه فلما رآه قال: (بسم الله حبس حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس، رددت عين العائن عليه، وعلى أحب الناس إليه، فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير) فخرجت حدقة العائن، وقامت الناقة لا بأس بها. فصل الذي يقوله الرسول في معالجته المرضى عالج ﷺ جميع الأمراض، والآلام، بهذا الدعاء. وهو الذي قال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اشتكى منكم شيئا فليقل ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من عندك، وشفاء من شفائك، على هذا الوجع فيبرأ بإذن الله" (١).

стр. 242

وثبت في صحيح مسلم: أن جبريل جاء إلى النبي ﷺ وهو وجع، فقال: يا محمد اشتكيت؟ : فقال نعم قال: "بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك. ومن نفس وعين. بسم الله أرقيك والله يشفيك (١) " والذي رويناه: "لا رقية إلا في عين أو حمة" (٢). المراد أنه لا رقية أولى وأنفع منها في ذلك. وأكبر الرقى فاتحة الكتاب. والنبي ﷺ قال: "خير الدواء القرآن" (٣) وهي مشتملة على معانيه. وفي صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدرى قال: "انطلق نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حى من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحى، فسعوا له بكل شيء فلم ينفعه، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعل أن يكون عندهم بعض شيء. فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ. وسعينا له بكل شيء فلم ينفعه. فهل عند أحدكم من شيء؟ فقال بعضهم. أى والله إنى لأرقى. ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ "الحمد لله رب العالمين" فكأنما نشط من عقال، قال فانطلق يمشى، وما به قلبة، فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه" (٤) هذا لفظ البخاري. وقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتى النبي ﷺ فنذكر الذي كان فيه فننظر الذي يأمرنا به، فقدموا على النبي ﷺ ، فذكروا له

стр. 243

ذلك. فقال: "وما يدريك أنه رقية ثم قال: "قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهما" (١). وأما في لدغ العقرب، ففى مسند أبى بكر بن أبى شيبة مروى عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يصلى إذ سجد فلدغته عقرب في إصبعه المباركة فلما خرج من الصلاة. قال: "لعن الله العقرب ما تدع نبيا، ولا غيره" ثم طلب ظرف ماء وملحا ووضع إصبعه في الماء والملح، وقرأ سورة الإخلاص، والمعوذتين؛ ولم يزل يكررهن حتى زال الألم" (٢). وفي سنن أبى داود، عن الشفاء بنت عبد الله أنها قالت: "دخل علي رسول الله ﷺ وأنا عند حفصة فقال: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتها الكتابة" (٣) والنملة جراح تظهر على الجنب، تؤلم ألما شديدًا يحس المريض منها حركة النملة، وكانت الشفاء بنت عبد الله دائما بمكة ترقى هذا المرض، فلما هاجرت أتت النبي ﷺ ، وقالت: يا رسول الله كنت في الجاهلية أرقى من النملة، وأريد أن أعرض ذلك عليك، ثم قال: "بسم الله صلت حتى يعوذ من أفواهنا، ولا تضر أحدا. اللهم اكشف البأس رب الناس" (٤). يقرأ هذا الدعاء على خشبة، ثم تحك على حجر بخل حادق، ويطلى به الجراح. وأما في سائر الجراحات والقروح، فقد روت عائشة: "كان رسول الله إذا اشتكى الإنسان، أو كانت به قرحة، أو جرح، قال بأصبعه هكذا ووضع سفيان سبابته بالأرض، ثم رفعها ثم قال: "بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا" (٥).

стр. 244

وهذا علاج سهل هين، نافع، مركب من طبيعى، وإلهى، لأن التراب بارد يابس مجفف لرطوبات القروح، والجراحات خصوصا في البلاد الحارة، لاسيما تراب المدينة. وجاء شخص فقال: يارسول الله في بدنى ألم عظيم، منذ أسلمت فقال ﷺ "ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته، من شر ما أجدر وأحاذر" (١) وأما في ألم الصائب ودفعها فقال ﷺ : "ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرنى في مصيبتى واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرا منها" (٢). فصل في علاج الكرب والغم والهم والحزن كان رسول الله ﷺ يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش الكريم" (٣). وفي جامع الترمذي، كان إذا حزبه أمر قال: "يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث" (٤) وكان إذا أهمه، رفع رأسه إلى السماء فقال: سبحان الله العظيم، وإذا اجتهد في الدعاء قال: "يا حي يا قيوم" وقال: "دعوات الكروب. اللهم

стр. 245

رحمتك أرجو فلا تكلنى إلى نفسى، طرفة عين، وأصلح لي شأنى كله لا إله إلَّا أنت" (١). وقال أسماء بنت عميس: قال رسول الله ﷺ : "ألا أعلمك كلمات تقولهن عند الكرب: "الله ربي لا أشرك به شيئا" سبع مرات وقال: "ما أصاب عبدًا هم ولا حزن فقال اللهم إنى عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتى بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبى ونور صدرى، وجلاء حزنى، وذهاب همى وغمى، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا" (٢). وقال ﷺ : "دعوة ذى النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت، لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين، لم يدع بها رجل مسلم قط في شيء إلا استجاب له" (٣). ودخل رسول الله ﷺ المسجد ذات يوم، فإذا هو برجل من الأنصار، يقال له: أبو أمامة، فقال له: "يا أبا أمامة، ما لي أراك جالسا في المسجد في غير وقت صلاة؟ " قال: هموم لزمتنى وديون يارسول الله، قال: "أفلا أعلمك كلامًا إذا قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك؟ " فقلت: بلى يا رسول الله. قال: "قل إذا أصبحت، وإذا أمسيت: "اللهم أنى أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من

стр. 246

الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال" قال: ففعلت فأذهب الله ، همى، وغمى، وقضى عنى دينى" (١). وقال ﷺ : "من لزم الاستغفار، جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب" (٢) وفي مسند أحمد: "كان إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة، وكان يقول "اجتهدوا في الجهاد فإنه باب من أبواب الجنة، وهو يدفع الكرب، والهم، والغم" (٣). وقال: "من كثرت همومه وغمومه، فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنور الجنة" (٤). وفي صحيح ابن حبان، قال شخص في دعائه: "اللهم إنى أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، الحنان، المنان، بديع السموات والأرض، ياذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم" فقال النبي ﷺ : "لقد دعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعى به أجاب، وإذا سئل بها أعطى" (٥). وفي علاج الخوف والأرق أمر أن يقال: "اللهم رب السموات السبع، وما أظلت، ورب الأرضين السبع، وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلت، كن لي جارًا من شر خلقك كلهم جميعًا أن يفرط على منهم أحد أو أن يبغى على، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك " (٦) وأمر في علاج الحريق بالتكبير.

стр. 247

فصل في العادة النبوية في الطعام والشراب كان ﷺ يقول: "لا أكل متكئًا إنما أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد" (١) ونهى أن يأكل الإنسان مستلقيًا على وجهه، وكان يأكل بثلاثة أصابع، ولم يأكل بواحدة أبدًا، ولم يجمع بين سمك ولبن، ولا بين اللبن وشئ من الحوامض، ولا بين غذائين حارين، ولا بين دواءين لزجين، ولا بين قابضين، ولا بين مسهلين، ولا بين غليظين، ولا بين مختلفين، كقابض ومسهل، أو سريع الهضم وبطيئة، ولا بين المشوى والمطبوخ، ولا بين القديد والرطب، ولا بين الحليب والبيض، ولا بين اللحم والحليب. وكان لا يأكل الطعام في حال شدة حرارته حتى يبرد، ولا يأكل طعامًا بائتًا، ولا ما فيه عفونة من الأطعمة كالكامخ (٢) والمخللات والملوحات، ولم يثبت أنه تناول منها شيئا وكان يدفع ضرر بعض الأغذية بأضدادها، كالتمر بالسمن، والرطب بالقثاء. وكان ينقع التمر ويشرب ماءه لهضم الطعام، وأمر أن يؤكل ما تيسر من الطعام قبل النوم، ولو كفا من تمر، ونهى عن النوم عقيب الأكل. وأما شرب العسل، فإنه كان يمزجه بماء بارد في غاية البرودة. ولما كان العسل أفضل الأشربة، بإجماع أهل العلم؛ لأنه نتيجة الوحي الإلهى كان يحبه أكثر من جميع الحلاوات. ولما دخل ﷺ ، بستان ابن التيهان. قال: "هل عندكم ماء بات في شن وإلا كرعنا" (٣)؟ والمراد بالكرع هنا الاغتراف باليدين، إذ يكون الشرب باليد متعذرًا في تلك الحالة فأدت الضوورة إلى الكرع (٤).

стр. 248

وكان ﷺ يشرب قاعدًا. وينهى أن يشرب أحد قائمًا. وكان يقول: "من نسى فشرب قائمًا فليتقيا" (١) "لكن ثبت في الصحيح أنه شرب قائمًا" (٢) كما ذكرناه في الحج قال بعضهم: هو ناسخ للنهى وقال بعضهم: هذا مبنى على أن النهى لم يكن للتحريم وإنما كان للإرشاد. وقال بعضهم: ليس فيه تعارض، لأنه إنما شرب قائمًا للضرورة، وكان ﷺ يتنفس في الإناء ثلاث (٣). ويقول "إنه أروى، وأمرأ، وأبرأ، وقال: "غطوا الإناء، وأوكئوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، وسقاء ليس عليه وكاء، إلا وقع فيه من ذلك الداء" (٤). ونهى عن الشرب من ثلة القدح - يعني من المكان المكسور - وكان يشرب الحليب المحض. وقد يمزجه بالماء، ويقول: "ليس شيء يجزى عن الطعام والشراب غير اللبن" وكان ينقع التمر في الماء ليلة، وليلتين، وثلاث ليال، ثم يشربه، وما بقى مما مضى عليه ثلاث ليال يسقيه بعض الغلمان أو يأمر بإراقته. فصل تدبير النوم واليقفة وأما تدبير النوم واليقظة، فكان على أعدل الوجوه. كان ﷺ ينام الليل ويقوم أول النصف الثاني، فيتسوك ويتوضأ ويتهجد على الوجه الذي بيناه لا جرم أن البدن والأعضاء أخذت من النوم والراحة والرياضة بأتم حظ، وأوفر أجر، وأكمل عبادة. وكان لا يزيد في النوم على القدر المحتاج إليه ولا يمنع النفس من قدر

стр. 249

الحاجة. وكان إذا قصد النوم. أضطجع على الشق الأيمن (١) ولا يزال مشتغلا بالذكر حتى يغلبه النوم (٢). وكان لا ينام على الفرش المحشية حشوًا عاليًا، ولا يبيت على الأرض الجردة، وفي بعض الأحيان كان يضع رأسه على الوسادة، وقد يتوسد ساعده المبارك ﷺ . فصل في الجماع والباه فكان هديه ﷺ أكمل هدى يحفظ به الصحة، ويتم به اللذة وسرور النفس، ويحصل به مقاصده التي وضع لأجلها، فإن الجماع وضع في الأصل لثلاثة أمور، هي مقاصده الأصلية: أحدها: حفظ النسل، ودوام النوع إلى أن يتكامل العدة التي قدر الله بروزها إلى هذا العالم. الثاني: إخراج الماء الذي يضر احتباسه، واحتقانه بجملة البدن. الثالث: قضاء الوطر، ونيل اللذة، والتمتع بالنعمة، وهذه وحدها هي الفائدة التي في الجنة إذ لا تناسل هناك ولا احتقان، وفضلاء الأطباء يرون أن الجماع من أحد أسباب حفظ الصحة، لأن المنى إن دام احتقانه أحدث أمراضًا رديئة. وحث النبي ﷺ على التزويج لأمته، فقال "تزوجوا فإننى مكاثر بكم الأمم" (٣) وقال ابن عباس: خير هذه الأمة أكثرها نساءًا (٤) وقال ﷺ : "يا

стр. 250

معشر الشباب؟ من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، واحفظ للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (١) أى وقاية وحفظ من الوقوع في الزنا المهلك. وكان ﷺ يحرض أمته على نكاح الأبكار الحسان، وذوات الدين، وأنفع الجماع ما حصل بعد هضم، وعند اعتدال البدن في حره وبرده، ولا يكون البدن ممتلئًا ولا خلوًا، وضرره عند امتلاء البدن أسهل، ولا يجامع إلا إذا اشتدت الشهوة وحصل الانتشار التام، الذي ليس عن تكلف، ولا فكر في صورة. وليحذر جماع العجوز والصغيرة التي لا توطأ مثلها، والتي لا شهوة لها، والمريضة والقبيحة النظر، والبغيضة. فوطء هؤلاء يوهن القوى، ويضعف الجماع، وجماع البكر أنفع، وأحفظ في الصحة من جماع الثيب، وجماع الحائض، حرام طبعًا وشرعًا، فإنه مضر جدًّا والأطباء قاطبة تحذر منه، وأما الوطء في الدبر، فلم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء. وقال رسول الله ﷺ : "ملعون من أتى المرأة في دبرها" (٢) رواه أبو داود في سننه. وفي لفظ البيهقي: "من أتى شيئا من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر" (٣) والله أعلم.
следующие страницы →