← Сира

Сира · id 132416

سفر السعادة للفيروزابادي

الفيروزآبادي

Полный текст (270 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

من ذنبه" (١) وبعض العلماء يقول: بتساوي هذين الركنين في الفضل، ففضيلة القيام بقراءة القرآن. وفضيلة السجود بهيئة التذلل والخشوع، فذكر القيام أفضل من ذكر السجود، وهيئة السجود أفضل من هيئة القيام. فصل كيف كان الرسول ﷺ يؤدي صلاته كان ﷺ إذا فرغ من السجدة الأولى رفع رأسه وجلس بين السجدتين، مقدار سجوده ثم قال: "رب اغفر لي رب اغفر لي اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني" (٢) وأحيانًا كان يطول هذه الجلسة، حتى يظن أنه نسى ولم يكن يقوم بعد السجدة الثانية، ما لم يجلس على الأرض. والفقهاء يسمون هذه جلسة الاستراحة وحملها بعضهم على السنة، وبعضهم على الحاجة، فلا تسن في حق من لم يحتج إليها، وكان إذا قام شرع في القراءة، من غير توقف، والسكتة التي فعلها في الركعة الأولى، لم يفعلها في سائر الركعات، وكان يصلى الثانية والثالثة والرابعة، كالأولى إلا في أربعة أشياء: السكتة، ودعاء الاستفتاح، وتكبيرة الإحرام وتطويل هذه الأربعة مختص بالركعة الأولى، وكان إذا جلس للتشهد، افترش رجله اليسرى فجلس عليها ونصب اليمني، ووضع يده علي فخذه الأيمن، وعقد

стр. 37

أصابعه عقد ثلاث وخمسين ورفع إصبعه (١) المسبحة وحركها، وكان يخفف التشهد الأولى وبعد قيامه من التشهد كان يرفع يديه ويكبر، ثم يشرع في القراء ويقتصر على الفاتحة في الثالثة والرابعة غالبًا. وقد يقرأ سورة مختصرة على سبيل الندرة. إذا جلس للتشهد الأخير جعل رجله اليسري تحت رجله اليمني، وقوي القعدة علي الأرض، وهذه الكيفية لم تكن في الجلسة الأولى أصلا. وللعلماء في هذه الكيفية أقوال: قال بعضهم: يتورك في التشهدين وهو مذهب الإمام مالك. وقال بعضهم: يفترش فيهما ينصب اليمني ويفترش اليسري ويجلس عليها وهذا مذهب الإمام أبى حنيفة. وبعضهم يقول كان يتورك في كل تشهد يسلم عقبه ويفترش فيما عداه وهذا مذهب الإمام الشافعي. وبعضهم يقول: كل صلاة فيها تشهدان يتورك في الآخر ليفرق بين الجلوسين وهذا مذهب الإمام أحمد. والأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم افترقوا في هذه المسألة عن أربعة أقوال، ووافق كل واحد منهم جماعة من الصحابة والتابعين، وأكمل سياق ورد في بيان صفة صلاة رسول الله ﷺ حديث أبي حميد الساعدي في صحيح ابن حبان، وصحيح مسلم قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى صلاة كبر ثم رفع يديه حتى يحاذى بهما على منكبيه ويقيم كل عضو في

стр. 38

موضعه، ثم يقرأ، ثم يرفع يديه، حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه معتدلا لا يصوب رأسه، ولا يقنع به، ثم يقول: "سمع الله لمن حمده"، ويرفع يديه، حتى يحاذي بهما منكبيه، حتى يقر كل عظم إلى موضعه، ثم يهوى إلى الأرض ساجدًا، ويجافى يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه، ويثنى رجليه، فيقعد عليهما، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد ثم يسجد، ثم يكبر، ويجلس علي رجله اليسري، حتى يرجع كل عظم إلي موضعه ثم يقوم فيصنع في الأخرى مثل ذلك. ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنع عند افتتاح الصلاة، يصلى بقية صلاته هكذا حتى إذا كانت السجدة التي قام فيها التسليم أخرج رجليه وجلس علي شقه الأيسر (١) متوركا. وفي صلاة الصبح: كان يقنت حينا، ويترك حينا (٢). وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كان يجهر بها حينا ويخفيها حينا، وكان يسر في الظهر والعصر، وقد يرفع صوته قليلا، في بعض الآيات، بحيث يسمعه المؤتمون، ولم يكن يلتفت في الصلاة، وقال: "هو اختلاس يختلسه الشياطين". وقال: "اجتنبوا الالتفات فليكن في صلاة النافلة" وأما قول ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يلحظ في الصلاة يمينًا وشمالًا ولا يلوى عنقه خلف ظهره، وإن كان في جامع الترمذي فهو غريب، ولم يثبت. سأل شخص الإمام أحمد فقال: بعض أهل الحديث يروون بإسناد: أن النبي ﷺ ، كان يلحظ في الصلاة ولا يلتفت، فأنكر عليه الإمام أحمد ذلك إنكارًا عظيما، وتغير لونه وارتعش وقال: هذا حديث ليس له إسناد. لكن قد ثبت أنه كان في بعض أسفاره، وقد أرسل في جهة العدو شخصًا ليطالعه

стр. 39

بأخبارهم، واشتغل بالصلاة وكان يلتفت إلى جهته في أثناء الصلاة، وهذا على سبيل الندرة وفى صلاة النافلة، ولمهم دينى، ومصلحة أهل الإسلام منوطة به، وهو من باب تداخل العبادات، لأنه اشتغل في أثناء الصلاة بالجهاد، وصلاة الخوف تشبه هذا المعنى. وكان عمر ﵁ يقول: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة وكان ﷺ يقرأ التحيات بعد كل ركعتين (١). وكان يدعو في سبعة مواطن: الأول: عقيب تكبيرة الإحرام كما ذكرناه. والثاني: قبل الركوع، وبعد الفراغ من القراءة، وفي الوتر. الثالث: بعد الاعتدال من الركوع كان يقول: "سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم طهرنى بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرنى من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ" (٢). الرابع: في حال الركوع كان يقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" (٣). الخامس: في السجود وفي الغالب كان يدعو في السجود كما بيننا. السادس: بين السجدتين كما قلنا. السابع: بعد التشهد قبل السلام أما الدعاء الذي يفعله الأئمة بعد السلام فإنه لم يكن من عادة النبي ﷺ ، ولم يثبت في هذا الباب شيء من

стр. 40

الأحاديث وهو بدعة مستحسنة وجميع أدعية الصلاة كانت في نفس الصلاة وبذلك أمر. وبعض أئمة العلم يقول: الذكر، والتهليل، والتسبيح, والتمجيد، عند الفراغ من الصلاة، مشروع بلا خلاف. وتستحب الصلاة على النبي ﷺ ، فناسب أن نعقب ذلك بالدعاء وطلب الحاجات من حضرة ذى العزة. فصل سلام الرسول ﷺ في آخر صلاته كان النبي ﷺ يقول بعد التشهد: "السلام عليكم ورحمة الله" ويلتفت على جانبه الأيمن، حتى يري بياض خده (١)، وكذا في الجانب الأيسر وعلى هذا دام عمله. رواه خمسة عشر صحابيا بأسانيد صحاح. وأما الذي في حديث عدن بن عمير، كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه فإسناده ليس بالقائم، ولم يثبت عند أهل الحديث. وأما حديث عائشة ﵂: (كان يسلم تسليمة واحدة يرفع به صوته حتى يوقظنا) (٢) هذا الحديث أيضا معلل وإن لم يكن معللًا فليس فيه صريح دلالة علي المقصود لأنه لم ينف السلام الثاني بل سكت عنه.

стр. 41

فصل أدعية النبي ﷺ في الصلاة من جملة الأدعية التي كان يقرأها، في الصلاة: "اللهم اغفر لي ذنبى ووسع لي في داري، وبارك لي فيما رزقتني". ومنها أيضًا "اللهم إنى أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة عند الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم" وكثيرًا ما قال في السجود: "رب أعط نفسي تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" وكان يقول في التشهد: "اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إنى أعوذ بك من المغرم والمأثم" (١). وجميع الأدعية التي كان يقولها في الصلاة، رويت بلفظ الإفراد، مثل "رب اغفر لي وارحمني واهدني" ومثل: "اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، اللهم باعد بيني وبين خطاياي" وما أشبه ذلك. فإن قيل: ورد في حديث صحيح: "لا يؤم عبد قوما فيخص نفسه دعوة فإن فعل فقد خانهم" فالجواب نقول: قال إمام أهل الحديث أبو بكر بن خزيمة في صحيحه: هذا الحديث موضوع ومردود، وقال بعض العلماء: إن ثبت هذا الحديث، فيكون المراد به، دعاء ورد بلفظ الجمع، مثل اللهم اهدنا وغير ذلك.

стр. 42

فصل سعادة الرسول ﷺ في الصلاة اعلم أن السرور والانشراح، ونور العين. وطيب القلب الذي كان يجده في الصلاة ما كان يجده في غيرها من العبادات، ولا من الأوقات، وقال ﷺ : "جعلت قرة عينى في الصلاة" (١) وقال ﷺ : "يا بلال أرحنا بالصلاة" ومع هذا لم تفته مراعاة أحوال المأمومين، ولسماع بكاء الطفل كان يخفف الصلاة، وأحيانًا كان يتعلق به وهو في الصلاة طفل فيحمله على عاتقه، وأحيانًا كان يأتى الحسين وهو في السجود فيركب علي ظهره المبارك فيطيل السجود لأجله. وأحيانا كانت عائشة تأتى وهو في الصلاة، وقد أغلق الباب فيخطوا ليفتح الباب لها. وأحيانًا كان يسلم عليه، وهو في الصلاة، فيجب بالإشارة (٢) باسطا يده وقد أومأ برأسه المبارك. وكانت عائشة نائمة تجاه صلاته، فكان عند السجود يضع يده على رجلها لتخلي مكان السجود بضم رجلها، وكان قد يصل إلى آية السجدة وهو على المنبر فيهبط إلى الأرض يسجد ثم يصعد. واختصت وليدتان من بني عبد المطلب، فتصارعتا فلما دنتا منه أمسكهما بيده، وفرق بينهما، وكان يبكي في الصلاة كثيرًا، ويتنحنح أحيانًا لحاجة، ويصلي منتعلًا وغير منتعل (٣). وقال: "صلوا في نعالكم خلافًا لليهود" وكان يصلي في ثوب واحد حينًا، وحينًا في ثوبين، ويقنت في صلاة الصبح أحيانًا، ويترك أحيانًا.

стр. 43

قال أهل الحديث: قراءة القنوت في صلاة الصبح سنة، وتركه سنة، ومع هذا لا ينكرون علي من يواظب علي ذلك، ولا يعدونه مبتدعا ولا تاركاللسنة بل يقولون: من قنت فقد أحسن، ومن ترك فقد أحسن. والدلائل علي الطرفين كثيرة. ولما كان القصد بيان الطريقة النبوية اقتصرنا علي ذلك. فصل في نسيان الرسول ﷺ في الصلاة من جملة منن الحق تعالى ونعمه على الأمة المحمدية، أن النبي ﷺ كان يسهو في الصلاة أحيانا، لتقتدى الأمة به في التشريع، وإذ ذلك كان يقول: "إنما أنا بشر أنسي كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني" (١) وقال: "إنما أنسي - أو أنسي - يعني لأسن ما شرع في حيز ذلك" ثبت في الصحيحين أنه كان في صلاة الظهر ولم يشرع في التشهد بل قام إلى الثالثة، فسبحت الصحابة رضي الله تعالي عنهم، فأشار إليهم بيده أن قوموا، ولما فرغ من التشهد الثاني، أتى بسجدتين، ثم سلم بعد ذلك فعلم من هذا: أن من نسى شيئا من الصلاة غير ركن يسجد للسهو سجدتين، وإذا شرع في ركن لا يرجع إلى ما كان نسيه (٢). ونوبة أخرى في صلاة العصر أو الظهر سلم في الركعة الثانية، وتكلم، ثم ذكر فأتم وأتي بسجدتين بعد السلام وكبر بينهما وسلم (٣) بعد ذلك أيضا.

стр. 44

وفي مسند الإمام أحمد: أنه صلي في بعض الأيام، وخرج من الصلاة، وبقي منها ركعة، فلما خرج من المسجد، خرج طلحة بن عبد الله في عقبه، وقال: قد نسيت ركعة، فرجع إلى المسجد، وأمر بلالًا بالإقامة، وصلى ركعة، وسلم ثم رجع. ونوبة أخرى صلى الظهر خمسًا، فقالت الصحابة: أزيد في الصلاة؟ فقال: "وما ذاك؟ " فقالوا: صليت خمسًا، فسجد سجدتي السهو وسلم، واقتصر على ذلك. ونوبة أخرى صلى العصر ثلاثًا ورجع إلى البيت، فتعقبه الصحابة وأعلموه، فرجع إلى المسجد وصلي ركعة وسلم، وسجد بعد السلام للسهو سجدتين (١) ثم سلم، واقتصر علي ذلك. هذه خمسة مواضع روى أنه ﷺ سها فيها في جميع عمره، ولم يثبت غير هذا. وسجد للسهو قبل السلام في بعض المواضع وبعده في بعضها، فجعلها الإمام الشافعي في كل حال قبل السلام والإمام أبو حنيفة جعلها بعد السلام في كل حال. وقال الإمام مالك: يسجد للسهو النقصان قبل السلام ولسهو الزيادة في الصلاة بعد السلام، وإن اجتمع سهوان أحدهما زائد والآخر ناقص يسجد لهما قبل السلام. وقال الإمام أحمد: يسجد قبل السلام في المحل الذي سجد فيه النبي ﷺ قبل السلام وما عداه يسجد للسهو بعد السلام.

стр. 45

وقال داود الظاهري: لا يسجد للسهو إلا في هذه المواطن الخمس التي سجد فيها رسول الله ﷺ ، ولو سها في غيرها لا يسجد للسهو، ولم يعرض له ﷺ الشك في الصلاة ولكن قال: "من شك فليبن علي اليقين، ولا يعتبر الشك ويسجد للسهو قبل السلام" (١). وقال الإمام أبو حنيفة إن كان له ظن بنى على غالب ظنه، وإن لم يكن له ظن بني علي اليقين، وقال الإمام الشافعي، والإمام أحمد: يبني علي اليقين مطلقا. فصل الرسول وعيونه أثناء صلاته ك ان النبي صلي الله عليه وسلم يفتح عينه المباركة في الصلاة، ولم يكن يغمضها كما يفعله بعض المتعبدين، وفي حديث أنس الذي أتي به البخاري في صحيحه: أن عائشة ﵂ كان لها ستر سترت به جانب البيت فقال: "بعدوا هذا الستر فإن تصاويره تعارضني" وروي في حديث عائشة أنه ﷺ لبس ثوبا معلما، وكان ينظر إلى أعلامه في الصلاة، فلما فرغ قال: "اذهبوا بثوبي هذا لأبي جهم وائتونى بالكساء الأنبجانى (٢) الذي له فإن أعلام هذا شغلت خاطرى في الصلاة" (٣).

стр. 46

وحديث مشاهدة الجنة في الصلاة وأنه ﷺ مد يديه ليتناول قطفا من فاكهتها. وحديث رد السلام باليد، وحديث تعرض الشيطان، وأنه صلي الله عليه وسلم قبضه وخنقه. هذا المجموع رؤية العين وهو دليل على عدم تغميض العين في الصلاة. أما إذا عرض لشخص تفرقة وشتات فلا يكره له تغميض العين، بل هو إلى الاستحباب أقرب، والله أعلم. فصل أدعية النبي بعد فروغه من الصلاة كان ﷺ إذا فرغ من الصلاة، قال ثلاث: "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام" (١) قال هذا ثم نهض راجعا إلى الحجرة. وروى في بعض الأحاديث الصحيحة: أنه كان يقول عقيب الصلاة المفروضة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون" (٢).

стр. 47

وفي سنن أبي داود عن أمير المؤمنين عليّ أن رسول الله ﷺ ، كان إذا سلم من الصلاة قال: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم والمؤخر لا إله إلا أنت" (١). وفي مسند الإمام أحمد مروى عن زيد بن أرقم أن النبي ﷺ كان يقول عقب كل صلاة: "اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد، أنت الرب وحدك، لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء شهيد، أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل شيء اجعلني مخلصا لك وأهلي، في كل ساعة من الدنيا والآخرة، ياذا الجلال والإكرام، اسمع واستجب، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله نور السموات والأرض، الله أكبر، الله أكبر، حسبي الله ونعم الوكيل، الله أكبر، الله أكبر" وقال: "معقبات لا يخيب قائلهم دبر كل صلاة مكتوبة ثلاثا وثلاثين تسبيحة، وثلاثا وثلاثين تحميده، وثلاثا وثلاثين تكبيرة وقال تمام المائة. لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو علي كل شيء قدير" (٢). وفى رواية أخرى: "أربعا وثلاثين تكبيرة" (٣) وذلك تمام المائة. وفى رواية "سبحان الله خمسا وعشرين، والحمد لله خمسا وعشرين، والله أكبر خمسا وعشرين، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير خمسا وعشرين".

стр. 48

وفي رواية أخرى "يسبح الله عشرا، ويكبره عشرا" وفي رواية أخرى في صحيح مسلم يقول: "سبحان الله إحدى عشرة مرة، والحمد لله إحدى عشرة مرة, والله أكبر إحدى عشرة مرة" وهذا ثلاث وثلاثون. قال بعض العلماء: هذه الرواية إنما هي تفسير من بعض رواة هذا الحديث عن أبي هريرة وهم كانوا يسبحون، ويحمدون، ويكبرون، دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين. وقال: من قال في دبر صلاة الصبح قبل أن يتكلم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئآت، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم. إلا الشرك بالله تعالى - يعاني إن صدر منه ذنب يغفر له" (١). وثبت في مسند الإِمام أحمد من رواية أم سلمة ﵂ أنه ﷺ علم ابنته فاطمة ﵂, لما جاءت تسأله الخادم، أن تسبح عند النوم ثلاثًا وثلاثين، وتحمد ثلاثا وتلاثين، وتكبر ثلاثًا وثلاثين" (٢) وإذا صلت الصبح أن تقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" عشر مرات، وبعد صلاة المغرب عشر مرات". وكان يقول عقب صلاة الصبح: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، واصلح لي دنياى التي جعلت فيها معاشى، واصلح لي آخرتى التي جعلت فيها معادي، واجمعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر، اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك

стр. 49

من نقمتك، وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (١). قال أبو أيوب الأنصارى ﵁: ما صليت خلف رسول الله ﷺ إلا سمعته يقول: "اللهم اغفر لي خطاياى وذنوبي كلها، اللهم أنعشنى وأحينى وارزقنى واهدنى لصالح الأعمال والأخلاق إنه لايهدي لصالحها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عنى سيئها إلا أنت" (٢). وقال: إِذا صليت فقل قبل أن تتكلم: "اللهم أجرنى من النار سبع مرات فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جوارا من النار، وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تتكلم؛ اللهم أجرنى من النار، سبع مرات فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جوارا من النار" هذا الحديث في صحيح ابن حبان، وفي سنن النسائي، من رواية أبي أمامة: "من قرأ آية الكرسى - زاد الطبرانى - وقل هو الله أحد، في دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة، إلى أن يموت" (٣). وهذا الحديث رواه جماعة غير النسائي مثل الطبراني، والروياني والدار قطنى، وابن حبان. وبعض الحفاظ يقول: هو صحيح (٤). وذكره ابن الجورى في الموضوع وطعن الحفاظ فيه من هذه الجهة واستدل بضعف محمَّد بن حمير راوى هذا الحديث وقد عدله البخاري, ووثقه محك الرجال يحيى بن معين وهذان المعدلان كافيان في العدالة.

стр. 50

وفي معجم الطبراني: "من قرأ آية الكرسى في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى". وهذا الحديث رواه جماعة من الصحابة، من جملتهم أمير المؤمنين عليّ، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة، وأبو أمامة. واختلاف طرق الحديث، ومخارجه، دليل على أن له أصلًا صحيحا، غير موضوع. وروى عقبة بن عامر قال: أمرنى رسول الله ﷺ : أن اقرأ بالمعوذتين دبر كل صلاة وهذا الحديث في غاية الصحة، وقال لمعاذ: "أوصيك يا معاذ لا تدع في دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (١). وفي معجم الطبراني من حديث جابر ﵁ قال قال: رسول الله ﷺ "ثلاث من جاء بهن مع الإيمان دخل من أي أبواب الجنة حيث شاء، وزوج من الحور العين حيث شاء: من عفا عن قائله، وأدى دينا خفيا، وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات: قل هو الله أحد" فقال أبو بكر: أو إحداهن يا رسول الله فقال: "أو إحداهن". وكان يقول بعد صلاة الصبح: "اللهم إنى أصبحت مرتهنا بعملى فلا فقير أفقر مني، اللهم لا تشمت بي عدوى، ولا تسئ بي صديقى، اللهم لا تحعل مصيبتى في ديني، ولا تجعل الدنيا أكبر همى، ولا مبلغ علمى، ولا تسلط على من لا يرحمنى، اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت، اللهم ما أصبح بي من نعمة، أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك، لا شريك لك، لك الحمد ولك الشكر، أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين، اللهم إنى أسألك خير هذا اليوم فتحه، ونصره، ونوره،

стр. 51

وبركته، وهداه، وأعوذ بك من شر ما فيه، وشر ما بعده، اللهم عافنى في بدني، اللهم عافنى في سمعى، الله عافنى في بصرى، اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلنى إلى نفسى طرفة عين، وأصلح لي شأنى كله، لا إله إلا أنت، اللهم إني أعوذ بك من الهم، والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين، وقهر الرجال، اللهم اكفنى بحلالك عن حرامك، وأغني بفضلك عما سواك، يا حى يا قيوم" (١).

стр. 52

فصل في بيان السنن والرواتب التي كان يواظب عليها في كل يوم ﷺ - أما في الحضر فكان لا يفوته عشر ركعات: ركعتان قبل فرض الصبح، وركعتان قبل فرض الظهر، وركعتان بعد ذلك، وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء ولم تفته ركعتا الظهر (١) في وقت من الأوقات وإن فاتتا قضاهيا بعد صلاة العصر. وكان يداوم على صلاة ركعتين بعد العصر، وهذا هن خصائصه ﷺ ، ويكره في حق غيره، وأحيانا كان يصلى قبل الظهر أربع ركعات، ولفظ البخاري "كان لايدع أربعًا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة" وللعلماء في هذا تأويلان: أحدهما: أنه كان إذا صلى سنة الظهر في بيته صلاها أربعا وإذا صلى في المسجد صلى ركعتين. والثاني: إن هذه صلاة مستقلة، كان يصليها عقيب زوال الشمس، ويقول: "هذه ساعة تفتح فيها أبواب السماء وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح" وكان عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه يصلى بعد الزوال ثمانى ركعات، ويقول: انهن تعدلن مثلهن من قيام الليل. وقال بعض المشايخ: السر في هذا أن هذين الوقتين زمان تنزل الرحمة بعد الزوال وذلك بعد انتصاف النهار، والتنزل الإلهى في الليل يكون بعد انتصافه، ولا كان هذان الوقتان محل قرب الرحمة، ظهرت المناسبة.

стр. 53

وروى في مسند الإِمام أحمد، وسنن النسائي، والترمذي "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار" وكان يفصل بين هذه الأربع بتسليمتين. وقال أمير المؤمنين على كان النبي ﷺ يصلى قبل الظهر أربع (١) ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين. رواه أحمد والترمذي محسنا. وروى أمير المؤمنين علي: أن النبي ﷺ كان يصلي في كل يوم وليلة من السنة ست عشرة ركعة، ركعتين قبل فرض الصبح، وأربعا قبل فرض الظهر, وركعتين بعدها، وأربعا قبل فرض العصر، وأربعا في وقت الضحى. وهذا بعض حديث مطول، وللعلماء في إسناده مقال. وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "رحم الله امرءا صلى قبل العصر أربعًا" (٢) صححه ابن حبان، وكان الصحابة يصلون قبل المغرب ركعتين، ولم يمنعهم ﷺ من ذلك، وثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال: "صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب" وقال في الثالثة: "لمن شاء" (٣) كراهية أن يتخذها الناس سنة فصلاتها مندوبة مستحبة، لكن لا تبلغ درجة الرواتب.

стр. 54

وكان يصلي الرواتب في بيته، وعلى الخصوص ركعتى المغرب، فإنه لم يصلهما في المسجد أبدا. فلذلك اختلف العلماء: أنه لو صلاهما في المسجد هل يجزيه ذلك أم لا. قال بعض العلماء: لا، وقال الإِمام المروزى: من صلى الركعتين بعد المغرب في المسجد يكون عاصيا، وقال أبو ثور أيضًا: هو عاص، وسبب العصيان أن النبي ﷺ قال: "اجعلوها في بيوتكم" وعند أكثر العلماء يجزيه ذلك لكن يكون تاركا للأولى. وفي سنة المغرب سنتان: إحداهما: بأن لا يتكلم بينها وبين الفريضة، لا في الحديث: "من صلى ركعتين بعد المغرب" قال مكحول: يعني قبل أن يتكلم" رفعت صلاته في عليين" (١). الثانية: أن يكون في البيت، دخل رسول الله ﷺ مسجد بني الأشهل وصلى المغرب فلما فرغ رأى أهل المسجد، اشتغلوا بصلاة السنة (٢) فقال: "هذه صلاة البيوت". وفي لفظ ابن ماجه: "اركعوا هاتين في بيوتكم" وحاصله أن عادة حضرة سيدنا رسول الله ﷺ ، أنه كان يصلى جميع السنن في بيته إلا أن يكون لسبب، وكان يقول: "أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة". وكان يحافظ على ركعتى الفجر، بحيث أنه كان يواظب عليها في السفر أيضًا، ولم يرد عنه أنه صلى في السفر شيئًا من السنن الرواتب إلا سنة الفجر (٣)، وصلاة الوتر.

стр. 55

وللعلماء في أفضلية سنة الفجر، وصلاة الوتر قولان: قال بعضهم: سنة الفجر أكد. قال بعضهم: بل الوتر، وكما أن الوتر واجب عن البعض كذا سنة الفجر، تجب عند البعض. وقال بعض المشايخ: سنة الفجر ابتداء العمل، والوتر ختم العمل، فهلا جرم صرفت العناية لشأنهما, ولهذا السبب شرع فيها قراءة سورة الإخلاص، وسورة قل يا أيها الكافرون (١)، لاشتمالهما على توحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد، كما بيناه في كتاب: (حاصل كورة الخلاص في فضائل سورة الإخلاص). فصل اضطجاع الرسول ﷺ بعد صلاة الفجر عادة حضرة سيدنا رسول الله ﷺ أنه كان إذا صلى سنة الفجر وضع جنبه الأيمن على الأرض، ونام قليلا، وفي جامع الترمذي "إذا صلى أحدع الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه" (٢) , حديث صحيح غريب قال ابن حزم؛ هذا الاضطجاع فرض على المصلى حتى لو لم يأت به بين السنة والفرض ففرضه باطل (٣)، وقد صنف بعض العلماء في نصرة هذا المذهب مجلدا ووافق هذا القول جماعة من مشايخ الطريقة، كصاحب الفتوحات وغيره، وقال بعض العلماء:

стр. 56

بكراهة ذلك وعده من البدع، واختار جمهور العلماء الطريق المستقيم المتوسط وقالوا: باستحبابه. قال الإِمام مالك: إن فعل ذلك للاستراحة فحسن، والسر في الاضطجاع على الجنب الأيمن أن يغلبه النوم؛ لأن القلب معلق في الجانب الأيسر، فلو اضطجع عليه لاستقر القلب وغلبت الراحة، وثقل النوم، وإذا اضطجع على شقه الأيمن، طلب القلب مستقره فقلق وأبطأ النوم لذلك، وإن جاء النوم فلا يكون ثقيلا, ولهذا اختار الأطباء النوم على الشق الأيسر طلبا لكمال الراحة، واختار صاحب الشرع الشق الأيمن طلبا لخفة النوم، وسرعة قيام الليل. وحاصلة أن النوم على الجانب الأيمن ينفع، وعلى الجانب الأيمن ينفع البدن، والله أعلم. فصل في قيام الليل اختلف العلماء في قيام الليل هل كان فرضا على سيدنا رسول الله ﷺ أو سنة؟ ولكليهما دليل واحد وهو آية التنزيل ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (١) قالت طائفة: هذا صريح في عدم الوجوب، وقال آخرون: هذا صريح في وجوب قيام الليل والتهجد كما جاء الأمر به في مكان آخر وهو: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢) ولم يرد صريح نسخ. وأما قوله: ﴿نافلة﴾ فلو كان المراد به التطوع لما خصص بقوله ﴿لك﴾ بل المراد الزيادة، ومطلق الزيادة لا تدل على التطوع، بل تدل على زيادة الدرجات، ولهذا خص به، لأن قيام الليل في حق غيره مباح ومكفر

стр. 57

للسيئات، وأما في حقه فزيادة في الدرجات وعلو المراتب، لأنه الغفور له على الإطلاق. قال مجاهد: لم يكن لغيره نوافل بل مكفرات، والنوافل خاصة به ﷺ ، ولم يدع ﷺ قيام الليل (١) , في حالة من الحالات، بل حافظ عليه في السفر والحضر، وإن فاته في حين المرض أو غلبة نوم، صلى في أثناء النهار اثنى عشرة ركعة بدل ذلك، ولم يزد في صلاة الليل على ثلاث عشرة ركعة. وربما اقتصر على إحدى عشرة ركعة منها خمس ركعات بتسليمة واحدة هن آخر الصلاة، وقال بعض العلماء: لم يزد في صلاة الليل على إحدى عشرة ركعة. والرواية التي وردت بثلاث عشرة صحيحة لكن مع ركعتى الفجر، وحديث عائشة بين ذلك قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلى ثلاث عشرة ركعة بركعتى الفجر) (٢). وقال الشعبيّ ﵀: سألت ابن عباس، وابن عمر، عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل، فقالا: ثلاث عشرة منها ثمان ويوتر بثلاث وركعتين بعد الفجر. وجاء في الصحيحين: رواية صريحة، بأن صلاة الليل، ثلاث عشرة ركعة: عن ابن عباس أنه بات في بيت خالته ميمونة، فقام النبي ﷺ من

стр. 58

الليل، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاء المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح. وفي لفظ أخرة صلى ثلاث عشرة ركعة، ثم نام، حتى نفخ، فلما تبين له الفجر، صلى ركعتين خفيفتين (١). واتفق العلماء على إحدى عشرة ركعة، واختلفوا في ركعتين، فعند البعض هما غير ركعتى الفجر، وعند البعض هما هما. وإذا ضممت هذا العدد إلى عدد ركعات الفرائض، والرواتب، التي كان يواظب عليها، ويحافظ عليها، تجدها أربعين ركعة. الفرض من ذلك سبعة عشر، والرواتب عشر، أو اثنا عشر، وقيام الليل إحدى عشرة، أو اثنتا عشرة، أو ثلاث عشرة، فصار المجموع أربعين ركعة. وما زاد على هذا العدد فلسبب، كصلاة الفتح، وهي ثمان ركعات، صلاها يوم فتح مكة، وكصلاة الضحى، فإنه كان يصليها إذا قدم من السفر، وكتحية المسجد، وكالصلاة التي كان يصليها في بيت من يقصد زيارته، وما أشبه ذلك. فينبغي لطالب متابعته ﷺ أن لايدع هذه الأربعين ركعة باختياره في وقت من الأوقات، وأن يواظب عليها في جميع الحالات، لأن الواظبة عليها، سبب فتح أبواب السعادات. وقيل المرادات، فجدير: بمن قرع باب أكرم الأكرمين، في كل يوم أربعين مرة, بأصبع الطلب؛ والأدب، باتباع أشرف العجم والعرب، أن يفتح له في أسرع الأوقات، وأقرب الحالات.

стр. 59

فصل صلاة الليل للنبي ﷺ - كان ﷺ يستيقظ من النوم، بعد مضي نصف الليل، وأحيانا قبل ذلك، وأحيانا عند صياح الديك، وذلك يكون في الغالب بعد مضي نصف الليل، وكان إذا استيقظ مسح بيده على عينيه المباركتين، ثم استعمل المسواك ثم توضأ، وفي حالة استعمال المسواك، كان يقرأ آخر آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١) إلى آخر السورة، ثم افتتح الصلاة بركعتين خفيفتين، وأمر أمته بذلك فقال: "إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين" (٢). وورد في كيفية قيام الليل طرق ثمانية كلها صحيحة، والمتعبد مخير في المواظبة على أي هذه الأنواع شاء، أو اختيار نوع منها في وقت دون وقت: الأول، حديث ابن عباس، أن رسول الله ﷺ استيقظ، فتسوك، وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين، وأطال فيهما القيام والركوع، والسجود، ثم انصرف، فنام، حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات، بست ركعات، كل ذلك يستاك، ويتوضأ، ويقرأ هذه الآيات، ثم أوتر بثلاث، فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة، وهو يقول: "اللهم اجعل في قلبى نورًا، وفي لسانى نورا، واجعل في سمعى نورًا، واجعل في بصرى نورًا، واجعل من خلفى نورًا، ومن أمامى نورًا، واجعل من فوقى نورًا ومن تحتى نورًا، اللهم أعطنى نورًا".

стр. 60

هذه الرواية في صحيح (١) مسلم، وليس فيها الافتتاح بركعتين، وأجيب عن هذا بوجهين: الأول: أنه كان في بعض الأوقات يفتتح بركعتين خفيفتين، وفي بعض الأوقات بركعتين طويلتين. الثاني: أن عائشة أعرف بحال قيام الليل، وقد تكون حفظت ما فات عن ابن عباس. النوع الثاني: ما روت عائشة أنه ﷺ كان يفتتح الصلاة بركعتين خفيفتن، وبعدهما يطول، يصلى عشر ركعات بخمس تسليمات، ويوتر بركعة، ثم يسلم. النوع الثالث: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة خارجا عن ركعتى الفجر. النوع الرابع: كان يصلي ثمان ركعات بأربع تسليمات ثم صلى بعد ذلك خمس ركعات يجلس في آخراهن ويسلم، ولم يكن في أثنائهن جلوس، إلا في الآخر. النوع الخامس: كان يصلى تسع ركعات، منها ثمان متعاقبات، ليس بينهن جلوس إلا بعد الثامنة، فإنه كان يتشهد، ويدعو ثم ينهض إلى التاسعة من غير سلام ثم يتشهد بعدها ويسلم، ثم يصلى ركعتين عقب الوتر. النوع السادس: كان يصلي ست ركعات متصلات لا يجلس بينهن، إلا في آخرهن، ثم ينهض قبل السلام، فيصلى ركعة، ويسلم، ثم يصلى بعد ذلك ركعتين جالسا عقب الوتر. النوع السابع: كان يسلم في ركعتين ويصلى في آخرهن ثلاث ركعات بتسليمة واحدة، وطعن الحفاظ في هذه الرواية لما في صحيح ابن حبان بإسناد

стр. 61

صحيح "لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس، أو سبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب" (١). وفي حديث عائشة بإسناد صحيح، أنه كان يسلم في الركعتين الأخيرتين، ثم بعد ذلك يصلى ركعة. وسئل الإِمام أحمد: ما تقول في الوتر؟ قال: أكثر الحديث وأقواه ركعة. فأنا أذهب إليها. ثم سئل ثانيا؟ فقال: يسلم في الركعتين بها وإن لم يسلم رجوت أن لا يضره، إلا أن التسليم أثبت. النوع الثامن: روى النسائي بسنده عن حذيفة، أنه صلى مع رسول الله ﷺ يعني صلاة الليل - وطوّل في الركوع، مثل القيام، وكان يقول: "سبحان ربي العظيم" ثم بعد ذلك جلس، وقال: "رب اغفر لي" وكررها. ولما صلى أربع ركعات على هذا الوجه أذن بلال للصبح، ودعا النبي ﷺ للصلاة. هذه الطرق الثمانية ثبتت في قيام الليل وكان يصلى الوتر في أولي الليل (٢)، وحينا في أوسطه. وحينا في آخره. وهذا في الغالب. وفي بعض الليالى، كان يكرر آية في صلاة الليل من أوله إلى آخره وهي ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣). وصلاة النبي ﷺ كانت على ثلاثة أنواع: أحدهما: أنه كان يصليها قائما وذلك في الغالب. الثاني: أنه كان يصليها جالسا ويركع جالسا أيضًا.

стр. 62

الثالث: أن كان يصليها جالسا، ويقرأ غالب القراءة جالسا ثم يقوم فيقرأ ما بقي قائما ثم يركع، هذه الأنواع الثلاثة صحيحة، وأما الحديث الذي ورد بأن هيئة جلوسه في حالة الصلاة قاعدا التربع، فقد طعن الحفاظ فيه، وحملوه على خطأ بعض الرواة. فصل النافلة من صلاة النبي ﷺ - ثبت بروايات صحيحة أنه ﷺ كان يصلى بعد الوتر ركعتين في صحيح مسلم، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه كان يصلى ثلاث عشرة ركعة (١) يصلى ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يصلى ركعتين، وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام، فرفع، ثم يصلى ركعتين بين النداء والإقامة. وفي مسند الإِمام أحمد روى عن أم سلمة أنها قالت, كان رسول الله ﷺ يصلي بعد الوتر ركعتين خفيفتين، وهو جالس، وأبو أمامة يروى كان رسول الله ﷺ يصلى ركعتين بعد الوتر وهو جالس، يقرأ فيهما ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٢) وروى هذا المعنى أيضًا جماعة من الصحابة غير من ذكرنا. وظاهرة معارض بحديث "واجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" (٣) وقد أشكل على كثير من العلماء لا جرم أنكره الإِمام مالك، وقال الإِمام أحمد:

стр. 63

لا أصليها, ولا أمنع أحدا من صلاتها. وقال جماهير العلماء: صلاها لبيان الجواز، ليعلم أن بعد الوتر، يجوز صلاة النوافل، وأن الوتر لا يقطع صلاة النوافل، وعلى هذا يكون قوله: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" مبنيا على الاستحباب. وقال بعض العلماء: هذه الصلاة ملحقة بالوتر، وجارية مجرى سنة الوتر، لا سيما على مذهب من يقول: بوجوب الوتر، وكما أن صلاة المغرب وتر النهار مشفوعة من السنة بركعتين كذلك وتر الليل أيضا مشفوع من السنة بركعتين. فصل دعاء القنوت للنبي محمد ﷺ - لم يرد في الصحيح أنه ﷺ قرأ القنوات في صلاة الوتر أصلًا. قال الإِمام أحمد: كل ما ثبت في القنوت فمجموعه في صلاة الصبح. ولم يثبت في الوتر أصلًا، بل لم يرد، ولكن جماعة من الصحابة كانوا يقرءون القنوت في صلاة الوتر، لحديث مسند الإِمام أحمد عن الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر "اللهم اهدنى فيمن هديت، وعافنى فيمن عافيت، وتولنى فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقنى شر ما قضيت، إنك تقضى ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت وصلى الله على النبي" قال الترمذي: هذا أحسن حديث , روى في باب القنوت. وثبت عن أمير المؤمنين عمر، وأبى بن كعب، وعبد الله بن مسعود، أنهم كانوا يقرأون القنوت في صلاة الوتر، ولم يرو عن النبي ﷺ قطعا،

стр. 64

وكل ما روى فإنه مطعون ومفترى. روى الترمذي والنسائي كان رسول الله ﷺ يقول في آخر وتر "اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (١)، وهذه العبارة يحتمل أن يكون قالها بعد التشهد وهذا أقرب، بل هو متعين، لما رواه النسائي، كان يقول إذا فرغ من صلاته، وتبوأ مضجعه - وزاد في لفظ هذه الرواية: "لا أحصى ثناء عليك ولو حرصت". وثبت في بعض الروايات الصحيحة: أنه كان يقول هذا في السجود، فيحتمل أن يكون قاله في مجلسين. وفي مسند الحاكم من حديث ابن عباس في صفة صلاة رسول الله ﷺ به، ووتره، فلما قضى صلاته سمعته يقول: "اللهم اجعل في قلبى نورًا، وفي بصرى نورًا، وفي سمعى نورًا، وعن يمينى نورًا، وعن يسارى نورا، وفوقى نورًا، وتحتى نورًا، وأمامى نورًا، وخلفى نورًا، واجعل لي يوم لقائك نورًا". وفي بعض الروايات: "وفي عصبى نورًا، وفي لحمى نورًا، وفي شعرى نورًا، وفي بشرى نورًا، وفي لسانى نورًا، واجعل في نفسى نورًا، وأعظم لي نورًا، واجزل لي نورًا، واعطنى نورًا" (٢)، وكان يقرأ في صلاة الوتر في الركعة الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفى الركعة الثانية ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الركعة الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣) والمعوذتين ويقول عقب السلام: "سبحان الملك القدوس" ثلاثا، يرفع صوته في الثالثة، ويمد

стр. 65

الحروف، ثم يقول بعد ذلك: "رب الملائكة والروح". وكان يقرأ بالترتيل، ويقف في آخر كل آية البتة وإن تعلقت بما بعدها وبعض القراء يقول: الوقف على مكان انتهاء الكلام، وانفصاله، أولى وأفضل. وهذا القول غير مستحسن لأن متابعة الرسول ﷺ ، في كل حال، أكمل وأفضل. وللعلماء اختلاف في أفضلية القراءة المرتلة، مع القلة على القراءة الكثيرة، مع السرعة، قال ابن عباس، وابن مسعود: الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل، وقال أمير المؤمنين علي, وجماعة من الصحابة والتابعين، والإمام الشافعي: كثرة القراءة أفضل لأنّ بكل حرف عشر حسنات. وقال النبي ﷺ "ولا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" (١). وقال بعض المتأخرين: ثواب القراءة بالترتيل، والتدبر أكبر وأحسن، وثواب كثيرة القراءة أزيد وأكثر، مثال ذلك شخص تصدق بجوهرة ثمينة، ومثال شخص تصدق بلآلئ صغار، أو بدراهم ودنانير كثيرة، وما أشبه ذلك. وكان يسر في قراءة الليل أحيانا، ويجهر أحيانا، ويطيل القيام أحيانا، ويخفف أحيانا.

стр. 66

فصل في صلاة الضحى وعادة الرسول ﷺ في ذلك قالت عائشة ﵂: رأيت رسول الله ﷺ يصلى الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله (١)، وعن أنس قال: رأيت رسول الله ﷺ في سفر، يصلى سبحة الضحى ثمان (٢) ركعات، فلما انصرف قال: "إنى صليت صلاة رغبة ورهبة، فسألت ربي ثلاثًا؛ فأعطانى اثنين ومنعنى واحدة، سألته أن لا يقتل أمتي بالسنين ففعل، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوا ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعا فأبى علي" صحيح رواه الحاكم (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: صلى النبي ﷺ صلاة الضحى، ثم قال: "اللهم اغفر لي وارحمنى وتب علي إنك أنت التواب الرحيم" (٤) حتى قالها مائة مرة، وعن أم ذر قالت: رأيت عائشة تصلي الضحى وتقول, ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلا أربع ركعات. وعن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله ﷺ صلى الضحى. وعن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ صلى صلاة الضحى ست ركعات. وعن عائشة وأم سلمة قالتا: كان رسول الله ﷺ يصلى الضحى اثنتى عشرة (٥) ركعة.

стр. 67

وعن عليّ ﵁ أن النبي ﷺ كان يصلي الضحى ست ركعات، وعن أبي هريرة ﵁ قال: أوصانى خليلى بصيام ثلاثة أيام في كل شهر وركعتى الضحى وأن أوتر قبل أن أنام (١). وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن المنكر صدقة، وتجزئ من ذلك ركعتين تركعهما من الضحى" (٢). وفي مسند الإِمام أحمد عن معاذ بن أنس، يرفعه: "من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى سبح ركعتى الضحى، لا يقول إلا خيرا، غفر له خطاياه وإن كانت مثل زيد البحر". وعند الترمذي عن أبي هريرة، يرفعه "من حافظ على سبحة الضحى غفر له ذنوبه وإن كان مثل زيد البحر". وعن نعيم بن همار قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: ابن آدم لا تعجز لي عن أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره" (٣). وعند الترمذي، وابن ماجه عن أنس يرفعه: "من صلى اثنتى عشرة ركعة بني الله له قصر في الجنة من ذهب" (٤). وعند مسلم عن زيد بن أرقم أنه رأى قوما يصلون

стр. 68

الضحى في مسجد قباء فقال: أما لقد علموا أن الصلاة في غير الساعة أفضل أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال" (١) أي يشتد حر النهار، فتهجر الفصال حر الرمضاء. في الصحيحين أن النبي ﷺ صلى الضحى ركعتين، في بيت عنيان بن مالك، وعن أبي هريرة: لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب (٢). رواه الحاكم على شرط مسلم، وعنده عن أبي هريرة يرفعه أن للجنة بابا يقال له: باب الضحى فإذا كان يوم القيامة، نادى مناد أين الذين كانوا يداومون على صلاة الضحى هذا بابكم ادخلوه برحمة الله. وعن أبي سعيد قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى، حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها. وعن ابن عمر أنه قال لأبي ذر: أوصني ياعم قال: سألت رسول الله ﷺ كما سألتنى فقال: "من صلى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين، ومن صلى أربعًا كتب من العابدين، ومن صلى ستًا لم يلحقه ذلك اليوم ذنب، ومن صلى ثمانيا كتب من القانتين، ومن صلى عشر بني الله له بيتا في الجنة" (٣). وقال مجاهد: صلى رسول الله ﷺ يوما الضحى ركعتين، ثم يوما أربعًا، ثم يوما ستًا، ثم ثمانيا يوما، ثم ترك.

стр. 69

وعن أبي أمامة يرفعه: من مشى إلى صلاة مكتوبة، وهو متطهر إلى صلاة أخرى، كان له كأجر الحاج المحرم، ومن مشى إلى سبحة الضحى، كان له كأجر المعتمر وصلاة على أثر صلاة، لا لغو بينهما كتب في عليين. وعن أبي أمامة يرفعه: من صلى الصبح في مسجد جماعة، ثم ثبت فيه حتى يسبح فيه سبحة الضحى، ثم يصلى الضحى، كان له كأجر حاج، أو معتمر، تام له حجته وعمرته (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ جيشا فأعظموا الغنيمة، وأسرعوا الكرة، فقال رجل: يا رسول الله: ما رأينا بعثا قط أسرع كرة، وأعظم غنيمة من هذا البعث. فقال: "ألا أخبركم بأسرع كرة، وأعظم غنيمة؟ رجل توضأ في بيته فأحسن وضوءه، ثم عمد إلى المسجد، فصلى صلاة الغداة ثم أعقب بصلاة الضحى فقد أسرع الكرة وأعظم الغنيمة" (٢). ومجموع هذه الأحاديث دليل على استحباب صلاة الضحى وفضيلتها. وهذا مذهب الجمهور من العلماء والمشايخ. وقال جمع من العلماء بكراهتها واستدلوا بالأثر الذي رواه البخاري عن ابن عمر، أنه لم يكن يصليها أبو بكر، ولا عمر قلت: فالنبي قال "لا أخًا له". وروى عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أن أبا بكر رأى جماعة، يصلون صلاة الضحى، فقال: إنكم لتصلون صلاة ما صلاها رسول الله ﷺ ولا عامة أصحابه.

стр. 70

وروى عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما سبح رسول الله ﷺ سبحة الضحى، وإني لأسبحها، وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به فيفترض عليهم. وقال قيس بن عبيد: ترددت إلى ابن مسعود سنة فما رأيته صلى الضحى قط، وعن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا ابن عمر جالس عند حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها، وإذا الناس يصلون في المسجد صلاة الضحى فسألناه عن صلاتهم فقال: بدعة، ونعمت البدعة. وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ما ابتدع المسلمون أفضل من صلاة الضحى، وقالت طائفة أخرى من العلماء: يستحب أن يصليها في بعض الأحيان ويتركها في بعض الأحيان، واستدلوا بحديث عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة هل كان رسول الله ﷺ يصلى صلاة الضحى؟ قالت: ما كان يصليها إلا إِذا قدم من سفره، وبحديث أبي سعيد الخدرى قال: كان رسول الله ﷺ يصلى الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها. وعن عكرمة قال: كان ابن عباس يصليها يوما، ويدعها عشرة أيام - يعني صلاة الضحى - وعن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أنه كان لا يصلى الضحى فإذا أتى مسجد قباء صلى، وكان يأتيه كل سبت. وعن منصور قال: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة، ويصلون، ويدعون - يعني صلاة الضحى -. وعن سعيد بن جبير قال: إني لأدع صلاة الضحى وأنا اشتهيها مخافة أن أراها حتما علي، وقال مسروق: كنا نقرأ فنبقى بعد قيام ابن مسعود، ثم نقوم فنصلي الضحى، فبلغ ابن مسعود ذلك، فقال: لم تحملون عباد الله ما لم يحملهم الله، إن كنتم لا بد فاعلين ففي بيوتكم.

стр. 71

فهذه الطائفة تعلقت بهذه الأحاديث وقالوا: لا ينبغي المداومة عليها، والصواب أنه يستحب المواظبة عليها، فإن خوفهم توهم الفريضة قد ارتفع، لكن الأولى أن يصليها في البيت. وقالت عائشة: لو نشر لي أبواى ما تركتها، واختار أكثر العلماء أربع ركعات لصحة أحاديثها. وقال ابن جريرة أحاديث صلاة الضحى يظهر فيها اختلاف، أما عند التأمل فيظهر التوافق والصحة، ويرتفع التضاد ويندفع التعارض، واختلاف العدد كان بحسب اختلاف الأيام، والأحوال، فحينا كان يصلي ركعتين، وحينا أربعًا، وحينا ستا، وحينا ثمان ركعات، وحينا عشرا، وحينا اثنى عشرة. فالشخص مخير في أي عدد أراد، وحديث أبي ذر المتقدم يدل على هذا المعنى, وهو قوله ﷺ : "من صلى ركعتين لم يكتب من الغافلين، ومن صلى أربعًا كتب من العابدين .... " إلى آخر الحديث وقد تقدم. فصل صلاة النبي ﷺ في شكر الله كان من عادة حضرة سيدنا رسول الله ﷺ أنه إذا تجددت نعمة أو اندفعت نقمة سجد لله تعالى شكرا. ثبت في مسند الإِمام أحمد عن أبي بكرة، أن النبي ﷺ : وكان إذا أتاه أمر يسُره خرّ ساجدا شكرا لله ﵎ (١). وعن أنس أن النبي ﷺ بشر بحاجة فخر ساجدا.

стр. 72

وروى البيهقي بإسناد صحيح أنه لما ورد كتاب أمير المؤمنين عليّ من اليمن يتضمن أن قبيلة همدان أسلمت، خرّ النبي ﷺ ساجدا (١) من ساعته، وقال: "السلام على همدان، السلام على همدان". وروى عبد الرحمن بن عوف، أن النبي ﷺ : لما بشر بأن من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا، وأن من سلّم عليه مرة، سلّم الله عليه بها عشرا، سجد ﷺ من ساعته شكرا (٢). وفي سنن أبي داود أن النبي ﷺ رفع يديه داعيا، ثم بعد ذلك سجد شكرا لله، ثلاث مرات وقال: "شفعت في أمتي فوهبني الله ثلثها فسجدت شكرا لله، ولما رفعت رأسي شفعت ثانيا فوهبني الله ثلثا آخر، فسجدت شكرا , ولما رفعت رأسي دعوت الله ثالثا فوهبنى الثلث الباقي، فسجدت شكرا". وثبت في مسند الإِمام أحمد: أن النبي ﷺ رأى رجلًا نغاشا - يعني قصير الأرجل - حقيرا نزرا دميمًا فسجد شكرا (٣)، وكعب بن مالك لما أتاه البشير بقبول توبته سجد شكرا، وأبو بكر الصديق لما سمع قتل مسيلمة سجد شكرا، وأمير المؤمنين علي لما رأى ذا الثدية رئيس الخوارج بين القتلى سجد شكرا.

стр. 73

فصل سجدات القرآن ومحافظة النبي في أدائها لم يكن ﷺ يترك سجدات القرآن بل حيثما بلغ آية سجدة كبر وسجد وقال في سجوده: "سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته" وربما قال: "اللهم احطط عني بها وزرًا، واكتب لي بها أجرًا, واجعلها لي عندك دخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود" (١). ولم يثبت أنه لما رفع رأسه من هذه كبر، أو تشهد، أو سلم. وصح أنه سجد ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة. وفي ص. وفي النجم. وفي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. وقال عمرو بن العاص: أقرأني رسول الله ﷺ خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث سجدات في المفصل، وسجدتان في الحج. وقال أبو الدرداء: سجدت مع النبي ﷺ في أحد عشر موضعا ليس فيها شيء من المفصل بل في الأعراف، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج، والفرقان، والنمل، وألم السجدة، وص، وسجدة الحواميم (٢). وصح عن أبي هريرة: أنه سجد مع النبي ﷺ في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وفى ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، ولما كان إسلام أبي هريرة متأخرا في سنة سبع من الهجرة، رجحوا حديثه، وقول ابن عباس: لم يسجد رسول الله ﷺ في المفصل منذ تحول إلى المدينة، أسقطوه لضعف إسناده، وأبو هريرة مثبت وهو ناف.

стр. 74

فصل في فضل يوم الجمعة وعبادات النبي ﷺ فيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، وكان لليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة فكذلك هم تبع لنا يوم القيامة ونحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق" (١) وعن أوس بن أبي أوس ﵁ يرفعه: "من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا على من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي" قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليكم وقد أرمت؟ - يعنى بليت - قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (٢) رواه الإمام أحمد، وابن حبان، والحاكم. وعن أبي هريرة يرفعه: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" (٣).

стр. 75

وفي صحيح الحاكم: "سيد الأيام يوم الجمعة"، وفي الموطأ: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تغرب الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي ويسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه" (١). قال كعب: ذلك في كل سنة يوم؟ فقلت: بل في كل جمعة فقرأ التوراة فقال: صدق رسول الله ﷺ . قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته مع كعب فقال: قد علمت أية ساعة هي؟ قلت: فأخبرنى بها؟ قال: آخر ساعة في يوم الجمعة. قلت: كيف؟ وقل قال رسول الله ﵌: "لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى" وتلك الساعة لا يصلى فيها؟ قال ابن سلام: ألم يقل رسول الله ﵌: "من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلى" (٢). وعند الشافعى ﵀ في المسند: أتى جبريل النبي ﷺ بمرآة بيضاء فيها نكتة (٣)، فقال النبي ﷺ : "ما هذه؟ " فقال: هي الجمعة، فضلت بها وأمتك، فالناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد. فقال النبي ﷺ : "يا جبريل وما يوم المزيد؟ " فقال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح (٤) فيه كثيب من مسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله سبحانه ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور, عليها مقاعد النبيين، وحف تلك المنابر، بمنابر من ذهب، مكللة بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء والصديقيون، فجلسوا من ورائهم على ذلك الكثيب (٥).
следующие страницы →