← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2696–2721 · переход к 2701.

стр. 2696

المتضمن التقريع والتهديد. قال المفسرون: معنى الآية: أنه ﷺ قال: بعثني الله برسالته فضقت بها ذرعًا، وعرفت أن من الناس من يكذبني، فأوحى الله إليَّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك، وضمن لي العصمة فقويت. المعنى: بلغ ما أنزل إليك غير مراقب ولا خائف أحدًا ينالك مكروهه، وإن لم تبلغ جميعه كما أمرت فما بلغت رسالتي. أي: أن تترك بعضها فيكون كمن لم يبلغها. وقيل: بلغها الناس ولا تخف. وإنما جاز كون قوله: "فما بلغت رسالته" جوابا للشرط الذي هو: "وإن لم تفعل" لأنه إذا كان مأمورًا بتبليغ المنزل إليه جميعه فبلغ بعضه، لم يكن قد بلغ ما أمر به، فجاز أن يكون جوابًا للشرط. والروح الأمين: جبريل ﵇، سمي روحًا: لأنه روحاني والملائكة روحانيون، وسمي أمينًا: لأنه ملك الوحي إلى الأنبياء، والرسول إليهم بأمر الله ونهيه، فكان أمينًا على وحيه. والنفث: شبيه بالنفخ، نفث ينفث وينفث وقد شبه ما يلقيه الملك في نفسه من الوحي بالنفث كأنه نفخ في قلبه، لأن الكلام إنما يكون باللسان والفم، والنفخ لما كان بالفم والشفتين شبهه بالكلام لأنهما يخرجان من الفم. وقد جاء في بعض الروايات: "ألقى" بدل "نفث". والروع -بالضم- القلب والعمل. وقوله: "ألا فاتقوا الله" هذه التي تبعث على جماع الخير، لأن مع التقوى تنكف النفس عن أكثر المطالب، وترتفع عن الشهوات، وتترك معظم المطامع، ولذلك قال: "فأجملوا في الطلب" أي: اطلبوا الرزق طلبًا جميلًا لا حرص ولا تكالب ولا إسفاف على الدنايا فلا إشراف على الأموال، فإن الرزق الذي قدر

стр. 2697

لكم سيصل إليكم ولكن بطلب جميل، ألا تراه كيف قال: "فأجملوا في الطلب" ولم يقل: فاتركوا الطلب، فإنه إذا علم الإنسان [أنه] (١) يصل إليه يقينا لم يحتج إلى الطلب، وإنما قال: "فأجملوا في الطلب" لأن من عوائد الله في خلقه تعليق الأحكام بالأسباب، وترتيب الحوادث على العلل. وهذه سنة في خلقه مطردة، وحكمته في ملكه مستمرة، وإن كان قادرًا على إيجاد الأشياء اختراعًا وابتداعًا، لا عن تقدم إسباق وسبق علل، بأن يشبع الإنسان من غير أن يأكل، ويرويه من غير شرب، وينشئ الخلق من غير جماع، وينبت من غير ماء، وغير ذلك من الأشياء. لكنه أجرى العادة أن الشبع يحصل عقيب الأكل بخلقه في الأكل، والري عقيب الشرب، والولد عقيب الجماع، فلذلك قال: "فأجملوا في الطلب" فإنه وإن كان هو الذي [يأتي] (١) بالرزق ولكن قدر مجيئه بنوع من السعي رفيق، وحال من الطلب جميلة، فجمع هذا الحديث النظر إلى المسبب والمسبب له والأسباب فالسبب هو الله -تعالى-، والسبب هو الرزق، والمسبب له هو العبد والسبب هو السعي، وإنما جمع بين المسبب والسبب لئلا يتكل العبد، وليس كل أحد يقدر على الاتكال فيهلك بتأخر الرزق عنه، وربما أوقعه ذلك في باب عظيم من الشرك وكفر النعمة، ففرق في الخطاب بين تعريف اعتلاق الأشياء بالمسبب اعتلاقًا شرعيًا، ليتكمل للعبد حالة الصلاح المستمرة، ويثبت له قضية الفلاح مستقرة. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن سالم أبي النضر -مولى عمر ابن عبيد الله- سمع عبيد الله بن أبي رافع يحدث عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه".

стр. 2698

قال سفيان: وحدثنيه محمد بن المنكدر مرسلًا عن النبي ﷺ هذا حديث حسن، أخرجه أبو داود والترمذي. فأما أبو داود (١): فأخرجه عن أحمد بن حنبل وعبد الله بن محمد النفيلي، عن سفيان. وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن سفيان، عن سالم مرفوعًا. وعن ابن المنكدر مرسلًا. ألفيت ألفيته: إذا وجدته. ولا هي الناهية، وقد أوقعها على نهي نفسه لأن فعل "ألفين" له، وإنما يريد نهيهم أن يلفيهم على هذه الحالة، لا نهي نفسه أن يجدهم عليه، ولا أن ذلك جائز لهم أن يكونوا عليه فضلًا أن يقروا عليه. وإذا حملنا اللفظ على مدلول ظاهره من نفسه؛ كان الغرض المطلوب إذا حقيقته النهي راجعة إليهم لا إليه، وهذا في العربية فاش وباب واسع، وفي القرآن مثله قوله -عز من قائل-: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ (٣) أوقع النهي على الصادين، وإنما يريد بالنهي: نفس موسى ﵇ أي: لا تقبل صدهم إذا صدوك، إلا أن الآية أوقع فيها النهي على المخاطب، والحديث أوقع فيه النهي على المتكلم، ووجه ذلك إن وجد: أنه إباهم على هذه الحالة من ترك الأخذ بالحديث، ورفض ما لم يجدوه في كتاب الله مسبب عن كونهم عاملين عليها مستمسكين بها، فكانت حالتهم سببا لأن يلفيهم عليها، فذكر المسبب واكتفى به عن ذكر السبب لأنه من لوازمه، ولأنه إذا نهى عن المسبب فقد نهى عن السبب، ألا ترى أنه إذا قال: لا أرينك ها هنا، فإنما أراد أن ينهاه

стр. 2699

عن حضوره عنده حتى لا يراه، لأنه إذا حضر عنده رآه فإذا لم يحضر لم يره، فلا فرق بين أن يقول: لا أريتك ها هنا، وبين أن يقول: لا تحضر عندي، إلا أن قوله الأول أبلغ في باب النهي، لأنه جمع في النهي بين إيقاعه على المتكلم من طريق الصريح؛ وعلى المخاطب من طريق الكناية والمعنى واللزوم. والأريكة: السرير، وقيل: لا يكون أريكة حتى يكون من وراء حجلة، وقيل: "هو كل ما اتكيء عليه، وإنما أراد بذكر الأريكة صفة أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا العلم من مظانه". وقوله: "يأتيه الأمر من أمري" ولم يقل: يأتيه أمري لأمرين:- أحدهما: أنه لم يرد كل ما أمرهم به، لأنهم لا يصدر ذلك عنهم أنهم يخالفونه في كل أمره، أو أن كلهم خالفوه، إنما أراد بعض أمره، ولذلك قال: "لا ألفين أحدكم" فجاء بلفظة أحد وإن كان ذلك عاما فيهم كلهم. والأمر الثاني: أن ورود التفصيل بعد الإجمال، والتخصيص بعد التعميم أبلغ في مواقع الخطاب من إفراد اللفظ، ألا ترى أن قوله: "لا يأتيه الأمر" معرفًا بالألف واللام فيه من تفخيم الأمر وتعظيمه، وأنه هو الحقيق أن يسمى أمرًا، والحقيق أن لا يخالف ما ليس في ذكره مضافًا إليه، ولذلك أراد به إياه بعد ذكره بقوله: "من أمري" فإنه لما ذكره معرفا مفخما، ارتقبت النفوس نسبة هذا التعظيم إلى أمر، فلما نسبه إلى نفسه، وقال: "من أمري" حصلت تلك الفخامة والعظمة مقصورة عليه بخلاف ما لو لم يقل ذلك، وهذا سر من ألفاظ النبوة دقيق. ثم لما تحقق ذلك أتبعه بقوله: "ومما أمرت به أو نهيت عنه" فخص بعد أن عم، وفصل بعد أن أجمل، وذلك أن العقاب والثواب إنما هما معروفان بالأفعال والأقوال بعد وقوعها، أما قبل وقوعها مع حديث النفس بها والعزم عليها فلا، فلما قال: "الأمر من أمري" كان هذا قولًا كليًا في امتثال الأمر واجتناب

стр. 2700

خلافه إذا وقع، فاحتاج أن يقول: "مما أمرت به أو نهيت عنه" لبيان تعلق الثواب والعقاب به بعد وقوعه، ويجوز أن يكون الأمر في قوله: "يأتيه الأمر من أمري" عبارة عن الشيء، وحينئذ يكون جمعه على أمور تقول: أمر فلان مستقيم وأموره مستقيمة، أي: أحواله، فأما الأمر الذي هو ضد النهي فجمعه على أوامر. والمتكئ: هو المتمكن من الأرض جالسًا وسواء كان على جنبه أو مقعده والمراد بهذا الحديث: الأمر بلزوم السنة، والنهي عن مخالفة ما سن رسول الله ﷺ وأمر به من الفرائض والنوافل وقرره وثبته من الأحكام وأنها في لزوم قبولها ووجوب العمل بها تتنزل منزلة كتاب الله -تعالى- فإنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. قال الشافعي ﵁: وفي هذا تثبيت الخبر عن رسول ﷺ ، وإعلامهم أنه لازم لهم وإن لم يجدوا له نص محكم في كتاب الله . وهذا الحديث أخرجه في كتاب "اليمين مع الشاهد" (١)، وفي كتاب "الرسالة" (٢) مستدلًا على ما سبق في الحديث قبله. وفي هذا الحديث: بيان أن لا حاجة بالحديث إلى أن يعرض على الكتاب، فإنه مهما ثبت عن رسول الله ﷺ كان حجة بنفسه. كما ذهب إليه الخوارج وغيرهم، فإنهم تعلقوا بظواهر القرآن، وتركوا السنن التي تضمنت بيان القرآن وتخصيص القرآن عامة وإيضاح مشكله. قال الشافعي -رحمة الله عليه-: ليس يخالف الحديث القرآن، ولكن حديث رسول الله ﷺ يبين معنى ما أراد خاصًا، وعامًا، وناسخًا، ومنسوخًا، ثم يلزم الناس ما تبين بفرض الله، فمن قبل عن رسول الله ﷺ فعن الله قبل.

стр. 2701

وقد جاء في رواية المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله ﷺ "هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكيء على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، أو حلالًا استحللناه، وإنما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله". زاد في رواية: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه" ولهذه الزيادة تأويلان:- أحدهما: أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو، مثل ما أعطي من الظاهر المتلو. والثاني: أوتي الكتاب وحيًا وأوتي من البيان مثله، أي: أذن له أن يبين ما في الكتاب فيعم ويخص، ويجمل ويفصل، ويشرح ويشرع ما ليس في القرآن مما أذن الله فيه، ويكون ذلك في وجوب الأخذ به والعمل بموجبه كالقرآن المتلو. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه أن عنده كتابًا من العقول نزل به الوحي، وما فرض رسول الله ﷺ من صدقة وعقول فإنما نزل به الوحي، وقيل: لم يبين رسول الله ﷺ شيئًا قط إلا بوحي الله، فمن الوحي ما يتلى، ومنه ما يكون وحيًا إلى رسوله فيسن به. العقول: جمع عقل وهو الدية، وقد تقدم بيان ذلك مبسوطًا في كتاب الديات وغيرها. والوحي: الرسالة، والإلهام، والكتابة، والكلام الخفي، والإشارة وكل ما ألقيته إلى غيرك، يقال: وحيت إليه الكلام وأوحيت، وأوحى الله إلى رسله ووحى أي: أرسل وأشار إليهم، ولغة القرآن أوحى، وكأن معنى الوحي على اختلاف وروده في أماكنه: الإعلام بالشيء وهما متعديان باللام وإلى، تقول:

стр. 2702

أوحيت إليه وله، ووحيت إليه وله. والصدقة: يريد بها فريضة الزكاة وتفصيلها الذي جاءت به السنة، أي أن الوحي نزل بتفصيل فريضة الزكاة على النبي ﷺ ، فبينه للناس مفصلاً بعد أن جاء في القرآن مجملاً. وسن فلان يسن: إذا ابتدع شيئًا وعمله، والسنة: السيرة، تقول: سننت له سنة فاتبعها. فقد اختلف في قوله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١) فقال قوم: أراد به القرآن، أي: ما يقرأه عليكم من كلام الله، ليس متحرفًا فيه ولا ناطقًا عن هواه ورأيه. وقيل: إنه عام في كل ما يأمر به من أحكام الدين، أي: ليس صادرًا عن هواه ورأيه إنما هو وحي من الله . وقد أخرج الشافعي قال: قال أبو يوسف: حدثنا خالد بن أبي كريمة، عن أبي جعفر، عن رسول الله ﷺ أنه دعى اليهود فسألهم فحدثوا حتى كذبوا على عيسى [﵇] (٢)، وصعد النبي ﷺ على المنبر فخطب الناس فقال: "إن الحديث سيفشو عني فما أتاكم عني يوافق القرآن فهو عني، وما آتاكم عني يخالف القرآن فليس عني". قال الشافعي لمن خاطبه في هذا المعنى فقال: هذا عني كما وصفت أفتجد حجة على من روى أن النبي ﷺ قال: "ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فلم أقله". قال الشافعي: فقلت له: ما روى هذا أحد يثبت في حديثه في شيء صغر ولا كبر، فيقال لنا: قد ثبتم حديث من روى هذا في شيء، وهذه رواية

стр. 2703

منقطعة عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية في شيء، وكأنه أراد بالمجهول: خالد بن أبي كريمة فلم يعرف من حاله ما يثبت له خبره. قال الخطابي: هذا حديث باطل لا أصل له. وحكى عن يحيى بن معين أنه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة، وقد روي هذا من حديث الشاميين عن يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث. وأبو الأشعث لا يروي عن ثوبان، إنما يروي عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة بإسناد أن النبي ﷺ قال: "لا يمسكن الناس علي شيئا، فإني لا أحل لهم إلا ما أحل الله لهم ولا أحرم عليهم إلا ما حرم الله". هذا طرف من حديث طويل، وقد أخرجه الشافعي: عن عبد الوهاب الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن [ابن] (١) أبي مليكة، عن عبيد بن عمير الليثي يتضمن أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يصلي بالناس وذكر هذا في آخره، والحديث مذكور بطوله في كتاب "استقبال القبلة"، إلا أن هذا الطرف قد رواه ها هنا عن ابن عيينة منقطعًا في كتاب "صفة أمر النبي ﷺ " وقال (٢): هذا منقطع، وقد أمر النبي ﷺ باتباع أمره، واجتناب ما نهى عنه، وفرض الله ذلك في كتابه على خلقه ولكن قوله -إن كان قاله- "لا يمسكن الناس علي شيئًا" يدل على أنه إذا كان بموضع القدوة فقد كانت له خواص أبيح له فيها ما لم يبح للناس، وحرم عليه فيها ما لم يحرم على الناس، فقال: "لا يمسكن الناس علي شيئًا من الذي لي أو على دونهم. وأما قوله: "فإني لا أحل لهم إلا ما أحل الله، ولا أحرم عليهم إلا ما حرم الله" فكذلك صنع ﷺ وبذلك أمر، وافترض عليه أن يتبع ما أوحي إليه ويشهد أنه قد اتبعه فيما لم يكن فيه وحي (٣)، فقد فرض الله في الوحي اتباع

стр. 2704

سننه، فمن قبل عنه فإنما قبل بفرض الله، قال الله ﵎: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١). وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ذروني ما تركتكم، فإنه إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، ما أمرتكم من أمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثله. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي. فأما البخاري (٢): فأخرجه عن إسماعيل، عن مالك، عن أبي الزناد. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن ابن أبي عمر، عن سفيان. وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن هناد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. والشافعي أخرجه في كتاب "أحكام القرآن". ذروني: اتركوني ودعوني وهو فعل أمر من فعل متروك الاستعمال وهو: وذر، ومثله: ودع لم يستعمل أيضًا استغنوا عنه بترك، كذا يقوله النحويون ويدل عليه في جواب الأمر: "ما تركتكم" ولم يقل: ما وذرتكم لأنه لا يستعمل، وإن استعمل فشاذ لا يقاس عليه، ومعنى الكلام: اتركوني لا تسألوني عما لا يعنيكم في أمر دينكم مهما أنا تركتكم لا أقول شيئًا، ثم علل

стр. 2705

ذلك بقوله: "إنما هلك من كان قبلكم" يريد من أمر الأنبياء بكثرة سؤالهم إياهم واختلافهم عليهم. وقوله: "فما أمرتكم من أمر فأتوا منه ما استطعتم" أي: ما قدرتم إلا أن تعجزوا عجزًا ظاهرًا يتعذر معه امتثال الأمر، فتدخلون إذًا في جملة المعذورين، وليس قوله: "ما استطعتم" ردًا في قبول الأمر إلى إرادتهم وإيثارهم ولكن لما كان أمره قد يكون فرضًا وندبًا وإباحة قال: "فأتوا منه ما استطعتم" لأن فيه ما ليس بواجب، ولما كان النهي عن الشيء لا يكون إلا محظورا أو مكروها، قال فيه: "فانتهوا" ولأن حظ الإنسان في النوافل وما يجري مجراها إذا قلل منها فإنما يقلل من حظه، لا أنه يجلب إلى نفسه بتركها إثمًا ولا عذابًا، بخلاف المنهي عنه فإنه متى خالفه حمل نفسه من ذلك وزرًا وإثما. وفقنا الله -تعالى- لما يرضيه من أوامره واجتناب زواجره. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها [كما سمعها] (١)، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم". هذا حديث مشهور أخرجه الترمذي (٢) مختصرًا، عن محمود بن غيلان عن أبي داود، عن شعبة، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "نضر الله امرءًا سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع" لم يزد على هذا.

стр. 2706

نضر: يروى بتشديد الضاد وتخفيفها، والتخفيف أفصح، وهي: النضارة النعمة والبهجة، يقال: نضره ونضره. وعيت الشيء أعيه وعيًا: إذا حفظته وفهمته. وأديت الحديث إلى فلان: إذا أوصلت إليه، وتأدى إليه الخبر أي: انتهى، وفي بعض روايات هذا الحديث: "فأداها كما سمعه" وهذا المعنى وإن كان هو المطلوب فإنه مفهوم مع حذفه لأنه قال: "سمع مقالتي فأداها" فأعاد الضمير إلى المقالة، وإذا لم يؤدها كما سمعها لم يكن مؤديًا لها إنما يكون مغيرًا. ومع حذف قوله: "كما سمعها" زيادة معنى ليس موجودًا بوجوده، وذلك أن قوله: "نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها" دعاء لمن جمع الحفظ والوعي والأداء، فكأن الدعاء موقوفًا على الحفظ والأداء وكأنه حث عليهما، فكأن الحفظ والأداء مأمورًا بهما، فأما مع وجود قوله: "كما سمعها" فيكون التقدير: نضر الله من أدى مقالتي كما سمعها، فيكون الدعاء مصروفًا إلى وجود الصفة متى وجد الأداء، لأن الدعاء مصروف إلى الأداء نفسه. وقوله: "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" دليل على كراهية اختصار الحديث لمن ليس بالمتناهي في الفقه، لأنه إذا فعل ذلك فقد قطع طريق الاستنباط على من بعده ممن هو أفقه منه، وكذلك قوله: "فرب حامل فقه غير فقيه" فإن راوي الحديث ليس الفقه من شرطه الحفظ، فأما الفهم والتدبر فعلى الفقيه. وإنما قسم العمل إلى اثنين: لأن حامل الحديث لا يخلو إما أن يكون فقيها أو غير فقيه، والفقيه لا يخلو أن يكون غيره أفقه منه، فانقسم لذلك إليهما. وقوله: "ثلاث لا يغل عليهن" يروى "يغل" بفتح الياء وكسر الغين من الغل: الحقد والضغن، تقول: لا يدخله شيء من الحقد يزيله عن الحق ويروى بضم الياء وكسر الغين من الأغلال: وهو الخيانة في كل شيء، ومنه الغلول في الغنيمة.

стр. 2707

وقوله: "عليهن" في موضع نصب على الحال، أي: لا يغل كائنًا عليهن قلب مسلم، وإنما انتصب على النكرة لتقدمه، والمعنى: أن هذه الخلال المذكورة في الحديث من الإخلاص، والنصيحة، واللزوم يستصلح بها القلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الدغل والفساد. وهذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب "الرسالة" (١) للاحتياط في نقل الحديث وروايته، والمحافظة على ألفاظ النبي ﷺ ، وعلى إثبات خبر الواحد. قال الشافعي: قال لي قائل: أذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد، بنص خبر أو دلالة فيه أو إجماع؟ قلت: أخبرنا ابن عيينة. وذكر هذا الحديث ثم قال: فلما ندب رسول الله ﷺ إلى استماع مقالته وتحفظها وأدائها امرءًا يؤديها، دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا من تقوم الحجة به على من يؤدي إليه. ثم ذكر أحاديث كثيرة قد تقدمت في الكتاب بأسانيدها في أبوابها. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم أن عمر إنما رجع بالناس عن خبر عبد الرحمن بن عوف. قال الشافعي: حين خرج إلى الشام فبلغه وقوع الطاعون بها. هذا طرف من حديث طويل صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣). وأخرج أبو داود (٤) منه طرفًا، وإنما أورد الشافعي منه هذا الطرف في كتاب "الرسالة" مستدلا به على قبول خبر الواحد، وأن عمر لما بلغه وقوع الطاعون بالشام؛ أشاروا عليه بالرجوع إلى المدينة فلم يواففهم على ذلك وقال: أفرارًا من

стр. 2708

قدر الله؟ حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه" يعني: الطاعون، فرجع عمر بالناس إلى المدينة، عملا بخبر عبد الرحمن بن عوف لما أخبره به عن النبي ﷺ . وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس بموسى صاحب بني إسرائيل، فقال ابن عباس: كذب عدو الله، أخبرني أبي بن كعب قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، ثم ذكر حديث موسى والخضر بشيء يدل على أن موسى صاحب الخضر. هذا طرف من حديث صحيح متفق عليه، قد أخرجه البخاري ومسلم والترمذي. فأما البخاري (١): فأخرجه عن علي بن المديني والحميدي وقتيبة وعبد الله بن محمد، عن سفيان. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس. وعن عمرو الناقد وابن راهويه وعبيد الله بن سعيد وابن أبي عمر، عن ابن عيينة. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن [ابن] (٤) أبي عمر، عن سفيان. وهذا الطرف الذي أخرجه الشافعي في كتاب "الرسالة" (٥) مستدلًا به على

стр. 2709

قبول خبر الواحد، قال: فابن عباس مع فقهه وورعه ثَّبت خبر أبي بن كعب وحده عن رسول الله ﷺ حتى يكذب امرءًا من المسلمين، إذ حدثه أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ بما فيه دلالة على أن موسى بني إسرائيل صاحب الخضر. ومعنى قوله صاحب الخضر: أي الذي صاحبه وقص الله حديثهما في سورة الكهف. وقوله: "ليس بموسى صاحب بني إسرائيل" يريد: الذي هو نبي بني إسرائيل المشهور صاحب الشريعة، وأنه من بني إسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل -على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. ***

стр. 2710

الفصل الثالث في الكذب على النبي ﷺ - أخبرنا الشافعي: أخبرنا الدراوردي، عن محمد بن عجلان، عن عبد الوهاب بن بخت، عن عبد الواحد النصري، عن واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ قال: "إن أفرى الفرى من قوّلني ما لم أقل، ومن أرى عينيه في المنام ما لم تريا، ومن ادعى إلى غير أبيه". هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (١): عن علي بن عياش، عن حريز، عن عبد الواحد بن عبد الله النصري، عن واثلة عن النبي ﷺ قال: "من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه، أو يري عينيه ما لم تر، أو يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل". قوله: "أفرى الفرى" أكذب الكذبات فإن الفرية: الكذب، وجمعه الفراء مثل: مرية ومرى، تقول: فرى فلان كذبا: إذا خلقه وافتراه اختلقه والاسم: الفرية. قوله: "قوَّلني ما لم أقل" أي: قال عني ما لم أقله، فجاء به بلفظ أنيق وخطاب رشيق أي: جعله لحكايته عنه ما لم يقله، كأنه قد حمله على قوله وأن ذلك وإن كنت لم أقله ولم يجر على لساني، فإنه إذا حكاه عني فقد جعلني قائلًا له حيث نسبه إلي، ولكن كأن ذلك منه على جهة الحمل على القول لا أنه صادر عني. وهذا من محاسن الألفاظ ولطائف الخطاب، وأبلغ في المعنى من قوله: قال عني، أو حكى عني، أو أخبر عني وغير ذلك من الألفاظ الدالة على المعنى.

стр. 2711

وقوله: "أو ترى عينيه ما لم تريا" يريد: الكذب في رؤيا النوم، وسمى ذلك رؤيا عين: لأن الرؤيا وإن كانت رؤياه بنفسه لا بجارحة عينه، فإنه إنما يرى في النوم ما يراه متخيلًا بجارحة العين؛ ويسمع بجارحه الأذن وغير ذلك من الجوارح، لأنها هي الطرق المألوفة في اليقظة في إيصال المحسوسات إلى النفس، وحيث كانت كذلك قال: "أو ترى عينيه ما لم تريا"، وإلا فعلى الحقيقه أن العين لا ترى في النوم شيئًا وإنما النفس هي الباصرة السامعة فيه. قوله: "ومن ادعى إلى غير أبيه" هو من يرغب عن أبيه ويلتحق بغيره، إما تركا للأدنى ورغبه في الأعلى أو خوفًا من الإقرار بنسبه، أو تقربًا إلى غيره بالانتماء إليه، وغير ذلك من الأغراض الداعية للإنسان إلى ارتكاب ذلك إنما صح جمع بين هذه الثلاثة في حديث واحد لمناسبة بينها وأنها من أعظم أبواب الكذب، وذلك أن الكذب على النبي ﷺ لا شبهه في عظمه وإكباره؛ وذلك أنه كذب في أصل من أصول الدين، وهدم لقاعدة عظيمة من قواعد الشرع، والكذب عليه كذب على الله لأنه ما نطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. وأما الكذب في النوم: فلأن الرؤيا الصالحة جزء من أربعين جزءًا من النبوة، أو من ستة وأربعين أو غير ذلك على اختلاف الروايات، وقد كان الوحي إلى الأنبياء وإلى نبينا ﷺ وعلى آل كلٍ وسلم، في كثير من الأمر في النوم، والمنام طرف من الوحي يريه الله -تعالى- عباده فإذا كذب فيه فقد كذب في نوع من الوحي، فلذلك كان من أعظم أبواب الكذب. وأما الادعاء إلى غير الأب: فلأمور منها: أنه قد جاء في الحديث: أن مما كانوا يتلونه من القرآن: لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، والذي جاء في القرآن صريحًا في حق الأدعياء قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ في الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (١) وهذا نص في لزوم النسب، وإذا خالف أحدهم نص القرآن

стр. 2712

كاذبا كان ذلك مع اعتقاده كفرا، وهو من أعظم أبواب الكذب، لأنه تكذيب للوحي، وقد لعن النبي ﷺ امرأة أدخلت على قوم ولدًا ليس منهم، ويكفي ذلك تعظيمًا وتغليظًا. في رواية الشافعي: "إن أفرى الفرى" فجعل هذه الثلاثة أعظم أنواع الكذب بما قلنا، وفي رواية البخاري: "من أعظم الفرى" فجعلها بعضها. وجدير بها أن تكون أعظم أبواب الكذب بما قلنا. وفي رواية الشافعي جعل الخبر عن الحدث جثة، وذلك أن المبتدأ هو: "أفرى الفرى" وذلك، والخبر هو: "من قولني" وذلك جثة، وهذا غريب في الكلام، وإنما حسن ذلك في أمثال هذا الخطاب إضافة الجثة إلى الحدث الدال على الخبر، كأنه قال: إن أفرى الفرى عني ما لم أقله، وحيث كان القول لا يصدر إلا عن قائل جاز تقديم ذكره، فقال: "من قولني"، ويجوز أن يكون في الكلام مضاف محذوف تقديره: أفرى الفرى قول من قولني، ومثله قوله -تعالى-: ﴿وَلَكِنَّ البِرَ من اتَّقَى﴾ (١) تقديره: بر من اتقى. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار". متن هذا الحديث صحيح مشهور، وقد أخرجه جماعة من الصحابة منهم: ابن مسعود وابن الزبير وأنس والمغيرة وسلمة بن الأكوع وغيرهم. وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي (٢). التبوأ: اتخاذ المباءة وهو المنزل تقول: تبوأت منزلًا أي: نزلته، وبوأت الرجل منزلا، وبوأت له منزلا أي: هيأته. والمقعد: موضع القعود.

стр. 2713

والمعنى: من كذب عليَّ فلينزل في مكانه من النار. وجاء به بلفظ الأمر جوابا بالشرط ليكون أبلغ في وجوب الفعل والذم له. والكذب على النبي ﷺ من الكبائر الموبقة، والذنوب المهلكة، لأنه مضر بأصل الدين مفسدة في أمر الإيمان" والكاذبون على النبي كثيرون، وقد اختلفت طرق كذبهم، وقد أشرنا إلى بعض ذلك في مقدمة كتابنا "جامع الأصول"، ولعناية الله بدينه وحفظ شريعته قيض لهؤلاء الكاذبين أولئك الأئمة الأعلام، الذين بحثوا عن أحوال الرواة، ونقبوا عن أمورهم، وتطلبوا مخرج الأحاديث ومصدرها وموردها، وكشفوها كشفًا جليا حتى أظهروا ما فيها من العوار، وأسقطوا ما تقوله الكذبة الأشرار، حيث لم يثبت على محل الاعتبار، ولا اطرد في قضية الأخبار. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، عن أبي بكر عن سالم، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن الذي يكذب علي يبنى له بيت في النار". هذا حديث حسن (١) مؤكد لما سبق من الأحاديث. وقوله: "يبنى له بيت في النار" من أعظم ألفاظ الوعيد لأنه إيذان بأن مقره ومسكنه قد أعد له وهيئ وبني، فإن ذلك عند الله بمكان من الإعظام، ومحل من الإكبار، حتى يبنى لفاعله بيت في النار. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عمرو بن أبي سلمة التنيسي، عن عبد العزيز بن محمد، عن أسيد بن أبي أسيد، عن، أمه قالت: قلت لأبي قتادة: ما لك لا تحدث عن رسول الله ﷺ كما يحدث عنه الناس؟ قالت: فقال أبو قتادة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كذب علي فليلتمس بجنبه مضجعا من

стр. 2714

النار" فجعل رسول الله ﷺ يقول ذلك ويمسح الأرض بيده. هذا حديث حسن. قوله: "فليلتمس" من ألطف الألفاظ وأرشقها، لأن ملتمس الشيء هو متطلبه والساعي في تحصيله رغبة وإيثارا. وقوله: "بجنبه" إيذان بموضع النوم من جسمه، وأن النائم بالمكان مستوطن ليس كالقائم والمستوفز. والمضجع: مفعل من الضجعة، والمضجع مفتعل منه، وكلاهما عبارة عن الموضع. وقوله: "يمسح الأرض بيديه" يريد به: الإشارة إلى المضجع الذي قال: "فليلتمس له مضجعا" وذلك أن من أراد أن يتخذ موضعًا ينام فيه فإنه يسويه بيديه ويصلحه ليتمكن من النوم عليه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني ولا تكذبوا عليّ". هذا حديث حسن، قد أخرج أبو داود (١) منه ذكر بني إسرائيل وحده عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، عن محمد بن عمرو. وقد جاء المعنيان معا عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه البخاري (٢) والترمذي (٣). وعن أبي سعيد الخدري أخرجه مسلم (٤). الحرج: الإثم والضيق.

стр. 2715

ولم يرد بقوله: حدثوا عنهم ولا حرج عليكم، إجازه أن يحدث عنهم بما لم يفهم ولم يصح أو سمع عنهم، وإنما أراد الإذن في حكاية ما سمع عنهم مما تناقلته الرواة وحكاه الناس ودار بين العلماء والمؤرخين، لا اختلاق الكذب عليهم واختراع أشياء لم تسمع عنهم، فإن ذلك إذن في صريح الكذب، والأول إن كان صحيحًا فقد حدث الراوي بما سمع، وإن كان كذبًا فالعهدة فيه على من اختلقه أو وضعه لا على من رواه وحدث به، ولأن بني إسرائيل كان فيهم من الأحوال العجيبة والآثار الغريية، التي قلما كانت في غيرهم من الأمم الخالية والقرون الماضية وما لقي منهم أنبياؤهم وعلماؤهم، وما كان فيهم من الجرأة والإقدام على سؤال أنبيائهم والطلب منهم، ويكفي ما كان منهم في زمن موسى ﵊ من المعجزات والكرامات وإجابة الملتمسات، وكل ما يحكيه المحدث عنهم من الأمور الغريية، فإنها بمكانة من جواز وقوع مثلها منهم، ولأن زمان بني إسرائيل بعيد، والرواية عنهم بأخبرنا وحدثنا فلان عن فلان متعذرة، فقال: حدثوا عنهم بما سمعتموه على سبيل البلاغ لا سبيل الإسناد، بخلاف الحديث عن النبي ﷺ ، ويدل على ذلك قوله عن نفسه: "ولا تكذبوا علي" ومعلوم أن الكذب على بني إسرائيل غير جائز بحال، وإنما أراد بقوله: "ولا تكذبوا علي" إعلامًا أن الكذب حرام ولا سيما على النبي ﷺ ، وأن الحديث عني إنما أذنت فيما كان منه صدقًا وصحيحًا لا فيما كان منه كذبًا وباطلاً، فما أحسن تفهيمه، وألطف توفيقه، وأشرف مواقع خطابه ﷺ . وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عمي محمد بن علي بن شافع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه قال: إني لأسمع حديثًا أستحسنه، فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أنه يسمعه سامع فيقتدي به أسمعه من الرجل لا أثق به، وقد حدثه عمن أثق به، وأسمعه من الرجل أثق به قد حدثه عمن لا أثق به.

стр. 2716

هذا الحديث مسوق لبيان الاحتياط في روايه الحديث، والتثبت في نقله، وأخذه وإبلاغه، واعتبار من يؤخذ عنه، والكشف عن حال رجاله واحدا بعد واحد، حتى لا يكون فيهم مجروح، ولا منكر الحديث، ولا مغفل، ولا كذاب، ولا من يتطرق إليه طعن في قول أو عمل بوجه من الوجوه بحيث يجتمع برواة ذلك الحديث شرائط الصحة وقد بسطنا القول في ذلك في مقدمة هذا الكتاب. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد قال: سألت ابنًا لعبد الله بن عمر عن مسألة فلم يقل فيها شيئًا، فقيل له: إنا لنعظم أن يكون مثلك ابن إمامي هدى تسأل عن أمر ليس عندك فيه علم، فقال: أعظم من ذلك والله عند الله، وعند من عرف الله، وعند من عقل عن الله، أن أقول ما ليس لي به علم، أو أخبر عن غير ثقة. هذا الحديث من أحسن ما يروى في آداب العالم، وأنه يتعين عليه أن لا يفتي عن غير علم، ولا يقول ما لا يعرفه، فإن له أجرا وأكثر ثوابا. ولقد صدق فيما قال: أن أقول ما ليس لي به علم، أعظم عند الله من أن اسأل عما لا علم لي به، فأسكت ولا أقول فيه شيئًا، وقد قال عبد الله بن مسعود: إن أعلم لأحدكم أن يقول فيما ليس به علم: الله ورسوله أعلم. وروي عن عبد الله بن عباس أنه سئل عما لا يعلم، فقال: لا أعلم. وهذا أدب مستعمل، وطريق مسلوك محمود بين العلماء، لا يعابون عليه بل يحمدون، ولا يذمون به بل يمدحون. والله أعلم.

стр. 2717

أحاديث متفرقة أخرج الشافعي: عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة قال: ذكر ابن عباس أن ابن عمر تلا هذا الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾ (١) فبكى ثم قال: والله لئن أخذنا الله بها لنهلكن، فقال ابن عباس: يرحم الله أبا عبد الرحمن قد وجد المسلمون فيها حين نزلت ما وجد، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت: ﴿لَا يُكَلِّفًالله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) الآية. من القول والعمل، وكان حديث النفس مما لا يملكه أحد ولا يقدر عليه أحد. وأخرج الشافعي: عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء". وأخرج الشافعي: عن الدراوردي، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد نبييًا". وأخرج الشافعي: عن سفيان، عن عبدة بن أبي لبابة، وعاصم، عن زر قال: سألت أبي بن كعب عن المعوذتين فقلت: إن أخاك ابن مسعود يحكهما من المصحف قال: إني سألت رسول الله ﷺ فقال: "قيل لي: قل فقلت"، فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ . وأخرج الشافعي فيما ألزم به العراقيين من خلاف عبد الله بن مسعود أو رواه عن وكيع، عن سفيان، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: رأيت عبد الله يحك المعوذتين من المصحف ويقول: لا تخلطوا به ما ليس منه.

стр. 2718

قال: وهم يروون عن النبي ﷺ أنه قرأ بهما في صلاة الصبح، وهما مكتوبتان في المصحف. وأخرج الشافعي: عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت". قال الشافعي فيما بلغه عن حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان عبد الله يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث. وأخرج الشافعي في سنن حرملة: عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد، إلا المسجد الحرام". وأخرج الشافعي: عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنها كست عبد الله بن الزبير مطرف خز كانت تلبسه. قال الربيع: قلت للشافعي: ما تقول في لبس الخز؟ فقال: لا بأس به، إلا أن يدعه رجل ليأخذ أفضل منه، فأما لأن لبس الخز حرام فلا. وأخرج الشافعي: عن مالك، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن عمر بن الحكم قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن جارية لي كانت ترعى غنمًا لي، فجئتها وفقدت شاة من الغنم، فسألتها عنها فقالت: أكلها الذئب، فأسفت عليها وكنت من بني آدم، فلطمت وجهها وعليَّ رقبة أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "أين الله"؟ فقالت: في السماء، قال: "فمن أنا"؟ فقالت: أنت رسول الله، فقال: "أعتقها"، فقال عمر بن الحكم: يا رسول الله، أشياء كنا نصنعها في الجاهلية: كنا نأتي الكهان؟ فقال النبي ﷺ : "لا تأتوا الكهان"، فقال عمر: وكنا نتطير؟ فقال: "إنما ذلك

стр. 2719

شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم". قال الشافعي: واسم الرجل: معاوية بن الحكم. كذا رواه الزهري ويحيى بن أبي كثير. وأخرج الشافعي في القديم: عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله ﷺ [بجارية] (١) له سوداء فقال: يا رسول الله، إن علي رقبة مؤمنة أفأعتق هذه؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "أتشهدين أن لا إله إلا الله"؟ قالت: نعم، قال: "أتشهدين أن محمدًا رسول الله؟ قالت: نعم [قال] (١) "أتوقنين بالبعث بعد الموت"؟ قالت: نعم، فقال رسول الله ﷺ : "أعتقه". وأخرج الشافعي: عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه أحدث الأخبار، تقرؤنه محضًا لم يشب؟! ألم يخبركم الله في كتابه أنهم حرفوا كتاب الله وبدلوا؟ وكتبوا كتابًا بأيديهم فقالوا: "هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلاً، ألا ينهاكم العلم الذي جاءكم عن مسألتهم والله ما رأينا رجلاً منهم قط سألكم عما أنزل الله إليكم. وأخرج الشافعي في كتاب حرملة: عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سلمة، عن رجل من ولد أم سلمة قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله: لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله : ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾. وأخرج أيضًا في كتاب حرملة: عن سفيان، عن قعنب التميمي -وكان ثقة خيارًا- عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "حرمة نساء المسلمين على القاعدين في الحرمة كأمهاتهم، وما

стр. 2720

من رجل من القاعدين يخلف رجلاً من المجاهدين في أهله، إلا نصب له يوم القيامة فيقال له: يا فلان هذا فلان [بن فلان خانك] (١) فخذ من حسناته ما شئت"، ثم التفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: "ما ظنكم". وأخرج الشافعي في كتاب حرملة: عن سفيان قال: حدثنا ابن جدعان، عن أنس بن مالك قال: أهدى أكيدر دومة للنبي ﷺ جبة، فتعجب الناس من حسنها، فقال النبي ﷺ : "بل في الجنة خير منها". وأخرج الشافعي: عن سفيان، عن عبد الوهاب، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي". وأخرج أيضًا: عن عبد الوهاب، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ بالبقيع، فنادى رجل: يا أبا القاسم! فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، فقال: إني لم أعنك، فقال رسول الله ﷺ : "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي". وأخرج أيضًا في سنن حرملة: عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "لم يتوكل من استرقى واكتوى". هذا آخر ما يسره الله، ووفق له، وهدى إليه وقدره من شرح مسند الإمام الشافعي -رحمة الله عليه- حسب ما أدى الإمكان، ووصل إليه الفهم والعرفان، مما استفدناه من أقوال العلماء فأبديناه، وادخرناه من فوائدهم فأنفقناه؛ ووقفنا عليه من متفرق معانيهم فجمعناه وتلقفناه من آرائهم ومذاهبهم المختلفة فأوردناه، وعرفناه من مقاصدهم الغامضة فأوضحناه، وتحققناه من

стр. 2721

أقوالهم المشكلة وشرحناه، فجاء بعون الله -تعالى- كما تراه مهذبًا ومحررًا، كما وقفت عليه قويًا. وأنا أرغب إلى الله -سبحانه- أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، مجازيًا عليه بفضله في دار النعيم. وإلى من وقف منه على سهو أن يصلحه؛ أو رأى فيه مبهمًا أن يوضحه، فالمعصوم معدوم، والمهذب قليل. وفقنا الله وإياكم معشر الإخوان لما يرضيه، وجمعنا وإياكم في الدار الآخرة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على خير خلقه محمد وآله الطاهرين أجمعين، وسلم دائمًا كثيرًا. نجز الكتاب بحمد الله وحسن توفيقه في عشية السبت الثامن عشر من ربيع الآخر [] (١). ...