عطاء وإسماعيل بن أبي خالد، عن سلمة بن كهيل، عن عطاء، عن جابر.
وقال فيه: بسبعمائة أو تسعمائة.
وأما الترمذي (١): فأخرجه عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن عمرو.
وأما النسائي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث.
ح وعن زياد بن أيوب، عن إسماعيل، عن أيوب كليهما عن أبي الزبير.
قبطي: منسوب إلى القبط، وهم هذا الجيل المعروف من الناس، وأكثرهم الآن سكان ديار مصر ويدينون اليوم دين النصارى.
وقوله: "عن دبر منه" يريد: علق عتقه بموته، أي: أنه يعتق بعد ما يدبر سيده أن يولي ويموت، والعبد مدبر.
والتدبير على ضربين: مطلق، ومقيد.
فالمطلق: أن يقول: أنت حر بعد موتي ونحو ذلك من الألفاظ.
والمقيد: أن يقول: إن من من مرضي هذا فأنت حر، أو قال: في سنتي هذه، أو سفري هذا وأشباه ذلك.
وقوله: "فليبدأ مع نفسه بمن يعول" في هذا الكلام لطافة وحسن إيراد، وذلك قال أولاً: "فليبدأ بنفسه ثم إن فضل شيء" وكان القياس أن يقول: فإن فضل شيء فليعطه من يعول فعدل عن هذا اللفظ إلى قوله: "فليبدأ مع نفسه بمن يعول" فجعل الابتداء له ولمن يعول معا، وإنما الابتداء لنفسه لا لعياله، ولكن لما كانت نفقة من يعوله واجبة عليه ممتزجة بنفقته ومؤنته، جعل الابتداء لنفسه ولمن يعول مشتركين فيه، فكأنه قال: "فليبدأ بنفسه وبمن يعول" فجعل ما يتعلق بمن يعول ابتداء المعنى، ولولا قوله: "مع نفسه" لجاز أن يكون أراد بالابتداء حق من
стр. 2662
يعول ابتداء على من بعده، ولكن قوله: "مع نفسه" يمنع من ذلك، فإن لفظة "مع" تنفي أن يكون الابتداء بنفسه وبمن يعول معًا في حالة واحدة، وذلك لامتزاج النفقتين واتحاد المؤنتين.
وقوله: "لم يكن له مال غيره" بغير واو قيل: إنه لم يفيد أنه في موضع الصفة للغلام، كأنه قال: أعتق غلامًا منفردًا بالمالية التي له، وفي بعض الروايات بإثبات الواو وهي عاطفة على ما قبلها.
وأما اللفظة -التي ذكرها الشافعي أنه وجدها في كتابه، وهي لفظة "مات" فإن الحفاظ لم يثبتوها ولم يعرفوها في هذا الحديث، لا من طريق سفيان ولا من غيره، وقد أنكرها الشافعي واستقصى القول فيها، ويشبه أن يكون هذا الوهم إنما وقع لبعض من رواه الآن لأن في بعض الروايات: أن رجلاً أعتق مملوكه إن حدث به حدث فمات، قوله: "فمات" من شرط العتق وهو من قول المعتق يوم التدبير، وليس بإخبار عن موت المعتق.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن تدبير العبد لا يمنع من التصرف فيه، ويجوز فسخ التدبير وبيع العبد متى شاء. وروي مثل ذلك عن عائشة وعمر بن عبد العزيز وطاوس ومجاهد، وعن أحمد روايتان. أحدهما: يجوز بيعه على الإطلاق.
والثانية: يباع لأجل الدين.
وقال أبو حنيفة: إن كان التدبير مقيدًا جاز بيعه، وإن كان مطلقًا لم يجز التصرف فيه.
وقال مالك: لا يجوز بيعه، مطلقا كان التدبير أو مقيدا.
قال الشافعي: ويجوز الرجوع في التدبير بالقول، مثل أن يقول: فسخت
стр. 2663
التدبير أو أبطلته ونحو ذلك، وبالفعل كالبيع والهبة.
وقال في أكثر كتبه الجديدة: ولا يزول التدبير إلا بالفعل كالبيع والهبة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن، عن أمه عمرة أن عائشة دبرت جارية لها، فسحرتها، فاعترفت بالسحر، فأمرت بها عائشة أن تباع من الأعراب ممن يسيء مِلكها فبيعت. هذا الحديث قد أخرجه مالك في الموطأ (١) بهذا الإسناد أن عائشة -زوج النبي ﷺ كانت أعتقت جارية لها عن دبر منها، ثم إن عائشة اشتكت بعد ذلك ما شاء الله أن تشتكي، ثم دخل عليها رجل سندي فقال لها: أنت مطبوبة، فقالت عائشة: ومن طبني؟ قال: امرأة من نعتها كذا وكذا فوصفها، وقال: إن في حجرها الآن صبيًا قد بال، فقالت عائشة: ادعو لي فلانة - لجارية لها كانت تخدمها- فوجدوها في بيت جيران لهم في حجرها صبي قد بال، فقالت: حتى أغسل هذا الصبي، فغسلته ثم جاءت فقالت لها عائشة: أحببت العتق فوالله لا تعتقين أبدًا، ثم أمرت عائشة ابن أخيها أن يبيعها من الأعراب ممن يسيء ملكتها، قالت: ثم ابتع لي بثمنها رقبة فأعتقها ففعل.
وهذا المعنى رواه الشافعي في القديم عن مالك.
الأعراب: ساكنوا البادية ممن لا يأوي إلى المدر والقرى، وهو جمع لا واحد له من لفظه.
وسوء الملكة: خلاف حسنها وهو أن يستعمل العبد فيما يشق عليه، ويكلف ما ليس في وسعه من الخدمة، وأن يجاع ويعرى ويضرب ونحو ذلك من أنواع الأذى.
والسندي: منسوب إلى السند وهم ناس معروفون من جنس الهنود أو قريب
стр. 2664
منهم، وبلادهم جميعًا متصلة من جهة المشرق.
والمطبوب: المسحور.
وقوله: "والله لا تعتقين أبدا" يعني: أنها تنقض تدبيرها وتبيعها فلا تعتق بسبب التدبير.
وقد أخرج الشافعي قال: أخبرنا الثقة، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: باع النبي ﷺ مدبرًا احتاج صاحبه إلى ثمنه.
وأخرج الشافعي قال: أخبرنا علي بن ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: المدبر من الثلث.
قال الشافعي: قال لي علي بن ظبيان: كنت أخذته مرفوعًا، فقال لي أصحابي: ليس بمرفوع وهو موقوف على ابن عمر فوقفته، والحفاظ الذين حدثوه يقفونه على ابن عمر، وقد رواه عثمان بن أبي شيبة في آخرين عن علي ابن ظبيان مرفوعًا، والصحيح موقوف كما رواه الشافعي وروى أيضًا عن علي وابن مسعود مرسلًا موقوفًا.
وأخرج الشافعي قال: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه دبر جاريتين له، فكان يطأهما وهما مدبرتان.
***
стр. 2665
كتاب المكاتب
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن أن بريرة جاءت لتستعين عائشة، فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أصب لهم ثمنك صبة واحدة وأعتقك فعلت، فذكرت ذلك بريرة لأهلها فقالوا: إلا أن يكون ولاؤها لنا، قال مالك: قال يحيى: فزعمت عمرة أن عائشة ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا يمنعك ذلك، فاشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق".
هذا الحديث صحيح متفق عليه، وقد تقدم له طرق في كتاب "البيع"، وفي كتاب "العتق"، وله روايات كثيرة إلا أن مالكا أرسله في أكثر الروايات وأسنده عنه مطرف بن عبد الله، وأسنده الشافعي عنه في كتاب "اختلاف الحديث"، وفي كتاب "البحيرة والسائبة"، وأرسله المزني عنه وغيره وهو المحفوظ من حديث مالك، وقد رواه غير مالك موصولاً منهم: سفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وجعفر بن عون وعبد الوهاب الثقفي كلهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة، عن عائشة (١).
وأخرجه المزني: عن الشافعي، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: أردت أن أشتري بريرة فأعتقها، فاشترط علي مواليها أن أعتقها ويكون الولاء لهم، قالت عائشة: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "اشتريها فأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق"، ثم خطب الناس فقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ فمن اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مائة شرط".
قال الشافعي: حديث يحيى، عن عمرة، عن عائشة أثبت من حديث هشام وأحسبه غلط في قوله: واشترطي لهم الولاء، بغير أمر رسول الله ﷺ . وهي
стр. 2666
ترى ذلك يجوز، فأعلمها النبي ﷺ أنها إن أعتقتها فالولاء لها، وقال: لا يمنعك عنها ما تقدم من شرطك، ولا أرى أمرها يشترط لهم ما لا يجوز.
وقال الشافعي: وأحسب حديث نافع، عن ابن عمر، عن عائشة أثبتها كلها لأنه مسند وأنه أشبه.
وقد حكى حرملة قال: سمعت الشافعي يقول في حديث النبي ﷺ "اشترطي لهم الولاء" معناه: اشترطي عليهم الولاء، قال الله : ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ (١) يعني: عليهم اللعنة. وما يتعلق بهذا الحديث من شرح لفظ بيان معنى وذكر مذاهب الفقهاء قد تقدم ذكره مبسوطًا في كتاب "البيع" فلم نعده.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن [ابن] (٢) أبي نجيح، عن مجاهد أن زيد بن ثابت قال في المكاتب: هو عبد ما بقي عليه درهم.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن العبد لا يعتق حتى يؤدي جميع الكتابة.
وروي ذلك عن: عمر وابن عمر وزيد وعائشة وأم سلمة، وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والحسن والزهري ومالك وأبو حنيفة وأصحابه.
وحكي عن ابن مسعود: أنه إذا أدى نصف ما عليه عتق كله وكان زعيمًا بالباقي بعد عتقه. وروي مثله عن علي -كرم الله وجهه-، وروي عنه أيضًا: أنه يعتق بقدر ما يؤدي.
وقال شريح: إذا أدى ثلث ما عليه عتق وأدى الباقي بعد ذلك.
وقد أخرج الشافعي: عن حماد الخياط، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله إذا أدى المكاتب قيمته فهو حر.
стр. 2667
أورده فيما ألزم العراقيين في خلاف عبد الله بن مسعود (١).
وأخرج الشافعي: فيما بلغه عن ابن مهدي، عن الثوري، عن طاوس، عن الشعبي أن عليا -كرم الله وجهه- قال في المكاتب: يعتق منه بحساب.
وفيما بلغه عن حجاج، عن يونس، عن ابن أبي إسحاق، عن أبيه، عن الحارث، عن علي: يعتق من المكاتب بقدر ما أدى، ويرث بقدر ما أدى.
قال الشافعي: وقال ابن عمر وزيد بن ثابت: هو عبد ما بقي عليه شيء.
وروي ذلك عن عمرو بن شعيب، فبذلك نقول ويقولون معنى وهم يخالفون هذا الذي رووه عن علي.
وقد أخرج الشافعي في القديم (٢): عن سفيان قال: سمعت الزهري -وثبتني معمر- يذكر عن نبهان -مولى أم سلمة زوج النبي ﷺ أنه كان معها وأنها سألته: كم بقي عليك من كتابتك؟ فذكر شيئًا قد سماه وأنه عنده، فأمرته أن يعطيه أخاها وابن أخيها، وألقت الحجاب واستترت منه وقالت: عليك السلام، وذكرت عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه" ورواه المزني: عن الشافعي: عن سفيان بالإسناد نحوه وقال: قال سفيان: فسمعته عن الزهري أو ثبتنيه معمر.
قال الشافعي في القديم: ولم أحفظ عن سفيان أن الزهري سمعه من نبهان، ولم أر من رضيت من أهل العلم يثبت واحدًا من هذين الحديثين والله أعلم.
أراد هذا الحديث، وحديث عمرو بن شعيب في المكاتب.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الله بن الحارث، عن ابن جريج، عن إسماعيل ابن أمية أن نافعًا أخبره أن عبد الله بن عمر كاتب غلامًا له على ثلاثين ألفًا ثم
стр. 2668
جاءه فقال: "إني قد عجزت، قال: إذًا امحُ كتابتك، فقال: فقد عجزت فامحها أنت، قال نافع: فأشرت إليه امحها، وهو يطمع أنا يعتقه فمحاها العبد وله ابنان أو ابن، قال ابن عمر: اعتزل جاريتي، قال: فأعتق ابن عمر ابنه بعد.
قوله: "قد عجزت" يريد: عجز عن تحصيل مال الكتابة الذي كاتبه عليه.
والمحو: الطمس، يريد هو الكتاب الذي كتبه له بالمكاتبة، تقول: محوته أمحوه وأمحيه محيا.
والذي ذهب إليه الشافعي: أنه إذا كاتب عبده على نجوم لم يكن له أن يطالبه قبل حلول النجم، فإن طالبه فعجز عن أدائه كان السيد مخيرًا بين فسخ الكتابة؛ وبين الصبر عليه، وإن كان العبد قادرًا على الأداء فهو بالخيار إن شاء أدى وعتق، وإن شاء عجز نفسه وامتنع من الأداء.
وقوله: "اعتزل جاريتي" قد كان مزوجا بجارية لعبد الله وله منها ولد.
وقوله: "فأعتق ابن عمر ابنه بعد" يريد أن أولاده عبيده فاحتاجوا أن يستأنف لهم العتق.
وأخرج الشافعي: أخبرنا الثقة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه كاتب عبدًا له بخمسة وثلاثين ألفًا ووضع عنه خمسة آلاف -أحسبه قال-: من آخر نجومه.
قال الشافعي: وهذا -والله أعلم- عندي مثل قول الله : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١).
وقد روي في الموضع عن المكاتب عن ابن عمر وابن عباس، وروى أبو عبد الرحمن السلمي، عن علي في قوله : ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٢) قال: ربع الكتابة.
هذا هو المحفوظ موقوف، وقد روي مرفوعًا إلى النبي ﷺ والله أعلم.
стр. 2669
باب عتق أمهات الأولاد
لم يرد فيه في المسند حديث.
وقد أخرج الشافعي فيما بلغه عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عبيدة قال: قال علي: استشارني عمر في بيع أمهات الأولاد؟ فرأيت أنا وهو أنها عتيقة، فقضى به عمر حياته وعثمان بعده، فلما وليت رأيت أنها رقيقة.
وقد روي عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي قال: اجتمع رأيي ورأي عمر على عتق أمهات الأولاد، ثم رأيت بعد أن أرقهن في كذا وكذا، فقلت له: رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلى من رأيك وحدك في الفتنة.
وكذلك رواه الشعبي، عن عبيدة إلا أنه قال: من رأيك وحدك في الفرقة.
قال الشافعي: إذا وطئ الرجل أمته بالملك فولدت له فهي مملوكة بحالها لا ترث ولا تورث، إلا أنه لا يجوز لسيدها بيعها ولا إخراجها من ملكه بشيء غير العتق، وأنها حرة إذا مات من رأس المال.
وقد أخرج المزني: عن الشافعي، عن عبد المجيد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد، والنبي ﷺ حي بيننا لا يرى بذلك بأسا.
فيحتمل: أن يكون النبي ﷺ لم يشعر بذلك.
ويحتمل: أن ذلك كان قبل النهي، أو قبل ما استدل به عمر وغيره من أمر النبي ﷺ على عتقهن، ومن فعله منهم لم يبلغه ذلك.
стр. 2670
كتاب فضائل قريش
أخبرنا الشافعي: حدثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: "قدموا قريشًا ولا تقدموها، وتعلموا منها ولا تعالموها أو تعلموها".
هذا الحديث وما أشبهه من الأحاديث التي أملاها الشافعي -رحمة الله عليه- في الجديد، في فضائل قريش والأنصار وغيرهم، وقصده من ذلك ترجيح معرفتهم بالسنن على معرفة غيرهم.
قوله: "قدموا قريشا" يستدل بهذا الحديث من لا يرى الإمامة إلا في قريش، وهو صريح في ذلك أو قريب من الصريح.
وقوله: "ولا تقدموها" فحذف التاء الواحدة وهي تاء التفعل لا تاء المضارعة.
وقوله: "ولا تعالموها" مفاعلة من العلم، أي: لا تغالبوها بالعلم ولا تكاثروها فيه. وفي الرواية الأخرى: "ولا تعلموها" لأن التعليم إنما يكون من الأعلى بالأدنى، ومن الأعلم لمن ليس بأعلم، فنهاهم أن يجعلوا قريشًا في مقام التعليم أو في مقام المغالبة بالعلم، وهذا القول وإن كان عامًا في الأمر بتقديمهم والتعلم منهم؛ وفي النهي عن المتقدم عليهم والتعليم لهم، فإنه خاص في الإمامة وصرفه إليها أخص وأولى بالإجماع، لأنه لا يجوز أن يلي الإمامة إلا قرشي؛ وإذا كان هذا المنصب خاصًا دون الناس، فما الظن بغيره من المناصب والمراتب؟.
وقريش: هو النضر بن كنانة، وقيل: هو فهر بن مالك بن النضر.
فكل من هو من ولد هذا أو ذا فهو قرشي.
ويريد بقريش في الحديث: القبيلة، وإنما صرف لأنه نظر إلى الاسم أو الحي
стр. 2671
فزال عنه التأنيث فانصرف.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن حكيم بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز وابن شهاب يقولان: قال رسول الله ﷺ : "من أهان قريشا أهانه الله ".
هذا الحديث هكذا أخرجه الشافعي مرسلاً، وقد أخرجه الترمذي (١) مسندًا عن صالح بن الحسين، عن سليمان بن داود الهاشمي، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن محمد بن أبي سفيان، عن يوسف بن الحكم، عن محمد بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : "من يرد هوان قريش أهانه الله".
قال الترمذي: وأخبرنا عبد بن حميد، عن يعقوب بن إيراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب بهذا الإسناد نحو رواية الشافعي.
من أهان قريشا: أي من أحل بها هوانًا جزاه الله عليه مثله، وقابل هوانه بهوان، ولكن هوان الله أشد وأعظم.
ورواية الترمذي: "من يرد هوان قريش أهانه الله" فهذا أعظم لأنه جعل هوان الله لمن أراد هوانها، فهذا وإن كان اللفظ يقتضيه، ويجوز أن يجعل ذلك خاصا لقريش، لكن حكم الله المطرد في عدله أنه لا يعاقب على الإرادات، وما تحدثت به الأنفس، إنما يعاقب ويجازي على الأفعال والأقوال الواقعة، ولكن ذكر ذلك لمعنيين:-
أحدهما: الزجر والوعيد والتغليظ في حق قريش؛ ليكون الانتهاء عن أذاهم أسرع قبولًا واتباعًا.
والثاني: أن هذا جرى على العادة المألوفة في الخطاب والاتساع في اللغة،
стр. 2672
يقول القائل: من يعزم على كرامتي أكرمه، ومن يعزم على إهانتي أهنه، ولا يرد أنه يكرمه أو يهينه بمجرد العزم على إكرامه وإهانته، وإنما يريد أحد أمرين إما أن يجاري اللفظ بلفظ مثله، فيكون التقدير: من يعزم على كرامتي أعزم على كرامته، ومن يعزم على إهانتي أعزم على إهانته، أو على تقدير: من يعزم على كرامتي فإني أكرمه إذا وقع منه ما عزم عليه، ولكن أوسع في الخطاب بهذا القول المعتاد لفهم المعنى والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن أبي فديك، عن [ابن] (١) أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن أنه قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بالذي لها عند الله ".
بطر الرجل -بالكسر- يبطر -بالفتح-: إذا طغى في النعمة وكفرها وجار فيها، يريد: لولا أنها إذا علمت ما لها عند الله من الخير والأجر والثواب والنعيم المعد المدخر لها؛ كانت تبطر وتدع العمل وترتكب ما لا يحل لها، اتكالا على ما لها عند الله من حسن الجزاء لأعلمتها به. وهذا دليل على علو منزلتها وارتفاع قدرها عند الله، وأن المعد لها شيء كثير؛ لا يمكن الإنسان مع معرفته به إلا أن يطغى ويبطر. وفي إضافة البطر إليها نقص ولكنه أمر طبيعي قد ركب في الإنسان وجبلت الفطرة الآدمية فلا يكاد يخلو عنه وإن وجد من يقهر نفسه، ويكف هواه، ويغلب طبعه فإليه المنتهى وقليل ما هم فلا نظن أن ذلك نقص يخصهم فإنه وصف لا يخلو منه بشر. وفقنا الله وإياكم لقهر شيطان الهوى.
وأخبرنا الشافعي: أخبرني ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال لقريش: "أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتم مع الحق، إلا أن تعدلوا عنه فتُلحون عليه
стр. 2673
كما تلحى هذه الجريدة" يشير إلى جريدة في يده.
هذا الأمر يريد به: الأمانة والإمارة، وهو إشارة إلى الأمر الذي جاء به، ثم إنه لما جعلهم أولى الناس به اتبعه بما يتبعهم من العجب والبطر والترفع على الناس، فقال: "ما كنتم مع الحق أي": ما لزمتم الحق ودمتم عليه إلا أن تنصرفوا عنه وتميلوا إلى غيره من الباطل، فتلحون أي تنسرون كما تنسر هذه الجريدة: وهي القطعة من عسيب النخل، والعسيب: من السعفة ما بين الكرب ومنبت الخوص، وما ينبت عليه الخوص فهو السعفة، واللحاء -ممدودا-: القشر الذي يكون على العود، تقول: لحوته ألحوه لحوًا، أو لحيته ألحيه لحيًا.
ووجه التشبيه بهذا المثال: أن الجريدة وغيرها من العيدان إذا أخذ قشرها كان ذلك داعيا إلى يبسها وجفافها، لأنها مهما كان قشرها عليها كان أحفظ لها، وكذلك أنتم معشر قريش تجردون من الفضيلة التي خصصتم بها وكنتم بها أولى من غيركم إذا عدلتم عن الحق، فيكون ذلك أدعى إلى ذهاب جاهكم وفضلكم على الناس فإنكم وإن كنتم ذوي نسب شريف تميزتم به على غيركم؛ فإنما يتم لكم ذلك ويستمر بلزوم الحق؛ والوقوف عند حكم العدل والانصاف واتباع الواجب وترك الهوى والميل معه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة الأنصاري، عن أبيه، عن جده رفاعة أن النبي ﷺ نادى: "أيها الناس، إن قريشًا أهل أمانة من بغاها العواثر أكبه الله لمنخريه" يقولها ثلاث مرات.
بغيت الشيء أبغيه: إذا طلبته، وبغيتك: طلبته لك، كأن الأصل لغيت لك الشيء فحذف اللام وأوصل الفعل، لأن بغيت لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد وعلى هذا جاء قوله: "من بغاها العواثر" أي: بغى لها وطلب لها.
والعواثر: جمع عاثرة أي: خصلة من شأنها العثور وهو السقوط والوقوع
стр. 2674
على الوجه، من عثر يعثر عثورًا.
وقال الأزهري: معناه: من بغى لها المكائد التي تعثر بها، كالعاثور الذي يحدُّ في الأرض فيتعثر به الإنسان إِذا مر به ليلًا وهو لا يشعر به.
قال: ويقال: وقع فلان في عاثور شر وعافور شر، إذا وقع في ورطة لم يحسبها ولا شعر بها.
وقد جاء في المسند: "أكبه الله" وإنما يقال: كبه بغير ألف، فإذا أدخل الألف صار الفعل قاصرًا بعد أن كان متعديًا، تقول: كببته فأكب هو، وهذا البناء من الأبنية الشاذة، أن يقال: أفعلت أنا ففعلت غيري، ومثله قشعب الريح السحاب فأقشع، وليس شيء من بناء أفعل مطاوعًا، وسيبويه يجعل أكب من باب أبغض. والكلام أي: دخل الكب وصار ذا كب، وكذلك اتسع السحاب أي: دخل في القشع، ومطاوع كب وانقشع: انكب وانقشع.
وقوله: "لمنخريه" أي: ألقاه على وجهه ورماه ملتقيًا وجه الأرض بمنخريه، وتخصيص المنخرين: جريًا على قولهم: رغم أنفه وأرغم الله أنفه أي: ألقاه في الرغام وهو التراب. وذلك أن الإنسان إذا سقط على وجهه فأول ما يلقى الأرض أنفه.
واللام في "لمنخريه" لام التخصيص، أي أن الكب لهما خاصة دون سائر أعضائه، والمراد كما قلنا: أنه من طلب لقريش المكائد نقلها الله إِليه وجعلها له، وعكس عليه غرضه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن قتادة بن النعمان [وقع] (١) بقريش فكأنه نال منهم، فقال رسول الله ﷺ : "مهلا يا قتادة، لا تشتم قريشًا فإنك
стр. 2675
لعلك ترى منها رجلاً أو يأتي منهم رجال تحقر عملك مع أعمالهم، وفعلك مع أفعالهم، وتغبطهم إذا رأيتهم، لولا أن تطغى قريش لأخبرتها بالذي لها عند الله -تعالى-".
قوله: وقع بقريش، يفسره قوله: نال منهم.
وقوله: "لا تشتم قريشًا" تقول: وقع فلان في الناس وقيعة أي أعانهم، وكذلك وقع به، ونال فلان من فلان: إذا شتمه واغتابه ونحو ذلك.
وقوله: "مهلًا" أي: تأن واصبر، وهو ساكن الهاء، ويكون للواحد والاثنين والجمع والمؤنث، يعني: أمهل، فإذا قيل لك: مهلاً، قلت: لا مهل، ولا تقل: لا مهلا.
والغبطة: نوع من الحسد إلا أنه لا يكون متضمنا زوال ما يحسد عليه إنما هو تمني مثله من غير زواله عن صاحبه.
وطغى يطغى ويطغو طغيانًا: إذا جاوز الحد، وكذلك طغى يطغى.
وقوله: "منها ومنهم" جمع بين الضميرين، فالأول: رده إلى لفظ الجماعة من قريش وهي مؤنثة، والثاني: رده إلى جماعة الرجال وهم مذكرون.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم [بن] (١) خالد، عن [ابن] (١) أبي ذئب بإسناد لا أحفظه أن رسول الله ﷺ قال لقريش شيئًا من الخير لا أحفظه، وقال: "شرار قريش خيار شرار الناس".
فلان خير الناس وشر الناس، ويقال: أخير ولا أشر إلا في لغة رديئة، وهو لا خيار الناس وشرارهم، وهم أخيار وأشرار.
وفي هذه الفضيلة التي ذكرها لقريش ما لا يخفى، لأنه لما علم أن قريشًا مع كثرتها لا تخلو من الأشرار كما يكون في جميع الناس من الخير والشر، وكانت
стр. 2676
قريش من أشراف القبائل عند الله جعل شرارها أقل شرًا من شرار الناس؛ ولم يقل أقل شرًا، وجاء به بلفظ الخبر فقال: "خيار شرار الناس" وأضاف الخير إليهم في حال وصفهم لقلة الشر وأضاف الشر إلى الناس، وهذا من ألطف أبواب الخطاب وأحسنها.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة. وزاد فيه: "وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم لهم كراهية، وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه".
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد وذكر نحوه.
المعادن: جمع معدن الشيء وهو موضعه الذي يوجد فيه ويكثر فيه وقوعه.
وفقه الرجل يفقه -بالضم فيهما-: إذا صار فقيها، وفقه -بالكسر- يفقه -بالفتح- إذا علم.
وقوله: "خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام" وإن كان الحكم عامًا في حق الناس، فإن فيه إشارة إلى قريش وأنهم خيار الناس في الجاهلية، وهم خيار الناس في الإسلام، وإن الخير خير على كل حال كافرًا كان أو مسلمًا،
стр. 2677
يدل على ذلك أنه قد جاء في بعض طرق البخاري ومسلم لهذا الحديث: "الناس تبع لقريش مسلمهم بمسلمهم وكافرهم لكافرهم"، ثم لما أطلق الحكم في ذلك خصه بقوله: "إذا فقهوا" أي: صاروا فقهاء عالمين، وإن وصف العلم هو الذي يتميز منه الإنسان على غيره، وهو الفضيلة العظمى، والنعمة الكبرى.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الكريم بن محمد الجرجاني قال: حدثني ابن الغسيل، عن رجل سماه، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ خرج في مرضه فخطب، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "ألا إن الأنصار قد قضوا الذي عليهم، وبقى الذي عليكم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم".
قال الجرجاني في حديثه: أن النبي ﷺ قال: "اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار"، وقال في حديثه: أن النبي ﷺ حين خرج بَهَشَ النساء والصبيان من الأنصار، فرق لهم ثم خطب فقال هذه المقالة.
هذا الحديث قد أخرج بعضه البخاري ومسلم والترمذي.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن محمد بن يحيى بن أبي علي الصائغ المروزي عن شاذان -أخي عبدان-، عن أبيه، عن شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس. وذكر الحديث إلى قوله: عن هشيم (٢).
وأما مسلم (٣): فأخرجه في حديث ولم يذكر منه إلا: " [فاقبلوا] (٤) من محسنهم واعفوا عن مسيئم".
стр. 2678
وأما الترمذي (١): فأخرجه مثل مسلم.
وأما قوله في الدعاء: "لأبناء الأنصار" فقد أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
قوله: "قد قضوا الذي عليهم" يريد ما كانوا بايعوه عليه في العقبة من النصرة والحماية والإيواء والإيمان والوفاء بجميع ما اشترط عليهم عند البيعة.
وقوله: "وبقى الذي عليكم" من حسن الجزاء لهم، وإعظام شأنهم، وعرفان إحسانهم، والوفاء لهم على صنيعهم مثله، ثم فسر ذلك بقوله: "اقبلوا من محسنهم" إذا أحسن فعلًا وقولاً، "وتجاوزوا عن مسيئهم" إذا أساء فعلًا وقولاً، وهذه كرامة لهم أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن إساءتهم، وهذا وإن كان عاما في التجاوز عن إساءتهم؛ فما هو إلا على سبيل التكرمة والمبالغة في العفو عنهم، وإلا فالحكم يلزمهم شرعًا؛ وإنما لهم فيما يبدو منهم من إساءة لا تتعلق بحق، ومن الإساءة التي ليس فيها حد مشروع مما يدور في الناس من الأقوال والأفعال الجاري بها عادات المتجاورين المتعاملين. والله أعلم.
وقوله: "بهش" أي: ارتاح وخف إليه إذا رآه.
قال أبو عبيد: يقال: الإنسان إذا نظر إلى الشيء فأعجبه واشتهاه فأسرع إليه وفرح به قد بهش إليه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عمي محمد بن علي بن العباس، عن الحسن بن القاسم الأزرقي قال: وقف رسول الله ﷺ على ثنية تبوك فقال: "ما ها هنا شأم -وأشار بيده إلى جهة الشام- ومن ها هنا يمن -وأشار بيده إلى جهة [المدينة] (٢) ".
الثنية: الطريق في الجبل وقيل: هي الطريق في الجبلين، وقيل: هي العقبة
стр. 2679
في الجبل.
والغرض من هذا الحديث: بيان حد الشام واليمن، وقد جعل المدينة من اليمن بقوله: وأشار بيده إلى جهة المدينة، وقال في جهة الشام: "ما ها هنا"، وقال في جهة اليمن: "من ها هنا" وبينهما فرق وذلك أن قوله: "من ها هنا" يفيد أن ابتداء اليمن من هذه البقعة، وقوله: "ما ها هنا" إشارة إلى أن هذه البقعة من الشام وإن لم يكن متعرضا إلى أنها ابتداء الشام أولاً.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو أن الناس سلكوا واديًا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم".
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (١): عن محمد بن بشار، عن غندر، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، وذكر نحوه.
الهجرة: مفارقة الوطن، والانتقال من أرض إلى أرض للمقام بها وترك الأولى للثانية، وأصله من الهجر ضد الوصل، تقول: هجره هجرًا وهجرانًا والهجرة: الاسم، والهجرة في الإسلام: هجرة الحبشة وهجرة المدينة. والمراد بها في هذا الحديث: هجرة المدينة وهي التي تخص رسول الله ﷺ ، وأنه هاجر كما هاجر المسلمون وكان منهم، فقال: لولا أني هاجرت فصرت من جملة المهاجرين، لكنت واحدًا من الأنصار أي: من جملتهم معدودا فيهم.
وهذا وإن كان مسوقا لبيان فضل الأنصار؛ فإن فيه بيان فضل المهاجرين عليهم.
وقوله: "ولو أن الناس سلكوا واديًا أو شعبا" الشعب كالوادي إلا أنه ما كان منه بين جبلين، وقيل: هو مسيل الماء في بطن من الأرض له حرفان
стр. 2680
مشرفان، وقد يكون بن سندي جبلين.
وقوله: "لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم" إظهارًا لموافقتهم وميله إليهم، ورغبته في الانضمام معهم، ومتابعة لهم دون الناس كلهم، وأنه لما قال: "لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار" ولم يمكنه أن يترك المهاجرين أتبع الكلام بسلوكه مسلك الأنصار وموافقته لهم في ذلك.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو، عن جابر بن عبد الله قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، فقال لنا النبي ﷺ : "أنتم اليوم خير أهل الأرض" قال جابر: لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن قتيبة، عن سفيان.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن سعيد بن عمرو [الأشعثي] (٣) وسويد بن سعيد وإسحاق بن إبراهيم وأحمد بن عبدة، عن ابن عيينة.
ويوم الحديبية: يوم معروف كان في سنة [ست] (٤) من الهجرة، توجه النبي ﷺ وأصحابه إلى مكة معتمرين فصدهم المشركون.
والشجرة المذكورة في هذا الحديث: شجرة سمر كانت هناك بايع النبي ﷺ أصحابه تحتها على أن لا يفروا، وقيل: بايعهم على الموت معه.
وهذا من الأحاديث التي تشهد بفضل الصحابة وخاصة لأهل الحديبية فإنهم أهل بيعة الرضوان بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٥).
стр. 2681
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عبد الله بن أبي لبيد، عن ابن سليمان ابن يسار، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ﵁ قام بالجابية خطيبًا فقال: إن رسول الله ﷺ قام فينا كمقامي فيكم فقال: "أكرموا أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب، حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف، ويشهد ولا يستشهد، ألا فمن سره أن يسكن [بحبوحة] (١) الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن".
هذا حديث صحيح، أخرجه الشافعي مرسلًا عن سليمان بن يسار، عن عمر. وسليمان لم يدرك عمر. وقد أخرجه الترمذي (٢) مسندًا عن أحمد بن منيع، عن النضر بن إسماعيل [عن] (٣) ابن سوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية: وذكر الحديث وقال: بحبوحة الجنة، وفي حديثه: "عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة".
قوله: "ثم يظهر الكذب" ويريد: كثرته وأنه يفشو في الأرض بحيث يظهر لكل أحد من الناس، ثم إنه أكد ذلك بقوله: "حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف، ويشهد ولا يستشهد" وهذا دأب من يكثر القول ويتكلم بما لا يصدق، فيقصد افتراه بالحلف من غير أن يستحلف على صحة قوله، ويشهد بالشيء تبرعًا من غير أن يستشهد، فيقف نفسه في مظان التهم.
وبحبوحة الدار -بضم الباء-: وسطها، ووسط كل شيء خياره.
стр. 2682
والفذ: الواحد المنفرد من كل شيء.
وقوله: "فإن الشيطان مع الفذ" أي: من شأنه أن يصاحب الواحد.
وقوله: "وهو من الاثنين أبعد" لأن الشيطان إذا خلا بالإنسان يمكن من وسوسته وإيقاعه في الفتنة، لأنه لا شاغل له من قبول أباطيله، ولا رادع له عن اتباع أضاليله، فإذا كان معه غيره كان أبعد له عنه ولا يتمكن منه منفردًا.
وقوله: "فليلزم الجماعة" يريد: جماعة المسلمين وأهل التقى والصلاح والتشبه بهم، والاقتداء بأفعالهم. ويحصل ذلك بملازمته إياهم.
ثم علل ذلك بقوله: "فإن الشيطان مع الفذ" ثم لما قرر أن الشيطان مع الاثنين أبعد كان ذلك إعلامًا منه تجنب الشيطان الاثنين مطلقا فأتبعه بقوله: "ولا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما".
والشافعي أخرج هذا الحديث وقال في أثناء كلامه: فلم يكن للزوم الجماعة معنى إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما، فمن قال بما تقول جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، وإنما تكون الغفلة في الفرقة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبًا وأرق أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة [يمانية] (١).
هذا حديث صحيح متفق عليه، ألا أن الشافعي أخرجه من هذا الطريق موقوفًا على أبي هريرة، وقد أخرجه البخاري ومسلم والترمذي مرفوعًا.
فأما البخاري (٢): فأخرجه عن محمد بن [بشار] (٣)، عن ابن المثنى، عن ابن
стр. 2683
أبي عدي، عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
وأما مسلم (١): فأخرجه مثل البخاري.
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن عبد العزيز بن محمد، عن محمد ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
قوله: "ألين قلوبا" وصف لهم بسلامة الفطرة، وخلوص النية، وصحة الباطن، لأن اللين من مدح القلوب كما أن القساوة من ذمها.
وكذلك رقة الأفئدة جمع فؤاد من مدحها كما أن غلظها من ذمها.
والقلوب هي الأفئدة في الحقيقة، وإنما الاستعمال قد خصص كلا منهما بموضع في الذكر، وإن كان لا فرق بينهما في الأصل، وقد استعمل الأطباء الفؤاد في قسم المعدة، وإنما جاز ذلك لأنه مفارق للقلب الذي هو الفؤاد.
وانتصب قلوبا وأفئدة على التمييز والتخصيص، ومن عادة المميز أن يكون واحدًا مفردًا، تقول: هؤلاء أقوى منكم قلبًا وأحسن وجهًا.
وإنما جمع ها هنا كما جاء في قوله تعالى: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ ولم يقل عملاً، لأنه لو قال عملًا لجاز أن يتوهم أن كلهم خسروا في عمل واحد لا في أعمال، فجمع لإزالة هذا اللبس وهذا مطرد فيما كان من جنسه، إلا أن هذا التأويل بالآية أخص، لأنهم يجوز أن يكونوا كلهم مشتركين في قلب واحد.
وقوله: "الإيمان يمان، والحكمة يمانية" يريد: أن مكة من اليمن وأن أصل الإيمان والحكمة منها، يعني: أن النبوة نشأت منها نشأت وبها عرفت.
стр. 2684
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: قال: جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن دوسًا قد عصت وأبت فادع الله عليها، فاستقبل رسول الله ﷺ القبلة ورفع يديه فقال الناس: هلكت دوس، فقال: "اللهم اهد دوسا وائت بهم".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم.
وأما البخاري (١): فأخرجه عن علي، عن سفيان. وعن أبي نعيم، عن الثوري.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد.
قوله: "عصت وأبت" أي: امتنعت من الأحكام والدخول في الطاعة.
وقوله: "هلكت دوس" بلفظ الماضي وإنما يراد به المستقبل، وذلك أن الناس لما رأوا النبي ﷺ قد استقبل القبلة ورفع يديه عقيب قول الطفيل ما قال، ظنوا أنه يدعو عليهم فقالوا: هلكت دوس، أي: تهلك بدعائه عليهم، لكن لما كان اعتقاد المسلمين في دعاء النبي ﷺ ، وأنه متى دعى على أحد أو لأحد استجيب له صار الهلاك المتوقع بدعائه، كأنه قد وقع وكان، فلذلك جاؤا به بلفظ الماضي، ثم لما قال له الطفيل: قد عصت وأبت، قال في الدعاء: "اللهم اهد دوسا وأت بهم"، فدعى لهم بما يخالف العصيان وهو: الهداية والإتيان إليه، والدخول في طاعته.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الدراوردي عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة،
стр. 2685
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا أنزع على بئر أستقي -قال الشافعي: يعني في النوم ورؤيا الأنبياء وحي، قال رسول الله ﷺ : فجاء ابن أبي قحافة فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفيه ضعف والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب فنزع حتى استحال في يده غربا، فضرب الناس بعطن، فلم أر عبقريًا يفري فريه".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن سعيد بن عفير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة.
نزعت الدلو من البئر أنزعها: إذا استقيتها، وأصله من نزعت الشيء عن مكانه، وقد فسره في لفظ الخبر فقال: "بينا أنا أنزع على بئر أستقي" فأبدل أستقي من أنزع لأنه مفسرة لها وهي المرادة ولما أطلق الكلام في هذه الرواية ولم يقل: بينا أن نائم كما جاء في رواية البخاري ومسلم.
قال الشافعي: يعني في النوم. حتى بين أنه كان نائمًا، ثم أتبع ذلك بقوله: ورؤيا الأنبياء وحي، ليتبين أن هذا وإن كان رؤيا نوم فإنها في التحقيق كاليقظة، لأن رؤيا الأنبياء وحي.
والذنوب: الدلو إذا كانت ملأى ماء، ولا يقال لها وهي فارغة: ذنوب، وهي تؤنث وتذكر.
وقوله: "وفيه ضعف" أي: في استقائه، ثم إن النبي ﷺ دعى له واستغفر
стр. 2686
له فقال: "والله يغفر له" يعني -والله أعلم- لما قال: "وفيه ضعف" ربما أوهم هذا اللفظ قصورًا فيه ووضعا من حقه فقال: "والله يغفر له" أي: لا يضره ضعفه عن الاستسقاء.
واستحال الشيء إلى الشيء: أي: انقلب إليه، أي: تغير عما كان عليه.
والغرب: الدلو العظيمة، يريد: أنها كانت ذنوبًا فصارت غربًا، فإن الغرب أعظم من الذنوب.
والعطن: الموضع الذي تناخ فيه الإبل عند الماء إذا رويت، يقال: عطنت الإبل فهي عاطنة وعواطن: إذا شربت فبركت عند الحواظر لتعاد إلى الشرب مرة أخرى.
والمراد بقوله: "حتى ضرب الناس بعطن" أي: حتى رووا فأرووا إبلهم فأبركوها وضربوا لها عطنا.
والعبقري: الرجل الشديد، وفلان عبقري القوم أي: سيدهم وكبيرهم.
وقوله: "يفري فريه" يريد: يعمل عمله، فرى يفري: إذا قطع، تقول العرب: فلان يفري الفرى: إذا عمل العمل وأجاده.
وهذا الحديث أريه رسول الله ﷺ مثلًا لأيام خلافة أبي بكر وعمر، وأن أبا بكر قصرت مدة خلافته ولم يفرغ من قتال أهل الردة لافتتاح الأمصار إلا قليلاً، حتى إنه توفي والمسلمون يحاصرون دمشق، وأن عمر طالت مدة خلافته حتى تيسرت له الفتوح، وأفاء الله عليه الغنائم وكنوز الأكاسرة، فشبه الري وضرب العطن بذلك. والله أعلم.
стр. 2687
وقد أخرج الشافعي قال: سمعت عبد الوهاب يحدث عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي أن رسول الله ﷺ قدم عليه تمر وشعير من بعض القرى، وأن أسيد بن حضير قال له أهل بيتين من بني ظفر: اذكر حاجتنا لرسول الله ﷺ وأن أسيد بن حضير أتى النبي فوجد معه قومًا، وأنه حنى عليه فذكر له حاجة أهل بيتين من بني ظفر، وإن رسول الله ﷺ قال: "لكل أهل بيت وسق من تمر وشطر من شعير" فقال أسيد: يا رسول الله، جزاك الله عنا خيرا قال يحيى: فزعم محمد بن إبراهيم أن رسول الله ﷺ [قال] (١) "وأنتم فجزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار، فإنكم أعفة صبر، وإنكم سترون بعدي أثرة في الأمر والقسم، فاصبروا حتى تلقوني".
وأخرج الشافعي قال: حدثني بعض أهل العلم: أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: ما وجدت لنا ولهذا الحي من الأنصار مثلا إلا ما قال الطفيل:-
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... نلاقي الذي يلقون منا لملت.
هم خلطونا بالنفوس وألجأوا ... إلى حجرات أدفات وأظلت.
قال الربيع: وسمعت الشافعي يروي هذا على أثرها:-
جزاك الله عنا جعفرًا حين أزلفت بنا نعلنا في الواطئين فزلَّت.
وأخرج الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة لا أعلمه إلا عن رسول الله ﷺ قال: "يوشك الناس أن يضربوا آباط الإبل في طلب العلم؛ ولا يجدون عالمًا أعلم في عالم المدينة".
стр. 2688
وفي رواية: "أكباد الإبل".
قال عبد الرزاق بن همام في تفسير هذا الحديث: هو مالك.
وقال سفيان بن عيينة: يرونه مالك بن أنس.
قال ذلك الترمذي في كتابه "الجامع". والله أعلم.
***
стр. 2689
كتاب اللواحق
هذا كتاب يتضمن أحاديث وردت في المسند في ضمن الكتب المودعة فيه، ولم يمكن إدخالها في الترتيب الذي وضعنا عليه أبواب كتابنا إلا بنوع من التصنيف، فأفردنا لها هذا الكتاب وأودعناها فيه، وأشرنا عند كل حديث في أي موضع جاء من المسند، وفيه ثلاثة فصول:-
الفصل الأول في النصح
أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن زياد بن علاقة قال: سمعت جرير بن عبد الله يقول: بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا مالكًا.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن مسدد ومحمد بن المثنى، عن يحيى.
ح وابن نمير، عن أبيه وعلي بن عبد الله، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير قال: بايعت النبي ﷺ فاشترط علي والنصح لكل مسلم.
وفي أخرى: على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن نمير وأبي أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير.
وعن أبي بكر وزهير، عن سفيان، عن زياد.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن عمرو بن عون، عن خالد، عن يونس، عن
стр. 2690
عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جرير وزاد فيه: قال: فكان إذا باع الشيء أو اشتراه قال: أما إن الذي أخذنا منك أحب إلينا من الذي أعطيناك فاختر.
وأما الترمذي (١): فأخرجه عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير.
وأما النسائي (٢): فأخرجه عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان، عن زياد.
المبايعة: المعاهدة والمعاقدة وهو من البيع، كأن البائع قد أعطى الذي بايعه مخالصته وموافقته وموالاته ومناصرته، وأخذ العوض عليها منه إما نفعًا عاجلًا من أمور الدنيا، وإما آجلًا من أمور الآخرة، ومنه المبايعة للإمام والأمير.
أما النصح: فهو كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة تحصره وتجمع معانيه غيرها، وأصل النصح في اللغة: الخلوص، تقول: نصحت العسل: إذا خلصته من السمع، وفيه لغتان: نصحت فلانًا أنصح له وأنصحه نصحًا ونصاحة، وأنصح له أنصح من أنصحه والاسم: النصحة والنصيح والناصح بمعنى واحد.
وهذا الحديث والذي بعده أخرجهما الشافعي -رحمة الله عليه- في أول كتاب "الرسالة" (٣).
قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ودعوا ما قلت وهذا اتباع منه لرسول الله ﷺ فيما أخذ في البيعة من النصح لكل مسلم، ولهذا رواه فيما قصد من إرشاد غيره
стр. 2691
بما وضع في كتاب "الرسالة"، ولهذا بلغ من حرصه ﵁ على إفهام المسترشدين أنه قال: وددت لو أن الناس نظروا في هذه الكتب ثم نحلوها غيري، طلبا منه للنصيحة لهم وأن قصده إنما كان من وضع الكتب وتسييرها في الناس ليدلهم البيان فيها على أن الأرجح من المذاهب التي هي الأتبع للكتاب والسنة، وما أشبه الكتاب والسنة تقربا إلى الله -جل ذكره-، غير ملتمس بها ذكرًا ولا شرفًا.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن سهيل بن أبي صالح، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداري قال: قال رسول الله ﷺ "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، لله، ولكتابه، ولنبيه، ولأئمة المسلمين وعامتهم".
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
فأما مسلم (١): فأخرجه عن محمد بن عباد المكي، عن سفيان، عن سهيل.
وعن محمد بن حاتم، عن ابن مهدي، عن سفيان. وفيه: قلنا لمن؟ قال: "لله".
وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن سهيل.
وفيه: قالوا: لمن؟.
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن يعقوب بن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن سفيان.
قوله: "الدين النصيحة" مبتدأ وخبر، وهذا اللفظ يجعل الدين كأن النصيحة هي جماع الدين وملاكه، لأن من لا نصح عنده وباطنه ملتبس
стр. 2692
بالغش؛ فليس عنده من الدين إلا الاسم، ويعضد ذلك تكرار اللفظ ثلاث مرات، وما جاء في رواية النسائي: "إنما الدين النصيحة" فجاء بلفظة "إنما" الذي يتضمن الحصر والقصر، وحقيقة النصح أن يكون بهذه المثابة، لأنه الوصف النفسي الذي لا يصدر عنها إلا وهي خالصة من النفاق، عارية من الغش.
ثم لما حكم بهذا الحكم من جعل النصح هو الدين، قال مفسرًا أو مبينًا: "لله، ولكتابه، ولنبيه، ولأئمة المسلمين وعامتهم" فابتدأ بتقديم الأهم الأولى وهو الله -سبحانه- وقال: لأن الدين له حقيقة أصلًا وفرعًا ونقلًا، ثم ثنى بما هو تال له في الرتبة وهو صفة من صفاته، قائم به، الناطق بعظمة جلاله، الشارح صدور أوليائه، الصادع ببيان أحكامه، المعجز ببديع نظامه فقال: "ولكتابه"، ثم ثلث بما يتلو كلامه في الرتبة وهو رسوله الهادي إلى دينه، الموقف على أحكام طاعته، الصادق في إبلاغ رسالته، المفصل لجمل شريعته. ثم ربع بالأئمة الذين هم أولوا الأمر، وخلفاء الأنبياء في الأرض القائمون بسنة الله -تعالى- في عباده. ثم خمس بعامة المسلمين، وهم الباقون منهم بعد النبي ﷺ والأئمة.
وفي رواية الشافعي لم يقل: قالوا لمن، إنما قال: "لله ولكتابه"، فجاء بالجواب من غير سؤال؛ ليكون الكلام متصلًا بعضه ببعض لا يحتاج إلى سؤال سائل ولا استفسار طالب، وإن كان جوابًا عن سؤال مقدر؛ ولكن هذا أحسن وأبلغ في مواقع الخطاب، وذلك أن المتكلم يكون عالمًا بما يريد أن يتلفظ به، ويعلم أن لفظه إذا كان مجملًا يحتاج إلى تفصيل، أو مشكلًا احتاج إلى تفسير، أو مهملًا احتاج إلى تقييد، فيأتي بما يوضح كلامه ويزيل لبسه.
فأما النصح لله: فهو صحة الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النية في عبادته.
стр. 2693
وأما النصح لنبيه: فهو التصديق لنبوته، والطاعة له فيما أمر به ونهى عنه، وإخلاص العمل في اتباعه.
وأما النصح لأئمة المسلمين: فهو أن يطيعهم في الحق، ولا يرى الخروج عليهم بالسيف إذا جاروا.
وأما النصح لعامة المسلمين: فهو إرشادهم للحق، وتعريف جاهلهم وتقويم مائلهم، والأمر بالمعروف فيهم، والنهي عن المنكر بينهم، وغير ذلك مما ندب الشرع إليه، وحث عليه، وافترضه، وسنه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله -تعالى-: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (١) لا أذكر إلا ذكرتك، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله.
رفعنا: من الرفعة في الأمور وهو الشرف، وارتفاع القدر والمنزلة، لا ارتفاع الأجسام.
والذكر في اللغة: مصدر ذكرته أذكره ذكرًا، وحقيقته: إجراء اللفظ المعرب عن الشيء على لسان المتكلم، وهو مكسور الذال، وقد يطلق الذكر في مقتضى اللغة: على المدح، والثناء، والذم، والهجر، كقوله -تعالى-: ﴿فاذكُرُوني أذكُرْكُم﴾، وكقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ (٢) وإنما يفرق بين الحالين بالقرائن والأوصاف.
وقوله: "لا أذكر إلا ذكرت" إطلاق عام أريد به خاص، ولذلك عقبه بالتفسير: كلما ذكر اسم الله ذكر اسم النبي ﷺ .
وقوله: "لك" فيه من الفائدة ما في زيادة الإفصاح بعد الإبهام، ألا ترى أنه لما قال: "ورفعنا لك" فهم من هذا اللفظ أن ثم مرفوعًا قبل أن يقول: "ذكرك"، فلما قال: "ذكرك" فافصح بذكر المرفوع، فعلم المعنى مبهمًا
стр. 2694
ومفسرًا، وذلك أحسن في مواقع الخطاب من قوله: ورفعنا ذكرك، والأحسن أنه أراد بقوله: "لك" إن رفعنا ذكرك لم يكن لشيء خارج عنك، ولا لأحد غيرك، ولا كان إلا خالصًا مقصورًا عليك.
قال الشافعي في هذا الحديث: يعني والله [أعلم] (١) ذكْره عند الإيمان بالله، والأذان، ويحتمل: ذكره عند تلاوة القرآن، وعند العمل بالطاعة والوقوف على المعصية.
...
стр. 2695
الفصل الثاني في العمل بالكتاب والسنة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو -مولى المطلب- عن المطلب بن حنطب أن النبي ﷺ قال: "ما تركت شيئًا مما أمر الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئًا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فأجملوا في الطلب".
هذا حديث مشهور دائر بين العلماء، وأعرف فيه زيادة لم أجدها في المسند وهي: "ألا فاتقوا الله" قبل قوله: "فأجملوا في الطلب"، وهذا الحديث أخرجه الشافعي في أول كتاب "الرسالة" (١) مستدلًا به على العمل بسنة رسول الله ﷺ مما لم يتضمنه القرآن قال الشافعي: لم يسنن رسول الله ﷺ شيئًا قط إلا بوحي الله فمن الوحي ما يتلى، ومنه ما يكون وحيًا إلى رسوله فيسن به.
قال الشافعي: وقيل لما يُتْل قرآن وإنما ألقاه جبريل في روعه بأمر الله فكان وحيًا إليه، وقد قيل: جعل الله إليه لما شهد له به من أنه يهدي إلى صراط مستقيم أن يسن، وأيهما كان فقد ألزمه الله خلقه، ولم يجعل لهم الخيرة من أمرهم فيما سن، وفرض عليهم اتباع سنته.
وهذا المعنى الذي يتضمنه هذا الحديث فرض واجب على النبي ﷺ أنه لا يترك شيئًا مما أمر الله به ونهى عنه إلا ويبلغه الناس، ويوقفهم عليه ويأخذهم به، قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) فكان التبليغ واجبًا بمقتضى الأمر المسموع بالنفي
стр. 2696
المتضمن التقريع والتهديد.
قال المفسرون: معنى الآية: أنه ﷺ قال: بعثني الله برسالته فضقت بها ذرعًا، وعرفت أن من الناس من يكذبني، فأوحى الله إليَّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك، وضمن لي العصمة فقويت.
المعنى: بلغ ما أنزل إليك غير مراقب ولا خائف أحدًا ينالك مكروهه، وإن لم تبلغ جميعه كما أمرت فما بلغت رسالتي. أي: أن تترك بعضها فيكون كمن لم يبلغها. وقيل: بلغها الناس ولا تخف.
وإنما جاز كون قوله: "فما بلغت رسالته" جوابا للشرط الذي هو: "وإن لم تفعل" لأنه إذا كان مأمورًا بتبليغ المنزل إليه جميعه فبلغ بعضه، لم يكن قد بلغ ما أمر به، فجاز أن يكون جوابًا للشرط.
والروح الأمين: جبريل ﵇، سمي روحًا: لأنه روحاني والملائكة روحانيون، وسمي أمينًا: لأنه ملك الوحي إلى الأنبياء، والرسول إليهم بأمر الله ونهيه، فكان أمينًا على وحيه.
والنفث: شبيه بالنفخ، نفث ينفث وينفث وقد شبه ما يلقيه الملك في نفسه من الوحي بالنفث كأنه نفخ في قلبه، لأن الكلام إنما يكون باللسان والفم، والنفخ لما كان بالفم والشفتين شبهه بالكلام لأنهما يخرجان من الفم.
وقد جاء في بعض الروايات: "ألقى" بدل "نفث".
والروع -بالضم- القلب والعمل.
وقوله: "ألا فاتقوا الله" هذه التي تبعث على جماع الخير، لأن مع التقوى تنكف النفس عن أكثر المطالب، وترتفع عن الشهوات، وتترك معظم المطامع، ولذلك قال: "فأجملوا في الطلب" أي: اطلبوا الرزق طلبًا جميلًا لا حرص ولا تكالب ولا إسفاف على الدنايا فلا إشراف على الأموال، فإن الرزق الذي قدر
стр. 2697
لكم سيصل إليكم ولكن بطلب جميل، ألا تراه كيف قال: "فأجملوا في الطلب" ولم يقل: فاتركوا الطلب، فإنه إذا علم الإنسان [أنه] (١) يصل إليه يقينا لم يحتج إلى الطلب، وإنما قال: "فأجملوا في الطلب" لأن من عوائد الله في خلقه تعليق الأحكام بالأسباب، وترتيب الحوادث على العلل.
وهذه سنة في خلقه مطردة، وحكمته في ملكه مستمرة، وإن كان قادرًا على إيجاد الأشياء اختراعًا وابتداعًا، لا عن تقدم إسباق وسبق علل، بأن يشبع الإنسان من غير أن يأكل، ويرويه من غير شرب، وينشئ الخلق من غير جماع، وينبت من غير ماء، وغير ذلك من الأشياء. لكنه أجرى العادة أن الشبع يحصل عقيب الأكل بخلقه في الأكل، والري عقيب الشرب، والولد عقيب الجماع، فلذلك قال: "فأجملوا في الطلب" فإنه وإن كان هو الذي [يأتي] (١) بالرزق ولكن قدر مجيئه بنوع من السعي رفيق، وحال من الطلب جميلة، فجمع هذا الحديث النظر إلى المسبب والمسبب له والأسباب فالسبب هو الله -تعالى-، والسبب هو الرزق، والمسبب له هو العبد والسبب هو السعي، وإنما جمع بين المسبب والسبب لئلا يتكل العبد، وليس كل أحد يقدر على الاتكال فيهلك بتأخر الرزق عنه، وربما أوقعه ذلك في باب عظيم من الشرك وكفر النعمة، ففرق في الخطاب بين تعريف اعتلاق الأشياء بالمسبب اعتلاقًا شرعيًا، ليتكمل للعبد حالة الصلاح المستمرة، ويثبت له قضية الفلاح مستقرة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن سالم أبي النضر -مولى عمر ابن عبيد الله- سمع عبيد الله بن أبي رافع يحدث عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه".
стр. 2698
قال سفيان: وحدثنيه محمد بن المنكدر مرسلًا عن النبي ﷺ هذا حديث حسن، أخرجه أبو داود والترمذي.
فأما أبو داود (١): فأخرجه عن أحمد بن حنبل وعبد الله بن محمد النفيلي، عن سفيان.
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن سفيان، عن سالم مرفوعًا. وعن ابن المنكدر مرسلًا.
ألفيت ألفيته: إذا وجدته.
ولا هي الناهية، وقد أوقعها على نهي نفسه لأن فعل "ألفين" له، وإنما يريد نهيهم أن يلفيهم على هذه الحالة، لا نهي نفسه أن يجدهم عليه، ولا أن ذلك جائز لهم أن يكونوا عليه فضلًا أن يقروا عليه.
وإذا حملنا اللفظ على مدلول ظاهره من نفسه؛ كان الغرض المطلوب إذا حقيقته النهي راجعة إليهم لا إليه، وهذا في العربية فاش وباب واسع، وفي القرآن مثله قوله -عز من قائل-: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ (٣) أوقع النهي على الصادين، وإنما يريد بالنهي: نفس موسى ﵇ أي: لا تقبل صدهم إذا صدوك، إلا أن الآية أوقع فيها النهي على المخاطب، والحديث أوقع فيه النهي على المتكلم، ووجه ذلك إن وجد: أنه إباهم على هذه الحالة من ترك الأخذ بالحديث، ورفض ما لم يجدوه في كتاب الله مسبب عن كونهم عاملين عليها مستمسكين بها، فكانت حالتهم سببا لأن يلفيهم عليها، فذكر المسبب واكتفى به عن ذكر السبب لأنه من لوازمه، ولأنه إذا نهى عن المسبب فقد نهى عن السبب، ألا ترى أنه إذا قال: لا أرينك ها هنا، فإنما أراد أن ينهاه
стр. 2699
عن حضوره عنده حتى لا يراه، لأنه إذا حضر عنده رآه فإذا لم يحضر لم يره، فلا فرق بين أن يقول: لا أريتك ها هنا، وبين أن يقول: لا تحضر عندي، إلا أن قوله الأول أبلغ في باب النهي، لأنه جمع في النهي بين إيقاعه على المتكلم من طريق الصريح؛ وعلى المخاطب من طريق الكناية والمعنى واللزوم.
والأريكة: السرير، وقيل: لا يكون أريكة حتى يكون من وراء حجلة، وقيل: "هو كل ما اتكيء عليه، وإنما أراد بذكر الأريكة صفة أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا العلم من مظانه".
وقوله: "يأتيه الأمر من أمري" ولم يقل: يأتيه أمري لأمرين:-
أحدهما: أنه لم يرد كل ما أمرهم به، لأنهم لا يصدر ذلك عنهم أنهم يخالفونه في كل أمره، أو أن كلهم خالفوه، إنما أراد بعض أمره، ولذلك قال: "لا ألفين أحدكم" فجاء بلفظة أحد وإن كان ذلك عاما فيهم كلهم.
والأمر الثاني: أن ورود التفصيل بعد الإجمال، والتخصيص بعد التعميم أبلغ في مواقع الخطاب من إفراد اللفظ، ألا ترى أن قوله: "لا يأتيه الأمر" معرفًا بالألف واللام فيه من تفخيم الأمر وتعظيمه، وأنه هو الحقيق أن يسمى أمرًا، والحقيق أن لا يخالف ما ليس في ذكره مضافًا إليه، ولذلك أراد به إياه بعد ذكره بقوله: "من أمري" فإنه لما ذكره معرفا مفخما، ارتقبت النفوس نسبة هذا التعظيم إلى أمر، فلما نسبه إلى نفسه، وقال: "من أمري" حصلت تلك الفخامة والعظمة مقصورة عليه بخلاف ما لو لم يقل ذلك، وهذا سر من ألفاظ النبوة دقيق.
ثم لما تحقق ذلك أتبعه بقوله: "ومما أمرت به أو نهيت عنه" فخص بعد أن عم، وفصل بعد أن أجمل، وذلك أن العقاب والثواب إنما هما معروفان بالأفعال والأقوال بعد وقوعها، أما قبل وقوعها مع حديث النفس بها والعزم عليها فلا، فلما قال: "الأمر من أمري" كان هذا قولًا كليًا في امتثال الأمر واجتناب
стр. 2700
خلافه إذا وقع، فاحتاج أن يقول: "مما أمرت به أو نهيت عنه" لبيان تعلق الثواب والعقاب به بعد وقوعه، ويجوز أن يكون الأمر في قوله: "يأتيه الأمر من أمري" عبارة عن الشيء، وحينئذ يكون جمعه على أمور تقول: أمر فلان مستقيم وأموره مستقيمة، أي: أحواله، فأما الأمر الذي هو ضد النهي فجمعه على أوامر.
والمتكئ: هو المتمكن من الأرض جالسًا وسواء كان على جنبه أو مقعده والمراد بهذا الحديث: الأمر بلزوم السنة، والنهي عن مخالفة ما سن رسول الله ﷺ وأمر به من الفرائض والنوافل وقرره وثبته من الأحكام وأنها في لزوم قبولها ووجوب العمل بها تتنزل منزلة كتاب الله -تعالى- فإنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
قال الشافعي ﵁: وفي هذا تثبيت الخبر عن رسول ﷺ ، وإعلامهم أنه لازم لهم وإن لم يجدوا له نص محكم في كتاب الله .
وهذا الحديث أخرجه في كتاب "اليمين مع الشاهد" (١)، وفي كتاب "الرسالة" (٢) مستدلًا على ما سبق في الحديث قبله.
وفي هذا الحديث: بيان أن لا حاجة بالحديث إلى أن يعرض على الكتاب، فإنه مهما ثبت عن رسول الله ﷺ كان حجة بنفسه. كما ذهب إليه الخوارج وغيرهم، فإنهم تعلقوا بظواهر القرآن، وتركوا السنن التي تضمنت بيان القرآن وتخصيص القرآن عامة وإيضاح مشكله.
قال الشافعي -رحمة الله عليه-: ليس يخالف الحديث القرآن، ولكن حديث رسول الله ﷺ يبين معنى ما أراد خاصًا، وعامًا، وناسخًا، ومنسوخًا، ثم يلزم الناس ما تبين بفرض الله، فمن قبل عن رسول الله ﷺ فعن الله قبل.