← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وخمسين سنة. وقال يونس بن عبْد الأعلى: مات الشافعي سنة أربع أو خمس ومائتين وهو ابن ست وخمسين سنة. والصحيح الأول، وقال الربيع بن سليمان: ولد الشافعي يوم مات أبو حنيفة. قال الواقدي: ومات أبو حنيفة سنة خمسين ومائة. واللَّه أعلم.

стр. 37

الفصل الثالث في طلبه العلم قال عبد اللَّه بن الزبير الحُمَيْدي: قال لي الشافعي: كنت يتيمًا في حجر أمي ولم يكن معها ما تعطي للمعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن دخلت المسْجد وكنت أجالس العلماء وأحفظ الحديث أو المسألة، وكان منزلنا بمكة في شعب الخيف، فكنت انظر إلى العظم يلوح فأكتب فيه الحديث أو المسألة وكانت لنا جرة قديمة فإذا امتلأ العظم طرَحتُه فيها. وقال الزبير بن سليمان القرشي: سمعت الشافعي يقول: طلبت هذا الأمر عن خفة ذات يد، كنت أجالس الناس وأتحفظ، ثم اشتهيت أن أدون، وكنت آخذ العظام والأكتاف فأكتب فيها حتى امتلأ في دارنا من ذلك حُبَّان (١). وقال الشافعي: كنت أستوهب الظهور من الديوان أكتب فيها, ولم يكن لي مال. وقال الربيع بن سليمان: قال الشافعي: قدمت على مالك وقد حفظت الموطأ ظاهرًا فقلت: إني أريد أن أسمع الموطأ منك. فقال: اطلب من يقرأ. قلت: لا؛ عليك أن تسمع قراءتي فإن سهل عليك قرأت لنفسي. قال: اطلب من يقرأ لك. فكررت عليه، فقال: اقرأ. فلما سمع قراءتي قال: اقرأ، فقرأتُ عليه حتى فرغت منه. وقال أحمد بن حنبل: قال الشافعي لنا: قرأت الموطأ على مالك لأنه كان يعجبه قراءتي. قال أحمد: لأنه كان فصيحًا. وقال الحميديّ: قال الشافعي: خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة حتى كتبتها وجمعتها.

стр. 38

وقال الشافعي: أنفقت على كتب محمد بن الحسن ستين دينارًا ثم تدبرتها فوضعت إلى جنب كل مسألة حديثًا. وقال الحميديّ: كان الشافعي رجلًا شريفًا، وكان يطلب اللغة، والعربية والفصاحة، والشعر في صغره وكان كثيرًا ما يخرج إلى البَدْوِ، فبينا هو ذات يوم في حيِّ من أحْياءِ العرب جاء إليه رجل فقال له: ما تقول في امرأة تحيض يومًا وتطهر يوما؟. فقال: ما أدري. فقال له البدوي: يا ابن أخي الفريضة أولى بك من النافلة. فقال له الشافعي: إنما أريد هذا لذاك وعليه قد عزمتُ وباللَّه التوفيق، ثم خرج إلى مالك بن أنس وكان مالك صدوقًا في حديثه وحيدًا في مجلسه فدخل الشافعي عليه فارتفع على أصحابه فهزه مالك فوجده موفورًا (١) من الأدب فرفعه على أصحابه، وقدمه عليهم، وقربه من نفسه. وقال الشافعي: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين وحفظت "الموطأ" وأنا ابن عشر سنين. وقال الخطيب أبو بكر بن ثابت البغدادي: كان العلم بالمدينة قد انتهى إلى الفقهاء السبعة وهم: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هاشم، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق فأخذ عن هؤلاء السبعة علمهم: محمد بن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبو الزناد؛ وأخذ الشافعي علم هؤلاء الأربعة عن أصحابهم، أما الزهري فحفظ علمه عن مالك وسفيان بن عيينة وإبراهيم بن سعد ومسلم بن خالد الزنجي وعمه: محمد بن علي بن شافع. وأما يحيى بن سعيد وربيعة وأبو الزناد فحفظ علمهم عن مالك وسفيان، وكان من فقهاء

стр. 39

المدينة ومحديثها محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب فلم يدركه الشافعي لكنه أخذ علمه عن صاحبيه محمد بن إسماعيل بن أبي فديك وعبد اللَّه بن نافع الصائغ، وأمّا أهل مكة فانتهى العلم فيهم إلى عطاء وطاوُس ومجاهد وعمرو ابن دينار وابن أبي مليكة، فأخذ الشافعي علم عطاء من أصحاب ابن جريج ومنهم مسلم ابن خالد وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روَّاد وسعيد القداح وهؤلاء كانوا بمكة؛ ورحل إلى اليمن فأخذ عن هشام بن يوسف قاضي صنعاء، ومطرّف بن مازن وهما من كبار أصحاب ابن جريج وكان ابن جريج أخذ العلم عن عطاء نفسه، وأما طاوس ومجاهد فإن علمهما انتهى إلى ابن جريج وكان أخذ عن ابن طاوس والحسن بن مسلم بن ينّاق وإبراهيم بن ميسرة وشاركه في السماع من ابن طاوس وإبراهيم بن ميسر وسفيان بن عيينة، فأخذ الشافعي علم ابن جريج عمن قدمنا ذكره من أصحاب ابن جريج وأخذ عن ابن عيينة نفسه ما كان عنده من هذا النوع وأخذ عنه أيضًا علم عمرو بن دينار، وابن أبي مليكة، وبعضه أخذه عن داود بن عبد الرحمن العطار وكان ممن علت سنّه وتقدم سماعه، وأما أهل الشام فانتهي العلم فيهم إلى الأوزاعي فأخذه الشافعي عن صاحبه [عمرو بن أبي سلمة] (١) التِّنِّيسي وأما أهل مصر فانتهى العلم فيهم إلى الليث بن سعد فأخذه الشافعي عن جماعة من أصحابه والذي عول عليه منهم يحيى بن حسان، وأما أهل العراق فإن العلم انتهى فيهم: أما أهل الكوفة فإلى أبي إسحاق السَبيعيِّ منصور والأعمش وابن أبي خالد فأخذ علمهم عن ابن عيينة وحماد بن أسامة ووكيع، وأمّا أهل البصرة فأخذ علمهم عن ابن عُلَيَّةَ وعبد الوهاب الثقفي، فكمل للشافعي الاطلاع على علم جميع الأمصار والإشراف على حال علماء الأقطار.

стр. 40

الفصل الرابع في ذكر أسماء مشايخه ومن روى عنه منهم قد تقدم في الفصل الثالث طريق انتقال العلم إليه عن العلماء قبله، ونذكر في هذا الفصل أسماء مشايخه الذين روى عنهم، وهم خلق كثيرون ذكرنا منهم في هذه المقدمة جماعة اشتهر بالرواية عنهم وأكثر، وهم: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وإبراهيم بن عبد العزيز بن أبي محذورة، وإبراهيم بن يحيى (١)، وإسماعيل بن إبراهيم، وإسماعيل بن جعفر، وإسماعيل بن عليَّة، وأنس بن عياض بن ضَمْرة، وأيوب ابن سُويد الرَّمليِّ، وحاتم بن إسماعيل، وحماد بن أسامة، وداود بن عبد الرحمن العطار، وسفيان بن عيينة، وسعيد بن سالم القداح، وسليمان بن عمر، وسماك بن الفضل، وسعيد بن مسلمة، وسلم بن خثيم، وعبد اللَّه بن شافع، وعبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرديِّ وعبد المجيد بن عبد العزيز، وعَطَّاف بن خالد، وهارون بن أبي سلمة، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي (٢)، وعبد اللَّه بن الحارث بن عبد الملك المخزومي، وعبد اللَّه بن مؤمل العائِذي، وعبد اللَّه بن سعيد بن عبد الملك بن مروان: أبو صفوان، وعبد الكريم بن محمد الجرجاني، وعمر بن حبيب، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعبد الرحمن بن الحسن بن القاسم الأزرقي، وعمرو بن الهيثم، وعبد الرحمن بن أبي بكر الملُيكي، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماَجِشُون، والقاسم بن عبد اللَّه بن عمر، ومالك بن أنس، ومسلم بن خالد الزنجيّ، ومحمد بن علي بن شافع

стр. 41

عمه، ومحمد بن إسماعيل بن أبي فُدَيك، ومروان بن معاوية، ومطرف بن مازن، ومحمد بن الحسن الشيباني، ومحمد بن عمر الواقدي، ومحمد بن عثمان بن صفوان الجُمَحي، ومحمد بن خالد الجنْدي، ومحمد بن عبد اللَّه، وهشام بن يوسف، ويحيى بن سليم ويحيى بن حسان، ويحيى بن سليمان، ويوسف بن خالد. هؤلاء خمسون نفسًا تكررت رواياته عنهم في كتبه؛ ومن عداهم لم نطل بذكرهم. قال أبو العباس: محمد بن يعقوب الأصم: سمعت الربيع بن سليمان يقول: كان الشافعي ﵀ إذا قال: أخبرنا الثقة: يريد يحيى بن حسان، وإذا قال: أخبرنا من لا أتهم: يريد إبراهيم بن أبي يحيى، وإذا قال: أخبرنا بعض الناس: يريد أهل العراق، وإذا قال: بعض أصحابنا: يريد به أهل الحجاز. قال أبو عبد اللَّه الحافظ: قد أخبر الربيع عن الغالب من هذه الروايات فإن أكثر ما رواه الشافعي عن الثقة هو يحيى بن حسان، وقد قال في كتبه: أخبرنا الثقة والمراد به غير يحيى، وقد فصل لذلك تفصيلًا على غالب الظن فذكر في بعض ما قال: أخبرنا الثقة أنه أراد به إسماعيل بن علية، وفي بعضه أسامة، وفي بعضه عبد العزيز بن محمد، وفي بعضه هشام بن يوسف الصنعاني، وفي بعضه أحمد بن حنبل أو غيره من أصحابه، ولا يكاد يعرف ذلك باليقين إلا أن يكون قد أطلقه في موضع وسماه في موضع آخر. واللَّه أعلم (١).

стр. 42

الفصل الخامس في ذكر أصحابه الذين رووا عنه أصحابه الذين أخذوا الفقه عنه ورووا الأحاديث والآثار وغير ذلك خلق كثير. وقد جمع الإِمام: أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني ﵀ منهم جماعة، فذكرت منهم طائفة مجردة أسماؤهم من ذكر ما رووا عنه، فإن الدراقطني ذكر لكل منهم حديثًا أو أثرًا رواه عنه، وقد رتبهم على حروف المعجم، ومنهم: أحمد بن محمد بن حنبل، وأحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، وأحمد بن محمد بن سعيد، وأحمد بن عمرو بن السرح أبو طاهر، وأحمد بن سعيد بن بشير المصري وأحمد بن الصباح الرازي، وأحمد بن محمد بن الحجاج المروزي، وأحمد بن سنان القطان الواسطي، وأحمد بن عبد اللَّه بن قبيل المكي، وأحمد بن خالد الخلال، وأحمد بن يحيى بن الوزير المصري، وأحمد ابن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم القرشي، وأحمد بن صالح المصْري،

стр. 43

وأحمد بن محمد بن الأموي، وأحمد بن أبي بكر، وأحمد بن أبي موسى، وإبراهيم بن خالد أبو ثور، وإبراهيم بن محمد بن العباس ابن عمه، وإبراهيم بن هرم المصري، وإبراهيم بن عبيد اللَّه الحجبيِّ، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وإسماعيل بن يحيى المزني، وإسحاق بن عيسى الطَّبَّاع، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وإسحاق بن البهلول، وإسحاق بن صفير البصري، وإدريس بن يوسف المخزومي، وأيوب بن سويد البرمكي، وأسد بن سعيد بن عفير، وبحر بن نصر الخولاني، والحسن بن محمد الصَّبَّاح الزعفراني، والحسن بن عبد العزيز البصري، والحسن بن إدريس الخولاني، والحسن بن عثمان الزيادي، والحسين ابن علي الكرابيسي، والحسين القلاَّس الغلامي البغدادي، والحسين بن عبد السلام، والحارث بن شريح النقال البغدادي، والحارث بن مسكين القاضي، وحامد بن يحيى البلخي، وحرملة بن يحيى التجيبي، وخالد بن يزيد الرسلي، وداود بن أبي صالح، والرييع بن سليمان المرادي، والربيع بن سليمان الجيزيّ وزكريا بن يحيى المصري، وسفيان بن عيينة، وسفيان بن محمد المسعري، وسعيد بن كثير الأنصاري، وسعيد بن أسد بن موسى المصري، وسعيد بن عيسى الرعيني، وسليمان بن داود المهري، وسليمان بن عبد العزيز الزهري، وسليمان بن داود بن علي بن عبد (١) [.....] لم يقول لها وكيف ذلك؛ فأخبرته الخبر، فحلف أن لا يقيل مرة طويلة إلا والرحا عند رأسه تطحن، فكان إذا أراد أن يقيل جيء بالرحا تطحن عند رأسه. وحكى الحارث بن سريج قال: أراد الشافعي الخروج إلى مكة فأسلم إلى قَصَّارٍ ثيابًا ببغداد مرقعة فوقع الحريق فأحرق دكان القصار والثياب فجاء القصار

стр. 44

ومعه قوم يتحمل بهم على الشافعي في تأخيره ليدفع إليه قيمة الثياب فقال له الشافعي: قد اختلف أهل العلم في تضمين القصار، ولم أتبين أن الضمان يجب فلست أضمنك شيئًا. وقال الحارث: دخلت مع الشافعي على خادم الرشيد وهو في بيت قد فرش بالديباج، فلما وضع الشافعي برجله على العتبة أبصره، فرجع ولم يدخل؛ فقال الخادم: ادخل. فقال: لا يحل افتراش هذا، فقام الخادم متبسمًا حتى دخل بيتًا قد فرش بالأرميني، فدخل الشافعي، ثم أقبل عليه وقال: هذا حلال وذاك حرام، وهذا أحسن من ذاك وأكثر ثمنًا منه. وقال أبو ثور: خرج الشافعي إلى مكة ومعه مال -وقلَّما كان يمسك شيئًا من سماحته- فقلت له: ينبغي أن تشترى بهذا المال ضيعة تكون لك ولولدك من بعدك، فخرج ثم قدم علينا فسألته عن ذلك المال ما فعل به؛ فقال: ما وجدت بمكة ضيعة يمكنني أن أشتريها لمعرفتي بأصلها, ولكن قد بنيت بمنى مضربًا (١) يكون لأصحابنا إذا حجوا ينزلون فيه. وقال إبراهيم بن محمد الشافعي: ما رأيت أحسن صلاة من محمد بن إدريس الشافعي؛ وذلك أنه أخذها من مسلم ابن خالد وأصحاب ابن جريج، وأخذوا عن ابن جريج، وأخذ ابن جريج عن عطاء، وأخذ عطاء عن ابن الزبير، وأخذ ابن الزبير عن أبي بكر الصديق، وأخذ أبو بكر عن النبي ﷺ ، وأخذ النبي ﷺ عن جبريل ﵇.

стр. 45

وحدث عبد اللَّه بن محمد البلوي، قال: كنت أنا وعمر بن نباتة جلوسًا نتذاكر العبّاد والزهاد، فقال لي عمر: ما رأيت أورع ولا أفصح من محمد بن إدريس الشافعي؛ خرجت أنا وهو والحارث بن لبيد إلى الصفا وكان الحارث، تلميذ صالحِ المري فافتتح يقرأ وكان حسن الصوت فقرأ ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (١) فرأيت الشافعي قد تغير لونه، واقشعر جلده، اضطرب اضطرابًا شديدًا، وخر مغشيًّا عليه، فلما أفاق جعل يقول: أعوذ بك من مقام الكذابين وإعراض الغافلين، اللهم لك خضعت قلوب العارفين وذلت هيبة المشتاقين، إلهي هب لي جودك، وجَلِّلْني بسترك واعف عن تقصيري بكرم وجهك. قال: ثم قمنا وانصرفنا، فلما دخلت بغداد -وكان هو بالعراق- قعدت على الشط أتوضأ إذ مرَّ لي رجل فقال لي: يا غلام؛ أحسن وضوءك أحسن اللَّه إليك في الدنيا والآخرة فالتفتُّ فإذا أنا برجل يتبعه جماعة فأسرعت في وضوئي وجعلت أقفو أثره فالتفتَ إليَّ فقال: هل لك من حاجة؟ فقلت: نعم؛ تعلمني مما علمك اللَّه شيئًا، فقال لي: اعلم أن من صدق اللَّه نجا، ومن أشفق على دينه سلم من الرَّدى، ومن زهد في الدنيا قرت عيناه بما يرى من ثواب اللَّه غدًا، أفلا أزيدك؟ قلت: نعم بلى (٢)، قال: من كان فيه ثلاث خصال فقد استكمل الإيمان؛ من أمر بالمعروف وائتمر، ونهى عن المنكر وانتهى، وحافظ على حدود اللَّه تعالى، ألا أزيدك؟ قلت: بلى. قال: كن في الدنيا زاهدًا وفي الآخرة راغبًا واصدق اللَّه في جميع أمورك تنج مع الناجين، ثم مضى. فسألت عنه فقيل لي: هو الشافعي. وقال الشافعي: ما شبعت منذ [ست] (٣) عشرة سنة لأن الشبع يثقل البدن، ويقسي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة.

стр. 46

فانظر إلى حكمته في ذكر آفات الشبع ثم في جده في العبادة إذ اطَّرَحَ الشبع لأجلها، ورأس التعبد تقليل الطعام. وقال الشافعي: من ادعى أنه جمع بين حب الدنيا وحب خالقها في قلبه فقد كذب. وقال المأمون: لقد خص اللَّه -تعالى- محمد بن إدريس الشافعي بالورع والعلم والفصاحة والأدب والصلاح والديانة، لقد سمعت أبي هارون يتوسل إلى اللَّه به- والشافعي حَيٌّ يرزق. وقال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعي: يا أبا موسى! قد أنست بالفقر حتى صرت لا أستوحش منه. وهذا باب واسع لاتتسع هذه المقدمة لاستقصائه، فإنما نذكر فيها إشارات يستدل بها على أمثالها [فإن] (٥) الرجل كان فوق الوصف -رحمة اللَّه عليه-.

стр. 47

الفصل السابع (*) في وصف العلماء له من أولى ما نذكر في هذا الفصل -مُقَدَّمًا في أوله- تأويل حديث النبي ﷺ : "لا تسبوا قريشًا فإن عالمها يملأ الأرض علمًا" (١) والحديث قد [أخرجه] (٢) ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "لا تسبوا قريشًا فإن عالمها يملأ الأرض علمًا، اللهم إنك أذقت أولها عذابًا -أو وبالاً- فأذق آخرها نكالاً" وقد [أخرج] (٢) أبو هريرة نحو دلك. قال الإمام أبو نعيم: عبد الملك بن محمد (٣): في قول النبي ﷺ "فإن عالمها يملأ الأرض علمًا" علامة بينة للمميز المنصف أن المراد بذلك رجل من علماء هذه الأمة من قريش قد كثر علمه وانتشر في البلاد، وكتبوا تآليفه كما تكتب المصاحف واستظهروا أقواله، وهذه صفة لا نعلمها أحاطت إلا بالشافعي، إذ كان كل واحد من علماء قريش من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وإن كان علمه قد ظهر وانتشر فإنه لم يبلغ مبْلغًا يقع تأويل هذه الرواية عليه إذ كان لكل واحد منهم نتف وقطع ومسألات وليس في كل بلد من بلاد الإسلام مدرس، وَمُفْتٍ، ومصنف يصنف على مذهب قريش إلا على مذهبه،

стр. 48

فعلم أنه بعينه لا غيره، وهو الذي شرح الأصول والفروع، وازدادت على مر الأيام حسنًا وبيانًا (١). وقد روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنة قال: "إن اللَّه يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" (٢). قال أحمد بن حنبل ﵀: نظرنا فإذا في رأس المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائة الثانية محمد بن إدريس الشافعي. وقال بلال الخواص: كنت في تيه بني إسرائيل وإذا رجل يماشيني فعجبت، ثم ألهمت أنه الخضر. فقلت: بحق الحق من أنت؟ قال: أنا أخوك الخضر. قلت: أريد أن أسألك. قال: سل. قلت: ما تقول في الشافعي؟ قال: مؤمن الأوتاد. قلت: فأحمد؟ قال: صديق. قلت: فبشر بن الحارث؟ قال: لم يخلف بعده مثله. قلت: بأي وسيلة رأيتك؟ قال: ببرك أمك (٣). وقال مالك للشافعي: يجب أن تكون قاضيًا -وكان القضاء في ذلك الزمان أعْلى المراتب وأجلها ولا يصلح له إلا الآحاد من الناس. وقال مالك: ما يأتيني قرشي أفهم من هذا الفتى-يعني الشافعي- وكان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من الفتيا والتفسير يُسأل عنهما التفت إلى الشافعي فيقول: سلوا هذا. وروي أن ابن عيينة روى حديثًا من الرقائق فغشي على الشافعي، فقيل له: قد

стр. 49

مات؛ فقال: إن مات فقد مات أفضل أهل زمانه. وقال الحميدي: سمعت مسلم بن خالد الزنجي يقول للشافعي: أفتِ يا أبا عبْد اللَّه، فقد آن لك أن تُفْتي، وهو ابن خمس عشرة سنة. وكتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي -وهو شاب- أن يضع له كتابًا فيه معاني القرآن، ويجمع له نقول الأخبار وفيه حجة للإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة؛ فوضع له كتاب "الرسالة" وقال عبد الرحمن: ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو للشافعي فيها. وقال يحيى بن سعيد القطان: إني لأدعو اللَّه للشافعي في كل صلاة. يعني لما فتح اللَّه عليه من العلم ووفَّقه للسداد فيه. وقال أيوب بن سويد الرملي -لما رأى الشافعي-: ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثل هذا الرجل، ما رأيت مثله قط. وكان قد رأى الأوزاعي ومالكًا والثوري. وقال الزبير بن بكار: قال لي عمي مصعب: كتبت عن فتى من بني شافع من أشعار هذيل ووقائعها وقرأ لم تر عيناي مثله. قلت: لم تر عيناك مثله؟! قال: نعم يا بنيّ لم تر عيناي مثله. وكان مصعب قد رأى مالكًا ومن عاصره من العلماء بالمدينة. قال الشافعي: كان محمد بن الحسن يقرأ عليّ جزءًا فإذا جاء أصحابه يقرأ عليهم أوراقًا، فقالوا له إذا (١) وكتاب خلاف أهل العراق علي وعبْد اللَّه، وكتاب سير الأوزاعي، وكتاب الغصب، وكتاب الاستحقاق، وكتاب الأقضية، وكتاب إقرار أحد الاثنين وكتاب الصلح، وكتاب قتال أهل البغي، وكتاب الأسارى والغلول، وكتاب القسامة، وكتاب الجزية، وكتاب السرقة والقطع، وكتاب الحدود، وكتاب المرتد الكبير، وكتاب المرتد الصغير, وكتاب الساحر والساحرة، وكتاب القراض، وكتاب الأيمان والنذور، وكتاب

стр. 50

الأشربة، وكتاب الوديعة، وكتاب العُمرى، وكتاب بيع المصاحف، وكتاب خطأ الطبيب، وكتاب جناية معلم الكتاب، وكتاب جناية البيْطار والحجام، وكتاب اصطدام الفارسين والتنشين، وكتاب بلوغ الرشيد، وكتاب اختلاف الزوجين في متاع البيت، وكتاب صفة البغي، وكتاب فضائل قريش وبني هاشم والأنصار، وكتاب الوليمة وكتاب صول الفحل، وكتاب الضحايا، وكتاب البَحِيرة والسَّائبة، وكتاب قسم الصدقات، وكتاب الاعتكاف، وكتاب الشفعة، وكتاب السبق والرمي كتاب الرجعة، وكتاب اللقيط والبنوة وكتاب الحوالة والكفالة، وكتاب كراء الأرض، وكتاب التفليس، وكتاب اللقطة فهذه الكتب التي يرويها محمد بن صالح بن الحسن بن زياد، عن الربيع بن سليمان إجازة لنا بخطه. وهذا ذكر ما يفوق السحر من كتب الشافعي ﵀ مما يدخل في العدد: كتاب فرض الصدقة، وكتاب قسم الفيء، وكتاب القرعة، وكتاب صلاة الخوف، وكتاب الديات، وكتاب الجهاد، وكتاب جراح العمد، وكتاب الخرص، وكتاب العتق، وكتاب الأولياء، وكتاب إبطال الاستحسان، وكتاب العقول، وكتاب الرد على محمد بن الحسن، وكتاب سير الواقدي، وكتاب اختلاف مالك والشافعي، وكتاب حبل الحبلة، وكتاب قطاع الطريق. وسمعت أبا بكر بن محمد بن صالح بن الحسن بن زياد بالبصرة يقول: الذي لم يسمعه الربيع من الشافعي ﵀ من الكتب: كتاب الوصايا الكبير، وكتاب جماع العلم، وكتاب خلاف أهل العراق علي وعبد اللَّه، فكان الربيع يقول فيها: قال الشافعي. وزاد عبد الملك بن محمد بن عبد الوهاب الشعراني في كتب الشافعي على محمد بن صالح البغوي: كتاب درجات الخطايا، وكتاب قتل المشركين، وكتاب الإقرار بالحكم الظاهر، وكتاب مسألة الجنين، وكتاب الأجناس، وكتاب فرض اتباع النبي ﷺ ، وكتاب ذبح بني

стр. 51

إسرائيل، وكتاب غسل الميت، وكتاب ما ينجس الماء مما يخالطه وكتاب الأمالي في الطلاق، وكتاب مختصر البويطي وكتاب وصية الشافعي. قال الربيع بن سليمان: أقام هاهنا الشافعي يعني: بمصر أربع سنين فأملى ألفًا وخمسمائة ورقة وخرج كتاب الأم ألفي ورقة، وكتاب السنن, وأشياء كثيرة كلها في أربع سنين وكان عليلًا شديد العلة -رحمة اللَّه عليه-. ما استصوبنا إيراده من مناقب الشافعي ﵀ وإن كانت يسيرة في جنب مناقبه وفضائله، وحيث انتهينا إلى الغرض المطلوب من ذلك، فلنشرع في ذكر مقدمة تتضمن عقودًا من أصول. الحديث مختصرة، يحتاج إلى معرفتها الراغبون في علم الحديث ممن يربأ بنفسه عن الاقتصار على مرتبة الرواية -وإن لم يطمع في إعلاء درجة الرواية. على أننا قد بسطنا القول في ذلك- وإن لم نكن استوفينا في مقدمة كتاب "جامع الأصول في أحاديث الرسول" وهاهنا نذكر على سبيل الإشارة والتنبيه على المقصد في أربعة فصول. الفصل الأول: في طريق نقل الحديث وروايته؛ وفيه سبعة فروع؛ الفرع الأول: في صفة الراوي. لراوي الحديث أوصاف وشروط لا يجوز قبول روايته دون استكمالها وهي أربعة: الإسلام والتكليف والضبط والعدالة، وقد شرط قوم العدد فلم يقبلوا إلا رواية رجلين يروي عن كلٍّ رجلان، وقال قوم: لا بد من أربعة رجال تعظيمًا لشأن الحديث، والأصل الأول؛ فلا يقبل رواية الكافر ولا الصبي؛ نعم إذا تحصل الحديث وهو صبي ورواه بالغاً قبلت روايته وأصحاب الحديث يجيزون رواية ما سمعه الصبي الصغير وإن لم يعلم عند التحمل ما سمع، وأكثرهم على أنه لا يجوز سماع من له دون خمس سنين، وأما أهل الفقه فلا يرون ذلك بل لابد من تمييز الصبي عند التحمل، ولابد من ضبط ما سمع وحفظه حتى يؤديه كما سمعه فالاعتبار بضبط اللفظ وإن لم يعرف المعنى ومنهم من اشترط المعنى

стр. 52

وهذا حجر يتعذر مع العمل به رواية الحديث إلا على الآحاد ولا تجوز رواية الفاسق ولا صاحب بدعة وهوى في دينه يدعو إلى هواه على أن جماعة من أئمة الحديث قد أخذوا عن جماعة من الخوارج والقدرية والغلاة وتخرج عن الأخذ عنهم آخرون. وللراوي صفات أخرى ليست شرطًا ولكنها مكملات منها: العلم والفقه، ولا يشترط ذلك، ومنها مجالسة العلماء وسماع الحديث فليس شرطًا بل تقبل رواية الأعرابي ومن لم يجالس أحدًا من أهل العلم، ومنها معرفة نسب الراوي ليست شرطًا بل تقبل رواية المجهول النسب. الفرع الثاني: في مستند الراوي وكيفية أخذه. راوي الحديث لا يخلو في تلقيه الحديث من طرق ست؛ الأولى -وهي العليا-: قراءة الشيخ في معرض الإخبار ليروي عنه، وذلك إذْن منه للراوي على أن يقول: حدثنا، وأخبرنا، وقال فلان، وسمعته يقول. وقد فرق قوم بيْن "حَدَّثنا"، "وأخبرنا" فقالوا: "حدثنا" عبارة عما سمعته من لفظ الإمام مع الناس، و"حدثني" ما سمعته وحدك و"أخبرنا" ما قُرئ على الإمام وأنت حاضر، "وأخبرني" ما قرأته على الإمام، والصحيح أنه لا فرق بينهما، وعليه الأكثر، وأما "أنبأنا" فإن أهل الحديث يطلقونه على الإجازة والمناولة دون القراءة والسماع اصطلاحًا وإلا فلا فرق بين الإنباء والإخبار.

стр. 53

الطريق الثانية: أن يقرأ على الشيخ وهو ساكت، فهو كقوله: هذا صحيح [فتجوز الرواية] (١) -خلافًا لبعض الظاهرية- لأنه لو لم يكن صحيحًا لكان سكوته عليه -وهو يقرأ- وتقريره له فسقًا قادحًا في عدالته؛ وهذا إذْن من الشيخ بأن يقول الراوي: "حدثنا" "وأخبرنا" قرءاة عليه، وقال قوم: لا يجوز أن يقول فيه: "حدثنا" ويقول فيه "أخبرنا"، وأما قوله "حدثنا" "وأخبرنا" مطلقًأ ففيه خلاف ثم القراءة على الشيخ إخبار، وإليه ذهب العلماء والفقهاء ومعظم أهل الحديث فقد ذهب قوم إلى أن القراءة على الشيخ أعلى من قراءَة الشيخ وأحوط. الطريق الثالثة: سماع ما يُقْرَأ على الشيخ ويتنزل منزلة القراء عليه لكنها ينقص عنها بأن السامع [.....] (٢) وحينئذ يقول الشيخ: حدثني فلان على أني حدثته. والثاني: أن يقول الشيخ بخلاف الخبر فإن كان قبل الرواية فلا يكون تكذيبًا بوجه وكذلك إذا لم يعلم التاريخ, وأما إن كان بعد الرواية فإن كان يحتمل التأويل بضرب ما] (١) لم يكن تكذيبًا وإن كان لا يحتمل الخبر التأويل له لما عمل به] (١) فهو مردود. والثالث: أن ينكره تاركًا فإذا [امتنع] (١) من [العمل به ففيه دليل] على أنه لو عرف صحته لما امتنع لأنه يحرم عليه مخالفته مع العلم بصحته. الفرع الثالث: في لفظ الراوي وإيراده؛ وهو خمسة أنواع. النوع الأول: في مراتب الإخبار، وهي خمس؛ المرتبة الأولى: أن يقول الصحابي: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول كذا، وحدثني بكذا، وأخبرني بكذا وكذلك غير الصحابي من الرواة عمن رووا عنه، فهذا لا يتطرق إليه احتمال وهو الأصل في التبيلغ والإخبار.

стр. 54

المرتبة الثانية: أن يقول الصحابي: قال رسول اللَّه ﷺ ، وحدثنا أو أخبرنا وكذلك غير الصحابي عن شيخه فهذا ظاهره النقل وليس نصًّا صريحًا إذ يقول الواحد منا: قال رسول اللَّه ﷺ اعتمادًا [على] (١) ما نقل إليه وإن لم يسمعه منه. المرتبة الثالثة: أن يقول الراوي: أمر رسول اللَّه ﷺ بكذا أو نهى عن كذا فهذا دون الثاني: يتطرق إليه ثلاثة احتمالات: أحدهما: في سماعه كما في قوله. والثاني: في الأمر إذ ربما يرى ما ليس بأمرٍ أمرًا. والثالث: احتمال العموم والخصوص حتى قد ظن قوم أن مطلق هذا يقتضي أمر جميع الأمة. المرتبة الرابعة: أن يقول الراوي: أمِرنا بكذا ونهينا عن كذا، من السنة كذا، السنة جارية بكذا، فهذا، وما أشبهه في حكم واحد، ويتطرق إليه الاحتمالات الثلاثة التي تطرقت إلى المرتبة الثالثة واحتمال رابع وهو الآمر فإنه لايدري أنه رسول اللَّه ﷺ أو غيره؛ فقال قوم: لا حجة فيه لأنه محتمل، وذهب الأكثرون إلى أنه لايحتمل إلا أمر اللَّه ورسوله لأنه يريد به إتيان شرع أو إقامة حجة. المرتبة الخامسة: أن يقول الراوي: كنا نفعل كذا -وغرضه تعريف أحكام الشرع- فإن ظاهره يقتضي أن جميع الصحابة فعلوا ذلك على عهد رسول اللَّه ﷺ على وجه ظهر له ولم ينكره, لأن تعريف الحكم يقع به، فإن قال: كانوا يفعلون، وأضافه إلى زمن رسول اللَّه ﷺ فهو دليل على جواز الفعل كقول أبي سعيد الخدري: "كنا نخرج على عهد رسول اللَّه ﷺ صاعًا من

стр. 55

بُرٍّ في زكاة الفطر" النوع الثاني: في نقل لفظ الحديث بالمعنى: وهو حرام على الجاهل بمواقع الخطاب ودقائق الألفاظ، أما العالم بذلك فقد جوزه الشافعي وأبو حنيفة، ومالك، وجماهير الفقهاء، ومعظم أهل الحديث، وقال قوم: لا يجوز إلا إبدال اللفظ بما يرادفه ويساويه في المعْنى. ومدار القول في ذلك على أربعة أقسام: الأول: أن يكون الحديث محكمًا لا يحتمل التأويل بوجه، فيجوز نقله بالمعنى لأنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا. والثاني: أن يكون الخبر ظاهر المعنى ويحتمل غير ما ظهر، ولا يجوز النقل بالمعنى إلا للفقيه العالم بطرق الاجتهاد والدين لئلاً يكسوه لفظًا آخر لا يحتمل ما احتمله اللفظ الأول. والثالث: أن يكون الخبر مشتركًا أو مشكلًا، فلا يجوز النقل بالمعنى على جهة التأويل لأنه لا يتوقف على معناه إلا بنوع تأويل، وتأويل الراوي لا يكون حجة على غيره فإنه يكون ضربًا من القياس. والرابع: أن يكون الخبر مجملًا فلا يتصور نقله بالمعنى لأنه لا يوقف على معناه، وما لا يوقف على معناه فلا يتصور نقله بمعناه فيكون الامتناع بذاته لا بدليل يمتنع الناقل عنه. والقول الجامع: أن اللفظ إذا كان مما يجب نقله للعمل بمعناه فوقف على معناه حقيقة ثم أدى بلفظ آخر بغير خلل فيه سقط اعتبار اللفظ، فالنقل باللفظ عزيمة، وبالمعنى رخصة في بعض الأخبار -على التفصيل المذكور-. النوع الثالث: رواية بعض الحديث وهي ممتنعة عند أكثر من منع نقل الحديث بالمعنى، ومن جوز ذلك جوز هذا إن كان قد رواه مرة بتمامه ولم يتعلق

стр. 56

المتروك بالمذكور تعلقًا يغير معنى، فأما إذا تعلق به تعلقًا يغير المعنى فلا يجوز لأنه يكون تحريفًا وتلبيسًا، والمقصد الأعظم من ذكر الحديث إنما هو الاستدلال به على الحكم الشرعي فإذا ذكر من الحديث ما هو دليل على ذلك الحكم المستخرج منه فقد حصل الغرض لكن يبقى الأدب بالمحافظة على ألفاظ الرسول -صلوات اللَّه وسلامه عليه- وإيرادها كما ذكرها، والأولوية درجة وراء الجواز. النوع الرابع: انفراد الثقة بالزيادة. [إذا] (١) انفرد الثقة بزيادة في الحديث عن جماعة النقلة، فإنما تُقْبَل عند الأكثر سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ أو من حيث المعنى، لأنه لو انفرد بنقل حديث عن جميع الحفاظ قبل وكذلك الزيادة (٢). النوع الخامس: الإضافة إلى الحديث ما ليس منه. وهو أن يذكر الراوي في الحديث زيادة من قوله -إلا أنه لا تتبين تلك الزيادة أنها من قول النبي ﷺ أو من قوله-فتبقى مجهولة- وأهل الحديث يسمون هذا النوع "الُمدْرَج" أي أنه أدرج كلامه مع كلام النبي ﷺ ولم يميز بينهما، فيظن أن الجميع لفظ النبي ﷺ وذلك بخلاف النوع الثالث فإن الزيادة التي يزيدها الراوي فيه تبين أنها من كلام النبي ﷺ . الفرع الرابع: في المسند والإسناد، والمسند من الحديث هو أن يروي الحديث واحد عن واحدٍ رآه وسمع منه أو عليه قراءةً أو إجازةً أو مناولة، وله رواية متصلة إلى من رأي النبي ﷺ وسمع منه، وللإسناد أَوْضَاع واصطلاح وشرائط فمنها أن لا يكون في الإسناد أُخْبرت عن فلان، ولا حُدِّثت، ولا

стр. 57

بلغني، ولا رفعه فلان، ولا أظنه مرفوعًا، ومن الإسناد أن [يقول] (١) الصحابي أمرنا بكذا وكنا نفعل كذا، وكنا نقول ورسول اللَّه ﷺ فينا كذا. ومن السنة كذا فإذا جاء هذا عن صحابي مشهور فهو مسند. من المسندات المعنعن: وهو أن يقول أحد الرواة: حدثنا فلان، عن فلان ولا يذكرون طرقًا بحدثنا وأخبرنا وسمعنا، وهذا إذا كان رواته ثقات مشهورين بالصدق لا ينسب إليهم التدليس؛ فسواء ذكروا [طريق] (٢) سماعهم أو لم يذكروه؛ فإن حديثهم مقبول معمول به، فإنْ كان أحد رواته متهمًا بالتدليس فيحتاج أن يذكر طريق سماعه حتى يكون مسندًا. ومن المسندات نوع يسمى: المسلسل، وهو اصطلاح بين المحدثين مثل أن يشترك رواة الحديث جميعهم عند السماع في قول أو فعل أو حالة أو مكان ونحو ذلك من زمن النبي ﷺ إلى آخر رواته مثل المصافحة والأخذ باللحية يقول: حدثني فلان وصافحني قال: حدثني فلان وصافحني قال: حدثني فلان وصافحني وكذلك وكذلك إلى أول الإسناد. والإسناد في الحديث هو الأصل، وبه يعرف صحة الحديث من سقمه، وفيه عال ونازل، فطلب العالي سنة؛ ومن العالي ما هو بقلة العدد، ومنه ما هو بثقة الرواة ومنه ما هو بفقه الرواة، ومنه ما هو باشتهار الرواة، ومنه ما يجمع هذه الأوصاف أو أكثرها -وهو أكملها- وقد اختلف في أعلى هذه المراتب لكن الأولى أن يكون أعلاها ما اجتمع فيه هذه الأوصاف، ثم ما كان في طريقة الفقهاء ثم الثقات ثم المشهورون ثم العدد إذا عري من هذه الأوصاف. الفرع الخامس: في المرسل: وهو أن يؤدي الراوي حديثًا عمن لم يعاصره،

стр. 58

وله بين المحدثين اصطلاح في تسمية أنواعه؛ فمنه المرسل المطلق وهو أن يقول الشافعي: قال رسول اللَّه ﷺ ؛ فلا يكون مرسلًا مطلقًا ما لم يرسله التابعي خاصة ومنه قسم [] (١).

стр. 59

وليس بالقوي لأنه لم يجئ إلا قليلًا، قالوا في قرأت قريت، فالوُضوء بالضم الفعل نفسه، وقيل: إنه مصدر، وبالفتح الماء الذي يُتَوَضَّأُ به، وقيل: هو مصدر أيضًا وقيل: هما لغتان بمعنى واحد. فأما توضأت فمصدره الحقيقي الجاري على القياس التوضّؤ مثل تكفَّأَ تكفُّؤ وتلكَّأَ تَلَكُّؤ، والأحسن في الوضوء أن يكون اسمًا للمصدر، لا مصدرًا؛ لأن فعولًا لم يجئ مصدرًا إلا لفَعَلَ يفعُل، وفَعَلَ يفعِلُ نحو شكر يشكر شكورًا, وجلس يجلس جلوسًا، والفعل المستعمل في الوضوء إنما هو توضأت ولم يرد فيه وضأت مثل جلست وشكرت؛ لكنهم قالوا: وضؤ الرجل إذا صار وَضِيًّا أي حسنًا نظيفًا, ولم يرد في مصادر فعُل بالضم فعول؛ اللهم إلا أن يقال: إنه مصدر فِعل مرفوض الاستعمال، وله في العربية نظائر، هذا معنى الوضوء في اللغة. وهو في الشرع: عبارة عن استعمال الماء الطهور على أعضاء مخصوصة، بنية مخصوصة، مقرونًا بنية منعقدة في القلب دالة على رفع الحدث أو استباحة الصلاة وغير ذلك، وهذه النية شرط في صحة الوضوء عند الشافعي ﵀. والهمزة في قوله: "أنتوضأ" همزة استفهام دخلت على فاء العطف التي عطفت الجملة على الجملة، ولولا الفاء لكان الكلام غير ملتبس بالأول؛ وإنما هي التي جمعت بين الأول والثاني، وجعلت الوضوء مترتبًا على الحمل، فكأن الكلام كان في الأول نحمل فنتوضأ، فلما أن أراد أن يستفهم عن جواز الوضوء بماء البحر أدخل همزة الاستفهام عليه، والباء في قوله "بماء البحر" يجوز أن تكون للإطلاق والتسبيب كما تقول: ضربت بالسيف، وكتبت بالقلم؛ أيْ توضأت بالماء كأنه آلة حصلت النظافة والطهارة بها. ويجوز أن تكون الباء للملابسة والمخالطة كقوله تعالى:

стр. 60

﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (١) -فيمن قرأ بفتح التاء- تنبت ملتبسة ومختلطة بالدهن، وكذلك هذا توضأ ملتبسًا بالماء ومخالطًا له. والأول أقوى لأن الوضوء على الحقيقة إنما جعل بالماء وحده مع النية عند من اشترطها. وقولى: "بماء البحر" مطلقًا يحتمل ظاهر إطلاقه أن الوضوء يجوز بجميع ماء البحر وأن يكون ببعضه -وهو المراد- كما تقول: شربت ماء النهر، يجوز في إطلاق هذا اللفظ الأمران ولكن الفرض البعض لا الكل، وقد قال الفقهاء: إذا حلف: ليشْربنَّ ماء البحر أنه يجزئه أن يشرب منه أقل ما يطلق عليه اسم المائية ولا يكلف شرب جميعه، وقيل في وجه: إنه يحنث في الحالات لأن شرب جميعه يلزمه بمقتضى يمينه؛ وذلك محال على أن لِباب الأيمان حكمًا لا يعم غيره إذ مبناه على العُرْف، وقوله في الرواية الأخرى "أفنتوضأ من ماء البحر" ظاهر لا يحتاج إلى تخصيص لأنه جاء بلفظة "من" التي هي للتبعيض وهي تفيد الغرض المطلوب من الرواية الأولى في أحد مدلولي الباء. وقولى: "الطَّهور"، بفتح الطاء هو البالغ في الطهارة، وهي التنزه عن الأدناس والنجاسات، يقال: طَهُور وطَهُرَ يَطْهُرُ طَهَارَةً فيها فهو طاهر، وتَطَهَّرَ يَتَطَهَّرُ تَطَهُّرًا، والاسم الطَّهُور، والماء الطاهر له وصفان؛ أحدهما: طاهر غير مطهر، والثاني: طهور. فالطاهر هو الذي ليس بنجس ويدخل فيه المستعمل في رفع الحدث؛ وهذا الماء لا يرفع به الحدث ولاتزال به النجاسة ولكن يجوز شربه والطبخ به وحمله في الصلاة ولا يغسل به الثوب ولا البدن لأنه طاهر (٢)، وأما الطهور فهو الذي

стр. 61

يصح به رفع الحدث وإزالة النجاسة، وفَعُول -بفتح الفاء- إذا كان اسم فاعل فهو من أبنية المبالغة نحو: أكول، وشروب، وقتول لمن يكثر منه الأكل والشرب والقتل وذلك أكثر من: آكل وشارب وقاتل، فإن لم يكن اسم فاعل فهو من الأسماء التي تستعمل نحو السَّحور والفطور لما يتسحر به ويفطر عليه. قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١) أي مطهرًا، وقد خالف قوم من أهل اللغة فقالوا: الطهور هو الطاهر وبه قال أبو بكر بن داود الأصفهاني، وقوم من أصحاب أبي حنيفة ﵀ -واعتلوا بأن العرب لا تفرق بين فاعل وفعول في التعدي واللزوم مثل قاعد وقعود وضارب ضروب تعدي فاعله تعدي فعوله، والطاهر غير مُتَعَدٍّ وطهور كذلك، والأكثرون على خلاف هذا القول- كما قدمناه. وأما "الحِل" -بكسر الحاء- فهو الحلال ضد الحرام، يقال: حَلَّ الشيء يَحِلُّ حلالًا وَحِلًّا فهو حلٌ أي طلق. "والميتة" تأنيث للميت تقول: مات يموت موتًا فهو مَيّت ومَيْت ومائت، وأصل مَيت: مَيُوت، ثم أدغم، ثم إنهم حققوه فقالوا: ميت يستوى فيه المذكر والمؤنث، قال اللَّه تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ (٢) ولم يَقُل ميتة، فأما المَيْتة التي في الحديث فهي اسم لكل حيوان زهقت روحه بغير الذبح الشرعي، وهي مفتوحة الميم، وبعض من لا عِلْمَ عنده يكسرها وهو خطأ؛ فإن الميتة -بالكسر- هي حالة الميت نحو

стр. 62

الجِلْسة والرِّكْبة، وفي جواب النبي ﷺ هذا السائل بقوله: "هو الطهور ماؤه الحل ... " بلاغة معروفة من كلامه وفصاحةٍ خاصةٍ بألفاظه، فإنه لو قال له في الجواب: نعم. لم يحصل للسائل غرضه لكنه ﷺ عدل عن هذا الجواب إلى الجواب الذي أتى بالغرض على أكمل وجه مقرونًا بعلة الجواز وهي الطهورية المتناهية في مائه، ثم إنه قدم الطهارة على الماء فقال: "هو الطهور ماؤه" ولم يقل: ماؤه الطهور؛ لأنه في هذا المقام أشد عناية بذكر الوصف الذي اتصف به الماء وجاز الوضوء به وهو الطهورية دون ذكر الماء، فقدم في الذكر الأهم عنده والأحوج إليه. فانظر إلى ما في هذا الجواب السديد من الفائدة التي في قوله: "نعم" هذا إلى ما كان يجوز أن يُحْمل لفظة "نعم" عليه من أن ذلك إنما أجازه رخصة لهذا السائل ولمن كان في حاله ممن معه القليل من الماء وأنه مع كثرة الماء لا يجوز الوضوء به، وهذا الاحتمال من النبي ﷺ منتف بذكر العلة في جواز الوضوء به وهي (١) وأن ذلك وصف لازم له سواء قل الماء مع المسافرين فيه أو كثر، ثم [...] (٢) ﷺ لما أجاب السائل عن سؤاله أضاف إليه جوابًا على شيء ولم يسأله عنه فقال ﷺ : "الحل ميتته" لأنه لما سأله عن ماء البحر فأجابه رأى من المصلحة لهذا السائل أن يعرفه لهم في طعام البحر لعلمه أنهم قد يعرض لهم إذا ركبوا البحر قلة الزاد كما أعوزهم الماء العذب، فلما جمعتهم الحاجة إليهما جمع الجواب عنهما وأبان عن الحكم فيهما, ولأن علم طهارة ماء البحر أمر ظاهر عند الأكثرين وعلم حال ميتة البحر وكونها حلالًا مشكل في الأصل؛ فلما رأى السائل جاهلًا بأظهر الأمرين، علم أن أخفاهما بالبيان أولاهما, ولأن النبي ﷺ لما أعلمهم بطهارة ماء البحر، وقد علم أن في البحر حيوانًا قد يموت فيه، -والميتة نجس- احتاج أن يظهر أن حكم هذا النوع من الميتة حلال بخلاف سائر الميتات وألا يتوسموا أن ماءه ينجس بحلولها فيه، وفي إضافة

стр. 63

النبي ﷺ إلى الجواب جوابًا عما لم يُسْأَل عنه دليل على جواز أمثاله من الزيادات في الأجوبة إذا كنت حال السائل كحال السائل، فإن ذلك تعريفٌ بطرق الرشاد وهداية إلى مناهج الصلاح (١) والمعنى الذي دل عليه قوله: "هو الطهور ماؤه" وما أشرنا إليه من الأعراض اللطفة والمقاصد الشريفة موجود في قوله "الحل ميتته" ولفظة "وهو" في قوله: "هو الطهور ماؤه" ضمير راجع إلى البحر وموضعه رَفْعٌ بالابتداء، "الطهور ماؤه" خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول الذي هو البحر، والهاء التي أضيفت إليها الماء راجعة إلى المبتدأ الأول وإن شئت قلت: هو مبتدأ والطهور بمعنى الذي طهر، وماؤه فاعل والجملة خبر المبتدأ لكنها في هذا القول من فعل وفاعل والتقدير في قوله "الحل ميتته" كذلك. وقوله: "هو الطهور ماؤه" قد جعل ذاته جميعها طاهرة، ثم فسر بقوله "ماؤه"، وكذلك جعل ذاته حِلًّا ثم فسر الحل بالميتة، وفي هذا من البلاغة مالا يخفى على العارفين بمواقع الخطاب الواقفين على حدود الفصاحة من أولى الألباب. "والأرماث" -جمع رَمث بفتح الميم- وهو الطّوفُ من الخشب يضم بعضه إلى [بعض] (٢) فيركب في البحر والأنهار، والذي ذهبت إليه الشافعية العمل بهذا الحديث، فماء البحر عنده طاهر مطهر يزيل به النجاسة ويرفع به الحدث وقد عمل بذلك من الصحابة ﵃ أبو بكر وعمر، وعلي، وابن

стр. 64

عباس، وأنس بن مالك، وعتبة بن عامر، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وعطاء بن رباح، وطاوس، وعكرمة، ومحمد بن سيرين، والحسن البصري، وبه قال مالك بن أنس، وأهل المدينة، وأبو حنيفة، والثوري، وأهل الكوفة، والأوزاعي وأهل الشام، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام (١)، وقد كره الوضوء به: عبد اللَّه بن عُمر، وعبد اللَّه بن عَمرو وقالا: التيمم أعجب إلينا منه (٢) وحُكي عن المسيب أنه قال: إذا ألجئت إليه فتوضأ منْه.

стр. 65

الفصل الثاني في ماء البئر أخبرنا الشافعي، أخبرنا الثقة، عن ابن أبي ذئب، عن الثقة عنده، عمَّن حدثه، أو عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن العدوي، عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا سأل رسول اللَّه ﷺ قال: إن بئر بُضَاعة يطرح فيها الكلاب والمحيض فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن الماء لا ينجسه شيء" (١). أخرجه في كتاب اختلاف الحديث، هذا حديث صحيح (١)، قد أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي. فأما أبو داود (٢)، فأخرجه عن أحمد بن شعيب، وعبد العزيز بن يحيى، الحرّانيين، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سليط بن أيوب، عن عبيد اللَّه بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوى، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ وهو يقال له: إنه يُسْتَقَى لك من بئر بضاعة، وهي تلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض وعذر الناس؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الماء طَهُور لا يُنجِّسُهُ شَيء". قال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها فقلت (٣): أكثر ما يكون فيها الماء؟ قال: إلى العانة. قلت: وإذا نقص؟ قال: دون العورة.

стр. 66

قال أبو داود: قدّرت بئر بضاعة بردائي، مددته عليها، ثم ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع. وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني فيه: هلُ غيَّر بناؤها عما كانت عليه؟ فقال: لا. ورأيت فيها ماءً متغير اللون. ولأبى داود في رواية أخرى عن محمد بن العلاء، والحسن بن علي، ومحمد سليمان الأنباري، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن رَافع بن خديج، عن أبي سعيد، فذكر الحديث. قال أبو داود: وقال بعضهم، عبد الرحمن بن رَافع. وأما الترمذي (١)، فأخرجه عن هنَّاد بن السرىِّ، والحسن بن علي الخلال، وغيْر واحد، عن أبي أسامة؛ بإسناد أبي داود الثاني، قال: "قيل يا رسول اللَّه أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي يلقى فيها الحِيَض ولحوم الكلاب والنَّتْن؟ فقال: "إن الماء طَهُور، ولا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ". قال الترمذي (٢): قد جود أبو أسامة هذا الحديث، لم يُرْوَ حديث أبي سعيد في بئر بضاعة (٣)، في أحسن مما روى أبو أسامة. وقد روى هذا الحديث من غير وجه، عن أبي سعيد. وأما النسائي (٤) فأخرجه عن هارون بن عبد اللَّه، عن أبي أسامة، بإسناد أبي

стр. 67

داود، والترمذي، ولفظه في رواية أخرى عن العباس بن عبد العظيم، عن عبد الملك بن [عمرو] (١) عن عبد العزبز بن مسلم -وكان من العابدين- عن مطرف بن طريف، عن خالد بن أبي نوف، عن سَليط، عن أبي سعيد قال: "مررتُ بالنبي ﷺ وهو يتوضأ من بئر بضاعة". وفي الباب عن ابن عباس، وعائشة. فقد روى الزعفراني، عن الشافعي، أنه قال -في القديم-: أخبرنا رجل عن سليط بن أيوب [عن] (٢) عبيد اللَّه بن عبد الرحمن العدوي، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قيل له، فذكر الحديث مثل رواية أبي داود. وقد اخْتُلِفَ في اسم عبد الرحمن بن رافع، فقيل: عبيد اللَّه، وقيل عبد اللَّه، واختلف في اسم أبيه أيضًا، فقيل عبد الرحمن، وقيل عبد اللَّه (٣). "بئر بضاعة": بئر معروفة لأراضى المدينة -وقد تُكْسَرُ بَاؤُها. و"المحيض": مصدر حاضت المرأة تحيض، حيضًا، ومحيضًا، وقد استعمل المصدر في هذا الحديث، استعمال الاسم، يريد بالمحيض هاهنا: الدم. وفي رواية أبي داود: المحايض، وهي جمع محيضة، والمحيضة الخِرْقة التي تستثفر بها المرأة عند الحيض. وفي رواية الترمذي، والنسائي، الحيض، وهي جمع الحيضة -بكسر الحاء وبفتحها- فالكسر هي الحالة، والفتح هي المرة الواحدة من الحيض.

стр. 68

"والنتنُ": ما يستقذر من النجاسات، كالميتات ونحوها. و"العَذِر": بفتح العين، وكسر الذال، جمع عذرة، وهي الغائط، مثل كلمة وكلم ونبقة ونبق. "وَالعَانة": الشعر النابت حول الفرج من الذكر والأنثى. "والعورة" من الإنسان، كل ما يستحي منه إذا ظهر. وهو في الشرع: موضع مخصوص من بدنه، وهذا يجيء بيانه في موضعه. وفي رواية الجماعة "إن الماء طهور لاينجسه شيء" بزيادة لفظة طهور، وفيها فائدة حسنة, لأن قوله "إن الماء لا ينجسه شيء". يجوز أن يكون غير نجس, وهو غير طهور، كالماء المستعمل في الحدث، ليس بنجس, وهو مع ذلك غير طهور، فإذا قال: "طهور"، زال هذا الوهم، وبقي قوله "لا ينجسه شيء"، زيادةً في البيان، وتعريضًا بذكر ما قالوا، أنه يلقى فيها من الحِيَضِ وغيرها، أي أن هذه النجاسات لا تؤثر في هذا الماء، فذكر ذلك تأكيدًا وبيانًا. وقد يتوهم كثير من الناس إذا سمع هذا الحديث، أن هذا كان منهم عادة، وأنهم كانوا يأتون هذا الفعل قصدًا وتعمدًا، وهذا ما لا يجوز أن يُظَنَّ بذِمِّيِّ بل بوثني، فضلاً عن مسلم وصحابي، ولم يزل من عادة الناس قديمًا وحديثًا، مسلمهم وكافرهم، تنزيه المياه وصونها عن النجاسات، فكيف يظن بأهل ذلك الزمان، وهم أعلى طبقات أهل الدين، وأفضل جماعة المسلمين، والماء ببلادهم أعز، والحاجة إليه أمس، أن يكون هذا صنيعهم بالماء، وامتهانهم له؟!

стр. 69

وقد لعن النبي ﷺ "من تغوط في موارد الماء ومشارعه" (١) (٢) فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه، رَصَدًا للأنجاس، ومُطَّرَحًا للأقذار؟ مثل هذا الظن لا يليق بهم، ولا يجوز فيهم. وإنما كان ذلك، من أجل أن هذه البئر موضعها في حَدُور من الأرض، وأن السيول كانت تكسح هذه الأقذار من الطرق والأفنية وتحملها، فربما ألقت منها فيها شيئًا، وكان الماء لكثرته فيها, يؤثر فيه وقوع شيء من هذه الأشياء ولا يغيره، فسألوا رسول اللَّه ﷺ عن شأنها ليعلموا حكمها في الطهارة والنجاسة، فكان من جوابه لهم أن الماء لاينجسه شيء، يريد الماء الذي صفته صفة هذه البئر، في غزارته وكثرة جمامه، لأن السؤال إنما وقع عنها بعينها فجاء الجواب عليها. ولا يخالف حديث القلتين إذا كان معلومًا أن الماء الذي في بئر بضاعة يبلغ قلتين، فأحد الحديثين يوافق الآخر ولا يناقضه والخاص يقضي على العام ويبينه، ولا ينسخه ولا ييطله (٣). قال الشافعي: بئر بضاعة كثيرة الماء، واسعة، كان يطرح فيها من الأنجاس، ما لا يغير لها لونًا, ولا طعمًا, ولا يظهر له فيها ريح، فقال النبي ﷺ مجيبًا: "الماء لا ينجسه شيء" يعني في الماء مثلها. واستدل على ذلك، بحديث أبي هريرة في ولوغ الكلب، لأنه لما كان الإناء الذي يلغ فيه الكلب صغيرًا في الغالب، والماء فيه قليل، أمر بغسله، حيث نجس

стр. 70

أصليته بالولوغ. والذي ذهب إليه الشافعي، أن النجاسة إذا وقعت في الماء فغيرت لونه، أوطعمه، أوريحه، فالماء نجس, قل الماء أم كثر، وإن لم يغيره فإن كان قلتين فصاعدًا لم ينجس، وإن كان دونهما فهو نجس. وروى الفرق بين القليل والكثير، عن جماعة وإن اختلفوا في مقدارهما، منهم: ابن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وإسحاق، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، وأبو عبيْد، واختاره المزني. وذهبت طائفة إلى أن القليل والكثير سواء، لا ينجس إلا بالتغير، وروي ذلك عن ابن عباس، وحذيفة، وأبي هريرة، والحسن البصري، وابن المسيب، وعكرمة، وابن أبي ليلى، وجابر بن زيد، وإليه ذهب مالك، والأوزاعي، والثوري، وداود، واختاره ابن المنذر. وذهب أبو حنيفة وأصحابه؛ إلى أن كل ما تيقن وصول النجاسة إليه، أو غلب في الظن لم يجز استعماله. هذا تحقيق مذهبه، وما يحكى عنه من اعتبار الحركة، فإنها أمارة تدل على وصول النجاسة إليه، فإنه إذا بلغته الحركة بلغته النجاسة، واللَّه أعلم. قال الشافعي في القديم: أخبرنا رجل، عن أبيه، عن أمه، عن سهل بن سعد الساعدي قال: "سقيت رسول اللَّه ﷺ بيدي من بئر بضاعة" (١).

стр. 71

وهذا الرجل الذي روى عنه هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وقد رواه غيره، عن أن أبيه، وأبوه ثقة (١).

стр. 72

الفصل الثالث في المَاءِ الدائم أخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يَبُولَنَّ أَحدُكُم في الماءِ الدائم ثم يغتسل منه". أخرجه في كتاب اختلاف الحديث. هذا حديث صحيح، متفق عليه، أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥). أما البخاري فأخرجه عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزِّنَاد، عن الأعرج, عن أبي هريرة، وزاد بعد "الدائم": "أي الذي لا يجرى"، وقال: (٦) "يغتسل فيه". وأما مسلم، فأخرجه عن زهير بن حَرب، عن جرير، عن هشام، عن ابن سيرين، بلفظ الشافعي. وفي أخرى عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام ابن منبه، عن أبي هريرة نحوه. أما أبو داود، فأخرجه عن أحمد بن يونس، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، بلفظ الشافعي.

стр. 73

وفي أخرى عن مسدَّد، عن يحيى، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة نحوه، وقال: "لا يغتسل فيه من الجَنَابَة". وأما الترمذي فأخرجه عن محمود بن غَيْلان، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة وقال: "ثم يتوضأ منه". وأما النسائي: فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس عن عوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة. مثل الترمذي. وفي أخرى عن يعقوب بن (١) إبراهيم، عن إسماعيل، عن يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة بلفظ الشافعي. قال النسائي: كان يعقوب لا يحدث بهذا الحديث إلا بدينار. هذه "لا" ناهية، ومن حقها أن تجزم الفعل الواقع بعدها. وعلامة الجزم في الأفعال الصحيحة, سكون آخرها، نحو "لم يضربْ" فإن كان قبل حرف الإعراب حرف علة نحو: تقول، وتبيعُ وتخاف، حذفته لئلا يجتمع ساكنان، هما حرف العلة، وحرف الإعراب، تقول: لم يقل، ولم يبع، ولم يخف، وبقيت حركة فاء الكلمة، تدل على المحذوف، فإذا صرنا إلى قوله: "لا يبولنَّ" الأصل "لاَ يَبُل" فلما دخلت عليه نون التوكيد الثقيلة وهما نونان، الأولى منهما ساكنة، فاجتمعت مع اللام وهي ساكنة، ونون التوكيد الثقيلة، إذا دخلت على فعل الواحد لا يكون ما قبلهما إلا مبنيًّا على الفتح، فَفُتِحَتْ اللام لذلك، فلما فتحت عادت الواو المحذوفة التي هى عين الفعل، لأنها إنما حذفت لاجتماعها مع اللام وهي ساكنة، فقال "لا يبولن". "والماء الدائم" هو: الراكد الذي لايجري، ويدل على ذلك أنه جاء في رواية البخاري وغيره، مصرحًا به، فقال: "الماء الدائم الذي لا يجرى".

стр. 74

وفي رواية الشافعي: "ثم يغتسل منه". وفي رواية البخاري وأبي داود "ثم يغتسل فيه" والفرق بينهما، أن الاغتسال منه هو: أن يأخذ منه ماءً فيغتسل به. وأما الاغتسال فيه فهو: أن يدخل في الماء ويغتسل وهو داخل فيه؛ لأن قوله "فيه" يفيد الظرفية، فجعل الماء ظرفًا له، وهذا يظهر اعتباره فيما إذا كان دون القلتين، فإنه إذا أخذ منه شيئًا فاغتسل به صح غسله، وبقيت فضلة الماء بحالها. فأما إذا دخل في الماء وغط فيه، وكان الماء دون القُلَّتَيِنْ، فإنه يطهر ويصير الماء مستعملًا، وذلك بِخلاف القُلَّتَيِنْ فإنه لا يؤثر فيه الاستعمال، نص عليه الشافعي في الأم. وقال بعض أصحابه: لا يجوز التوضؤ به وإن كان أكثر من قلتين، والأول أولى. وقوله: "يغتسل منه أو فيه" فيه ترتيب لوقوع الغسل بعد البول، وأن النَّهْيَ عن الاغتسال، إنما هو لأجل وجود البول فيه. فأما في رواية أبي داود الثانية: "ولا يغتسل فيه من الجنابة". فظاهرها لايفيد ما أفادته لفظة "ثم"، وكأن الحديث تضمن نَهْيين، أحدهما: النهي عن البول في انماء الدائم، والآخر: النهي عن الاغتسال في الماء الدائم، فيكون فائدته النهي عن دخول الماء الدائم، والاغتسال فيه، هذا مدلول اللفظ، ويكون الاغتسالُ فيه سالبًا له حُكْمَ الطهوريةِ، كما يسلبه إياها البول. ويزيد البول عليه بأنه ينجسه لنجاسته في نفسه، والجنب ليس بنجس البدن، لكن اغتساله فيه يجعله مستعملًا.

стр. 75

وفي رواية الترمذي، والنسائي "ثم يتوضأ منه" بدل "يغتسل"، والحكم فيهما واحد، فإن كُلًّا منهما رفع حدث. والذي ذهب إليه الشافعي، أن الماء الدائم -وهو الراكد- لا ينجس لوقوع النجاسة فيه، ما لم يتغير أو كان دون القلتين. وقد تقدم خلاف الأئمة فيه، والاعتبار بالبول في الماء الدائم عنده وعند من وافقه واعتبر القلة والكثرة. ويُحمل هذا النهى على أحد أمرين: إما على تخصيصه بالماء القليل، أو أنه على جهة الاستحباب, لأن النفس تعاف الماء إذا خالطه البول، ولو كان قُلَّتَيِنْ. وقد ذهب داود، إلى أنه إذا بال في الماء الراكد، فلم يتغير أنه لا ينجس, ولكن لا يجوز له أن يتوضأ منه، ويجوز لغيره، لأنه إذا تغوط فيه ولم يتغير لم ينجس, وأجاز له ولغيره الوضوء منه عملًا بظاهر الحديث. وفي هذا الحديث دليل على أن حكم الماء الجاري بخلاف الراكد, لأن الشيء إذا ذكر بأَخَصِّ أَوْصَافِه، كان حكم ما عداه بخلافه. والمعنى فيه: أن الماء البخاري إذا خالطه النجو (١) دفعه الجري الثاني، الذي يتلوه فيه فيغلبه فيصير في معنى المستهلك، ويَخْلُفُهُ الطاهر الذي يخالطه النجس, والماء الراكد لا يدفع النجس عن نفسه إذا خالطه، لكن يداخله ويقاربه فمهما أراد استعمال شيء منه، كان النجس فيه قائمًا، والماء قليل فكان مُحَرَّمًا، واللَّه أعلم. ...
следующие страницы →