стр. 71
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 13241
الشافي في شرح مسند الشافعي
ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات
Полный текст (2 721 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 72
الفصل الثالث
في المَاءِ الدائم
أخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يَبُولَنَّ أَحدُكُم في الماءِ الدائم ثم يغتسل منه".
أخرجه في كتاب اختلاف الحديث.
هذا حديث صحيح، متفق عليه، أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥).
أما البخاري فأخرجه عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزِّنَاد، عن الأعرج, عن أبي هريرة، وزاد بعد "الدائم": "أي الذي لا يجرى"، وقال: (٦)
"يغتسل فيه".
وأما مسلم، فأخرجه عن زهير بن حَرب، عن جرير، عن هشام، عن ابن سيرين، بلفظ الشافعي.
وفي أخرى عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام ابن منبه، عن أبي هريرة نحوه.
أما أبو داود، فأخرجه عن أحمد بن يونس، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، بلفظ الشافعي.
стр. 73
وفي أخرى عن مسدَّد، عن يحيى، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة نحوه، وقال: "لا يغتسل فيه من الجَنَابَة".
وأما الترمذي فأخرجه عن محمود بن غَيْلان، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة وقال: "ثم يتوضأ منه".
وأما النسائي: فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس عن عوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة. مثل الترمذي.
وفي أخرى عن يعقوب بن (١) إبراهيم، عن إسماعيل، عن يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة بلفظ الشافعي.
قال النسائي: كان يعقوب لا يحدث بهذا الحديث إلا بدينار.
هذه "لا" ناهية، ومن حقها أن تجزم الفعل الواقع بعدها.
وعلامة الجزم في الأفعال الصحيحة, سكون آخرها، نحو "لم يضربْ" فإن كان قبل حرف الإعراب حرف علة نحو: تقول، وتبيعُ وتخاف، حذفته لئلا يجتمع ساكنان، هما حرف العلة، وحرف الإعراب، تقول: لم يقل، ولم يبع، ولم يخف، وبقيت حركة فاء الكلمة، تدل على المحذوف، فإذا صرنا إلى قوله: "لا يبولنَّ" الأصل "لاَ يَبُل" فلما دخلت عليه نون التوكيد الثقيلة وهما نونان، الأولى منهما ساكنة، فاجتمعت مع اللام وهي ساكنة، ونون التوكيد الثقيلة، إذا دخلت على فعل الواحد لا يكون ما قبلهما إلا مبنيًّا على الفتح، فَفُتِحَتْ اللام لذلك، فلما فتحت عادت الواو المحذوفة التي هى عين الفعل، لأنها إنما حذفت لاجتماعها مع اللام وهي ساكنة، فقال "لا يبولن".
"والماء الدائم" هو: الراكد الذي لايجري، ويدل على ذلك أنه جاء في رواية البخاري وغيره، مصرحًا به، فقال: "الماء الدائم الذي لا يجرى".
стр. 74
وفي رواية الشافعي: "ثم يغتسل منه".
وفي رواية البخاري وأبي داود "ثم يغتسل فيه" والفرق بينهما، أن الاغتسال منه هو: أن يأخذ منه ماءً فيغتسل به.
وأما الاغتسال فيه فهو: أن يدخل في الماء ويغتسل وهو داخل فيه؛ لأن قوله "فيه" يفيد الظرفية، فجعل الماء ظرفًا له، وهذا يظهر اعتباره فيما إذا كان دون القلتين، فإنه إذا أخذ منه شيئًا فاغتسل به صح غسله، وبقيت فضلة الماء بحالها.
فأما إذا دخل في الماء وغط فيه، وكان الماء دون القُلَّتَيِنْ، فإنه يطهر ويصير الماء مستعملًا، وذلك بِخلاف القُلَّتَيِنْ فإنه لا يؤثر فيه الاستعمال، نص عليه الشافعي في الأم.
وقال بعض أصحابه: لا يجوز التوضؤ به وإن كان أكثر من قلتين، والأول أولى.
وقوله: "يغتسل منه أو فيه" فيه ترتيب لوقوع الغسل بعد البول، وأن النَّهْيَ عن الاغتسال، إنما هو لأجل وجود البول فيه.
فأما في رواية أبي داود الثانية: "ولا يغتسل فيه من الجنابة".
فظاهرها لايفيد ما أفادته لفظة "ثم"، وكأن الحديث تضمن نَهْيين، أحدهما: النهي عن البول في انماء الدائم، والآخر: النهي عن الاغتسال في الماء الدائم، فيكون فائدته النهي عن دخول الماء الدائم، والاغتسال فيه، هذا مدلول اللفظ، ويكون الاغتسالُ فيه سالبًا له حُكْمَ الطهوريةِ، كما يسلبه إياها البول.
ويزيد البول عليه بأنه ينجسه لنجاسته في نفسه، والجنب ليس بنجس البدن، لكن اغتساله فيه يجعله مستعملًا.
стр. 75
وفي رواية الترمذي، والنسائي "ثم يتوضأ منه" بدل "يغتسل"، والحكم فيهما واحد، فإن كُلًّا منهما رفع حدث.
والذي ذهب إليه الشافعي، أن الماء الدائم -وهو الراكد- لا ينجس لوقوع النجاسة فيه، ما لم يتغير أو كان دون القلتين.
وقد تقدم خلاف الأئمة فيه، والاعتبار بالبول في الماء الدائم عنده وعند من وافقه واعتبر القلة والكثرة.
ويُحمل هذا النهى على أحد أمرين: إما على تخصيصه بالماء القليل، أو أنه على جهة الاستحباب, لأن النفس تعاف الماء إذا خالطه البول، ولو كان قُلَّتَيِنْ.
وقد ذهب داود، إلى أنه إذا بال في الماء الراكد، فلم يتغير أنه لا ينجس, ولكن لا يجوز له أن يتوضأ منه، ويجوز لغيره، لأنه إذا تغوط فيه ولم يتغير لم ينجس, وأجاز له ولغيره الوضوء منه عملًا بظاهر الحديث.
وفي هذا الحديث دليل على أن حكم الماء الجاري بخلاف الراكد, لأن الشيء إذا ذكر بأَخَصِّ أَوْصَافِه، كان حكم ما عداه بخلافه.
والمعنى فيه: أن الماء البخاري إذا خالطه النجو (١) دفعه الجري الثاني، الذي يتلوه فيه فيغلبه فيصير في معنى المستهلك، ويَخْلُفُهُ الطاهر الذي يخالطه النجس, والماء الراكد لا يدفع النجس عن نفسه إذا خالطه، لكن يداخله ويقاربه فمهما أراد استعمال شيء منه، كان النجس فيه قائمًا، والماء قليل فكان مُحَرَّمًا، واللَّه أعلم.
...
стр. 76
الفصل الرابع
في القلتين
أخبرنا الشافعي، قال أخبرنا الثقة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد ابن جعفر، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا كان الماء قُلَّتَيْنِ لم يحمل نَجسًا أو خَبَثًا".
أخرجه في كتاب اختلاف الحديث (١).
الثقة في هذا الحديث هو: أبو أسامة حماد بن أسامة القرشي الكوفي، فإن الحديث مشهور به، وهو حديث صحيح (٢).
стр. 77
قد أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢)، والنسائي (٣).
فأما أبو داود فأخرجه بن محمد بن العلاء، وعثمان بن أبي شيبة، والحسن ابن علي، وغيرهم، قالوا: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد ابن جعفر بن الزبير، عن عبيد اللَّه (٤) بن عبد اللَّه بن [عمر] (٥) عن أبيه قال: سئل النبي ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الحبث".
قال أبو داود هذا لفظ ابن العلاء، وقال: عثمان، والحسن عن محمد بن عباد بن جعفر، وأخرجه أيضًا عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن أسامة، وعن أبي كامل، عن يزيد بن زريع، عن محمد بن إسحق، عن محمد بن جعفر، قال: أبو كامل وابن الزبير عن عبد اللَّه (٦) بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه "أن رسول اللَّه ﷺ سئل عن الماء يكون في الفلاة" فذكر معناه؛ وله في أخرى عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن أسامة، عن عاصم بن المنذر، عن عبد اللَّه (٦) بن عبد اللَّه بن عمر، قال: حدثني أبي أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين فإنه لا يَنْجُسُ" (٧).
стр. 78
وأما الترمذي فأخرجه عن هناد بن السَّريّ، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد اللَّه (١) بن عبد اللَّه، عن أبيه، قال: "سمعت رسول اللَّه ﷺ وهو يُسْأَلُ عن الماء يكون في الفلاة من الأرض، تنوبه السباع والدواب" وذكر الحديث (٢).
وأما النسائي فأخرجه عن هناد، والحسين بن حريث، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر، عن عبد اللَّه، وذكر مثل رواية أبي داود الأولى.
وهذا الحديث لم يخرجه البخاري، ومسلم، للاختلاف الذي فيه على الوليد ابن كثير، وعلى أبي أسامة.
فإن الوليد، رواه عنه جماعة عن محمد بن عباد بن جعفر، ورواه آخرون عن محمد بن جعفر بن الزبير.
وأما أبو أسامة، فرواه عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر مرة، وعن عبد اللَّه بن عبد اللَّه أخرى، وغير أبي أسامة فيرويه عن عبيد اللَّه، فلهذا الاختلاف تركاه، لأنه على خلاف شرطهما، لا لِطَعْنٍ في مَتْنِ الحديث، فإنه في نفسه حديث مشهور، معمول به، ورجاله ثقات مُعَدَّلُونَ، وليس هذا الاختلاف مما يوهنه، لأنه يكون قد رواه عبد اللَّه، وعبيد اللَّه، أبناء عبد اللَّه بن عمر معًا، ورواه
стр. 79
محمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن عباد بن جعفر معًا.
وقد رواه جماعة من طرق عدة، عن عبد اللَّه، وعبيد اللَّه، وعن ابن جعفر، وابن عباد، وكان الحاكم أبو عبد اللَّه النيسابوري ﵀ يقول: الحديث محفوظ عنهما، وكلاهما رواه عن أبيه -يعني عبد اللَّه وعبيد اللَّه- وإليه ذهب كثير من أهل الرواية (١).
وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: غلط أبو أسامة في عبد اللَّه، إنما هو [عبيد اللَّه] (٢).
وقد أخرج الشافعي في القديم (٣) قال: أخبرنا الثقة من أصحابنا، عن حماد ابن سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال:
"إذا كان الماء قلتين أوثلاثًا لم يَحْمِلْ نَجَسًا".
وكذلك رواه وكيع بن الجراح، عن حماد.
ويشبه أن يكون الشافعي عنه أخذه، أو عن بعض أصحابه عنه.
وقوله: "أو ثلاث" شك وقع لبعض الرواة، فقد تعاضدت الروايات عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد، وقالوا فيه:
"إذا كان الماء قلتين" ولم يقولوا: "ثلاثًا".
стр. 80
وقد تقدمت رواية عاصم بن المنذر، فيما ذكرناه من طريق أبي داود وفيها "قلتان".
وكذلك قد أخرجه الشافعي أيضًا في القديم، عن رجل، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، إلا أنه شك في إسناده، والرجل الذي رواه عنه، هو إبراهيم بن محمد، وكل ذلك يؤكد قول إسحاق الحنظلي، واللَّه أعلم.
"القُلَّة" في العربية عبارة عن إناء للعرب كالجَرِّةِ الكبيرة، وتجمع على قِلاَل، وقُلَل.
قال أبو عبيد: القلال هذه الحيَابُ العظام، واحدتها قُلَّة، وهي معروفة بالحجاز.
واشتقاقها مما يقله الإنسان أي يحمله، فكأنه "فُعْلَة" من أَقَلَّ الشيء يُقِلُّهُ، إذا حمله ورفعه.
وقد اختلف العلماء في مقدار ما تَسَعُ القلة من الماء، قال ابن جريج: رأيت قلال هَجَر، فإذا القلة تَسَعُ قربتن وشيئًا.
قال الشافعي: أرى أن يكون الشيء المضاف إلى القربتين نصفًا.
وقال الشافعي: وَقِرَبُ الحجاز قديمًا، وحديثًا، كبار [لحجز] (١) الماء بها، تسع القربة منها مائة رطل بالعراقي، فإذا كان الماء خمس قرب كبار لم يحمل خبثًا، وذلك قلتان بقلال هجر، فيكون مقدار القلتن على هذا التقدير خمس مائة رطل.
وحُكِيَ عن أحمد بن حنبل قولان؛ أحدهما: أن القلتين أربع قرب.
والثاني: أنها خمس قرب ولم يعين بأي قربة.
стр. 81
وقال إسحاق بن راهويه: أما الذي يعتمد عليه إذا كان الماء قلتين، فنحو ست قِرَبٍ؛ لأن القلة نحو الخابية.
وقال أبو ثور: القلتان خمس قرب، ليس بأكبر القرب ولا بأصغرها.
وأما أبو عبيد: فلم يجعل لها حدًّا.
وقال عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، ويحيى بن آدم: القُلَّة: الجَرَّة ولم يحدوها بشيء معلوم.
والذي يقتضيه الوضع اللغوي، ما قدمناه، وهو أن تكون محمولة على أصل اشتقاقها وهو: ما يُقِلُّةُ الإنسان أي يحمله ويطيقه، والذي جرت العادة أن يحمله الإنسان غالبًا وفي الأكثر: مائتا رطلٍ، وأكثره مائتان وخمسون رطلاً، وهو ما حَدَّه الشافعي.
وقد اختلف أصحابه، هل هو تحديد أو تقريب؟.
فذهب بعضهم إلى أنه تقريب، فلو نقص منها شيء يسير لم ينجس الماء.
وقال بعضهم: بل هو تحديد، فلو نقص الماء نجس.
"وهَجَرُ" التي تنسب إليها القلال، موضع قريب من مدينة الرسول ﷺ وليس هجر قصبة البحرين، وإنما نسبت القلال إلى هذا الموضع وإن كان عملها بالمدينة لأن ابتداء عملها كان بِهجر، ثم نُقِلَ إلى المدينة.
والظاهر من لفظ الحديث، أن المراد بالقلة، نحو ما ذهب إليه الشافعي من التحديد، لأنهم إنما سألوا النبي ﷺ عن الماء الذي يكون بالفلاة من الأرض، في المصانع، والوهاد والغدران، ونحوها، ومثل هذه المياه لا تُحَدُّ بالكوز والكوزين في جاري العرف، والعادة، وأن الكوز يسمى أيضًا قلة، وليس مُرادًا في هذا الحديث.
стр. 82
قال الخطابي -أبو سليمان ﵀: وقلال هجر مشهورة الصنيعة، معلومة المقدار، لا تختلف المكائل، وهي أكبر ما يكون من القلال وأشهرها، والحد لا يقع بشيء مجهول المقدار، ولو لم تكن عندهم معلومة لما حَدَّها بها، ولذلك قال: "قلتان" بلفظ التثنية، ولو كان وراءها قلة أكبر منها, لأشكلت دلالته فلما ثنَّاها دل على أنه أراد أكبر القلال، وأشهرها, لأن لا بد لها من فائدة (١).
و"الخبث": من الخبيث؛ ضد الطيب، وقد خَبُثَ الشيء يَخْبُثُ خَبَاثَةً، وخبث الرجل خُبْثًا فهو خبيث، أي خبث رديء؛ هذا هو الأصل، ثم نقل إلى النجس, ولذلك أطلق على النَّجْو.
والمراد "بالخبث" في الحديث: "النَّجَس"، ويعضده أنه قال:
نَجَسًا أو خُبْثًا، والنجس ضد الطاهر. وهو: كل ما استقذر في نفسه عرفًا، أو قَرَنَ الشارعُ به هذا الوَصْفَ حُكْمًا، تقول نَجِسَ الشىء -بالكسر- يَنْجَس -بالفتح- نَجَسًا، فهو نَجِسٌ ونَجَسٌ. "والفلاة": المفازة والبرية الواسعة، والجمع: الفلا والفلوات.
وقوله "تنوبه" أي تتردَّدُ إليه وتطرقه مرة بعد مرة، يقال: انتاب فلان القوم أي أتاهم مرة بعد أخرى.
ونابهم، ينوبهم، نوبة، والجمع نوب.
"والدواب": جمع دابة وهو كل ما دب على الأرض من الحيوانات، والإنسان، والوحش، والطير، والحشرات داخلة فيه، إلا أن العرف والاستعمال خَصَّصا هذه اللفظة بما يُرْكَبُ.
"والسباعُ" جمع سَبُعٍ وهو: كل ماله ناب كالأسد، والكلب.
стр. 83
وإنما ذكر السباع بعد قوله "الدواب" لأنه لما ذكر الأهم وهو الدواب، وكان العرف قد خصص الدواب بالمركوب، أتبعه ذكر السباع، لئلا يُظَنَّ أن السؤال إنما كان عن الدواب المركوبة خاصة -دون السباع؛ فزادها بذلك بيانًا وإيضاحًا, ولأن السائل إذا سأل عن الدواب- ولعل أكثرها حلال وسؤرها طاهر -فبالأولى أن يسأل عن السباع التي هي حرام، وسؤرها مجهول الحكم عنده، فلذلك خَصَّ بعد أن عَمَّ.
وكذلك في الرواية الأخرى، التي قَدَّمَ فيها السباع على الدواب، أنه لما ذكر الخاص، أتبعه ذكر العام لتحصل المسألة عن الأمرين، ويسمع الجواب عنهما، لأن الدواب قد صارت خاصة في العرف -كما قدمنا.
قلنا: وأما معنى قوله: "لم يحمل خبثا" فإنه أراد أن الماء إذا كان قلتين، دفع الخبث عن نفسه، كما يقال: فلان لايحمل الضيم، إذا كان يأباه ويدفعه عن نفسه.
وقيل: أراد به إذا كان قلتين، لم يحتمل أن يكون فيه نجاسة لأنه ينجس بوقوع الخبث فيه، أي أنه يضعف عن حمل النجاسة، فيكون على الأول؛ قد قصد أوَّل مقادير المياه التي لا ينجس بوقوع النجاسة فيها، وهو ما بلغ القلتين فصاعدًا، وعلى الوجه الثاني: يكون قد قصد آخر المياه، التي ينجس بوقوع النجاسة فيها، وهو ما انتهى في القِلَّةِ إلى القلتين.
فيكون التقدير على هذا القول الثاني: إذا وقعت النجاسة فيهما أنهما نجستان، فإذا زادتا على القلتن احتملتا النجاسة، وهذا على خلاف ما ذهب إليه القائلون بالقُلَّتن، لأن مذهبهم أن الماء إذا بلغ قلتين دفع النجاسة عن نفسه، ولم ينل بوقوعها فيه، على التفصيل الذي يأتي بيانه آنفا (١).
ولأنه لو كان للتأويل الثاني وجه في الصحة، لم يكن إذًا فَرْقٌ بين ما بلغ من
стр. 84
الماء قلتين، وبين ما لم يبلغهما، وإنما ورد هذا الحديث للفصل والتحديد بين المقدار يَنْجُسُ والذي لا يَنْجُسُ.
ويؤكد ذلك ما جاء في إحدى روايات أبي داود أنه قال ﷺ : "فإنه لا ينجس".
وأما جواب النبي ﷺ السائل بقوله: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثًا".
ففيه نوع مما ذكره في جوابه عن ماء البحر من البلاغة والفائدة, لأنه ذكر الجواب مُعَلَّلاً بذكر السبب المانع من نجاسته وهو: بلوغ القلتين وتَحَدُّدُ الحَدِّ ظاهر عند السائل لايحتاج مع سماعه إلى استفسار وإيضاح، وهو معرفة مقدار القلة، ولو لم تكن عند ظاهرة معروفة لم يحده بها, ولو أنه أجابه فقال إنه طاهر، وأنه ليس بنجس, لكان قد حصل غرض السائل، ولكنه عدل عنه إلى هذا الجواب المعلل المحدد، لما فيه من زيادة البيان، وتأكيد الإيضاح، ولأنه لو لم يحده بذلك، لكان الكثير والقليل في الحكم سواء، وذلك في محل الإبهام، حيث كان الحكم عنده التحديد في القِلَّةِ بالقُلَّتَيِنْ.
والذي ذهب إليه الشافعي. والعمل بالقلتين المحددتين بما سبق، من ذكر قوله: وأنه متى وقَعَ في الماء الراكد الذي هو: خمس مائة رطل بالعراقي فصاعدًا نجاسةٌ فلم تغير طعمه، ولا لونه، ولا ريحه، فإنه طاهر طهور -يَرْفع الحدث ويزيل النجس, فإن تغير أحد أوصافه فهو نَجِسٌ، والذي ورد به الشرع من هذه الأوصاف: الطعم، والريح.
وحمل الأئمة اللون عليهما، لأنه أدل على غلبة النجاسة فإذا. أخذ من القلتين اللتَينْ فيهما النجاسة العينية شيء، فنقص الماء عن القلتين فالموجود طاهر، والباقي نجس سواء تغير أو لم يتغير.
ووافَقَ الشافعيَّ على العمل بالقلتين: أحمدُ بن حنبل، وإسحاقُ بن راهويه،
стр. 85
وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو ثور، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجَرَّاح ويحيى بن آدم.
وقد يَسْتدِلُ بهذا الحديث؛ من يرى أن سؤر السباع نجس؛ لقوله: "وما ينوبه من السباع" فلولا أن شرب السباع منه ينجسه لم يكن لمسألتهم عنه، ولا لجوابه إياهم بهذا الكلام معنى.
وقد يحتمل أن يكون ذلك من أجل أن السباع إذا وردت المياه خاضتها وبالت فيها، وذلك كالمعتاد من طباعها، وقلما يخلو أعضاؤها من لوث أبوالها وأرواثها؛ وقد ينتابها في جملة السباع الكلاب وسؤرها نجس، واللَّه أعلم.
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، بإسناد لا يحضرني ذكره -أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحملْ نَجَسًا". قال في الحديث: بقلال هجر.
قال ابن جريج: وقد رأيتُ قِلالَ هَجَر، فالقلة تَسَعُ قربتين وشيئًا.
هذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث (١)، هكذا عن ابن جريج، ولم يذكر تمام الإسناد، وقد رواه غيره (٢) عن ابن جريج، قال: أخبرني محمد أن يحيى بن عقيل أخبره أن يحيى بن يعمر أخبره أن النبي ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين لم يَحْمِلْ نَجَسًا ولا بأسًا" قال: فقلت ليحيى بن عقيل: قلال هجر؟ قال: قلال هجر.
ومحمد هذا الذي حَدَّثَ عنه ابن جريج، هو محمد بن يحيى، يحدث عن
стр. 86
يحيى بن أبي كثير، ويحيى بن عقيل.
وهذا الحديث مرسل، فإن يحيى بن يَعْمَرَ، تابعي مشهور، روى عن ابن عباس، وابن عمر، فيحتمل أن يكون هذا الحديث رواية من الحديث الذي قبله، ويكون ابن يَعْمر قد رواه عن ابن عمر، ويجوز أن يكون غيره، لأنه يكون قد رواه عن غير ابن عمر (١) واللَّه أعلم.
...
стр. 87
الفصل الخامس
في الأسآر
وفيه ثلاثة فروع
الفرع الأول: في سؤر الهرة
أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن إسحاق بن عبد اللَّه، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن كَبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة أو أبي قتادة- الشك من الربيع بن سليمان أن أبا قتادة دخل فسكبت له وضوءًا فجاءت هرة تشرب منه، فقالت: فرآني أنظر إليه، فقال: تعجبين يا ابنة أخي؛ إن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنها ليست بِنَجَسٍ إنها من الطَّوَّافين عليكم أو الطوافات".
وأخبرنا الشافعي قال: أخبرنا الثقة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد اللَّه ابن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مثله أو مثل معناه.
وقد رواه الربيع، عن الشافعي، في موضع آخر وقال: وكانت تحت ابن أبي قتادة -لم يشك- وفيه: فجاءت هرة فأصغى لها الإناء حتى شربت منه.
وقال في القديم: وذكر الأوزاعي، والدُّسْتُوَائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ما معناه هذا المعنى.
وهذا الحديث صحيح مشهور (١).
стр. 88
أخرجه مالك في الموطأ (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤).
فأما مالك: فأخرجه بهذا الإسناد الأول، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة الأنصاري، عن حُميْدة بنتِ أبي عبيدة، عن خالتها كبشة بنت كعب ابن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة- أنها أخبرتها "أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءًا فجات هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني انظر إليه قال: أتعجبين يا ابنة أخي! قالت: فقلت نعم.
فقال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: إِنَّهَا ليست بِنَجسٍ إنها من الطَّوافِينَ عليكم أو الطوافات".
هكذا رواه يحيى بن يحيى، عن مالك.
حُميدة: -بضم الحاء وفتح الميم- ابنة أبي عبيدة بن فروة.
стр. 89
ورواه ابن وَضَّاحٍ وغيره من أصحاب مالك، حَمِيدة: -بفتح الحاء وكسر الميم- بنت عُبَيْدِ بن رفاعة.
وهو الصواب كما رواه عنه الشافعي، وكذلك انفرد يحيى بن يحيى بقوله: خالتها.
وأما أبو داود: فرواه عن القعنبي، عن مالك، بإسناده من طريق ابن وَضَّاح ولفظه، إلا أنه قال: حُمَيْدة -بالضم.
وأما الترمذي: فرواه عن إسحق [بن موسى] (١) الأنصاري، عن معن بن عيسى، عن مالك مثل أبي داود.
وأما النسائي: فرواه عن قتيبة بن سعيد، عن مالك -مثل أبي داود؛ "والطَّوَّافَات" بغير "أو".
والخلاف الواقع في زوج كبشة أنه أبو قتادة، أو ابنه، مَنشَأُهُ من أصحاب مالك، فإنهم اختلفوا عليه.
والصحيح أنها كانت تحت عبد اللَّه بن أبي قتادة، وبذلك يشهد قول أصحاب التواريخ، والأنساب.
والشافعي كذلك رواه، وإنما الشك من الربيع لا منه.
وكذلك رواه أكثر المحققين (٢).
قال الترمذي: سألت عنه محمد بن إسماعيل -يعني البخاري-؟ فقال
стр. 90
جَوَّدَ: مالك بن أنس هذا الحديث، وروايته أصح من رواية غيره (١).
وفي الباب عن عائشة، وابن عباس، والحسن بن علي، وغيرهم.
"السَّكْبُ": الصَّبُّ، وماء مسكوب: يجري على وجه الأرض من غير حفر.
وسَكَبَ الماء بنفسه، يَتَعَدَّى ولا يَتَعَدَّى.
والوَضُوءُ -هاهنا بالفتح- وهو: الماء الذي يًتَوَضَّأُ به.
والِهرُّ: السِّنَّوْرُ، والأنثى هِرَّة.
وجمع الهر: هِرَرَة، بوزن عنبة، وجمع الهرة: هِرَرْ بوزن عنب.
"وإصغاء الإناء": إمالتهُ.
"والعجب": الحالة التي تعرض لمن رأى شيئًا، أو سمعه أو علمه، وخفى عليه سببه.
فكأنها لمَّا رأته وقد أصغى لها الإناء عجبت من فعله ذلك، حيث خفي عليها حديث النبي ﷺ : "إنها ليست بِنَجَسٍ"، فلما سمعته زال عجبها.
"والبنت والابنة": تأنيث الابن، إلا أنها أُنِّثَتْ بعد التغيير والحذف والتعويض، فإن أصل ابن "بَنَو" "بوزن حمو" فحذفت الواو، وعوض منها الهمزة في أولها، وأُسْكِنَتْ الباءُ، وأما بنت، فلما حذفت الواو من أصل ابن زيدت تاء التأنيث قبل التعويض، وسَكَنَتِ النونُ.
وجمع الابنة والبنت: بنات لا غير.
والنَّجَسُ -بفتح الجيم-: مصدر يقع على الواحد والاثنن والجماعة، ولا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث.
فإذا كسروا الجيم، ثنوا، وجمعوا، وأَنَّثوا.
стр. 91
"والطَّوَّافُ": الذي يدور حول الإنسان والبيت، وغير ذلك.
وهو: "فَعَّال" من طاف يطوف، وهذا (١) الياء للمبالغة، فإن "ضَرَّابًا"، أكثر من "ضَارِب"، وهو الذي يكثر وقوع الفعل منه، ويتكرر مرات.
"وإنَّما": حرف مُرَكَّبٌ من حرفين، هما "إنَّ" و"ما" "فإنَّ" للتحقيق و"ما" كافَّة، فلما دخلت عليها كَفَّتْهَا عن الذي يَخُصُّها، وهو: نصب الاسم، تقول قبل دخولها: "إنَّ زيدًا قائمٌ"، وبعد دخولها "إنَّما زيدٌ قائمٌ".
وحدث لها مع التركيب معنىً مُسْتَجَدٌّ، وهو: قَصْرُ الحكم على الشيء، أو قصر الشيء على الحكم تقول في الأول: "إنما المنطلقُ زيدًا"، وفي الثاني: "إنما زيدٌ المنطلق" فقصرت الانطلاق على زيد، وقصرت زيدًا على الانطلاق.
وهكذا قوله: "إنما هي من الطَّوَّافين" قَصَرَ الِهَّرةَ على الطواف، ولكنه جعلها بعضًا مِنْ كل، بقوله "من الطوافين" فإن القصر غير موجود فيها.
ولقوله ﷺ "من الطوافين والطوافات" تأويلان:-
أحدهما: أنه شَبَّههًا بخدم البيت، وبمن يطوف على أهله للخدمة، ومعاناة الاشتغال، كقوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢) يعني: العبيد والخدم.
والثاني: أن يكون شَبَّهَهَا بمن يطوف بالإنسان للحاجة والمسألة، يريد أن الأجر في مواساتها؛ كالأجر في مواساة من يطوف بها للحاجة، ويتعرض للمسألة.
وإنما قال: "من الطوافين والطوافات" بِجَمْعِ السَّلاَمَة، وجمع السلامة إنما هو لمن يعقل، لأنه لما أضافها ونسبها، وشبهها بهم؛ حسن له ذلك.
стр. 92
والذي جاء في بعض الروايات بـ "أَوْ" وفائدته: أنها إما أن يكون ذكرًا أو أنثى، فجاء بحرف الشك لذلك.
وأما ماجاء منها بواو العطف، فلأنه أراد أن ما يطوف بكم منها، يكون ذَكرًا أو أنثى.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الهرة طاهرة الذات، بمنزلة طهارة ما يؤكل لحمه. وسيجيء في الفرع الثاني، تفصيل القول في الحيوانات -إن شاء اللَّه تعالى.
قال الشافعي: وخالفنا بَعْضُ الناسِ، فَكَرِهَ الوضوءَ بِفضلِ الهرة، واحتج بأن ابن عمر كره الوضوء بفضلها.
قال الشافعي: في الهر حديث أنها ليست بِنَجَسٍ، فَيُتَوَضَّأُ بفضلها، ويُكْتَفَي بالخبر عن النبي ﷺ ولا يكون في واحد قال بخلاف ما رُوي عن النبي ﷺ حجة.
وقد ذكر الشافعي في "الأم"، أخبارًا تفرق بين الكلب وغيره من الحيوانات، وتلك الأخبار تَرِدُ في مَوْضِعِها -إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 93
الفرع الثاني
في سؤر الحُمُر والسِّباع
أخبرنا الشافعي، قال أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن أبي [حبيبة] (١) -أو أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن جابر بن عبد اللَّه عن النبي ﷺ أنه سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحُمر؟ قال ﷺ : "نعم وبما أفضلت السباع كلها".
ابن أبي حبيبة هو: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري الأشهلي.
هذا الحديث، هكذا رواه أبو العباس الأصم، عن الربيع (٢).
وقد رُوِي عن الربيع أيضًا بهذا الإسناد، فقال: عن داود بن الحصين، عن أبيه، عن جابر.
ورُوي عن الشافعي أيضًا من طريق أخرى، عن داود، عن أبيه، عن جابر (٣).
стр. 94
ففي الرواية الأولى، يكون الحديث منقطعًا، وفي الثانية موصولًا.
وإبراهيم عند الشافعي، ثقة (١).
وداود بن الحصين: قد تكلم فيه (٢).
وقد أخرج عنه مالك، على أنه كان يكرمه، لأنه كان يروي عن عكرمة، والبخاري: قد أكثر الرواية عن عكرمة، فقال يحيى بن معاوية: هو ثقة.
"أَفْضَلَتْ": أبقت وتركت فَضْلَةً بعد ما أخذت منه.
"والفَضْلَةُ، والفُضَاَلةُ": بمعنىً نقول منه: فَضل يفضُل، وفَضِل يفضَلُ.
"والحُمرُ": جَمْعُ كَثْرَةٍ لحمار، ويجمع على حَمِير وحُمُر وأَحْمِرَة، وربما قالوا للأَتَان: حمارة.
ونعم: كلمة يجاب بها في الإيجاب، كما أن "بلى" كلمة يجاب بها في
стр. 95
النفي، تقول: "هل قام زيد؟ فيقول المجيب: نعم.
و"ما قام زيد" فيقول المجيب: بلى.
فإن أجاب "نعم" في النفي كانت تصديقًا، بمنزلة "بلى" يقول القائل: "ليس لي مال"، فيقول: "نعم"، أي ليس لك مال.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الحيوان على ضَرْبَيِنْ: طاهر، ونجس.
فالنجس: الكلب، والخنزير، وما تولد منهما، أو من أحدهما، وهذا سؤره، ولعابه، وعرقُةُ، كله نجس.
وأما الطاهر: فسؤره ولعابه وعرق طاهر.
وروي ذلك عن: عمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: الأسآر على أربعة أضرب: -
ضرب نجس وهو: سؤر الكلب والخنزير والسباع كلها.
وضرب مكروه، وهو: سؤر جوارح الطير، والهر، وحشرات الأرض.
وضرب مشكوك فيه، وهو: سؤر البغل والحمار.
وضرب طاهر، وهو: سؤر كل حيوان مأكول.
وقد حكي عن أحمد بن حنبل أنه قال: كل حيوان يؤكل لحمه، فسؤره طاهر، وكذلك حشرات الأرض والهر. وأما السباع، فعنه فيها روايتان؛ -
إحداهما: أنه طاهر، والآخر: أنه نجس.
وأما البغل، والحمار ففيهما عنه روايتان: أصحهما: أن سؤرهما نجس, والثانية: مشكوك فيه.
وقد أضاف النبي ﷺ إلى جواب السائل، جوابًا عن شيء لم يُسْأَلْ عنه،
стр. 96
وهو قوله "وبما أفضلت السباع كلها" وإنما فعل ذلك، زيادة في البيان، لأنه كان ﷺ مُشَرِّعًا، وحيث رأى السائل قد سأل عن سؤر الحمر-وهم بها عارفون، ولها معانون- عَلِمَ أنه إلى معرفة ما هو أبعد عنه -وأجهل به أَحْوَجُ- وهي السباع، فَعَرَّفهُ الحكم فيها، لأن السباع مرسلة لنفسها في الصحاري، ومِنْ دَأْبها أن ترد الماء الذي يكون في الغدران والمناقع، من غير دافع ولا مانع.
وأما الحمر فلا ترد المياه إلا بمعرفة أصحابها، وهم قادرون على منعها، فأعلمهم الحكم في سؤر السباع التي لاحكم لهم عليها, لكثرة ترددهم في الأسفار، وسكناهم في الصحاري والفلوات، وأن أكثر مياههم التي يستعملونها، إنما هي مياه الغدران والأجمار والمناقع، وما أشبه ذلك.
وقد قال الشافعي -في القديم-:
أخبرنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمِي، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب "أن عمر بن الخطاب خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضًا، فقال عمرو بن العاص لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض، هل ورد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع وترد علينا".
وقال الشافعي -أيضًا في القديم:
أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار "أن عمر بن الخطاب ورد حوض مجنة، فقيل له: إنما ولغ الكلب فيه آنفًا، فقال عمر: إنما ولغ بلسانه؛ فشربه أو توضأ".
وهذا يدل على أن الماء الكثير، لا تؤثر فيه النجاسة، إذا لم يغير أحد أوصافه
***
стр. 97
الفرع الثالث
في سؤر الكلب
أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، فيلغسله سبع مرات".
وأخبرنا الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مرات".
وأخبرنا الشافعي، عن ابن عيينة، عن أيوب بن أبي تميمة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال:
"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مرات، أولاهن -أو أخراهن بالتراب".
هذا حديث صحيح، متفق عليه، أخرجه مالك (١)، والبخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦)، وغيرهم من أهل العلم والرواية, من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، مجمعين على صحته.
فأما مالك: فرواه بالإسناد واللفظ في الرواية الأولى.
وأما البخاري: فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف التَّنِيسي، عن مالك،
стр. 98
بالإسناد واللفظ.
وأما مسلم: فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك، بالإسناد.
ولمسلم عن علي بن حجر السعدي، عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رُزَيْن، وأبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فَلْيُرِقْهُ، ثُمَّ لْيغْسِلْهُ سَبْعَ مرات".
وله في أخرى، عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام بن حسان، عَن ابن سيرين، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب".
وله في أخرى، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام ابن منبه، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال:
"طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرّات".
وأما أبو داود: فرواه عن أحمد بن يونس، عن زائدة، في حديث هشام، عن محمد، عن أبي هريرة مثل رواية مسلم.
وفي أخرى له عن المسدد، عن المعتمر، وعن محمد بن عبيد، عن حماد بن زيد، جميعًا عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة بمعناه لم يرفعاه، وزاد "وإذا ولغ الهر غسل مرة".
وله في أخرى، عن موسى بن إسماعيل، عن أبان، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
"إذا ولغ الكلب في إناء فاغسلوه سبع مرات، السابعة بالتراب".
قال أبو داود: وأما أبو صالح، وأبو رزين، والأعرج، وثابت الأحنف، وهمام بن منبه (١)، فرووه عن أبي هريرة، ولم يذكروا التراب.
стр. 99
وأما الترمذي: فأخرجه عن سوار بن عبد اللَّه العنبري، عن المعتمر بن سليمان، عن أيوب، بالإسناد قال: "يُغْسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب، سبع مرات أُولاَهُنَّ (١) بالتراب، وإذا ولغت الهرة غسل مرة".
وأما النسائي: فأخرجه عن قُتَيْبةَ بن سعيد، عن مالك، بالإسناد الأول واللفظ.
وعن إبراهيم بن الحسن، عن حجاج، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن ثابت مولى عبد الرحمن يزيد -عن أبي هريرة، بلفظ رواية الشافعي الثانية.
وأخرجه: عن علي بن حجر، مثل مسلم، رواية ولفظًا.
قال النسائي: ولا أعلم أحدًا تابع علي بن مسهر على قوله "فَلْيُرِقْهُ" (٢).
وفي الباب عن علي، وابن عمر، وابن عباس، مرفوعًا في الأمر بغسله سبعًا.
والاعتماد على حديث أبي هريرة لصحة طرقه وقوة إسناده.
قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره.
"الولوغ": الشرب بطرف اللسان، يقال: ولغ الكلب في الإناء وُلوغًا، وأولغه صاحبه فهو مولوغ، وفِعْلُهُ يتعدى "بالباء، وفي، ومن" تقول: ولغ
стр. 100
الكلب بشرابنا، ومن شرابنا.
"والكلب": معروف، وربما سمي غير الكلب من السباع كَلْبًا مجازًا.
"والإناء": معروف، وجمعه آنية، وسواء فيه ما كان من: المعدنيات، والحجارة، والجلود، والنبات، والعظام، وغيرها، الكل آنية.
"الغَسْل": -بفتح الغين- تنظيف الإناء والثوب والبدن ونحو ذلك، مما يكون عليه من نجاسة أو وسخ أو غير ذلك؛ تقول: غسلت الثوب غسلاً، والاسم الغُسْل -بالضم، والغِسْل -بالكسر- ما يغسل به من خَطْميّ وغيره.
"والمرات": -جمع مرة، وهي النوبة الواحدة، والدَّفْعَةُ الواحدة، من الأفعال والأقوال، ويجمع على "مرات" أيضًا.
"والأولى" و"الأخرى": تأنيث الأول والآخر، والهاء فيهما ضمير المرات، والنون نون جماعة المؤنث.
وقد جاء في بعض الروايات "أَوَّلُهُنَّ" بلفظ المذكر لأن تأنيث المرة غير حقيقي وفيه بُعْدٌ لأن في المرة تاء التأنيث، وهذا من نحو ما أُخِذَ على أبي العباس: ثعلب في كتاب "الفصيح"، في قوله: "فاخترنا أفصحهن" قالوا: كان الواجب أن يقول فُصْحَاهُنَّ، وله وجه، وقد جاء مثله في فصيح الكلام.
"والأراقة": صب الماء وتبديده، يقول أراق الماء يُرِيقُه: إراقه، وقد أبدلوا من الهمزة هاءً فقالوا: هَرَاقَ الماء هِرَاقَةً.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الكلب نجس الذات، وأنه إذا ولغ في الإناء -وفيه الماء القليل أو الطعام- نَجَّسَهُ، ووجبت إراقته، وغسل الإناء منه.
وبه قال من الصحابة: ابن عباس، وأبو هريرة، ومن التابعين: عروة بن الزبير.
стр. 101
وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأبي ثور، وأبي عبيد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه إلا أن أبا حنيفة قال: الكلب طاهر الذات إلا أن سؤره نجس.
وذهب الزهري، ومالك، وداود؛ إلى أن الكلب طاهر الذات، وأن الماء الذي ولغ فيه طاهر يجوز الوضوء به.
وقال الترمذي، والأوزاعي: يتوضأ به إذا لم يجد ماءً غيره.
وزاد الثوري: ثم يتيمَّم بعده.
ويدل على نجاسة عين الكلب، الأمر بتطهير الإناء من ولوغه.
ويدل على نجاسة الماء أمران: -
أحدهما: أن الكلب إنما باشر الماء، وقد أمر بتطهير الإناء الذي فيه الماء، فبالأولى أن يكون المباشر نَجِسًا.
والثاني: أنه قد جاء في إحدى روايات مسلم "فَلْيُرِقْهُ" والأمر بإراقته دليل على نجاسته، لأنه لو كان باقيًا على طهارته لم يأمر بإراقته.
ومن ذهب إلى طهارة الماء والإناء قال: إنما أَمَرَ بغسله تَعَبُّدًا، لا لأنه نجس.
وهذا القول كما تراه (١).
وأما عدد الغسلات: فمذهب الشافعي سبع إحداهن بالتراب وروي ذلك عن
стр. 102
ابن عباس، وأبي هريرة، وعروة، وطاوس، وبه قال مالك، إلا أن من أصحابه من قال: يفعل ذلك استحبابًا، وبه قال أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وروي عنه أيضًا أنها ثمانية.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يعتبر عدد، إنما يغسل حتى يغلب على الظن طهارته، كسائر النجاسات. والمستحب عند الشافعي: أن يكون التراب في المرة الأولى، لموافقته لفظ روايته، وليرد الماء بعدها، فينظف أثر التراب. وما عدا من لسان الكلب من باقي أعضائه وسائر أجزائه بمنزلة لسانه عند الشافعي.
وقال مالك: لا يجب غسل الإناء من باقي أجزائه، بناءً على أصل مذهبه في طهارة الكلب.
وكذا ينبغي أن يكون مذهب أبي حنيفة، في باقي أجزائه. واللَّه أعلم.
стр. 103
الفصل السادس
في فَضْلَةِ الوضُوءِ والغُسْل
أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان، عن الزُّهْرِيِّ، عن عروة، عن عائشة "أن رسول اللَّه ﷺ كان يغتسل من القدح -وهو الفَرَقُ- فكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد".
وأخبرنا الشافعي، عن مالك، عن هشام، عن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كنتُ أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد".
وأخبرنا الشافعي، عن سفيان، عن عاصم، عن معاذة العدوية، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول اللَّه ﷺ من إناء واحد، فربما قلت له:
أَبْقِ ليِ أَبْقِ ليِ".
قال الشافعي: وروى سالم أبو النضر، عن القاسم، عن عائشة قالت:
"كنت أغتسل أنا ورسول اللَّه ﷺ من إناء واحد من الجنابة".
هذا حديث صحيح متفق عليه.
أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤).
فأما البخاري: فرواه عن آدم بن [أبي] (٥) إياس، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، بالإسناد قالت: "كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، من قدح -يقال له الفَرَق".
стр. 104
وله في أخرى: عن القعنبي، عن أفلح، عن القاسم، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه".
وفي أخرى: عن أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة, عن أبي بكر بن حفص، عن عروة، عن عائشة ... الحديث وفيه "من إناء واحد -من جنابة".
وأما مسلم: فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن الزهري، بالإسناد أن النبي ﷺ "كان يغتسل من إناء -هو الفَرقَ- من الجنابة".
وفي أخرى: عن قتيبة، وابن رمح، عن الليث، وعن قتيبة, وأبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، قالوا: حَدَّثنا سفيان، كلاهما عن الزهري (١)، قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يغتسل في القدح -فهو الفرق- وكنت أغتسل أنا وهو في الإناء الواحد" قال سفيان: والفَرَقُ ثلاثة آصعٍ.
وفي أخرى: عن القعنبي، عن أفلح، بإسناد البخاري ولفظه، وزاد: "من الجنابة".
وفي أخرى: عن يحيى بن يحيى، عن أبي خيثمة، عن عاصم الأحول، عن معاذة، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول اللَّه ﷺ من إناء، بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دَعْ لي، دَعْ لي. قالت: وهما جنبان".
وأما أبو داود: فأخرجه عن أحمد بن صالح، عن عنبسة، عن يونس، عن الزهري، قال: قال عروة: عن عائشة بلفظ مسلم الأول (٢).
стр. 105
قال أبو داود: قال معمر -عن الزهري، في هذا الحديث: قالت: "كنت أغتسل ورسول اللَّه ﷺ من إناء واحد قَدْرَ الفَرَقِ".
وقال أبو داود: رواه ابن عيينة، مثل حديث مالك.
وأما النسائي: فأخرجه عن سويد بن نصر، عن عبد اللَّه، [عن] (١) هشام، وعن قتيبة، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "أن رسول اللَّه ﷺ كان يغتسل وأنا من إناء واحد نغترف منه جميعًا".
وقال سويد: "كنت أنا ورسول اللَّه ﷺ ".
وفي أخرى: عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة وفيه "من إناء واحد من الجنابة".
وفي أخرى: عن قتيبة، عن عبيدة بن حميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "لقد رأيتني أنازع رسول اللَّه ﷺ الإناء، أغتسل أنا وهو منه".
وفي أخرى: عن محمد بن بشار، عن محمد، عن شعبة، عن عاصم، وعن سويد بن نصر، عن عبد اللَّه، عن عاصم، عن معاذة، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول اللَّه ﷺ من إناء واحد، أبادره ويبادرني، حتى يقول دَعِي لي، وأنا أقول دَعْ لي".
وقال سويد: "يبادرني وأبادره، فأقول: دَعْ لي، دعْ لي".
"القَدَح": إناء بَيْن بينَ لا صغير ولا كبير، وقد يقترن به وصف الصغر والكبر، فيقال قدح صغير وقدح كبير.
والفَرق: -بفتح الراء- قَدَحٌ يَسَعُ ستة عَشَرَ رطلًا.
стр. 106
قال الأزهري: هو الفَرق -يعني بالفتح- قال: المُحَدِّثُون يقولون: الفَرْق: يعني -بالسكون - قال: وكلامُ العرب الفَرَقُ. قال ذلك (١): أحمد بن يحيى، وخالد بن يزيد، وهو إناء يأخذ ستة عشر رطلًا، وذلك ثلاثة آصع قال الجوهري: الفرْق -بالسكون- مكيال معروف بالمدينة، وهو: ستة عشر رطلًا، وقد تُحَّركُ الراء.
وقال الشافعي: الفَرَق ثلاثة آصُعٍ، يكون ستة عشر رطلًا.
وأما الفرْق بالسكون: فمائة وعشرون رطلًا.
هكذا حكاه الإمام.
وقال أبو نصر بن الصباغ، في كتاب "الشامل"، وهو: بخلاف المنقول في اللغة.
وما نقله الإمام قد حققه، وهو به أعرف، فإن هذا ما يتداوله الفقهاء بينهم، وهم أعرف به من غيرهم.
فأما ضمير المتكلم والأصل فيه "أن" مفتوحة النون، فأضيف إليها ألف بعدها لبيان الحركة، فقيل "أنا" وهو ضمير الغائب، فلما أرادت أن تعطف على الضمير الذي في "أغتسل" وهو ضمير مرفوع متصل لم يُعْطف عليه حتى تؤكده.
فجات بـ"أنا" فقالت: "كنت أغتسل أنا" وهو كقوله تعالى ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٢) ويجوز العطف من غير توكيد، وفيه فتح، وقد جاء في بعض روايات النسائي كذلك.
و"من" في قوله "من إناء واحد" لابتداء الغاية، أي: أَنِ ابتَدأْنَا بالغُسْلِ من الإناء.
стр. 107
ويجوز أن يكون "للتبعيض" أي: أنهما اغتسلا ببعضه.
"وربما": حرف جر، أضيف إليه "ما"، وهو مبني على الفتح، ويفيد التعليل، وفائدة إدخال "ما" عليه ليرد بعده فعل، لأن "رب" من خواص الأسماء، تقول "رب رجلٍ قائمٍ لَقِيتُ" فإذا أردت إدخاله على الفعل زدت عليه "ما" فقلت: "رُبَّما قام زيد، وربما يقوم" ومثله قوله -تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (١) وقد يخفف فيقال: رُبَمَا.
وقوله "أَبْقِ لي، أَبْقِ لي" أي: اترك لي بقية من الماء لأغتسل بها، وتكرارها للتأكيد.
وقوله "تختلف أيدينا فيه" تريد أنها كانت تغتسل معه في وقت واحد، تتعاقب أيديُهما على اغتراف الماء.
و"الجنابة": معروفة وهي: الحالة التي أوجب الشرع على الإنسان فيها الغسل، كالجماع التام، والتقاء الختانين، والاحتلام، والاستمناء، وغير ذلك مما هو مفصل في كتب الفقه.
وأصل الجنابة: البُعْدُ، يقال: أجنب الرجل، وجنب إذا صار جُنُبًا.
ويستوي فيه الذكر والأنثى، والواحد والاثنان، والجمع، وربما قالوا في جمعه: أجناب وجنبون.
قالوا: إنما سمي به لأنه يصير بحالة مجتنبًا معها الصلاة، ومس المصحف، وقراءة القرآن، ونحو ذلك.
وقيل: لأنه مجتنب، أي يبعد منه.
و"الآصع": جمع صاع، والصاع هو: مكيال معروف، تَسَعُ أربعةَ أمدادٍ،
стр. 108
والُمدُّ مكيال بالمدينة معروف، تَسَعُ رَطْلًا وَثُلُثًا بالعراقي، عند أهل الحجاز.
وبه قال الشافعي، ومالك. ورطلين عند أهل العراق، وبه قال أبو حنيفة.
و"المبادرة": السابقة إلى الشيء، يقال: بدر إلى الشيء يبدر بدورًا، إذا أسرع إليه، وكذلك بادر وتبادَرَ القومُ وابتدروا، أي تسارعوا.
وقولها "دَعْ لِي دَعْ لِي" مثل قولها: " أبْقِ لي، أبْقِ لِي".
والتكرار للتأكيد، ولتكرار الأخذ من الماء، وتعاقب أيديهما عليه.
و"دع" أمر من وَدَعْتُ الشيء أُودِعُه إذا تركته.
وقد رفضوا ما [...] (١) يجيء إلا في ضرورة الشعر، استغناء عنه فترك.
قال؛ أبو الأسود الدؤلي:
لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيِلي ما الَّذِي ... غَاَلهُ في الحُبِّ حَتَّى وَدَعَهْ
وقد قرأ يعقوب قوله تعالى ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ (٢) بالتخفيف، بمعنى تركك.
"والاغتراف": أخذ الماء باليد، غرفت واغترفت، والَغْرفة -بالفتح المرة الواحدة، وبالضم الاسم للمغروف فإن الماء لأنك ما لم تغرفه لا يسمى غرفة.
"والمنازعة": المغالبة والمجاذبة، كأنها تنزع الماء من يده، وينزعه من يدها طلبًا لأخذه والاغتسال به.
والذي ذهب إليه الشافعي: جواز وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة، واغتساله بفضل غسلها، وأن يتوضآ أو يغتسلا معًا.
стр. 109
والماء الفاضل من المتوضئ والمغتسل، لا يخلو من أحد قسمين:
أحدهما: ما فضل عن أعضاء المحدث، بعد مروره عليها رافعًا للحدث.
والثاني: ما بقي منه في الإناء، أو في الأرض بعد الفراغ.
فالأول: هو الماء المستعمل في رفع الحدث، فلا يستعمل فيه مرة أخرى، وقد سبق القول فيه.
والثاني: يكون باقيًا على طهوريته الأصلية، ويجوز استعماله في رفع الحدث، وإزالة النجس, وبهذا قال أكثر العلماء.
وحكي عن أحمد بن حنبل أنه قال: لا يجوز أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة، إذا خَلَتْ بِهِ.
وروي عنه أيضًا: أنه يكره.
وحكاه ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه، وعن الحسن البصري، وسعيد بن المسيب. وكان ابن عمر: لا يكره فضل وضوء المرأة إلا أن تكون جنبًا أو حائضًا، قال: إذا خلت به فلا تقربه.
وحكي عن أبي يوسف أنه قال: إذا أدخل الجنب أو الحائض يده في الماء، لم يفسد، وإن أدخل رجله فسد، قال: لأن الجنب نجس، وإنما عفي عن يده لأجل الحاجة والضرورة.
وقد أخرج الشافعي، عن مالك، عن ابن عمر، أنه كان يقول: لا بأس أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، ما لم تكن حائضًا أوجنبًا.
قال الشافعي: أما تركه لأن النبي ﷺ كان يغتسل وعائشة من إناء واحد،
стр. 110
وإذا اغتسلا معًا كان كل واحد منهما يغتسل [بفضل] (١) صاحبه.
وأخبرنا الشافعي قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، عن ميمونة زوج النبي ﷺ : "أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ من إناء واحد".
هذا حديث صحيح، متفق عليه.
أخرجه: البخاري (٢)، ومسلم (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥).
فأما البخاري: فأخرجه عن أبي نعيم، عن ابن عيينة، بالإسناد عن ابن عباس "أن النبي ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد".
قال البخاري: كان ابن عيينة يقول: -أخيرًا-: عن ابن عباس، عن ميمونة، والصحيح مارواه أبو نعيم.
وأما مسلم: فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن حاتم، عن محمد ابن بكر، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، بالإسناد، عن ابن عباس "أن رسول اللَّه ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة".
وأما الترمذي: فأخرجه عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، بالإسناد قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول اللَّه ﷺ من إناء واحد من الجنابة".