← Тафсир

Тафсир · id 132428

تفسير العثيمين: لقمان

ابن عثيمين

Полный текст (209 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم إنَّ الحمدَ للَّه، نحمدُهُ ونَسْتعينُه ونَسْتغفرُه، ونَعوذُ باللَّه مِن شُرور أَنْفُسنا ومِن سيِّئات أعمالِنا، مَن يَهْده اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فَلا هادِيَ له، وأَشْهَد أنْ لا إلَهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ لَه، وأَشْهَد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسوُله، أرسلَه اللَّهُ بالهُدَى ودِين الحَقِّ؛ فبلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَح الأمَّةَ، وجاهَد في اللَّه حَقَّ جِهادِه، حتَّى أتاهُ اليَقينُ، فصَلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّين، أَمَّا بَعْدُ: فمِنَ الدُّروسِ العِلميَّة المُسجَّلَة صَوتيًّا، والَّتِي كانَ يَعقِدُها صاحِبُ الفَضِيلةِ شَيخُنا العلَّامةُ الوالِدُ محمَّدُ بنُ صالحٍ العُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في جامِعِهِ بمَدِينَةِ عُنَيْزَةَ صَباحَ كُلِّ يومٍ أثناءَ الإِجازاتِ الصَّيْفيَّة؛ حَلقاتٌ فِي تَفْسير القُرآن الكَرِيم كانَت بِدايتُها مِن سُورة النُّور وما بَعدَها؛ حتَّى بلَغ قَولَه تَعالَى في سُورة الزُّخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ وقَدِ اعتَمدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى في تَفْسيرِه لتِلْكَ السُّور كِتابًا بَيْن يَدَي الطُّلاب هُو (تَفْسير الجَلالَيْنِ) للعلَّامة جَلال الدِّين محمَّد بنِ أَحْمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المَحَلِّيِّ، المُتوفَّى سَنَةَ (٨٦٤ هـ) (١)، والعلَّامة جَلال الدِّين عبد الرَّحمن بن أَبِي بَكْر بنِ محمَّد

стр. 2

ابنِ سابِق الدِّين الخُضَيْرِيِّ السُّيُوطِيِّ، المُتوفَّى سنة (٩١١ هـ) (١). تغمَّدهما اللَّه بواسِع رَحمته ورِضوانه، وأَسْكنهما فَسِيحَ جنَّاتِه، وجَزاهُما عَنِ الإِسْلام والمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزاءِ. وسَعْيًا -بإِذْنِ اللَّهِ تَعالَى- لِتَعْمِيمِ النَّفْع بتِلْكَ الجُهُود المُبارَكة فِي هَذا المَيْدَان العَظِيم باشَر القِسْمُ العِلْمِيُّ بِمُؤسَّسةِ الشَّيخِ مُحمَّد بنِ صالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ واجِباتِه فِي شَرَفِ الإِعْدادِ والتَّجْهِيز للطِّباعةِ والنَّشْر لِإِخْراجِ ذَلِكَ التُّراث العِلمِي؛ إنفاذًا للقَواعِدِ والضَّوابِط والتَّوْجِيهاتِ الَّتِي قَرَّرها فَضيلةُ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى في هَذا الشَّأْنِ. نَسْأل اللَّهَ تعالَى أنْ يَجْعلَ هَذا العَمَلَ خالصًا لِوجهِه الكَريمِ؛ نافِعًا لعِبادِه، وأنْ يَجزِيَ فَضِيلةَ شيخِنا عَنِ الإسلامِ والمسلمِينَ خَيْرَ الجزَاء، ويُضَاعِفَ لهُ المثُوبَةَ والأَجْرَ، ويُعليَ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ مجُيبٌ. وَصَلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارَك علَى عبدِه ورَسولِه، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإِمامِ المُتَّقِينَ، وسيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، نبيِّنَا محمَّدٍ، وعلَى آلِه وأَصْحابِه والتَّابعينَ لهُمْ بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين. القِسْمُ العِلْمِيُّ فِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ ٢٠ جُمَادَى الآخِرَة ١٤٣٦ هـ * * *

стр. 3

سورة لقمان الحمدُ للَّهِ ربِّ العَالمِينَ، وصلَّى اللَّهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا محُمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. وبَعد: يَقول المُفَسِّر (١) ﵀: [وهي مَكِّيَّة] المَكِّيُّ أَرجَحُ الأقوال -والذي عليه الجُمهور-: أن ما نزَل بعد وصول الرسول ﷺ إلى المدينةَ فهو مدَنيٌّ، ولو نزَل بمَكَّةَ، وما نزَل قبل وصوله إلى المدينة فهو مَكِّيٌّ، هذا هو القول الراجِح، فعلى هذا المُعتَبَرُ هو الزمَن لا المكان، وهذا أَريَحُ أيضًا للإنسان. يَقول ﵀: [مكِّيَّة، إلَّا: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧]]، وفي نُسخة [أو إلَّا] وبينهما فَرْق؛ لأن قول المُفَسِّر ﵀: [إلَّا ﴿وَلَوْ﴾] أن هذا اقتِصار على قول واحِد وجزَم به، أمَّا على النُّسخة الثانية [أو إلَّا] فهو إشارة إلى أن في المَسأَلة قولين، وأنه لم يُجزَم بأحَدِهما. والصحيح ما سبَقَ لنا أن السورة إذا كانت مَكِّيَّة فإننا لا نَستَثْنِي منها شيئًا إلَّا بنَصٍّ صريح واضِح، وإذا كانت مدَنية فإننا لا نَستَثنِي منها شيئًا إلَّا بنَصٍّ صريح واضِح؛ لأن الأصل أنَّ السورة تَكون مُتَتاليةً، وأن الرسول ﵊ يَضَع كل آية في مكانها، أو يَأمُر بوَضْعها.

стр. 4

وعلى هذا فنَقول: إن جاء مَن أَثبَتَ أن قوله : ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾، نزَلَت بعد الهِجرة، وأَثبَت ذلك بنَصٍّ فعَلَى العَيْن والرأس، وإلَّا فالأَصْل أن السورة كامِلة مكِّيَّة. * * *

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * قالَ اللَّه : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. * * * [بسم اللَّه الرحمن الرحيم] تَقدَّم الكلام على البَسمَلة إعرابًا ومَعنًى وحُكمًا: أما إعرابها فإنها جارٌّ ومجَرور مُتعَلِّق بمَحذوف، فِعْل مُؤخَّر مُناسِب للمَقام، الآنَ نُريد أن نَقرَأ هذه السورةَ فنَقول: بسم اللَّه الرحمن الرحيم أَقرَأُ. أو نُريد أن نُفسِّر نَقول: بسم اللَّه الرحمن الرحيم أُفسِّرُ. ويُريد الإنسان أن يَتَوضَّأ يَقول: بسم اللَّه أَتَوضَّأ، وقدَّرناه فِعْلًا؛ لأن الأَصْل في العامِل أن يَكون فِعْلًا، لا سيَّما وأنه مَحذوف. وقدَّرْناه خاصًّا، لم نَقُلْ مثَلًا: بسم اللَّه الرحمن الرحيم أَبتَدِئ. بل قُلْنا: كُنَّا إن كنت تُريد أن تَقرَأ قَدِّر: أَقرَأُ، تُريد أن تَأكُل قَدِّر: آكُلُ، تُريد أن تَشرَب قَدِّر: أَشرَبُ، فاختَرْنا أن يَكون تقديرُه خاصًّا لأَجْل أن يُناسِب كل حال بعَيْنه؛ ولأن الرسول ﵊ قال: "مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِسْمِ اللَّهِ" (١) فهو إشارة إلى أنه يُقدَّر الفعل المَحذوف بما يُناسِب الفِعْل المُبتَدَأ به. واختَرْنا أن يَكون تَقديرُه مُتأخِّرًا؛ لأَجْل البَداءة بـ (بسم اللَّه)، ولإفادة الحَصْر والاختِصاص؛ لأن تَقديم المَعموم يُفيد الحَصْر والاختِصاص، فكأنك تَقول:

стр. 6

لا أَبتَدِئ إلَّا بسم اللَّه، هذا هو السبَب في أن نُقدِّره مُتأخِّرًا. فهي (اسم) مُضاف، ولفظ الجَلالة مُضاف إليه، و (الرحمن) صِفة للَّه تعالى، و (الرحيم) صِفة للَّه تعالى أيضًا. وأمَّا حُكْمها: فإنها آية من كِتاب اللَّه تعالى تَكلَّم اللَّه تعالى بها، وأَنزَلها على الرسول ﷺ ، لكنها ليسَتْ آيةً من السورة، إنما جُعِلت علامةً على ابتِداء السورة فقَطْ، وليسَتْ منها، وتَجِد في المَصاحِف أنه لم يُكتَب عليها رقمٌ إلَّا في الفاتِحة، فإنها رُقِّمت، والسبَب أنَّ الفاتِحة ذهَب كثير من أهل العِلْم ﵏ إلى أن البَسمَلة منها، والصواب أنَّها ليسَتْ منها، بل كغيرها، وأن أوَّل آية في سورة الفاتِحة هي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٦]، هؤلاء خمسُ آيات والفاتِحة سبعُ آياتٍ، إذن السابِعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، هذه السابِعة، هذا هو الصحيح، مع أنك تَجِد في المَصاحِف ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ آية واحِدة بِناءً على أن البَسمَلة هي الآية الأُولى. أي: أن حُكْمها باعتِبار تِلاوتها في الصلاة. فإن قُلنا: إنها من الفاتِحة فهي آية منها، ولا بُدَّ من قِراءتها، وتُقرَأُ جَهْرًا كما يُجهَر بالفاتِحة، وإذا قُلْنا: ليسَت منها فإنه لا تَجِب قِراءَتُها ولا يُجهَر بها. * * *

стр. 7

الآية (١) * قالَ اللَّه : ﴿الم﴾ [لقمان: ١]. * * * قال ﵀: [﴿الم﴾ اللَّهُ أَعلَمُ بمُراده به] قوله تعالى: ﴿الم﴾ ثلاثة حُروف هِجائية، يَقول المُفَسِّر ﵀: [اللَّهُ أَعلَمُ بمُراده به]، وفي هذا إثباتٌ، لأن اللَّه تعالى أَراد به شيئًا، لكنه لا يُعلَم، فنَأخُذ من كلام المُفَسِّر ﵀ أنه يَرَى أن لهذه الحُروفِ مَعنًى، ولكن اللَّه أَعلَمُ به، وقال بعضُ أهلِ العِلْم ﵏: إن لها مَعنًى، وجعَلوا يَتَخبَّطون بهذا المَعنَى، ويَجعَلونها رُموزًا لمَّا جعَلوها له، وقال مجُاهِد: إنه لا مَعنَى لها (١)، فنَقول: لا مَعنَى لها. ولا نَقول: اللَّهُ أَعلَمُ بما أَراد؛ وذلك لأن القُرآن نزَل باللغة العربية كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، وقال : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، واللغة العرَبية ليس لهذه الحُروفِ فيها مَعنًى، وعلى هذا فنَقول: إنه لا مَعنَى لها، ونَقول ذلك لأن هذا هو مُقتَضى اللُّغة العرَبية التي نزَل بها القُرآن. فإذا قال قائِل: إذا قلت: لا مَعنَى لها. كيف يَسوغ لك أن تَجزِم بنَفي المَعنَى؟ فالجَوابُ: نعَمْ، يَسوغ لنا ذلك؛ لأن القُرآن باللغة العربية، وهذه الحُروفُ

стр. 8

الِهجائية بمُقتَضى اللغة العربية ليس لها مَعنًى، فأَجزِم بذلك؛ لأن القُرآن باللغة العربية. وإذا كان الأَمْر هكذا؛ فما الفائِدة من وُجودها في القُرآن؟ الجَوابُ: هذه هي التي قد نَقول: اللَّهُ أَعلَمُ بذلك، ولكن بعض أهل العِلْم التَمَس لهذا حِكْمة، بأنه إشارةٌ إلى أن هذا القُرآنَ الذي أَعجَزَكم ما أَتَى بحُروف جديدة حتى تَقول: واللَّهِ هذه ليسَتْ من حُروفنا، وإنما هو من الحُروف التي يَتَركَّب منها الكلام العرَبيُّ، ومع ذلك أَعجَزَكم. قالوا: ولهذا لا يَأتي الابتِداء بهذه الحُروفِ الِهجائية إلَّا وبعده ذِكْر القُرآن، أو ما هو من خَصائِص القرآن: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، وهناك بعضُ السُّوَر مِثْل: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾، ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾، ليس فيها ذِكْر القرآن، لكن فيها ذِكْر ما هو من خَصائِصه، فـ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ هذا من أمور الغَيْب، ولا يُعلَم إلَّا بالوَحْي، كذلك ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ هذا فيه إخبار عمَّن سبَق، وهو من أُمور الغَيْب أيضًا، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]. وعلى كل حال: هذا الذي ذكَرْناه أخيرًا هو ما ذهَبَ إليه شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّةَ (١) ﵀ وسبَقه إليه الزَّمخشَريُّ في كِتابه (الكَشَّاف) (٢). * * *

стр. 9

الآية (٢) * قالَ اللَّه : ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢]. * * * قال ﵀: [﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه الآياتُ ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ القُرآن ﴿الْحَكِيمِ﴾ ذي الحِكْمة، والإضافة بمَعنَى مِن] قوله تعالى: ﴿تِلْكَ﴾: المُشار إليه آيات القُرآن، وتَجِد أن الإشارة هنا بصيغة البَعيد، والقرآن ليس بَعيدًا؛ لأنه بين أَيدينا، ولكنه عالِي المَرتَبة؛ فلهذا أُشير إليه بإشارة البعيد. وقوله تعالى: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي: المَكتوب وهو القُرآن، وذكَرْنا فيما سبَق أنه مَكتوب في ثلاثة مَواضِع: في اللوح المَحفوظ، وفي الصُّحُف التي بين يدَي المَلائِكة، وفي الصُّحُف التي بين أَيْدينا. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ الإضافة هنا يَقول المُفَسِّر ﵀: إنها على تَقدير (مِن) يَعنِي: آيات مِن الكِتاب، والآياتُ كما تَقدَّم كونيةٌ وشرعيةٌ، وآيات الكِتاب من الشَّرْعية. وقوله تعالى: ﴿الْحَكِيمِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [ذي الحِكْمة]، ولكن يُمكِن أن يُقال: ذي الحِكْمة والحُكْم أيضًا؛ لأنه مَرجِع الناس في الحُكْم؛ ولأنه يَشتَمِل على الحِكْمة، وهو أيضًا صالِح لأَنْ يُجعَل بمَعنَى المُحكِم، فيَكون فَعيل بمعنى مُفعِل.

стр. 10

فالقُرآن إذَنْ: حَكيم لاشتِماله على الحِكْمة وعلى الحُكْم بين الناس؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]. من فوائد الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَة الأُولَى: حِكْمة اللَّه في إنزال هذه الحُروفِ الهِجائية، وهي ﴿الم﴾ وما أَشبَهها. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن اللَّه يَتكَلَّم بحَرْف، وكذلك بصَوْت؛ لأن ﴿الم﴾ من كَلام اللَّه تعالى، وهي حُروف، وهذا هو مَذهَب أهل السُّنَّة والجَماعة، وقد تَقدَّم لنا البحث فيه مِرارًا، وأن أهل السُّنَّة والجماعة يَقولون: إن كلام اللَّه حَرْف وصَوْت. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: عُلوُّ شَأْن هذا القُرآنِ؛ لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن القُرآن آية وعلامة على مُنزِلِه، لقوله : ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾، والإضافة على تَقدير (مِن) فهي إضافة جِنْسية، وهو آية على مُنزِلِه جَلَّ وَعَلَا: من حيث صِدْق أَخباره ومُطابَقَتها لهذا الواقِعِ، ومن حُسْن قِصصه وحُبِّها للنُّفوس، وعدَم مَلَلها منها؛ لأن ما من كلام يُردَّد إلَّا ويُمَلُّ إلَّا القرآن. وكذلك من حيث الأحكام: حيث إنها أَحكام عادِلة نافِعة للعِباد في مَعاشِهم ومَعادِهم؛ ولهذا قال اللَّه : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن القُرآن مَكتوب كما هو مَقروء، لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾.

стр. 11

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الثَّناء على هذا القُرآنِ بهذا الوَصْفِ العَظيم وهو: ﴿الْحَكِيمِ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنه لا يُوجَد في القُرآن خبَر سِيق عبَثًا، ولا حُكمٌ أُثبِتَ عبَثًا، يُؤخَذ ذلك من قوله تعالى: ﴿الْحَكِيمِ﴾؛ لأن العبَث يُنافِي الحِكْمة، ولا يُمكِن أن يَكون في القُرآن شيءٌ عبَثًا، لا خبَرًا ولا حُكْمًا. * * *

стр. 12

الآية (٣) * قالَ اللَّه : ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣]. * * * قوله ﵀: [(هُدًى وَرَحْمَةٌ) بالرَّفْع] هذه محَلُّها من الإعراب خبَر لمُبتَدَأ محَذوف، قدَّرَه المُفَسِّر ﵀ بقوله: [هو (هُدًى وَرَحْمَةٌ)، هُدى: بمَعنَى: دَلالة، ورحمةٌ: بمَعنَى: أن اللَّه رحِم به الخَلْق حيث أَنزَله عليهم، فالقُرآن هِداية ورحمة، مَن تمَسَّك به نجا واهتَدَى، فلا يَضِلُّ مَن تمَسَّك بهذا القُرآنِ ولا يَشقَى، لأنه هُدًى ورَحمة. وعلى هذا فنَقول لكل إنسان أَراد العِلْم: عليك بالقرآن، لأنه هُدًى، ولكل إنسان أَراد الرحمة: عليك بالقُرآن، لأنه هُدًى، فهو (هُدًى وَرَحْمَةٌ)، ولكن ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أَحسَنوا في عِبادة اللَّه تعالى وأَحسَنوا إلى عِباد اللَّه ، والإحسان ضِدُّ الإساءة، والإساءة إمَّا أن تَكون بتَرْك الواجِب أو بفِعْل المُحرَّم، فمَن ترَكَ ما أَوْجَب اللَّه تعالى عليه لنفسه من الصلاة وغيرها فليس بمُحسِن، ومَن فعَلَ ما حرَّمَ اللَّه تعالى عليه فليس بمُحسِن، ومَن ترَكَ ما يَجِب للناس من صِلة الرَّحِم وبِرِّ الوالِدين والإحسان إليهم فليس بمُحسِن، ومَنِ اعتَدَى عليهم فليس بمُحسِن.

стр. 13

وقوله تعالى: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ يُستَفاد منه أنه كلَّما ازداد الإنسان إحسانًا ازداد انتِفاعًا بالقُرآن بالهِداية والرحمة، بِناءً على القاعِدة: أنَّ الحُكْم إذا عُلِّق بوَصْف كان يَقوَى بحسَب وجود ذلك الوَصْفِ. وقوله : ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ فهل غير المُحسِنين لا يَهتَدون به ولا يُرحَمون؟ الجَوابُ: نعَمْ؛ لأن المُحسِنين هم الذين يَنتَفِعون بذلك، وإلَّا فهو هُدًى للناس كلِّهم مَصدَر هِداية للجَميع، لكن لا يَنتَفِع به إلَّا الذين أَحسَنوا. قال ﵀: [وفي قِراءة العامة بالنَّصْب حالًا من الآيات] غَريبٌ هذا التَّعبيرُ من المُفَسِّر ﵀ فقوله: [وفي قِراءة العامَّة] يَفهَم منه مَن لا يَعرِف الاصطِلاح أن المُراد بالعامَّة عامَّة الناس، ما سِوى العُلَماء، وهذا ليس كذلك، إنما المُراد بالعامَّة عامَّة القُرَّاء ما عدا قارِئًا واحِدًا الذي قرَأَ بالرَّفْع؛ فقال: [بالنَّصْب حالًا من الآيات، العامِل فيها ما في ﴿تِلْكَ﴾ ومِن مَعنَى الإشارة]. فقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ حالَ كونها ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾، فإذا قال قائِل: الحال تَحتاج إلى عامِل مثل: الظَّرْف والجارِّ والمَجرور والمَفعول به، فما هو العامِل؟ فالجَوابُ: العامِل فيها ما في ﴿تِلْكَ﴾ من مَعنَى الإشارة؛ فـ ﴿تِلْكَ﴾ اسمٌ جامِد غير مُشتَرَط، لكنه بمَعنَى: أُشير، فإذا قلت: هذا زيدٌ. المَعنَى: أُشيرُ إليه، فـ ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ بمَعنَى: أُشير إلى هذه الآياتِ، فلمَّا كانت مُتضَمِّنة لمَعنَى الفِعْل صارت صالحِة لأَنْ تَكون عامِلًا في الحال.

стр. 14

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: التَّرْغيب في هذا القُرآنِ؛ لقوله تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾، وكل أحَدٍ منَّا يَطلُب الهُدى والرحمة، فهو هدًى في العِلْم ورحمة في العمَل، إذ إن العامِل به يَنال رحمة اللَّه تعالى، والمُهتَدِي به على هدًى وبصيرة. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن القُرآن الكريم جمَع الخيرَ كلَّه، فهو عِلْم نافِع؛ لقوله تعالى: ﴿هُدًى﴾، وعمَل صالِح؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةً﴾؛ لأن الرحمة لا تُنال إلَّا بالعمَل الصالِح. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الحثُّ على الإحسان؛ لقوله تعالى: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الإحسان سبَب لنَيْل العِلْم والعمَل الصالِح، لما جعَله هُدًى ورحمةً للمُحسِنين. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه كلَّما ازداد إحسان العبد ازداد عِلْمه وعمَله الصالِح؛ لأن الحُكْم إذا عُلِّق على وَصْف ازداد بزيادته ونقَص بنَقْصه كما تَقدَّم. * * *

стр. 15

الآية (٤) * قالَ اللَّه : ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤]. * * * قوله ﵀: [﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ بَيان للمُحسِنين] وعلى هذا فلا تَكون نعتًا، بل تَكون بيانًا أي: عَطْفَ بيان؛ والمُحسِنون هم: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يَعنِي: يَأتون بها قويمة تامَّة، وقوله : ﴿الصَّلَاةَ﴾ يَشمَل الفريضة والتَّطوُّع، فإقامتها بفِعْل الواجِبات، وتَرْك المُفسِدات، وكذلك تَتِمُّ الإقامة بفِعْل المُكمِّلات والمُستَحبَّات. قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: يُعطونها، والزكاة هي جُزْء مُقدَّر شرعًا في مال خاصٍّ لطائِفة مخَصوصة، ومَفعول ﴿وَيُؤْتُونَ﴾ الثاني مَحذوف تَقديرُه: ويُؤتون الزكاة أهلَها. وإنما جاز حَذْفه، لأنه فَضْلة، وقد سبَق أن جميع المَفاعيل الفَضْلة يَجوز حَذْفها. وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ سُمِّيَ هذا المالُ المُؤدَّى زكاةً؛ لأنها تَزكو بها أخلاق المُزكِّي، ويَزكو بها المال أيضًا ويَزيدُ، لأن الزكاة في اللغة النَّماء والزِّيادة. ولم يَذكُرِ اللَّه من الأفعال إلَّا الصلاة والزكاة، وقرَن بينهما في القرآن كثيرًا، وذلك لأنهما آكَدُ أركان الإسلام بعد الشَّهادتين، وتَرْكهما جميعًا مُوجِب للكُفْر،

стр. 16

وأمَّا تَرْك واحِدة منهما؛ فالصلاةُ: الصحيح أنه يَكفُر، والزكاةُ: الصحيح أنه لا يَكفُر. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾: ﴿هُمْ﴾ مُبتَدَأ و ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ جارٌّ ومجَرور مُتعلِّق بـ ﴿يُوقِنُونَ﴾، و ﴿هُمْ﴾ الثانية يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿هُمْ﴾ الثانية تَأكيد] تَأكيد لفظيٌّ لـ ﴿هُمْ﴾ الأُولى. قال ابنُ مالِك ﵀: وَمَا مِنَ التَّوْكيدِ لَفْظِيٌّ يَجِي ... مُكَرَّرًا كَقَوْلكَ: ادْرُجِي ادْرُجِي (١) قوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ المُراد بالآخِرة يوم القِيامة، وسُمِّيَ آخِرة؛ لأنه آخِرُ ما يَكون، فالإنسان له أَربَع مَراحِلَ: المَرحَلة الأُولى: في بَطْن أُمِّه. والمَرحَلة الثانِية: في الدنيا. والمَرحَلة الثالِثة: في البَرزَخ. والمَرحَلة الرابِعة والأخيرة: يَوم القِيامة. وقوله تعالى: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ الإيمان بالآخِرة ليس مَعناه أن تُؤمِن بأن القيامة ستَقوم فقَطْ، قال شيخ الإسلام ابن تَيميَّةَ ﵀ في العَقيدة الواسِطية (٢): "وقد دَخَل في الإيمان باليوم الآخِر: الإيمان بكلِّ ما أَخبَر به النبيُّ ﷺ ممَّا يَكون بعد الموت"، فيَشمَل فِتْنة القَبْر، وعذاب القَبْر، ونعيم القَبْر، والصِّراط، والحِساب، والميزان، والكُتُب التي تُنشَر يوم القيامة، وغير ذلك.

стр. 17

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن إقامة الصلاة من الإحسان؛ لأن ما بعدَها بيانٌ لها: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الصلاة أَحبُّ الأعمال إلى اللَّه تعالى؛ لأن اللَّه تعالى قدَّمها على إيتاء الزكاة مع أن إيتاء الزكاة فيه نَفْع فتَعدٍّ للغير، ولكن الصلاة أحَبُّ إلى اللَّه تعالى منها وأفضَلُ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الحثُّ على إقامة الصلاة، يُؤخَذ ذلك من: ثَناء اللَّه تعالى على المُقيمين لها، والثَّناء لا يَكون إلَّا على فِعْل شيء مَحبوب مَرغوب من اللَّه تعالى. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فَضْل إيتاء الزكاة، وأنها تَلي الصلاةَ في الفضيلة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الثناء على مَن أَيْقَن بالآخِرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات البَعْث. * * *

стр. 18

الآية (٥) * قالَ اللَّه : ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥]. * * * القرآن الكريم أحيانًا يُكرِّر الآياتِ بعَيْنها، فهذه الآيةُ مُكرَّرة في سورة البقَرة، وإن كان فيها اختِلاف يَسيرٌ في الآية الأُولى التي قبلها، أمَّا قوله : ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فهي آية واحِدة. قوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أَتَى بـ ﴿عَلَى﴾ الدالَّة على الاستِعْلاء، يَعنِي: أنهم على هُدًى يَسيرون عليه، وهم به عالون مُرتَفِعون؛ لارتفاع مَرتَبَتهم. وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ هذه الجُملةُ جُملة اسمِيَّة مُؤكَّد خبَرها بضمير الفصل، وهو قوله : ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، فإنَّ ﴿هُمُ﴾ ضمير فَصْل، وضَمير الفَصْل يُفيد ثلاث فَوائِدَ: الفائِدةُ الأُولى: الفَصْل بين الصِّفة والخبَر. والفائِدةُ الثانِية: الحَصْر. الفائِدةُ الثالِثة: التوكيدُ. فإذا قلت: (زَيْدٌ القائِمُ)، هذا: مُبتَدَأ وخبَر، لكن يُحتَمَل أن تَكون (القائِمُ) صِفةً لـ (زَيدٌ) وأن الخبَر مُنتَظَر: (زَيدٌ القائِمُ فاضِلٌ) مثَلًا، فإذا قلت: (زيدٌ هو القائِمُ)،

стр. 19

تَعيَّن أن تَكون (القائِمُ) خبَرًا، ففَصَلت الآن بين الصِّفة والخبَر، كذلك إذا قلت: (زَيدٌ هو القائِمُ)، فإنه يُفيد الحصر، (زيدٌ هو) يَعنِي: لا غيره هو (القائِمُ)، كذلك إذا قلت: (زيدٌ هو القائِمُ)، أَبلَغُ في التوكيد من قولك: (زيدٌ القائِمُ). فهنا قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يَعنِي: لا غيرهم، والمُفلِح يَقول المُفَسِّر ﵀: [هو الفائِزُ] والفائِزُ هو السَّعيد، والمُفلِح يَقولون: إنه مَن أَدرَك المَطلوب ونجا من المَرغوب، فحصَل له ما يُريد وسلِم ممَّا لا يُريد. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن المُتَّصِفين بما تَقدَّم همُ الذين على الهُدَى، فيَتَفرَّع على ذلك: أن مَن خالَف فيما تَقدَّم فليس على هُدًى، وأنه فاته من الهُدى بقَدْر ما فاته من العمَل واليَقين. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إظهار فَضْل اللَّه على هَؤلاءِ الفُضَلاءِ؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الإشارة إلى أن رُبوبية اللَّه نوعان: عامَّة، وخاصَّة؛ فالعامة: لجميع الخَلْق ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، والخاصَّة: للمُؤمِنين. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن بهذه الأَعمالِ الفاضِلةِ الجليلة والاعتِقادات النافِعة يَحصُل الفَلاح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه لا سَبيلَ إلى الفَلاح إلَّا بذلك؛ وجهُه: الحَصْر في قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. * * *

стр. 20

الآية (٦) * قالَ اللَّه : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦]. * * * قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: (مِن) للتَّبعيض، والجارُّ والمَجرور خبَر مُقدَّم، و ﴿مَنْ يَشْتَرِي﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر. وقوله : ﴿مَنْ يَشْتَرِي﴾ مَعنَى الاشتِراء: الاختِيار، يَعنِي: مَن يَختار، وعبَّر عن الاختِيار بالاشتِراء إشارةَ إلى حِرْصهم على هذا الأَمرِ؛ لأن الاشتِراء إنما يَكون بالمُعاوَضة، فكأنهم لقُوَّة اختِيارهم هذا الشيءَ بذَلوا فيه أموالهم ليَنالوه. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الفَرْق بين (يَشتَري) و (يَشْري) أن (يَشرِي) بمَعنَى: يَبيع، و (يَشتَرِي) بمَعنَى: يَبتاع، وعند الناس أن الشِّرَى هو الاشتِراء، وليس كذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ يَشرِي نفسه يَعنِي: يَبيعُها، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]، اشتَرَى أَنفُسهم فهم بائِعون. وقوله ﵀: [﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ أي: ما يُلهِي منه عمَّا يَعنِي] ﴿لَهْوَ﴾ مُضافة إلى ﴿الْحَدِيثِ﴾ من باب إضافة الشيء إلى نَوْعه، فالإضافة على تَقدير (مِنْ) كما يُقال: ثُوبُ خَزٍّ، ثوبُ صُوفٍ، خاتَمُ حَديدٍ، خاتَمُ فِضةٍ، وما أَشبَه ذلك؛ فهي على

стр. 21

تَقدير (مِنْ) وهكذا كلَّما أُضيف الشيء إلى نَوْعه فالإضافة فيه على تَقدير (مِنْ). إِذَنْ: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ أي: لَهْوًا من الحديث، واللَّهْو كل ما يُلهَى به، والذي يُلهَى به أَغلَبُ ما يَكون في الشيء الباطِل، وقد يُلهَى بالخير عن الشَّرِّ، لكن أكثَر ما يُطلَق اللهو في مَقام الذَّمِّ، وكل لَهْوٍ يَلهو به ابنُ آدَمَ فهو باطِل، إلَّا مُداعَبة أهله، وتَرويض فرَسه، وما أَشبَه ذلك ممَّا يَكون فيه مَصلَحة، وإلَّا فإن الأصل أن ما يُلهَى به باطِل. والذي يُلهَى به نوعان: حديثٌ وهو القول، والثاني: فِعْل. أي: حرَكات، واللَّه ذكَرَ هنا لهوَ الحديث فقال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال ﵀: [أي: ما يُلهَى به عمَّا يَعنِي] كل ما يُلهَى به عمَّا يَعنِي فهو مِن لَهْو الحديث، وأمَّا ما يَعنِي الإنسانَ ولكن يَلهو بالمَفضول عن الفاضِل، فليس هذا من لَهْو الحديث؛ لأن له فائِدةً في اللَّهْو في المَفضول، لكنها فائِدة ناقِصة، ولا شكَّ أن الأقوال مَراتِبُ كما أن الأفعال مَراحِلُ، فلو تَلهَّى الإنسان بحديث فيه فائِدة عن حديثٍ أَفيَدَ منه، فليس هذا من لَهْو الحديث؛ لأن فيه فائِدةً، ليس مجُرَّد لَهْوٍ يَلهو به الإنسان، وإذا كان فيه فائِدة فإننا نَقول لهذا الرجُلِ: إن اختيارك للمَفضول عن الفاضِل يُعتَبر سُوء تَصرُّف منك، والذي يَنبَغي أن تَلهو بالأفضل عن المَفْضول. وقوله ﵀: [(لِيَضِلَّ) بفَتْح الياء وضَمِّها] وأمَّا الضادُ فهي مَكسورة على القِراءَتَيْن: (ليَضِلَّ) أي: هو، و ﴿لِيُضِلَّ﴾، أي: يُضِلُّ غيره. وفائِدة القِراءَتين هنا اشتِمال هذا الكلِمةِ على المَعنيَيْن، وهُما: الضلال بنَفْسه وإضلال غيرِه. وقوله ﵀: [﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ طريق الإسلام] والصَّواب أن يُقال:

стр. 22

(طريق اللَّه وهو الإِسْلام)؛ فسَبيل اللَّه تعالى طريقه المُوصِّل إليه، والذي وضَعه هو ، وهو الإسلام، فسُمِّيَ سبيل اللَّه أو طريق اللَّه؛ لأنه مُوصِّل إليه، ولأنه سبحانه هو الذي وضَعَه وشرَعه لعِباده؛ ويُطلَق على سبيل المُؤمِنين كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]. ولا تَنافيَ بين الإضافَتين فهو مُضاف إلى اللَّه تعالى؛ لأنه مُوصِّل إليه، وهو الذي وضعه وشرَعه، ومُضاف إلى المُؤمِنين؛ لأنهم همُ الذين يَسلُكونه، ومثله: الصِّراط، أُضيف إلى السالِكين في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وأُضيف إلى اللَّه؛ لأنه الذي شرَعه ووضَعَه لعِباده: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]. قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ هذا لا يَعنِي أن هناك لَهْوًا يَضِلُّ به الإنسان بعِلْم، فهي إِذَنْ: صِفة كاشِفة مُبيِّنة لحقيقة الأَمْر، أي: أن فِعْله هذا ناشِئٌ عن الجَهْل باللَّه ، وعن الجَهْل بشَرْعه، وعن الجَهْل بحقيقة ما خُلِق له، إذ كيف تَتَلهَّى بأَمْر لا تَستفيد منه؟ ! هذا جَهْل بما يَنبَغي أن تَعلَمه؛ لتَعتَبِر به. ولم يُمثِّل المُفَسِّر ﵀، لكن كثيرًا من المُفسِّرين قال: إن المُراد بلَهْو الحديث هو الغِناء، وممَّن قال بذلك ابنُ مَسعود (١) ﵁، وكذلك ابنُ عبَّاس (٢) ﵄، وجماعة، حتى إن ابنَ مَسعود ﵁ يَحلِف فيَقول: واللَّهِ الذي لا إلهَ إلَّا هو

стр. 23

إنه الغِناءُ، والغِناء يُنبِت النِّفاق في القَلْب. وتفسير الصَّحابيُّ حُجَّة، حتى ذهَب الحاكِم (١) ﵀ وجماعة من أهل العِلْم إلى أن تفسير الصحابيِّ له حُكْم الرَّفْع، يَعنِي: يَكون كالحديث المَرفوع، والصحيح أنه ليس له حُكْم الرفع، إلَّا أن يَكون ممَّا لا مَجالَ للاجتِهاد فيه، فأمَّا مجُرَّد تفسير آية بمُقتَضى اللغة العربية فإنَّ الصحيح أن تَفسير الصحابيِّ ليس في حُكْم الرَّفْع، لكنه مُقدَّم على غيره. ثُمَّ اعلَمْ أنَّ المُفسِّرين من الصحابة والتابِعين ومَن بعدَهم قد يَذكُرون تفسير الآية على سبيل المِثال، لا على سبيل الحَصْر، فإذا قال ابنُ مَسعودٍ ﵁: إن المُراد بلَهْو الحديث الغِناءُ، لا يَعنِي أنه لا يَتَناوَل غيره، قد يَكون هذا على سبيل التَّمثيل فقَطْ. ويَدُلُّك لهذا قوُله : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، قال بعضُ العُلماء ﵏ في التَّفسير: الظالِم لنَفْسه هو الذي يُؤخِّر الصلاة عن وقتها. وقال آخَرون: هو الذي لا يُزكِّي، ثُمَّ قال: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾: إِذَنِ المُقتَصِد هو الذي يَأتِي بالصلاة في آخِر وقتها، وقال آخَرون: هو الذي يُؤدِّي الزكاة المَطلوبةَ فقَطْ، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ قال بعضهم: هو الذي يُصلِّي الصلاة في أوَّل وَقْتها. وقال آخَرون: هو الذي يُؤدِّي الزكاةَ والصدَقاتِ. وهذا يَدُلُّ على أن العُلَماء ﵏ قد يُفسِّرون الآية ببعض الأمثِلة، فلا يُنافِي أن تَكون الآية مُتناوِلة لغيرها، فتَفسير ابنِ مَسعود وابنِ عبَّاس ﵄ وغيرهما

стр. 24

لِلَهْو الحديث بأنه الغِناء، لا يَعنِي أنه يَمتَنِع أن يُراد بالآية ما هو أعمُّ. وعلى هذا فنَقول: الآية تَشمَل كل لهوِ حديثٍ لا نَفْعَ فيه من الغِناء، ومنه أيضا مُطالَعة ما يُكتَب في الصحُف والمَجلَّات من الكلام الهُراء الذي لا فائِدةَ منه فإنه في الحقيقة مَضيَعة للوَقْت، وإذا كان يَشُدُّ الإنسانَ إلى ما هو أبطَلُ، صار أشدَّ. فعلى كل حال نَقول: لهوُ الحديث كل حديث لا فائِدةَ منه، سواء كان ذلك يَجُرُّ إلى مُحرَّم، أو لا يَجُرُّ إلى مُحرَّم، لكن إن جَرَّ إلى مُحرَّم صار أعظَمَ. فإذا قال قائِل: الآية يَقول اللَّه تعالى فيها: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أو (لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) وأنت قلت: إن لَهْو الحَديث كل ما لا نَفعَ فيه، وما لا نَفْعَ فيه قد يُضِلُّ وقد لا يُضِلُّ. فإننا نَقول: إن الإنسان إذا عوَّد نَفْسه على أن يَشتَغِل بهذا اللهوِ الذي لا نَفعَ فيه جرَّته إلى ما فيه مَضرَّة؛ لأن النفس إمَّا أن تَشغَلها بالحَقِّ أو تَشغَلك بالباطِل؛ واللَّام في قوله ﵀: (لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أو ﴿لِيُضِلَّ﴾ هل هي للتعليل أو للعاقِبة؟ الجَوابُ: هي صالحِة للأَمْرين، فإن كان الإنسان يَقصِد بلَهْو الحديث أن يُضِلَّ غيره به، فاللَّام للتَّعليل، وإن كان لا يَقصِد ذلك فاللَّام للعاقِبة، مثال التي للعاقِبة: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، فاللَّام هنا لا شَكَّ أنها للعاقِبة؛ لأنهم ما أَرادوا أن يَكون لهم عَدُوًّا وحزَنًا، إنما أَرادوا العَكْس، إنما العاقِبة صارت كذلك. فإن قال قائِل: تَفسير اللهوِ بالغِناء، هل هو الغِناء المُحرَّم أم كل الغِناء؟ فالجَوابُ: الغِناء المُحرَّم، أمَّا الغِناء الذي ليس مُحرَّمًا فلا يَدُلُّ في الآية إلَّا إن شغَل عن ما هو أهمُّ منه صار داخِلًا فيه.

стр. 25

فإن قيل: ما ليس فيه فائِدة مِثْل بعض الأشعار التي لا يُستَفاد منها اللغة العربية، ولا يُستَفاد منها مَوْعِظة أو ترقيق قَلْب، هل يَدخُل في لَهْو الحديث؟ فالجَوابُ: الظاهِر أنها تَدخُل في لَهْو الحديث الذي لا يَنفَع ولا يَضُرُّ، لكنه قد يَجُرُّ إلى ما يَضُرُّ، وإن لم يَكُن من ضرَره إلَّا أنه يُلهِي عمَّا هو أهَمُّ. ومن لَهْو الحَديث أيضًا: الذي قد يُضِلُّ عن سبيل اللَّه ما يُوجَد في قصائِد الصُّوفية البَريئة من الشِّرْك، وإلَّا بعضها شِرْك -والعِياذُ باللَّه- بعضها يُفضِي إلى الحُلول، وأن اللَّه حالٌّ في المخلوقات، وهذا مَعروف شأنه حتى لو كان نَثْرًا، فإنه مُحرَّم. ولكن بعضها ليس كذلك إلَّا أن بعض الناس يَتَلهَّى به عن مَواعِظ القُرآن والسُّنَّة حتى يَكون ذلك دَيدَنَه، وهذا لا يَجوز. ويُوجَد الآنَ ما يُسمَّى بالأناشيد الإسلامية التي استَوْلت على عُقول كثير من الناس حتى صار كأنما يَقرَأ القرآن، فهي دائِمًا على لِسانه وعلى قَلْبه، وهذا ذَكَر شيخُ الإسلام في الفَتاوى (١): أن ذلك ممَّا يُلهِي عن الكِتاب والسُّنَّة وحذَّر منه تَحذيرًا كثيرًا. ولكن عندما يَكون عندك مثَلًا ضَعْف وخوَر وكسَل وتُريد أن تَسمَع هذه الأشياءَ، لتُرقِّق قلبك هذا لا بَأسَ به، ولكن قَصْدي بأُولئك الذين اتَّخَذوها دَيْدنًا لهم؛ فالإكثار منها والاشتِغال بها عن مَواعِظ القُرآن والسُّنَّة هو المَحظور. فإن قال قائِل: إذا كان إنسان قد تَعوَّد على الغِناء فترة، ثُمَّ لمدَّة شَهْر أو شهرين أَراد سَماع الأناشيد للمُعالجِة؟

стр. 26

فالجَوابُ: أمَّا إذا كانت للمُعالجَة، فالإنسان قد يُعالَج بالسَّمِّ القَتَّال، يُمكِن أن يُعالَج بالسَّمِّ، وهذا نحن الآنَ نَراهم يُعطون الناس حُبوبًا وجُرعاتٍ تَكون قاتِلة، لكن يَتَّخِذونها للعِلاج، فإذا لم يَكُن طريق إلَّا هذا فلا حرَجَ، لكن أيضًا تَكون مع الحذَر الشديد. وإن قيل: قد يَكون صوت الغُلام المُنشِد جميلًا، وقد يَكون أشَدَّ تأثيرًا من صوت النِّساء؟ فالجَوابُ: أنَّ مَسأَلة حُسْن الصوت إن كان يُؤدِّي إلى فَساد وثَوَران شَهْوة فهذا مُحرَّم، وإن كان لا يُؤدِّي ولكنه يَزيد الإنسان استِماعًا، هذا فلا بأسَ منه. ثُمَّ إن بعض الناس يَجعَل أيضًا مع هذه القَصائِدِ دُفًّا، فيَكون إلى اللَّهْو أقرَبَ منه إلى الذِّكْر. وبعض الناس يَقول: هذِه أَهْونُ من الأغاني! فنَقول: لست مجبرًا على فعل أحَد الأمرَيْن حتى تقول: أنا مخُيَّر بينَهما فأختارُ أَيْسَرُهما؛ فقد يَفعَلها الإنسان وهو يَشعُر أنه مُذنِب فيُحاوِل الإقلاع، لكن هذا يَفعَله على أنه مُتقَرِّب إلى اللَّه تعالى بذلك فيَستَمِرُّ عليه. وما هذا إلَّا نَظير هؤلاء الذين يَتَحيَّلون على الرِّبا بالخِداع وبيع القماش والهيل وما أشبَهَها، يَقولون: هل هذا أَحسَنُ أمِ الرِّبا الذي في البُنوك؟ ! فنَقول: ليس الإنسان مُخيَّرًا بين هذا أو هذا، والحمد للَّه فهناك أشياءُ مُباحة يَتمَكَّن من فِعْلها دون أن يَفعَل هذه الأشياءَ التي تَصُدُّه عن القُرآن وعن السُّنَّة. إِذَنِ: الضابِط في لَهْو الحديث هو: كل كلام لا فائِدةَ منه، وأمَّا ما فيه فائِدة

стр. 27

ولكن اشتَغَل به عمَّا هو أَفْيَدُ فليس لَهْوًا، لكنه خِلاف الحِكْمة، إذ إن الحِكْمة أن يَشتَغِل الإنسان بالأفضَل عن المَفضول. إِذَنْ: لَهْو الحديث هو كل كلام لا فائِدةَ منه، وعاقِبته ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قوله ﵀: [﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ بالنَّصْب عَطْفًا على (يَضِل)، وبالرفع عَطْفًا على ﴿يَشْتَرِي﴾] قِراءتان (لِيَضل عن سبيل اللَّه) ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ يَكون عَطْفًا على (يَضل)، أو ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ عَطفًا على ﴿يَشْتَرِي﴾ يَعنِي: ومن الناس مَن يَتَّخِذها هُزوًا، وبينهما فَرْق؛ لأن قِراءة النصِّ تَجعَل الحامِل على مَن يَشتَرِي لهوَ الحديث أمرين: الضلال، واتِّخاذه هُزوًا، وأمَّا على قِراءة الرفع: فإن الحامِل على شِراء لَهْو الحديث شيء واحِد، لكن من الناس أيضًا مَن يَتَّخِذ آياتِ اللَّه تعالى هُزوًا، أي: مَكانًا للاستِهْزاء. وقوله ﵀: [﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ مَهزوءًا بها] أَشار المُفَسِّر ﵀ بقوله: [مَهزوءًا] إلى أن المَصدَر هنا بمَعنَى اسم المَفعول، وهو كثيرًا ما يَأتي في اللغة العربية، يَعنِي: مَهزوءًا بها. واتِّخاذ آيات اللَّه تعالى هُزوًا له أنواعٌ كثيرة: ١ - منها: أن يَستَهزِئ بالقرآن في نَظْمه وتَرْكيبه. ٢ - ومنها: أن يَستَهزِئ بالقرآن في أَخباره، ويَقول: أساطيرُ الأوَّلين. ٣ - ومنها: أن يَستَهزِئ بالقُرآن في أَحْكامه. ٤ - ومنها: أن يَستَهزِئ بالسُّنَّة. ٥ - ومنها: أن يَستَهزِئ بالرسول ﵊.

стр. 28

٦ - ومنها: أن يَستَهزِئ بمَن تمَسَّك بالسُّنَّة، لا لشَخْصه ولكن لعمَله، وهي كثيرة حتى إنَّ بعض أهل العِلْم ﵏ يَقول: إنَّ الإنسان إذا صلَّى وهو محُدِث، فهذا استِهْزاء بآيات اللَّه تعالى؛ ويَقول: إنه إذا عمِل مُبطِلًا من مُبطِلات العِبادة فهو مُستَهزِئ بآيات اللَّه تعالى. وعلى كل حال: كل مَن حوَّل آياتِ اللَّه إلى هُزءٍ بالقَوْل أو بالفِعْل أو بالهَيْئة، فإنه يُعتبَر مُتَّخِذًا لها هُزؤًا. والاستِهْزاء بآيات اللَّه ليس بالأمر الهَيِّن، حتى إنَّ أهل العِلْم ﵏ يَقولون: مَن قال كُفْرًا أو فعَل كُفْرًا ولو هازِلًا فإنه يَكفُر، واستَدَلُّوا لذلك بقوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. قال اللَّه : ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: (أُولاءِ) اسمُ إشارة للجَمْع، مع أن الضمائِر التي قَبلها للمُفرَد ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي﴾ ﴿لِيُضِلَّ﴾ ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ فهي للمُفرَد، وهنا قال : ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ﴾ جمع؛ لأن ﴿مَنْ﴾ اسم مَوْصول تَصلُح للمُفرَد والجماعة، فإن أَفرَدت ما يَعود عليها صِرْت مُتَّبِعًا للَهْوهم، وإن جمَعْته فأنت مُتَّبع لمَعناه. ويَجوز أن تُراعِيَ لفظها أو مَعناها في كل الكلام ويَجوز أن تُغيِّر، انظُرْ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ كل هذا على سبيل الإفراد التاج للَّفْظ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ هذا باعتِبار المَعنَى، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١] باعتِبار اللَّفْظ، فهي آية واحِدة ومع ذلك غُيِّرت فيها الضمائِر من مُراعاة اللَّفْظ إلى مُراعاة المَعنَى إلى مُراعاة اللَّفْظ.

стр. 29

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الذين يَفعَلون هذا الفِعْلَ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أَتَى بـ ﴿لَهُمْ﴾ -وهو الخبَر- قبل المُبتَدَأ لإفادة الحَصْر، وأَتَى بالجُمْلة الاسْمِية ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ﴾ لإفادة الثُّبوت والدوام والاستِحْقاق لهذا العَذابِ. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾ العَذاب بمَعنَى: العُقوبة، و ﴿مُهِينٌ﴾ أي: ذو إِهانة. يَعنِي: يُهينهم -والعِياذ باللَّه- فلمَّا كانوا يَستَعِزُّون بأنفُسهم، ويَسخَرون بآيات اللَّه تعالى حتى يَضَعوها عن مَكانها اللائِق بها عُوقبوا بمِثْل جِنايتهم، ودائِمًا: الجزاء من جِنْس العمَل في الدُّنيا والآخِرة، قال : ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ وزِيادة بعدها: ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] قال ﷺ : "ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ" (١) مِثْلًا بمِثْل، وعلى هذا فقِسْ. فالجَزاءُ من جِنْس العمَل، فهذا الرجُلُ الذي اتَّخَذ آياتِ اللَّه تعالى هُزوًا غرَضُه من ذلك أن يَضَعها بين الناس، وأن يَجعَلها مَحلَّ سُخرية، غير مَعبوءٍ بها، ولا مُهتَمٍّ بها، فصار جَزاؤُه -والعِياذ باللَّه- أن اللَّه تعالى يَجزيه بالعَذاب المُهين الذي يُهينه ويُذِلُّه. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: ذَمُّ مَن يَرْكَن إلى لَهْو الحَديث، وهو ما لا خَيرَ فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي. . .﴾ إلى آخِره. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَحرِيم الغِناء؛ لِأنَّ ابنَ مَسعود ﵁ أَقسَم بالذي لا إلهَ إلَّا هو

стр. 30

أنَّه الغِناء، وتَفسيرُ الصحابيِّ حُجَّة، حتى ذهَب الحاكِم وجماعة مِن أهل العِلْم ﵏ إلى أنَّ تَفسيرَه في حُكْم المَرفوع، ولا شَكَّ أنَّ الغِناء المُشْتَمِل على آلَةِ اللَّهْو لا شَكَّ أنَّه حرام؛ لأن نَفْس آلة اللَّهْو حرام، قرَنَها رسول اللَّه ﷺ بالزِّنا والخَمْر والحرير، فقال -كما في صحيح البخاري مِن حديث أبي مالِك الأشعريِّ ﵁: "لَيَكُونَنَّ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يَسْتَحِلُّونَ الحرَ وَالحَرِيرَ وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ" (١) فكلِمة "يَسْتَحِلُّونَ"، دليل على أنَّها حرام، واستِحْلالهم لها إمَّا باعتِقادِهم أنَّها حلال، وإمَّا بفِعلِهم إيَّاها فِعلَ المُسْتَحِلِّ لها الذي لا يُبالي، والمَوجود الآنَ الأمران، فإنَّ مِن الناس مَنِ استَحَلَّ هذه المَعازِفَ -والعِياذ باللَّه- وقال: إنها حلال، ومنهم مَن يَعتَقِدُ تَحريمها، لكنه يَفعَلها فِعْل المُستَحِلِّ لها بدون مُبالاة. ولا يَغُرَّنَّكُم ما وقَع فيه الناس اليومَ مِن الانهِماك بِها، فإنَّه أَصبَحَ لها تأثيرٌ عظيم على قُلوبِهم ودِييهم وسُلوكِهم، وانظُرْ إلى المُبْتَلَيْنَ بهذا الأمرِ -والعِياذُ باللَّه- يَكون ما هَمُّهُم إلَّا هذا الأَمرُ، وهُم أَبْعَدُ الناس عن مَعرِفة القُرآن والسُّنَّة ومَواعِظ القُرآن والسُّنَّة. ولهذا ذَكَر بعضُ أهل العِلْم ﵏ أنَّه لا يَجتَمِع حُبُّ الغِناء، وحُبُّ كِتابِ اللَّه ، قال ابنُ القيِّمِ ﵀: حُبُّ الْكِتَابِ وَحُبُّ أَلحَانِ الْغِنَا ... فِي قَلْبِ عَبْدٍ لَيْسَ يَجْتَمِعَانِ (٢) ولهذا قال هنا: ﴿يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

стр. 31

والغِناء بدون آلَةِ إن اشتَمَل على مُحرَّم فهو حرام، وقد يَصِل إلى حَدِّ الشِّرْك، كما لو اشتَمَل على الغُلُوِّ في مَدْح أحدٍ غُلُوًّا يَصِل به إلى درجة الخالِق، وقد يَكون مُحَرَّمًا وفِسْقًا كما لو اشتَمَل على تَحقيق الفِسْق والمُجُون وما أَشبَهَ ذلك، وقد يَكون مُحرَّمًا تَحريمَ الغِيبَة كما لو كان يَسُبُّ شَخْصًا مُعَيَّنًا، المُهِمُّ أنَّه درجات. أمَّا إذا كان مُباحًا فإنَّه لا شَكَّ أنه مِن اللَّهْوِ، لكنَّه إذا اسْتُعِين به على شيء مُباح فلا حرَجَ فيه، مِثْل: غِناء العُمَّال الذين يُغَنُّون لِأَجْل أن يَتَقَوَّوْا على ذلك، وقد كان الصحابة ﵃ في حَفْرِ الخَندق يَرتَجِزون، والرسول ﷺ يُجِيبُهُم، يَقولون: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... عَلَى الجهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا والرسول ﵊ يُجِيبُهُم ويَقول: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَه ... فَارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَه (١) الرسول ﵊ يَنقُل التُّراب ويَرْتَجِزُ بقول عبد اللَّه بنِ رواحةَ ﵁: اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا قال البَراءُ بنُ عازِب ﵁ راوِي الحديث: "يَمُدُّ صوتَه بِآخِرِها" (٢).

стр. 32

فهذا لا بأسَ به لمِا فيه مِن الإعانَة على العمَل. ومِنه حُدَاءُ الإبِل فَإِنَّه كان يُحْدَى بين يَدَيِ الرسول ﵊ في الإِبِل؛ لأنَّ حُدَاءَ الإبِل يَزيدُها مَشْيًا فتُسرِع، فإنهم يَذكُرون مِن أحوالها أَشياءَ عَجيبة عندما يَحدو الحادِي إذا كان حَسَن الصوت تَمشِي مِن غير شُرُود؛ ولهذا كان الرسول ﷺ يَقول: "يَا أَنْجَشَةُ رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ" (١) يَعنِي: بِالنساء، وشَبَّهَهَا بالقوارير لِأَجْل أن يَرْفُقَ بِها أكثَرَ؛ لأنَّ القوارِير مَع الحرَكة تَتكَسَّر. فالحاصِلُ: أن نَقول: إن الغِناء له الأحوال له التي ذُكِرت، إنِ اقتَرَن بآلة لَهْو كما هو المَوجود الآنَ فهو حرام ولا شَكَّ فِيه؛ لأنَّه داخِل في حديث أبي مالك الأشعريِّ ﵁ إلذي رواه البخاري (٢) ﵀ فهو حَرام لا رَيبَ فيه، وإذا خَلا فهو على حَسَب الحال. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ لَهْو الفِعْل أيضًا لا يَجوز التَّساهُل فيه، ويُؤْخَذ ذلك مِن قوله تعالى: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ فإنَّ القِياس أنَّ لَهْو الفِعْل كذلك، لأنَّ الكُلَّ لَهْوٌ وضَياعُ وَقْتٍ. وعلى هذا فالألعاب التي لا تَزِيد الإنسان نَشاطًا ولا قُوَّةً، ويَضيع بها الوقت تَدْخُلُ في هَذا. مسألة: الشِّطْرَنْج فيه خِلاف بين أهل العِلْم ﵏، والصَّحِيح أنَّه حرام.

стр. 33

وقد ادَّعى بعضُهم: أنَّ الشطرنج تَشْحَذُ الأَذْهان، واعتَرَض عليه آخَرُ، فقال: إنَّ الذين يَلعَبونها مِن أبلَدِ الناسِ أَذْهانًا؛ لأنَّهم لا يَعرِفون أشياءَ زائِدةً عمَّا يَتعَلَّق بهذه اللُّعبةِ، فهم بُلَداءُ فيما سواها؛ ولهذا لو نَاقَشْتَهم في أمور لا تَتعَلَّق بهذه اللُّعبةِ لوجَدْتَهم من أبلَدِ الناس؛ لأن أفكارَهم انحَصَرَت في هذه اللُّعبةِ؛ فأينَ ما يُقال: إنه شَحْذ لِلذِّهْن؟ ! . فالمُهِمُّ: أنَّه يُؤخَذ مِن فَحوى الآية الكريمة: أنَّ لهْو الفِعْل كَلَهْوِ الحَديث. فإن قال قائِل: هل الكُرَةُ تَدخُل في هذا أو لا؟ فالجَوابُ: أنَّ الكُرَة لا تَدخُل هنا؛ لأنَّ الكُرَة فيها رِياضة بدَنِيَّة إلَّا إذا ترتَّب عليها محذُور شَرعي مِن تَرك واجبٍ أو فِعل محرَّم، أو كانَت تَشتَمِل على كَشْفِ العَورة، كما لو كانوا مثَلًا يُبْدُون أفْخَاذَهم، فإنَّ تكون محرَّمة؛ كالبَيع والشِّراء -الذِي هو جائِز بالإِجْماع- إذا أَلْهى عَن واجِب صارَ حرامًا، لكن إذا انتَفَت عن المَحظُور فلا أَرَى بِها بأسًا؛ لأنَّها تُفِيد البَدَن. لكن في بعض الأحيان تَكون الكُرَة مُغالَبة بين فريقَيْن يَنتَميان إلى نادِيَيْن، ثُمَّ إذا غُلِبَ أحدُهما بدَأَ الآخَرون يَحذِفون بالحِجارة أحيانًا ويُكَسِّرُون السيَّاراتِ، فهذه رُبَّما نَقول: مِن هذه الناحيةِ قد تَكون مُحرَّمَة؛ فيَحدُث هذا ممَّن يَنْتَمون إلى النَّوادِي حسبَ ما سَمِعت، وبعضهم قد يَكون مُعْتَدِلًا ولا يَحصُل مِنه هذا الشيءُ. لكن افرِضْ أنَّ جماعة مِن الناس خرَجوا إلى نُزْهة، وكان عندهم فَراغ مَثَلًا، وأَرادوا أن يَفعَلوا هذه، فلا نَقول: هذا حرام. المُهِمُّ: أنَّها في الأصل هي مُباحة، فإنِ اقتَرَن بها ما يَقتَضِي التَحْرِيم حُرِّمت،

стр. 34

فكل المُباحات إذا اقتَرَن بها ما يَقتَضي التحريم تَكون حرامًا، وإذا اقتَرَن بها ما يَقتَضي الوجوب صارت واجِبًا؛ لأن المُباح لِذَاته قد تَتَعَلَّق به الأحكام الخَمْسة كما هو مَعروف. وأنا أُحِبُّ أن نَفهَم القواعد، فـ (تَحرِيم الحلال أشَدُّ من تَحليل الحرام)؛ لأن اللَّه تعالى محبُّ أن يُيَسِّر على عِباده ويُوسِّع لهم، فلا يُمكِن أن نُقدِم على شيء ونَقول: هو حرام إلَّا بالدليل؛ لأننا مَسؤُولون عن هذا يوم القِيامة، مَسؤُولون عن نِسبته إلى اللَّه تعالى أنَّ اللَّه تعالى حرَّمه، ومَسؤُولون عن التَّضييق على عِباد اللَّه تعالى فيما أَباحَه اللَّه تعالى لهم، فالمَسأَلة ليست هَيِّنةً. ولْنَكُن مُعتَدِلين لا نَميل إلى قول مَن يَقول: إن الكُرَة تَصِل إلى درجة الاستِحْباب أو الوُجوب. ولا إلى قول مَن يَقول بالتَّحريم مُطلَقًا، نَقول: هي في الأصل مُباحة. هذا رَأْيِي، وإنِ اقتَرَن بها ما يَقتَضي التحريم صارت حَرامًا وإلَّا فَلا. فإذا تَضَمَّنت إشغال الإنسان عمَّا هو أهَمُّ، أو عن واجِب لا شَكَّ أنَّها حرام، عمَّا هو أهمُّ خِلَاف العِقْل فيها نوع مِن السَّفَه، ولكن لا نَقول: حرام؛ لأنَّ الإنسان يجوز أن يَشتَغِل بما ليس بأَهَمَّ عن الأهَمِّ إذا لم يَكُن واجِبًا. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: ذَمُّ كُلِّ ما يَصُدُّ عن سبيل اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ثُمَّ إن كان يُضِلُّ عن واجِب صار حرامًا، وإن كان يُضِلُّ عن مُسْتَحَبٍّ لم يَكُن حرامًا، لكنَّه يُذَمُّ بلا شكٍّ. الْفَائِدَةُ الخامِسَةُ: تَحريم الهُزْء بآيات اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾، والاستِهْزاء بآيات اللَّه تعالى حُكْمُه الكُفْر، فمَنِ استَهْزَأ بآيات اللَّه تعالى فهو كافِر

стр. 35

بِنَصِّ القُرآن: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] وماذا قال؛ قال : ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، فهو صريح في الكُفْر؛ ولهذا قال العُلَماءُ ﵏: إنَّ مَن قالَ قَوْلَ الكُفْر ولو كان هازِلًا أو مازِحًا فهو كافِر، فمَن سبَّ اللَّه تعالى أو رسولَه أو دِينَه ولو كان هازِلًا فهو كافِر، يَعنِي أن هذا -والعِياذ باللَّه- أَعظَمُ مِن أن يَسُبَّهُ جادًّا. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الوعيدُ الشديد على مَن هذه حالُه؛ لِقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. * * *

стр. 36

الآية (٧) * قالَ اللَّه : ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٧]. * * * قوله ﵀: [﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ أي: القرآن ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ مُتكبِّرًا ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ أي: تُقرَأ عليه آياتُنا من أيِّ إنسان: الرسول ﷺ أو الصحابة أو التابِعين أو أيِّ إنسان. فإذا قُرِئت عليه آياتُ اللَّه تعالى فإنه يُولِّي مُستكْبِرًا ويُعرِض، وليس إعراضًا على وجه المُماثَلة، أو إعراضًا لشُغْل آخَرَ، ولكنه يُعرِض مُستكبِرًا، والعِياذ باللَّه. والاستِكْبار هنا استِفْعال من الكِبْر، والسين والتاء فيه للمُبالَغة، وليسَت للطلَب، لأنَّ السين والتاء تارةً تَكون للطلَب كقولك: أَستَغفِر اللَّه. أي: أَطلُب مَغفِرته، وتارةً تَكون للمُبالَغة مثل: استكبَر، فهنا ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ أي: مُبالِغًا في كِبريائه -والعِياذ باللَّه- وإعراضه عن آيات اللَّه تعالى. وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ هذا تَشبيه في مَوضِع الحال، يَعنِي: كحال الذي لم يَسمَعها في عدَم الانتِفاع بها، لكنه أَخبَثُ منه، لكونه ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ فالذي لم يَسمَعها قد يَكون مَعذورًا، لكن مَن سمِعها وولَّى مُستكبِرًا فهو كالذي لم يَسمَعها

стр. 37

باعتِبار عدَم الانتِفاع، لكنه أشَدّ باعتِبار تَولِّيه مُستكبِرًا. ثُمَّ قال: [﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ صَمَمًا] الوَقْر: الصمَم، كأن الصمَم يَسُدُّ الأذُن، فليس المعنى أنه -والعِياذُ باللَّه- لم يَسمَع الآياتِ، بل كأن أذُنه التي هي محَلُّ السَّمْع غير مُستَعِدَّة للسَّمْع فهو لم يَسمَع، وليس عنده آلة سَمْع، كأن في أُذُنيه وَقْرًا. قال المُفَسِّر ﵀: [وجُمْلَتا التَّشبيه حالان من ضمير ﴿وَلَّى﴾، أو الثانية بَيانٌ للأُولى] إنما هُما في محَلِّ نَصْب على الحالى من فاعِل ﴿وَلَّى﴾، يَعنِي: ولَّى مُستَكبِرًا، مُشابِهًا لمَن لا يَسمَع، ومُشابِهًا لمَن في أذُنَيْه وَقْر. وهذا في غاية ما يَكون من بيان حال هذا الرجُلِ في إعراضه، وعدَم انتِفاعه بآيات اللَّه تعالى. قوله : ﴿فَبَشِّرْهُ﴾ البُشرى إذا أُطلِقت فهي بخير، وإن قُيِّدت بالخَيْر صار ذلك تَأكيدًا، كما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]، وإن قُيِّدت بالشَّرِّ فهي للشَّرِّ. فالبُشرَى إمَّا أن تُطلَق أو تُقيَّد: فإذا أُطلِقت فهي بالخير، مثالُه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧]. وإن قُيِّدت بالخير فهي خير، ويَكون ذلك تَأكيدًا مثل: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾. وإن قُيِّدت بالشَّرِّ فهي للشَّرِّ، لكن هل قيلت فيه على سبيل الحقيقة، أو على سبيل التَّهكُّم؟

стр. 38

الجَوابُ: المُفَسِّر ﵀ وجماعة يَرَوْن أنه قيلت على سَبيل التَّهكُّم؛ لأن الأصل فيها الخير، فإذا قُيِّدت بالشَّرِّ فهو من باب التَّهكُّم به كما في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] على القول بأن المُراد: العزيز الكريم في تِلكَ الحالِ، لا أنك أنت العَزيز الكَريم في الدنيا من قَبلُ. ولكن قد يَقول قائِل: إن البُشرى إذا قُيِّدت بالشَّرِّ فهي على حَقيقتها، وأن أصل البُشرى من البشَرة، وهي: الإعلام بما يَتغَيَّر به الوجهُ، فإن تَغيَّر بالسرور والانشِراح فهي بالخير، وإن تَغيَّر بالانقِباض والعُبوس فهي في الشَّرِّ، فكل ما كان مُؤثِّرًا على بشَرة الإنسان فهو بُشرى، لكن هي في الأصل في الخَيْر. ثُمَّ قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: ﴿أَلِيمٍ﴾ بمَعنَى: مُؤلِم، ففي الأوَّل عَذاب مُهين، ذو إهانة، وفي الثاني عذاب أَليم ذو إيلامٍ؛ لأنه فعَل أفعالًا أعظَمَ من الأوَّل، هذا الأخيرُ إذا تُتلَى عليه آياتُ اللَّه تعالى ولَّى مُستكبِرًا، فهو أَعظَمُ من الذي يَشتَرِي لَهْوَ الحديث، فالأوَّل يُصاب بعذاب مُهين، والثاني يُصاب بعَذاب أليم، والمَوْصوف واحِد في الحقيقة، لكن أحواله مُتغَيِّرة. قال المُفَسِّر ﵀: [وهو النَّضْر بن الحارِث (١) كان يَأتِي الحِيرة يَتَّجِر فيَشتَري كتُب أخبار الأعاجِم ويُحدِّث بها أهل مَكَّةَ، ويَقول: إن محُمَّدًا يُحدِّثكم أحاديثَ عادٍ وثمودَ، وأنا أُحدِّثكم أحاديث فارِسَ والرومِ، فيَستَحِلُّون حديثه ويَترُكون استِماع القرآن]. المُفَسِّر ﵀ يَقول: [وهو النَّضْر]، وتَعيينها بالنَّضْر فقَطْ، لا شكَّ أنه قُصور، والصواب: أنها عامَّة له ولغَيْره، وسواءٌ بهذه الطَّريقةِ التي كان يَتَّخِذها هو أو بغيرها

стр. 39

كما سبَقَ لنا في الأمثِلة، فالصواب العُموم، لكن المُفَسِّر ﵀ دائِمًا يَخُصُّ القرآن بالعموم، كما تَقدَّم كثيرًا يَحمِل الآياتِ التي تَتَحَدَّث بالكُفْر والشِّرْك على أهل مكَّةَ دائِمًا. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ مِن علامات هذا الصِّنْفِ مِن النَّاس إعراضَهم عن سَماعِ آياتِ اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هذا الذي تُتْلى عليه آياتُ اللَّه تعالى وهو قدِ اشتَرَى لَهْوَ الحديث يَكون -والعِياذُ باللَّه- كالإنسان الذي به صمَمٌ لا يُمكِن أن يَصِل إلَيْه سماعُ الحقِّ، لقولِه تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الوعيدُ الشديدُ على مَن إذا تُلِيَت عليه آياتُ اللَّه وَلَّى مُستكْبِرًا. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: ثُبوتُ المَدْح والثَّناء لمَن كان على العكس مِن ذلك؛ لأنَّ الذمَّ على صِفَة يَقتَضي مَدْح مَن اتَّصَف بِضِدِّها، وهذه قاعِدة مُفيدة، فيُؤْخَذ مِنه: مَدْح مَن إذا تُلِيَت عليه آيات الرحمن أَقْبَل إليها واستَمَع إليها، ولهذا قال اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] لم يَخِرُّوا صُمًّا، يَعنِي: ولا عُمْيَانًا، وإنما يُقْبِلُون إليها بآذان سامِعة، وأَعيُنٍ مُبصِرة. فإذا قال قائِل: هل مِن الإعراض عن آيات اللَّه تعالى مَن يَقُول للقارِئ: انْتَهِ مِن القِراءة؟ فالجَوابُ: لا، بمَعنَى أنك إذا جعَلْت واحِدًا يَقرَأ عليك، ثُم قُلْت: يَكفِي،

стр. 40

ليس مِن هذا، لأنَّه قد ثبَت عن النبيِّ ﵊ أنَّه قال لابن مَسعود ﵁: "اقْرَأْ عَلَيَّ"، فقال: يا رسول اللَّه أَقرَأُ عليك القرآنَ وعليك أُنزِلَ! قال: "نَعَمْ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي"، فتَلا عليه سورة النساء، فلما بلَغ قوله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قال: "حَسْبُكَ" يَعنِي: قِفْ، يَقول ﵁: فرَأَيْتُ النبيَّ ﷺ عَيناهُ تَذْرِفانِ (١). وعلى هذا فيَجوز للإنسان أن يَقول للقارِئ: أَوْقِفِ القِراءةَ، كما يَدُلُّ أيضًا على جواز غَلْق (الراديو) إذا كان يَقرَأ القرآن، ولا حرَجَ عليه، وكذلك أيضًا في المُسَجِّل، حتى وإن كان يَتْلو في وسَط القِراءة. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ البِشَارة تُطلَق على ما يَسُوء؛ لقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. * * *
следующие страницы →