الآية (٧)
* قالَ اللَّه : ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٧].
* * *
قوله ﵀: [﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ أي: القرآن ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ مُتكبِّرًا ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ أي: تُقرَأ عليه آياتُنا من أيِّ إنسان: الرسول ﷺ أو الصحابة أو التابِعين أو أيِّ إنسان.
فإذا قُرِئت عليه آياتُ اللَّه تعالى فإنه يُولِّي مُستكْبِرًا ويُعرِض، وليس إعراضًا على وجه المُماثَلة، أو إعراضًا لشُغْل آخَرَ، ولكنه يُعرِض مُستكبِرًا، والعِياذ باللَّه.
والاستِكْبار هنا استِفْعال من الكِبْر، والسين والتاء فيه للمُبالَغة، وليسَت للطلَب، لأنَّ السين والتاء تارةً تَكون للطلَب كقولك: أَستَغفِر اللَّه. أي: أَطلُب مَغفِرته، وتارةً تَكون للمُبالَغة مثل: استكبَر، فهنا ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ أي: مُبالِغًا في كِبريائه -والعِياذ باللَّه- وإعراضه عن آيات اللَّه تعالى.
وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ هذا تَشبيه في مَوضِع الحال، يَعنِي: كحال الذي لم يَسمَعها في عدَم الانتِفاع بها، لكنه أَخبَثُ منه، لكونه ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ فالذي لم يَسمَعها قد يَكون مَعذورًا، لكن مَن سمِعها وولَّى مُستكبِرًا فهو كالذي لم يَسمَعها
стр. 37
باعتِبار عدَم الانتِفاع، لكنه أشَدّ باعتِبار تَولِّيه مُستكبِرًا.
ثُمَّ قال: [﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ صَمَمًا] الوَقْر: الصمَم، كأن الصمَم يَسُدُّ الأذُن، فليس المعنى أنه -والعِياذُ باللَّه- لم يَسمَع الآياتِ، بل كأن أذُنه التي هي محَلُّ السَّمْع غير مُستَعِدَّة للسَّمْع فهو لم يَسمَع، وليس عنده آلة سَمْع، كأن في أُذُنيه وَقْرًا.
قال المُفَسِّر ﵀: [وجُمْلَتا التَّشبيه حالان من ضمير ﴿وَلَّى﴾، أو الثانية بَيانٌ للأُولى] إنما هُما في محَلِّ نَصْب على الحالى من فاعِل ﴿وَلَّى﴾، يَعنِي: ولَّى مُستَكبِرًا، مُشابِهًا لمَن لا يَسمَع، ومُشابِهًا لمَن في أذُنَيْه وَقْر.
وهذا في غاية ما يَكون من بيان حال هذا الرجُلِ في إعراضه، وعدَم انتِفاعه بآيات اللَّه تعالى.
قوله : ﴿فَبَشِّرْهُ﴾ البُشرى إذا أُطلِقت فهي بخير، وإن قُيِّدت بالخَيْر صار ذلك تَأكيدًا، كما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]، وإن قُيِّدت بالشَّرِّ فهي للشَّرِّ.
فالبُشرَى إمَّا أن تُطلَق أو تُقيَّد:
فإذا أُطلِقت فهي بالخير، مثالُه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧].
وإن قُيِّدت بالخير فهي خير، ويَكون ذلك تَأكيدًا مثل: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾.
وإن قُيِّدت بالشَّرِّ فهي للشَّرِّ، لكن هل قيلت فيه على سبيل الحقيقة، أو على سبيل التَّهكُّم؟
стр. 38
الجَوابُ: المُفَسِّر ﵀ وجماعة يَرَوْن أنه قيلت على سَبيل التَّهكُّم؛ لأن الأصل فيها الخير، فإذا قُيِّدت بالشَّرِّ فهو من باب التَّهكُّم به كما في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] على القول بأن المُراد: العزيز الكريم في تِلكَ الحالِ، لا أنك أنت العَزيز الكَريم في الدنيا من قَبلُ.
ولكن قد يَقول قائِل: إن البُشرى إذا قُيِّدت بالشَّرِّ فهي على حَقيقتها، وأن أصل البُشرى من البشَرة، وهي: الإعلام بما يَتغَيَّر به الوجهُ، فإن تَغيَّر بالسرور والانشِراح فهي بالخير، وإن تَغيَّر بالانقِباض والعُبوس فهي في الشَّرِّ، فكل ما كان مُؤثِّرًا على بشَرة الإنسان فهو بُشرى، لكن هي في الأصل في الخَيْر.
ثُمَّ قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: ﴿أَلِيمٍ﴾ بمَعنَى: مُؤلِم، ففي الأوَّل عَذاب مُهين، ذو إهانة، وفي الثاني عذاب أَليم ذو إيلامٍ؛ لأنه فعَل أفعالًا أعظَمَ من الأوَّل، هذا الأخيرُ إذا تُتلَى عليه آياتُ اللَّه تعالى ولَّى مُستكبِرًا، فهو أَعظَمُ من الذي يَشتَرِي لَهْوَ الحديث، فالأوَّل يُصاب بعذاب مُهين، والثاني يُصاب بعَذاب أليم، والمَوْصوف واحِد في الحقيقة، لكن أحواله مُتغَيِّرة.
قال المُفَسِّر ﵀: [وهو النَّضْر بن الحارِث (١) كان يَأتِي الحِيرة يَتَّجِر فيَشتَري كتُب أخبار الأعاجِم ويُحدِّث بها أهل مَكَّةَ، ويَقول: إن محُمَّدًا يُحدِّثكم أحاديثَ عادٍ وثمودَ، وأنا أُحدِّثكم أحاديث فارِسَ والرومِ، فيَستَحِلُّون حديثه ويَترُكون استِماع القرآن].
المُفَسِّر ﵀ يَقول: [وهو النَّضْر]، وتَعيينها بالنَّضْر فقَطْ، لا شكَّ أنه قُصور، والصواب: أنها عامَّة له ولغَيْره، وسواءٌ بهذه الطَّريقةِ التي كان يَتَّخِذها هو أو بغيرها
стр. 39
كما سبَقَ لنا في الأمثِلة، فالصواب العُموم، لكن المُفَسِّر ﵀ دائِمًا يَخُصُّ القرآن بالعموم، كما تَقدَّم كثيرًا يَحمِل الآياتِ التي تَتَحَدَّث بالكُفْر والشِّرْك على أهل مكَّةَ دائِمًا.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ مِن علامات هذا الصِّنْفِ مِن النَّاس إعراضَهم عن سَماعِ آياتِ اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هذا الذي تُتْلى عليه آياتُ اللَّه تعالى وهو قدِ اشتَرَى لَهْوَ الحديث يَكون -والعِياذُ باللَّه- كالإنسان الذي به صمَمٌ لا يُمكِن أن يَصِل إلَيْه سماعُ الحقِّ، لقولِه تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الوعيدُ الشديدُ على مَن إذا تُلِيَت عليه آياتُ اللَّه وَلَّى مُستكْبِرًا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: ثُبوتُ المَدْح والثَّناء لمَن كان على العكس مِن ذلك؛ لأنَّ الذمَّ على صِفَة يَقتَضي مَدْح مَن اتَّصَف بِضِدِّها، وهذه قاعِدة مُفيدة، فيُؤْخَذ مِنه: مَدْح مَن إذا تُلِيَت عليه آيات الرحمن أَقْبَل إليها واستَمَع إليها، ولهذا قال اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] لم يَخِرُّوا صُمًّا، يَعنِي: ولا عُمْيَانًا، وإنما يُقْبِلُون إليها بآذان سامِعة، وأَعيُنٍ مُبصِرة.
فإذا قال قائِل: هل مِن الإعراض عن آيات اللَّه تعالى مَن يَقُول للقارِئ: انْتَهِ مِن القِراءة؟
فالجَوابُ: لا، بمَعنَى أنك إذا جعَلْت واحِدًا يَقرَأ عليك، ثُم قُلْت: يَكفِي،
стр. 40
ليس مِن هذا، لأنَّه قد ثبَت عن النبيِّ ﵊ أنَّه قال لابن مَسعود ﵁: "اقْرَأْ عَلَيَّ"، فقال: يا رسول اللَّه أَقرَأُ عليك القرآنَ وعليك أُنزِلَ! قال: "نَعَمْ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي"، فتَلا عليه سورة النساء، فلما بلَغ قوله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قال: "حَسْبُكَ" يَعنِي: قِفْ، يَقول ﵁: فرَأَيْتُ النبيَّ ﷺ عَيناهُ تَذْرِفانِ (١).
وعلى هذا فيَجوز للإنسان أن يَقول للقارِئ: أَوْقِفِ القِراءةَ، كما يَدُلُّ أيضًا على جواز غَلْق (الراديو) إذا كان يَقرَأ القرآن، ولا حرَجَ عليه، وكذلك أيضًا في المُسَجِّل، حتى وإن كان يَتْلو في وسَط القِراءة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ البِشَارة تُطلَق على ما يَسُوء؛ لقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
* * *
стр. 41
الآيتان (٨، ٩)
* قالَ اللَّه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [لقمان: ٨ - ٩].
* * *
وهذه طريقة القرآن إذا ذَكَر آياتِ الوَعيد وصِفات مَن يَستَحِقُّون ذلك الوعيدَ، ذكَرَ بعدها آياتِ الوَعْد وصِفاتِ مَن يَستَحِقُّ ذلك الوَعدَ.
فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والإيمان محَلُّه القَلْب، يَعنِي: آمَنوا بما يَجِب الإيمان به، وهو كما قال الرسول ﷺ : "أَنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكتُبهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" (١).
وقوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يَعنِي: الأعمالَ الصالحاتِ، والعمل الصالِح هو كل ما جمَع بين شَرْطين: الإخلاص للَّه تعالى، والمُتابَعة للرسول ﷺ ، ولا يَدخُل في ذلك التَّرْكُ، فالذي لا يَزنِي لا نَقول: إنه عمِل.
إذَنْ: مجُرَّد التَّرْك في الحقيقة ليس بعمَل، لكن إذا اقتَرَن به نية صار عمَلًا؛ لأنه إذا اقتَرَنَت به النية صار كفًّا للنَّفْس، والكفُّ عمَل؛ ولهذا جاء في الحديث: "مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ حَسَنهً كَامِلَةً" (٢)، لكنه ذكَر عِلَّتها، فقال: "إِنَّهُ تركَهَا
стр. 42
مِنْ جَرَّائِي"، أي: من أَجْلي.
فهذا هو الفَصْل في الخِلاف: هل التَّرْك فِعْل وعمَل أم لا؟ نَقول: التَّرْك ليس بفِعْل ولا عمَل إلَّا إذا اقتَرَن به نِيَّة، فإنه إذا اقتَرَن به نِيَّة صار فيه كفّ للنَّفْس، وحينئذ يَكون بهذا الاعتِبار عمَلًا.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾: ﴿لَهُمْ﴾ خبَر مُقدَّم، و ﴿جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر، والجُملة من المُبتَدَأ والخبَر في محَلِّ رَفْع خبَر (إنَّ).
وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ﴾ جَمْع جَنَّة، وجُمِعت باعتِبار أنواعها، وكذلك تُجمَع باعتِبار مَراتبها، والجَنَّة في اللغة هي: البُستان كثير الأشجار، سُمِّيَت بذلك؛ لأنها تَجِنُّ مَن كان فيها. أي: تَستُرُه وتُغطِّيه، ولهذا سُمِّيَت جَنَّة.
أمَّا الجنَّة التي وُعِد المُتَّقون، فإنها: (الدار التي أَعدَّها اللَّه لأَوْليائه، فيها ما لا عَيْنٌ رأَتْ، ولا أذُن سمِعَت، ولا خطَرَ على قَلْب بشَر).
فيَنبَغي أن تُعرَّف الجَنَّة التي وُعِد المُتَّقون بهذا، لا يُقال: إن الجنَّة هي الحائِط الكثير البُستان؛ لأنك إذا قلت هذا في تَعريف الجَنَّة التي وُعِد المُتَّقون لا تَشعُر بأن لها من المَقام والعظَمة ما كنت تَتخَيَّله من قبلُ، ولكنك تَقول: (هي دار النَّعيم التي أَعَدَّها اللَّه للمُتَّقين، فيها ما لا عَينٌ رأَتْ، ولا أذُن سمِعَت، ولا خطَرَ على قَلْب بشَرٍ).
وقوله : ﴿جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾، النَّعيم كلِمة جامِعة، تَشمَل سُرور القَلْب، وتَرَف البدَن، فالإنسان مُنعَّم فيها، في ظاهِره وباطِنه، أمَّا في الدنيا فلا يُمكِن أن يَجتَمِع الأمران، فالغالِب أن مَن تَنَعَّم بدنُه فإن قلبه يَغتَمُّ بحُزْن وعَذاب، ومن الناس مَن يُجمَع له بين الأمرين -والعِياذ باللَّه- أمَّا أهل الجَنَّة فإنهم جمَع اللَّه لهم
стр. 43
بين سُرور القَلْب وبين وترَف البدَن.
قال ﵀: [﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال مُقدَّرة] اعلَمْ أن الحال تَنقَسِم إلى قِسْمين: حال مُقرَّرة، بمَعنَى أن صاحِبها مُتلَبِّس بها الآنَ، وحال مُقدَّرة بمَعنى أنها ستكون لصاحِبها، فهنا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ فهذا وَعْد، وليس خبَرًا، فلم يَقُل: يَدخُلون جَنات النَّعيم، بل وعَدَهم بأن لهم جناتِ النعيم؛ ثُم قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، فهل هم خالِدون فيها حال وَعْدهم بها، أو بعد أن يُبعَثوا؟
الجَوابُ: بعد أن يُبعَثوا؛ ولهذا قال ﵀: [حالٌ مُقدَّرة؛ أي: مُقدَّرًا خُلودهم فيها إذا دخَلوها] أمَّا الآنَ فليسوا خالِدين فيها؛ لأخهم إلى الآنَ لم يَبعَثوا، ولا وصَلوا إليها، وعليه فنَقول: إنها حال مُقدَّرة، يَعنِي أن صاحِبها لا يَتَلبَّس بها الآنَ.
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ﴾ الخلود هو: المُكْث، إمَّا الدائِم، وإمَّا الطويل، يَعنِي: أنه قد يَكون مُكْثًا دائِمًا، وقد يَكون مُكْثًا طويلًا، فإذا أُكِّد بالتأبيد وقيل: أبدًا، فهو قَطْعًا للمُكْث الدائِم؛ لأنه أُكِّد به.
وقوله : ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾، والوعد هو: مثل العَهْد، أي: أن الواعِد يَتعَهَّد بالموعود بما وعَده به، ويُقال: وَعْد ووَعيد، فالوَعْد فيما يَسُرُّ، والوعيد فيما يَسوء.
وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ عِندنا مَصدَران؛ فقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مَصدَر عامِله مَحذوف، أي: وُعِدوا وَعْدَ اللَّه، أو وعَدَهم اللَّه وعدَ اللَّه، وأمَّا قوله : ﴿حَقًّا﴾ فهي أيضَّاَ مَصدَر، ولكن عامِلها أيضًا مَحذوف، التَّقدير: أحقَّه حقًّا، أو حقُّه حقٌّ.
فعليه يَكون اللَّه تعالى أكَّد هذه الجُمْلة الخبَرية بمُؤكِّدين مَعنَوِيَّين:
стр. 44
أحدُهما: أنها وَعْد اللَّه، ووَعْد اللَّه لا يُخلِف، لأنه لا يُخلِف الميعاد؛ لتَمام صِدْقه وقُدْرته، والإخلاف للوَعْد إنما يَأتي من أَمْرين:
١ - إمَّا أن يَكون الواعِد كاذِبًّا فليس محَلًّا للصِّدْق.
٢ - وإمَّا أن يَكون صادِقًا لكن يَعجِز عن الوفاء بما وعَدَ.
واللَّه قد انتَفَى بحَقِّه الأمران، فهو مُنزَّهٌ عن الكذِب، ومُنزَّهٌ عن العَجْز، فإذا كان مُنزَّهًا عن الكذِب وعن العَجْز لزِم أن يَكون كامِل الصِّدْق والقُدْرة، وحينئذ يَتحَقَّق ما وعَدَ به.
وأمَّا المُؤكِّد الثاني فهو قوله تعالى: ﴿حَقًّا﴾، يَعنِي: أُؤكِّده تأكيدًا وأَحقَّه حقًّا، وهذا من زيادة التَّوْكيد في الوَعْد.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [إنه الغالِب الذي لا يَمنَعه شيء من تَنفيذ وَعْده ووَعيده] ولكن سبَق لنا أن العِزَّة التي وصَف اللَّه بها نَفْسه لها ثلاثة مَعانٍ: عِزَّة القَهْر، وعِزَّة القَدْر، وعِزَّة الامتِناع.
أمَّا عِزَّة القَهْر: فمَعناها أنَّ اللَّه هو الغالِب الذي لا يُغلَب؛ ولهذا يُقال: فُلان عزيز. يَعنِي: غالِب في الجِهاد والقِتال، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣].
الثانِي: عِزَّة القَدْر: بمَعنى أنه ذو قَدْر عظيم.
والثالِث: عِزَّة الامتِناع: بمَعنَى أنه يَمتَنِع عليه النَّقْص، ومنهم قولهم: أرض عِزاز. للأرض القَويَّة الشديدة الصُّلْبة. نحن نُسمِّيها باللغة العامية: (عَزَا) يَعنِي: قوِيَّة صُلْبة.
стр. 45
إِذَنْ: فـ (العزيز): هو المُتَّصِف بالعِزَّة، وعِزَّته ثلاثة أنواع: عِزَّة قَدْر، وعِزَّة قَهْر، وعِزَّة امتِناع.
فأمَّا عِزَّة القَهْر: فمَعناها أنه قاهِر لكل شيء لا يَغلِبه شيء.
وأمَّا عِزَّة القَدْر: فهو كماله في ذاته أنه ذو قَدْر عظيم.
وأمَّا عِزَّة الامتِناع: فهو امتِناعه عن كل نَقْص وعِلَّة.
وقوله ﵀: [﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يَضَع شيئًا إلَّا في مَحلِّه] قوله تعالى: ﴿الْحَكِيمُ﴾ تَقدَّم لنا أنه مُشتَقٌّ من الحُكْم والحِكْمة، وأن الحُكْم نوعان: حُكْم كونيٌّ قدَريٌّ، وحُكْم شَرْعيٌّ دِينيٌّ، فما جاءت به الرُّسُل من الأوامِر والنَّواهِي: هذه أحكام شرعية دِينية، وما يَتعَلَّق بالخَلْق والتَّكوين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، فهذا حُكْم كونيٌّ.
ثُمَّ إن هذين الحُكْمين مَقرونان بالحِكْمة، وهي مُوافِقة الصواب، ومُوافَقة الصواب: مَعناها أن يَضَع كل شيء في مَوضِعه، فكل شيء من أَحكام اللَّه تعالى الكونية وأحكامه الشَّرْعية، فإنه في غاية ما يَكون من الصواب وفي غاية ما يَكون من المُطابَقة لمَحَلِّه، فلم يَخلُقِ اللَّه تعالى شيئًا سفَهًا ولا شرَعَ شيئًا سفَهًا، بل كل مَشروعاته فإنها حِكْمة، وكل مخَلوقاته حِكْمة.
وتَقدَّم لنا أن الحِكْمة أيضًا نَوْعان: حِكْمة غائِية، وحِكْمة صورية، والصورية مَعناها: أنَّ الشيء على هذه الصُّور المُعيَّنة مُوافِق للحِكْمة، والغائِية مَعناها: أن إيجاد هذا الشيءِ له حِكْمة وغاية مَحمودة.
стр. 46
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ هذا القُرآنَ مِن طريقته أنه إذا ذَكَر العذاب ذَكَر النعيم، وإذا ذَكَر المُؤمِنين ذَكَر الكافِرين، وهكذا، لأنَّه لو ذُكِر الإيمان أو المُؤمِنون ولم يُذْكَر ما يُضَادُّه غَلَبَ على الإنسان جَانِبُ الرجاء، ولو ذُكِرَ التخويف وأهل النار غَلَب عليه جانِبُ الخوف، وهذا يَضُرُّ المرء، وإنَّما يَكون المَرْء آدمَّ إذا صار يَسير إلى اللَّه بَيْن الخوف والرجاء.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فَضيلةُ الإيمان والعمَل الصالِح، ويُؤْخَذُ ذلك من قوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ﴾؛ ووجهُه: أنَّ الثواب بِالحُسنى على العَمَل يَدُلُّ على مَدحِه والثَّناءِ على فاعِلِه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الإيمان لا يَكفِي، بل لا بُدَّ مِن عَمَلٍ صالِح، فمُجَرَّد العقيدة لا تَكفِي إذا لم يَكُن عمل صالِح، بل ربما نَقول: إنَّه إذا لم يَكُن عمَل صالِح فهو دليل على أنَّه لا عَقيدةَ، لأنَّ النبيَّ ﵊ يَقول: "أَلا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ" (١).
لكن مِن الأعمال مَا لا يُخْرِج مِن الإيمان، لا فِعْلُه ولا تَرْكُه، فيَكون من الكبائر لكن لا يُخْرِج مِن الإيمان، وإنَّما يَدُلُّ على ضعْف العَقيدة والإيمان، ومن الأعمال ما يَكون فِعْلُه أو تَرْكُه كُفْرًا، فلو أنَّ أحدًا غلا بِشخصٍ حتى رفَعَه إلى مَنزِلة الرَبِّ، كان بذلك كافِرًا، وإن كان يَعتَقِد أن اللَّه تعالى مَوْجود، وأن اللَّه لَه الأسباب الكامِلة، ولو أن أحَدًا لم يُصَلِّ كان كافِرًا، ولو كان يَقول: أَشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محُمَّدًا رسولُ اللَّه.
стр. 47
قال ابنُ القيِّم (١) ﵀: لا تَغتَرَّ بِمَن قال: إنَّ رجُلًا يُحافِظ على تَرْك الصلاة، ثُمَّ يَقول: إنه مُؤمِن فإنَّ هذا لا يَدرِي عن أعمال القلوب وشُؤُونِها وأحوالِها، ولا يُمكِن لإنسان يُحافِظ على تَرْك الصلاة ثمَّ يَقول: إنَّه مُؤمِن، لو قال ذلك فهو كافِر، إِذْ إنَّ الإيمان حقًّا لا يَدَعُه يَترُك الصلاة مع عِلْمِه بِفضلِها والوعيد على تَرْكِها.
فكيف تُؤمِن بأنَّ الرسول ﷺ قال: "مَنْ ترَكَهَا فَقَدْ كفَرَ" ثُمَّ لا تُصَلِّي؟ وكيف تُؤمِن بأنَّ الرسول ﷺ يَقول: "الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنهمُ الصَّلَاةُ" (٢) ثُمَّ لا تُصلِّي! فأين الإيمانُ؟ وكيف تُؤمِن بأنَّ هذه الصلاةَ ما فُرِضَت على الرسول ﷺ إلَّا وهو في أعلى مَكان وفي أَشرَفِ ليلة، وبدُونِ واسِطة، وعلى أنَّها خَمسون صلاةً (٣)، وكلُّ هذا يَدُلُّ على عِناية عظيمة بهذه الصلاةِ، ثُمَّ لا تُحافِظ عليها، وتَقول: إنَّك مُؤمِن! ! .
أَعتَقِد لو أنَّ أحدًا مِن الناس قال له ملِك من المُلوك: إذا زُرْتَني في بيتي أَعطَيْتُك كذا، وإذا لم تَزُرْني عاقَبْتك بِكَذا. ثُم لَمْ يزُرْه هل يَكون عندَه الثِّقة بِما قال هذا الملِكُ؟ لا يَكون عِنده ثِقَة، لو كان عنده ثِقَة لذهَب بلا شَكٍّ على رأسه لا على رِجْلَيه! فكيف بوَعْدِ اللَّه ووعيدِه! ! .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ الجَنَّة؛ لِقوله تعالى: ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾، وهي مَوْجودة الآنَ، وقد دخَلها النبيُّ ﵊، ورأَى فيها قَصرًا لِعُمَرَ بنِ الخطاب ﵁.
стр. 48
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ هذه الجنَّاتِ مُشْتَمِلَة على النعيم الذي هو سُرُورُ القَلْب، وتَرَفُ البدَن، فأبدانُهم في غاية ما يَكون مِن التَّرَف، وقلوبهم في غايةِ ما يَكون مِن السرور؟ قال : ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] ﴿نَضْرَةً﴾ في أبدانِهم، ﴿وَسُرُورًا﴾ في قلوبِهم.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ هذه الجنَّاتِ جَنَّاتُ خُلْد لا مَوتَ فيها؛ لِقوله : ﴿نَضْرَةً﴾ وقد ورَدَ في عِدَّة آيات مِن القرآن ذِكْر التَأْبِيد لِهذا النعيمِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الآية تَدُلُّ على أنَّه لا مرَضَ في الجَنَّة، ووجهه قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾؛ لأنَّ المرَض يُنافي النعيم، وعلى أنَّه ليس فيها شَيْخوخة؛ لأنَّ الشَّيْخُوخُة تُنافِي ذلك أيضًا، وعلى أنَّه ليس فيها هَمٌّ أو كَدَر أو تَنغِيص أبدًا، كُلُّ هذا يُنافِي النعيم، اللَّهُمَّ اجعَلْنا من أهلها خالِدين فيها.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ هذا الوعدَ حَقٌّ لا يُمكِن أن يُخْلَف، لِقولِه تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾؛ ويُمكِن أن يُستَفاد مِنه: أنَّه لا حُجَّةَ لهم بعد أن أَكَّد اللَّه هذا الوَعْدَ بهذا التَّأكيدِ، وبعد أَنْ ذكَر أيضًا الوعيد على مَن خالَف.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: فضلُ اللَّه تعالى عَلى عِباده بِكونِه يُؤكِّد لهم هذه الأمورَ هذه التأكيداتِ، مَع أنَّه جَلَّ وَعَلَا يَكفِي خبَرُه، لكنَّه يُؤَكِّد هذا الخبَرَ وهذا الوعدَ مِن أَجْل أن يَقْوَى الناسُ على الحُصول على هذا النَّعيمِ، وذلك بالإيمان والعمَل الصالِح.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إثبات العِزَّة والحِكْمة للَّه تعالى، لِقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وإثباتُ هذين الاسمَيْن مِن أسماء اللَّه تعالى، وهما: العزيز والحكيم.
* * *
стр. 49
الآية (١٠)
* قالَ اللَّه : ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠].
* * *
قال ﵀: [﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أي: العَمَد جمع عِماد، وهو الأُسطوانة، وهو صادِق بأن لا عَمَدَ أَصلًا] قوله تعالى: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ جَمْع سَماء، ويُطلَق السماء على كل ما على، ويُطلَق على السموات ذات الأَجْرام المَحسوسة، والمُراد هنا ذات الأجرام المَحسوسة، خلَقها اللَّه بغَيْر عمَد.
وقوله: [والعَمَد جَمْع عِماد كالأُسطوانة]، فالعَمود المَعروف، يَعنِي: ليس لها أَعمِدة تَحمِلها؛ وهل المَعنَى أن لها عمَدًا لا ترى، أو أن المَعنَى أنه لا عمَدَ لها؟
الجَوابُ: فيه اختِلاف؛ فقيل: إنه لا عمَدَ لها، وهو ما جرَى عليه المُفَسِّر ﵀ قال: [وهو صادِق بأن لا عَمَدَ أصلًا] بمَعنَى أنه يَصلُح أن تَقول: هذا ليس له عمَد تُرَى، يَعنِي: إذا انتَفَت رُؤْيتها انتَفَتْ هي؛ لأنه لو كانت لرأَيْناها كما نَرَى السماء، فلمَّا لم نرَها فمَعناه: أنه لا وُجودَ لها.
وقال بعضُهم: نعَمْ، هي ليس لها عمَدٌ، لكن الضمير في قوله : ﴿تَرَوْنَهَا﴾ لا يَعود على العَمَد، إنما يَعود على السماء؛ قال : ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
стр. 50
بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أي: السمَواتِ كذلك لا عمَدَ لها.
وقال بعضُ المُفسِّرين: إن مَعنَى قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أن لها عمَدًا، لكن لا تُرَى.
والصواب: أنه لا عمَدَ لها، وأن اللَّه أَمسَكها بقُدْرته، كما قال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، فكونها لا يَكون لها عمَدٌ أبلَغُ في قُدرة اللَّه .
فالآيةُ لها مَعنَيان: الأوَّل: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾؛ أي: لا عمَدَ لها، والثاني: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، أي: لها عمَدٌ، لكن لا تُرَى، والمَعنَى الأوَّل هو الصحيح، ولكن المَعنى الأوَّل له تَخريجان:
أحَدُهما: أن يَكون قوله تعالى: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ الهاء تَعود على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ يَعنِي: أنكم تَرَوْنها كذلك لا عمَدَ لها، فهي لا عمَدَ لها.
والثاني: يَعود على العمَد، أي: بغَيْر عمَد تَرَوْنها، وهو صادِق بأنه ليس لها عمَد أَصْلًا كما تَقول: ليس في هذا المكانِ عَمود أَراه. المَعنى: ليس فيه عَمود.
وهذا -أَعنِي: كونَه لا عَمدَ لها- أصَحُّ وأبلَغُ في قُدْرة اللَّه تعالى، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
قال ﵀: [﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ جِبالًا مُرتَفِعة] ﴿وَأَلْقَى﴾ بمَعنَى: وضَع ﴿فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ جَمْع راسِية، وهذه الرَّواسِي هي: الجِبال.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٣٢] فهي رَواسٍ لنَفْسها، وهي أيضًا مُرْسِية للأرض مُثبِّتة لها.
стр. 51
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَنْ﴾ لا ﴿تَمِيدَ﴾ تَتَحرَّك ﴿بِكُمْ﴾] فقَدَّر (لا) النافية بعد (أَنْ)، وهذا مَوْجود، فإنَّ (لا) النافيةَ قد تُقدَّر بعد (أَنْ) مع حَذْفها؛ وقد تُوجَد بعد (أَنْ) وهي زائِدة مثل قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، فهنا (لا) زائِدة بعد (أَنْ)، والتقدير: لأَنْ يَعلَم أهل الكتاب أَنْ لا يَقدِرون.
وقد تُحذَف وتَكون مُقدَّرة كما في هذه الآيةِ: أن لا تمَيد بكم؛ لأنّهُ مِن المعلوم أنَّ اللَّه تعالى ما أَلقَى هذه الرواسِيَ لِأَجْل أن تَميدَ بنا، وإنما أَلقاها لئَلَّا تَميد، فتكون (لا) هنا عَيَّنَها السِّياق.
وقال بعض المُعْرِبين: أنه لا تُقدَّر (لا)، بل يُقدَّر اسم مُناسِب، أي: كراهةَ أن تَميدَ بكُمْ، نعَمْ، وقالوا: إنَّ هذا أَوْلى؛ لئلا نُفسِّرَ الإثباتَ بالنفي؛ لأننا إذا قلنا: التقدير: أن لا تَميد بكم. فسَّرنا الإثباتَ بالنفي، فإذا قُلْنا: كراهةَ أن تَميد بكم. فإننا نُفسِّر الإثباتَ بإثباتٍ، لكن على تَقدير المُضاف.
وهذا له نظير مِثْل قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، فالبَيان هنا سبَبٌ لِعدَم الضلال، إِذَنِ المَعنَى: يُبَيِّن اللَّه تعالى لكم كراهةَ أن تَضِلُّوا، على قول، أو أَنْ لا تَضِلُّوا، على قولٍ آخَرَ.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: ﴿تَمِيدَ﴾، قال ﵀: [تَتَحرَّك بِكُمْ]، فَسَّر المُفَسِّر المَيَدَان بِالحرَكة.
والصواب: أنَّ المَيَدان حرَكة خاصة، وهو الاضطِراب، وليس مجُرَّد الحرَكة، فاللَّهُ أَلقَى في الأرض رَواسِيَ حتى لا تمَيدَ؛ أي: لا تَضطَرِب، وذلك لأنَّ الأرض مَوْضوعة على الماء، فإنَّ جميع جوانب الأرض من كل ناحية ماء،
стр. 52
والجِسْم إذا وُضِع في الماء يَتَحرَّك ويَضطَرِب لا شَكَّ، فإذا كان كذلك فلا بُدَّ مِن شيء يَحفَظُ تَوازُنه، وذلك الشيء هو الجِبال، فجعَل اللَّه الجِبال فيها على الأرض حتى لا تَضطَرِب بالناس.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾، يَعنِي: أن تَضطَرِب، وعند عُلماء الجُيُولُوجيا مِن هذه الحِكَم والعِلَل شيءٌ كثير؛ لأنه في بعض الأماكن تَكثُرُ الجبال العظيمة الطويلةُ الكبيرة، وفي بعض الأماكِن تَقِلُّ، وهذا يَرجع إلى الحِكْمة التي خلَقها اللَّه ، وقد تَخْفَى علينا، لكنها عند العُلَماء مَعروفة.
قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ﴾ بمَعنَى: نَشَرَ ووَزَّع ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ الدَّابَّة: اسم فاعِل؛ أي: مِن كُلِّ نفسٍ دابَّةٍ، فهي اسم فاعِل من دَبَّ يَدُبُّ، إذا ضَرَبَ ونَشَر، والدابَّة يُطلَق عُرْفًا على ذاتِ الأربَع، ويُطلَق أيضًا في عُرفٍ أخَصَّ على الحِمار فقَطْ.
أمَّا مَعناها في اللغة العربية فهي: كل ما دَبَّ على الأرض، سواءٌ يَمشِي على أربع، أو على اثنَيْن، أو على أَكثَرَ، أو على بطنِه أو على رِجْلَيْن، كُل ذلك يُسَمَّى دابَّةً.
ونَشَرَ اللَّه في الأرض هذه الدوابَّ لحِكمةٍ عظيمة؛ لأنَّ مِن هذه الدوابِّ ما هو نافِع ويَنتَفِعُ الناس به، ومنها ما هو ضارٌّ، فيَحتَرِز الناس عنه، ومنها ما لا نَفعَ فيه ولا ضرَرَ، فيَعرِفُه الناس بما جعَل اللَّه فيه مِن الآيات، فيَعرفون به كمالَ قُدرةِ اللَّه تعالى وحِكْمتِه.
فالأشياءُ النافِعة ظاهِرةٌ حِكمتُها مثل نَفْع العِباد، وقيام مَصالِح دِينِهم ودُنيَاهُم بها، مِثْل قولِه : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا
стр. 53
مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [يس: ٧١ - ٧٣] هذا نَفْع.
ومِنها ما هو ضارٌّ، والحِكْمة مِن خَلْق الضارِّ كثيرة مِنها:
١ - بيانُ كَمالِ قُدرةِ اللَّه حيث كان قادِرًا على أن يَخلُقَ ما فيه مَنفَعة ومَصلَحَة، وما فيه مَضرَّة، فالكلُّ خَلْقُ اللَّه تعالى، والكُلُّ دَابَّة، والكلُّ مِن مَاء، ومع ذلك هذا نافِع وهذا ضارٌّ، هل العَقْرب أكبَرُ أمِ البَعير؛ ولا يَحتاج أن أَقول: إن البعير أكبَرُ. لكن مع ذلك العَقربُ مؤذِيَة ضارَّة والبعِير بالعَكْس، تَجِد البعير يَأتي الطِّفْل الصغير يَقوده لمِا يُريد، فتَمشِي معه، وهذه حِكْمة.
٢ - أنَّ الإنسان يَعرِفُ بذلك قَدْرَ نفسِه؛ فإذا الإنسانُ المُتَمَرِّد المُستكبِر يَعرِف قَدْر نَفْسه في هذه المَخلوقاتِ المُؤذِية؛ ولهذا يُقال: إن مَلِكًا جبَّارًا كان جالِسًا وحولَه مِن أهل العِلْم مَن حَولَه، فكان يَقول: ما الحِكْمة مِن خلْق هذه الذُّبابةِ؟ فقال له رجُل: الحِكْمة مِن ذلك أن يُرغِمَ اللَّه تعالى بها أُنوف الجبابِرة مِثلك، فهذه الذُّبابةُ تَقَع على أَنْف أيِّ إنسان وتَذْرِق عليه، فهذا من الحِكْمة: أن يَعرِف الإنسان قَدْر نفسِه، وأنَّه ضعيف بالنِّسبة إلى قُوَّةِ اللَّه ، فالبَعوضة ليست بشيء، ضَعيفة مَهِينَة، ومع ذلك تُقِضُّ مَضْجِع الإنسان حتى لا يَنام، فهذا مِن الحِكْمة.
٣ - أنَّ الإنسان يَذوق الألَم بها والعَذاب حتى يَعرِف أنَّ العذاب غير مُلائِم له، فيُوجِبُ له ذلك النُّفورَ مِن مَعصية اللَّه إلى طاعة اللَّه .
٤ - أنَّ الإنسان ربما يَحمِله الخوف منها على أن يَقومَ بما يَنبَغي أن يَقومَ به مِن الأوراد والأذكار، فكثيرٌ مِن الناس قد يُورِد ويَقرَأ ما يَعصِمه مِن الأذى ليس بسبَب شَياطين الجِنِّ، ولكن خوفًا ممَّا يُؤذيه حِسًّا، وهذا شيء مجُرَّب ومُشاهَد.
стр. 54
وقد حكَى لي بعض الناس الثِّقات أنَّه كان مِن عادتِه أن يَقرَأ آية الكُرسيِّ كلَّ ليلة يَقول: فنَسِيتها ذاتَ ليلة فلُدِغْتُ بعد النوم. لُدِغ لأنَّه ليس عنده مِن اللَّه تعالى شيءٌ حافِظ، وقد قال ﷺ : "وَمَنْ قَرَأَهَا فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ حَتَّى يُصْبِحَ" (١).
هذه مِن الحِكَم: أن اللَّه بَثَّ في الأرض مِن هذه الدوابِّ المُؤذِية.
أمَّا ما لا نَفعَ فيه ولا ضرَرَ من الدواب فإنَّ الإنسان يَستَدِلُّ به على حِكْمة اللَّه وأنه محُطٌ بكل شيء، تَجِد هذه الدوابَّ على كَثْرة أنواعها لا تَستَطيع أن تُحصِي أنواعَها فَضْلًا عن أفرادِها، فما بالُك وقد أَعطاها اللَّه تعالى الهِداية لما هو مِن مَصالحِها؟ ! قال موسى ﵊ لمَّا قال له فِرعونُ: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩ - ٥٠].
وأنت إذا رأَيْت هذه النَّملةَ الصغيرة كيف هَداها اللَّه إلى مَصلَحتِها ومَنفَعتِها؟ كيف تَدَّخِر القُوتَ لها؟ وكيف تَجْلُبُه مِن بعيد؟ وكيف تُكَسِّر أطراف الحُبوب؟ السِّرُّ الذي مِنه تَنْبُت تُكَسِّرُه قبل أن تَختَزِنه، حتى لا يَنبُت؛ لأنَّه إذا جاءَه المَطَر والنَّدى فإنه يَنْبُت، لكن إذا كُسِر أَعلاه الذي هو سِرُّه الذي يَنبُت مِنه فإنَّه لا يَنبُت، مَن الذي أَلَهمَها ذلك؟ هو اللَّه ، هي ما درَسَت في مَدارِسَ، ولا تَخرَّجت في الثانوية، ولا قرَأَت في كُلِّيَّة العُلوم، لكنَّ اللَّه هو الذي عَلَّمها ذلك.
وقد شاهَدْتُ أنا عندما تَسقِي النَّخلة وحولها ذَرٌّ ويَأتِي النَّدى إلى أولادها؛
стр. 55
تَخرُج بأولادها حامِلةً لهم -وأولادها بَيْض لم يَحْيَ بعدُ إلى الآنَ- تَجِد كل واحدة مِنهم حامِلة ولَدها تَخرُج به عن هذا الماءِ؛ حتى لا يُصيبَه أو يُهلِكَه، وهذا مِن آيات اللَّه ، يَتَبَيَّن بِه الإنسان حِكْمة اللَّه ، وأنَّه واسِع عليم، وأنه بكل شيء مُحِيط، وأنه لا يَخفَى عليه شيء في الأرض ولا في السَّماء.
وقد ذكَر ابنُ القيِّم ﵀ في (مِفتاح دار السعادة) (١) مِن هذه الأمورِ أشياءَ عَجيبةً، وذَكَرَ أنه ذُكِرَ لِشيخِ الإِسلام ابنِ تيميَّةَ ﵀ أنَّ رجلًا وَضَعَ شيئًا من الطُّعْم لِذَرَّة مِن الذرَّات، فلما رأَتِ الطُّعْم هذا لم تَستَطِع أن تَحمِلَه فهو كبير، فذهَبَت إلى أخواتها، فاستَصْرَخَتْهم، فجاؤُوا إلى هذا المكانِ، يَقول: فلما أَقبَلوا نَزَعَ الطُّعْم، فجعَلوا يَبحَثون في مَكان فلم يَجِدوا شيئًا فرَجَعوا، فوضَعه ثانِيةً، فلمَّا وجَدَتْه الذَّرَّة ذهَبَت إلى أخواتها فاستَصْرَخَتْهم فجاؤُوا, ولكن لمَّا أَقبَلوا رفَعَه، فلَمَّا لم يَجِدوا شيئًا رجَعوا، في المرة الثالثة فعَل بهم كذلك، يَقول: فاجتَمَع الذَّرُّ عليها فقتَلوها.
وقال شيخُ الإِسلام: هذا لأن جميع النُّفوس مَجبولة على بُغْض الكذَّاب الظالمِ، وهذه لمَّا كذَبَتْ عليهم ظلَمَتْهم، فأَخَذَتْهم من بُيوتهم وهم في تعَب وعَناء، والنتيجة لا شيءَ، وهذا شيءٌ عظيم؛ فإذا تَأمَّل الإنسان هذه الأُمورَ يَجِد العجَب العُجاب! سبحان اللَّه!
وهو : ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ يَقول ﵀: [فيه التِفات من الغَيْبة] إلى المُتكَلِّم؛ وقد سبَقَ لنا أنَّ الفائِدة في الالتِفات: تَنبيهُ المُخاطَب أو القارِئ؛
стр. 56
لأنَّه إذا تَغيَّر أُسلوب الكلام لا بُدَّ أن يَنتَبِه، وهنا الفائِدة الثانية في هذا: بَيان القُدرَة أنَّ الأرض مُفْتَقِرَة إلى السماء.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وهو المَطَر، والمُراد بالسماء هنا العُلُوُّ؛ لأن المطَر ليس يَنزِل مِن السماء التي هي السَّقْف المحفُوظ، وإنما يَنزِل مِن العُلُوِّ.
وقوله : ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ في الأرض ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ صِنْف حَسَن] (صِنْف) تَفسير لـ ﴿زَوْجٍ﴾، و (حَسَن) تَفسير لـ ﴿كَرِيمٍ﴾، وعِندي أن الكريم هو الحسَن وزِيادة، وهو ما يَنتَفِع الناس به مِن هذا النباتِ، كأنَّه رجُل مِعْطَاءٌ يُعطِي ويُغدِق هذا الخيرَ فهو نَبَاتٌ حَسَن، ومع ذلك نافِع بسبَب ما فيه، والزوج يَأتي بمَعنَى: الصِّنْف، ومنْه قوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ [ص: ٥٨] ومِنه قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]، أي: أَصنافَهم وأَشكالهَم. واللَّه أَعلَمُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إثباتُ خلقِ اللَّه تعالى لِلسَّموات.
ويَتَفرَّع على هذه الفائِدةِ: إبطالُ قولِ الفلاسِفة في قِدَم الأفلاك، فالفلاسِفة يَقولون: إنَّ الأفلاك قَديمة، وأنها لا تَتَغيَّر؛ لأنَّ القديم عندهم الذي لا ابتِداءَ له، ومَا لا ابتِداءَ له لا انتِهاءَ له، فيَكون في هذا إبطالٌ لِقولِ الفلاسِفة: إن الأفلاك قديمة وإنَّها لا تَتَغَيَّر. ومِن ثَمَّ أَنكَرُوا انشِقاقَ القمر إنكارًا شديدًا، وقالوا: القمَرُ لا يُمكِن أن يَنشَقَّ؛ لأنَّه مِن الأفلاك، وإنَّما مَعنَى قوله : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]؛ أي: بَانَ صِدْقُ الرِّسالة، وأَنكَرُوا الأحاديث الوارِدة في ذلك والتي تَلَقَّتْها الأُمَّة بالقَبُول.
стр. 57
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيانُ قُدْرةِ اللَّه في خَلْقِ هذه السمَواتِ العَظيمة؛ قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ [الذاريات: ٤٧].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيَانُ القُدرة مِن وجهٍ آخَرَ، وهي أنَّ هذه السمَواتِ العَظيمةَ والسَّقْف الواسِع بغير عَمَد؛ لقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، وأَظُنُّنا لو رأَيْنَا بِناءً واسِعًا ليس فيه أَعمِدة لَكُنَّا نَتَعَجَّب مِن هذا البِناءِ، كيف هذا البِناءُ الواسِع ليس فيه عَمَد؟ ! معَ أنَّ بِناء السَّماء أَوْسَع وأَعظَمُ، ومعَ ذلك بغير عَمَد.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بَيَانُ حِكْمَة اللَّهِ ورحمتِه في إلقاء الرَّواسِي؛ لئَلَّا تَميدَ بالخَلْق.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الأرض تَدور، يَقولون: لأن قولَه : ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يَدُلُّ على وجود أَصْل الحرَكة؛ لأنَّ نَفْيَ الأخَصِّ يَدُلُّ على وُجُودِ الأَعَمِّ، أَلَمْ تروْا إلى قولِه تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ حيث كان دليلًا على وُجود أَصلِ الرُّؤية! فقولُه تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ألَيْس دَليلًا على أنَّ الرؤية مَوْجودة! وهذه الآيةُ استَدَلَّ بها أهلُ السُّنَّة على إثباتِ رُؤْيَة اللَّه تعالى، وأهلُ البِدْعة على نَفي رُؤيةِ اللَّه تعالى، ولكن الصواب مع أهل السُّنَّة؛ لأنَّ نَفْيَ الأخص يَقتَضِي وُجودَ الأعمِّ، إذ ليس مِن المَعقول أن يُنْفَى الأخصُّ مع انتِفَاءِ الأعمِّ، ثُم لا يُتَطَرَّقُ لَهُ؛ ولو كان الأخصُّ مُنْتَفِيًا لوَجَب أن يُنْفَى الأعمُّ لِأَجْل أن يَدْخُل فيه الأخصُّ، لو كان اللَّه تعالى لا يُرَى لقال اللَّه : لا تَراه الأبصار. حتى تَنْتَفي الرُّؤية ويَنتَفِيَ الإدراك مِن بابِ أَوْلى، فلَمَّا قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ عُلِمَ أنَّ أصل الرؤية مَوجُود، لكنَّه لا يُدْرَك ؛ وهنا لمَّا قال تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ والمَيَدَان الاضطِراب عُلِم أنَّ أصلَ الحَرَكة مَوْجود، لكن هذه الرَّواسيَ لأَجْل اتِّزان الحرَكة حتى لا تَضطَرِب. هذا هو تَقدير مَن يَرَى أنَّ في الآية دَليلًا على أنَّ الأرض تَدور.
стр. 58
أمَّا الذين يَقولون: فيها دليل على أن الأَرْض لا تَدُور. فتقولون: إننا لا نُسَلِّم أن المَيَدَان مَعناه: الاضطِراب، بل نَقول: إن المَيَدَان هُو الحرَكة، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ أن تَرسوَ ولا تَتَحَرَّك، فيُفسِّرون المَيَدَان بِمُطْلَق الحرَكَة.
وإذا كان الأمرُ كذلك، فإنَّ الواجب أن نَرجع إلى اللغة العربية، فإذا كانت اللغةُ العربية تَدُلُّ على أنَّ المَيَدَان هو الاضطِراب، فنحن نَقول: إنَّ فيها دليلًا على وُجُود أصلِ الحرَكة. وإذا كانت اللغة العربية تَقول: إنَّ المَيَدَان هو الحرَكة. فإننا نَقول: فيه دليل على أنَّها لا تَدُور. ونحن إذا قُلْنا: إنَّها تَدور لا يَنقُصُ اللَّه تعالى شيئًا، بل هو في الواقِع زِيادة في قُدْرَتِه ؛ حيث تَدور هذِه الأرضُ بجَميع ما فيها مِن بِحَار وأنهَار وأَشْجار ومَدَر وحَجَر وكُلِّ شيء تَدُور، ومَع ذلك بهذا الاتِّزَانِ البَدِيع الذي لا يَتَغَيَّر، هذا دليل على قُدْرة اللَّه ، كما أنَّ سكونَها وهي على الماء دليل على قُدْرَة اللَّه .
لكن الشَيْء الذي يَجِب أن يُنْكَر -حتى يَتبيَّن لنا كالشمس- هو القول بأنَّ اخْتِلاف اللَّيل والنَّهار بسبب دَوَران الأرض، فهذا لا نُسَلِّم به، بل نَقول: إنَّ الليل والنهار بسبَب دَوَرَان الشَّمس على الأرْض؛ لأنَّ هذا هو ظَاهِرُ القُرآن، ولا يُمكِن أن نَتَزَحْزَح عَنْه إلَّا بدليل فيه مِثل الشمس.
فإنَّ اللَّه أَثبَت الفِعْل لِلشَّمْس: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ١٧]، ولم يَقُل: إذا طَلَع الكهفُ عليهم يَتزَاوَر، وأَثبَت ﴿تَزَاوَرُ﴾ ولو كانت الحرَكة للأرض لكانَت الأرض هي التي تَزَاوَر، ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ﴾ هذا الفِعلُ الثالِث، ولو كانت الأرض هي التي يَكون بدورانها اختِلاف الليل والنهار لقال: وإذا غرَبَتِ الأرض، أو خَفِيَ جُزءُ الأرض. أو ما أَشبَه ذلك؛ و ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾
стр. 59
نَفْس الشيء: فِعْل، والنبيُّ ﵊ لمَّا غرَبَتِ الشمس قال لأبي ذَرٍّ ﵁: "أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟ " (١) فأَخبَر أنها تَذهَب هي بنفسِها.
وهذا هو الصواب بلا شكٍّ، إلَّا إذا ظهَر لنا دَلِيل مِثْل الشمس، فإنَّه يُمكِن أَنْ تُؤَوَّل هذه الآياتُ إلى أن المَعنَى: غَرَبَت وطَلَعَت باعتِبارِ رُؤية الرَّائِي، وإن كان الرائِي هو الطالِع، فأنت تَسِير في سيارة، وفي سَيْرك طلَع عليك مثلًا ناقةٌ تَقول: بينما أَسير إذ طلَعَت عليَّ ناقة؛ فتَقول: طلعَت علينا. مع أنَّك أنت الطالِع عليها، هذا مُمكِن لُغةً، لكنَّا ما دُمْنا لم نَتَيقَّن هذا الأمرَ، وإنما هي نظريَّاتٌ مِن قومٍ لا يُؤْمِنون بالقرآن، ولا يُؤمِنون بالشرائِع، فإننا لا نَقْبَلُ ذلك مِنْهَم، بل نَأخُذ بظاهر كلامِ اللَّهِ .
فإِن قال قائِل: إن قولَكم هذا يُناقِض قولَكم بإمكانِ دَوَرَانِ الأَرْض، يَعنِي: إذا أَمكَن دوَران الأرض لزِم أن يَكُون تَعَاقُب الليل والنهار بِسبَب دَوَرَانها.
فالجَوابُ: إن هذا لا يَلزَمُنا؛ لأنَّه مِن المُمْكِن أن يَدُور هذا وهذا، ويكون حَرَكَةُ الشمس ودورانُها أسرَعَ، وإذا كان أسرَعَ لَزِم مِن ذلك أن تَطُوفَ بِالأَرْض ولَو مَعَ دَوَرَانِ الأرْض، يَعنِي: يُمكِن أن تَكون الأرض تَدور قليلًا وهذه تَكون أكثَرَ، فيُمكِنُها أن تَلُفَّ علَى الأرض.
فالحاصِلُ: أنَّ هذه المَسائِلَ لا شَكَّ أنَّ الواجِب على المُؤْمِن أن يَأخُذ بِظاهِر القُرآن والسُّنَّة، فإن هذا الواجِبَ في الأمور الغَيْبية وفي الأمور التي لا يُمكِن إدراكُها حِسًّا، ثُمَّ إذا تَبيَّن له بعد ذلك بِالحِسِّ أنَّ ظَاهِر القُرآن غَيْرُ مُرَاد، فإنَّنا يَجِب علينا
стр. 60
أن نُؤَوِّل ظاهِرَ القرآن؛ لأنه لا يُمكِن أن يَتَعَارَض القرآن مَع الوَاقِع، فمُستَحِيل هذا، ولو أننا جَوَّزْنا ذلك عَقْلًا لَلَزِم أن يَكُونَ في القرآن ما هو كَذِب؛ لأنَّ الكَذِب هو خِلاف الواقِع، وهذا أَمْر مُستحيل.
ولذلك يَجِب علينا أمام هذه النَّظَرياتِ أن نَجعلَها كأحاديث بَنِي إسرائيلَ:
أوَّلًا: ما وافَقَ القُرآن فهو حَقٌّ وأخَذْنَا بِه، ولكِنَّنَا لا نَأخُذ به على أنَّه هو الذي أَثْبَتَه، بل على أنَّ القرآن هو الذي أَثْبَتَه، وإنما نَقول ذلك: لِئَلَّا يَكُون لهم الفَضْلُ علَيْنَا.
ثانيًا: مَا خَالَفَ القُرآن وَجَبَ عليْنَا رَدُّه.
ثالثًا: ما لا نَعلَمُ مُوافَقَتَه لِلقرآن ولا مُخالفتَه فهذا العَقلُ والشَّرْع يَقتَضِي أن نَتَوَقَّف، ونَقُول: إننَا لا نُصَدِّق ولَا نُكَذِّب. وحينئَذٍ يَحتاجُ الإنسان طَالِب العِلْم إلى أن يَتَعَمَّق ويَتَأَمَّل ويَنْظُر نَظَرًا عَمِيقًا جِدًّا في نُصُوص الكِتاب والسُّنَّة، حتى لا يَحْكُمَ بِأنَّ الوَاقعَ يُخالِفُها، فيَكونُ في ذلك رَدُّ فِعْلٍ لمَن لا يُؤْمِنُ بالإِسلام.
فمثَلًا لو أنَّ أحدًا أَنْكَر مِثْل هذه النَظَرِّياتِ بِدون تَأَمُّلٍ في دَلالة الكِتاب والسُّنَّة، كما يَفعَل بعض العامَّة فهذا -للحقيقة- ليس مِن خِدْمَةِ الإِسْلام، هذا كأَخْذ الإنسان خِنْجَرًا بيدِه وطَعَنَ بِه صَدْرَه وهو لا يَشْعُر، فالواجِب تُجَاه هذه الأُمورِ كما قُلْت لَكُم: أن نَعْرِضَهَا على الكِتَاب والسُّنَّة، فَمَا وافقَ الكِتَاب والسُّنَّة فهو حَقٌّ؛ لِكونه وافَق الكِتَاب والسُّنَّة، وما خالَفَهما فهو بَاطِل، وما لا تُعْلَم مُوَافَقَتُه ولا مُخَالَفَته فالواجِب فيه التَّوَقُّف وأن يَقول الإنسان: إن تَبَيَّن لي بِحَسَب إدراكِي -وإن كان عِلْمي قاصِرًا في هذه الأُمورِ- فأنا أُصَدِّقُ به، وإذا لم يَظهَر لي فأنا لَسْتُ مُلْزَمًا بأن أُصَدِّق أو أُكَذِّب، أَقِف مِن هذا مَوْقِف المُحَايِد، وهذا هو العَقْل.
стр. 61
فإن قال قائِل هذه النَّظرِيةِ: هذه تُخالِف القرآن. يَعنِي: هناك مَن يَقول: الشمس طالِعة والأرض هي التي تَدور عليها.
فالجَوابُ: نحن قُلنا: مَسأَلة الشمس ثابِتة أَبطَلنَاها؛ وقُلْنا: هذا لا يَجُوز؛ مع أنهم يَقولون: إن الشمس ليسَتْ بثابِتة، وإنها تَدور في الأَوَجِ العالي تَسير سيرًا عظيمًا، وفي كُتَيِّب صغير اسمُه عِلْم الفلَك القَديم يَقول: تَنطَلِق في الثانية آلاف الأميال.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيَانُ قُدْرةِ اللَّهِ بِبَثِّ هذِه الدوابِّ في الأرض؛ لِقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾؛ أَي: نَشَر؛ وَجْه دَلالتها على القُدرة: اختِلاف هذه الدوابّ في أجناسِها وأنواعِها وأشكالهِا وأحوالهِا، وقد سَبَق لنا بَيانُ بعضِ الحِكَم في خَلْق ما هو ضارٌّ منها، وذكَرْنا عِدَّة حِكَم في خَلْق هذا الضَّارِّ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بيان قُدْرَة اللَّهِ أيضًا وحِكْمَتِه ورَحْمَتِه في إنزالِ الماء مِن السَّماء، فالقُدْرة أنَّنا نَجِد هذا الماءَ يَنزِل مِن فوقُ، فمَعنَى ذلك أن هناك بِحارًا عَظيمةً تَطوف بِالأرْض -بَيْن السَّماء والأَرض-، وقد قال اللَّه في آية أخرى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ سبحان اللَّه! جِبَال بين السماء والأرض مِن البَرَد يَنْطَلِق مِنْها هذه الأَجزاءُ حتى يَنْزِل الأرض، ولو شاء اللَّه تعالى لَأَنْزَل الجبَلَ جميعًا على الأرض.
وقُلْنا: فيه أيضًا دليل على الرحمة حيثُ كان نُزولُه مِن العُلُوِّ لأَجْل أن يَشمَل المُرتَفِع والمُنْخَفِض.
وفيه أيضًا دليل على الرحمة: أنَّ هذا الماءَ لنا فيه فائَدتان عَظيمتان: إنبات ما يَنْبُت مِنْه، والثاني: خَزْنُه في الأرض، قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقال في آية أُخرى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١]، وقال : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ
стр. 62
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٦٩]، ففيه أيضًا مَادَّةُ حَيَاةِ الإنسان: في طعامِه وفي شَرابِه.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثباتُ الأَسْباب؛ لِقولِه : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾، ويُؤخَذ إثبات الأسباب مِن فاءِ السبَبِيَّة ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾، وإثباتُ الأسباب مِن حِكْمَةِ اللَّه ، فالمُنْكِر للأسباب طاعنٌ في حِكمةِ اللَّه تعالى لا شَكَّ؛ لأنَّ اللَّه حَكِيم جَلَّ وَعَلَا؛ وكلُّ شيء عِنده بِسبب؛ لِتَقُومَ الأشيَاء وتَمشِيَ على نِظَام.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: بَيان قُدْرَة اللَّه على تَصْنِيف هذا النَباتِ مَع أنَّ أَرْضَه واحِدة ومَاءَه وَاحِد؛ لقوله : ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: مِن كل صِنْف، فتَرَى هذه الشجرةَ كَبيرة وهذه صَغيرة، وهذه خَضْراءَ وهذه بُنِّيَّةً، هذه زهرتُها بَيضاءُ وهذه صَفراءُ، وهذه بِلَوْنٍ آخَرَ، ألوان مخُتَلِفة، مع أنَّ الماءَ واحد والأرضَ وَاحِدَة، وهذا دليل على كمالِ قُدرَةِ اللَّه .
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن هذا النَّابِتِ فيه مَنفَعتان وهما النَظَر إليه، والبَهْجَة والسرور بِه؛ ولهذا إذا وقَف الإنسان على رَوضَةٍ مُعْشِبَة تَتكفَّأ الرياحُ أَزْهَارَها يَجِد سُرورًا وأُنْسًا، ثانيًا: ما يَحصُل مِن هذا النباتِ مِن المَنافِع لنا ولبَهَائِمنا، قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن السمواتِ أَجْرَامٌ محَسُوسة، ومَن أَنكَرَها فهو مُكَذِّبٌ للقرآن، والمُكَذِّبُ بالقُرآن يَكُون كَافرًا، وهذه مَسْأَلَة خَطِيرَة؛ لأنَّ الآن مَن لا يُؤمِنون باللَّه واليوم الآخر لا يُقِرُّون بأنَّ هناك أجرامًا سماوِيَّة، يَقولون: أَفلاك ومَجرَّات ونجوم. وما أَشبَه ذلك، ولا يُقِرُّون بالسَّماء، والذي يُصَدِّقُهم في ذلك مُكذِّبٌ لِلقُرآن، فيَكون كافِرًا به، والعِيَاذُ باللَّه.
стр. 63
الآية (١١)
* قالَ اللَّه : ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١].
* * *
قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ المُشَار إليه ما سبَق، وهي خَلْقُ السمَواتِ بغيرِ عَمَد، وإلقاء الرواسِي في الأرض، وبثُّ الدابَّة، والإِنزال الماء مِن السَّمَاء، والإنبات فيها مِن كُلِّ زَوْج كَريم.
فهذه خمسة أَشياءَ مُشاهَدَةٌ مَحسوسة؛ ولهذا أَشار إليها بالإشارة الحِسِّية فقال: [﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي: مَخْلُوقُه] فهو مِن باب إطلاق المَصدَر وإرادة اسم المَفعول، وليس المُرادُ به خَلْقَ اللَّه الذي هو فِعْلُه؛ فإنَ فعلَه لا يُشاهَد وأنَّ المُشاهَد مَفعولُه.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَرُونِي﴾ أَخبِروني يا أهلَ مَكَّةَ ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾] قوله تعالى: ﴿فَأَرُونِي﴾ فسَّر الإراءة هنا بالإخبار، ولكن الأَوْلَى إبقاؤُها على ظاهِرها أنَّ المُراد بالإرَاءَة يَعني: أَبصِروني، أَروني شيئًا خَلَقَه أحدٌ سِوى اللَّهِ ؛ فقوله تعالى: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أبلغُ مِن تَفسير المُفَسِّر ﵀ بقوله: [أَخبِروني]؛ لأنَّ التَّحَدِّيَ فيها ظاهِر، إِذْ مِن المُمْكِن أن يُخْبِرُوه بأمرٍ وهُمْ كاذِبون، فيَقولون: نعَمْ، إنه يُوجَد كذا وكذا خلَقَهُ كذا وكذا. لكن إذا قال: (أَروني) بِالتَّحدِّي بما يُرَى فحِينَئَذٍ يُبْهَتُون.
стр. 64
وقوله : ﴿فَأَرُونِي﴾ قال ﵀: [يا أهلَ مَكَّةَ] بِناءً على أنَّ كُلَّ خِطاب في سُورةٍ مَكِّيَّة يَتعَلَّق بالكُفَّار فالمُراد به أهلُ مكَّةَ، والصواب: أنَّه عامٌّ؛ ويُمكِن حتى الآنَ أن نَقول بهذا التَّحدِّي في عصرِنا الحاضِر، والأَمْر هنا في قوله تعالى: ﴿فَأَرُونِي﴾ لِلتَّعجيز والتَّهديد.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ غيرِه؛ أي: آلهَتِكم حتى أَشرَكْتُموها به تعالى] يَعنِي: أَروني ماذا خَلَقوا، فإذا أَرَيْتُموني أنَّها خَلَقَت شيئًا، فإنَّه قد يَكون عُذْرًا لكم في تَشْرِيكِها مع اللَّه تعالى في العِبادة، أَمَا والأمر ليس كذلك ولا يُمكِن أن يُوجَد خَالِقٌ سِوى الربِّ ، فإنه لا يَجوز أن يُعْبَد معه غيرُه؛ لأنَّه إذا أَقرَرْتم بأنه لا خالِقَ إلَّا اللَّه تعالى يَجِب أن تُقِرُّوا بأنَّه لا مَعبودَ إلَّا اللَّه تعالى، وأنه كما أَقرَرْتم بالربوبية يَجِب أن تُقِرُّوا بِالأُلُوهِيَّة.
وقوله : ﴿مَاذَا خَلَقَ﴾ يَقول ﵀: [(ما) استِفْهامُ إنْكَار مُبتَدَأٌ، و (ذا) بمَعنَى (الذي) بِصِلتِه خَبَرُه، و (أَروني) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَل، وما بعده سَدَّ مَسَدَّ المَفعولَيْن].
قوله : ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أَعرَبَه المُفَسِّر إعرابًا صحيحًا، ونَقول: (ما) اسمُ استِفْهام و (ذا) اسمٌ مَوْصول مَبنيٌّ على السكون في مَحلِّ رَفْع، و ﴿خَلَقَ﴾ فِعْل ماضٍ، والجملة صِلة المَوْصول لا مَحَلَّ لها مِن الإعراب، والعائِد محَذوف، والتقدير: ماذا خلقَهُ الذين مِن دونه، والجُملة ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِه﴾ جُملة استِفْهام مُعَلِّقَة عَنِ عمَل ﴿فَأَرُونِي﴾.
وقوله: [وما بعدَه سَدَّ مَسَدَّ المَفعولين] هذا إذا قُلْنا: إنَّ الرؤيا بمَعنَى العِلْم، أمَّا إذا قُلْنا: إنَّ الرُّؤيا بمَعنَى: رُؤَية البصَر، فإنَّ ما بعده سَدَّ مَسَدَّ مَفعولٍ واحِد فَقَط.
стр. 65
وقوله تعالى: ﴿مَاذَا﴾: (ما) أَعْرَبَها على أنَّها غير مُلغَاة، ويَجوز إلغاؤُها، بل قد يُقَال: إن إلغاءَها أَوْلى؛ لأنك إذا ألغَيتَها جعَلْت ﴿مَاذَا﴾ مَفعول مُقدَّم لِـ ﴿خَلَقَ﴾ وحِينئذ لا نَحتاج إلى هذا، والأصل عدَمُ الحذْف، وإلغاؤُها لَه وجهان: إمَّا أن تَكون (ما) اسمَ استِفهام و (ذا) زائِدة، أو تَقول: (ماذا) جميعًا اسمُ استِفْهام.
وقوله تعالى: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: مَن سِوى اللَّه ، وهذا التَّحَدِّي وكلُّ تحَدِّ في القرآن لا يُمكِن أن يَكون مَوجودًا؛ لأنَّه لو كان الشيء مُمكِنًا لكان التَّحدِّي لَغوًا لا فائِدةَ فِيه.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿بَلِ﴾ للانتِقال ﴿الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بَيِّن بإِشْراكِهم وأنتم مِنْهم] يَعنِي: أنَّ الأمرَ واضِحٌ، وأنَّه لا خالِقَ إلَّا اللَّه تعالى، وأنه لا يُمكِن أن يُوجَد أحَد يَخلُق، ولكن استِمْرار المُشرِكين في شِرْكهم يُعتَبَرُ ظُلمًا وضلالًا مُبِينًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ﴾ أي: المُشرِكون الذين أَشرَكوا مع اللَّه تعالى في العِبادة مع أنَّهم مُؤمِنون بأنَّه لا شريكَ له في الخَلْق.
وقوله تعالى: ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [بَيِّن] وكلِمة (مُبِين) تَأتِي بمَعنى: بَيِّن، أي: ظاهِر، وبمَعنَى: مُظْهِر؛ لأنها مُشتَقَّة من (أَبَانَ) الرُّباعِيِّ، و (أَبَان) الرُّباعِيُّ يَأتي مُتَعَدِّيًا، ويَأتي لازِمًا، فيَأتي (أَبَانَ) بمَعنَى: (بَان)، أي: ظَهَر، وحينئذٍ يَكون لازِمًا، ويَأتي بمَعنَى: (أَظهَر) أَبان الشيءَ: أَظهَرَه، وحينَئِذٍ يَكون مُتعَدِّيًا، وفي هذه الآيةِ: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ مِن اللازِم؛ ولهذا فسَّرها بقوله: [بَيِّن].
ومثاله من المُتعَدِّي في القرآن الكريم؛ قوله : ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ يَعنِي: البَيَّن بنَفْسِه المُبِين لِلحَقِّ، وكذلك: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾؛ أي: مُظْهِر.
فالحاصِلُ: أنَّ (مُبِين) لا يُظَنُّ أنها دائِمًا مُتَعدِّيَة، فقد تَكون لازِمةً بمَعنَى: بَيِّن،
стр. 66
وقد تَكون مُتعدِّيَة بمَعنَى: مُظْهِر.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: الاستِدلال بِتوحيد الرُّبوبية على توحيد الأُلوهية، لِقولِه تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾، يَعنِي: مَخْلُوقَه، وهم يُقِرُّون بأنه خَلْقُ اللَّه تعالى، فإذا أَقَرُّوا به يَلزَمُهم الإقرار بِتوحيد الأُلوهية، وعلى هذا فنَقول: يُؤخَذ مِن هذه الآية الاستِدلالُ بتوحيدِ الربوبية على تَوحيد الأُلُوهية، ولهذا نَظَائِرُ في القرآن؛ مِنها قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، فقال تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ كأنَّه يَسْتَدِلُّ بكَونِه ربًّا خالِقًا على أنَّه يَجِب أن تَكُون العِبَادَةُ لَه وَحْدَه، وهذا دَلِيلٌ عَقْليٌّ مُلْزِم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الاسْتِدْلَال بالأظْهَر على ما يُنْكِره الخَصْم، فإنَّ هَذَا اسْتِدْلال بأمْر ظاهِر وَاضِح على أمرٍ يُنكِرُه الخَصم، وهو إنكار انفِراد اللَّه تعالى بالأُلُوهِيَّة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: استعمالُ التَّحَدِّي في المناظرة، لِقوله : ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ أولَئِكَ المُنْكِرين لِتوحِيد الأُلُوهية في ضَلال، أنَّهم ظَالمِون وفي ضَلَالٍ مُبِين؛ لِقوله تعالى: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: عَجْزُ جَمِيعِ الأصْنَامِ المعْبُودة أن يَخْلُقُوا مِثْل خَلقِ اللَّه تعالى؛ لِقوله تعالى: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾، وإذا كانت عاجِزةً عنِ الخَلْق كانت غيرَ مُستَحِقَّةٍ لِلعبَادة، قال اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ زِدْ على ذلك: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
стр. 67
الآية (١٢)
* قالَ اللَّه : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢].
* * *
ثُمَّ قال ﵀: [﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾؛ منها: العِلْم والدِّيانة والإِصابة في القول، وحِكَمُهُ كثيرةٌ مَأثُورة].
قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ الجُمْلة هذه مُؤكَّدة بثلاث مُؤكِّدات هي اللَّه و (قَدْ) والقسَم.
وقوله تعالى: ﴿آتَيْنَا﴾ أي: أَعطَيْنا، وهذا الإعطاءُ إعطاءٌ كَوْنِيٌّ، أي: آتاه اللَّه تعالى الشيءَ إيتاءً كَونِيًّا.
وقوله تعالى: ﴿لُقْمَانَ﴾ هو اسمُ رجُل، وأكثرُ أهلِ العِلْم ﵏ على أنه رجُلٌ أَعطاه اللَّه تعالى حِكْمة ودِرايةً في الأمور وليس نَبيًّا.
قال ابنُ كَثير (١) ﵀: أكثَرُ الناس على أنَّه ليس بِنَبيٍّ، ويُروى عن عِكْرمةَ (٢) -إن صَحَّ عنه- هكذا قال: إنه نَبيٌّ. ولكن الصحيح أنَّه ليس بِنَبيٍّ، وإنما هو رجُل حَكيم ذُو أَمْير رَشيد، أَعطاهُ اللَّهُ تعالى هذه الحِكْمةَ، كما قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
стр. 68
وقوله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ الحِكْمة في الأصل هي مُوافَقَةُ الصواب.
وبمَعنَى هذا قولهُم: إنَّها وَضْعُ الأشياء في مَواضِعِها، فصَاحِبُ الرأي الرشِيد والتَّصَرُّفِ السَّدِيد هذا يُعْتَبرُ حَكِيمًا؛ لأنَّه يَضَع الأشياءَ في مَواضعها؛ وهما بمَعنًى واحِد؛ لأن مُوافقَة الصواب هو وَضْع الشيء في مَواضِعه.
يَقول ﵀: [منها العِلْم والدِّيانة والإِصابة في القول] الأوَّل: العِلْم تُنال به الحِكْمة، والثاني: الدِّيانة حِكْمة، والثالِث: الإصابة في القول أيضًا حِكْمة، وكذلك الإصابة في الفِعْل حِكْمة.
قال المُفَسِّر ﵀: [وحِكَمُه كثيرةٌ مَأْثورة، كان يُفتِي قبلَ بِعْثة داودَ، وأَدرَك بِعثتَه، وأَخَذَ عنه العِلْم، وترَك الفُتْيا، وقال في ذلك: أَلَا أَكتَفي إذا كُفِيت. وقيلَ له: أيُّ الناس شَرٌّ؟ قال: الذي لا يُبالي إن رآه الناس مُسِيئًا] قوله ﵀: [كُفِيت] هذه مِن الحِكْمة، فإنَّ الإنسان إذا كُفِيَ يَكتَفي؛ لأنه إذا كُفِيَ ثم عَمِل بما كُفِيَ فيه لم يَكُن مِنه إلَّا إضاعة الوَقْت والتعَب.
وأمَّا قوله ﵀: [أيُّ الناس شَرٌّ؟ فقال: الذي لا يُبالي إن رآه الناس مُسيئًا] هذا قد يُنازَع فيه؛ لأن هذا الذي لا يُبالي إن رآه الناس مُسِيئًا يُعتَبَر فاقِدَ الحَياءِ فقَطْ، ولا يُعتَبر شرَّ الناس، بل شرُّ الناس -في الواقِع- هو الذي يُشرِك باللَّه ؛ لأنَّ هذا أَظلَم الناس فيَكونُ شرَّ الناس.
ثُمَّ إن هاتين الجُمْلتين قد تَكون صحيحة إلى لُقمانَ ﵇، وقد تَكون غير صحيحة، يَعنِي: لا يُجزَم بها؛ لأنه ليس هناك سَنَد صَحيح إلى لُقمانَ ﵇ مُتَّصِل، ولم يُخْبِر النبيُّ ﵊ بذلك عنه، ومِثْلها جميع الأخبار السابِقة إذا لم تَكُن
стр. 69
عن طريق الرسول ﵊ فإنَّه يُنْظَر فيها؛ لأنَّها تَأتينا بِغير إسناد إِذْ تُؤْخَذ عَن أهلِ الكِتاب، وأهلُ الكِتاب غَيرُ مَأْمُونِين.
مَسأَلة: ما تَوجيهُ قوله ﷺ : "حَدِّثُوا عَنْ بَني إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ" (١)، ومَن كان خارِج بني إسرائيلَ فما حُكْمه؟
الجَوابُ: إن بني إسرائيلَ عِندهم كِتاب، وأَثارةٌ مِن عِلْم، وإلَّا غيرهم قد لا تَجِد عنده شيئًا, ولكن كل الأحاديث عمَّن سبَقَ لا تَخلو مِن ثلاثة أحوال كما هو مَعروف: إمَّا أن تُوافِق الشَّرْع، أو تُخالِفه، أو لا يَكون فيها مُوافَقة ولا مُخالَفة، فما وافَق الشَّرْع فهو مَقبول، وما خالَفَه فهو مَردود، وما لم تَكُن فيه مُوافَقة ولا مُخالَفة فإنه لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب.
قال: [﴿أَنِ﴾ أي: وقُلنا له: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ على ما أَعطاك مِن الحِكْمة].
فقال : ﴿آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ ثُمَّ قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾؛ ولو أنَّ أحَدًا قال: إنَّ قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ تَفسير للحِكْمة يَعنِي ﴿أَنِ﴾ هُنا تَفسير الحِكْمة لم يَكُن بعيدًا.
أمَّا المُفَسِّر ﵀ فيَرَى أنها مَفْعُولٌ لِقَولٍ محَذوف تَقديره: وقُلْنا له: أنِ اشْكُرْ للَّه. يَعنِي: على ما آتاك مِن الحِكْمة.
أمَّا على الاحتِمال الأوَّل الذي هو ظاهِر القرآن ولا يَحتاج إلى تَقدير، فالأَمْر ظاهِر أنَّ شُكْرَ نعمةِ اللَّه تعالى مِن الحِكْمة، بل هو رأسُ الحِكْمة.
стр. 70
وقوله تعالى: ﴿اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ اللَّام هنا لِلاختِصاص والاستِحقاق؛ لأنَّه لا يَختَصُّ بالشُّكْر المُطْلَق، ولا يَستَحِقُّ الشُّكْر المُطلَق إلَّا اللَّه .
والشُّكْر: هو القيام بطاعة المُنْعِم اعتِرافًا بالقَلْب، وثَناءً باللسان، وطاعةً بالأركان.
فمُتَعَلَّقُ الشُّكْر ثلاثة: اللسان، والقَلْب، والجوارِح، وسببُه واحِد: وهو النِّعْمة؛ ولهذا كان بينه وبين الحَمْد عُمُوم وخُصوص:
فمِن جِهَة السَّبَب الحَمْدُ أعَمُّ، ومن جِهَة المُتَعَلَّق الشُّكْرُ أعَمُّ، وذلك لأن الحَمْد سببُه أمران: كَمَالُ المَحْمُود وإنْعَام المحْمُود؛ ولهذا تَحْمَدُ اللَّه على كَمالِه، وتَحْمَدُهُ على إنْعَامِه.
ولكنَّ الحَمْدَ مِن حَيْث المُتعلَّق يَختَصُّ باللسان فقط، أمَّا الشُّكْر فإنَّه من حيث السبَب أَخصُّ؛ لأنَّه لا يَكون إلَّا في مُقابَلَةِ نِعْمة، لكن مِن حيث المُتَعَلَّق أعَمُّ يَكُون بِالقلْب واللِّسان والجوارِح، وعليه قولُ الشاعِر:
أَفَادَتْكَمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ... يَدِي وَلسَانِي وَالضَّمِيرَ المُحَجَّبَا (١)
وقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ قُلْنا: إنَّ اللام هنا للاختِصاص والاستِحقاق، فيَجِب على العَبْد أن يُخْلِص الشُّكرَ له، وأن يَعتَقِد بقلبِه أنَّه لا يَستَحِقُّ الشُّكْرَ المُطلَقَ إلَّا اللَّهُ تعالى.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لأنَّ ثواب شُكْرِه لَه ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ بالنِّعمة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عن خَلْقِه ﴿حَمِيدٌ﴾ مَحْمُودٌ في صُنْعِه].
стр. 71
قوله : ﴿وَمَنْ يَشْكُر﴾ الجُملةُ هذِه شَرْطِيَّة، فِعْل الشرط فيها مَجزوم بـ (مَن)، وجواب الشرط: جُمْلةُ قولِه: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، و (إنَّما) أداة حَصْر، و ﴿يَشْكُرُ﴾ فِعْل مُضارِع؛ وجواب الشَّرْط هو الجُملة: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، لا قوله تعالى: ﴿يَشْكُرُ﴾ فقط.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ كيف قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قال: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؟ قد يُقال: إن المُتَوَقَّع أن يَقول: ومَن يَشكُر فإنما يَشكُرُ اللَّهَ؟
ولكن نَقول مَثلَما قال المُفَسِّر: إن مَعنَى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ أي: أنه يَعُودُ ثَوابُ الشُّكرِ إليه، فهو لمِصلحتِه، وليس الشُّكْر يَعود إلى اللَّه فيَنتَفِعُ به؛ لأنّه يَنْتَفِع بالطاعة، ولا يَتَضَرَّرُ بالمَعصية، وإنما يَعود إليك أنت نَفْسِك.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ وهو ضِدُّ الشُّكْر.
وقوله : ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ غَنِيٌّ عَنه إذا كفَرَ نِعمَة اللَّه تعالى، و ﴿حَمِيدٌ﴾ فَعِيل بمَعنَى: مَفْعُول، ويَجوز أن يَكون ﴿حَمِيدٌ﴾ بمَعنَى: فَاعِل حَامِد، فهو مَحْمُودٌ وحَامِدٌ، لأنَّه يَصِفُ مَن يَستَحِقُّ الصِّفاتِ الكَامِلَةَ بِمَا يَسْتَحِقُّه؛ ولهذا أَثنَى على أنبيائِه وعلى أَوْليائِه، وهذا حمْدٌ لهم، وهو أيضًا مَحمُود مِن عِبادِه، فهو فَعِيل بمَعنَى: فَاعِل، وبمعنى: مَفعول.
ووجهُ ارتِباط جملة جواب الشرط: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ بالشرط ظاهِر، يَعنِي: مَن كفَر فإنَّه لن يَضُرَّ اللَّه تعالى، ولن يَنْقُصَ مِن مُلكِه؛ لأنَّه غَنِيٌّ، وكذلك لن يَكون في ذلك قُصُورٌ مِن حِكْمته؛ لأنه جَلَّ وَعَلَا حَمِيد، فإيجادُ الشاكِرين ممَّا يُحْمَدُ اللَّه عليه، وإيجاد الكافِرين ممَّا يُحمَد اللَّه عليه، ولولا هذا ما عُرِف
стр. 72
قَدْرُ الشُّكْر، ولا عُرِف أيضًا مَضَرَّةُ الكُفْر، فلولا هذا لكان النَّاس على حَدٍّ سواءٍ لا يَتَميَّز فيهِم الطَّيِّب مِن الخَبيث.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ الغَنِيُّ مِن أسماء اللَّه تعالى، والحَميد مِن أسمائِه أيضًا.
وقول المُفَسِّر: [﴿حَمِيدٌ﴾ محَمود في صُنْعه] هذا قُصُور، فـ ﴿حَمِيدٌ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀ أنها: [محَمود في صُنْعه]، والصواب أنَّه مَحمُود في صُنْعِه وشَرْعِه، وفي جميع صِفاتِه فهو محَمود على صِفاتِه الكامِلة، وعلى أفعالِه وعلى شرْعِه.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ مِنَّةِ اللَّه على لُقْمانَ ﵇ بإعطائِه الحِكْمة؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الحِكْمة قد يَنالهُا مَن ليس بِنَبِيٍّ؛ لأنَّ لقمانَ ﵇ على قول الجمهور ليس نَبِيًّا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وجوبُ الشُّكْرِ للَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُر﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ شُكْرَ اللَّه تعالى مِن الحِكْمَة؛ لأنَّ قولَه تعالى: ﴿أَنِ اشْكُر﴾، هذا مِن تفسير الحِكمة، والشُّكْر للَّه لا شكَّ أنَّه مِن الحِكمة؛ لأنَّ الحِكمة هي مُوافَقَة الصَّواب أو وَضْعُ الشَّيْءِ في مَوضِعِه، ولا شَكَّ أنَّ شُكْرَ اللَّه تعالى مُوَافِق للصَّوَاب، وأنَّهُ وَضْع لِلشَّيْء في مَوْضِعِه.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الشَّاكِرَ ثوابُه لِنَفْسِه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾.
стр. 73
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ كُل مَن مَنَّ اللَّه تعالى عَلِيه بالحِكمة فعليه أن يَشْكُرَ اللَّه تعالى أكثرَ مِن غيرِه.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ اللَّه تعالى لا يَنْتَفِعُ بطاعةِ الطائِعين، بل طاعَةُ الطائِعين لأنفُسِهِم.
ويَتفَرَّعُ على هذِه الفَائِدةِ: أنَّ أمر اللَّه عبادَه بِطاعتِه أو بِعبادِته أنَّه مُجَرَّدُ إحسانٍ إليهم؛ لأنَّ هذا النَّفْعَ لهم كَمَا لو كُنتَ تُرَبِّي الصغير, وتَقول: كُلْ مِن هذا الطعامِ، والبَسْ هذا الثوبَ، واشرَبْ هذا الماءَ. فأنت تَأمُرُه، لكن الأَمْر لمِصلحَتِه هُو.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الكافِر لا يَضُرُّ اللَّه تعالى شيئًا؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، وفي الحديث القُدسيِّ: "يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلَكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا" (١).
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثباتُ هذين الاسْمَين للَّه ، وهما: الغَنِيُّ والحَميد، وإثبات ما تَضَمَّنَاه مِن صِفَة وهي: الغِنَى والحَمْد، سواء كان حامِدًا أو مَحْمُودًا.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: اتِّصَافُ اللَّه تعالى بالصِّفَة المُرَكَّبَة مِن الوَصْفَيْن وهُما: الغِنَى والحَمْد، فليس كل غنيٍّ يُحْمَد، وليس كُل مَحْمُودٍ غَنِيًّا، أمَّا اللَّه فقدِ اجْتَمَع في حَقِّه الغِنَى معَ الحَمْد، وذلك لِكَمَال جُودِه وكرَمِه .
* * *
стр. 74
الآية (١٣)
* قالَ اللَّه : ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿و﴾ اذْكُرْ إِذْ ﴿قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ﴾ تَصْغِيرُ إِشْفَاق ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ﴾ باللَّه ﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فرجَع إليه وأَسْلَم].
قوله ﵀: [﴿و﴾ اذكُرْ إِذْ ﴿قَالَ﴾] أَفادَنا المُفَسِّر ﵀ أنَّ (إِذْ) مَفعولٌ لِفِعْل محَذوف، أو ظَرْف مُتَعَلِّق بفِعْل محَذوف، يَعنِي: اذكُرْ هذا الوقتَ الذي قالَ فيه لُقمانُ ﵇ لابنِه. . إلى آخِرِه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ جُمْلة: ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ حالِيَّة، حالٌ مِن فاعِل ﴿قَالَ﴾ وهو لُقمانُ ﵇، يَعنِي: والحال أنه يَعِظُ فيه ابنَه، والمَوْعِظة هي التَّذْكِير المَقرُون بالتَّخويفِ أو التَّرْغِيب.
قال له: ﴿يَابُنَيَّ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [إنه تَصْغِير إشفَاق] وهو كذلك، وليس تصغِيرَ احْتِقَار؛ لأنَّ المَقَام لا يَقتَضيه، ولكنَه تَصغِير إشفاقٍ عليه.
وقوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ هذا مَقولُ القول في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ﴾.
стр. 75
وقوله تعالى: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي: لا تَجعَلْ معه شَريكًا في العِبادة، وفي الخَلْق والتقْدِير، وفي أسمائِه وصِفاتِه؛ لأن التَّوْحيد -كما هو مَعروف عند أهل العِلْم- يَنقسِم إلى ثلاثةِ أقسام: تَوحيدُ الرُبُوبِيَّة، وتَوحيد الأُلُوهِيَّة، وتَوْحِيدُ الأسْمَاءِ والصِّفَات.
فالشِّرْك باللَّه تعالى: أن يُشرِكَ باللَّه تعالى في أحَدِ هذه الأقسام، فمَنِ اعتَقَد أنَّ معَ اللَّه تعالى خالِقًا فهو مُشْرِك في الربوبية، ومَنِ اعتقدَ أنَّ معَ اللَّه تعالى مَن يَسْتَحِقُّ أن يُعْبَد فهو شِرك أُلوهية، ومَن اعتَقَد أن للَّهِ مُنازِعًا في أسمائِه وصِفاتِه فهو مِن باب الشِّرْك في الأسماءِ والصفات.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ﴾ باللَّه ﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾] أكَّد لُقمانُ ﵇ كون الشِّرْك ظُلمًا بِمُؤكِّدَيْن وهما: (إنَّ)، واللَّامُ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ الجُملة تَعليلٌ لمِا قبلَها، وهو قوله تعالى: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾، فجمَعَ له لُقمانُ ﵇ بَيْن الحُكْم والحِكْمَة، فنَهاه عن الشِّرْك، وبَيَّنَ أنه ظُلْم عَظيم، والظُّلْم في الأصْل النَّقْص، ومِنه قوله : ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أي: لم تَنْقُص.
وأمَّا في الشَّرْع فإنَّ الظُّلم: هو نَقْص كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وعلى هذا فالشِّرْك نَقْصٌ في حقِّ اللَّه .
وقولُه : ﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ هذا مِن باب تَعظِيم الشِّرْك والحذَرِ مِنه، وَلا يُوجَد أَعْظَمُ ظُلْمًا مِن الشِرك؛ لأنه مهمَا كان فإنَّ ظُلْمَ الشِّرْك أعْظَمُ مِن كُلِّ شيء، فالذي خلَقَك أَوْجدَك مِن العدَم، والذي أَمدَّكَ بما تَقومُ به حياتُك هو اللَّه