كلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ" (١) "بَاطِل" يَعنِي: لا خَيرَ فيه.
وهلِ المُرادُ الباطِل في عِبادتهم إيَّاه، أو الباطِل حتى في نَفْسه؛ فليس مُستَحِقًّا للعِبادة؟
الجَوابُ: كِلَا الأَمْرين؛ فهو باطِل بالنِّسبة لعِبادتهم إيَّاه، وهو باطِل في نَفْسه لا يَستَحِقُ من الأُلوهية شَيْئًا.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على خَلْقه بالقَهْر ﴿الْكَبِيرُ﴾ العَظيم]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ هذه الجُملةُ جُملةٌ خبَرية مُؤكَّدة بضَمير الفَصْل.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْعَلِيُّ﴾ يَعنِي: لا غيرُه، والعَليُّ صِفة مُشبَّهة؛ لأنها على وَزْن فَعيل، والصِّفة المُشبَّهة يَقول أهلُ العِلْم باللُّغة العرَبية: إنها تُفيد الثُّبوت والاستِمْرار.
ومَعناهُ: العَليُّ بذاته والعَليُّ بصِفاته، فعُلُوُّه ذاتِيٌّ لازِمٌ أبَدًا سواءٌ كان علِيًّا بذاته أو علِيًّا بصِفاته؛ وتَقدَّم لنا من أهل البِدَع مَن يُنكِر العُلوَّ الذاتِيَّ، وأمَّا عُلوُّ المَعنَى فهو مُتَّفَق عليه بين المُسلِمين.
وقوله ﵀: [﴿الْعَلِيُّ﴾ على خَلْقه بالقَهْر] هذا فيه قُصور؛ لأن الصواب أنه علِيٌّ بذاته وصِفاته.
وقوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [العَظيم] فهو كبير بمَعنَى: عظيم في ذاته وفي صِفاته؛ قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]،
стр. 177
وأَخبَر اللَّه أن السمَواتِ: ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وأن الأرضَ: ﴿جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وأنه يَطوِي ﴿السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، فكُلُّ هذا يَدُلُّ على عِظَم ذاته كما أنه عَظيم في صِفاته.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ﴾: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هنا لمَّا ذكَر أن له الحَقَّ، وأن ما دونَه دونَ الباطِل قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، فلِعُلُوه وكِبْريائه يَتبَيَّن أن هذه الأصنامَ على الضِّدِّ من ذلك، فهي سافِلة لا عُلوَّ فيها، وهي ذَليلة وصغيرة ليس فيها شيء من الكِبْرياء.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن اللَّه هو الحَقُّ، والحقُّ ضِدُّ الباطِل، والباطِل كل شيء لا فائِدةَ منه، ولا خَيرَ فيه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن كل ما يَصدُر عن اللَّه فهُوَ حَقٌّ؛ لأنه لا يَصدُر عن الحَقِّ إلَّا حَقٌّ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن عِبادة غيرِ اللَّه تعالى باطِلة.
* * *
стр. 178
الآية (٣١)
* قالَ اللَّه : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١].
* * *
قوله ﵀: [﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ﴾ السُّفُن ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ﴾ يا مخُاطَبِين بذلك ﴿مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ عِبَرًا ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن مَعاصِي اللَّه تعالى ﴿شَكُورٍ﴾ لنِعْمَته].
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ﴾ هذا الاستِفْهامُ للتَّقرير؛ لأن هذا أَمْرٌ مَرئِيٌّ، فلا يَسأَل عن ثُبوته، ولكن يُقرِّر ثُبوتَه، والخِطاب في قوله تعالى: ﴿تَرَ﴾ يَعود إمَّا للرسولِ ﷺ ، وإمَّا لكُلِّ مَن يَصِحُّ منه الخِطاب، وهذا أَعَمُّ.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْفُلْكَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [السُّفُن]، فكأنه حمَلَه على الجَمْع مع أنه يُحتَمَل أن يُراد به المُفرَد؛ لقوله تعالى: ﴿تَجْرِي﴾ والفُلْك كما سبَق كلِمة تُطلَق على الجمْع وعلى الواحِد قال اللَّه : ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]، فالفُلْك هنا للجَمْع، فقوله: ﴿وَجَرَيْنَ﴾ نونُ النِّسوة جَمْع، ولم يَقُل: وجَرَتْ، وأمَّا هنا أن (الفُلْك تَجرِي) فظاهِر الآية الكَريمة أن المُرادَ بها المُفرَد، إذ لم يَقُلْ: (ألَمْ ترَى أن الفُلْك يَجرِينَ)، ومع ذلك فالمُفرَد يُراد به الجَمْع من حيثُ المَعنَى؛ لأن الفُلْك ليس واحِدًا بالعَيْن، لكنه واحِدٌ بالجِنْس.
стр. 179
وقوله : ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾: ﴿فِي﴾ للظَّرْفية، وهل هي على بابها أو بمَعنَى (على)؟
الجَوابُ: أن الفُلْك التي تُحمَل الأنعام هذه على سَطْحه، لكنها في الحَقيقة في وسَطه في الواقِع لا يُغطِّيها، لكن أَسفَلها مُغطًّى بالماء.
وقوله تعالى: ﴿فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ الباء مُتعَلِّقة بـ ﴿تَجْرِي﴾ يَعنِي: تَجرِي بالنَّعَم أي: حامِلةً النَّعَم، ويُحتَمَل أن تَكون الباء للسبَبِيَّة، أي: تَجرِي بسبَب نِعْمة اللَّه تعالى، أي: أن اللَّه تعالى أَنعَمَ على عِباده بجرَيانها، وبين المَعنيَيْن فَرْق؛ لأنها على المَعنَى الأوَّلِ تُفيد أن هذه السُّفُنَ تَحمِل النَّعَم، وأمَّا المَعنَى الثاني تُفيد أن السُّفُن تَجرِي بنِعْمة اللَّه تعالى، يَعنِي: أن جَرَيانها من إنعام اللَّه تعالى علَيْنا.
والآية تَحتَمِل المَعنَيَيْن بدون مُناقَضة، وقد ذكَرْنا مِرارًا وتَكرارًا: أن الآيَةَ إذا كانَتْ تَحْتَمِل المَعنيَيْن بدون مُناقَضة حُمِلَت على المَعنَيَيْن.
فإنها قد تَجرِي فارِغةً ليس فيها شيء، ومجُرَّد تمَكين اللَّه لهذه السُّفُن من أن تَجرِي في الماء والماء ليس جِرْمًا صُلْبًا يَحمِل، بل هو جِرْم لَيِّن، لولا أن اللَّه تعالى أن يَسير عليه هذه السُّفُنِ تمَشِي عليه ما مشَتْ، وإذا كانت رُكَّابًا فقط فهي تَكون في المَعنَى الأوَّلِ بإنعام اللَّه ، والغالِب أنه يَكون فيها من نِعَمِ اللَّه تعالى مِن الأرزاق ما هو شيء كثير، لكن -واللَّهُ أَعلَمُ- أنها المَعنَى الثاني.
قوله تعالى: ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ اللَّامُ مُتَعلِّقة بـ ﴿تَجْرِي﴾ وهي لامُ التَّعليل، أي: لأَجْل أن يُرِيَكم، ومَعنَى ﴿لِيُرِيَكُمْ﴾ يُظهِرَه حتى ترَوْه؛ يَعنِي: لأَجْل أن ترَوْا من آيات اللَّه تعالى ما يُبهِر عُقولكم.
стр. 180
وقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾: ﴿مِنْ﴾ هنا للتَّبْعيض؛ إِذْ إن السُّفُن والراكِبَ عليها لا يَرَى كلَّ آيات اللَّه تعالى، ولكنه يَرَى بعضًا منها.
وقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ أي: ممَّا يَدُلُّ على كَماله في القُدرة والإنعام وغيرِ ذلك، والآياتُ جَمْع آيةٍ وهي في اللُّغة: العَلامة، والمُراد بها كلُّ ما يُستَدَلُّ به على كَمال اللَّه في ذاته وصِفاته.
والآياتُ التي ترى: ما في البَحْر من الأسماك والحِيتان العَظيمة المُتنَوِّعة، وكذلك أيضًا من آياته ما يُشاهَد في البَحْر في أَمواجه وشِدَّتها وخِفَّتها، وكذلك أيضًا ما يُشاهَد من البحر من الأبخِرة التي تَتَصاعَد وتَتكوَّن سَحابًا بإذن اللَّه .
المُهِمُّ: أن هذه الآياتِ العَظيمةَ أيضًا هي ليسَتْ كلَّ الآيات، ولكنها من آيات اللَّه تعالى بعض آياتِه.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المُشار إليه: ما ذُكِر في البَحْر من جرَيان السُّفُن بنِعَم اللَّه، وما يُشاهَد في البَحْر من آيات اللَّه تعالى.
وقولُه تعالى: ﴿لَآيَاتٍ﴾ أي: لعَلاماتٍ كَثيرة و ﴿آيَاتٍ﴾ هذه اسمُ (إِنَّ) مُؤخَّر و ﴿فِي ذَلِكَ﴾ جارٌّ ومَجرور خبَرها مُقدَّمٌ.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿لَآيَاتٍ﴾ عِبَرًا] يَعتَبِر بها الإنسانُ، وَيَستَدِلُّ بها على كَمال قُدْرة اللَّه [﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن مَعاصِي اللَّه ﴿شَكُورٍ﴾ لنِعَمِه].
وقوله تعالى: ﴿صَبَّارٍ﴾ صِيغة مُبالَغة، يَعنِي: كثير الصَّبْر.
وقوله تعالى: ﴿شَكُورٍ﴾ صِيغة مُبالَغة أيضًا، أي: كثير الشُّكْر.
والمُناسَبة لذِكْر (الصَّبَّار الشَّكور) بعد ذِكْر أن (الفُلْك تَجرِي في البَحْر بنِعْمة اللَّه)
стр. 181
ظاهِرة جِدًّا، لأن هذه الفُلْكَ التي تَجرِي في البَحْر تارةً تَعصِف بها الأمواجُ ويَتأَذَّى الإنسان بذلك وربما يَتَضرَّر فيُقابِل ذلك بالصَّبْر، وقد يَكون الأمر بالعَكْس فيَشْمَل العبورَ على البَحْر، ويَحصُل بذلك خير كثير، فيُقابِل ذلك بالشُّكْر، فلمَّا كانت هذه السُّفُنُ بها سرَّاءُ وضرَّاءُ ختَمَ اللَّه تعالى الآية بقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
وعلى هذا فنَقول في قول المُفَسِّر ﵀: [﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن مَعاصِي اللَّه] فيه شيء من القُصور، بل نَقول: لكل صبَّار عن مَعاصيه وعلى أقدارِه المُؤلمِة.
وفي قوله: ﴿شَكُورٍ﴾ أي: [لنِعَمِه]، كما قال المُفَسِّر ﵀.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: تَقريرُ المُخاطَب بهذه النِّعْمةِ وهي جرَيانُ الفُلْك في البَحْر بنِعْمة اللَّه تعالى.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن جرَيانَ الفُلْك على هذا الماءِ السَّيَّال مع أنها تَحمِل الأثقال الثَّقيلة، من نِعْمة اللَّه، بِناءً على أن الباء للسَّبَبية.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: حِماية اللَّه للخَلْق في إظهار آياته لهم، لقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الآياتِ إنما يَنتَفِع مَن جَمَع بَيْن الصَّبْر والشُّكْر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾؛ صبَّار عند الضَّرَّاء وشَكور عند السَّرَّاء.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن آياتِ اللَّه في خَلْقه: حِسِّيَّة ومَعْنوية؛ فالفُلْك الذي في البَحْر حِسِّيٌّ، وقد جعَلَه اللَّه تعالى مِن آياته، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾.
стр. 182
الآية (٣٢)
* قالَ اللَّه : ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢].
* * *
قوله ﵀: [﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾ أي: علَا الكُفَّارَ ﴿مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ أي: كالجِبال التي تُظلِّل مَن تَحتَها، ، قوله تعالى: ﴿غَشِيَهُمْ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [أي: عَلَا الكُفَّارَ] وأَصْل التَّغْشية أي: التَّغْطية، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ وقوله : ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الرعد: ٣] أي: يُغطِّيه، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] أي: يُغطِّي وَيَستُر، فأمثِلة ذلك كثيرة، فمَعنَى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾ أي: غَطَّاهم، ولا يُغطِّيهم إلَّا بعد عُلُوِّه عليهم.
و(المَوْجُ): ما يَحصُل من الماء المتجَمِّع الذي يَعلُو حتى يُغطِّيَ السُّفُن ويُغرِقها.
وقوله : ﴿كَالظُّلَلِ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [كالجِبال التي تُظلِّل مَن تَحتَها]، وهذا مُشاهَد، فإذا رأَيْت البَحْر في شِدَّة الأمواج تَجِد المِياه تَأتِي كأنها جِبال، وأحيانًا تَتَلاطَم ثُمَّ يَعْلو منها زُمْرَةٌ كبيرة عالية جِدًّا في البَحْر.
وهذه الأَمْواجُ إذا غشِيَتْهم: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وهمُ الكُفَّار؛ فيَدْعون اللَّه يَسأَلونه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ لا يَسأَلون غيرَه، ففي هذه الحالِ لا يَقول عابِدو اللاتِ: يا لاتُ أَنْقِذِينا، لأنه يَعرِف أنها لا تُنقِذ، ولا عابِدُ العُزَّى ومَناةَ،
стр. 183
ولا عابِدُ هُبَل ولا غيرها من الأصنام؛ فلا يُمكِن أن يَدْعوَ الأصنام في هذه الحالِ؛ لأنه يَعرِف أنها لا تُنقِذُه، وإنما يَدعو اللَّه تعالى مخُلِصًا له الدِّينَ.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ المَقصود به [أي: الدُّعاء بأن يُنجِّيهم أي: لا يَدْعون معَه غيرَه] أَخَذ المُفَسِّر ﵀ قولَه: [دونَ غيرِه] من قوله تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ﴾؛ لأن الإخلاص بمَعنَى التَّخليد يَعنِي: أنه يُجعَل لهذا الشيءِ وحدَه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البيِّنة: ٥]، فهُمْ في هذه الحالِ يَعرِفون اللَّه تعالى ويَدْعونه، وهذا يَدُلُّ على أن شِرْك مَن سبَق أخَفُّ مِن شِرْك مَن لَحِقَ، فهناك أُناس الآنَ إذا غَشِيهم مَوْج كالظُّلَل أو أَصابَتْهم الضَّرَّاء مَن يَدْعون مَخلوقًا، فتَجِده بدَلًا من أن يَقول: اللَّهُمَّ أَنقِذْني! يَقول: يا عليُّ أَنقِذْني! يا عبدَ القادِر أَنقِذْني! يا فلانُ أَنقِذْني! فصار شِرْك هؤلاءِ أقبَحَ من شِرْك الأوَّلين؛ لأن الأوَّلين يَعرِفون الحَقَّ إذا أَصابَتْهمُ الضرَّاء، وأنه لا يَكشِف هذه الضَّرَّاءَ إلَّا اللَّهُ ، وأَمَّا هؤلاءِ فإنهم يَزدادون عمًى إلى عَماهُمْ.
ومن المَعلوم أنه لا يُمكِن أن يَكشِف به مِن الضَّرَّاء لا عَبْدُ القادِر ولا البدَويُّ ولا عليُّ بن أبي طالِب ﵁ ولا غيرهم؛ بل كلُّ هَؤلاءِ -وهُمْ بأنفسهم- لو أصابَتهم الضَّرَّاءُ ما استَطاعوا أن يَكشِفوها عن أنفسهم، فكيف يَكشِفونها عن غيرهم، وهذا مع أنهم قد ماتوا وانقَطَع الرجاء بهم من كل وَجْه؛ لكن لو كانوا أحياءً حاضِرين ربَّما يَستَعين الإنسان بهم، فيَنتَقِل، لكن إذا كانوا أمواتًا فلا يُمكِن أن يَستَغيث بهم إلَّا جاهِلٌ، ولا يُمكِن أن يَأتِيَ عليُّ بن أبي طالب ﵁ من قَبْره من أَجْل أن يُنقِذَك أو عبدُ القادر يَأتِي من قَبْره لأَجْل أن يُنقِذك أو البدويُّ من قَبْره لأَجْل أن يُنقِذك، أو غيرهم ممَّن يُدْعَى عند الشدائِد ليُنقِذ! ! واللَّه أَعلَمُ.
стр. 184
وقوله تعالى: [﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يَعنِي: [لا يَدْعون غيرَه] ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾] هذه ضُمِّنت مَعنَى الإيصال، يَعنِي: نجَّاهم وأَوْصَلهم إلى البَرِّ لم يَقُل: فلمَّا نجَّاهم من هذه الظُّلَل فقَطْ؛ بل نَجَّاهم إِنجاءً وصَلوا فيه إلى شاطِئ السلامة إلى البَرِّ، والبَرُّ هنا ضدُّ البَحْر، فيَشمَل ما لو نجَّاهم إلى بلد، فإن البلد في هذه الآيةِ من البَرِّ.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾: (لمَّا) هنا شَرْطية؛ والجَوابُ: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ يَعنِي: ومِنهم غير مُقتَصِد؛ فالجوابُ إِذَنْ مَحذوف دل عليه قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ أي: فلما نجَّاهم إلى البر انقَسَموا قِسْمين: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ ومِنهم كافِر.
و(لمَّا) لها عِدَّة مَعانٍ: تَأتِي شَرْطية، وتَأتِي جازِمة نافية، وتَأتِي بمَعنَى (إلَّا)، وتَأتِي بمَعنَى حين، هذه أربعةُ مَعانٍ.
فتَأتِي شَرْطية كما في هذه الآيةِ، ومثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦].
وقد تَأتِي بمَعنى (إلَّا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أي: إلَّا عليها حافِظ.
وتَأتِي جازِمة نافِية كقوله : ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨]، أي: بل لم يَذوقوا عَذابي.
وتَأتي ظَرْفًا بمَعنَى حين فقُلْ: زُرْتُك لمَّا سمِعْت بقُدومك أي: حين سمِعْت بقُدومك.
стр. 185
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ انقَسَموا إلى قِسْمين، هذا الجوابُ محذوف ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ هذه (من) للتَّبعيض يَعنِي: فبعضُهم مُقتَصِد؛ قال المُفسِّر: [مُتوسِّط بين الكُفْر والإيمان، ومنهم باقٍ على كُفْره] هذا القَسِيمُ الثاني؛ قال : ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ أي: [مُتوسِّط] والاقتِصاد في كل شيء هو التَّوسُّط فيه؛ فالمعنى أن منهم مَن صار لا مُؤمِنًا ولا كافِرًا إذا ذُكِر عليه نِعْمة اللَّه بالإيمان جاء آمَن وشكَر ربَّه، وإن غَرَّته السلامة كفَر وطغَى فيَكون مُقتَصِدًا.
ومنهم المُقابِل وهو الكافِر، والدليل أن المُراد بالمُقابِل هنا كافِر قوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ وإلَّا فقَدْ يَقول قائِل: مَن الذي يَدُلُّكم عن أن المُقابِل هو الكافِر؛ ألَا يُمكِن أن يَكون المُقابِل هو المُؤمِنَ؟ كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]؟
قُلْنا: هذا مُمكِن؛ لكن قوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ يَدُلُّ على أن المُقابِل للمُقتَصِد هو الكافِر.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ الجَحْد بمَعنَى النَّفي والكِتْمان، وقد يُضمَّن مَعنَى التَّكذيب كما هنا، فإنه ضُمِّن مَعنَى التَّكذيب؛ لأن الجَحْد الذي بمَعنَى الكِتْمان يَتَعدَّى بنَفْسه فيُقال: جحَدَه. أي: كتَمَه، لكن هنا ضُمِّن مَعنَى التَّكذيب؛ ولذلك تَعدَّى بالباء فقيل: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ أي: ما يُكذِّب بها.
قوله ﵀: [﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ ومنها الإِنْجاء من الموت ﴿إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ﴾ غَدَّار ﴿كَفُورٍ﴾ لنِعَم اللَّه] أَيْ: ما يَجحَد بآيات اللَّه ويُنكِرها ويُكذِّب بها، والمُراد بـ (الآيات) هنا كل ما يَدُلُّ على نِعَمه وتَوحيده من الآيات الشَّرْعية والآيات الكَوْنية: ما يَجحَد بها ويُكذِّب إلَّا من جَمْع هذين الوَصْفين:
стр. 186
الخَتْر وهو الغَدْر، والثاني الكُفْر وهو الاستِكْبار.
فإذا قال قائِل: كيف الغَدْر هنا؟
قُلْنا: لأن كل إنسان قد عاهَدَ ربَّه قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقال : ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُم﴾ [البقرة: ٤٠]، فكل إنسان قد عاهَد ربَّه بمُقتَضى فِطْرته أن يُؤمِن به، فإذا كفَر صار غادِرَا لم يَفِ بالعَهْد.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن إرسالَ الأَمْواج من اللَّه امتِحان لعِباده، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ حتى رحِمَهم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات رِسالة الرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾؛ والرسولُ ﵊ ما ركِبَ البَحْر حتى يَعرِف هذه الأمواجَ، وأنها كالظُّلَل، ولكنه ﵊ عَلِم بها مِن خَبَر اللَّه : ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾؛ ولهذا قال بعضُ العُلَماء ﵏: إن كونَ هذه الآيةِ تُفيدُ كأنَّ الرسول ﷺ في وسَط البَحْر وهذا المَوجُ يَغشَى: يَدُلُّ على أنه رسولُ اللَّه حَقًّا، لأنه لم يَركَبِ البَحْر، ولا يُقال: إنه ربَّما أُخْبِرَ بذلك؛ لأن اللَّه أَبطَلَ هذا في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن هؤلاءِ المُشرِكين إذا وقَعوا في الشِّدَّة عرَفوا اللَّه تعالى.
стр. 187
فيَتَفَرَّع على ذلك: أن مَعرِفة اللَّه تعالى في مِثلِ هذه الحالِ لا تُجْدي؛ ولهذا قال النبيُّ ﵊: "تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ" (١).
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن المُشرِكين يُقِرُّون بالرُّبوبية؛ لقوله : ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ ولا يَدْعونه إلَّا لأنهم يَعلَمون أنه قادِر على إِنْقاذهم، وإلَّا فلا يُمكِن أن يَدْعوا مَن لا يَعتَقِدون أنه قادِر.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن المُشرِكين فيما سبَقَ أحسَنُ حالًا من المُشرِكين الآنَ؛ لأن المُشرِكين الآنَ إذا أَصابَتْهم الشِّدَّةُ يَدْعون آلهَتَهم أيًّا كان! ولا يَدْعون اللَّه تعالى، بل يَدْعون الوليَّ الفُلانيَّ والصَّحابيَّ الفُلانيَّ، وما أَشبَه ذلك؛ أمَّا المُشرِكون السابِقون فإنهم يَدْعون اللَّه تعالى.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن اللَّه يُجيب دُعاءَهم مع عِلْمه بأنه سيَكفُرون؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ وهو يَعلَم ذلك .
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إجابةُ دَعْوة المُضطَرِّ ولو كان كافِرًا؛ فهؤلاءِ أَجاب اللَّهُ تعالى دَعْوتهم مع عِلْمه بأنهم كُفَّار وسيَكفُرون؛ ويُؤيِّد هذا عُمومُ قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ ولم يَقُلِ: المُؤمِن. بلِ قال: المُضطَرَّ، وهو عامٌّ، وكذلك أيضًا المَظلوم تُستَجاب دَعْوته ولو كان كافِرًا؛ لعُموم قول الرسول ﵊ لمُعاذِ ابنِ جبَل: "اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ" (٢).
стр. 188
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن مَن نجا من نِقْمة من النِّقَمَ فإنه إمَّا أن يَقوم بما يَجِب عليه فيَكون مُقتَصِدًا، أو يَرجع إلى كُفْره فيَكون غَدَّارًا خَدَّاعًا، لأنه لمَّا دَعا اللَّه تعالى مُخلِصًا له الدِّينَ في هذه الشِّدةِ كان مُقتَضى ذلك أن يَكون بينَه وبين اللَّه عَهْد بأن يَبقَى على إخلاصه، فلو كفَرَ صار غَدَّارًا خَتَّارًا.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: قُدْرة اللَّه ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إثباتُ عِلْمه .
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ سَمْعه .
فالسَّمْع والعِلْم والقُدْرة تُؤخَذ من قوله : ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾؛ لأنه لا يُنَجِّيهم إذا دَعَوْا إلَّا بعد أن يَسمَع دُعاءَهم ويَعلَم بحالهِم ويَقدِر على إزالة ضَرَرِهم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن مَن كان وفيَّ العَهْد فإنه لا يَجحَد بآيات اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: التحذيرُ من الغَدْر؛ لأنه قد يَكون سبَبًا في الكُفْر والجَحْد؛ ولهذا قال الرسولُ ﷺ : "آيَةُ المُنافِقِ ثَلَاثٌ" وذكَر منها: "إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ" (١)؛ فإذا كان لا يَجحَد بالآيات إلَّا الغَدَّار فمَعنَى ذلك أن الغَدْر يَكون سببًا للجَحْد والكُفْر.
стр. 189
الآية (٣٣)
* قالَ اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣].
* * *
قال : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ فما دام هو الربُّ فهو الخالِق، وما دامَ هو الخالِق فيَجِب أن يَكون هو الذي يُتَّقى؛ فكأنه يُعلِّل الأمر بالتَّقوى: (اتَّقُوا رَبَّكُم؛ لأنه ربُّكم الذي أَوْجَدكم وأَعَدَّكم وأَمَدَّكم) فهنا إيجاد وإعداد وإنزال، فاللَّه تعالى (أَوْجَد) الناس، و (أَعَدَّهم): هَيَّأَهم لما يَنبَغي أن يَكونوا عليه، و (أمَدَّهُم): أمَدَّهم بالعُقول وأمَدَّهم بالرسُل التي جاءَت بشريعة اللَّه تعالى.
وقوله ﵀: [﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي﴾ لا يُغنِي ﴿وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ فيه شَيئًا] قوله تعالى: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾ الخَشْية تَقدَّم لنا أنها أخَصُّ الخَوْف، لأنها تَكون مع العِلْم بحال المَخشِيِّ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]؛ ولأن سبَبها قُوَّة المَخشِيِّ، وأمَّا الخَوْف سبَبه ضَعْف الخائِفِ -وهذا هو الغالِب- أمَّا الخَشْية فأخَصُّ، يَعنِي: اخشَوْا هذا اليومَ العَظيمَ الذي صِفَته كيت وكيت، وقد بيَّنَه اللَّه .
وقوله اللَّه: [﴿يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ فيه ﴿شَيْئًا﴾] ومَعنَى ﴿يَجْزِي﴾
стр. 190
يُغنِي؛ فلا أحَدَ يَستَطيع أن يَدفَع عن أولاده شرَّ ذلك اليومِ ابدًا مع أنه بالدنيا يُغنِي عنهم ويُدافِع ربَّما يُلقِي بنَفْسه للتَّهْلكة من أَجْل حَياة أولاده، لكن في الآخِرة لا؛ بل إنه كما قال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦]؛ يفرُّ منهم خَشيةَ أن يَتَعلَّقوا به بتَقْصير حَقٍّ قصَّر فيه نحوهم؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، فلا أَحَدَ يُسأَل عن أحَد، فكُلٌّ يَقول: نَفْسي نَفْسي؛ لأن الأمر عظيم، إذِ الجِبال تَندَكُّ حتى تَكُون كثيبًا مَهيلًا، ثُمَّ بعد ذلك تَكون كالعِهْن المَنفوش، ثُم تَتَطاير وتَكون هَباءً مَنثورًا هَباءً يَطير في الجوِّ، فالأمرُ أَعظَمُ من أن يُغنِي أو أن يَجزِي والِدٌ عن والِده شَيْئًا.
وكلِمة ﴿وَالِدٌ﴾ نكِرة في سِياق النفي، يَشمَل الأبَ والجَدَّ والأُمَّ والجدَّة وإن علَوْا؛ وقوله تعالى: ﴿عَنْ وَلَدِهِ﴾ أي: الذَّكَر والأُنْثى؛ لأن الولَد يُطلَق على الذَّكَر والأُنثَى في اللغة العرَبية؛ قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
وقوله تعالى: ﴿مَوْلُودٌ﴾ يَجوز في إعرابِها وَجْهان:
١ - أن تَكون مُبتَدَأ و ﴿هُوَ جَازٍ﴾ الجُمْلة هذه خبَرُ المُبتَدَأ، فـ ﴿مَوْلُودٌ﴾ مُبتَدَأ، و ﴿هُوَ﴾ مُبتَدَأ ثانٍ و ﴿جَازٍ﴾ خبَر المُبتَدَأ الثاني، والجُمْلة من المُبتَدَأ الثاني وخبَرِه في محَلِّ رَفْع المُبتَدَأ الأوَّل؛ وسَوَّغ الابتِداءَ بالنَّكِرة في قوله تعالى: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ﴾ أنها وارِدة في مَقام التَّقسيم.
٢ - ويَجوز أن يَكون قوله : ﴿وَلَا مَوْلُودٌ﴾ مَعطوفًا على قوله تعالى: ﴿وَالِدِهِ﴾ يَعنِي: ولا يَجزِي مَولود.
فعلى الوجهِ الأوَّلِ: لا إشكالَ فيه في المَعنَى، لكن فيه إشكال في تَغيير النَّظْم،
стр. 191
يَعنِي: في تغيير الأُسْلوب حيث أتَى بالنِّسبة للوالِد في الفِعْل، وأتَى بالنِّسبة للمَوْلود بالجُمْلة الاسمِيَّة، والجوابُ على هذا أن يُقال: إنه أتَى بمَوْلود في الجُمْلة الاسمِيَّة؛ لئَلَّا يَطمَع أحَدٌ من المُسلِمين الذين قد أَسلَموا في كِفايتهم عن آبائِهم شيئًا أي: لئَلَّا يَطمَع المَوْلود المُسلِم في الإغناء عن أبيه الكافِر أَتَى بالجُمْلة الاسمِية للدَّلالة على الثُّبوت والاستِمْرار.
وعلى الوجهِ الثاني: إنه مَعطوف على والِد، وعلى هذا الوجهِ يَرِد إشكال في قوله تعالى: ﴿هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ إِذْ إن المَعنَى يَكون ولا يَجزِي مَوْلود هو جازٍ عن والِده شيئًا قُلْنا: الجواب على ذلك أن مَعنَى ﴿هُوَ جَازٍ﴾ أي: هو أهل لكِفايته، ولكنه في ذلك اليَوْمِ لا يَدرِي وإن كان من أهل الإِجْزاء أو من أهل الجَزاء.
فإذا قال قائِل: لماذا لم يُقيِّد الوالِد بهذا القَيْدَ أيضًا؟
قُلْنا: لأن الوالِد غالِبًا أهلٌ لأَنْ يَجزِي، لأنه الوالِد هو الأكبَرُ، ويُمكِن أن يَجزِيَ بخِلاف الولَد، فالولَدُ يُمكِن أن يَكون صغيرًا لا يَجزِي شيئًا؛ ولهذا قُيِّدت بالنِّسبة للمَولود بكَوْنه أَهْلًا لأَنْ يَجزِيَ.
فقوله تعالى: ﴿هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ إذَنْ ما الذي يَنفَع الإنسان في ذلك اليومِ؟
الجَوابُ: يَنفَعه ما ذكَره اللَّه تعالى عن إبراهيمَ الخليل ﷺ : ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩]، هذا الذي يَنتَفِع، فقوله تعالى: ﴿مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أي: سَليم من كل ما يُنَقِّصه من الشِّرْك فما دونَه.
стр. 192
وقوله ﵀: [﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ بالبَعْث] يَعنِي بالبَعْث وما فيه، وليس بالبَعْث فقَطْ، بل بالبَعْث والحِساب والجَزاء من خَيْر وشَرٍّ.
وقوله تعالى: ﴿حَقٌّ﴾ بمَعنَى: ثابِت واقِع، وهذا من ضِمْن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [لقمان: ٣٠] من كونه حَقًّا: أن اللَّه حقٌّ، ووَعْدُ غيره قد يَكون حَقًّا وقد يَكون باطِلًا غير مُوفًّى به؛ لأن غير اللَّه قد يَتَخلَّف مَوْعوده إمَّا لكذِبٍ في الواعِد وإمَّا لعَجْز فيه.
فمثَلًا: رجُل قال لك: سآتِي إليك بعد صلاة العَصْر مُباشَرةً بطبَق من الخُبْز وكَأْس من المرَق، وبعد العَصْر لم يَجِئْ لك بشيء، وعنده أطباق الخُبْز وعِنده كُؤوس المرَق؛ لكن لم يَجِئْ بشيء لكَذِبه؛ وفي اليوم الثاني ما جاء لك بشيء؛ لأنه ليس عنده شيء، لا عنده فُلوس يَشتَرِي بها، ولا عنده شيء في البَيْت، فهذا أيضًا أَخلَف المَوعِد للعَجْز.
ومن العَجْز أيضًا النِّسيان؛ لأن النِّسيان في الحقيقة نَقْص في الإنسان، فاللَّه وَعْده حَقٌّ لا بُدَّ أن يَقَع.
فقول المُفَسِّر: [بالبعث] الصوابُ: بالبَعْث وغيرِه، ممَّا يَكون في ذلك اليومِ من الحِساب والجَزاء.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ هنا الفِعْل مُؤكَّد بنون التَّوْكيد، والتَّوكيد في الفِعْل من غير الواجِب؛ فإنه ليس واقِعًا في جواب القَسَم، فما دام في جَواب القَسَم ليس بواجِب فإِذَنْ: هو من غير الواجِب، لكنه كثير.
وقوله : ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ الغُرور: الخِداع؛ يَعنِي
стр. 193
لا تَخدَعَنَّكم بزُخْرفها ولذاتها ومَسَرَّاتها؛ وذلك عن [الإسلام] وشَرائعه، فـ (عن الإسلام): إن كان الإنسان كافِرًا، و (عن شَرائِعه): إن كان مُسلِمًا.
وفي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ تَزهيد في هذه الحَياةِ؛ لأنه قال: ﴿الدُّنْيَا﴾ والدنيا فُعْلَى من الدُّنُوِّ، وهي دانية الزمَن، دانية المَعنَى والمَرتَبة، فهي دُنيا؛ لأنها سابِقة للآخِرة، ودنيا لأنها ناقِصة، كما تَقول: هذا دون هذا، يَعنِي: أَنقَصَ منه.
وقوله : ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ نون التَّوْكيد دليل على أن غُرورها شديد، ولهذا أكَّدَ النَّهيَ بالنون: ولا تَغُرَّنَّكم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿بِاللَّهِ﴾ في حِلْمه وإمهاله] يَعنِي: لا يَغُرَّنَّكم باللَّه، والأمر -كما قال المُفَسِّر ﵀ بإِمْهاله وحِلْمه.
وقوله تعالى: ﴿الْغَرُورُ﴾ صِفَة مُشبَّهة، ويُراد بها [الشَّيْطان]، كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠].
والشيطانُ يَغُرُّ الإنسانَ باللَّه ، فمَثَلًا: يَقول له: لو أنك على باطِل لعاقَبَك اللَّه تعالى، أو يَقول له: إن رحمة اللَّه واسِعة واللَّه غَفور رحيم، أو يُمنِّيه بالتَّوْبة يَقول: صحيح أن هذه مَعصية، والإنسان مُعرِّضٌ نَفسَه للعُقوبة، لكن التَّوْبة أمامَك، فالآنَ تَمَتَّعْ بهذه المَعصيةِ وبعدَئِذٍ تَتوبُ.
ومن ذلك ما يُمنِّيه بعض الناس بأن يَقول: لا تُصَلِّ حتى تَبلُغ أربَعين سَنَةً. وهذا مَوْجود عند بعض الناس، فبعض الأجانب يَقولون: إن أهلَهُم يَقولون:
стр. 194
ما تَجِب عليكم الصلاةُ إلَّا بعدَ بُلوغ أَرْبَعين سَنَةً؛ ولهذا يَسأَلون دائمًا عن الصَّلاة الماضية: هل يَقضُونها أم لا؟ فهذا من غُرور الشَّيْطان.
ومن غُرور الشَّيْطان أيضًا أنه يَقول في الشيء الذي يَعتَقِد الإنسان أنه مَعصية: هذه مَسأَلة خِلافية، وما دام فيها خِلافٌ تجَشَّمْها، مع أنه هو يَعتَقِد أنها مَعصية؛ وكذلك من غُروره أنه يَقول في الشيء الذي يَعتَقِد الإنسان أنه واجِب يَقول له: هذه المَسأَلةُ خِلافيةٌ، فيَكون هذا الرجُلُ إنِ احتاج لمُحرَّم قال: المَسأَلةُ خِلافية وافْعَلْهُ، وإن لم يَحتَجْ له قال: الذي أَدِين اللَّهَ به أن هذا مُحرَّم، ولا أَفعَلُه. فيَكون هذا الشيءُ دِينًا بالأمسِ غيرَ دِينٍ اليومَ، أو يَقول مثَلًا إذا هَواهُ فِعْل واجِب: واللَّه هذا واجِب، يَجِب عليَّ أن أَفعَله. فالمُسلِم يَلتَزِم بأحكام اللَّه تعالى، وإذا صار له شُغْل ذاك اليومَ يَقول: المَسأَلة خِلافية، والأَمْر سَهْل ما دامَتْ خِلافية فليس مَجزومًا بها.
مِثالُ ذلك: الصلاة في المَساجِد جماعةً هذه مَسأَلة خِلافية؛ فصلاة الجَماعة نَفْسُها خِلافية وكونها في المَسجِد خِلافية أيضًا، وهو يَعتَقِد أن الصلاة في المَساجِد جَماعةً واجِبةٌ، وأنه لا يَجوز لإنسان أن يَترُك الجماعة، ولا يَجوز أن يُصلِّيَها جَماعةً في بَيْته، لكن إذا صار له شُغل يَختار: المَسأَلة خِلافية؛ فالحاصِل أن هذا من غُرور الشَّيْطان.
ومن غُرور الشَّيْطان أيضًا أن يُفتِيَ للناس بشيء ويُفتِيَ لنفسه بشيءٍ آخَرَ؛ فيُرخِّص لها ويُسهِّل لها، ولغَيْره يُشَدِّد، فمِثْل هذه المَسائِلِ كلِّها من خِداع الشَّيْطان، والواجِب أن يَكون الإنسان على دِين واحِد: على دِين اللَّه تعالى لنَفْسه ولغيره وفي جميع أحواله.
стр. 195
مَسأَلةٌ: إذا كان يُشدِّد على نَفْسه تَربيةً لنفسه فلا بَأسَ ما دامَ يَعتَقِد أن حُكْم اللَّه هو التَّسهيل، لكن يُشدِّد على نَفْسه تَوَرُّعًا، وله من الأصل من الدَّليل فلا بأسَ؛ فمثَلًا: بعض الناس يَتَوَرَّعون عن بعض المأكولات، هو نفسه لا يَأكُل، لكن لا يَقول للناس: لا تَأكلوا؛ لأنه ليس عِنده دَليل، أو يَتَورَّع عن بعض الأَطياب، لكن لا يُحرِّمها على الناس؛ لأنه ليس فيها دَليل، أو مثَلًا يُلزِم نَفْسه بفِعْل شيء ليستِ الأدِلَّة صَريحة بالوُجوب فيه، فهو لا يُوجِبه على الناس، لكن هو لا يُحِبُّ أن يَتأخَّر، فهذا ليس فيه بأسٌ؛ لأن هذا ليس فيه هوًى، فالمُشكِلة الهَوى: بأن يُسهِّل على نَفْسه ويُشدِّد على الناس.
فإن قال قائِل: أنا أُبيح لنَفْسي فِعْل هذا الشيءِ؛ لأني أَضبِطُ نَفْسي، فلا أَتَجاوَز الحَلال؛ وأَنهَى الناس عنه؛ لأنَّني لو رَخَّصْت لهم فيه يَتَجاوَزون الحَلال فأنا أَمنَعُه؛ لئَلَّا يَتَجاوَزوا الحَلال، وأمَّا بالنِّسْبة لنَفْسي فأنا ضابِط نَفْسي أني لا أَتعَدَّى الحَلال؟
فالجَوابُ: أن نَقول: لا تَقُلْ: (حرام) على الناس، لكن قُلْ: (أَخشَى عليك أن تَتَجاوَز) وما أَشبَه ذلك؛ هذا الواقِعُ؛ أمَّا أن تَقول له: (حَرام) فتَمنَع هذا الرجُلَ من هذا الشيءِ وأنت تَتَمَتَّع به كما تَشاءُ، فهذا لا يَصلُح، لكن قُلْ له: (أنا أَخافُ عليك أن تَتَجاوَز الحلال أو أن يَقتَدِيَ بك مَن يَتَجاوَز به)، وما أَشبَه ذلك حتى يَتَبيَّن له الأمر: أنَّ حُكْم اللَّه تعالى فيه حلالٌ، ولكنه يَخشَى من أن يَزيد الناس فيه، واللَّه أَعلَمُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: وُجوبُ تَقْوى اللَّه ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ فالأمرُ ولا سِيَّما أنه قُرِن بالتحذير باليَوْم الآخِر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾.
стр. 196
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات اليومِ الآخِرِ؛ لقَوْله : ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾، ولولا تَحقُّقه ما حذَّر منه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن هذا اليَوْمَ لا يَنفَع فيه قَريبٌ قريبَه؛ فإذا قال قائِل: إن اللَّه لم يَذكُر إلَّا الوالِد والولَد؟ فنَقول: إذا انتَفَى الوالِدُ بولَده والولَدُ بوالِده فغيرُه من بابِ أَوْلى؛ لأن الولَد بَضْعة من أَبْيه، فإذا كان البَضعة لا يَنتَفِع بكُلِّه، والكُلُّ لا يَنتَفِع ببَضْعته فمِن بابِ أَوْلى مَن سِوى ذلك.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَأكيدُ هذا اليومِ ووقُوعه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: التَّحذيرُ من الدُّنيا وغَدْرها وغُرورها؛ لقوله : ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُور﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الدُّنيا من أكبَرِ الأسباب التي تَحول بين المَرْء وبين خَشْيته لليَوْم الآخِر؛ لأنه فرَّع عليه قوله تعالى: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾، ثُمَّ قال تعالى: ﴿فَلَا﴾ ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ وهو كذلك.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: التَّحذير من الشَّيْطان؛ لقوله: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن الشَّيْطان خَدَّاع؛ لقوله تعالى: ﴿الْغَرُورُ﴾ فهي إمَّا صِيغة مُبالَغة، وإمَّا صِفَة مُشَبَّهة، وكِلاهما يَدُلُّ على الثُّبوت والكَثْرة.
ويُحتَمَل أنها تَشمَل حتى شَياطينَ الإِنْس، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١١٢]؛ فإن غرَّه مالُه أو ولَدُه فإنه إذا غرَّه عن الحَقِّ فهو من الشَّياطين، ولكن ظاهِر الآية: ﴿الْغَرُورُ﴾ أن هذا الوَصْفَ لازِم، فيَكون هذا من الشَّيْطان.
стр. 197
الآية (٣٤)
* قالَ اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].
* * *
قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ مَعروفٌ أنَّ اللَّه -لفظ الجلالة- اسمُ ﴿إِنَّ﴾، و ﴿عِنْدَهُ﴾ خبَر مُقدَّم، و ﴿عِلْمُ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر، والجُمْلة خبَرُ (إنَّ) الجُمْلة الخبَرية فيها حَصْر، وهو مُستَفاد من تَقديم الخبَر، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ يَعنِي: لا عندَ غيرِه ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.
ويَدُلُّ على هذا الحصرِ قولُه : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] حَصْر بقَوْله : ﴿إِنَّمَا﴾ ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ فلو أن مُدَّعِيًا قال: إن الحَصْر هنا في الخبَر لا في الجُملة كلها، قُلْنا: لكن الخبَر هو الذي دلَّ على انحِصار عِلْم الساعة باللَّه ، ويَدُلُّ عليه ويُؤكِّده الآية التي ذكَرْناها؛ فإذا جاءَتْ مثل العِبارة هذه: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ فالمَعنَى: لا يَعلَمها إلَّا رَبِّي؛ كما إذا قُلْت: (إِنَّما القائِمُ زَيْد)، فمَعناهُ: لا قائِمَ إلَّا زَيْدٌ.
قوله : ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ متَى تَكون؛ وفي أيِّ وَقْت؛ ولا يَعلَمه إلَّا اللَّهُ تعالى؛ ولهذا سأَل جِبريلُ النبيَّ ﵊ قال: "أَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ؟ "
стр. 198
قال: "مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ" (١)، فتَأمَّلْ: رَسولان أحدُهما أفضَلُ المَلائِكة والثاني أفضَلُ البَشَر، كِلاهما يَقول: لا عِلمَ عِنْدي؛ لأن قوله ﷺ : "مَا المَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ" يَعنِي: إذا كنتَ أنتَ لا تَعلَم فأنا من باب أَوْلى لا أَعلَمُ.
فإِذَنْ: عِلْمها يَختَصُّ باللَّه تعالى، ولقَدْ كذَب مَنِ ادَّعى أنه يَعلَمها، ولا سِيَّما بالواسِطة التي ذَكَر أنها دالَّة عليها، كما نُشِر عن شَخْص يُسمَّى رَشاد خَليفة، هذا رجُل في أمريكا، وهو رجُل عِنده عِلْم، لكنه اغتَرَّ اغتِرارًا عَظيمًا بما يُسمِّيه (العدد التاسِعَ عَشَرَ)؛ حيثُ ادَّعَى أن القُرآن كُلَّه مُركَّب على تِسعةَ عَشَرَ حَرْفًا، وأن هذا الماثِلَ عنده: التِّسْعةَ عَشَرَ، استَدَلَّ به على أنه يَعرِف متى تَقوم الساعة، وحدَّدَها -أَظُنُّ- فوق الألفَيْن بسَنوات قليلة.
وهذا الرجُلُ في الواقِع اللَّه أَعلَمُ: هل هو مُتَأَوِّل، أو مُعانِد؟ ! لكنَّ كلَّ مَنِ ادَّعى عِلْم الساعة فهو كافِر؛ لأنه مُكذِّب للَّه ورسوله ﵊ وإجماع المُسلِمين، والمُسلِمون مجُمِوعون إجماعًا قَطعيًّا على أنه لا يَعلَم متى تَقوم الساعةُ إلَّا اللَّهُ .
وقوله : ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الساعة هي القِيامة، وسُمِّيَت الساعةَ؛ لأنها أَعظَمُ حدَث يَكون، ولأن فيها وَعيدًا للمُكذِّبين؛ ولهذا يُتَوعَّد بالساعة؛ فيُقال مثَلًا: (ساعَتُك عِندي) إذا أَرَدْت أن تُهدِّد إنسانًا تُهدِّده بكلِمة (الساعة)؛ لأنه يَقَعُ فيها حدَث عَظيم.
وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ ولم يَقُل: ويَعلَم متى يَنْزِل الغَيْث، بل قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ﴾ فاختِلاف التَّعبير له مَعنًى عَظيمٌ، وإلَّا فإنَّ هذه الخَمْسةَ كلَّها
стр. 199
من عِلْم الغَيْب، فإن النبيَّ ﵊ فَسَّر قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ بهذه الخَمْسةِ، ولفظ الحَديث: "وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ" (١)، لكن في القُرآن يَقول اللَّه تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ فكَيْف نَقول: إنه يُراد بها: (لَا يَعْلَمُ مَتى يَنزِل الغَيْثَ إلَّا اللَّه)؟
نَقول: لأن اللَّه تعالى إذا كان هو الذي يُنزِّل الغَيْث، فلا يَعلَمه إلَّا اللَّهُ تعالى؛ لأنه هو المُنزِّل له، والمُنزِّل للشيء هو الذي يَعلَمه، وغيرُه لا يَعلَمه.
وقوله : ﴿الْغَيْثَ﴾ أي: المَطَر وسُمِّيَ غَيْثًا؛ لأن به تَزول الشِّدَّةُ، والاستِغاثة طلَب إزالة الشِّدَّة، ففي المطَر تَزول الشدائِد، شَدائِدُ القَحْط وشدائِدُ الجَدْب، فيَبقَى الناس عندهم ماء ثُمَّ عِندهم مَزارعُ.
وهناك إِشْكال في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ فبَعضُهم يَقول: إنه سيَكون غدًا مطَرٌ في النشرة الجَويَّة، فهل هذا من عِلْم الغَيْب؟
الجَوابُ: لا، ليسَتْ من عِلْم الغَيْب، وأنها تَوَقُّعات بواسِطة الآلات الدَّقيقة التي يَعلَمون بها تَكيُّف الجَوِّ وصلاحيته لأَنْ يَكون مُمطِرًا أم غيرَ مُمطِر، ولهذا أحيانًا لا يَكون الأمر كما تَوقَّعوا، ثُمَّ هُمْ لا يَستَطيعون أن يَتَنبَّؤُوا بالأمطار بعد سَنَوات؛ غاية ما هناك أن يَكون في المُدَّة القَليلة.
قال المُفَسِّر رَحَمَة اللَّهُ: [﴿وَيُنَزِّلُ﴾ بالتَّخفيف والتَّشديد] (يُنْزل) و (يُنزِّل) وكِلاهما جاء في القُرآن؛ قال : ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة: ٢٢] هذه على قِراءة التَّخفيف، وقال : ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣]
стр. 200
هذه على قِراءة التَّشديد.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿الْغَيْثَ﴾ بوَقْت يَعلَمه] هذا هو الشاهِدُ الذي بيَّن به المُفَسِّر ﵀ أن المُراد بتَنزيلِ الغَيْث في الوقت الذي يَعلَمه؛ ليَكون هذا من عِلْم الغَيْب.
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾: ﴿وَيَعْلَمُ مَا﴾ أي: الذي في الأَرْحام، وعبَّرَ بـ ﴿مَا﴾ لأنها أَعَمُّ وأشمَلُ من (مَن)، إذ إنَّ: (مَن) تَختَصُّ بالعاقِل، هذا من جِهة، ومن جِهة أُخرى: أن ﴿مَا﴾ تَختَصُّ بالصِّفات و (مَن) بالذَّواتِ؛ ألَمْ ترَ إلى قوله : ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَا﴾ [النساء: ٣] ولَمْ يَقُلْ: مَن طاب. مع أن المَنكوحة من ذوات العَقْل، ولكنه قال: ﴿مَا طَابَ﴾ دون (مَنْ)، لأن النِّكاح يَرتَكِز على صِفة المَرأة كما قال النبيُّ ﵊: "تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ" (١).
وهنا قال : ﴿مَا﴾ دون (مَن) لأن عِلْم ما في الأَرْحام من حيثُ الصِّفة أَبلَغُ من عِلْمه من حيث الذات، أي: أَبلَغُ من حيث كونه ذكَرًا أو أنثى، فالجَنين الذي في الرَّحِم ليس العِلْم المُختَصُّ به مجُرَّدَ كونه ذكَرًا أو أُنثَى، أو طويلًا أو قصيرًا، أو صغيرًا أو كبيرًا، بل هناك ما هو أَبلَغُ من ذلك، وهو صِفات هذا الجنينِ، هل يَكون شقيًّا أم سَعيدًا، طويلَ العُمر أم قَصير العُمر، وهل عمَله صالِح أو عمَلُه فاسِد؛ ولهذا جاء التَّعبيرُ بـ ﴿مَا﴾ التي يُلاحَظ فيها الصِّفات، لأن عِلْم ما في الأَرْحام من هذه الوِجهةِ أَعظَمُ من كَوْنه ذكَرًا أو أُنثَى؛ ومن هذا ما يَطَّلِعون على عِلْمه بكَوْنه ذكَرًا أم أُنثَى الآنَ فيَعرِفون ذلك قبل أن يُولَد.
стр. 201
فعلى هذا يَتبيَن بلاغة القُرآن حيث عَبر بـ ﴿مَا﴾ دون (مَن)؛ لأن (مَن) تُحدِّد الشخصية شَخصيةَ عاقِلٍ، وإذا كان غَيرَ عاقِل يُقال: (ما). أمَّا ما يَتَعلَّق بالصِّفات والأعمال فهذه يُعبَّر عنها بـ (ما)، وأنا ضرَبْتُ لكم شاهِدًا قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ﴾ [النساء: ٣] دون مَن طاب.
وقوله : ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ الأرحام جَمْع رَحِم، وهو وِعاء الجنين، والجنينُ محُاط بثَلاثة جُدران: البَطْن، والرَّحِم، والمَشْيَمَة، فالمَشيمة هذا القُمقُمُ الذي فيه الجنين، وهذا القُمقُمُ -سُبحان اللَّه العظيمِ- مادَّة غَريبة لا هي مائِيَّة مَحضَة، ولا جامِدة محضة، ولكنها لَزِجة سَهْلة لأَجْل أن يَتيَسَّر حرَكة الجنين؛ حتى أُمُّه لا تُحِسُّ بالتَّعَب وهو أيضًا لا يَحِسُّ بالتَّعَب؛ فاللَّه عَليم حَكيم جَلَّ وَعَلَا.
وهذه الظُّلُماتُ الثَّلاثُ كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦]، وقال : ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١]، يَعنِي: لا يَدخُله أيُّ شيء يُؤذِي هذا الجنينَ لا هَواءٌ ولا غَيرُه.
وقوله تعالى: ﴿مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ مُتعلَّق هذا العِلْم كَونُه ذكَرًا أو أُنثَى، وكذلك ما يَتعَلَّق من صِفات كونُه: سَعيدًا أو شَقيًّا، وكونه عامِلًا عمَلًا صالحًا أو عمَلًا سَيِّئًا، وكونُ رِزْقه واسِعًا أو ضَيقًا، وكون عُمرِه طَويلًا أم قصيرًا؛ فكل هذه تَتَعلَّق بعِلْم الأَجِنَّة، فمِنها شيء لا يُمكِن أن يُعلَم أبدًا، ما يَعلَمه إلَّا اللَّه ، ومنها ما يُعلَم -كالأَمْر المُشاهَد- بالأَمْر المَحسوس، فهذا يُمكِن أن يُشاهَد ويُوصَل إليه الآنَ؛ ولكن هل يُمكِن أن يَعلَموا أن هذا الجَنينَ ذكَر أم أنثَى قبل أن يُخلَّق؟
الجَوابُ: إلى الآنَ ما وصَلوا إلى ذلك، ولا نَقول: (لا)، بل نَقول: (إلى الآنَ ما وصَلوا)، وقد سمِعْت أن بعضَهم يَستَدِلُّ على أن كَوْنه ذكَرًا أو أُنثَى بنَفْس
стр. 202
الحَيوان المَنوِيِّ، وأنَّ الذكَر له صِفة خاصة والأُنثى لها صِفة خاصَّة، فإذا صَحَّ هذا فلا تَقُل: من أَيْن؟
فإن قال قائِل: كيف ذلك في نَفْس الحيوان إذ لم تَتَلقَح نفسُ البُويْضة بعدُ؟
فالجَوابُ: هُمُ الآنَ أَثبَتوا هذا، وصَوَّرها أيضًا، صَوَّروا هذا؛ فقالوا: إن الحَيوان المنَويَّ الذكَر هذا له إشعاع خاصّ، يَنطَلِق بإشعاع خاصٍّ، واللَّهُ أَعلَمُ.
وعلى كل حال: هم إذا تَوَصَّلوا إلى ذلك فإننا نَقول: مَن يَعلَم أنه سيقدِّر الذكَر أو الأنثى إلَاّ اللَّه ، ثُمَّ الأحوال الأُخرى التي ذكَرْنا أنها مُتعَلّق مَن عِلْم الأَجِنَّة لا يُمكِن أن يَعلَموها.
وأَقول: يَجِب أن لا نُعارِض الشيءَ هكذا، بل يَجِب أن نَتَرّيث؛ لأننا لو نَدفَع هذا الشيءَ ثُمَّ نَقول: هذا الشيءُ محُال. ثُم يَكون ثابِتًا بمُقتَضى العُلوم الحَديثة، فإنه يُؤدِّي ذلك إلى رَدِّ القُرآن أو التَّشكيك فيه، ونحن نَعلَم أنه لا يُمكِن أن يَتَناقَض أمران يَقِينِيَّان، فكل أَمْرَيْن يَقينِيَّين فإنه لا يُمكِن أن يَتَعارَضا أبدًا، فهذا مُستَحيل.
فإن قال قائِل: الإنسان الذي يُحاوِل بهذه الأُمور على أن يَعلَم هل يَأثَم أو لا؟
فالجَوابُ: لا، لا يَأثَم، قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ ولم يَقُلْ: لا تَعلَموا، فنحن نَعلَم الآنَ عندما نَتَوصَّل بهذه الوسائِلِ فليس عِلْمَ غَيْب.
وقوله ﵀: [﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ أذَكَر أم أُنْثَى، ولا يَعلَم واحِدًا من الثلاثة غيرُ اللَّه تعالى] اقتِصاره على [أذَكَر أم أنثى] فيه نظَرٌ، لأن عِلْم ما في الأرحام ليس مُتعَلِّقًا بالذكَر أو الأنثَى فقَطْ، بل ما هو أعَمُّ.
وقوله ﵀: [وَلا يَعلَم واحِدًا من الثَّلاثة غيرُ اللَّه] هذا قَبْل تَكوينه مُمكِن،
стр. 203
لكن بعد أن يَتكوَّن يَعلَمه غيرُ اللَّه فهذا المَلَك يَعلَم أنه ذَكَر أم أُنثَى.
وقوله : ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾: ﴿نَفْسٌ﴾ نَكِرة في سِياق النَّفي، و ﴿تَدْرِي﴾ بمَعنَى: تَعلَم، والنَّفْس هنا نَكِرة في سِياق النَّفْي فتَعُمُّ كلَّ نَفْس، فأيُّ نَفْس لا تَدرِي ماذا تكسِب غدًا حتى لو كان من أَمهَر الناس في التَّدبير والتَّنظيم لوَقْته فلا يَدرِي ماذا يَكسِب غَدًا؛ وإذا كانت النَّفْس لا تَدرِي ماذا تَكسِب فإنها لا تَدرِي ماذا يَكسِب غيرُها من بابِ أَوْلى؛ وإذا كانَتْ لا تَستَطيع أن تَعلَم ما يَتعَلَّق بعِلْم المَخلوق فكيف تَعلَم ما يَتعَلَّق بعِلْم الخالِق؛ فمِن بابِ أَوْلى أن لا تَعلَمه.
إِذَنْ: فلا أحَدَ يَدرِي ماذا يَكسِب غَدًا من خيرٍ أو شَرٍّ أو مال أو ولَد أو غير ذلك؛ وقد يَتَوقَّع الإنسانُ الشيء، ولكنه لا يَحصُل له؛ إذ يُصرَف عنه أو يُحال بَينَه وبَينَه بسبَب فلا يَصِل إلى كَسْبه.
وقوله : ﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ ما المُرادُ بالغَدِ: اليَوْم المُباشِر ليَوْمك أو كل المُستَقبَل؟
الجَوابُ: المُرادُ كل المُستَقبَل، فلا تَدرِي ماذا تَكسِب فيه ولو كان بَعيدًا، لقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] فهل يَعنِي: ليوم الأَحَد بعد يوم السَّبْت؟
الجَوابُ: لا، بل ليوم القِيامة، فكُلُّ مُستَقبَل يَصِحُّ أن يُطلَق عليه غَد.
وكلِمة ﴿غَدًا﴾ مَنصوبة، وهي مَفعول لـ ﴿تَكْسِبُ﴾ مَفعول فيه؛ لأنها ظَرْف؛ يَعنِي: ماذا تَكسِب في غَدٍ؛ ومنه قول الشاعِرِ:
стр. 204
وَأَعْلَمُ عِلْمَ الْيَوْمِ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ ... وَلَكِنَّني عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِي (١)
إِذَنْ: فهِي ظَرْف.
وقوله ﵀: [﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ من خَيرٍ أو شَرٍّ]، ولكن الذي يَعلَمه اللَّه تعالى؛ ولهذا قال ﵀: [ويَعلَمه إلَّا اللَّه تعالى].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ نَقول في: ﴿نَفْسٌ﴾ مثل ما قُلْنا في (نَفْس) الأُولى: نكرة في سِياق النَّفي فتَعُمُّ كل نَفْس.
وقوله : ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ هل هي بأَرْضها التي وُلِدت فيها أو بقَريب منها أو ببَعيد لا تَدرِي، ولا تَدرِي بأيِّ زمَنٍ تمَوت، بل من بابِ أَوْلى؛ لأن المَكان للإنسان فيه اختِيار، فيَختار أن يَكون هنا أو يَختار أن يَكون هناك؛ أو يَختار أن يَكون في محَل آخَرَ ثالِثٍ، لكن الزمَن ليس لك فيه اختِيار؛ فإذا كنت لا تَعلَم المكان الذي تمَوت فيه مع أن لك فيه اختِيارًا فمن بابِ أَوْلى أن لا تَعلَم الزمَن الذي تمَوت فيه.
وهذه من حِكْمة اللَّه : أَنْ أَخفَى على الإنسان اليومَ الذي يَعلَم أنه يَموت فيه أو المكان الذي يَعلَم اللَّه تعالى أن الإنسان يَموت فيه؛ لأن الإنسان لو عَلِم بهذا لقَلِقَ في حَياته؛ فما يَكون هَمُّه إلَّا حِسَاب ما بَقِيَ؛ أي: ما بَقِي إلا كذا وكذا من السنَوات أو من الأَشهُر أو من الأيام، ويَتعَب تَعَبًا عظيمًا.
لكن الآنَ كلُّ يومٍ يَجيء على الإنسان يُؤمِّل فيه وقد يَكون الأجَلُ أَقرَبَ من شِراك نَعْله؛ لكِنِ المُهِمُّ أن عنده أمَلًا في الطول، ولا يَلتَفِت إلى هذه المَسأَلةِ إطلاقًا؛
стр. 205
لأنه يَعلَم أنه لا عِلمَ له فيها، وأن عِلْمها عند اللَّه، وهذا من رحمة اللَّه بِنا.
وهل الإنسانُ يُقَدِّر أنه يَموت بالأرض الفُلانية؟
الجَوابُ: قد يُقدِّر هذا، وأحيانًا إذا قيل له: ألَا تُسافِر؟ قال: أبدًا أنا بلَدي فيها أَحْيا وفيها أَموتُ، ولكن عند قُرْب أَجَله يُسافِر، فتَحصُل له حاجة حتى يُحمَل إلى الأرض التي يَموت فيها.
وأنا أَعرِف رجُلًا ما خرَج من بَلَدِه عنيزةَ أبدًا منذ سنَوات بعيدة، ولمَّا مَرِضَ قُدِّر أن يَكون عِلاجُه في مِصرَ، وهو ما خرَجَ من عنيزةَ عُمرَه إلَّا أَظُنُّه للحَجِّ مرَّةً ولا عِنده نِيَّة، فكَبِر وانتهى عُمُره، لكن سُبحانَ اللَّهِ! لمَّا أَراد أن يَنقُله اللَّه تعالى إلى أَرْضه التي يَموت فيها نُقِل إلى مِصرَ ومات هناك.
وأَعرِفُ أُناسًا كَثيرين نُقِلوا إلى أماكِنَ بَعيدة ما كانوا يَحلُمون أنهم يَذهَبون إليها، وهناك قِصَّة حدَّثَني بها الثِّقة في المرأة المريضة التي رجَعوا بها من الحجِّ، ولمَّا كانوا في الريع -الجِبال المُحيطة بالحِجاز- ونزَلوا ليلة من الليالي، فلَمّا أَصبَحوا حمَلوا إِبلَهم على أنهم سيَمْشون، وهذا الرجُلُ كان معه أُمُّه مَريضة فتقِيَ ليُوطِّئ لها المكانَ على الراحِلة، فمَشَى الناس وهو في مَكانه، ولمَّا أَنهَى ما أَحَبّ أن يُنهِيَه من تَوْطِئة الرَّحْل لأُمِّه وركِبَت مشَى فضَيَّعهم، لم يَعرِف أين ذهَبوا؛ فدخَل في الريع وظلَّ يَمشِي ويَمشِي ولا يَسمَع حِسًّا ولا حولَه أحَدٌ حتى وصَل إلى خِباءٍ -خِدْر صَغير لبَدْوٍ- ونزَل عِندهم وسأَلَهم عن الطريق قالوا: الطريق وراءَك؛ فقال: سأَرْتاح قليلًا؛ فلمَّا نزَل-سُبحانَ اللَّه العَظيمِ- ونزَّل والِدتُه ماتَتْ في ذلك المَكانِ الذي ما كان هو ولا غيره يَقدِر أن يَأتِيَ إليه، لكن من أَجْل أن تُحمَل هذه المَرأةُ إلى أرضِ مَوْتها حَصَل ما حَصَل من الأسباب.
стр. 206
وهكذا أيضًا تَجِدون الحوادِثَ الآنَ؛ فالإنسان في البلَد لا يُقدِّر أنه سيَموت في مَكان ما من البَرِّ، ولكنه يُنقَل إلى المكان الذي يَموت فيه، حتى إنه يَموت في المكان بالضَّبْط على نفس حَبَّات التُّراب التي قُدِّر أن يَموت فيها، وهذا أَمْر مُشاهَد.
وفي الزمَن كذلك: لا يَدرِي الإنسان متى يَموت، رُبَّما يَتأخَّر لحَظاتٍ من أَجْل أن يَستكمِل زمَنه ومُدَّته، وهذا له شَواهِدُ؛ منها أيضًا ما حصَل في عنيزةَ: أن رجُلًا جاءَ بسَيَّارته مع الطريق العامِّ، وهناك شَابَّان على (دبَّاب) (دَرَّاجة نارَّية) قد أَتَيا من طريق آخَرَ مُعتَرِض، فلمَّا قرُب الكُلُّ من نِهاية نُقْطة المُلاقاة وقَفَ كلٌّ منهم يَنتَظِر أن يَعبُر الآخَرُ؛ فقال الآخَرُ: سأَمشِي فمشَوْا جميعًا فصَدَمت السيَّارة المُؤخَّر من (الدبَّاب) الذي فيه الشابَّان وماتا في الحال؛ فلماذا وَقَف هذه الوَقْفة التي هي لحظات؟ الجوابُ: من أَجْل أن يُستكمَل الزمَن المُحدَّد.
وقوله ﵀: [﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ويَعلَمه اللَّه تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بكُلِّ شيء ﴿خَبِيرٌ﴾ بباطِنه كظاهِره] وأيُّهما أخَصُّ: الخبير أو العَليم؟
الجَوابُ: الخَبيرُ أَخَصُّ؛ لأن العِلْم يَتعَلَّق بالظاهِر والباطِن، والخِبْرة تَتَعلَّق بالباطِن؛ ولهذا قال ﵀: [﴿خَبِيرٌ﴾ بباطِنه كظاهِره]؛ لأن العليم بالباطِن من بابِ أَوْلى أن يَكون عَليمًا بالظاهِر.
ثُم قال ﵀: [روَى البُخارِيُّ عن ابنِ عُمرَ حديثَ: مَفاتِح الغَيْب خَمْسة: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. . .﴾ (١) إلخ السُّورة] قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.
стр. 207
وقد بيَّنَّا في شَرْح صحيح البُخارِيِّ وجهَ كَوْنها مَفاتِحَ فقُلْنا: الساعة مِفتاح الآخِرة؛ وتَنزيل الغَيْث مِفتاح للحياة؛ حياة الأرض والنبات؛ وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ مِفتاح لحياة الإنسان وابتِداء خَلْقه؛ فأوَّلُ ما يَمُرُّ بعد التَّكوين بالرَّحِم؛ ولهذا الإنسانُ له أربَعُ دُور: الدار الأُولى في بَطْن أُمِّه، والثانية في الدنيا، والثالثة في البَرْزَخ، والرابِعة في الآخِرة؛ قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
وقوله : ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ مِفتاح للعمَل في المُستَقبَل؛ وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ مِفتاح للآخِرة بالنَسبة لمَوْت كل إنسان بعَيْنه.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن عِلْم الساعة من خَصائص عِلْم اللَّه وحدَه؛ لقوله تعالى: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ فقوله تعالى: ﴿عِنْدَهُ﴾ تُفيد الحَصْر.
الْفَائِدَةُ الثَّانيَةُ: بَيان فَضْل اللَّه في إنزال الغَيْث؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ والمُنزّل للشيء هو العالِمُ به.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: اختِصاص اللَّه تعالى بعِلْم الغَيْب.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن عِلْمَ ما في الأرحام إلى اللَّه وحدَه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَام﴾.
وإذا نظَرْنا إلى ظاهِر السِّياق ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ لا نَنفِي أن غَيرَه يَعلَم؛ لأن كونَ اللَّه تعالى يَعلَم نحن يُمكِن أن نَعلَم، لكن تَفسير الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
стр. 208
بأن هذه بعِلْم الغَيْب التي لا يَعلَمها إلَّا اللَّه تعالى يَدُلُّ على أنه لا يَعلَم ما في الأَرْحام إلا اللَّه تعالى.
فإن قال قائِل: لماذا لم تكن بهذه الصّيغةِ: (ولا يَعلَم ما في الأَرْحام إلَّا اللَّه)؟
فالجَوابُ -واللَّهُ أَعلَمُ-: أنه لمَّا كان عِلْم الأَجِنَة قد يُتَمكَن منه ببعض الأَحْوال قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الإنسان لا يَعلَم الغَيْب في المُستَقبَل، لقوله : ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ فإذا كانت يَقصِد بـ (ماذا تكسِب) هو نَفسه، فما يَقدِر عليه إلا اللَّه تعالى فجَهْله به من بابِ أَوْلى، وما يَكسِبه غيرُه فجَهْله فيه من بابِ أَوْلى، وعلى هذا فلوِ ادَّعَى مُدّعٍ أن اللَّه تعالى يُقدِّر على هذا الرجُل كذا وكذا فإننا نَجزِم أنه كاذِب؛ لأنه لا يَعلَم ما في غَدٍ إلا اللَّهُ تعالى.
ولما قالَتْ إحدى النِّساء في حَضْرة النبي ﵊: "وَفِينَا نَبِيٌّ يَعلَم ما في غَدِ" نَهاها الرسولُ ﵊ وقال ﷺ : "قُولي ببَعْضِ ما تَقولينَ" (١)؛ وهذا لا يَجوز على الرسولِ ﷺ ولا غيرِه أن يُدَّعَى أنه يَعلَم ما في الغَيْب.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الإنسان لا يَدرِي بأيِّ أَرْض يَموت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: هل يُقال: إنه لا يُمكِن أن يَموت أحَد فَوقَ الجاذِبِية في فضاء؟ فيه احتِمال؛ لكنه ضَعيف؛ لأنه قال: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ قد يَكون هذا مَبنيًّا على الغالِب مع أن لدَيْنا آيةً في القُرآن يَقول اللَّه فيها: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ
стр. 209
وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]، فتَقديم المَعمول الَّذي هو الظَّرْف ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ يَدُلُّ على الحصر، وهذا هو الأَصْل، فإن تَبيَّن فيما بعدُ أن يَموت أحَدٌ في الفَضاء ولا يَرجع إلى الأرض فإننا نَقول: إن هذا احتِمال. بِناء على الأَغلَب الكثير، وما سمِعْنا أن أحدًا مات فوقَ الجاذِبية، بل حتى لو مات فالظاهِرُ أنه لا بُدَّ أن يُرَدّ، وليس المَقصودُ الرُّوحَ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنه لا يَعلَم أحَدٌ متى يَموت؛ تُؤخَذ: من أن جَهْلنا بمَكان مَوْتنا يُبين جَهْلنا بزمان مَوْتنا، فالجهْل هنا بالزَّمان أوْلى.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثبات اثنَيْن من أسماء اللَّه وهُما: العَليم والخَبير، وما تَضَمَّناه من صفتَي العِلْم والخِبْرة.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن مَنِ ادَّعى عِلْم شيء ممَا اختُصَّ اللَّه بعِلْمه فهو كافِر؛ لأنه مُكذِّب للَّه تعالى، والتَّكذيب للَّه تعالى كُفْر.
* * *