"وممَّا يَدخُل في الإيمان باليوم الآخِر كلُّ ما أَخبَرَ به النبيُّ ﷺ مِمَّا يَكون بعد الموت"، كلُّه من اليوم الآخِر، فهم بعد هذا المَتاعِ يُلجَؤُون إلى العَذاب -والعِياذ باللَّه-.
وقوله تعالى: ﴿نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ﴾ العَذاب: العُقوبة، و ﴿غَلِيظٍ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: إنه [عَذاب النار] وضِدُّ غَليظ: رقيق.
وغِلَظ عذاب النار في كَيْفيته وفي نَوْعه -والعِياذُ باللَّه-:
أمَّا الكيفيةُ؛ فإِنَّ اللَّه يَقول: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، ويَقول فيما يُعذَّبون فيه: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ [الإسراء: ٩٧]-والعِياذُ باللَّه تعالى-.
أمَّا نَوْعه: فإنه لا يَخطُر بالبال ولا بالخَيال؛ فيُسْقَوْن ماءً حميمًا، فإذا ماتوا من العطَش واستَغاثوا وطلَبوا الغَوْث فإنهم يُغاثون: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، وهو الرَّصاص المُذاب -والعِياذُ باللَّه- ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩]، فإذا أَقبَل على الوجه شَوَى الوَجْه؛ وإذا نَزَل إلى الأمعاء: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] وأحيانًا يُسقَوْن من ماء صديد: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧].
فهذا العَذابُ -والعِياذ باللَّه- بأنواعه الشديدة العَظيمة، يَستَحِقُّ أن يُوصَف بأنه عَذاب غَليظ، ليس فيه رِقَّة ولا دِقَّة، بل هو غَليظ شديد.
وقول المُفَسِّر: [وهو عَذاب النار ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: ١٢١]] قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ هكذا في القُرآن، يَعنِي: لا يَجِدون مَفَرًّا
стр. 142
﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣]، بل إنهم -والعِياذُ باللَّه- يَأْتون إليها وِرْدًا عِطاشًا، وتُمَثَّل لهم كأنها سَراب ماء، والعَطْشان إذا رأَى الماء ولو كان سَرابًا يَظُنُّه ماءً لشِدَّة التِفاتِه إلى الماء، فيَرِدونها على هذا الوجهِ -والعياذُ باللَّه- ويَتَساقَطون فيها.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن الكافِر قد يُمتَّع في الدنيا أَكثَرَ مِمَّا يُمتَّع المُؤمِن؛ لأنه تعالى قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ﴾ وهذا هو الواقِعُ؛ فإنَّ بعضَ الكُفَّار يَكون أَشَدَّ تمَتُّعًا في الدنيا من المُؤمِنين، ولكنه كما قال اللَّهُ : ﴿قَلِيلًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن التَّمتيع في الدُّنْيا قليل في زمَنه ونَوْعه، أمَّا زمَنه فظاهِر؛ قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وأمَّا نوعُه فقد قال النبيُّ ﵊: "لمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْم مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (١).
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ عَذاب الكُفَّار عَذاب غَليظ، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الكُفَّار يُضطَرُّون ويَلْجؤون إلى دُخول هذا العذابِ؛ لقوله تعالى: ﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾.
واعلَمْ أنَّ هذا الاضطِرارَ يَكون عند خُروج الرُّوح، ويَكون كذلك في الآخِرة:
стр. 143
أمَّا عند خُروج الرُّوح فإنه قد ورَد في حَديث البَراء الطويلِ: "أنَّهُ إِذَا حَضَرَ المَوْتُ إِلَى هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ وَبُشِّرَتْ رُوحُهُ بِالْغَضَبِ مِنَ اللَّهِ فَإِنَّهَا تَتَفَرَّقُ فِي بَدَنِهِ؛ تَتَشَبَّثُ فِيهِ، حَتَّى يَنتزِعُوهَا مِنَ الْبَدَنِ، كَمَا يُنْزَعُ السَّفّودُ مِنَ الصُّوفِ المَبْلُولِ" (١) يَعنِي: بشِدَّة.
ويَدُلُّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، فقوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوا﴾ يَدُلُّ هذا الأمرُ على أنهم كانوا أَشحَّاءَ في إِخْراجها؛ ثُمَّ قال : ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُون. . .﴾ إلى آخِرِه؛ هذا مَعنَى قوله : ﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾ أي: لا يَأْتون مخُتارِين مُنقادِين، وهذا واضِح.
وقال في الآخِرة: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] يُدفَعون بعُنْف، حتى يَدخُلوها والعِياذُ باللَّه تعالى.
* * *
стр. 144
الآية (٢٥)
* قالَ اللَّه : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥].
* * *
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَئِنْ﴾ لام قسَمٍ ﴿سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾] قوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يَقول: [لام قَسَم]، مَقرون بـ (إِنِ) الشَّرْطية، حُذِف جَواب الشرط، وبَقِيَ جواب القَسَم؛ وهو ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وقد قال ابنُ مالِك:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِماعِ شَرْط وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ (١)
وقوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يُحتَمَل أنه الرَّسول ﵊ أو مَن يَتَأتَّى خِطابه.
وقوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ هذا هو صِيغة السُّؤال: مَن خلَق السمواتِ والأرضَ؟ خلَقها اللَّات أو العُزَّى أو مَناة أو هُبَل أَمْ مَنْ؟
الجَوابُ: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فهم يَعتَرِفون بأنَّ خالِق السمواتِ والأرضِ هو اللَّه .
стр. 145
وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ جَواب القسَم، قال المُفَسِّر: [حُذِف منه نون الرَّفع؛ لتَوالِي الأمثال، وهو الضمير لالتِقاء الساكِنَيْن] أصله: (لَيَقولُونَن)، هذا أصلُه؛ لأن هذا فِعْل مُضارع من الأفعال الخمسة، لا بُدَّ فيه من الواو والنون، فنَقول: ليَقولون. وإذا أَرَدْت أن تُؤكِّد المَعنَى: (ليَقولُونَنَّ)، فاجتَمَع عِندنا ثلاثُ نونات كلُّهن زائِدات، ونَفصِل بينهن بحُكْم، يَقول: إن حذَفْنا نون الرَّفْع بَقِيَت نونُ التوكيد، وإن حذَفْنا نون التوكيد بقِيَت نون الرَّفْع؛ فنَحذِف نون الرَّفْع لسبَبَيْن:
السبَب الأوَّل: أنَّ نون الرفع اعتِيدَ حَذْفُها، فيما إذا كان الفِعْل مَنصوبًا أو مَجزومًا، بل إنها قد تُحذَف في غير حالَي النَّصْب والجزْم، فتُحذَف للتَّخفيف، كما في قول الرسول ﷺ : "وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةِ حَتَّى تُؤْمِنُوا" (١) "لَا تَدْخُلُوا" هذه ليس فيها لا ناصِبٌ ولا جازِمٌ، حُذِفَت للتخفيف، وأصله: (لا تَدْخُلونَ) حُذِفَت النون للتخفيف.
السبَب الثاني: أن النون تُحذَف مع الوِقاية كثيرًا؛ إِذَنْ فهي أحقُّ بالحذف، فتَبقَى نون التَّوْكيد؛ لأننا لو حذَفْنا نون التوكيد فات المَقصود، ونحن نُريد أن نُؤكِّد الفِعْل، وتوكيد الفِعْل هنا واجِب؛ لأنه مُثبَت، في قَسَم، مُستَقبَل، لم يُفصَل بين لامه وبين فِعْله؛ فيَكون تَوكيدُه واجِبًا.
أمَّا الواو مع نون التَّوْكيد، الواو ساكِنة ونون التوكيد مُشدَّدَة، فالحرْف الأوَّل منها ساكِن، فاجتَمَع ساكِنان، ولا يُمكِن اجتِماع ساكِنَيْن؛ لأن السُّكون والحرَكة نَقيضان، فلا يُمكِن أن يَجتَمِع الشيء ساكِن وساكِن، فإذًا لا بُدَّ من أن نَعمَل عمَلًا
стр. 146
يُخرِجنا من اجتِماع الساكِنَيْن؛ فإن كان الحرف الذي قبل الساكِن صحيحًا كسَرْناه، إذا كان الحرف الصحيح الذي قبل الساكِن صحيحًا كسَرْناه، وإن كان الحرف غيرَ صحيح -حرف لين- فإننا نَحذِفه.
قال ابنُ مالِكٍ ﵀:
إِنْ سَاكِنَان الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ... وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفُهُ اسْتَحَقْ (١)
فهنا الساكِنُ الأوَّل الواو حَرْف لين؛ إذن نَحذِفه، فتَلتَقي اللامُ مع النون، (ليَقُولُنَّ).
فصار عندنا في هذا الفِعْلِ حَذْفان: حَذْف النون؛ لتَوالي الأمثال، وحَذْف واو الرفْع؛ لالتِقاء الساكِنَيْن، وعلى هذا يَقول المُفَسِّر ﵀: [حُذِف منه نونُ الرَّفْع؛ لتَوالِي الأمثال، وواوُ الضَّمير؛ لالتِقاء الساكِنَيْن].
إعراب قوله تعالى: ﴿اللَّهُ﴾ في ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فاعِل لفِعْل مَحذوف، والتَّقدير: (خلَقَهُنَّ اللَّه)، ويَدُل لذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ﴾ فذكَر اللَّه تعالى الفِعْل، أمَّا هنا فالمَحذوف الفِعْل، ويَصِحُّ أن نَقول: إن المَحذوف اسمٌ، التَّقدير (هو اللَّه)، لكِنْ خِلاف الأَوْلى؛ لأن السؤال مُعاد في الجواب، والسؤال بلَفْظ الفِعْل: مَنْ خلَق؟ فتقتَضِي أن يَكون الجَواب كالسُّؤال؛ بالفِعْل: خلَقَهن.
قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: ﴿قُلِ﴾ يَعنِي: إذا أَقرُّوا واعتَرَفوا.
وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: ﴿الْحَمْدُ﴾ مُبتَدَأ، و ﴿لِلَّهِ﴾ خبَره، فالحمد للَّه تعالى
стр. 147
على بيان الحُجَّة، وظُهور المَحجَّة، فالآنَ هُمُ اعتَرَفوا بأنهم على ضَلال في شِرْكهم، فالحَمْد للَّه هنا على بَيان الحُجَّة وإظهارها، لأنهم خُصِموا في ذلك؛ فإنهم إذا أَقَرُّوا واعتَرَفوا أن خالِق السموات والأرض هو اللَّه تعالى، وأن هذه الأَصنامَ لا تَخلُقُ، فقَدْ أَقَرّوا على أنفسهم بأنَّ هذه الأصنامَ لا تَستَحِقُّ العِبادة؛ ولهذا: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
كما يُمكِن أن نَقول مع ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على خَلْق السَّموات والأرض، أي: أنه يُحمَد على أنه الخالِقُ دون غيره، فيُحمَد على ما له من صِفات الكَمال، ومن جميل الأفعال.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على ظُهور الحُجَّة عليهم]، الحَمْد تَقدَّم لنا مِرارًا وتَكرارًا بأنه وَصْف المَحمود بالكَمال، مع المَحبَّة والتَّعظيم، واللَّام في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾ للاستِحْقاق والاختِصاص، للاستِحْقاق؛ لأنه هو المُستَحِقّ للحَمْد، كما قال النبيُّ ﵊: "أَهْلَ الثَناءِ وَالمَجْدِ" (١)، وللاختِصاص؛ لأن الذي يَستَحِقُّ الحمد المُطلَق هو اللَّه .
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ بل هنا للإِضراب الانتِقاليِّ، فهو انتِقال مِمَّا سبَق للتَّسجيل عليهم بالجَهْل التامِّ، ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وجوبَه عليهم]؛ يَعنِي: التَّوْحيد، وإنما نَفَى العِلْم عنهم، لانتِفاء فائِدته، والشيء قد يُنفَى لانتِفاء فائِدَته، قال اللَّه : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا﴾ يَسمَعون باَذانهم، ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] نفَى السَّمْع عنهم؛
стр. 148
لانتِفاء فائِدته بالنِّسبة إليهم، ففي قوله : ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ نفَى العِلْم عنهم، وإن كانوا يُقِرُّون بأن اللَّه تعالى هو الخالِق، لكنهم لم يَنتَفِعوا بهذا العِلْمِ، وعالم لم يَنتَفِع أشَدُّ قُبْحًا من جاهِل لا يَدرِي؛ لأنه جاهِل مُركَّب، وذاك جاهِل بسيط، ولأنه مُعَانِدٌ مُسْتكبِر، والآخَرُ غير مُعانِد، فالجهْل المُركَّب أَشَدُّ قبحًا، والعِناد عن عِلْم أشَدُّ من العِناد عن جَهْل، يَقول الشاعِرُ بيتين:
وَمَنْ رَامَ الْعُلُومَ بِغَيْرِ شَيْخٍ ... يَضِلُّ عَنِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ
وَتَلْتَبِسُ الْعُلُومُ عَلَيْهِ حَتَّى ... يَكُونَ أَضَلَّ مِنْ تَوْمَا الحَكِيمِ (١)
(تُومَا) جاهِل مُركَّب يُسمُّونه الحَكيمَ، لكنه غرَّه أنهم سمَّوْه الحكيمَ، وبدَأَ يُفتِي في كل شيء، حتى أَفتَى بأنه مَن تَصدَّق على إنسان بابنَتِه فإنه يَدخُل الجنَّة، فقيل:
تَصَدَّقَ بِالْبَنَاتِ عَلَى رِجَالٍ ... يُرِيدُ بِذَاكَ جَنَّاتِ النَّعِيمِ!
فلو قال قائِل: ما الفَرْقُ بين الجهْل المُركَّب والجَهْل البَسيط؟
فالجَوابُ: الجهْل المُركَّب والبَسيط نَظْمُه في البَيْتَيْن الآتِيَيْن:
قَالَ حِمَارُ الحَكِيمِ تُومَا ... لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَبْ
لِأَنَّنِي جَاهِلٌ بَسِيطٌ ... وَصَاحِبِي جَاهِلٌ مُرَكَّبْ (٢)
стр. 149
فالحِمار يَقول: إني جاهِل بَسيط، وصاحِبه الذي هو تُوما جاهِل مُركَّب، فالجاهِل هو الذي لا يَدرِي أنه جاهِل، هذا مُركَّب، والبَسيط هو الجاهِل الذي يَعلَم أنه جاهِل.
ويَتَّضِح بالمِثال: إذا قال لك قائِل: متى كانت غَزوةُ بَدْر؟ فقلتَ: لا أَدرِي، نُسمِّي هذا جاهِلًا بَسيطًا، فإنسانٌ لا يَعرِف وعرِف أنه لا يَعرِف، وقال: لا أَعرِف. وقال رجُل لآخَرَ: متى كانت غَزوةُ بَدْر؟ قال: الحمد للَّه الذي فتَحَ على الجاهِلين، كانت غَزوةُ بَدْر في جُمادَى الآخِرة سَنَةَ تِسْع من الهِجْرة؛ فالآنَ هو جاهِل وهو لا يَدرِي أنه جاهِل؛ ولهذا استَفْتَح بقوله: الحمدُ للَّه الذي فتَحَ على الجاهِلين، فيُقال: أنت لم يَفتَحِ اللَّه عليك! لأنك جاهِل.
ومعنى مُركَّب أنه مُركَّب من جَهْلَيْن؛ جهلِه بالواقِع، وجهلِه بحاله.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن فيها دَليلًا على أنَّ المُشرِكين في عهد الرسول ﵊ يُقِرُّون برُبوبية اللَّه تعالى، لقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هذا التَّوْحيدَ -تَوحيدَ الربوبية- لا يَنفَع مَن أَقَرَّ به فقَطْ؛ لأن هؤلاءِ المُشرِكين لم يَنتَفِعوا بهذا الإقرارِ، بَلْ لا بُدَّ من أن يُضاف إليه تَوْحيد الأُلوهية والأسماء والصِّفات.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات أن خالِق السمَواتِ والأرضِ هو اللَّه .
فإن قال قائِل: هل المَخلوق يَخلُق؟
قُلْنا: لا، المَخلوق لا يُمكِن أن يَخلُق، وخَلْق المَخلوق إنما هو تَحويل شيءٍ إلى
стр. 150
شيءٍ، فيَجعَل الخشَبَ بابًا، ويَجعَل المَدَر بيتًا، وما أَشبَهَ ذلك، ولكن لا يَخلُق خشَبةً ليَجعَلها بابًا، ولا يَخلُق مَدَرًا كي يَجعَله بيتًا؛ فكُلُّ ما في الإنسان من مَصنوعات ومُبتَكَرات ومُبتَدَعات إنما هو تَغيير وتَحويل من شيء إلى شيء، أمَّا إيجاد ذواتِ الأشياء فهو إلى اللَّه ؛ ولهذا يَتبَيَّن مَعنَى قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وإلَّا فالإنسان يَخلُق، لكن خَلْقه ليس مَعناهُ: إبداعًا وإيجادًا بعد عدَم، ولكن -كما أَقولُه وأُكرِّره حتى يَتبَيَّن لكم- مَعنَى قولِه ﵎: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فأَثبَت أنَّ مع اللَّه تعالى خَلْقًا، لكنَّ هذا الخَلْقَ ليس خَلْقَ إيجاد، ولكنه خَلْق تَحويل وتَغيير لبعض الأَشْياء، حسَب ما أَعطاه اللَّه ﵎ من قُدْرة عِلْمية وبدَنية.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات أنَّ السماءَ مُتعدِّدة؛ لقوله تعالى: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ وقد بُيِّن في آية أُخرى أنَّ عدَدها سَبْع: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦ - ٨٧].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن اعتِراف الإنسان بالحَقِّ ممَّا يُحمَد اللَّه تعالى عليه؛ لقوله للرسول ﵊: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لأنه لا شَك أنَّ إقرار الإنسان واعتِرافه بالحَقِّ إظهار للحُجَّة، وإذا ظَهَرتِ الحُجَّة كان في ذلك من الثناء على اللَّه ما هو أَهْل له .
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ أكثَرَ هَؤلاء المُعانِدين والمُشرِكين كانوا لا يَعلَمون: إمَّا للجَهْل، وإمَّا لعَدَم الانتِفاع بعِلْمهم؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّه يَنبَغي تَأكيد الكلام في مَوْضِع التأكيد؛ لأنه قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ فأَكَد اللَّه أنهم سيَقولون ذلك؛ لئَلَّا يَقول قائِل:
стр. 151
هل هَؤلاء يُقِرُّون بتَوْحيد الرُّبوبية أو لا يُقِرُّون، فبَيَّن اللَّه تعالى أنهم يُقِرُّون به وأَكَّد ذلك، حتى لا يُقال: كيف يُقِرُّون بتَوْحيد الرُّبوبية ثُمَّ يُنكِرون تَوْحيد الأُلوهية؟ !
* * *
стр. 152
الآية (٢٦)
* قالَ اللَّه : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦].
* * *
قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الجُمْلة هنا خبَرِيَّة وفيها حَصْر، وطريقه تَقديمُ الخَبَر؛ لأنَّ تَقديمَ ما حَقُّه التَّأخير يُفيد الحَصْر، فـ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يَعنِي: لا لغيرِه، بل هو له وحدَه .
وقوله تعالى: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: ما كان فيها، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ كذلك، وأَتَى بـ (ما) التي لغير العاقِل؛ لأنه يُراد بها مِلْك الذَّوات والصِّفات، وإذا أُريد بها مِلْك الذوات والصِّفات أُتِيَ بـ (ما)؛ لأنَّها أَكثَرُ؛ فإن كلَّ ذاتٍ لها صِفة، وأيضًا ليس كلُّ الذوات عاقِلة، بل الدوابُّ والبَهائِمُ وشَبَهها من قَسْم غير العاقِل.
وقوله : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [مِلْكًا وخَلْقًا وعَبيدًا] والمِلْك يَشمَل مِلْك الذوات، والتَّصرُّف في هذه الذواتِ؛ ولهذا قال: [وعَبيدًا] والمُراد بالعُبودية هنا العُبُودِية العامَّة دون الخاصَّة؛ لأنَّ العُبودية الخاصَّة تَختَصُّ بالطائِعين الذين تَذلَّلوا للَّه طاعة بالمَعنَى الشَّرْعي، وأمَّا العِبادة العامَّة فهي تَشمَل كل الخَلْق؛ لأنَّ جميع الخَلْق مُتذلِّل للَّه باعتِبار الكَوْن.
стр. 153
والتَّقديرُ: لا أحَدَ يَستَطيع أن يُعارِض قَضاء اللَّه تعالى وقَدْره؛ لكن الكُفَّار يَستَطيعون أن يُعارِضوا شَرْع اللَّه تعالى؛ ولهذا عارَضوا وأَنكَروا الشَّرْع واستكْبَروا عن الحقِّ.
قال المفسر ﵀: [فلا يَستَحِقُّ العِبادة فيهما غيرُه] في السَّموات والأرض لا يَستَحِقُّ العِبادة إلَّا اللَّه تعالى؛ لأنه بمُقتَضى العَقْل والفِطْرة: أنَّ المالِك الخالِق المُدبِّر يَجِب أن يَكون هو المَعبودَ؛ ولهذا يَستَدِلُّ اللَّه على وُجوب العِبادة بالرُّبوبية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وتَقدَّم قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وهذا ظاهِر أنَّ مَن له الخَلْق يَجِب أن تَكون له العِبادة وحدَه.
قال ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خَلْقه ﴿الْحَمِيدُ﴾ المَحمود في صُنْعه] الجُمْلة هنا استِئْنافية؛ لبَيان ما للَّه من هَذَيْن الاسمَيْن، وما تَضمَّناه من الصِّفة؛ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ﴾ الضَّمير ضَمير فَصْل، ولضَمير الفَصْل ثلاثُ فَوائِدَ:
الفائِدةُ الأُولى: التَّوكيدُ.
والثانيةُ: الحَصْر.
والثالِثة: التَّمييز بين الخبَر والصِّفة.
فإذا قُلْت: زيدٌ الفاضِل. فـ (زَيْد) مُبتَدَأ، و (الفاضِل) يُحتَمَل أن تَكون صِفة لـ (زَيْد)، وأنَّ الخبَر لم يَأتِ بعدُ، وأن التَّقدير: زَيْدٌ الفاضِل مَحبوبٌ مثلًا، فإذا قلت: زَيْد هو الفاضِل. لا يُحتَمَل أن يَكون صِفة، بل يَكون خبَرًا؛ ولهذا سُمِّيَ ضَميرَ فَصْل.
стр. 154
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [عن خَلْقه] وهو كذلِكَ: غَنِيٌّ في نَفْسه غَنِيٌّ عن غيره؛ فهو غَنِيٌّ في نَفْسه؛ لكَثْرة ما عِنده، لأن كل شيء فهو للَّه ، وهذا تَمام الغِنى، وهو غَنيٌّ عن خَلْقه؛ فلا يَحتاج إلى أحَد؛ والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
أمَّا مَن سِواه فإنه مُفتَقِر إلى اللَّه قبل كلِّ شَيْء، ثُمَّ إن الناسَ بعضهم مُفتَقِر إلى بعض، كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢]؛ فالناس بعضُهم إلى بَعضٍ في حاجة، بل في ضَرورة أحيانًا، والجميع إلى اللَّه تعالى في حاجة وضَرورة.
أمَّا الرَّبُّ فإنه في غِنًى عن غيره، كما أنه غَنِيٌّ بنَفْسه أيضًا.
إِذَن: غِناه يَتَضمَّن شَيْئين: الغِنَى الذاتي، بمَعنى: كَثْرة ما يَملِكه إذ كلُّ شيء فهو مِلْكه، الثاني: الغِنَى عن الغير، بحيثُ لا يَحتاج إلى أحَد، وغيره مُحتاج إليه.
وقوله تعالى: ﴿الْحَمِيدُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [المَحمود في صُنْعه] فقَصَّر في التَّقْدير من وَجْهين:
الأوَّل: قال الحميد بمَعنَى: المَحمود، والصحيح: أنها بمَعنَى: المَحمود والحامِد، فهو حامِدٌ مَن يَستَحِقُّ الحمد، وما أَكثَرَ الثَّناء على مَن يَستَحِقُّون الثَّناء في كتاب اللَّه ، وهو كذلك محَمود على كَمال صِفاته وتمَام إنعامه، فيُحمَد على أمرين: على كَمال صِفاته، وعلى تَمام إِنْعامه.
الوجهُ الثاني ممَّا قصَّر فيه المُفَسِّر ﵀: أنه قال: [المَحمود في صُنْعه].
стр. 155
والصوابُ: أنه مَحمود في صُنْعه وفي شَرْعه أيضًا؛ فإن شَرْعه أكمَلُ الشَّرائع وأَنفَعُها للعِباد، ومَن سنَّ للخَلْق طريقًا تَستَقيم به أُمورهم فهو أهلٌ للحَمْد؛ فالآنَ لو أنَّ أحَدًا دلَّك على طريق بلد في سَفْرة واحِدة من سفراتك فإنك تَحمَده؛ فكيف بمَن دلَّكَ على طريق الآخِرة في كلِّ ما تَحتاج إليه؟ !
فالصَّوابُ: أنَّ حَميد بمَعنَى حامِد ومَحمود، وحَميد في صُنْعه وفي شَرْعِهِ؛ فصُنْعه الذي هو الخَلْق يُحمَد عليه على إيجاده، وعلى إعداده وعلى إِمْداده، وهو أيضًا حَميد في شَرْعه، يُحمَد عليه؛ لمَا في شَرْعه من العَدْل والحِكْمة والرحمة التي لا نَظيرَ لها.
وما أعظَمَ الفائِدةَ في اقتِران الحميد بالغَنيِّ! لأنه -كما تَقدَّم- أسماء اللَّهِ تعالى كلُّها حُسنَى، وتَدُلُّ على مَعنًى أَحسَنَ؛ لكن قد يَدُلُّ الاسْمان على صِفة ثالِثة حصَلَت باقتِرانهما؛ فالغِنَى مع الحَمْد يَزداد كَمالًا، لأنه قد يَكون الغَنيُّ غنِيًّا، ولكن غِنًى لا يُحمَد عليه، مِثل البَخيل الغَنيِّ، فإنه غَنيٌّ لكن لا يُحمَد على غِناه؛ لأنه لا يُستَفاد من ماله، وقد حرَم نَفْسه من مَصلحة ماله، لكن اللَّه له الغِنَى المُقتَرِن بالحَمْد؛ لكمال إِحْسانه على خَلْقه من هذا الغِنَى؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن مُلْك السَّمَوات للَّه تعالى، وأنه خاصٌّ به، يُؤخَذ من تَقديم الخبَر؛ لأنَّ تَقديم ما حَقُّه التَّأخيرُ يُفيد الحَصْر والاختِصاص.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الناس لا يَمْلِكُون أموالهم مِلْكًا مُطلَقًا؛ فمثَلًا: أنا أَملِك بَيْتي وسيَّارتي. وما أَشبَه ذلك، لكن مِلْكي لها ليس مُطلَقًا؛ لأنَّ المِلْك المُطلَق للَّه ؛
стр. 156
ولهذا تَصرُّفي فيها على حسَب ما أَذِن اللَّه تعالى به، ما هو على حسَب ما أُريدُ أنا، وبهذا يَزول الإشكالُ الَّذي يُورَد فيُقال: إذا قُلْتم: إن مِلْك السمَوات والأرض خاصٌّ باللَّه تعالى، أَليْس اللَّه قد أَضاف المِلْك إلى الإنسان: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣].
إِذَنْ: فهذا المِلْكُ ليس مِلْكًا مُطلَقًا بدليل أنه مُقيَّد بإِذْنِ اللَّه تعالى بما أَذِن اللَّهُ تعالى فيه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات اسمَيْن من أسماء اللَّه تعالى، وهُما: الغَنيُّ والحميد. وما دلَّا عليه من الصِّفة، وهي: الغَناء والحَمْد. وما دلَّ عليه اجتِماعُهما من الصِّفة أيضًا، وهو أنَّ غِنَى اللَّه مَقرون بكَوْنه محَمودًا، فيَدُلُّ على أنه غِنًى ذاتِيٌّ، وأنه مع كونه غَنيًّا جَوَادٌ يَجود بما عِندَه، إذ ليس كل غَنيٍّ حَميدًا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بَيان أنَّ مِلْك اللَّه للسمَوات والأرض مِلْكٌ مُشتَمِل على الفَضْل والحَمْد؛ لأنه ذكَرَه بعد قولِه تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾، فكونه غَنيًّا يُتمَدَّح بغِناه بعد ذِكْر مِلْك السمَوات والأرض؛ يَدُلُّ على فَضْله بهذا الغِنَى، وعلى حَمْده على هذا المِلْكِ، أنه مِلْك مَبنيٌّ على الحَمْد، وهذا كقوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] حَمِد نَفْسه لكونه ربًّا للعالمَين؛ لأن رُبوبيته رُبوبية يُحمَد عليها، لما فيها من كَمال الفَضْل والإحسان والعَدْل إلى غير ذلك.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: افتِقار ما في السمَوات والأرض إلى اللَّه؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ دليل على أن ما في السمَوات والأرض محُتاجون إليه فُقراءُ، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].
الآية (٢٧)
* قالَ اللَّه : ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧].
* * *
﴿وَلَوْ﴾ هذه شَرْطية، وفِعْل الشَّرْط مَحذوف؛ أي: ولو ثبَت أن ما في الأَرْض من شجَرة. . إلى آخِره، و (ما) اسمٌ مَوْصول بمَعنَى: الذي، و ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ جارٌّ ومجَرور مُتعَلِّق بمَحذوف صِلة المَوْصول، يَعنِي: ولو أنَّ الذي استَقَرَّ في الأرض، و ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ جارٌّ ومجَرور بيانٌ لـ (ما) الاسْمِ المَوْصول؛ لأن الاسمَ المَوْصول مُبهَم يَحتاج إلى بيانٍ؛ فـ ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ بيانٌ له؛ يَعنِي: لو أن الذي في الأَرْض من الشجَر.
وقوله تعالى: ﴿أَقْلَامٌ﴾ خبَر (أن)، يَعنِي: ولو أنَّ الذي في الأرض من الأشجار كان أقلامًا هذا المَعنَى، كان أقلامًا يُكتَب بها، (والبَحْرَ) يَقول المُفَسِّر ﵀: [عطف على اسم (أنَّ)]، وفي قِراءة: ﴿وَالْبَحْرُ﴾ وهي المَوْجودة في المُصحَف، لكن المُفَسِّر ﵀ هنا قال: مَنْصوبة. قال: [عطف على اسْمِ (أنَّ)]، ﴿وَالْبَحْرُ﴾ إذا كانت بالرَّفْع فهي مُبتَدَأ، قال ابنُ مالِك ﵀ (١):
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوْفًا عَلَى ... مَنْصُوبِ إِنَّ بَعْدَ أَنْ تَسْتكْمِلَا
وَأُلْحِقَتْ بِإِنَّ لكِنَّ وَأَنْ ... . . . . . . . . . . . . . .
стр. 159
وهذه (أن).
قال ﵀: [(والبَحْرَ) عطف على اسم (أنَّ)]، فتكون بالنَّصْب.
وقوله تعالى: ﴿يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ الخبَر مَحذوف قدَّرَه المُفَسِّر ﵀ بقوله: [مِدادًا] يَعني: لو أن ما في الأرض من الأشجار أقلامٌ، وما فيها من البِحار مِدادٌ، يَعنِي: حِبرًا يُكتَب به، وجوابُ الشَّرْط قوله تعالى: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ المُعبَّر بها عن مَعلومات. . . إلى آخِره.
قوله : ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾: (نفِد) مَعناه: انتَهَى، و ﴿كَلِمَاتُ﴾ فاعِل؛ فـ ﴿نَفِدَتْ﴾ الكَوْنية، وأمَّا الشَّرْعية فلا تَنفَد؛ لأنه لم يَزَل ولا يَزال مُتكَلِّمًا، والخَلْق لا نِهايةَ له؛ لأنَّه إذا دخَل الناس الجَنَّة أو النار يَكون خُلودًا دائِمًا سَرْمَديًّا أبدِيًّا.
فإِذَن: كل شيء يَخلُقه اللَّه تعالى فإنما يَخلُقه بالكلِمة: (كُنْ فيَكون).
فإذا كانَتِ المَخلوقاتِ لا تَنتَهي، وكذلك أيضًا أفعال اللَّه في الأزَل لا نِهايةَ لها، فإنها لا يُمكِن أن تَنفَد أبَدًا، حتى لو فُرِض أنَّ البَحْر ومِن بعده سَبْعةُ أَبحُرٍ تَمُدُّه، والشجَر -كل الشجَر الذي في الأرض- أَقْلام وصار يُكتَب بها، فإن كلِماتِ اللَّه تعالى لا تَنفَد.
ووجهُ ذلك واضِح؛ لأن المَخلوقاتِ لا تَنفَد، وكلُّ مخَلوق فإنه يَكون بالكلِمة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
إِذَنْ: يَتبيَّن لنا وَجْه كَوْن هذه الجُمْلةِ الخبَرِية صِدْقًا محَضًا، وهي صِدْق لا شَكَّ، فخبَرُ اللَّه تعالى صِدْق.
стр. 160
لكن قد يَقول قائِل: كيف؟ وما وجهُ هذا؟
فنَقول: هذا وجهُه؛ إذ إن الإنسان قد يَستَعظِم أن تَكون البِحار -البحر المُحيط ومن ورائِه سَبْعة أَبحُر- مِدادًا، وما في الأرض من الشجَر أقلامًا يُكتَب بها ثُمَّ لا تَنفَد الكلماتُ، قد يَستَعظِم هذا الشيءَ، ولكنه إذا عرَف كَمال قُدْرة اللَّه وعظَمته لم يَستَعظِم هذا.
وقوله : ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [المُعبَّر بها عن مَعلوماته بكَتْبها بتِلْك الأَقْلام بذلك المِدادِ، ولا بأَكثَرَ من ذلك، لأنَّ مَعلوماتِه تعالى غير مُتَناهِية]، عفا اللَّه عن المُفَسِّر ﵀، هذا تَحريف! فقد عَبَّر بقوله: إن المُراد بالكَلِمات المعلوماتُ، مَعلوماتُ اللَّه تعالى. يَعنِي: ما نَفِد لا يَعلِمه.
لكن هذا تَحريف ظاهِر للقُرآن، فاللَّه يَقول: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ﴾ والكلِمات هي التي تُكتَب، أمَّا المَعلوماتُ فقَدْ تُكتَب وقد لا تُكتَب، فهل كل المَعلومات تَكتُبها؟ ! لكِنَّ كلِماتِك إذا أَرَدْتَ أن تُعبِّر عنها للغَيْر تَنطِق بها وتَكتُبها.
فالمَعنَى: ما نفِدَت كلماتُ اللَّه تعالى، أي: كلِماته بالحَقِّ حقيقة، يَعنِي: الكلِمات الحقيقية لو أُمِليت على أحَدٍ، وصارت البِحَارُ مِدَادًا لها، والأشجار أقلامًا لها، ما نفِدَتْ. ووجهُ ذلك ظاهِرٌ، وهذا يَدُلُّ على عظَمة اللَّه وكَمال قُدْرته.
قال ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُعجِزه شيء، ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَخرُج شيءٌ عن عِلْمه وحِكْمته].
قوله : ﴿عَزِيزٌ﴾ يَقول: [لا يُعجِزه شيء] وأحيانا يُعبِّر المُفَسِّر نَفْسه، يَقول: عزيزٌ لا يَغلِبه شيءٌ. وذلك لأنَّ العِزَّة -كما سبَق- تَنقَسِم إلى ثلاثة أقسام:
стр. 161
عِزَّة القدَر، والثاني: عِزَّة القَهْر وهي الغلَبة، والثالِث: عِزَّة الامتِناع، وهي: أنه لا يَناله شيء بسُوء أبَدًا، فهو مُمتَنِع عن كل سُوء لِقُوَّته .
وأمَّا قوله تعالى: ﴿حَكِيمٌ﴾ فهو هنا قال: [لا يَخرُج شيء عن عِلْمه وحِكْمته] ففَسَّر الحِكْمة بالعِلْم، وقد سبَقَ لنا أن الحكيم مُشتَقَّة من الحُكْم والحِكْمة؛ فهو حَكيم لا يَخرُج عن مُلكِه شيء وحُكْمِه، وحَكيم لا يَخرُج عن حِكْمته شيء، إذَنْ هو حاكِم محُكَم، كلها تُؤخَذ من كلِمة حَكيم.
وفي قَرْن العَزيز بالحَكيم إثباتُ صِفة ثالِثة غير العِزَّة والحِكْمة، وهي: أن عِزَّته مَقرونة بحِكْمة، فتكون عِزَّةً أكمَلَ، وتَكون حِكْمةً أكمَلَ، وذلك أن العزيزَ من الخَلْق قد تَأخُذه العِزَّة بالإِثْم، فلا يَكون حَكيمًا في تَصرُّفه، لكن اللَّه عِزَّته مَقرونة بالحِكْمة، لا يُمكِن أن تَخْرُج أفعاله عن الحِكْمة التي هي مُوافَقة الصَّواب.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن اللَّه يَتكَلَّم؛ لقوله تعالى: ﴿كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قال بعضُهم: إنَّ كلماتِه تعالى مَسموعة؛ لأنها تُكتَب، ولا يُكتَب إلَّا ما كان مَسموعًا.
وهذه الفائِدةُ فيها نظَر؛ لأنه يُمكِن أن تَكتُب الشيءَ مجُرَّد كِتابة؛ يَعنِي: أن الإنسان يُمكِن أن يَكتُب كلِماتِه هو دون أن يُسمِع غيرَه.
إِذَنْ: هذه الفائِدةُ فيها نظَرٌ، لكن يُؤخَذ من إثبات أن اللَّه يَتكلَّم بصَوْت: أنَّ الكَلام لا يُسمَّى كلامًا إلَّا حيث يَكون صوتًا، أمَّا مجُرَّد ما في النَّفْس فليس بكَلام.
стр. 162
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيان أنَّ كلِماتِ اللَّه لا نَفادَ لها، تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ووجهُ ذلك ما تَقدَّم في التَّفسير: أنَّ اللَّه تعالى لم يَزَل ولا يَزال خَلَّاقًا، فعَّالًا لما يُريد، ومن لازِمِ ذلك أن يَكون مُتكَلِّمًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تمَامُ قُدْرة اللَّه حيثُ كان قادِرًا على كلام لا يَنفَد.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ العِزَّة والحِكْمة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وإثباتُ الحُكْم أيضًا من قوله تعالى: ﴿حَكِيمٌ﴾، وإثبات هَذَيْن الاسمَيْن عَزيز وحَكيم.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: ما دَلَّ عليه اجتِماع العِزَّة والحِكْمة من صِفة الكَمال، قُلْنا: إن الاسم قد يَكون له مَعنًى في ذاتِه، ومَعنًى باجتِماعه إلى غيره؛ فاجتِماع العِزَّة مع الحِكْمة يُفيد كَمالًا أكثَرَ ممَّا لوِ انفَرَدَتِ العِزَّة أو الحِكْمة، وهو أنَّ عِزَّة اللَّه مَربوطة بالحِكْمة.
* * *
стр. 163
الآية (٢٨)
* قالَ اللَّه : ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨].
* * *
ثُمَّ قال مُبيِّنًا كَمال قُدْرته بعد أن بَيَّن عُموم مِلْكه، وكمال كلِماته قال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ خَلْقًا وبَعْثًا، لأنه بكلِمة (كُنْ) فيَكون؛ لأنه يَعلَم الخَلْق والبَعْث؛ فما خَلْقكم جميعًا إلَّا كنَفْسٍ واحِدة، وما بَعثُكم جميعًا إلَّا كنَفْسٍ واحِدة.
إِذَنِ: الكَثْرة لا تُعجِز اللَّه ، لأنَّ الكَثْرة عِنده والقِلَّة على حَدٍّ سَواءٍ، إذِ الكُلُّ تَتَعلَّق به القُدرةُ، وهذا كلُّه سَهْل عليه، لأنه يَكون بكلِمة (كُنْ) فاللَّه لمَّا خَلَق السمواتِ والأرضَ لم يَحتَجْ إلى عمال وعوامِلَ، ولهذا يُقال: إذا كان البِناء واسِعًا كان أشَقَّ، وإذا كان ضَيِّقًا كان أهوَنَ، لكن عند اللَّه تعالى فلا؛ إنما هو بكلِمة (كُنْ)، وما كان بكلِمة (كُنْ)، فلا فَرْقَ بين أن يَكون كثيرًا، أو قليلًا، ولهذا قال اللَّه في آية أُخرَى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧]، يَعنِي: بل هو أَقرَبُ من لمَحِ البصَر، وقال : ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]، وهذا غاية ما يَكون من السُّرْعة والإنجاز. وقال : ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤]، فكُلُّ هذا يَدُلُّ على
стр. 164
كَمال قُدْرته .
والجَوابُ عمَّا يُورَد على المَرءِ: لماذا خلَقَ اللَّه تعالى السَّمواتِ والأرضَ في سِتَّة أيام؟ ولماذا يَخلُق الجَنين في بَطْن أُمِّه لمُدَّة تِسْعة أشهُرٍ؟ وما أَشبَهَ ذلك؟
والجَوابُ: أنَّ أفعاله مَقرونة بحِكْمة، وأنه جعَل الأسباب مَربوطةً بمُسبَّباتها، فلا بُدَّ من أن يَكون هناك سبَب ويَنتُجُ عنه مُسبَّب، ولا بُدَّ من أن يَكون هذا السبَبُ مُطابِقًا مُوافِقًا؛ حتى يَتِمَّ الخَلْق على كَماله.
فهذا الخَلْق يَحتاج إلى أشياءَ، مُقدِّمات وأَسْباب يَحصُل بها كَمال الخَلْق، فاللَّه قادِر على أن يَخلُق الجنين في بَطْن أُمِّه بدون أن يَتَناوَلها الرَّجُل كما حصَل في عيسَى ﵇، ومع هذا فإن اللَّه تعالى قد جعَل لهذا أسبابًا: اتِّصال ماء الرَّجُل بالمرأة، ثُمَّ بعد ذلك الجنينُ يَتطَوَّر شيئًا فشيئًا حتى يَصِل إلى الغاية، ثُمَّ إذا كان قابِلًا لأَنْ يَخرُج إلى الدنيا خرَج، ثُمَّ مع ذلك يَنمو شيئًا فشيئًا، لا يَأتيه العَقْل كامِلًا دفعة واحِدة، ولا يَأتيه النُّموُّ دفعة واحِدة، ولكنه على وَفْق الحِكْمة.
وقوله تعالى: [﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يَسمَع كلَّ مَسموع، ﴿بَصِيرٌ﴾ يُبصِر كل مُبصَر، لا يَشغَله شيء عن شيءٍ]؛ قوله : [﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يَبصُر كلَّ مُبصَر] وكلُّ مُبصَر فهو خَلْق مخَلوق، فما ثَمَّ إلَّا خالِق أو مخَلوق، فكل مُبصَر يَعنِي: كل ما مِن شَأْنه أن يَتعَلَّق به البصَر، ولو أني أنا ما أُبصِره، لكن اللَّه يُبصِره، فنَتَفاوَت؛ فهناك شيء يُبصِره زَيْد ولا يُبصِره عَمرٌو.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ تَقدَّم أنَّ السميع يَنقَسِم إلى قِسْمين: قِسْم: بمَعنَى مجُيب، وقِسْم: بمَعنَى سامِع، يَعنِي مُدرِك للأصوات؛ فالسَّميع الذي بمَعنَى مجُيب.
стр. 165
مثل قول إبراهيمَ ﵇: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، أي: مجُيبُه، ومن المعلوم أيضًا أنه لا يُجيبه إلَّا بعدَ أن يَسمَعه سَمْعَ إدراكٍ، ولكن الفائِدة من الدُّعاء هي إجابة الداعِي، أمَّا مجُرَّد أن يُسمَع دُعاؤُه؛ فلا فائِدةَ له من ذلك حتى يُجاب.
وتَقدَّم أنَّ سَمْع الإدراك يَنقَسِم إلى ثلاثة أقسام:
ما يُفيد التهديد.
وما يُفيد التَّأْييد.
وما يُفيد سَعةَ سَمْع اللَّه ، وإدراكُه لكل مَسموع.
فمما يُفيد التَّهديد: قوله : ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠].
ومِمَّا يُفيد التأييد قولُه لمُوسى وهارونَ ﵉: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
وممَّا يُفيد الشُّمول؛ أي: شُمول سَمْع اللَّه لكل ما يُسمَع مثل قول اللَّه : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١]؛ ولهذا قالَتْ عائِشةُ ﵂: تَبارَك الَّذي وَسِعَ سَمْعُه الأصواتَ، إني فِي طرَفِ الحُجْرة وإنه ليَخفَى علَيَّ بَعضُ حَدِيثها (١)، واللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْع سَمَواتٍ يَسْمَعُ هَذا الحَديثَ والتَّحاوُرَ كُلَّهُ، ولَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ.
стр. 166
أمَّا قوله تعالى: ﴿بَصِيرٌ﴾ فالبَصير بمَعنَى: مُبصِر، أَيْ: مُدرِك ببَصَره فلله تعالى بصَرٌ يُبصِر به المُبصَرات، كما جاء في الحديثِ الصحيح: "حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ" (١).
وقد يَكون البَصير أيضًا دالًّا على العِلْم، مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، أي: عَليم به، وعند الناس الآنَ إذا قالوا: فُلان بَصير بالأشياء، يَعنِي: عنده عِلْم بها وخِبْرة.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إثبات الخَلْق والبَعْث، لقوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: كَمال قُدْرة اللَّه تعالى حيث جعَل ﷻ الخَلْقَ والبَعْث لجميع الخَلْق كنَفْس واحِدة، وهذا في غاية ما يَكون من القُدْرة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات البَعْث، لقوله تعالى: ﴿وَلَا بَعْثُكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الاستِدْلال بالمَشهود على المَوْعود، فالمَشهود الخَلْق، والمَوْعود البَعْث، وقد قرَنَهما اللَّه جَميعًا، لإثباتِ كلِّ واحِد منهما، وأنه كما قَدَر على الخَلْق أوَّلًا فهو قادِر على البَعْث ثانيًا.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات اسمَي (السَّميع) و (البَصير) للَّه تعالى، وإثبات ما دَلَّا عليه من صِفات، وإثبات الكَمال باجتِماعهما السَّمع والبَصْر، إِذْ ليس كلُّ سَميع بَصيرًا، وليس كلُّ بَصير سميعًا، وقد سَبَق لنا مَعنَى السَّميع ومَعنَى البَصير.
стр. 167
الآية (٢٩)
* قالَ اللَّه : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩].
* * *
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الهَمْزة هنا للاستِفْهام التَّقريريِّ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بمَعنَى: قد رأَيْت، فهو يُقرِّر هذه القَضيةَ المُشاهَدةَ المَعلومة لكل أحَدٍ.
والخِطاب في قوله: ﴿تَرَ﴾ إمَّا للرسول ﵊، أو لكُلِّ مَن يَصلُح للخِطاب. والمَعنَى الثاني أَشمَلُ وأعَمُّ؛ فتكون شامِلة لكُلِّ مَن يَصلُح له الخِطاب.
وقوله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها الرَّائَي المُخاطَب ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ﴾ يُدخِل ﴿اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ﴾ يُدخِله ﴿فِي اللَّيْلِ﴾، وهذا الإيلاجُ والإِدْخال لا يَكون إلَّا بقُدْرة عَظيمة، يُولِج الليل في النهار، ويُولِج النهار في الليل، فهل المُراد إقبال الليل وإقبال النَّهار؛ لأنك ترَى الليل إذا أَقبَلَ يَدخُل سوادُه في النهار، فيَدخُل على النهار ويَطرُده، وترَى النهار أيضًا إذا أَقبَل يَلِج في الليل فيَطرُده؛ فيَكون هذا عِبارة عن تَقرير طُلوع الفجر وإقبال اللَّيْل.
وقد أَقسَم اللَّه تعالى بذلك في القُرآن الكَريم ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٣ - ٣٤]، ولا يُقسِم بشَيْء من المَخلوقات إلَّا لعِظَمه، فيَكون مَعنَى الإيلاج الإِدْخال به؛ أي: إدخال الليل بالنهار أو العَكْس عند كل صَباح وعند كل مَساء.
стр. 168
هذا وَجْه.
أو أنَّ المَعنَى: يُولِج الليل في النَّهار، بمَعنَى أنه يَزدادُ النَّهار مُدَّةً حتى يَدخُل في الليل، ويَزداد الليل مُدَّة حتى يَدخُل في النهار، يَعنِي: يَطول النهار؛ فإذا طال أَخَذ من الليل، فمَعنَى ذلك أنه دخَل عليه، ويَطول الليل فإذا طال أَخَذ من النَّهار، فيَكون قد دخَل عليه واختَلَس منه، هذا أيضًا مَعنَى لكلِمة الإيلاج.
وكلاهما مَعنًى صَحيحٌ، ففي إقبال الليل وإدباره آية عَظيمة من آيات اللَّه تعالى، وفي كون هذا يَزيد وهذا يَنقُص أيضًا آيةٌ من آيات اللَّه ؛ لأن الخَلْق لوِ اجتَمَعوا كلُّهم على أن يَأْتوا بالليل في النهار، أو بالنهار في الليل لا يَستَطيعون، لوِ اجتَمَعوا كلُّهم على أن يَزيدوا في النهار دَقيقةً واحِدةً، أو في الليل دَقيقة واحِدة لا يَستَطيعون، مَهما أُوتوا من قُوَّة.
إذَنْ: فهذا دليل على كَمال قُدْرة اللَّه .
ثُمَّ إنَّ في إيلاج الليل بالنَّهار على المَعنى الثاني والعكس فيه دَليل على رحمة اللَّهِ تعالى؛ لأن تَناوُب الليل والنهار بالزيادة والنَّقْص فيه مَصلَحة عَظيمة جِدًّا؛ لأن الليل إذا طال حصَل البَرْد والشِّتاء وظهَرَت أَشجار الشِّتاء، وماتَت الحشَرات التي قد يَكون بَقاؤُها ضارًّا بالإنسان والنَّبات.
وكذلك إذا ازداد النَّهار ازداد الحرُّ فنَضِجت الثِّمار وزال البُخار من الأرض، وماتَتْ بذلك حشَراتٌ كثيرةٌ من أَجْل الحَرِّ، لو أنها بقِيَت وتَنامَت لأَضَرَّت بالناس، فيَكون هذا أيضًا فيه دَليل على كمال الحِكْمة والرَّحْمة مع القُدْرة.
قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ أي: ذلَّلَهما لمَصالِح العِباد، والدليل
стр. 169
على ذلك قوله تعالى في الآية العامة الشامِلة: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ﴾ كلِمة ﴿لَكُمْ﴾ إِذَن كل ما ذُكِر من التَّسخير في الكون فهو لبني آدَمَ؛ ولهذا يُقال في بعض الآثار: "يَا ابْنَ آدَمَ خَلَقْتُكَ مِنْ أَجْلِي، وَخَلَقْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِكَ"، فاللَّه يَقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، ويَقول : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ويَقول تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، أي: لكم أنتُم.
وذكَر الشمسَ والقَمَرَ بعد ذِكْر الليل والنهار؛ لأن الشَّمْس آيةُ النَّهار، والقمَر آيةُ الليل؛ لقوله : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ وهو القمَر ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]؛ ولذلك القمَرُ لا نُورَ فيه، إنما يَستَفيد نُورَه من الشَّمْس، كلَّما قابَلها ازداد نُورُه، فإذا تمَّتِ المُقابَلة بينه وبين الشَّمْس في ليلة من ليال الإِدْبار كمَلَ نُوره، ثُمَّ كُلَّما ضعُفَتِ المُقابَلة ضعُف نُورُه.
ثُمَّ قال ﵀: [﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ﴾ مِنهما ﴿يَجْرِي﴾ في فَلَكه ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو يوم القِيامة] ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾: ﴿كُلٌّ﴾ هذا التَّنوينُ؛ يَقول النَّحويون: إنه عِوَض عن محَذوف، عن كلِمة، يَعنِي: كل واحِد من الشَّمْس والقمَر يَجرِي إلى أَجَل مُسمًّى، العَجيب أنه رُوِيَ عن ابن عَبَّاس ﵄ قال: إن الشَّمْس والقمَر يَجريان في فلَكهما في النهار، ويَجرِيان في فلَكهما تَحتَ الأرض في اللَّيْل (١). وهذا يَدُلُّ على أنَّ ابن عَبَّاس يَرَى الأرض كُروية؛ لأنَّ إذا كان يَجرِي تَحت الأرض فمَعناه
стр. 170
أنها كُروية، وهو كذلك؛ لأن الشمس والقمَر بالليل يَجريان تَحتَ الأَرْض، كما قال ﵁.
والأرضُ هي أرضُنا هذه، والأرَضون السِّتُّ الباقية تَحتَها، يَعنِي: الأرض طبَقات مثل السماء طبَقات بعضُها فوق بَعْض، ألَمْ ترَ إلى البَيْضة فيها القِشْرة الأعلى، ثُمَّ القِشْرة الثانية والتي يَليها البَياض، ثُمَّ البَياض، ثُمَّ قِشْرة رقيقة، ثُمَّ الأَصْفَر؛ فطبَقات الأرض مثل البَيْضة هكذا، كذلك أيضًا السمَوات نَفْس الشيء طبَقات مُكوَّرَة.
فإن قال قائِل: هل هي مُنفَصِلة؟
فالجَوابُ: فيه خِلافٌ؛ بعض العُلماء ﵏ يَقول: إن بَينَهُنَّ فَصْلًا وهَواءً، يَعنِي: مثل ما أنَّ السمَواتِ بينها هَواءٌ وفَصْل. وبعضُهم يَقول: لا فَصْلَ بينها.
فإن قيل: إذا قُلْنا: إنه تَدور الشمس والقمَر من تَحت الأرَضين السَّبعْ كلِّها؛ فكيف ذلك؟
فالجَوابُ: الأرَضون السبعُ هي الكُتْلة، فكُتْلة الأرض هذه التي يُسمُّونها الكُرةَ الأَرْضية، هذه مُتَضمِّنة للسَّبْع، فالسَّبعْ في جَوْفها، والدليلُ على هذا قولُه ﷺ : "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبع أَرَضِينَ" (١)؛ لأنه إذا ظلَم الأرض العُليا التي نحن عليها الآنَ، فيَكون قدِ اعتَدى على التي تَحتَها، والتي تَحتَها، والتي تَحتَها إلى السَّبعْ.
стр. 171
وقوله : ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ هنا: الرُّؤْية بمَعنَى العِلْم في المَوْضِعين، كما قدَّرها المُفَسِّر ﵀، يَعنِي: أَوَلَمْ تَعلَم أنَّ اللَّه تعالى بما تَعمَلون خَبير.
فإن قال قائِل: عِلْمي بأنَّ اللَّه تعالى يُولِج الليل في النهار، وأنه سخَّر الشمس والقمَر، عِلْمٌ طريقُه الحِسُّ، فأنا أُشاهِد ذلك، لكن: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ما طريق هذا العِلْمِ، هل هو الحِسُّ الشاهِدُ أو الخبَرُ الصادِقُ؟
فالجَوابُ: الخبَر الصادِق لا شَكَّ، نحن نَعلَم أن اللَّه تعالى بما نَعمَل خَبير؛ لأنه أَعلَمنا بذلك وهو أَصدَق القائِلين، ونحن نَعلَم ذلك أيضًا عن طريق الحِسِّ الشاهِدِ؛ لمِا نُشاهِد من عُقوبات المَعاصِي مثَلًا، ومن ثواب الطائِعين، وممَّا يَحدُث للإنسان نَفْسِه من أثَر الطاعة، ومن أثَر المَعصية، فالإنسان المُؤمِن يَحصُل له من المَعصية أثرٌ سَيِّئ في نَفْسه، حتى إن بعض الناس يَضيق صَدْره، ولا يَدرِي ما السبَبُ، لكن سبَبه مَعصية خَفِيَت عليه كما قال النبيُّ ﵊: "إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ" (١) أو كما قال ﵊، فالإنسانُ يُحِسُّ بعِلْم اللَّه وخِبْرته بما يَعمَل من الآثار.
والحاصِلُ: في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أن نَقول: نحن نَعلَم ذلك عن طَريقين هُما: الخبَرُ الصادِق والحِسُّ الشاهِد؛ فنُحِسُّ بذلك بما نَرى من آثار أعمالنا الصالحِة، أو آثار أعمالنا السَّيِّئة، ومن الفرَج عند الكَرْب، فهذا أيضًا من العَلامات، فالحاصِلُ من هذا: أن يَكون هذا التَّقديرُ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تَعلَم، وقيل: للأَمْر الواقِع المُشاهَد المَحسوس، والأَمْر المَعلوم عن طريق الخبَر الصادِق.
стр. 172
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ قُدْرة اللَّه بإِيلاج اللَّيْل في النَّهار وإيلاج النَّهار في اللَّيل.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيان رَحْمة اللَّه ، لأنَّ هذا الإيلاجَ فيه من المَصالِح الكثيرة، ما هو مُشاهَد مَعلوم، وما ليس بمَعلوم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيان نِعْمة اللَّه على عِباده، بتَسخير الشَّمْس والقمَر؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الشَّمْس والقمَر يَجريان؛ لقوله : ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيانُ كَمال النِّظام في أفعال اللَّه تعالى، لِقَوْله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ مُعيَّن لا يَختَلِف لا تَقَدُّمًا ولا تَأخُّرًا.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الرَّدُّ على مَن قال: إنَّ الشمسَ والقمَر ثابِتان، لقوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ وهذا خبَر مِن خالِقهما ، وهو أَعلَمُ بما خلَق، قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، فيَكون فيه رَدٌّ واضِح على الذين يَقولون: إنهما ثابِتان لا يَجريان.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن لكُلِّ مَوْجود مِن الخَلْق غايةً؛ لقوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلَّا الجنَّة والنار؛ فإنهما باقِيان أبَدَ الآبِدِينَ؛ لإبقاء اللَّه تعالى لهما، وليس بَقاؤُهُما ذاتِيًّا؛ لأن (ما جازَ حُدوثه جازَ عدَمُه)، ولكن اللَّه قضَى بأَبَدية الجَنَّة والنار، كما تَدُلُّ على ذلك الأدِلَّة الصريحة الصَّحيحة.
стр. 173
إِذَنْ: فكُلُّ مَوْجود له غاية، نَأخُذه بالقِياس على هذا: جَرَيان الشَّمس والقَمَر مع أنهما دائِمًا وأبَدًا كما قال اللَّه : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣]؛ فمَعَ كونِهما دائِبَيْن لهما غايةٌ؛ فما سِواهُما مِثْلهما.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثباتُ اسمِ الخَبير من أسماءِ اللَّه تعالى؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: تَحذير المَرْء من المُخالَفة؛ لقوله تعالى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يَعنِي: فاحْذَرْ أن تُخالِف في عمَلِك، فإن اللَّه عَليم به، وقوله تعالى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ لا يُستَفاد منه الحَصْر؛ لأنه قدَّم المَعمول؛ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لأن أَصلَه؛ وأن اللَّه خَبير بما تَعمَلون. فنَقول: هذا الحَصْرُ إضافيٌّ والغرَض منه التَّحذير، فكأنه يُقال: لو لم يَكُن خَبيرًا بالشيء لكان خَبيرًا بأعمالكم، فإفادةُ الحَصْر هنا: لتَمام التَّحذير، يَعنِي: كأَنْ يُقال: لو لم يَكُن خَبيرًا بشيء لكان خَبيرًا بأعمالكم فاحْذَرُوا المُخالَفةَ.
* * *
стр. 174
الآية (٣٠)
* قالَ اللَّه : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان: ٣٠].
* * *
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ المُشار إليه ما ذُكِر من تَسخير الشَّمْس والقمَر، والقُدْرة على البَعْث والخَلْق، أي: ذلك المَذكورِ السابِقِ.
وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ الباء للسَّبَبية، أي: بسبَب أنَّ اللَّه تعالى هو الحقُّ؛ ولكونه جعَله هو الحقَّ صارَت هذه الأُمورُ وتَنَظَّمَت هذه النُّظُمُ؛ لأنه جَلَّ وَعَلَا حَقٌّ في ذاته، وحَقٌّ في أفعاله، وحَقٌّ في أحكامه، وحَقٌّ في أسمائه وصِفاته؛ فرُسُله حَقٌّ، وكِتابه حَقٌّ، ووَعْده حَقٌّ، وثوابه حَقٌّ، وعِقابه حَقٌّ، وكل ما صدَر عنه فهو حَقٌّ.
والحَقُّ هو ضِدُّ الباطِل، والباطِل هو اللغوُ والعبَث الذي لا خَيْرَ فيه؛ فيَكون المَعنى: أن كل ما صدَر عن اللَّه فإنه حَقٌّ وخَيْر ثابِت.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾: ﴿وَأَنَّ﴾ مهو مَعطوفة على (أنَّ) المَفتوحة.
وقوله : ﴿مَا يَدْعُونَ﴾: ﴿مَا﴾ هذه اسمٌ مَوْصول، يَعنِي: وأن الذي يَدْعون، وقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ﴾ يَشمَل دُعاء العِبادة، ودُعاء المَسأَلة؛ لأنَّ الأصنام التي تُعبَد من دون اللَّه تعالى تُدْعى بمَعنَى: تُعبَد، وتُدْعَى بمَعنى: تُسْأَل.
стр. 175
والدُّعاء له مَعنَيان: دُعاء عِبادة، ودُعاء مَسأَلة، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] دُعاءَ مَسْألة، وقوله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، هذا دُعاءُ عِبادة، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠]. أَيْ: ما عِبادتُهم إلَّا في ضَلال.
فالدُّعاء إِذَنْ: يَكون بمَعنَى دُعاء المَسأَلة، ودُعاء العِبادة، فقوله تعالى: ﴿مَا يَدْعُونَ﴾ يَشمَل المَعنيَيْن، يَعنِي: ما يَعبُدون، وما يَطلُبون منه الحوائِج.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ﴾ بالياء والتاء] يَعنِي قِراءَتانِ سَبْعيَّتان: (وَأَنَّ مَا تَدْعُونَ)، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ﴾ وكِلاهما صحيح، لكن في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ خِطاب، ولا يَكون إلَّا للكافِرين، لأنَّ الخِطاب في مِثْل هذا لا يُمكِن أن يَكون للرسول ﷺ ولا للمُؤمِنين من أصحابه.
وقوله : ﴿مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: منِ سِواهُ، وقول المُفَسِّر ﵀: [يَعبُدون] هذا فيه قُصور، والصواب: يَعبُدون ويَسأَلون، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يَدعو يَعنِي: يَسأَل؛ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥].
فهنا يَنبَغي أن يُضاف: يَعبُدون ويَسأَلون.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: مِن سِواهُ.
وقوله تعالى: ﴿الْبَاطِلُ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [الزائِل] وهذا فيه نظَر، لأنَّ المُراد الباطِل يَعنِي: الذي لا خَيرَ فيه، ومنه حَديثُ: "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالهَا الشَّاعِرُ
стр. 176
كلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ" (١) "بَاطِل" يَعنِي: لا خَيرَ فيه.
وهلِ المُرادُ الباطِل في عِبادتهم إيَّاه، أو الباطِل حتى في نَفْسه؛ فليس مُستَحِقًّا للعِبادة؟
الجَوابُ: كِلَا الأَمْرين؛ فهو باطِل بالنِّسبة لعِبادتهم إيَّاه، وهو باطِل في نَفْسه لا يَستَحِقُ من الأُلوهية شَيْئًا.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على خَلْقه بالقَهْر ﴿الْكَبِيرُ﴾ العَظيم]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ هذه الجُملةُ جُملةٌ خبَرية مُؤكَّدة بضَمير الفَصْل.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْعَلِيُّ﴾ يَعنِي: لا غيرُه، والعَليُّ صِفة مُشبَّهة؛ لأنها على وَزْن فَعيل، والصِّفة المُشبَّهة يَقول أهلُ العِلْم باللُّغة العرَبية: إنها تُفيد الثُّبوت والاستِمْرار.
ومَعناهُ: العَليُّ بذاته والعَليُّ بصِفاته، فعُلُوُّه ذاتِيٌّ لازِمٌ أبَدًا سواءٌ كان علِيًّا بذاته أو علِيًّا بصِفاته؛ وتَقدَّم لنا من أهل البِدَع مَن يُنكِر العُلوَّ الذاتِيَّ، وأمَّا عُلوُّ المَعنَى فهو مُتَّفَق عليه بين المُسلِمين.
وقوله ﵀: [﴿الْعَلِيُّ﴾ على خَلْقه بالقَهْر] هذا فيه قُصور؛ لأن الصواب أنه علِيٌّ بذاته وصِفاته.
وقوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [العَظيم] فهو كبير بمَعنَى: عظيم في ذاته وفي صِفاته؛ قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]،
стр. 177
وأَخبَر اللَّه أن السمَواتِ: ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وأن الأرضَ: ﴿جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وأنه يَطوِي ﴿السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، فكُلُّ هذا يَدُلُّ على عِظَم ذاته كما أنه عَظيم في صِفاته.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ﴾: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هنا لمَّا ذكَر أن له الحَقَّ، وأن ما دونَه دونَ الباطِل قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، فلِعُلُوه وكِبْريائه يَتبَيَّن أن هذه الأصنامَ على الضِّدِّ من ذلك، فهي سافِلة لا عُلوَّ فيها، وهي ذَليلة وصغيرة ليس فيها شيء من الكِبْرياء.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن اللَّه هو الحَقُّ، والحقُّ ضِدُّ الباطِل، والباطِل كل شيء لا فائِدةَ منه، ولا خَيرَ فيه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن كل ما يَصدُر عن اللَّه فهُوَ حَقٌّ؛ لأنه لا يَصدُر عن الحَقِّ إلَّا حَقٌّ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن عِبادة غيرِ اللَّه تعالى باطِلة.
* * *
стр. 178
الآية (٣١)
* قالَ اللَّه : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١].
* * *
قوله ﵀: [﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ﴾ السُّفُن ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ﴾ يا مخُاطَبِين بذلك ﴿مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ عِبَرًا ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن مَعاصِي اللَّه تعالى ﴿شَكُورٍ﴾ لنِعْمَته].
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ﴾ هذا الاستِفْهامُ للتَّقرير؛ لأن هذا أَمْرٌ مَرئِيٌّ، فلا يَسأَل عن ثُبوته، ولكن يُقرِّر ثُبوتَه، والخِطاب في قوله تعالى: ﴿تَرَ﴾ يَعود إمَّا للرسولِ ﷺ ، وإمَّا لكُلِّ مَن يَصِحُّ منه الخِطاب، وهذا أَعَمُّ.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْفُلْكَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [السُّفُن]، فكأنه حمَلَه على الجَمْع مع أنه يُحتَمَل أن يُراد به المُفرَد؛ لقوله تعالى: ﴿تَجْرِي﴾ والفُلْك كما سبَق كلِمة تُطلَق على الجمْع وعلى الواحِد قال اللَّه : ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]، فالفُلْك هنا للجَمْع، فقوله: ﴿وَجَرَيْنَ﴾ نونُ النِّسوة جَمْع، ولم يَقُل: وجَرَتْ، وأمَّا هنا أن (الفُلْك تَجرِي) فظاهِر الآية الكَريمة أن المُرادَ بها المُفرَد، إذ لم يَقُلْ: (ألَمْ ترَى أن الفُلْك يَجرِينَ)، ومع ذلك فالمُفرَد يُراد به الجَمْع من حيثُ المَعنَى؛ لأن الفُلْك ليس واحِدًا بالعَيْن، لكنه واحِدٌ بالجِنْس.
стр. 179
وقوله : ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾: ﴿فِي﴾ للظَّرْفية، وهل هي على بابها أو بمَعنَى (على)؟
الجَوابُ: أن الفُلْك التي تُحمَل الأنعام هذه على سَطْحه، لكنها في الحَقيقة في وسَطه في الواقِع لا يُغطِّيها، لكن أَسفَلها مُغطًّى بالماء.
وقوله تعالى: ﴿فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ الباء مُتعَلِّقة بـ ﴿تَجْرِي﴾ يَعنِي: تَجرِي بالنَّعَم أي: حامِلةً النَّعَم، ويُحتَمَل أن تَكون الباء للسبَبِيَّة، أي: تَجرِي بسبَب نِعْمة اللَّه تعالى، أي: أن اللَّه تعالى أَنعَمَ على عِباده بجرَيانها، وبين المَعنيَيْن فَرْق؛ لأنها على المَعنَى الأوَّلِ تُفيد أن هذه السُّفُنَ تَحمِل النَّعَم، وأمَّا المَعنَى الثاني تُفيد أن السُّفُن تَجرِي بنِعْمة اللَّه تعالى، يَعنِي: أن جَرَيانها من إنعام اللَّه تعالى علَيْنا.
والآية تَحتَمِل المَعنَيَيْن بدون مُناقَضة، وقد ذكَرْنا مِرارًا وتَكرارًا: أن الآيَةَ إذا كانَتْ تَحْتَمِل المَعنيَيْن بدون مُناقَضة حُمِلَت على المَعنَيَيْن.
فإنها قد تَجرِي فارِغةً ليس فيها شيء، ومجُرَّد تمَكين اللَّه لهذه السُّفُن من أن تَجرِي في الماء والماء ليس جِرْمًا صُلْبًا يَحمِل، بل هو جِرْم لَيِّن، لولا أن اللَّه تعالى أن يَسير عليه هذه السُّفُنِ تمَشِي عليه ما مشَتْ، وإذا كانت رُكَّابًا فقط فهي تَكون في المَعنَى الأوَّلِ بإنعام اللَّه ، والغالِب أنه يَكون فيها من نِعَمِ اللَّه تعالى مِن الأرزاق ما هو شيء كثير، لكن -واللَّهُ أَعلَمُ- أنها المَعنَى الثاني.
قوله تعالى: ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ اللَّامُ مُتَعلِّقة بـ ﴿تَجْرِي﴾ وهي لامُ التَّعليل، أي: لأَجْل أن يُرِيَكم، ومَعنَى ﴿لِيُرِيَكُمْ﴾ يُظهِرَه حتى ترَوْه؛ يَعنِي: لأَجْل أن ترَوْا من آيات اللَّه تعالى ما يُبهِر عُقولكم.
стр. 180
وقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾: ﴿مِنْ﴾ هنا للتَّبْعيض؛ إِذْ إن السُّفُن والراكِبَ عليها لا يَرَى كلَّ آيات اللَّه تعالى، ولكنه يَرَى بعضًا منها.
وقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ أي: ممَّا يَدُلُّ على كَماله في القُدرة والإنعام وغيرِ ذلك، والآياتُ جَمْع آيةٍ وهي في اللُّغة: العَلامة، والمُراد بها كلُّ ما يُستَدَلُّ به على كَمال اللَّه في ذاته وصِفاته.
والآياتُ التي ترى: ما في البَحْر من الأسماك والحِيتان العَظيمة المُتنَوِّعة، وكذلك أيضًا من آياته ما يُشاهَد في البَحْر في أَمواجه وشِدَّتها وخِفَّتها، وكذلك أيضًا ما يُشاهَد من البحر من الأبخِرة التي تَتَصاعَد وتَتكوَّن سَحابًا بإذن اللَّه .
المُهِمُّ: أن هذه الآياتِ العَظيمةَ أيضًا هي ليسَتْ كلَّ الآيات، ولكنها من آيات اللَّه تعالى بعض آياتِه.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المُشار إليه: ما ذُكِر في البَحْر من جرَيان السُّفُن بنِعَم اللَّه، وما يُشاهَد في البَحْر من آيات اللَّه تعالى.
وقولُه تعالى: ﴿لَآيَاتٍ﴾ أي: لعَلاماتٍ كَثيرة و ﴿آيَاتٍ﴾ هذه اسمُ (إِنَّ) مُؤخَّر و ﴿فِي ذَلِكَ﴾ جارٌّ ومَجرور خبَرها مُقدَّمٌ.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿لَآيَاتٍ﴾ عِبَرًا] يَعتَبِر بها الإنسانُ، وَيَستَدِلُّ بها على كَمال قُدْرة اللَّه [﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن مَعاصِي اللَّه ﴿شَكُورٍ﴾ لنِعَمِه].
وقوله تعالى: ﴿صَبَّارٍ﴾ صِيغة مُبالَغة، يَعنِي: كثير الصَّبْر.
وقوله تعالى: ﴿شَكُورٍ﴾ صِيغة مُبالَغة أيضًا، أي: كثير الشُّكْر.
والمُناسَبة لذِكْر (الصَّبَّار الشَّكور) بعد ذِكْر أن (الفُلْك تَجرِي في البَحْر بنِعْمة اللَّه)