← Тафсир

Тафсир · id 132428

تفسير العثيمين: لقمان

ابن عثيمين

Полный текст (209 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قوله : ﴿وَمَنْ يَشْكُر﴾ الجُملةُ هذِه شَرْطِيَّة، فِعْل الشرط فيها مَجزوم بـ (مَن)، وجواب الشرط: جُمْلةُ قولِه: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، و (إنَّما) أداة حَصْر، و ﴿يَشْكُرُ﴾ فِعْل مُضارِع؛ وجواب الشَّرْط هو الجُملة: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، لا قوله تعالى: ﴿يَشْكُرُ﴾ فقط. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ كيف قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قال: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؟ قد يُقال: إن المُتَوَقَّع أن يَقول: ومَن يَشكُر فإنما يَشكُرُ اللَّهَ؟ ولكن نَقول مَثلَما قال المُفَسِّر: إن مَعنَى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ أي: أنه يَعُودُ ثَوابُ الشُّكرِ إليه، فهو لمِصلحتِه، وليس الشُّكْر يَعود إلى اللَّه فيَنتَفِعُ به؛ لأنّه يَنْتَفِع بالطاعة، ولا يَتَضَرَّرُ بالمَعصية، وإنما يَعود إليك أنت نَفْسِك. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ وهو ضِدُّ الشُّكْر. وقوله : ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ غَنِيٌّ عَنه إذا كفَرَ نِعمَة اللَّه تعالى، و ﴿حَمِيدٌ﴾ فَعِيل بمَعنَى: مَفْعُول، ويَجوز أن يَكون ﴿حَمِيدٌ﴾ بمَعنَى: فَاعِل حَامِد، فهو مَحْمُودٌ وحَامِدٌ، لأنَّه يَصِفُ مَن يَستَحِقُّ الصِّفاتِ الكَامِلَةَ بِمَا يَسْتَحِقُّه؛ ولهذا أَثنَى على أنبيائِه وعلى أَوْليائِه، وهذا حمْدٌ لهم، وهو أيضًا مَحمُود مِن عِبادِه، فهو فَعِيل بمَعنَى: فَاعِل، وبمعنى: مَفعول. ووجهُ ارتِباط جملة جواب الشرط: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ بالشرط ظاهِر، يَعنِي: مَن كفَر فإنَّه لن يَضُرَّ اللَّه تعالى، ولن يَنْقُصَ مِن مُلكِه؛ لأنَّه غَنِيٌّ، وكذلك لن يَكون في ذلك قُصُورٌ مِن حِكْمته؛ لأنه جَلَّ وَعَلَا حَمِيد، فإيجادُ الشاكِرين ممَّا يُحْمَدُ اللَّه عليه، وإيجاد الكافِرين ممَّا يُحمَد اللَّه عليه، ولولا هذا ما عُرِف

стр. 72

قَدْرُ الشُّكْر، ولا عُرِف أيضًا مَضَرَّةُ الكُفْر، فلولا هذا لكان النَّاس على حَدٍّ سواءٍ لا يَتَميَّز فيهِم الطَّيِّب مِن الخَبيث. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ الغَنِيُّ مِن أسماء اللَّه تعالى، والحَميد مِن أسمائِه أيضًا. وقول المُفَسِّر: [﴿حَمِيدٌ﴾ محَمود في صُنْعه] هذا قُصُور، فـ ﴿حَمِيدٌ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀ أنها: [محَمود في صُنْعه]، والصواب أنَّه مَحمُود في صُنْعِه وشَرْعِه، وفي جميع صِفاتِه فهو محَمود على صِفاتِه الكامِلة، وعلى أفعالِه وعلى شرْعِه. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ مِنَّةِ اللَّه على لُقْمانَ ﵇ بإعطائِه الحِكْمة؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الحِكْمة قد يَنالهُا مَن ليس بِنَبِيٍّ؛ لأنَّ لقمانَ ﵇ على قول الجمهور ليس نَبِيًّا. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وجوبُ الشُّكْرِ للَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُر﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ شُكْرَ اللَّه تعالى مِن الحِكْمَة؛ لأنَّ قولَه تعالى: ﴿أَنِ اشْكُر﴾، هذا مِن تفسير الحِكمة، والشُّكْر للَّه لا شكَّ أنَّه مِن الحِكمة؛ لأنَّ الحِكمة هي مُوافَقَة الصَّواب أو وَضْعُ الشَّيْءِ في مَوضِعِه، ولا شَكَّ أنَّ شُكْرَ اللَّه تعالى مُوَافِق للصَّوَاب، وأنَّهُ وَضْع لِلشَّيْء في مَوْضِعِه. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الشَّاكِرَ ثوابُه لِنَفْسِه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾.

стр. 73

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ كُل مَن مَنَّ اللَّه تعالى عَلِيه بالحِكمة فعليه أن يَشْكُرَ اللَّه تعالى أكثرَ مِن غيرِه. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ اللَّه تعالى لا يَنْتَفِعُ بطاعةِ الطائِعين، بل طاعَةُ الطائِعين لأنفُسِهِم. ويَتفَرَّعُ على هذِه الفَائِدةِ: أنَّ أمر اللَّه عبادَه بِطاعتِه أو بِعبادِته أنَّه مُجَرَّدُ إحسانٍ إليهم؛ لأنَّ هذا النَّفْعَ لهم كَمَا لو كُنتَ تُرَبِّي الصغير, وتَقول: كُلْ مِن هذا الطعامِ، والبَسْ هذا الثوبَ، واشرَبْ هذا الماءَ. فأنت تَأمُرُه، لكن الأَمْر لمِصلحَتِه هُو. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الكافِر لا يَضُرُّ اللَّه تعالى شيئًا؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، وفي الحديث القُدسيِّ: "يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلَكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا" (١). الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثباتُ هذين الاسْمَين للَّه ، وهما: الغَنِيُّ والحَميد، وإثبات ما تَضَمَّنَاه مِن صِفَة وهي: الغِنَى والحَمْد، سواء كان حامِدًا أو مَحْمُودًا. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: اتِّصَافُ اللَّه تعالى بالصِّفَة المُرَكَّبَة مِن الوَصْفَيْن وهُما: الغِنَى والحَمْد، فليس كل غنيٍّ يُحْمَد، وليس كُل مَحْمُودٍ غَنِيًّا، أمَّا اللَّه فقدِ اجْتَمَع في حَقِّه الغِنَى معَ الحَمْد، وذلك لِكَمَال جُودِه وكرَمِه . * * *

стр. 74

الآية (١٣) * قالَ اللَّه : ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿و﴾ اذْكُرْ إِذْ ﴿قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ﴾ تَصْغِيرُ إِشْفَاق ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ﴾ باللَّه ﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فرجَع إليه وأَسْلَم]. قوله ﵀: [﴿و﴾ اذكُرْ إِذْ ﴿قَالَ﴾] أَفادَنا المُفَسِّر ﵀ أنَّ (إِذْ) مَفعولٌ لِفِعْل محَذوف، أو ظَرْف مُتَعَلِّق بفِعْل محَذوف، يَعنِي: اذكُرْ هذا الوقتَ الذي قالَ فيه لُقمانُ ﵇ لابنِه. . إلى آخِرِه. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ جُمْلة: ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ حالِيَّة، حالٌ مِن فاعِل ﴿قَالَ﴾ وهو لُقمانُ ﵇، يَعنِي: والحال أنه يَعِظُ فيه ابنَه، والمَوْعِظة هي التَّذْكِير المَقرُون بالتَّخويفِ أو التَّرْغِيب. قال له: ﴿يَابُنَيَّ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [إنه تَصْغِير إشفَاق] وهو كذلك، وليس تصغِيرَ احْتِقَار؛ لأنَّ المَقَام لا يَقتَضيه، ولكنَه تَصغِير إشفاقٍ عليه. وقوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ هذا مَقولُ القول في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ﴾.

стр. 75

وقوله تعالى: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي: لا تَجعَلْ معه شَريكًا في العِبادة، وفي الخَلْق والتقْدِير، وفي أسمائِه وصِفاتِه؛ لأن التَّوْحيد -كما هو مَعروف عند أهل العِلْم- يَنقسِم إلى ثلاثةِ أقسام: تَوحيدُ الرُبُوبِيَّة، وتَوحيد الأُلُوهِيَّة، وتَوْحِيدُ الأسْمَاءِ والصِّفَات. فالشِّرْك باللَّه تعالى: أن يُشرِكَ باللَّه تعالى في أحَدِ هذه الأقسام، فمَنِ اعتَقَد أنَّ معَ اللَّه تعالى خالِقًا فهو مُشْرِك في الربوبية، ومَنِ اعتقدَ أنَّ معَ اللَّه تعالى مَن يَسْتَحِقُّ أن يُعْبَد فهو شِرك أُلوهية، ومَن اعتَقَد أن للَّهِ مُنازِعًا في أسمائِه وصِفاتِه فهو مِن باب الشِّرْك في الأسماءِ والصفات. قال المُفسِّر ﵀: [﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ﴾ باللَّه ﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾] أكَّد لُقمانُ ﵇ كون الشِّرْك ظُلمًا بِمُؤكِّدَيْن وهما: (إنَّ)، واللَّامُ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ الجُملة تَعليلٌ لمِا قبلَها، وهو قوله تعالى: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾، فجمَعَ له لُقمانُ ﵇ بَيْن الحُكْم والحِكْمَة، فنَهاه عن الشِّرْك، وبَيَّنَ أنه ظُلْم عَظيم، والظُّلْم في الأصْل النَّقْص، ومِنه قوله : ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أي: لم تَنْقُص. وأمَّا في الشَّرْع فإنَّ الظُّلم: هو نَقْص كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وعلى هذا فالشِّرْك نَقْصٌ في حقِّ اللَّه . وقولُه : ﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ هذا مِن باب تَعظِيم الشِّرْك والحذَرِ مِنه، وَلا يُوجَد أَعْظَمُ ظُلْمًا مِن الشِرك؛ لأنه مهمَا كان فإنَّ ظُلْمَ الشِّرْك أعْظَمُ مِن كُلِّ شيء، فالذي خلَقَك أَوْجدَك مِن العدَم، والذي أَمدَّكَ بما تَقومُ به حياتُك هو اللَّه

стр. 76

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، والذي أَعدَّكَ وجعَلَك مُستَعِدًّا لمِا تَنتفِعُ به هو اللَّه ، فهو المُوجِد المُعِدُّ المُمِدُّ، وإذا كان كذلك فلا يُوجَد أحَدٌ أعْظَمُ حَقًّا عليك مِن اللَّه تعالى، فإذا نَقصْتَ اللَّه تعالى حقَّه كان ذلك أَعظمَ الظُّلْم؛ ولهذا مَن كان إليك أكثرَ إحسانًا فإن إساءَتَك إليه تَكونُ أعظَمَ مِن غيرِه، فإنَّ الذي يُحسِن إليك ويُعطِيك ويُرْبِيك ثُم تُسيءُ إليه أعظَمُ مِمَّا لو أَسأْتَ إلى أحَدٍ لم يَكُنْ مِنْه ذلك. قال: [﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فرَجَعَ إليه وأَسْلَم] الذي رجَع الابن. وعلى كُلِّ حال: لا نَعرِف هل هذه المَسأَلةُ كَما قال المُفَسِّر ﵀؛ أنَّ الابن كان مُشْرِكًا، فلمَّا وعَظَه أبُوه رجَع فأَسلَم، أو أنَّه -أي: الابن- خافَ عليه أبوه مِن الشِّرْك فنَهاه عنْه، وبَيَّنَ لَه أن الشِّرك لَظُلم عظيم. ولا يَلزمُ مِن النَّهي عنِ الشِّرْك أن يَكونَ الإنسان قد أَشرَك؛ لأنَّه قد يُنْهَى عن الشيء خوفًا مِن وقوعِه لا رَفْعًا لما وقعَ مِنْه، وهذا أمرٌ مَوْجود مُطَّرِد في القرآن، وفي السُّنَّة، وفي كلامِ الناس، فتَقول لِلرَّجُل مثلًا: لا تُصاحبِ الأشرار. فلا يَلزَم مِن هذا النهي أن يَكون مُصاحِبًا لهم، فقد يَكون نهيًا لمِا يُخَاف أن يَحصُل مِنه. فكلِمة ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ ليسَت صريحة في أنَّ الابن قد وقَع في الشِّرْك حتى يُقال: إنَّه رجَع وأَسلَمَ، بل قد يَكونُ أبوهُ نهاهُ عن الشِّرْك خوفًا مِن أن يَقَعَ فِيه، والعِلْمُ عِنْد اللَّه تعالى. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: مُلَاطَفَة المُخَاطَب لاسْتِدْعَاء قَبُولِه لما يُوَجَّه إليه؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿يَابُنَيَّ﴾، فإنَّ هذا مِن بابِ المُلَاطَفَة.

стр. 77

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أهَمِّيةُ هذه النَّصِيحةِ؛ لأنَّها صدَرَت مِن أبٍ مُشْفِق إلى ابنِه، فإذن: هي مِن أهَمِّ ما يَكُون مِن الوصَايَا. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تحريمُ الشِّرْكِ باللَّه تعالى؛ لِقولِه تعالى: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾، ويَكفي أن نَقول: تَحريم الشِّرْك؛ لأنَّ اللَّه تعالى يَقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقد يَقول قائِل إذا سَمِعَني أَقول: إنَّ الشِّرك حَرام. قال: لا يَكفِي أن يَكون حرامًا؛ ونَقول: بل يَكفِي؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال هذا، لكن هُو أشدُّ المُحَرَّمَات إثمًا وظُلْمًا. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وُجوبُ توحيدِ اللَّهِ ؛ لِأنَّ النهيَ عن الشِّرْك يَقْتَضي وُجُوب التوحيد. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الشِّرْك ظُلْمٌ عَظِيم؛ لِقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّه ينْبَغي قَرْنُ الأحْكَام بِعِلَلِهَا لِلفوائد التي سَبَقَتْ، ويُؤْخَذ ذلك من قَولُه تعالى: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ مِن أهمِّ ما تَنْبَغِي العِنَايَةُ به التَّرْكِيزُ على التَّوحيد وعَدَم الشِّرْك؛ لأنَّه ذَكَر: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ فبَدَأ بِه قَبْل كُلِّ شَيْء، وكان الرسول ﷺ إذا بَعَثَ أحَدًا يَدْعُو إلى الإسْلَام يَأمُره أوَّلَ ما يَبدَأُ بِه الدَّعْوَة إلى التوحيد (١)؛ لأنَّها هي الأَصْل، وإذا لم يَكُن عِنْد الإنسان تَوحِيد فَمَنْ يَعْبُد؟ !

стр. 78

فلا بُدَّ أن يُرَكَّز على التوحيد، ولكن لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَال، فإذا كُنَّا في بلدٍ يَكْثُر فيها الشِّرك فإنه يَنبَغي أن يَكُونَ كَلامُنَا في التوحيد أكْثَرَ، وإذا كُنَّا في بَلدٍ بالعكس لكن عِنْدَهُم مُخَالَفَات في أمورٍ أخرى يَنبَغي أن نُرَكِّز عليها أكثَرَ، وذلك مَأخوذٌ مِن طريقةِ القرآن، فَفِي مكَّةَ كانَ التَّرْكيز على التوحيد في آياتِ القرآن أكثَرَ، وفي المدينة كان التركِيز على المُعَامَلات وفُرُوع العِبادات أكثَرَ، فَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَال. ولذلك قد يَعْتَرِض بعض الناس، ويَقول: لمِاذا لا تُكثِرُون الكلام في التوحيد في المَمْلكة السُّعُودية مثَلًا, ولا سِيَّمَا في نَجْدٍ؟ ! نَقول: إنَّ الكلامَ في التوحيد لا شَكَّ أنَّه مُهِمٌّ؛ لأنَّه أهَمُّ الأشياء، لكِن إذا كُنَّا في قَومٍ قد وَحَّدُوا -وللَّه الحَمْد- وعرَفوا الأمر وهم بَعِيدُونَ عن الشِّرْك، وإنَّما يُخالِفُون في الأمورِ الأخرى دُونَ الشِّرْك، فَنَحْنُ نُرَكِّز على ما فِيه هذه المُخَالَفَةُ، على أنه لَو طَرَأَ مَا يَكْلُمُ التوحيد يَجِب أن يُرَكَّزَ عليه، كما يُوجَد في الآوِنَة الأخِيرَة مِن ظُهُور بَعض الأشياء الشِّرْكِيَّة والبِدْعِية مِن هذه الكُتَيِّباتِ الصِّغَار التي فيها أذْكَار وأَوْرَاد كُلُّهَا كَذِب أو غالبُها كَذِب، فيَجِب أن يُرَكَّز عليه، كذلك أيضًا وُجِد تَمَائِمُ تُعَلَّق، تمَائِمُ مِن النُّحَاس يُقَال: إنَها تَنْفَع مِن الرُّومَاتِزْم، هذا أيضًا نوع مِن الشِّرْك، وكذلك أيضًا ما وُجِد مِن قَضِية الدّبْلَة وما يَتَعَلَّق بها، فالرجُل يَكتُب اسمَهُ على خَاتَم امْرَأَتِه، وهي تَكتُب اسمَها على خَاتِم زَوجِها، ويَعتَقِدون أنَّ هذا يُوجِب المحَبَّة والاحْتِرام، كأنَّه رِبَاط، هذا أيضًا مِن الشِّرْك، وهو مِن التِّوَلَة، فإذا طَرَأَت مِثْل هذه الأمورِ يَجِب أن تُحارَب، وأن يُركَّز عليها، وأن يُكْثَرَ القولُ فيها حتى لا تَنْتَشِر، فالمُهِمُّ أنه لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ كما قيل. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: توجِيهُ المَواعِظ مِن الآباء إلى أبْنَائِهم؛ لأنَّ هذا مِن الحِكْمة؛

стр. 79

لِقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّه يَنبَغِي لِلإنسان المُوَجِّه أن يَقْرِن توجيهَه بالموعظة؛ لِقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾. وهل يَكفِي مَثَلًا أن تَقُول لإنسان: هذا حرام، وهذا واجِب. أو يُنْظَر في حالِ الشخص؟ الجَوابُ: يُنْظَر في حالِ الشَّخْص، فمِن الناس مَن يَكْفِي أن تَقُول لَه: إنَّه حرام أو واجِب، وَيَمْتَثِل، ومِن الناس مَن لا يَكفِي أن تَقول: هذا حرام أو وَاجِب، حَتَّى تَقْرُنَ ذلِك لَه بِالموْعِظَة، فتَقول: اتَّقِ اللَّه ، اخشَ اللَّه تعالى. مثَلًا، كيف تُصِرُّ على هذا وهو مَعْصِية للَّه تعالى ورسولِه ﷺ . وما أشْبَه ذلك. فالمُهِمُّ: أنَّه لِكُلِّ مَقَام مَقَال، وكذلك أيضًا تَذْكُر ما وَرَد فِيه مِن الوعيد في القرآن والسُّنَّة، كما لو تَوَدُّ أن تُوَجِّه نصِيحة إلى رَجُلٍ مَغْمُور بالمعامَلِة بالرِّبا هذا لا يَكفي أن تَقول: الرِّبا حرام؛ لأنَّه عارِف، فلا أحدَ يُشْكِل عليه أنَّ الرِّبا حَرَام لكِن يَحْتَاج إِلى مَوْعِظة تُلَيِّنُ قَلْبَه لِلحَقِّ والتَّوبَة مِن البَاطِل. * * *

стр. 80

الآية (١٤) * قالَ اللَّه : ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]. * * * ثُمَّ قال : ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾، هذه الجُملةُ ليسَتْ مِن كلام لُقمانَ ﵇، بل هي مِن كلام اللَّه ، فهي مُعتَرِضَة بين كلام لُقمانَ الأوَّلِ، وكلام لقمان الثاني؛ لأنَّ اللَّه دائِمًا يَقرُن حقَّ الوالِدين بحَقِّه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١]. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ أَمَرْناه أن يَبَرَّهما] ففَسَّر المُفَسِّر ﵀ الوَصِيَّةَ بالأَمْر، ولكنها أَخَصُّ مِن الأمر المُطْلَق، فالوَصيةُ عهْدٌ بما يَنبَغي الاعتِنَاءُ به، ليسَت مجُرَّد أَمْر، بل هي عَهدٌ بما يَنبَغي الاعتِناءُ به، ولا شكَّ أنَّ بِرَّ الوالدَين مما ينبغي الاعتناء به. وقوله: [أن يبرَّهما] لو قال: (أن يُحسِن إليهما) لكان أَوْلى؛ لأن اللَّه يقول في آية أخرى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ولكن المُفَسِّر فسَّره بالبِر؛ لأنَّ البرَّ من الإحسان. وقوله : ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ كُلَّما كَبُر الجنِين كَانَ ذَلك أشدَّ وأعظَم،

стр. 81

فإنَّ الإنسان يجِد مِن نفسه أنَّه لو شَبِع وامتلأ بطنُه يتعب معَ أنَّ هذا الغذاء يُمِدُّهُ بِالطَّاقَة، فكَيف بالجنينِ الذي يملأُ بطنَها ويأكُل مِن طاقتِها -لأنَّه يتغذَّى مِن غِذائِها-؛ فيكون هذا أشدّ وأعظَم؛ لأنه جامعٌ بيْن الإثْقال وبيْنَ المُشَاركة في الغِذاء؛ ولهذا تَحتاجُ المرأة الحامِل إلى غِذاءٍ أكثَرَ، ومِن ثَمَّ أَباحَ الشرعُ لها أن تُفْطِر في رمضانَ؛ مِن أَجْل ألَّا يَنْقُصَ الغِذاءُ عليها فَتَتَعَب هِي ويَتَضرَّر الجنين، وهذه مِن حِكمةِ اللَّه ، كذلك أيضًا يَلحَقها وَهَنٌ عِنْد الطَّلْق، فالطَّلْق يُؤْلم ويُوجِع فليس بالأمرِ الهَيِّن؛ لأنَّ الطَّلْق -بإذنِ اللَّه- يَأتي مِن أَجْلِ أن يَنْقِلَب الجنين حتى يَسْتَعِدَّ للخُرُوج. فإن وَضْعَ الجنِين في بَطْنِ أُمِّه: أنَّ رأسَه إلى جِهَة رأسِ الأُمِّ، ووجهُه إلى جِهَة ظهْرِ الأُمِّ، وظَهرُه إلى جِهَة بَطنِها، فهو مُعَاكِسٌ لأُمِّه في الاستِقْبَال، وهذه حِكْمة؛ لأنَّه إذا كان وجهُه إلى الظَّهْر صارَ الظَّهْرُ حاميًا لَه؛ لأنَّه عِظَام يَحْمِي وجهَ الجَنين، لو كان وجهُ الجنين إلى وجهِ أمِّه فليس هناك شيءٌ يَحمِيه، وكان أدْنَى ضَرْبة -مثَلًا- أو شَيء تُصِيب وجهَه، لكن مِن حِكْمةِ اللَّهِ أنَّه جعَلَهُ هكذا. ولذلك قال العُلَماء ﵏: لو ماتَتِ امرأةٌ كافِرة كِتَابِيَّة حامِلٌ بِولدٍ مِن مُسْلِم تُدْفَن على جَنْبها الأَيسَر، إن أَمكَن أن تُدْفن وحدَها لا في مَقابِرِ المُسلِمين، ولا في مَقابرِ الكُفَّار فهو أَوْلى، فإِنْ تَعذَّر، فإنَّها تُدفَن في مَقابرِ المُسْلِمين على جنبِها الأيسَرِ؛ لِيكُون الولَد على الجَنْب الأَيْمن مُستَقبِل القِبْلة. فالطَّلْق يَحصُل عند انطِلاق هذا الولَدِ، هذا الولَدُ سيَنْقلِب عِند الوضْع لِأجْل أن يَكون رأسُه هو الأسْفَل حتى يَخرُج، وأوَّل ما يَخرُج مِن الجنين هو الرأسُ، وتَتَألَّم مِن هذا الطَّلْقِ بِلا شَكٍّ، ثُمَّ عند الوَلَادة أيضًا تتَألَّم ويَلحَقُها ضَعْف، ورُبَّمَا يَلحَقُها إغماء وتَعَب، وربما تَمُوت، فاللَّهُ يُذَكِّرُ الإنسان حالَ الأُمِّ في هذه الأحوالِ

стр. 82

التي كُلُّها أحوال ضَعْف عَلى ضَعْف. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾؛ أي: ضعُفَت لِلحَمْل، وضعُفَت لِلطَّلْق، وضَصت لِلولادة، ﴿وَفِصَالُهُ﴾؛ أي: فِطامُه ﴿فِي عَامَيْنِ﴾]. قوله : ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، يَقول المُفَسِّر ﵀: [فِطامه]، لكن مُخرَجٌ مِنها مُدَّةُ الحمْل؛ لأن اللَّه تعالى قال في آية أُخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ فإذا أَسقَطْنَا أقلَّ مُدَّة الحمْل سِتَّةَ أَشهُر بَقِي أربعة وعِشرون شهرًا، وهي عَامَان. و﴿عَلَى﴾ هنا للاستِعلاء يَعنِي: وهنٌ مُضافٌ على وَهْن. مِثلما تَقول مثَلًا: وضَعْتُ كِيسًا على كِيس، ولَبِنَةً على لَبِنَة، وما أَشبَه ذلك. الوهَن كلُّه بسبَب الحَمْل، ولكن ذاك عند نَشْئِه، والثاني عِند الطَّلْق، والثالث عند الولادة. قال ﵀: [﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، وقُلْنا له: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾] قوله : ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ يَعنِي: أنَّه لا يَنفَصِل مِن أُمِّه إلَّا بعد عامَيْن، فيُضَاف إلى الحمْل مُدَّة الفِصال، ففيها تعَب لا شَكَّ، فإنها تُرضِعُه وتَسْهَرُ لسَهَرِه، ويَتأَلَّم قلبُها لأَلَمِه، وتُصلِحُ شأنَه مِن تَنظيفه، وتَنظيفِ ثيابِه، وحملِه عِند البُكَاء، وغيرِ ذلك، إذن فهي في تعَبٍ مِن حين يُحمَل إلى أن يُفصَل بعدَ ولادتِه في عامين. ولمْ يَذكُرِ اللَّه في حقِّ الأبِ شيئًا، لِأَنَّ الأبَ في الغالِب يُتَّقَى ويُخْشَى، فلا حَاجَةَ إلى أن يُبَيَّنَ ما يَنالُه مِن ابنِه حتَّى يَكُونَ حَافِزًا للابْن على القِيام بحقِّه،

стр. 83

لكنِ الأمُّ لمَّا كانت ضَعيفَةً، ورُبما يَتهاوَن الإنسانُ بِحقِّها ذَكَرَ اللَّه مِن أحوالها ما يَكونُ سببًا لِقيام الابْنِ بِواجبِه. وهذا تَرَوْنَه كثيرًا في القرآن، فالشيءُ الذي يُخشَى فيه التَّهاوُن يُؤَكَّد؛ مثال ذلك: الوصِيَّة والدَّيْن في التَّرِكَة، فالدَّينُ يُقَدَّم عَلى الوَصِيَّة بالإجماع، ومع ذلك ذَكَر اللَّهُ الوصِية في آياتِ المَوارِيث قَبل الدَّيْن، وقدَّمها في الذِّكْرِ على الدَّيْن؛ لأنَّ الوَصِيَّة حقٌّ قَد يَتَهَاوَن بِه الوَرَثَة، والدَّيْن لا يَتَهاوَن بِه الوَرَثَة، فورَاءَه مَن يُطالِب بِه، وهو صاحِبُه، فاللَّه قد يَدْعَم الأشياء التي يُخشَى فيها التَّهاوُن بِأوصافٍ تَحمِل على القِيام بما يَنبَغي أن يَقومَ به. فهنا لمَّا كانتِ الأُمُّ ضعيفةً، وكان الإنسان قد يَعتَدِي عليها وعلى حقِّها أكثَرَ ذَكَرَ اللَّه تعالى مِن أسباب بِرِّهَا الموجِبَة ما لم يَذكُرْه في حقِّ الأبِ، وأَظُنُّنا كُلنا يَعلَم أنَّ الابِن قَد يَعتَدِي على أُمِّه بالسَّبِّ والشَّتْم، وربَّما بالضَّرب، لكن على أبيه لا يَستَطِيع، ولا يَعتَدي عليه بمِثْل اعتِدائِه على أُمِّه، وإذا لم يَقُم بحَقِّه فإنَّ أباه يَفرِضُ ذلك عليه؛ فلهذا ذَكَرَ اللَّه تعالى هذه الصِّفاتِ في الأُمِ؛ ليَكونَ حَثًّا لنا على القيام بحَقِّها. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: عِنَاية اللَّه بمُعامَلةِ الوالِدين؛ ولهذا أَوْصَى بها وَصِيَّة. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه سبحانه أَرْحَمُ بالوالدين مِن أولادهما؛ لأنَّ اللَّه تعالى أَوْصى الأولاد بالوالِدين. إِذَنْ: فهو أرحَمُ بالوالدين مِن الأولاد، كما قلنا في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ

стр. 84

فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]: أنَّ في الآية دليلًا على أنَّ اللَّه تعالى أرحمُ بالولَد مِن وَالِدَيْه. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بيانُ عِظَمُ حُقُوقِ الوالِدين؛ ولهذا جعَلَها اللَّه وَصِية، والوصية كما سبَقَ هي أن يُعْهَدَ إلى شَخْصٍ بأمْرٍ هَامٍّ، فهذا دليل على عِظَم حُقُوقُ الوالِدَيْن. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن يُذْكَر لِلمُخاطَب ما يَحْمِلُه على امتِثَال ما وُجِّهَ إليه؛ لقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّه يَنبَغي تَقْوِيَةُ الجانِبِ الضعيف بما يُقَوِّيه، ويُؤْخَذ ذلك من قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، فإنَّ اللَّه تعالى ذَكَر ما يَحْسُن للأُمِّ إغراء لِلقِيامِ بِحَقِّها, ولم يَذْكُر ما يَحْسُن للْأَب؛ لأن -كما قُلنا في التَّفسير- الأمَّ ضَعيفة تَحتاج إلى مَن يُقَوِّي جَانِبَها. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ حَقَّ الأُمِّ أوجَبُ مِن حَقِّ الأَبِ، فاللَّه تعالى ذَكَر ما تُعانيه الأُمُّ مِن المَشَاقِّ إشارةً إلى أنها أحَقُّ، لأنَّه بالنسبة للأبِ لا يَجِد كثيرًا من هذه المَشاقِّ، ولكن الأُمَّ هي التي تَجِد تِلك المَشاقَّ، صحيحٌ أنَّ الأبَ قد يَتَحَمَّلُ مَشَاقًّا أُخرى مثل حُصُول النَّفَقَة، وما أَشبَه ذلك، لكن الأَلَم البدَنيَّ للأُمِّ لا يَكُون لِلأبِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّه يَنبَغي للأُمِّ أن تَصْبِر على ما يَنَالهُا مِن مَشَقَّة الحَمْل؛ لأنَّه أمْرٌ طَبِيعِيٌّ، لِقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. يَتَفَرَّع مِن هذه الفائِدةِ: بيان خَطَأِ بعضِ النِّسَاء اليَوم اللاتي لا يَصْبِرْنَ على وَهْن الحمْل، فتَجِد المرأة تَستَعمِل حُبُوبًا لِمَنعْ الحمْل، تَقول: لأنه يَلحَقهن مَشَقَّة. وما أَشْبَه ذلك، وبعض النساء يُحاوِلْن أن يَلِدْن عن طَرِيق العَمَلِيَّة، تَقول بأنَّه أهْوَنُ.

стр. 85

كل هذا فِرَارًا مِمَّا جُبِلَت عليه المَرأة مِن الضَّعْف عند الحَمْل، وعِند الطَّلْق، وعند الوِلَادة، نعَمْ إِنِ احتاج الأمر إلى عَمَلِيَّة هذا لا بأسَ بِه لِلضرورة، وإلَّا فإنَّه لا يَنبَغي ذلك؛ لأن هذا خِلاف ما فَطَرَ اللَّهُ تعالى عليه المرأة. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ أقلَّ الحمْل سِتَّةُ أَشْهُر، مِن قَولِهِ : ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، وقد قال تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، فإذا أَسقَطْت عامين مِن ثلاثِين شَهرًا بَقِي سِتَّة أشهُرٍ. وذَكَر ابنُ قتيبةَ ﵀ في (المعارِف): أنَّ عبد الملِك بن مَرْوانَ وُلد لِستَّة أَشهُر. وهو الخَليفة المُحَنَّك كما هو مَعْرُوف، ويَقول الخبرَاءُ في هذه الأُمورِ: إنه إذا وُلِد لِسِتَّة أشهر يُمكِن أن يَعِيش لكن لِسبعة أَشهُر قَد لا يَعِيش؛ وهذا حِكْمة لا نَعلَم عنها شيئًا. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: وُجوب الشُّكْر لِلوالِدين كما يَجِبُ الشُّكْر للَّه تعالى؛ لِقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ شُكْرَ اللَّه تعالى مُقَدَّم على غيره؛ لأنَّه قَدَّمَه في قولِه تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾، فقَدَّم الشُّكْرَ له على شُكْر الوالِدين مع عِظَمِ حَقِّهِمَا. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ مَرْجِع الأمُورِ إلى اللَّه تعالى؛ لِقوله تعالى: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، وتقدِيمُ الخبر يَدُلُّ على الحَصْر؛ أي: أنَّه إلى اللَّهِ وَحْدَهُ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: التحْذِيرُ والتخْوِيفُ مِن المُخالَفة؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ يَعنِي: وسَأُحَاسِبُك أيها الإنسانُ، فَصِلَةُ هذه الجُملةِ بما قَبْلها أنَّها تُفِيدُ التهدِيد والتحذِير لِلمُخَالِف.

стр. 86

الآية (١٥) * قالَ اللَّه : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥]. * * * الضمير في قولِه تعالى: ﴿جَاهَدَاكَ﴾ ضمير فاعِل يَعُود على الوالِدَين، ومَعنَى ﴿جَاهَدَاكَ﴾ نَقول: لم يَذكُر المُفَسِّر ﵀ مَعناها, لكن مَعناها: بَذَلَا الجُهْد مَعك. وقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يَعنِي: على أن تَجْعَل مَعِي شَرِيكًا لا عِلْمَ لَك بِه. وقوله تعالى: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ هو قَيْدٌ لِبَيَان الواقِع، وليس قَيْدًا احْتِرَازِيًّا؛ لأنَّه لا يُمْكِن أن يُوجَدَ عِلْمٌ بأنَّ للَّه تعالى شَرِيكًا، وهذا كقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]. فإن قال قائِل: ما فَائِدةُ هذا القَيْدِ، وقد عُلِم أنَّه لن يُوجَد؟ قلنا: الفائِدةُ فيه تَحْقِيق هذا الأَمرِ، حتى لا يُحَاوِل أحَدٌ أن يَبحَث ويَطْلُبَ عِلْمًا أو بُرْهَانًا بأنَّ اللَّه لَه شَريك، فكأنَّه يَقول: هذا هو حقيقةُ الواقِع، وما كانَ حقيقةَ الواقعِ فلا يُمكِن أن يَتَخَلَّف، وهذا هو فائِدة قولِه تعالى: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.

стр. 87

وقوله تعالى: ﴿مَا لَيْسَ﴾: ﴿مَا﴾ هذه يُحتَمَل أن تَكُونَ اسْمًا مَوْصُولًا، أي: الذي ليس لك به عِلْم، ويُحتَمَل أن تَكُونَ نَكِرَةً مَنصوبةً، أي: أن تُشْرِك بِي شَرِيكًا ليس لك بِه عِلْم. وقوله : ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ جوابُ الشَّرْط، وهو: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ إن جاهَداك فلا تُطِعْهما، وتَأمَّلْ قولَه تعالى: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، ولم يَقُل: فلا تَبَرَّهُمَا، ولم يَقُل أيضًا: فاعْصِهَما، لِأنَّ كَلِمة ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أهوَنُ في النَّفْس مِن كلِمة: فاعْصِهما؛ ولهذا كان قولُ إبراهيمَ ﵊ لِأَبيه: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم: ٤٣] أهونَ مِن قوله: يا أبَتِ إنك جاهِل بما عندي؛ لذا قال تعالى: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾؛ لأنَّ نفيَ الكَمَال أهوَنُ مِن إثْبَات النَّقْص على النُّفوس. ويُذْكَر أنَّ أحدَ الملوك رأَى في المنام أنَّ أسنانَه قد سَقَطَت، فقال: ادعوا لي مُعَبِّرًا يُعَبِّر هذه الرؤيا. فجاؤُوا برجُل لِيَعْبُرَها، فقَصَّ عليه الرؤيا، فقال: يَموتُ أهلُك. فلَمَّا قال: يَموتُ أهلُكَ. فَزَع الملِك وهَلَع وقال: اجلِدُوه، فَجَلَدُوه وانصرَف. قال: أَعطوني غَيرَه فجاؤُوا برجُلٍ آخَرَ، فقَصَّ عليه الرؤيا، فقال: الملِك يَكون أَطولَ أهلِه عُمُرًا. فأَكرَمَه وأَسْبَغ عَليه النِّعَم، ومعنى ذلك مُتقارِب، فإذا كان أطولَهم عُمُرًا فمَعناه: أنهم يَموتون قبله. والحاصِلُ: أنَّ التعْبِير له أثَرٌ على النَّفْس، فكلمة: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أهوَنُ مِن كَلِمة: اعْصِهما. ثُمَّ قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ لم يَقُل: لا تَبَرَّهما، أو: لا تَقُمْ بحَقِّهما، فحَقُّهُما واجِب، ولو أَمَرَاك بالشِّرْك فإذا كان الوالِدان لهما حقٌّ واجِب ولو أمَراك بالشِّرْك، فكيف إذا أمَرَاك بما دُونَ الشِّرْك؟ ! ولهذا حقُّ الوالدين ليس بالأَمْر الهَيِّن.

стр. 88

وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾؛ لأنَّه لا طاعةَ لمِخُلوقٍ في معصِيةِ الخالِق، فإنَّ حقَّ اللَّهِ أوجَبُ مِن حقِّ الوالِدين، هو الذي أَوْجَبَ لهما الحَقَّ فكيف نُضِيع حقَّه مِن أجْلِ حقِّهما؟ ! قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ مُوافَقَةً للواقِع] هذا تَفسيرٌ لِقولِه: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: أن هذا هو الأمرُ الواقِعُ ليس لك به عِلْم. وقوله ﵀: [﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾؛ أي: بالمَعروف: البِرِّ والصِّلَة]، قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا﴾، كلِمة ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ ظَرْفِية لا شَكَّ فيها، ويُحتَمَل أن يَكون المُراد بالدنيا شُؤُونها، يَعنِي: في أمُورِ الدنيا صاحِبْهُما مَعْرُوفًا، أمَّا في أمُورِ الدِّين فلا تَتَعدَّى ما أمَرَك اللَّهُ بِه، ويُحتَمَل أن يَكون في الدنيا؛ أَيْ: في هذه الدُّنيا، لكن المعنى الأوَّل أبلَغُ، لأنَّه مِن المَعُلوم أنَّ المُصاحَبة بَيْن الوالِدين والوَلَد إنما تَكونُ في الدنيا، فلا حاجَةَ إلى التقدِير، فالظاهِر أنَّ المَعنَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ أي: فيما يَتَعلَّق بأمُورِ الدُّنْيا صاحِبْهما مَعروفًا. قال المُفَسِّر: [بالمعرُوف] ومعنى هذا التَّفسيرِ ﴿مَعْرُوفًا﴾ أنَّ أنْ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الخَافِض، والنصبُ بِنَزْعِ الخَافِض مع غَيْر (أنَّ) و (أَنْ) ليس بِمُطَّرِد، بل هو شاذٌّ، وإذا كان كذلك فإنَّه لا يَنبَغي أن يُحال القرآن عليه، ولو قيل: إنَّ ﴿مَعْرُوفًا﴾ صِفَة لمِصدرٍ محَذُوف، التقدير: صَاحِبْهما صِحَابًا مَعْرُوفًا، يَعنِي: صُحْبَةً مَعْرُوفَة، ليس فيها عُنْف، وليس فيها تَوبِيخ، ولا لَوْم، وليس فيها نَقْصٌ مِما يَجِبُ لهما لكان هذا أَوْلى. قال المُفَسِّر ﵀: [بالبِرِّ والصِّلَة] البِرُّ: كثرة الخَيْر، والصِّلَة: عَدَم القَطِيعَة، فالمَعنَى: صِلْهما وبِرَّهما بما يَستَحِقَّان مِنك، لكن في أُمُورِ الدُّنيا فَقَطْ.

стр. 89

قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ﴾ طَرِيق ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ رجَعَ ﴿إِلَيَّ﴾ بالطَّاعَة] قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ﴾: ﴿مَنْ﴾ هذه اسمٌ مَوْصول، والاسمُ المَوْصول يُفيدُ العُموم، فهل هو على عُمومِه أي: اتَّبع سبيل مَن أَناب إلَيَّ مِنْهما أو مِن غيرهِما، أو هُو عامٌّ أُرِيدَ به الخُصُوص، أي: مَن أَناب إلَيَّ مَنهما؟ الجَوابُ: الأَوْلَى أن نَقُول بالعموم ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ﴾ مِن كُلِّ النَّاس، وعلَيْه فمَن أَنابَ مِن الوالِدَين إلى اللَّه يَكونُ اتِّباعُ سبيلِه مِن بابِ أَوْلى. وقوله تعالى: ﴿أَنَابَ﴾ بمَعنَى: رَجَع مِن المَعصِية إلى الطاعة، ومن الشِّرْك إلى التوحيد، ومن الفُسُوق إلى الاستِقامة والتَّقْوى. ويُقال: إن سعدَ بنَ أبي وقَّاص ﵁ لمَّا أَسلَم قالت له أُمُّه: ما هذا الدِّينُ الذي أَتَيْت به؟ فقال: هذا هو الحقُّ. فقالت له: لَتَتْرُكَنَّه أو لَأَدَعَنَّ الطعامَ والشَّرابَ حتَّى أمُوت، فَتُعَيَّرَ بي. فقال: هذا حقٌّ لا أَدَعُه. فأَمْسَكَت عن الطَّعام والشراب يومًا كامِلًا، فلمَّا أَصبَحَت إذا هي مُجْهَدَة -يَعنِي: مُتعَبة مِن الجُوع والعَطَش- فطلَب منها ولَدُها أن تَأكُل وتَشْرَب، وقال: أنا لَن أَرْجع عن هذا الدِّينِ. ولكنَّها أَبَتْ، وفي اليوم الثاني: أَصبَحت أكثَرَ جُهْدًا، فقال لها: كما قال في الأوَّل: إنِّي لن أَدعَ هذا الدِّينَ. فبَقِيت على عِنَادِها، فلمَّا كان في اليَوْم الثَّالِث، وإذا هِي قَد أَصْبَحَت مُجْهَدَة جُهْدًا شَدِيدًا، فقال لها: يا أُمِّي تَعلَمِين أنَّ هذا هُو الحَقُّ، واللَّهِ لو كانت نَفسُكِ مِئَة نَفْس وماتَت كُلُّ نَفْس -يَعنِي: وحدَها- واللَّهِ ما أَدعَ هذا الدِّينَ. فلمَّا رأَت أنَّ الرَّجُل عَازِم أَكَلَتْ (١).

стр. 90

فمِثْل هذه الحالِ لا يجوز للإنسان إذا رأَى أن أُمَّه سوف تمَوت أو أبوه سوف يَموت لا يَجوز له أن يُشرِك. فإن قال قائِل: لو أَراد أن يَقول: إنَّه مُشْرِك بِلسَانِه مُتَأَوِّلًا هل يَجوز ذلك؟ فالجَوابُ: لا يَجوز أن يُوافِق ولو بِالتَّأْوِيل، فلْيَصْبِر، ويَقول: أنا ما ضرَرْتُكِ شيئًا، أيُّ شيء تُريدين مِن أمور الدُّنيا فأنا مُسْتَعِدٌّ له. يَعنِي: ما ضرَرْتُك، فإن شِئْتِ فكُلي، وإن شِئْتِ فلا تَأكُلِي. المُهِمُّ: أنه لا يَجوز أن يَقول ولو مُتَأَوِّلًا, إلَّا إذا لو خَافَ على نفسِه هو، وهذا فَرْق بين مَن يَخَاف على نَفْس غيرِه أو على نَفْسِه، فلو خافَ على نَفْسِه هو أن يُقْتَل فلَه أن يَقُولَ ذلك مُتَأَوِّلًا لقولِه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] على أنَّه -أي: المَسأَلة الأخيرة- لا يَجوز فيما إذا كان فيه نُصْرةٌ للإسلام، فإنَّه إذا كان في ثُبُوتِه نُصْرة للإسلام وفي مُوافقَتِه ظاهِرًا خُذْلانٌ لِلإسلام حَرُم عليه ذلك؛ لأَنَّه حينئذٍ يَدخُل في باب الجِهَاد مِثْل ما حصَل للإمامِ أحمَدَ ﵀، دُعِيَ إلى القَوْل بخَلْقِ القرآن، ودُعِيَ غيرُه أيضًا إلى القولِ بخَلْق القرآن، فَمِن العُلَماء ﵏ مَن تَأَوَّل وأَجابَ ظاهِرًا بما يُدْعَى إليه، ومِنهم مَن أَصَرَّ فقُتِل، ومنْهم مَن أَصَرَّ فحماهُ اللَّه تعالى مِن القتل كالإمامِ أحمدَ ﵀، فالإمام أحمدُ ﵀ لم يُجِبْهم ولو بالتأويلِ؛ لأنَّ الناس يَنظُرُون ماذا يَقولُ الإمامُ أحمدُ ﵀، فلو قال: إنَّ القُرْآن مخَلوق. ولو بالتَّأوِيل، ستقول العامةُ: إنه مَخْلُوق. وتَنطَلي هذه البِدْعةُ على عُمُوم المُسلِمين، فرأَى ﵀ أنه لا يَجوز أن يَتَأَوَّل في هذه الحالِ؛ لمِا في ذلك مِن خُذْلان الحقِّ وإثبَاتِ البَاطِل. وقوله : ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ هذا التَّعقيبُ لمَّا ذكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

стр. 91

أنهما إذا أَمَرا بالشِّرْك فلا تُطِعْهما، وأنَّ الواجِبَ عليك اتِّباع سبيل مَن أَناب إلى اللَّه تعالى، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد هذه المُحاولاتِ مِنهما بأن تُشْرِك باللَّه تعالى، وبعد أن تُطِيع فالمَرجِع إلى اللَّه تعالى. وقولُه تعالى: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ جُملة اسمِيَّة خَبَرية قُدِّم فيها الخبر لِإفادة الحَصْر، ﴿إِلَيَّ﴾ لا إِلى غَيْرِي، ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ يَعنِي: مَرَدُّكم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر: ٤]. وقوله تعالى: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ بمَعنَى: أُخبِرُكم، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والإنبَاءُ هذا يَستَلْزِم المُجَازَاة، وقد لا يَكون هناك مجُازَاة؛ ولهذا دائِمًا يُعَبِّر اللَّه بالإنبَاء -أي: الإخبار- لأنَّه قد يُجازِي وقد لا يجازِي، فإنَّه يَخلو بعَبْدِه المُؤمِن ويُخبِرُه بذنوبِه ويُقرِّرُه بها، ثم بَعْد ذلك يَقول: "سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ" (١). وقولُه تعالى: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بالذي كُنْتم تَعمَلون، وهو شامِل لكل ما يَعمَله الإنسان مِن صَغِير وكبِير دون ما لم يَعمَله، فلو هَمَّ بالشيء فلم يَعمَلْه فإنه لا يُجازَى عليه، لكن قد يُثَاب عليه إذا كان مَعصيةً ترَكَها مِن أَجْل اللَّه فإنه يُثَاب على هذا التَّرْكِ. قال المُفَسِّر ﵀: [فأُجازِيكم عليه، وجُملة الوَصِيَّة وما بعدَها اعْتِراض] فقول المُفَسِّر ﵀: [فأُجازيكم عليه] كأنَّه جعَل مِن لازِم الإنباء المُجَازاة، ولكن كما قُلْت: ليس لازِمًا؛ ولهذا عبَّر اللَّه بالإِنباءِ؛ ليَكونَ الأمرُ جائِزًا أو دائِرًا بين

стр. 92

أن يُجازَى عليه وبَيْن أن لا يُجازَى عليه. وقوله ﵀: [وجُملةُ الوَصية وما بعدَها اعتِراض] الوصية مُبتَدَأَة مِن قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ اعتِراض مِن قولِ اللَّه ، وليس ذلك مِن قول لُقمانَ ﵇ لابنِه؛ لأنَّ الذي وصَّى الوالدين إحسانًا ووجَّه الإحسان هو اللَّه ، وإنَّما جاءَتْ هذه الوصيةُ بعد ذِكْر الشِّرْك؛ لأنَّ عُقُوق الوالِدين يَرِد بَعْد حَقِّ اللَّه ، وفي الوصية أيضًا جُمْلَة اعتِرَاضية، هي قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾؛ لأنَّ قولَه تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ﴾ هو المُوصَى به: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾. إِذَنْ نَقول في هذا: الوَصِيَّةُ اعتِراضِية بين كَلامَيْ لُقْمانَ ﵇ لابْنِه؛ وقولُه : ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ اعتِراض أيضًا بَين فِعْل الوصية والمُوصَى به. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: تَحريمُ طاعَةِ الوالدين إذا أَمَرَا بالشِّرْك؛ لِقَولِه تعالى: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، ويُقاس على ذلك كل مَعْصِيَة أمَرَا بها فإنهما لا يُطَاعَان؛ لِقَوْلِ الرسول ﵊: "لَا طَاعَةَ لمِخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخَالِقِ" (١).

стр. 93

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ فُسُوقَ الوالدَيْن وكُفْرَهُمَا لا يُسْقِطُ حَقَّهُمَا مِنَ البِرِّ، يُؤْخَذ ذلك مِنْ قَوْلِه تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، فإنَّه أَمَر بِمُصَاحَبَتِهَما مَعْرُوفًا مَع أنَّهُمَا كَافِرَيْن ويَأمُرَان بالكُفْر. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وُجُوب اتِّبَاع سَبِيل المُؤْمِنِين؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾، ويُؤَيِّدهُ قَوُله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ جَمِيعَ الخَلَائِق مُؤْمِنِهِم وكَافِرِهِم مَرْجِعُهُم إِلى اللَّه تعالى؛ لِقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الحُكْمَ بَيْن الخَلْقِ إلَى اللَّه ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ فإنَّ تَقْدِيم الخبَر يَدُلُّ على الحَصْر. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إحاطَةُ اللَّهِ بكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا؛ لقوله : ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فإنَّ الإنْبَاءَ بما نَعْمَل لا يَكُون إلَّا عن عِلْم. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثْبَاتُ الكلامِ للَّه ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ والإنباءُ إخْبَار. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: تَحذير الْإِنسان مِن الأعمَال السَّيِّئَة فإنَّ قولَه : ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ يُفِيدُ التَّحْذِير، حتى لا نَقَعَ في أمْرٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ تعالى علينَا. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: بُلُوغُ الغَايةِ في البَلاغَة في القرآنِ الكَرِيم؛ لِقولِه : ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ ولم يَقُل: فأُجازِيكم؛ وذلك أنَّه قد يُنبَأُ الإنسان يَومَ القيامة بِمَا عَمِل،

стр. 94

ثُم يُغْفَر له، فذَكَرَ اللَّه تعالى الإِنباء؛ لأنَّه مُؤَكَّد، أمَّا المُجَازَاة فإن اللَّه تعالى قد يَغفِر عن المُذنِب ذُنوبه. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إن قال قائِل: هل يُؤْخَذ مِن الآيةِ الكريمة: وُجُوبُ طَاعةِ الوالِدَين في غير مَعصِية اللَّه تعالى؟ فالجَوابُ: إذا أَمَرَا بغير المَعصية فالآيةُ سكَتَتْ عن ذلك، فحَرَّمَت الطاعَة في المعصية وسكَتَتْ عمَّا عَدَا ذلك، لكن قد يُقال: إنَّ قولَه تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ يَدُلُّ على وُجُوبِ طاعتِهما في غَيْر المَعْصِيَة؛ لأنَّه لا شَكَّ أن مُصاحَبتَهما في المَعروف بِامتِثَال أمرِهما، وعلى هذا فقَدْ يُسْتَدَلُّ بعُمومِ قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ على وجوبِ طاعتِهما في غير المَعْصِيَة، ولكنَّه سَبَق لنا أثناء التَّفسير أنَّ شيخ الإِسلام ابنَ تيميَّةَ (١) ﵀ يَقول: تَجِبُ طاعتُهما فيما فيه نَفْعٌ لهما ولا ضرَرَ عليه فيه، أمَّا ما فيه ضرَرٌ عليه فلا يَجِبُ عليه الطاعة؛ ولهذا لمَّا ذَكَرَ أهلُ العِلْم ﵏ أن لِلأَبِ أن يَتَمَلَّكَ مِن مَالِ ولَدِه ما شاء قالوا: بشَرْط ألَّا يَضُرَّ الولَد، فإِنْ ضَرَّ الولَد فإنه ليس له أن يَتَمَلَّك، بل قالوا: بشَرْط ألَّا يَضُرَّه وألَّا تَتَعَلَّقَ بِه حاجتُه، فإن تَعلَّقَت به حاجتُهُ فليس له أن يَتَملَّكَه. والمَقصود بالحاجة هنا حاجتُه الخاصَّة بمَعنَى أنه مثَلًا لا يَجِد غيره، أو كل شيء يَحتاجه، لكن مثلًا إناء يَحتاجه فيَشتَرِي بدَله، أمَّا (زُهْرِيَّة) يَحتاجُها فلا نَقول للأَبِ: أن تَتَمَلَّكَها؛ لأن هذا يُفَوِّت على الابنِ حاجتَه واستِمْتاعَه بها. فإن قال قائِل: قد قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ

стр. 95

الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] ألَا يُنافِي ذلك أمرَه بمُصاحَبَتهما بالمَعروف؟ فالجَوابُ: لا مُنافاةَ بينهما؛ لأنه ليس مَعنَى مُصاحَبتِهما بالمَعروف أن تُبْدِيَ لهما المَحَبَّة والوِلاية، بل أنت تُبغِض ما هُما عليه مِن الكُفْر والشِّرْك، وتُبغِضُهما على هذه الصِّفاتِ التي اتَّصَفا بها, ولكن تُعْطِيهما ما يَجِبُ لهما. فإن قال قائِل: هل يَجوز إظهار البَشَاشَة لهما؟ فالجَوابُ: لا يَمنَع ذلك إذا لم يَكُن هذا سَببه الدِّين، فهذا أَمْر تَقتَضيه الطبيعة، والعَداوة والبَغضاء في القَلْب؛ لأن العَداوة ضِدُّ الولاية، ولكن لا نُؤذِيهم. ثُمَّ يُقال أيضًا: قد نَقول: لكلِّ مَقَامٍ مَقال. فمثَلًا إذا كان الوالِدان أو غيرهم يَتبَجَّحَان بالكُفْر ويَفتَخِران به، فلنا أن نُعْلِن هذه البَرَاءَةَ والعَدَاوَةَ والبَغْضَاء، وإذا كانا سَاكِتَيْن مُسَالمِيْن فنحن لا نَتَعرَّض لهما, ولكننا نَتبرَّأ -على صِفَةِ العُمُوم- ممَّا هُمْ عليه مِن الدِّين. والمُهِمُّ: أن اللَّه يَقول: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا﴾ أمَّا فيما يَتعَلَّق بالدِّين فلا تُصاحِبْهما بمعروف أبَدًا فيما يَتَعلَّق بالدِّين يَجِب أن تَكْرَههما وتَبتَعِد عنها وتُعَادِيهما. * * *

стр. 96

الآية (١٦) * قالَ اللَّه : ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]. * * * ثُمَّ قال اللَّه عَوْدًا على وصَايَا لُقْمَانَ ﵇: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّهَا﴾ أي: الخَصْلةَ السَّيِّئةَ] فيه قُصور؛ لأنَّ الصواب المُراد ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الخَصْلة السَّيِّئة أو الحَسَنة كلُّ شَيء مِن حَسَن أو سَيِّئٍ. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾: ﴿مِثْقَالَ﴾؛ أي: وَزْن، وسُمِّيَ الوَزْنُ مِثقَالًا؛ لأنه يُعتبر بِثِقَلِه، فإنَّ الشيء يُوزَن لِيُعْلَم ثِقلُه مِن خِفَّتِهِ. وقوله تعالى: ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ هذه حُبُوب معروفَة صَغِيرة. وقوله تعالى: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ في صَخْرة في أيِّ مكان مِن الأَرْض؛ لأننا لا نَعرِف صُخُورًا إلَّا في الأَرْض، لكن الذين خرَجوا إلى القَمَر جاؤُوا لَنَا مِنْه بِصُخُورٍ؛ فلا نَدرِي هل هذا صَحِيح أو ليس بِصحِيح، والمَعروف أنَّ الصُّخُور في الأرض، وقوله تعالى: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ إمَّا أن تَكون على سبيل المُبَالَغة، أو يَكون مثلًا في هذه الصَّخرةِ شيءٌ من جِنْس هذا بقَدْر حَبَّة الخَرْدل فيُعْتَبَر فيها، أو يُقال:

стр. 97

إنَّ المُراد أنَّ حَبَّةَ الخَرْدل قد تَكون في شَقٍّ مِن هذِه الصَّخرةِ. وأنا شاهَدْتُ في الغضَا (١) يَخرُج فيه حُبَيْبَات بقدر الأُنمُلة خُضْر مَخْتُومَة تمامًا، إذا فتَحْتَها وجَدْتَ فيها دَابَّة، تَدُبُّ على بَطنِها، وهي مخَتُومة، وفي نَفْس الغُصْن، ليس فيها فتحة، يَعنِي: مخَلوقٌ مِنْها هذا الشَيْءُ. قوله تعالى: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أو في أعلى السَّموَات أو أَنزَلهِا، أو في الأرض في أعلاها أو أَنزَلهِا. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في أَخفَى مَكان مِن ذلك]. وقوله تعالى: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾: ﴿يَأْتِ﴾ بحَذْف الياء؛ لأنَّها جواب الشرط في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُ﴾ فإنَّ ﴿إِنْ﴾ شَرْطِيَّة و ﴿تَكُ﴾ فِعْل مُضاخ مَجزُوم بـ (إِنْ) الشَّرْطِيَّة، وعلامَةُ جَزْمِه السُّكون على النون المحْذُوفة لِلتَّخْفِيف، وقوله : ﴿يَأْتِ﴾ جوابُ الشَّرْط مَجزومٌ بـ (إِنْ) وعلامَةُ جزمِه حَذْفُ الياء. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ فيُحَاسِبُ عليها] هذا مِن أَخفَى ما يَكُون، ومع ذلك قال تعالى: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾، ولم يَقُل: يَعلَمْهَا اللَّه؛ لأنه مِن لازِمِ الإتيانِ بِها العِلْم بها, لكن الإِتْيَان أبلَغُ، اللَّه يَأتِي بها ويُجَازِي عليْهَا، فقوله : ﴿يَأْتِ بِهَا﴾ بمَعنَى أنها لا تَفوت ولا تَهْرَبُ منه، ولا بُدَّ أن يَأتِيَ بها ويُحاسِب عليها، أو يَأتِي بها لِيُظهِرَ قُدرَتَه عليها. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ بِاسْتِخْرَاجِهَا ﴿خَبِيرٌ﴾ بِمَكَانِهَا] المُفَسِّر ﵀ دائِمًا يُخَصِّص العُموم بِمُقْتَضَى السِّيَاق، والمعروف عند أهل العِلْم ﵏

стр. 98

أنَّ العِبْرَة بعُمُوم اللَّفْظ، فهنا قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ جعَل اللُّطْف بالاستِخْراج، والخِبْرة بالمَكَان، والصَّواب أنها أعمُّ مِن ذلك، فإنَّ اللطيف مِن أسماءِ اللَّه تعالى، قال ابنُ القيِّمِ ﵀: وَهْوَ اللَّطِيفُ بِعَبْده وَلعَبْده ... وَاللُّطْفُ فِي أَوْصَافِهِ نَوْعَانِ (١) فاللَّه تعالى لَطيفٌ بعَبْده ولطيفٌ لعَبْدِه: اللُّطفُ الأوَّل: إدرَاك أسرَارِ الأمُور وخَفَايا الأمور. والثاني: اللُّطْفُ عند مَواقِعِ الإحسان -الذي هو الإحْسَان إلى العَبْد- يَلْطُف له بمَعنَى: يُقَدِّم له مِن الإحسان ودَفْع السُّوء ما لا يَعلَمُ به، فيَكون قوله تعالى: ﴿لَطِيفٌ﴾ يَتعَدَّى بالباء، ويَتعَدَّى باللَّام، فإِنْ تَعدَّى بالباء فهو بمَعنَى: العِلْم بِخَفَايا الأمُور، وإن تَعدَّى باللَّام لَطِيفٌ لَهم فهو بمَعنَى الإحسان بِجَلْب المَطْلُوب، ودَفْع المكرُوه أو المَخُوف، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، هذا قول يُوسُفَ ﵇، يَعنِي: ومن لُطْفِه أن يَسَّر الاجْتِمَاع بِكُم بعد الفِرَاق ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠]. فالحاصِلُ: أنَّ اللطيفَ مِن أسْمَائِه تعالى، ولَه مَعْنيَان حسَب ما يُتَعَدَّى به: إِنْ تَعَدَّى باللَّام ﴿لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ فمَعْناه: الإحسان، وإن تَعَدَّى بالبَاء فمَعناه: العِلْم بالخَفَايا، فهو لِكمالِ عِلمِه لَطِيف، كُلُّ شي؛ يَعلَمُ به. هناك مَعنًى ثالِثٌ -لكن ما لا نَدرِي هل يَنطَبِق على أوصَاف اللَّه تعالى أم لا؟ - اللطيف هو الرَّقيق عند الناس يَقولون: فُلان لطيف، يَعنِي: رقيق حَسَنُ الخُلُق،

стр. 99

وعندي أنَّ هذا داخِلٌ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ لأنه تَعدَّى باللَّام يَعنِي: مَعناه الإحسان، فإن الإحسان أخصُّ أيضًا مِن حُسْن الخُلُق؛ لأنه يَتضَمَّن الإنعام على مَن لَطَفَ لَه. وأمَّا قولُه : ﴿خَبِيرٌ﴾ الجبير هو العلِيم ببواطِنِ الأمور، وهو مع اللطيف كالمؤكِّدِ لَه، وقُلْنا: العِلْم ببواطن الأمور خِبْرَة، مَأخوذٌ من الخُبَار يَعنِي: الأرض الرِّخْوة التي تُبذَرُ فيها البُذُور وتُدَسُّ فيها، فهو خَبيرٌ عالِمٌ ببواطنِ الأمور، ومِنها هذه الحبَّةُ التي مِن خَردَل تَكونُ في صَخْرة أوَ في السَّمَوات أو في الأرض. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: في هذه الوَصيةِ فائِدَة: وهي تَحذِيرُ الابْنِ مِن المُخَالَفة؛ لقوله تعالى: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ فلا تَخفَى عليه ولا تَفُوتُه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عُمُوم عِلْمِ اللَّه ، وتَمَامُ قُدْرته، ويُؤخَذ العُمُوم مِن قوله : ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ والذي يَكون بادِيًا على الأرض، وليس في الصحراء مِن باب أَوْلى، فيُستَفاد مِنه: عُمُوم عِلْم اللَّه تعالى وإِحَاطَتِه وتمَامُ قدرته أيضًا، وذلك بالإتيانِ بِها. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثْبَاتُ هَذَيْن الاسمَيْن مِن أسماء اللَّه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ وإثباتُ ما تَضَمَّنَاه مِن الصِّفَة. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ السمَواتِ مُتَعَدِّدةٌ، لقوله تعالى: ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وعدَدُها مَعرُوف، وهو سَبْع، وأمَّا الأرض فلم تُذْكَر مَجْمُوعَةً في القرآن، فكلُّ ما في القُرآن

стр. 100

مِن ذِكْرِ الأرض فإنَّه بالإفراد، ولكنَّ اللَّه أَشار إلى أنَّها جَمْع في قولِه : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، فإنَّ قولَه تعالى: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ يُرَاد المِثْلِيَّة في العدَد، إِذْ إنَّ المِثْلية في الكَيْفِيَّة مُسْتَحِيلة، فَلَزِمَ أن تَكون مِثْلِيَّة في العَدَد فقَطْ. * * *

стр. 101

الآية (١٧) * قالَ اللَّه : ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]. * * * هذه أربعةُ أَوامِرَ: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ وانظُرْ إلى الأوَّل فهو نَهيٌ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ثُمَّ تَحذير بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾، ثُمَّ بعد ذلك أَمْرٌ: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، ولهذا يُقَال: (التَّخْلِيَةُ قبل التَّحْلِيَة)، يَعنِي: مَعناها: أزِلِ الشَّوَائِب، ثُمَّ ائْتِ بالمُكَمِّلَات. فقوله تعالى هنا: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ أَمْر بإقَامَة الصَّلَاة، ومَعنَى إقامَتِها: أن يَأتِيَ بها الإنسَان تامَّةً بأركانِها وشُروطِها وواجِباتِها ومُكَمِّلاتِها، وقوله تعالى: ﴿الصَّلَاةَ﴾ شامِل للمَفْرُوضَات والنَّوَافِل. وقوله : ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ مَفعول ﴿وَأْمُرْ﴾ مَحذُوف التقدير: النَّاس أو غيرَهم، وَاؤْمُر غيرَك بالمعروف؛ أي: بالقولِ المَعروف والفِعْلِ المَعروف، والمَعْرُوف ما أَمَرَ به الشَّرْع، لأنَّ ما أَمَرَ به الشَّرْع قد أَقرَّهُ الشرع، وأَقَرَّتْه الفِطَرُ السَّلِيمَة. فالمَعروفُ إِذَنْ: كل ما أُمِرَ به شَرْعًا، سَواءٌ ما يَتَعلَّق بحقِّ اللَّه أو بحَقِّ العِباد.

стр. 102

وقولُه تعالى: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ المُنْكَر: كُلُّ ما أَنْكَرهُ الشَّرْع، أي: نَهَى عنه سواءٌ ما يَتعَلَّق بحقِّ اللَّه تعالى، أو بحُقوق العِباد، الأَمْر بالمَعروف والنَّهْي عن المُنكَر واجِبٌ على الكِفَاية؛ لِقوله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، إذا جعَلْنا (مِن) للتَّبعيض، أمَّا إن جعَلْنَا (مِن) لِبَيَان الجِنْس والمَعنَى: ولتكونوا أُمَّةً تَأمُرُ بالمعروف وتَنهَى عن المُنكَر، فإنَّه يَكونُ فَرْضَ عَيْن، ولكن الصَّواب أنه فَرْض كِفَايَة؛ لأنَّ المَقصودَ به إصلاحُ الغَيْر، فإذا حَصَل إصلاحُ الغَيْرِ بغَيرِك حَصَل المَقْصُود، أمَّا إذا لم يَحصُل فإنه يَجِب أن تَأمُر، فإِذَا وجَدْنَا مِن الناس تَهاوُنًا في هذا الأَمْرِ وتَكَاسُلًا صار فرضًا علينا، أمَّا إذا رأَيْنا أنَّ الناس قد استَقامُوا على هذا وصاروا يَأمُرُون بالمعروف ويَنهَوْن عَن المُنكَر، فإنه يَكون في حَقِّنا فَرْضَ كِفَاية. وقوله تعالى: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ حتى والِدَيك تَأمُرُهما بالمَعروف وتَنهاهُما عن المُنكَر، بل إنَّ حقَّ الوالِدين أَعظَمُ مِن حقِّ غيرِهما؛ لأنَّ الأَمْر بالمَعروف والنَّهي عن المُنكَر إحسانٌ للمَأْمُور والمَنْهِيِّ، وليسى إساءة، فإذا كان كذلك فأَحَقُّ مَنْ تُحْسِنُ إِلَيْه وَالِدَاك. فإن قال قائِل: الأَمْر بالمَعروف والنهيُ عن المُنكَر هل هو المَوْعِظَة فقَطْ أم غيرها؟ فالجَوابُ: لا، نحن ذَكَرْنا فيما سَبَق، أنَّ المُراد: الثَّلَاثَة؛ بَيَانٌ ودَعْوَة، وأَمْر ونَهْي، وتَغْيِير، فالبَيَانُ والدَّعوة واجِبان على كل أحَد، فإنه يَجِب عليه أَنْ يُتين إذا دَعَتِ الحاجَةُ إلى البَيَان أو سُئِلَ عن عِلْم، وكل أحَد عليه أن يُبَلِّغ إذا اقتَضتِ الحالُ ذلك، وأمَّا الأَمْر فهو أخَصُّ مِن الدعوة؛ لأن الأمر أن تُوَجِّهَ أمرًا إلى شَخْص مُعيَّن ما هو

стр. 103

بأن تُبَيِّن أن تَقُوم في الناس، وتَقُول: هذا حَلَال، وهذا حَرَام، هذا يُعْتَبر مَوْعِظَة، وأمَّا التغْيِير: فَأَن تُغَيِّرَ بيدك تَأخُذ هذا المُنكَر تُكَسِّره مثَلًا، نعَمْ، أو تَقول بِلِسانك، إذا عَجَزْت عَن الفِعْل تُغَيِّر باللسان، إمَّا بِرَفْع الأَمْر إلى مَن يَسْتَطيع التغيير، وإمَّا بالانتِهار والتوبِيخ والزَّجْر، فإن لَم تَسْتَطِع هذا ولا هذَا فيَكُون التَّغْيِير بالقَلْب وهو الكراهَة والبَغْضَاء؛ وهذا في الحقيقة لا يَحصُل التغيير المُطْلَق يَعنِي: أنَّ المُنكَر لو تُنكِره بقَلْبِك لا يَزُول، لكن هذا أَدْنى دَرَجاتِ التَّغْيِير، ولهذا قال ﵊ في ذلك: "وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" (١). ومن شروط ذلك: الاستِطاعة، وهذا شَرْط في كل واجِب، لقَولِه : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ومن الشُّرُوط أيضًا: أن لا يَخْشَى ضرَرًا محُقَّقًا، فإن خَشِيَ الضرَر في مالِه أو بدَنِه لم يَلْزَمْهُ، فإن خَشِيَ الأذِيَّة لَزِمَه؛ لأنَّه لا بُدَّ مِن أذًى، لكن أذِيَّة ما فيها ضَرَر؛ ولهذا قال ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ هَذَا تَوْطِئَة وتَمْهِيد كَأنَّه يَقُول له: إذا أَمَرْت بالمَعروف ونَهيْت عن المُنكَر فلا بُدَّ أن يَحْصُل لك أَذِيَّة فاصبِرْ على هذا. وهذا هو الواقِع، فإنَّ الآمِرَ بالمعروف والنَّاهِيَ عن المُنكَر غالبًا يُؤْذَى، يُؤْذِيه المَأمُور والمنْهِيُّ، إمَّا بالقول وإمَّا بالسُّخْرِيَة، ورُبَّما تَصِل الحال إلى أنه يَرْمِيه بالحِجَارة أحيانًا، وربما تَصِل الحال إلى أنَّه يُخَرِّبُ سَيَّارَتَه، أو يَكْسِر بابَه، أو ما أَشبَهَ ذلك، لكن الأخير هذا ضرَرٌ في المال، ولكن لا بُدَّ أن يَكون أمرًا محُقَّقًا، أمَّا إذا كان وَهْمًا عن الضَّرَر فَلَيْسَ بِشَيْء.

стр. 104

وقال : ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ المُشار إلَيه ما سَبَق مِن الأمُورِ الأرْبَعَة ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: مَعْزُومَاتِهَا التي يُعْزَم عليها لِوُجُوبِها]. قوله تعالى: ﴿الْأُمُورِ﴾ بمَعنَى: الشُّؤُون والأَحْوال، والعَزْم هنا مَصدَر بمَعنى اسْمِ المَفْعُول، أي: مَعْزُومَاتِهَا التي يُعْزَمُ عليها؛ لِأنَّها وَاجِبَة، واللَّه أَعلَمُ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّه يَنْبَغِي للآباء أن يُوصوا أبناءَهم بهذه الخِصَالِ الأربَعِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه يَنبَغي لِلأَبِ أن يَقْرُنَ مَوْعِظتَه لِابنِه بالتَّرْغِيب والتَّرْهِيب، فإنَّ قولَه تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ تَأْكيد وحَقّ على الابنِ أن يَقومَ بهذه الوَصَايا الأَرْبَعِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: مِن كُلِّ هذه الوصايا، قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ﴾ يُؤْخَذُ مِنه تَلَطُّف الإنسان بِمُخَاطَبة ابنِه، لا سِيَّمَا في مَقَام المَوْعِظَة. ويَتَفَرَّع على هذا أيضًا: بَيانُ سُوءِ مُعَاملةِ بعض الَاباء إذا أَراد أن يَعِظَ ابنَه عامَلَه بالعُنْف والشِّدَّة، وهذا خَطَأ وقد قال النَّبِيُّ ﵊: "إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي بِالرِّفْقِ مَا لَا يُعْطي عَلَى العُنْفِ" (١)، وأنتَ إذا عمِلْتَ بهذا الشَيْءِ فإنَّك سوف تَتعَامَل بالرِّفْق؛ لأنَّ الرَّسُول ﷺ أَخْبَر بأن اللَّه تعالى يُعْطِي بالرِّفْق ما لا يُعْطِي على العُنْف، فإذا كان يَحصُل لك مَقْصُودُك بالعُنْف فإنَّ حصُولَه بالرِّفق مِن بَابِ أَوْلَى.

стр. 105

وعلى هذا فيَنبَغِي الرِّفْق في الأُمُور لا سِيَّمَا في مَقَامِ الوَعْظ لهوُلَاءِ الأبنَاءِ الذين لا يُحِيطُون عِلْمًا بما هم عليه، أمَّا المُعَانِدُ والمُسْتكْبِرُ فهذا له حَالٌ أُخْرى، لكِنْ كلامُنا في مَقَامِ الدَّعْوة، وفي مَقَامِ التَّوْجِيه والإِرْشَاد، فإنه يَنْبَغي التَّلَطُّف وعَدَم العُنْف. * * *

стр. 106

الآية (١٨) * قالَ اللَّه : ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]. * * * قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ هذه مَعطُوفة على قولِه تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، فهو إِذَنْ مِن وصايا لُقمانَ ﵇ لابنِه، قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ وفي قِرَاءة: (وَلَا تُصَاعِرْ) ﴿خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لَا تُمِل وَجْهَك عنهم تَكَبُّرًا] التَّصْعِيرُ هُو الإمَالَة، ومِنه: الصَّعَرُ فِي الوَجْه، وهو المَيَال بحيث تَكُون العُنُق مُلْتَوِية، تمَيلُ إمَّا يَمِينًا وإمَّا شِمَالًا. وقوله تعالى: ﴿خَدَّكَ﴾ أي: وجهَك، فهو مِن إطْلاقِ البَعْضِ وإرادَةِ الكُلِّ، وقول المُفَسِّر ﵀: [تَكَبُّرًا] نَعَم؛ هذا مَحَطُّ النهي، أن يَفعَلَ ذلك على سَبِيلِ التَكَبُّر، أمَّا لو فعَلَه على سبيل الإِعْراض عَمَّا لا يَجوز النظَر إليه، كمَا لو قابَلَتْه امرأة فَصَدَّ وأَعْرَض فإنَّه لا يَدخُل في الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ وأمَّا إذا صَعَّرْت وجْهِي أو خَدِّي لأَجْل ألَّا أَرَى أيَّ شيءٍ مُحرَم فإنَّه لا يَدخُل في هذه الآيةِ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: عنْهُم فتُمِله تَكَبُّرًا. وقوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ﴾ عامٌّ، يَشْمَل المُؤْمِن والكَافِر، ولكن الكَافِرَ لا يُعامَل كما يُعامَل المُؤمِن في مِثْل هذه الأُمُورِ، وقد يُقالُ: إنَّ شَرْعَنا وَرَدَ بخِلافِه، وأنَّ الكافِر يُصَعَّرُ له الخَدُّ

стр. 107

ويُعرَض عَنه، وقد يُقال: إنَّ الكافِر إذا جاءَك مُقبِلًا فأَقْبِلْ عليه، فإنَّ هذا مِن باب التَّألِيف على الإسلام، وأمَّا إذا أَعْرَضَ فأَعْرِضْ. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾: ﴿وَلَا تَمْشِ﴾ هذا مجَزُوم بحَذفِ الياء ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: على الأرض ﴿مَرَحًا﴾ قَال المُفَسِّر ﵀: [أي: خُيَلَاءَ]، فالمَرَح بمَعنَى: البَطَرِ والأَشَرِ والخُيلَاءِ مِن ذلك، فلا تَكون مُتبَخْتِرًا في مِشْيَتِك مُتَعَالِيًا في نفسِك، ولكنِ امْشِ مِشْيَةَ المتذَلِّل الجاضِعِ للَّه ، غَيْرُ المُتَعَلِّي على عِبَادِ اللَّه تعالى. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ذَكَرَ هنا: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾، فالأوَّل: في مُعَامَلَة النَّاس ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾، والثاني: في هَيْئَتِه بِنَفْسِهِ ألَّا يَمْشِيَ في الأرْضِ مَرَحًا، وإنَّمَا يَمشِي كما يَمشِي عِبَادُ الرحْمَن: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. قال ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ مُتبَخْترٍ في مَشْيِه ﴿فَخُورٍ﴾ عَلَى النَّاسِ]. قوله تعالى: ﴿مُخْتَالٍ﴾ أي: فَاعِل لِلخُيَلَاء، و ﴿فَخُورٍ﴾ أي: مُفْتَخِرٍ بِنَفْسِه، والفرْقُ بينهما أنَّ الاخْتِيَالَ يَكونُ بالنَّفْس، والفَخْر يَكون بالقَوْل، فهذا الرَّجُلُ عِندَه خُيَلَاءُ في نفسِه، واخْتِيالٌ على عِبَادِ اللَّه ، وعنده فَخْرٌ بلسَانِه يَفْخَرُ بنفسِه، ويَقول: أنا فُلَانُ بنُ فُلَان، ويَمْتَدِحُ نفسَه، ولكن هذا ما لم يَكُنْ في الحَرْب، فإن كَان في الحَرْب فلا بأسَ أن يَفْخَرَ الإنْسَان، كما قال النبيُّ ﵊: "أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ" (١)

стр. 108

ورأَى بعضَ أصحابِه يَمْشِي مِشْيَة المُتَبَخْتِر فقال ﷺ : "إِنَّ هَذِهِ لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إِلَّا فِي هَذَا المَوْقِفِ" (١)، ففي بَابِ الحَرْب يَجوزُ للإِنْسَان أن يَفْتَخِر، ويَجوزُ أن يَتَعَاظَمَ في نفسِه؛ لأنَّه أَمَامَ أعداءِ اللَّه تعالى الذِين يَنْبَغِي إذْلَالهم. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: ذَمُّ هاتَيْن الخَصْلَتَيْن؛ تَصْعِيرِ الخَدِّ للنَّاس تَكَبُّرًا وتَعَاظُمًا، والمَشْي في الأَرْضِ مَرَحًا، وقد دَلَّتِ الآيَاتُ الأُخْرَى على أنَّهُما مِن المُحَرَّمَات؛ كما في سُورَة الإسْرَاء. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه يَنْبَغِي لِلإِنْسَان عِنْد مُحَادَثَةِ غيْرِه أن يَكُونَ مُقْبِلًا إلَيْه بِوَجْهِه؛ لِأنَّ النَّهيَ عن تَصْعِير الخَدِّ يَدُلُّ على الأَمْر بِضِدِّه، وهو أن يَكُون مُقْبِلًا إلَيْه بوجْهِه. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثْبَاتُ أنَّ اللَّهَ تعالى يُحِبُّ؛ مِن قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ وَوَجْهُ الدَّلَالَة أنَّ نَفْيَ مَحَبَّةِ اللَّهِ تعالى لهولَاء يَدُلُّ على ثُبُوتِها لِغَيرِهم. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَحْرِيمُ الاخْتِيَال والفَخْر، لأنَّ اللَّه نَفَى مَحَبَّتَه له، وقَد سَبَقَ الفَرْق بَين الاخْتِيَال والفَخْر، الفَخْر بالقَوْل، والاخْتِيَال بالفِعْل. * * *

стр. 109

الآية (١٩) * قالَ اللَّه : ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ تَوَسَّطْ فِيه بَيْنَ الدَّبِيبِ والإِسْراَع، وعَلَيكَ السَّكِينَة ﴿وَاغْضُضْ﴾ اخْفِضْ ﴿مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ أَقْبَحَهَا ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ أَوَّلُهُ زَفِير وَآخِرُهُ شَهِيق]. قوله : ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ القَصْد مَعنَاهُ الوَسَط في الأُمُور، فالوَسَطُ في الأمور مَعناه: أنَّ الإنسان يَكُونُ وَسَطًا في مَشْيِه بين الذي يَمْشِي مُسْرِعًا والذي يَمْشِي مُتبَاطِئًا، والقَصْدُ في كُلِّ شيْءٍ هو الوَسَط، ولهذا وَرَدَ في الدُّعَاء المَأْثُور: "وَأَسْألكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى" (١)، فمَعنَى (القَصْد) يَعنِي: التَوَسُّط في الأُمُور، قال : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. وقولُه ﵀: [﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾، تَوَسَّطْ فيه بين الدَّبِيبِ والإسْراع وعليك السَّكِينَةُ والوَقَار] يَعنِي: لا تَدُبَّ دَبِيبًا وأنت تَمْشِي، ولا تُسْرِعْ سُرَعَةً تُخِلُّ بالمُرُوءَة،

стр. 110

ولكِنْ لِيَكُنْ مَشْيُك وَسَطًا بيْنَ هذا وهذا، دَالًّا على القُوَّة وعلى النَّشَاط كما كان الرسول ﵊ يَفْعَلُ في مَشْيِه. وقوله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾: ﴿مِنْ﴾ هذه لِلتَّبعيض، فلَمْ يَقُلِ: اغْضُضْ صَوتَك. بل قال: مِنْهُ. وذلك لأنَّ الإنسان لا يُحْمَد على رَفْعِ الصَّوْتِ جِدًّا، ولا على خَفْضِهِ جِدًّا، والنَّاس مِنهم مَن يَكُون عَالِيَ الصَّوْت إِذَا قَام يَتكلَّم وإذَا هو كأنَّمَا يَتكَلَّمُ على جَمَاعَةٍ بَعِيدِين، ومن الناس مَن يَكُون بالعَكْس، يُكَلِّمُك رُبَّمَا لا تَفْهَمُ مِنْه إلَّا الكَلِمَة بَعْد الكَلِمة، كُلّ هذا لَيْس بِجَيِّد؛ ولهذا قَال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾، ولم يَقُلِ: اغْضُضْه كُلَّه. فلا ينبَغِي هذا ولا هذا، بل يَكُون أيضًا قَصْدًا بين رَفْعِ الصَّوْت والإخْفَاء. فقولُه تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ المُرَاد به: عند المُخَاطَبَة، ثُمَّ إنَّ ﴿مِنْ﴾ هنا تُفِيدُ التَّبعيض في الكَيْفِيَّة، وكذلك في الكَمِّيَّة، في بعض أحيان يَكون الأفضَل أن تَرْفَع صَوتَك، افْرِضْ أنَّك تُنَادِي قومًا بعيدِين مُتَرَامِي الأطْرَاف تُريد أن تحثَّهم على قِتَال أو ما أشْبَهَ ذلك؛ فيَجُوز رَفْعُ الصَّوْت؛ ولهذا العَبَّاسُ بنُ عَبْد المُطَّلِب ﵁ في الحديث الصَّحيح لمَّا انصرَفَ الناس أمَرَه النبيُّ ﵊ أن يُنَادِيَ فقال -بأَعلَى صوتِه-: يَا أَهْل الشَّجَرَة، يَا أصْحَابَ سُورَةِ البَقَرَة (١). بأَعلَى صوتِه، وهذا لا شَكَّ أنَّه ليس غَضًّا مِن الصَّوْت؛ لأنَّ اللَّه تعالى يَقُول: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾. فصارَ الغَضُّ مِن الصَّوْت باعتِبَار الكَمِّيَّة وباعْتِبَارِ الكَيفيَّة؛ نَقُول مثَلًا: إذا كُنت تُخَاطِبُ مَن إِلى جَانِبِك لا تَرْفَعِ الصَّوْت ولا تَخْفِضْهُ بِحَيْثُ لا يَسْمَع، هذا باعتِبَار
следующие страницы →