← Тафсир

Тафсир · id 132429

تفسير العثيمين: السجدة

ابن عثيمين

Полный текст (127 стр.). Показаны 106–127 · переход к 111.

стр. 106

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ رسالَةِ موسى؛ لقوله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، وتأكيدُ هذه الرِّسالَةِ بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ لأنَّ الجملة مُؤَكَّدَةٌ بثلاثَةِ مُؤَكِّداتٍ: اللام، وقَدْ، والقَسَم المُقَدَّر. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن موسى ﵊ رسولٌ حقًّا لا يجوز الشَّكُّ فيه؛ لقوله : ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ يعني أنَّ هذا حَقٌّ؛ فلا تكُنْ في شَكٍّ مَن أنَّه حصل لموسى هذا الذي حصل، وهذا على التَّفسيرِ الذي ذكرنا، أمَّا على ما قاله المُفَسِّر فيُسْتفادُ منه: أن محمدًا ﷺ سوف يُلاقي موسى ﵊. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ التَّوْراةَ كالقرآنِ هُدًى؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ لكن لبيانٍ مَخْصوصٍ وهو: ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الإشارَةُ إلى أنَّه لا ينبغي لنا أن نطلُبَ الهُدى من التَّوْراة؛ لقوله تعالى: ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أما مِن بَعْدِ بَعْثَة الرَّسُول فالهدى لهم هو القُرْآنُ. * * *

стр. 107

الآية (٢٤) * * * * قالَ الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. * * * وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: صيَّرْنا، والجَعْل هنا كونيٌّ، وغالِبُ الجَعْلِ المذكور في القرآن كونيٌّ، وإن كان يأتي بمعنى الشَّرْعيِّ؛ مثل قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ إذ المعنى: ما جعله شَرْعًا وأمَّا كَوْنًا فقد وقع. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: مِنْ بني إسرائيل. وقوله ﵀: [﴿أَئِمَّةً﴾ بتحقيقِ الهمزتين وإبدال الثانية ياءً] هذه هي تفسيرٌ للأئِمَّة، فـ (أئمة) هذا تحقيق، و (أَيِمَّة) إبدال الثانية ياءً، وكثيرٌ من القُرَّاء عندنا يقرؤونها بالتَّسْهيل دائمًا يقولون: (أَيِمَّة). وقوله ﵀: [قادة] تفسير لأئِمَّة؛ لأنَّ الإمامَ هو الشَّيْء الذي يُقتدَى به ويُتَّبَع. وقوله ﵀: [﴿يَهْدُونَ﴾ النَّاسَ ﴿بِأَمْرِنَا﴾] ﴿يَهْدُونَ﴾ أي يَدُلُّون النَّاس، والمراد بالهدايَةِ هنا هدايَةُ الدَّلالَةِ؛ لأن هدايَةَ التَّوْفيق لا تكونُ إلا لله لكن هذه هدايَةُ دلالَةٍ.

стр. 108

وقوله تعالى: ﴿بِأَمْرِنَا﴾ يُحتَمَل أن يكون الأمْر الشَّرْعي أو الأَمْر الكَوْني، فإن كان المرادُ به الشَّرْعيَّ، فالمعنى: يَهْدُون النَّاسَ بالشَّرْع؛ أي: إليه، وإن كان الأَمْرُ قَدَرِيًّا فالمعنى: أنَّهُم يَهْدونَ ذلك وَيدُلُّونهم بقَدَرِنا وتَقْدِيرنا، والحقيقةُ: أنَّ الأَمْر هنا شاملٌ للمعنيينِ جميعًا. وقوله ﵀: [﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ على دينهم وعلى البلاءِ مِنْ عَدُوِّهِم، وفي قراءةٍ بِكَسْرِ اللام وتخفيف الميم] وهي: (لِمَا صَبَرُوا)]. فقوله : ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ لما هذه فيها قراءتان: قراءة: (لِمَا صَبَرُوا)، وقراءة: ﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾، أما على قراءَةِ: ﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ فهي بمعنى حينَ، فهي إذن ظَرْف، وأما على قراءة (لِمَا صَبَرُوا) فاللَّامُ حَرْفُ جَرٍّ و (ما) مَصْدَرِيَّة؛ أي: لصَبْرِهم، وتكون اللام هنا لامَ التَّعليل. وقوله : ﴿صَبَرُوا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [على دينهم وعلى البَلاءِ من عَدُوِّهم]، وهذا هو الحق، فيقول: الصَّبْرُ هنا على أحكامِ الله الكَوْنيَّة والشَّرعيَّة؛ فالشَّرعيَّة على دِينِهِم، والكَوْنِيَّة على قوله ﵀: [وعلى البلاءِ مِن عَدُوِّهم]. وقوله ﵀: [﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ الدالَّةِ على قُدْرَتِنا ووَحْدَانِيَّتنا ﴿يُوقِنُونَ﴾] ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ الواو حرف عطف، و (كان) معطوفَةٌ على ﴿صَبَرُواْ﴾، يعني لهذين الأَمْرَينِ: الصَّبْرِ واليقينِ، واليقينُ هو أعلى درجاتِ الإيمان؛ لأنَّ اليقينَ معناه: أنه يقينٌ لا تَزَعْزُعَ معه ولا شَكَّ فيه، وقد قيل: (بالصَّبْر واليَقينِ تُنالُ الإمامةُ في الدِّينِ)، وهي مأخوذَةٌ من هذه الآيَةِ: ﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. وقوله ﵀: [﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ الدَّالَّة على قُدْرَتنا ووَحْدانِيَّتنا] يَشْمَلُ الآياتِ الشَّرعيَّةَ والكونيَّةَ.

стр. 109

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: فضيلةُ الصَّبْر؛ تُؤخَذُ من الجزاءِ عليه؛ أي: مِن كَوْن الصَّابِر يكون إمامًا، وهذا دليلٌ على أنَّ الصَّبْرَ محبوبٌ إلى الله ويجازي عليه بهذا الجزاء العَظيم. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فضيلَةُ اليقينِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: نَيْلُ الإِمامَةِ في الدِّينِ بهذين الوَصْفَيْنِ؛ وهما: الصَّبْرُ واليقين. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الجزاءَ مِن جِنْسِ العمل؛ لأنَّ هؤلاء لما صَبَروا وأيقنوا صاروا أئِمَّةً يُقتَدَى بهم؛ فكلما أصاب الإنسانَ شيءٌ قال: لقد أُصيبَ فُلانٌ فصبر فلْتَصْبِرْ، وكلما وردت عليه شُبْهَةٌ قال: لقد كان فلان مُوقنًا فأنا أُوقِنُ، فيكون الإنسانُ بذلك إمامًا. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ الآياتِ لله؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. * * *

стр. 110

الآية (٢٥) * * * * قالَ الله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة: ٢٥]. * * * قوله: [﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من أَمْرِ الدِّينِ] ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ﴾ الفَصْل بمعنى: القضاء؛ أي يقضي ويَحْكُمُ حتى يَمِيزَ الحقَّ لهؤلاء وهؤلاء. والحُكم كما قال الفُقَهَاء: هو فَصْلُ الخُصوماتِ؛ لأنه به يَتَميَّزُ هذا من هذا ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في حُكْمِهِ الجزائيِّ؛ لأن حُكْمَه الشرعِيَّ فاصِلٌ في الدُّنيا، فهؤلاء على حقٍّ، وهؤلاء على ضَلالٍ، لكن مرادُه: الحكْمُ الجزائيُّ الذي هو غايَةُ الشَّرْعِ، فيومَ القيامَةِ يَفْصِلُ بينهم؛ فهؤلاء إلى النَّار، وهؤلاء إلى الجَنَّة. وقوله : ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فقد كانوا يختلفونَ في الدُّنْيا؛ فالمؤمنون يقولون: إنَّ هذا هو الحَقُّ، وأولئك يقولون: ليس هذا هو الحَقَّ، لكنْ يَوْمَ القيامَةِ يُفْصَل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، ويَتَبَيَّن مَن هو الذي على الحقِّ.

стр. 111

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنه لا حاكِمَ في الآخِرَة إلا الله، تُؤخَذُ من ضميرِ الفَصْل في قوله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ﴾ فهو وَحْدَه يَفْصِلُ، وقد قال الله تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، وقال: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ يَوْم القيامَةِ؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الله يَحْكُمُ بين المؤمنين والكافرين في ذلك اليَوْمِ؛ لقوله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فيقول: أنتم على حَقٍّ، وأنتم على باطِلٍ؛ وهؤلاء للجَنَّةِ، وهؤلاء للنَّارِ، والغالِبُ المُنْتَصِرُ هم المؤمنون. وقد قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، فانظر! قاضٍ يُعْلِنُ الحُكْمَ بين الخَصْمَيْنِ ويقول: أنتَ الغالِبُ، يعلن بالحُكْمِ قبل القَضِيَّة، وهذا في حَقِّ الله لا شَكَّ أنه جائِزٌ، لكنْ في قضيَّة في الدُّنْيا ويأتي القاضي ويقول: يا فلانُ أنت كاذِبٌ، وذاك ليس له سبيلٌ عليكَ، فهذا لا يجوز: أولًا: لأنَّ القاضيَ إلى الآن ما عُرِضَتْ عليه هذه القضيَّة ولا يدري. ثانيًا: أنَّ الخَصْمَ غالبًا يَذْكُرُ الحُجَّة التي له سواء إنْ قَصَدَ إخفاءَ قضِيَّة خَصْمِه أم ظنَّ أنها لا تَنْفَعُه. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنه لا وِفاقَ بين المؤمنينَ والكافرين؛ لقوله : ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فأيُّ إنسانٍ يحاوِلُ أن يقارِبَ بين الإسلامِ والنَّصْرانِيَّة

стр. 112

أو بين الإسلامِ واليهودِيَّة فإنَّه أراد أن يَرُدَّ اللَّبَنَ في الضَّرْعِ! وهذا غير مُمْكِنٍ؛ فكلُّ كافرٍ مهما كان سواءٌ انتسَبَ إلى الإسلامِ أم كان كافرًا مُعْلِنًا كُفْرَه فإنَّه لا يُمْكِنُ أن يتوافَقَ مع المؤمنين أبدًا، ومن زعم ذلك فقد أَبْعَدَ النَّجْعَةَ وحاول شيئًا مُسْتَحيلًا. * * *

стр. 113

الآية (٢٦) * * * * قالَ الله : ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦]. * * * وقوله ﵀: [﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: يتبيَّنْ لكفَّارِ مكَّة إهلاكُنا كثيرًا ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾]. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ الهَمْزة هنا للإسْتِفْهام، والواو حرفُ عَطْف، وقد سبق لنا في مثل هذا التَّرْكيب أنَّ للعلماءِ في ذلك قولَيْنِ في الإعرابِ. وقوله تعالى: ﴿يَهْدِ لَهُمْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [يَتَبَيَّنْ لهم]، وفي الحقيقَةِ أنَّ هذا التفسيرَ تفسيرٌ باللازِمِ، وإلا فإنَّ الهدايَةَ في الأَصْلِ: الدَّلالَة، لكن بالدَّلالَةِ يكون البيانُ؛ فلهذا فسَّروها باللَّازِمِ: (أَوَلَمْ يَتَبَيَّنْ لهم). وقوله : ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾: ﴿كَمْ﴾ هذه خبرية، وهي في محل نَصْبٍ مفعولٌ مقدَّمٌ لـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، وهذه الجملة: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، تؤول بمصدر مِن غير حرف مصدري، يعني: أولم يتبين لهم إهلاكُنا، وقد سبق لنا أن جُملًا قد تُؤَوَّل بمصدرٍ مِن غير حرفٍ مصدريٍّ، مثال ذلك قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ يعني سواء عليهم إنذارك وعدمه، وسواء عليهم استغفارك وعدمه، فهذه مما يؤول بمصدرٍ بدون حرفٍ مصدري.

стр. 114

وقوله ﵀: [﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي يتبين لكفَّار مكة] المُفَسِّر دائمًا يخُصُّ مثل هذه العباراتِ لأهْلِ مكَّة، وكأنَّه ﵀ يرى أنَّ كونَ الآيات المكية تُعَيِّنُ المرادَ، ولكِنَّ الأَوْلى أن يُقالَ: العِبْرةُ بِعُمومِ اللَّفْظِ لا بخصوص المكانِ، كما أنَّ العِبْرة بعمومِ اللَّفْظ لا بخصوص السبَّب، فإذا لم يكن هناك سببٌ يقتضي تخصيصَ المكان به فإنَّ العِبْرةَ بالعموم. وقوله ﵀: [﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ الأُمَم بكُفْرِهم] أي: بسببِ الكُفْر، والقرونُ جَمْعُ قرنٍ، والمراد بالقَرْنِ الأُمَّة من النَّاس، كما في الحديث الصَّحيحِ: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الذينَ يَلُونَهُمْ" (١). وقوله ﵀: [﴿يَمْشُونَ﴾ حالٌ من ضميرِ ﴿لَهُمْ﴾] في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾؛ فـ ﴿يَمْشُونَ﴾ حالٌ من ضمير لهم، وإن كان يُحْتَمَلُ الحالُ ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ لكِنْ ﴿لَهُمْ﴾ أحسن، لأنها مبتدأُ الكلام؛ يعني: حالَ كَوْنِ هؤلاء يمشون. وقوله ﵀: [﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ في أَسْفارِهِم إلى الشَّام وغيرها] يعني أنَّ هؤلاء الذين بَقُوا إلى وقت نزولِ القرآن قد تبَيَّنَ لهم إهلاكُ الأُمم السَّابِقَة، وهؤلاء الذين بَقُوا إلى وقت نزولِ القُرْآنِ يَمْشُون في مساكِنِ أولئك المعَذَّبينَ، وقوله ﵀: [في أَسْفارِهِم إلى الشَّامِ] أي في طريقهم إلى الشام - بمعنى أنَّ المراد كُفَّارُ مكَّة - مثل ديار ثمودَ ومثل ديارِ قوْمِ لوطٍ، كما قال في سورة الحِجْرِ: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾، وكونهم يمشون في مساكنهم هذا أبْلَغُ في النَّظَر وفي التبيُّنِ؛

стр. 115

لأنَّهُم يرون ذلك عَيْنَ اليقين، وعينُ اليقينِ أشدُّ من عِلْمِ اليقين؛ ولهذا قال إبراهيمُ ﵊: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فإحياءُ الموتى عند إبراهيم قبل أن يشاهِدَه بِعَيْنِه من باب عِلْمِ اليَقينِ، فإذا شاهدهم صار من بابِ عَيْن اليقينِ. وقد ذكر العلماءُ أنَّ لليقينِ ثلاثَ درجاتٍ: (علمًا) و (عينًا) و (حقًّا)، وكل ذلك مذكور في القرآنِ؛ قال : ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾، وقوله : ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ فهذا عَيْنٌ وعِلْمٌ في سورة واحدة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ هذا حقُّ اليقين، هذه مراتِبُ اليقينِ الثَّلاثُ. والفرق بينها: أنَّنا نحن نعلم عِلْمَ اليَقينِ أنَّ في الجَنَّة نَخْلًا ورمَّانًا وفاكِهَةً، فإذا رأيناها بأعْيُنِنا - ونسأل الله أن يَجْعَلَنا وإيَّاكُم نراها - إذا رأيناها بأعْيُنِنا صار ذلك عَيْنَ اليقينِ، فإذا أكلناها صار حَقَّ اليقينِ. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: لماذا لا يكون عينُ اليقينِ حقَّ اليقينِ؟ فَنَقُول: الآن هناك عَناقيدُ عِنَبٍ من البلاستيكِ الذي يراها عينَ اليقينِ يَحْسَبُها عنبًا، ولو تُعْطِي شَخْصًا بذْرَةً صغيرةً منها لأخذها وأَكَلَها؛ نحو قوله : ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ لكِنْ عندما نأكُلُ تلك البلاستيك تتبيَّنُ الحقيقةُ. فـ (حق اليقينِ) أعلى من (عين اليقين)، لكن ما لا يُدْرَكُ إلا بالرُّؤْيَةِ فتكون رُؤْيَتُه (حقَّ اليقين). وكلُّ هذا تقريرٌ على قوله : ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ لأنَّ كَوْنَهم يمشونَ في مساكنهم معناه: أنَّهُم يُدْرِكونَ ذلك (عينَ اليَقينِ) فيشاهِدُون بأَعْيُنِهم، وهو أبلَغُ من الخَبَر.

стр. 116

وقوله ﵀: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ دلالاتٍ على قُدْرَتِنا] ولو قال المُفَسِّر ﵀: "وعلى انتقامِنا من المُجْرمينَ" لكان أَوْلى وأَنْسَبَ، لأنَّ المقامَ الآن مقامُ اعتبارٍ بما جرى، فيكون هذا فيه دلالَةٌ على الإنتقام من المكَذِّبينِ، فيكون أدعى للإعتبارِ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ هذا للتَّوْبيخِ، الإسْتِفْهامُ للتَّوْبيخ، والمرادُ: قال المُفَسِّر: [﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعَ تدبُّرٍ واتِّعاظٍ] وإلا فهم يسمعون سماعَ إدراكٍ، لكنْ سماعُ الإدراكِ لا يُجْزِئ، بل يَضُرُّ، فإذا لم تنتفِعْ بسماعِ الإدراك - يعني بالأذن - كان ضررًا عليك، كما أنَّ العِلْمَ إذا لم تَنْتَفِعْ به كان ضررًا، فالمراد هنا: سَماعُ الإتِّعاظِ والإعْتِبارِ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: استعمالُ ضرْبِ الأمثالِ؛ تُؤخَذُ من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ يعني: فإذا كنَّا أهْلَكْنا مَنْ قَبْلَهُم فسَنُهْلِكُهُم إذا كانوا مِثْلَهم؛ ولهذا قال الله في سورة يوسف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الإستدلالُ بالشَّيْء المحسوسِ على الشَّيْء المعقولِ؛ لقوله تعالى: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾؛ أو بعبارة أخرى: الإستدلالُ بِعَيْنِ اليقينِ على صِدْقِ عِلْمِ اليقين؛ فقوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ هذا عِلْمُ اليقينِ، وقوله تعالى: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ هذا عين اليَقينِ.

стр. 117

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: جواز المشي بدارِ المُعَذَّبينَ ومساكِنِهم؛ تُؤخَذُ من قوله تعالى: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ولكن: هل ذِكْر الخَبر عن الشَّيْء يفيد حِلَّه؟ والحقيقة أنه لا يُفيدُ، يعني: كَوْنُ هذا هو الواقِعَ الحقيقة أنَّهُم يمشون في مساكِنِهم لا يدُلُّ أنَّ هذا المشي مأذون فيه، وقد أخبر النَّبِيُّ ﷺ أنَّ الظَّعينة تمشي من حَضر مَوْتَ إلى صنعاءَ مسيرًا لا تخشى إلا الله (١)، والظَّعِينة وحدها حرامٌ أن تسيرَ هذا المسير، وقال الرَّسُول ﷺ : "لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ؛ الْيَهُود والنَّصَارَى" (٢) وهذا حرامٌ. فالإخبار عن كَوْنِهم يَمْشُون في مساكِنِهِم لا يدلُّ على أنَّ المَشْي حلالٌ، لَكِنْ هل يدلُّ على أنَّه حرامٌ؟ الجوابُ: لا يدلُّ على أنَّه حلال ولا على أنَّه حرامٌ؛ فنَرْجِعُ إذن إلى الأدِلَّةِ الدَّالَّة على ذلك على التَّحْريمِ أو التَّحْليل، فنجد أنَّ الأَدِلَّة تدُلُّ على أنَّ السَّيْرَ فيها جائِزٌ، وأمَّا السكنى فلا تجوز، ومع ذلك فقد قال الرَّسُولُ ﵊: "لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاءِ المُعَذَّبينَ إِلَّا أن تَكُونوا باكينَ، فإن لم تَكُونوا باكينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا" (٣)

стр. 118

فالإنسان الذي يَقْصِدُها نقول: لا تَدْخُلْها إلا باكيًا، وأما الذي يَمُرُّ بها مرورًا فلَهُ أن يَمُرَّ، ولكن يُسْرِعُ كما أسرع النبيُّ ﵊. أما الذَّهابُ إلى هذه المساكِنِ من أجل أنْ يتفرج ويقول: حضارةٌ عظيمةٌ، وانْظُرْ هذه الحضارَةَ القديمةَ! هل يوجد في الحضارَةِ الجديدة مثلُها! ويُشَمُّ من كلامِهِ تعظيمُ هؤلاء؛ فهذا لا نوافِقُ عليه؛ لأنَّ هذا من السَّيْرِ في الأرض المنْهِيِّ عنه؛ لأن كَوْنَنا ندخل على هؤلاء متفرجين مُنْبَسِطينَ مُنْبَهِرينَ بِقُوَّتِهم متناسينَ ما وقع بهم من العذاب لمخالَفَتِهِم أَمْرَ الله ورُسُلِه، فإن هذا مذمومٌ، وليس محمودًا ولا مأمورًا به. وعليه، فنقول لكلِّ من أراد أن يَذْهَبَ إلى هذه البلادِ: إذا كنتم فَعَلْتُم ذلك على سبيل النُّزْهَة فهذا حرامٌ عليكم، أما على سبيل الإعتبارِ والإتِّعاظِ بما جرى لهم من العذابِ والنَّكَالِ وأن تتأثَّرُوا بذلك حتى تَبْكُوا فهذا جائِزٌ، وإلا فلا تدخلوا حتى لا تُعَرِّضُوا أنْفُسَكُم للعذابِ، وأمَّا عن شَدِّ الرِّحالِ فليس فيه بأسٌ؛ لأنه ليس على سبيل التَّعَبُّدِ بهذا المكان نَفْسِه. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ في إهلاكِ الأُمَمِ عِبْرَةً وآيةً؛ لقوله : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ فهو آيةٌ لِكَوْنِ الله تعالى أَخَذَهُم وأَهْلَكَهُم مع قُوَّتِهم؛ وهي عبرةٌ؛ أنَّ الله أخَذَهُم لمخالفته؛ كما قال الله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾، وكلُّ هذا يُفيدُ بأنه يَجِبُ علينا نحن أن نَعْتَبِر بهذه الآياتِ وأن نخافَ.

стр. 119

الآية (٢٧) * * * * قالَ الله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]. * * * وقوله ﵀: [﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ اليابِسَةِ التي لا نباتَ فيها ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ هذا، فيَعْلَمُون أنَّا نَقْدِر على إِعادَتِهِم]. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ﴾ هل المرادُ بالرُّؤْية رُؤْيَةُ البَصَر أو العِلْمِ أو كلتاهما؟ الجوابُ: كلتاهما، فإذا كان ذلك بأَرْضِهم رَأَوْه بأَعْيُنِهم، وإذا كان في أَرْضِ غَيْرِهم رأَوْه بِقُلُوبهم رؤيةَ عِلْم، وهذا مُشاهَدٌ. وقوله تعالى: ﴿نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ وهل نسوقُ الماءَ في الجَوِّ أو نسوقُه على الأرض، أو كلاهما؟ الجوابُ: كلاهما، فالأوَّل: ماء المَطَر نسوقُه في الجوِّ؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ والثَّاني الأنهار؛ تُساقُ إلى الأراضي القاحِلَة فتَنْبُت، وسواء كانت الأنهارُ كبيرةً كالأنهارِ المَشْهورة المعروفة أو صغيرة كالمياه النَّابِعَة، فإنَّها أنهارُ عيونٍ تسوقهم إلى الأَرْضِ.

стр. 120

وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ بمعنى الخالِيَة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ خالِيَةً من كلِّ شيء، أرضٌ جُرُزٌ لا شيءَ فيها، وليس فيها أيُّ شجرةٍ فيأتيها المطَرُ أو يأتيها ماءُ النَّهْر. يقول الله : ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾ تأكُلُ منهم أنعامُهُم؛ أي: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وكذلك غيرُها، لكنَّه خَصَّ الأنعامَ؛ لأنَّها أكثرُ بأيدي النَّاس وأكثرُ مُلابَسَةً، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾ أي: إنَّهم يأكلونَ من هذا الزَّرْعِ النَّابِتِ منه. والغالِبُ الذي يَنْبُت من الماء من الأنهارِ ومن السُّيول لا يحتاجُ إلى حَرْثٍ؛ إذ تُنْبِتُه الأَرْضُ، فكُلُّ البراري تَنْبُت بدون حَرْثٍ. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ الإسْتِفْهامُ هنا للتَّوبيخِ، يعني فالواجِبُ أن يُبْصِروا ما يرونه بأَعْيُنِهم ويستدِلُّوا به على كمالِ نعْمَةِ الله وقُدْرَتِه؛ وَيسْتَدِلُّون به على أَمْرٍ آخر وهو القُدْرَةُ على إحياءِ الموتى، فالأَرْضُ الجُرُزُ الخالِيَةُ من النَّبات يأتيها هذا الماءُ فتَنْبُتُ بإذن الله فالله تعالى القادِرُ على إحيائها قادرٌ على إحياءِ الموتى. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: وجوبُ النَّظَرِ في الآيات؛ لأنَّ الإسْتِفْهامَ هنا للتَّوْبيخِ ولِلَوْمِ مَنْ لم يَنْتَفِعْ بذلك. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ أفعالِ الله الإختيارَّية؛ لقوله تعالى: ﴿أَنَّا نَسُوقُ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بيان قُدْرَةِ الله؛ حيثُ يَسُوقُ الماءَ جوًّا أو برًّا إلى هذه الأَراضي الخالِيَة المَيْتة الهامِدَة فتَنْبُت؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾.

стр. 121

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الأَصْلَ فيما نَبَتَ في الأرض الحِلُّ، يُؤْخَذُ من قوله تعالى: ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾؛ فالأَصْلُ فيما نبت في الأرض أنه حلالٌ حتى يقومَ دليلٌ على التَّحْريمِ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بيان قُدْرَةِ الله بإحياءِ الأرضِ بعد مَوْتِها؛ لقوله تعالى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الإشارَةُ إلى أعلى درجاتِ اليَقينِ، وهي (حَقُّ اليقينِ) تُؤخَذُ من قوله تعالى: ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾ فهم لا ينظرون إليه فقط، ولكنَّهم يأكلون منه، وهذا هو حقُّ اليَقينِ. الْفَائِدَةُ السَّابعَةُ: إثباتُ المِلْك بالأَنْعامِ؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْعَامُهُمْ﴾ فالإضافَةُ هنا إضافَةُ مِلْكٍ، ولكنَّه سبق لنا أنَّ كُلَّ مِلْكٍ يَثْبُتُ للإنسان فهو مِلْكٌ لله، لكنَّه مِلْك مقيَّدٌ، فالإنسانُ لا يملك الشَّيْء مِلْكًا مُطْلَقًا يتصرف فيه كما شاء، وإنما يَمْلِكُ مِلْكًا مُقَيَّدًا في تَحْصِيله وتَمْويلِهِ وتَصْريفِهِ. فهو مقيَّدٌ بالتَّحْصيل؛ فلا تُحَصِّلْه إلا على الوَجْهِ المَشْروعِ، وفي تمويله يعني الإتِّجار به، وفي تَصْريفِهِ؛ أي: لا تُصَرِّفه إلا مُقَيَّدًا، فهل بعد هذا يكون المِلْكُ حقيقيًّا؟ الجوابُ: لا، إِذَنْ مِلْكُكَ للأشياءِ - حتى مِلْكُكَ الخاصُّ كالبيت والسيارة والثَّوْب - ليس مِلْكًا مُطْلقًا، بل هو مِلْكٌ مُقَيَّد. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: الحَثُّ على النَّظَر والتَّبَصُّر، يُؤْخَذ من قوله : ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾. * * *

стр. 122

الآيتان (٢٨، ٢٩) * * * * قالَ الله : ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٨، ٢٩]. * * * قال تعالى: [﴿وَيَقُولُونَ﴾ للمؤمنينَ ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ بيننا وبينكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾] أعوذ بالله! اسْتَبْطَؤُوا العذابَ فقالوا: متى هذا الفَتْحُ؟ وليس المرادُ فَتْحَ مكَّةَ، بل المراد: (الحُكْمُ بيننا؛ بأن تكون العاقِبَةُ لكم أيُّها المؤمنون وعلينا أيُّها الكافرون؛ متى يكون هذا الذي تُوعَدُون به! ! )، فهو كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وهذا الإستِفْهامُ للإستبطاءِ الدَّالِّ على الإنكارِ، وليس للإسْتِعْلامِ والإسْتِرْشادِ، ولكنَّه استبطاءٌ دالٌّ على الإنكارِ؛ يعني كأنَّهم يقولون: إن كُنْتُم صادقينَ بأنَّكُم على حقٍّ، وأنَّ العاقِبَة ستكون لكم، فأينَ ذلك؟ ! وهذا في غايَةِ ما يكون من العِنادِ - والعياذُ بالله - وكان الواجِبُ عليهم أن يخافوا ممَّا وَعَدَهم به المؤمنونَ، لكن هم لا يُصَدِّقونَ كِبْرًا وعنادًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. وقوله ﵀: [﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ بإنزالِ العذابِ بهم ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾] فيه التفاتٌ من الخِطابِ إلى الغَيْبةِ؛ لمَّا قال: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾

стр. 123

قال: ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ للعمومِ وللتَّسْجيلِ عليهم بما يَقْتَضيهِ الفِعْلُ، وهو الكُفْر. وقوله : ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ يعني: يومَ الفَصْلِ بيننا وبينكم والحُكْمِ: ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. قوله : ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾: ﴿يَوْمَ﴾ ظرفٌ منصوبٌ على الظَّرْفِيَّة، وعامِلُه قَوْلُه: ﴿يَنْفَعُ﴾؛ ومن هنا نأخُذُ فائِدَةً نَحْوِيَّة عظيمةً، وهي: أنَّ (لا) النافِيَةَ لا تَمْنَعُ عَمَلَ ما بَعْدَها فيما قَبْلَها. وقوله ﵀: [﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يُمْهَلونَ لتوبةٍ أو مَعْذِرَة] فإذا جاءَ العذابُ للمُكَذِّبين فإن ذلك لا يَنْفَعُهُم، فإذا جاء العذابُ، ولو قالوا: آمنا؛ قال : ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ فإلى الآن نحن في قَضِيَّة معيَّنة، وليس هناك عمومٌ، لكن قال: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ فقد مَضَتْ، يعني مَضَتْ سُنَّةُ الله ، أمَّا من آمن بعد معايَنَةِ العذابِ، فإن ذلك لا يَنْفَعُه؛ كما قال : ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ فليس له توبةٌ، وأمَّا قوله : ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨] فواضحٌ أنَّهُم ماتوا على الكُفْرِ. من فوائد الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَةُ الأُولَى: فيها دليلٌ على سَفَهِ هؤلاء المكَذِّبين وحُمْقِهِم؛ لقولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ والإسْتِفْهامُ قلنا: إنَّه لِلإسْتِبْطاء والتَّحَدِّي للرَّسولِ ﵊ ومن كان معه.

стр. 124

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الحُكْمَ بين المؤْمِنِ والكافِرِ من الفَتْحِ؛ لأنَّ الله قال: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ﴾ فأقَرَّ هذه التَّسْمِيَة. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بيان عُتُوِّ الكافرين وإجرامِهِم؛ لِكَوْنِهِم يَتَحَدَّوْنَ الرَّسُولَ ﷺ والمؤمنينَ: متى هذا الحُكْمُ بيننا إن كنتم صادقينَ؛ لقوله : ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ العذابَ إذا نزل لا يَنْفَعُ الإيمانُ، يُؤْخَذُ من قوله : ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّه إذا نزلَ العذابُ فلا إِنْظَارَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ العذابَ قد يُؤَجَّلُ قَبْل نزوله؛ لأنه يقول: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ﴾ فظاهِرُ الآية: أنه لو كان هذا الإيمانُ قبل نزولِ العَذابِ فإنَّ الله تعالى يَرْفَعُه بالإيمانِ؛ ولهذا أمر النَّبيُّ ﵊ عند الكُسوفِ بالصَّلاةِ والدُّعَاءِ والإسْتِغْفار (١) والصَّدَقَة والتَّكْبير (٢) من أجل أن يُرْفَعَ العذابُ الذي هذا إنذارٌ به؛ فإنَّ الكسوفَ إنذارٌ بالعذابِ، وهو نَفْسُه ليس عذابًا، لكنَّه إنذارٌ بأن يُعذَّبَ الخَلْقُ، فإذا فَزِعُوا إلى الصَّلَاةِ وإلى الذِّكْر والدُّعَاء والإسْتِغْفار رُفِعَ عنهم. * * *

стр. 125

الآية (٣٠) * * * * قالَ الله : ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠]. * * * قول المفسر ﵀: [﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ﴾ إنزالَ العذابِ بهم ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ بكَ حادِثَ موتٍ أو قَتْلٍ فيَسْتَريحونَ منكَ، وهذا قبلَ الأَمْر بقتالهِم]. قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ﴾ أَعْرِضْ عنهم، ليس المرادُ إعراضًا عن دَعْوَتِهم، بل المراد: لا تَهْتَمَّ بهم، يعني لا تَجْعَلْ نَفْسَك متعلِّقَةً بهم وانتظِرْ، وهنا المفعولُ محذوفٌ؛ يعني: انتظر نزولَ العذابِ بهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ يُحتَمَل أن يكون المعنى ما قاله المُفَسِّر ﵀: أي مُنْتَظِرون أن يَنْزِلَ بك هلاكٌ بقتلٍ أو غَيْرِه، أو: ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ باعتبارِ الواقِعِ، لا أنَّهُم منتظِرونَ إهلاكَكَ؛ يعني أنَّهُم منتظرونَ العذابَ الواقِعَ بهم، فهم كأنَّهُم لِتَماديهمْ في الكُفْرِ ينتظرونَ ما يَنْزِلُ بهم من العذابِ. وقول المُفَسِّر ﵀: إنَّ [هذا قبلَ الأَمْرِ بقِتالِهم] معناه: أنَّ الآيَةَ مَنْسُوخةٌ، وليس كذلك، بل الصَّحيحُ أنها قَبْلَ الأَمْر بالقتالِ؛ لأن هذه السُّورة مكيَّة فهي قبل الأمر بالقتال بلا شكٍّ، لكنَّها ليست منسوخَةً؛ لأنَّ الأَمْرَ هنا بالإعراضِ عنهم، والإنتظارُ ليس معناه ألَّا نقومَ بما يَجِبُ.

стр. 126

فالآن نحن نَنْتَظِرُ أن يُنْزِلَ الله تعالى العذابَ في الكفَّارِ، لكنْ مع ذلك ندعوهم ونُقاتِلُهُم إذا كان لدينا قُدْرَةٌ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ المكابِرَ يُعرَضُ عنه ويُتْرَكُ حتى ينزِلَ به العذابُ؛ فإذا رَأَيْتَ من يكابِرُ، تَأْمُرُه بالحقِّ ولكن يكابِرُ ويجادِلُ ويعانِدُ، فاتْرُكْه؛ لأن بقاءَكَ معه لا يُجْدي شيئًا، فالإنسانُ المكابِرُ الذي يقول: هذه لَيْسَتْ بِشَمْسٍ، ولكن هذا قَمَرٌ، وهو الآن في الضُّحى، ونقول: انظر الشَّمْس! قال: لا، أنت غلطان؛ نحن الآن بعْدَ صلاةِ العِشاء، وهذا الذي تراه إنما هو القَمَر؛ فهذا لا تَتَكَلَّمْ معه أبدًا، بل تَطْلُب من يَقْرَأ عليه أو من يداويهِ لأنه مجنونٌ، وكذلك من تُريهِ الحَقَّ مثلَ الشَّمْسِ والحَقَّ أَبْيَنَ من الشَّمْس، ثم يقول: لا، هذا غيرُ صحيحٍ، فإن هذا ينبغي أن يُطْلَبَ له من يداوي عَقْلَه قبل فِكْرِه؛ فهذا مكابِرٌ لا فائِدَة للكلامِ معه؛ ولهذا يقول الشاعر: وَلَيْسَ يَصِحُّ في الْأَفْهَامِ شَيْءٌ ... إِذَا احْتَاجَ النَّهارُ إِلَى دَليلِ (١) الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ المُكَذِّبَ لا يَنْتَظِرُ إلا العذابَ؛ لقوله : ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾. وأما تفسيرُ المُفَسِّر ﵀: ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أن يحِلَّ بك هلاكٌ أو نحوه؛ فهذا فيه نَظَرٌ، بل يقال: إنَّهم مُنْتَظِرونَ للعذاب لِكَوْنهِمُ اسْتَمَرُّوا على كُفْرِهم فهم كالمُنْتظِرينَ لما يَنْزِلُ بهم، وقد يقال: إنَّ الآيَةَ تَشْمَلُ المعنيينِ جميعًا؛ يعني: هم ينتظرون أن تموتَ ويَنْتَظِرون عذابَهُم باستمرارِهِم على المَعْصِيَة؛ كما قال الله :

стр. 127

﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ ولهذا إذا مات الكافِرُ يُعذَّبُ مباشرةً، بل إنَّه يُحِسُّ بالعذاب في حالِ النَّزْع؛ قال : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. وبهذا انتهت هذه السُّورَةُ التي كان الرَّسُولُ ﵊ يقرأ بها في فَجْرِ يومِ الجُمُعَةِ (١) ويُضيفُ إليها في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ سورةُ الإنسان. * * *