← Тафсир

Тафсир · id 132429

تفسير العثيمين: السجدة

ابن عثيمين

Полный текст (127 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ارْجِعْنا نَعْمَلْ صالحًا، فقال: ليس هناك رُجوعٌ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ يعني العذابَ الدَّائِمَ، وهذا من باب إضافَةِ الشَّيْء إلى مَوْعِدهِ أو على تقدير (في) للظَّرفيَّةِ؛ يعني: عذاب في الخُلْد؛ وعلى كلِّ حالٍ: هو عذاب دائِمٌ. وقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: (ما) هنا يُحْتَملُ أن تكون اسمًا موصولًا؛ أي: بالذي كنتم في الدُّنْيا تَعْمَلُونه، ويُحْتَمَل أن تكون مصدرَيَّة، ولكنْ ظاهِرُ تفسيرِ المُفَسِّر أنها اسمٌ موصولٌ، قال: [﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الكُفْرِ والتَّكذيب]. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ أهلَ النَّار يُوَبَّخونَ بتركِهِم العَمَلَ للنَّجاةِ منها؛ لقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾. ويتفرَّعُ على هذه الفائِدَة: زيادَةُ التَّعذيب: التَّعذيب القلبي؛ لأنَّ الإنسانَ إذا وُبِّخَ على عملٍ عَمِلَه فإنَّه يزدادُ حَسْرةً وندمًا. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إطلاقُ النِّسْيانِ على التَّرْكِ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات الأفعال الإختياريَّة لله؛ لقوله تعالى: ﴿نَسِينَاكُمْ﴾ يعني: تَرْكناكُم، وهذا يدلُّ على أنه تعالى يترُكُ من شاء ويُقْبِل على من شاءَ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن عذابَ النَّارِ دائِمٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ وهذا هو الذي عليه أهل السُّنَّة والجماعَةِ: أنَّ عذابَ النَّارِ أَبَديٌّ سَرْمَدِيٌّ؛ كما أنَّ نعيمَ الجَنَّة أبديٌّ سرمديٌّ، لكنْ ذَكَرَ ابنُ القيم (١) ﵀: أنه يُخْتَلَفُ في أبديَّةِ النَّار على قَوْلَيْنِ، وأمَّا عذابُها فهو أبديٌّ ما دامَتِ النَّارُ موجودةً، فلا يَخْرُجُ منها أهْلُها

стр. 72

ما دامت موجودةً أبدًا؛ ولكنَّ الكلامَ في أبَدِيَّتِها هي، فهل هي مُؤَبَّدة أو مُؤَمَّدةٌ؟ والصَّواب: أنَّها مُؤَبَّدَةٌ، وقد ذكر الله تعالى ذلك في ثلاثِ آياتٍ من القرآن في سورة النِّساءِ، وفي سورة الأحزابِ، وفي سورة الجِنِّ. ففي سورة النساءِ قولُهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]. وفي سورة الأحزاب قَوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]. وفي سورة الجِنِّ قولُهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: إنَّ التَّأبيد هنا لخُلُودِهِم؟ قُلْنَا: لا تأبيدَ لخلودٍ إلا والمكانُ خالِدٌ فيه؛ فإذا تأبَّدَ الخلودُ فإنَّما مكانُ الخُلْدِ يكون مُؤبَّدًا بالضَّرورةِ، ولهذا الصَّوابُ المقطوعُ به: أنَّ النَّار أَبَدِيَّةٌ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الله لا يَظْلِمُ أحدًا؛ لقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الجَزاء من جِنْس العَمَل، فكما أنَّهُم أَفْنَوْا حياتَهُم في مَعْصِيَة الله فإنَّ حياتَهُم الآخِرَة أيضًا ستكونُ في عذابِ الله. * * *

стр. 73

الآية (١٥) * * * * قالَ الله : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥]. * * * ثم بيَّنَ الله مَنِ المؤمِنُ حقًا، فقال: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حَصْرٍ، حَصَرَتِ الإيمانَ في الذين إذا ذُكِّروا بآياتِ ربِّهم خَرُّوا سُجَّدًا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [القرآنِ] وعلى هذا فهي الآياتُ الشَّرْعيَّة، والصَّواب أنها عامَّة حتى الآيات الكونِيَّة كمن ذُكِّرَ بما يفعَلُه الله في المكَذِّبين والمُجْرِمين، فإنَّ ذلك داخِلٌ في الآية ﴿بِآيَاتِنَا﴾. وقوله ﵀: [القرآن] يقتضي أنَّ هذا القَوْلَ خاصٌّ بهذا الأُمَّة ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ لأنَّهُم أَهْلُ القرآنِ، ولكِنَّ الأَوْلى أن تُؤْخَذ على سبيل العُمُومِ حتى فيما سبق، قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]. وقوله : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾: ﴿الَّذِينَ﴾ فاعِلُ ﴿يُؤْمِنُ﴾، يعني (لا يُؤْمِنُ إلا الذين ... )، والمرادُ الإيمانُ الكامِلُ.

стр. 74

وقوله ﵀: [﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾ وُعِظُوا ﴿بِهَا﴾ أي جُعِلَت مَوْعِظَةً لهم وبُيِّنَتْ لهم الآياتُ، فإذا وُعِظُوا بها ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾: ﴿خَرُّوا﴾ جوابُ ﴿إِذَا﴾. وقوله : ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ الخُرورُ يكون من أعلى إلى أسفل، ومنه خرورُ الماءِ من السَّاقِيَة من فوق إلى تحت، ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ أي: من القيامِ ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ حالَ السُّجُود ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. هذه الآية أورد عليها بَعْضُ العلماء إشكالًا، وقال: هل لِكُلِّ من ذُكِّرَ بآياتِ الله أن يَسْجُد؟ فإذا قُرِئَ عليه آيةٌ سَجَدَ، أو إذا ما وعَظْتَهُ بموعظة سَجَدَ؟ والجوابُ عن هذه الآيَةِ: قال بعضهم: المرادُ خَرُّوا سُجَّدًا في مَوْضِعِ السُّجُود؛ يعني: خرُّوا سُجَّدًا؛ إذا مَرَّت بهم آياتُ سَجْدَة سجدوا، أمَّا إذا ذُكِّرُوا بآياتِ رَبِّهم بدون أن تَمُرَّ بهم آياتُ سَجْدَة فإنَّهم لا يسجدون. ولكنَّ الصَّوابَ خلافُ ذلك؛ فالصَّوابُ أنَّ المعنى: الذين إذا ذُكِّروا بها انقادوا لها وخَضَعُوا لها، ولا يَلْزَمُ من ذلك أن يكون السُّجُودُ مباشرًا للتَّذْكيرِ؛ فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ يعني: حتى في المُسْتَقبل، فلا يلزم أن يكون جوابُ الشَّرْطِ مباشِرًا له. وما يقتضي التَّرْتيب للحُرُوفِ أو التَّركيب قد يُرادُ به التَّرتيبُ في مَوْضِعِه وفي كُلِّ شيء بِحَسَبه؛ ولهذا لو قُلْتَ: تَزَوَّجَ زَيْدٌ فوُلِدَ له، الفاءُ للتَّرتيبِ والتَّعْقيب، ومن المعلومِ أنه لا يُولَدُ له فَوْرَ عَقْدِ النِّكاحِ له؛ فنقول: الفاءُ للتَّرتيبِ والتَّعْقيبِ، وتَعْقِيبُ كُلِّ شيء بِحَسَبِه، وقال : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ وهل المَطَرُ إذا نزل وصار الصَّباحُ فإذا هي مُخْضَرَّةٌ؟

стр. 75

الجوابُ: لا، ولكنْ بعد مُدَّة تَخْضَرُّ، وبعد مُدَّة يُوْلَدُ لهذا المتَزَوِّجِ؛ فكذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا﴾ لا يلزم من ذلك أن يباشِرُوا فبمجرَّد التَّذْكير يَخِرُّونَ، بل المعنى أنَّهُم يَلْتَزِمونَ بذلك فإذا ذُكِّروا بها التَزَموا بذلك بالسَّمْعِ والطَّاعَة فسجدوا في مَوْضِعِ السُّجودِ ولم يوجد منهم استكبارٌ، وعلى هذا فلا إشكالَ في الآية. وقوله : ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾: ﴿سُجَّدًا﴾ حالٌ من فاعِلِ ﴿خَرُّوا﴾. وقوله : ﴿وَسَبَّحُوا﴾ معطوفٌ على: ﴿خَرُّوا﴾ ومعنى: سبَّحوا أي نَزَّهوا، فالمفعولُ محذوفٌ تقديرُهُ وسبحوا ربَّهُم؛ أي: سَبَّحُوا الله. وقوله ﵀: [مُتَلَبِّسينَ ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾] أفادنا المُفَسِّر بأنَّ الباءَ في قوله تعالى: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أنَّ الباء للمُلابَسَةِ؛ يعني: معناها أنَّ التَّصْديقَ مَقْرونٌ بالحَمْدِ، ولو أنَّه ذهب إلى أنَّ الباء للمصاحَبَة: وسَبَّحوا تسبيحًا مُصاحِبًا بِحَمْد ربِّهم؛ لكان أَوْلى. وقوله: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قال ﵀: [أي قالوا: سبحانَ الله وبِحَمْدِهِ] ويُحْتَمَل ألَّا يكونَ المرادُ بالتَّسبيحِ والحَمْد: تسْبيحَ اللِّسانِ وحَمْدَه، وأنَّ المرادَ نَزَّهُوهُ بِقُلُوبهم وحَمِدُوه بألْسِنَتِهم، فنَزَّهُوه بقُلُوبِهِم عمَّا لا يليقُ به وحَمِدُوه بأَلْسِنَتِهِم بما يستحقُّه. فقوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ يعني: يَسْجُدون لله ويُسَبِّحونَه حالَ السُّجُود؛ ولهذا مما يُشْرَعُ في السُّجود أن تقول: "سُبْحانَكَ اللهمَّ ربَّنَا وَبِحَمْدِكَ" (١). وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الجملةُ حالٌ، يعني: والحالُ أنَّهُم: [﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان والطَّاعَةِ] بل ينقادون ويَخْضَعون.

стр. 76

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن للإيمانِ علاماتٍ؛ لقوله : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا﴾ إلى آخره. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن من ادَّعى الإيمانَ بدون علامَةٍ فدعواهُمْ باطِلَةٌ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الإستدلالُ بالأَحْوال والقرائِنِ؛ لأنَّ الله ذَكَرَ علامةً على الإيمان في هذه الأفعال، والإيمانُ مَحَلُّه القَلْبُ فلا يُعْلَمُ، لكنْ هذه الأعمالُ قرائِنُ وأحوالٌ تدُلُّ على وجودِ ما هي دليلٌ عليه. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الإستدلالُ بالقرائِنِ والأَحْوال على حقيقة الشَّيْء، وهذه مُفيدَةٌ غايةَ الفائدةِ للقُضاةِ. وقد استدلَّ بالقرائِنِ أحَدُ الأنبياءِ الكِرامِ، وهو سليمانُ ﵇. واستدلَّ بالقرائِنِ أيضًا النَّبِيُّ ﷺ في قِصَّةِ مالِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ لما سأل عنه بعد غزوةِ خَيْبر، قالوا: إنَّه أَفْنَتْه الحروب، فقال الرَّسُولُ ﷺ : "المالُ كَثيرٌ والعَهْدُ قَريبٌ" (١) يعني لا يمكن أن تُفْنِيَه، فحُيَيُّ بنُ أخطبَ من أغنياءِ بني النَّضيرِ وإن ذهب مالُه؛ ثم دفعه إلى الزُّبَيرِ بْنِ العوَّام وقال له: فمَسَّهُ بعذابٍ، وعند ضَرْبِهِ قال: أنا سأدُلُّكم على شيءٍ كان حُيَيٌّ يختلفُ إليه كثيًرا، فدلَّهم على خَرِبَةٍ، فإذا المال مدفونٌ فيها، فاستدلَّ الرَّسُولُ ﵊ بالقرائِنِ على وجود الشَّيْء. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن للإيمان تمامًا ونُقْصانًا؛ لأنَّ هذه الآية لا شَكَّ أنها في كمالِ الإيمانِ.

стр. 77

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ من علامَةِ المؤمِنِ انقيادَهُ للمواعِظِ؛ لقوله : ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ الإنسانَ المؤمِنَ قد يطرأ عليه الجَهْلُ والنِّسْيانُ، تُؤخَذُ من قوله تعالى: ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ فقد يَنْسَوْن أو يَجْهَلُون. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: فضيلة السُّجُود؛ لقوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ وقد ثبت في الحديث: "إِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ" (١)، وأَمَرَ النبيُّ ﷺ بالإجتهادِ في الدُّعاءِ في حالِ السُّجُود، وأخبر أنه أَحْرى بالإجابَةِ (٢). الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: الجَمْعُ بين انتفاءِ العَيْب والنَّقْص عن الله مع ثبوتِ الكمالِ له؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ففي التَّسْبيحِ تَنْزيهٌ، وفي الحَمْد كمالٌ. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ من صفات المؤمِن التَّواضُعَ؛ لقوله : ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ فالتَّواضُعُ للحَقِّ وللخَلْقِ، ولكن يَجِبُ أن نَعْرِفَ الفَرْق بين التَّواضُع والذُّلِّ؛ فالمُؤْمِنُ لا يكون ذليلًا، ولكنَّه يكون متواضِعًا؛ فإذا تبيَّنَ له الحَقُّ انقادَ له، فهذا تواضُعٌ للحَقِّ، وإذا عامَل الخَلْقَ عامَلَهُم بالتَّواضُع، لكن لا يُذِلُّ نَفْسَه، فهو لا يستكْبِرُ على النَّاسِ ولا يَغْمِطُ النَّاسَ حَقَّهُم، ولكنَّه لا يَذِلُّ لهم. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ التَّعَصُّبَ في التَّقْليد ليس من طريقِ المؤمنينَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ويوجد في المُتَعَصِّبينَ في التَّقْليد من يَسْتَكْبِرُ عن الحقِّ؛

стр. 78

إذا عُرِضَ عليه أَى وضَرَب بقول فلان كذا وكذا من المقلَّدينَ، وهذا نوعٌ من الإستكبارِ عن الحقِّ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: ذَمُّ من أَصَرَّ على رأيه بباطِلٍ؛ تُؤخَذُ من قوله : ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، فمن النَّاسِ من إذا قال قولًا لا يُمْكِنُ أن يتنازَلَ عنه ولو بان الحَقُّ، وهذا نَوْعٌ من الإستكبار، والواجِبُ أن تَعْرِفَ نَفْسَك وأنك بَشَرٌ، وأنَّه يفوتك العِلْمُ إمَّا نسيانًا وإمَّا جَهلًا، ويفوتك أيضًا: الوصولُ إلى الغايَةِ، فقد يكون عندك عِلْمٌ، لكن يَنْقُصُك التَّفْكيرُ والتَّأَمُّلُ والجَمْعُ بين الأدِلَّة وما أشبه ذلك، فتحتاجُ إلى أن تَتيقَّظَ. * * *

стр. 79

الآية (١٦) * * * * قالَ الله : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]. * * * ثم بيَّنَ الله تعالى من صفاتهم ما بَيَّن بقوله ﵀: [﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ تَرْتَفِع] وتَبْتَعِد أيضًا لأنَّ المجافاةَ الإبعادُ، ومنه: "كان النَّبِيُّ ﷺ يُجَافِي عَضُدَيْهِ فِي السُّجُودِ" (١) يعني: يُبْعِدُهُما عن جَنْبَيْه، فمعناه إذن: الإبعادُ والإرْتِفاعُ، والإرْتِفاعُ يَسْتَلْزِمُ البُعْدَ. وقوله تعالى: ﴿عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ المضاجِعُ جَمْعُ مَضْجَعٍ، وهو مكان الإضْطِجاعِ والإضطجاع النَّوْمُ؛ يقول المُفَسِّر ﵀: [مَوَاضِعُ الإضْطِجَاعِ بِفُرُشِهَا لِصَلَاتِهِمْ بِاللَّيْلِ تَهَجُّدًا] فلا ينامونَ؛ أي: تتجافى جنوبُهُم عن المضاجِعِ فلا ينامون، ولكنَّ هذا مُقَيَّدٌ بما جاءت به السُّنَّة: أنَّهُم يتَهَجَّدون ليس كلَّ اللَّيلِ، ولكِنِ الزَّمَنَ المَشْروعَ التهَجُّدُ فيه. وقوله ﵀: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا﴾ من عِقَابِهِ ﴿وَطَمَعًا﴾ في رَحْمَتِه]. يَدْعُون هذه جُمْلَةٌ حالِيَّة من فاعِلِ ﴿تَتَجَافَى﴾ أو من المضافِ إليه بـ ﴿جُنُوبُهُمْ﴾

стр. 80

يعني حالَ كَوْنِهم يَدْعُونَ ربَّهُم، فيَدْعُونَه دُعاءَ مَسْأَلةٍ وعبادَةٍ. وقوله : ﴿رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ خوفًا من عقابِ الله ، وطَمَعًا في رَحْمَته؛ لكِنَّ الحامِلَ على الخَوْفِ والطَّمَع أنَّهُم إذا نظروا إلى تَقْصِيرهم وعَظَمَةِ الله وشِدَّة عقابه غلب عليهم جانِبُ الخَوْفِ، وإذا نظروا إلى سَعَةِ رَحْمَةِ الله وعَفْوِه، وأنَّهُم قاموا بما يَنْبَغِي أن يقوموا به غَلَبَ عليهم جانِبُ الطَّمَع، فهم يسيرون بِجَناحَيْنِ؛ جَناحَيِ الخَيْرِ والطَّمَعِ، ولكن أيُّهما ينبغي أن يُغلَّبَ؟ الجوابُ: فيه خلاف؛ قال الإمامُ أحمدُ ﵀ (١): ينبغي أن يكون خَوْفُه ورجاؤُه واحدًا، فأيُّهما غَلَب هَلَكَ صاحِبُه؛ ولأنَّه إن غَلَّبَ جانِبَ الخَوْفِ قَنِطَ من رحمة الله وإن غلَّب جانِبَ الرَّجاءِ أَمِنَ مَكْرَ الله، ولكن يكونُ بينَ بينَ. وقيل: الصَّحيحُ يُغَلِّبُ جانِبَ الخَوْفِ، والمريضُ يُغَلِّب جانِبَ الطَّمَع، فعند الموتِ يُغَلِّبُ جانب الطَّمَع والرَّجاء، وفي حال الصِّحَّةِ يُغَلِّب جانِبَ الخَوْف. وقيل: إنْ فَعَلَ الطَّاعَةِ فَلْيُغَلِّبْ جانِبَ الرَّجاء، وإن هَمَّ بالمَعْصِيَة أو عَمِلَها فَلْيُغَلِّبْ جانِبَ الخَوْفِ. وقوله ﵀: [﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يتصَدَّقونَ]. (مِن) هل هي لبيانِ الجِنْس أو أنها للتَّبْعيضِ؛ يعني بعضَ ما رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ؟ الجوابُ: إذا قُلْتَ إنَّها للتَّبْعيضِ، صار من يَبْذُلُ كلَّ مالِهِ تقرُّبًا إلى الله صار مذمومًا، لو قُلْتَ: إنَّها لبيانِ الجِنْس وأنَّهُم يُنْفِقون ممَّا رَزَقْناهم، فإنَّه لا يَقْتَضي أن يكون مَنْ بَذَلَ مالَه كُلَّه مذمومًا؛ يعني: المرادُ بيانُ الجِنْس، فيَشْمَلُ القَليلَ والكثيرَ.

стр. 81

وهذه المسألة اختلف فيها العُلماءُ؛ هل يَبْذُلُ الإنسانُ كُلَّ مالِهِ في طاعَةِ الله وفي سبيل الله، أو يَقْتَصِرُ على بعضه؟ والصَّواب: أن ذلك يرجِعُ إلى حالِ الشَّخْصِ، وإلى الأسبابِ التي بها يَدْفَع الضَّرورَة عن نفسه وأَهْلِه، فإن كان الإنسانُ ضعيفَ التَّوَكُّلِ أو ضعيفَ القُدْرَة على التكسُّبِ، فالأَفْضَلُ أن يُنْفِقَ شيئًا من مالِهِ، وإن كان الأَمْرُ بالعكس فله أن يتصدَّقَ بِجَميعِ مالِهِ؛ كما فعل أبو بكرٍ ﵁ (١)، أما أبو لُبابَةَ لمَّا نَذَرَ أن يَنْخَلِعَ من ماله صدقَةً لله ورَسُولِهِ، قال له الرَّسُولُ ﵊: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ؛ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" (٢) فَجَعَلَ من الخير له أن يُمْسِكَ بَعْضَ المالِ. وقو له تعالى: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ الإنفاقُ يعني: البَذْل. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: فَضيلَةُ قيام اللَّيلِ؛ لأنَّ الله تعالى ذكره في سياقِ المَدْحِ، فقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ لكنْ هذا الإطلاقُ مقيَّدٌ بما جاء في السُّنَّة؛ يعني بألَّا يكون جميعَ الليل، بل تتجافى جُنُوبُهم عن المضاجِعِ في حدود ما جاءت به السُّنَّة، وبهذا نَعْرِفُ خَطَأَ ما يوجد في كُتُبِ الوَعْظِ من أنَّ فُلانًا صلَّى صلاةَ الفَجْرِ بِوُضوءِ العِشاءِ أَرْبَعينَ سَنَةً! يعني: أنَّه ما نام اللَّيلَ بل يقوم اللَّيلَ، وهذا خطأٌ.

стр. 82

وهذا تَبَرَّأَ منه الرَّسُولُ ﷺ ؛ فقالت الجماعَةُ الذين قال أحَدُهُم: أنا أقوم اللَّيلَ ولا أنام، قال: "أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَأَنامُ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" (١). لكِنْ مُشْكِلُ هؤلاءِ الوُعَّاظ الذين يَكْتبون هذه الكُتُبَ يريدون أن يُرَغِّبوا النَّاسَ لكن يُرَغِّبونهم في الباطِلِ، ولو أنَّ النَّاس اقْتَصَر لهم بما صَحَّ عن رَسُولِ الله ﵊ من التَّبْشيرِ والإِنْذار ومِنَ الأعمالِ الصَّالِحَة لاستقاموا، لكن عندما أسْمَعُ هذا رَجُل أثنى عليه أنه أربعينَ سنةً صلَّى الفَجْرَ بوضوء العشاء! أقول: أينَ أنا من هذا؟ فسأبقى على ما أنا عليه وأصلي سُنَّةَ العِشاء ركعتينِ والوِتْر أقَلُّه ركعةٌ، فأُصَلِّي ركعة، ولا يَجِبُ إلا قراءةُ الفاتِحَة فأقتصر على الفاتِحَة، ولا يجب (سبحان ربي الأَعْلى) إلا مرَّة في السُّجُود، و (سبحان ربي العظيم) مَرَّة في الرُّكوع، فأقتصر على مَرَّة في الرُّكوع وفي السُّجود، ويمشي، لكن لو أنَّ النَّاسَ بُيِّنَتْ لهم السُّنَّةُ حقًّا لكفى بها واعِظًا. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فَضيلَةُ الدُّعاء؛ لقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه ينبغي للدَّاعي وللعامِلِ العابد: أن يكون دعاؤُهُ وعبادتُهُ بين الخَوْفِ والرَّجاءِ؛ لقوله تعالى: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فضيلةُ الإنفاقِ مما رَزَقَك الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ على حَسَب التَّفْصيلِ الذي ذكرناه في التَّفسيرِ. * * *

стр. 83

الآية (١٧) * * * * قالَ : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. * * * قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ أيَّ نَفْسٍ تكونُ؛ لا مَلَكٌ مُقَرَّب ولا نَبِيٌّ مُرْسَل. وقوله : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وهذا نَفْيٌ لعِلْم الحقيقَةِ لا لِعِلْم المعنى، فإنَّ المعنى معلومٌ فيما أخفى الله من قُرَّة الأَعْيُنِ، لكنْ حقيقَةُ ذلك الشَّيْءِ مجهولة؛ ولهذا قال ابنُ عبَّاسٍ ﵀: "لَيْسَ في الدُّنْيا مِمَّا في الجَنَّة إلَّا الأَسْمَاءُ" (١) فنعلم أن في الجَنَّة نخلًا ورمَّانًا وفاكهةً ولبنًا وعَسلًا وماءً وخَمْرًا وطيرًا، وما أشبه ذلك، فنعلَمُ هذا من المعنى، لكنْ حَقْيقَةُ ذلك الشَّيْءِ مَجْهُولَةٌ. وقوله : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ ما أُخْفِيَ لهم؛ أي: حقيقةَ ما أُخْفِيَ، وليس معنى ما أُخْفِيَ، فالمعنى معلومٌ. وقول المفسر ﵀: [﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ما تَقَرُّ به أَعْيُنُهم] قَرَّتْ عينُه بمعنى: جَمُدَت، وقَرَّت عَيْنُه بمعنى: سَكَنَت، فعلى الأوَّل تكون من القُرَّةِ والبَرْدِ؛ ولهذا يقال:

стр. 84

إنَّ دَمْعَةَ السُّرور بارِدَة، ودَمْعَة الحُزْن حارَّة؛ ولهذا قال: قَرَّتْ عَيْنُه إذا سُرَّتْ، أما إذا كان هنا القَرَارُ وهي أنها لا تَلْتَفِت إلى سوى ما هي تَنْظُر إليه؛ يعني: أنَّ عُيُونهم قارَّةٌ لا تَلْتَفِتُ إلى سوى ما هي عليه، وكلا المعنيين صحيحٌ؛ فإن معنى قَرَّتْ عينُه؛ أي: بَرُدَتْ فلم يَلْحَقْها حرارَةُ الحُزْنِ، ومعنى قَرَّتْ عينُكَ؛ أي: سَكَنَت، فلا تنظُرُ إلى شيء سوى ما هي عليه، وهذا يكون معناه غايَةَ الأُمْنِيَة. قال المُفَسِّر ﵀: [وفي قراءةٍ بسكونِ الياء؛ مضارِعٌ] فـ ﴿أُخْفِيَ﴾ فِعْلٌ ماضٍ، و (أُخْفِيْ) فِعْلٌ مضارِعٌ؛ و (أُخْفِيْ) يعني: أُخْفِيْ أَنا، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيْ لَهُمْ) ما أُخْفِيْ لهم أَنا، أي: الله : ﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، أمَّا ﴿مَا أُخْفِيَ﴾ لهم فهو فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمَجْهولِ، وفاعله مستَتِرٌ جوازًا، وإذا كانت (أُخْفِيْ) بالسكونِ فهي فعل مضارعٌ، وفاعل مُسْتَتِرٌ وجوبًا تقديره أنا. والمعنى على كلتا القراءتين صحيحٌ؛ فالله هو الذي أخفاه حتى على البِنَاء للمجهولِ: ﴿مَا أُخْفِيَ﴾ فإنَّ المُخْفِيَ هو الله: ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ أي ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ جزاءً: مفعولٌ من أجله، ولكن هل عامِلُ المفعول من أجله: ﴿أُخْفِيَ﴾ أو: ﴿قُرَّةِ﴾؟ الظَّاهِرُ: أنَّها ﴿قُرَّةِ﴾ يعني: قَرَّتْ أَعْيُنُهم جزاءً، وليس المعنى أُخْفِيَ لهم جزاءً؛ لأنه قد يقال: إنَّ الإظهارَ أَبْلَغُ في الجزاءِ، لكنَّها من قُرَّةِ أعينٍ جَزَاءً. وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي بالذي كانوا يَعْمَلونه في الدُّنْيا من طاعَةِ الله. فإن قلتَ: هذا يدلُّ على أنَّهُم يُجازَوْنَ بعمل، وقد ثبت عن النَّبِيِّ ﵊ أنه قال: "لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ" قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: "وَلَا أَنَا،

стр. 85

إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ الله بِرَحْمَتِهِ" (١) فما هو الجَمْعُ بين هذا الحديث وبين هذه الآية وأمثالهِا؟ قال أهلُ العِلْمِ: إنَّ الجَمْعَ بينهما اختلافٌ في معنى الباء، فالباءُ التي للسَبَبِيَّة هي الموجودة في مثل هذه الآيَةِ ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا﴾ أي بِسَبَبِ ما كانوا يعملونَ، والباء التي للعِوَضِ هي المذكورَةُ في قوله: "لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ" أي: عِوَضًا عن عمله؛ لأنَّنا لو أَرَدْنا المعاوضَةَ والمُقاصَّةَ لَظَهر العامِلُ مغبونًا مطلوبًا، ولكان العامِلُ مهما عَمِلَ من الصَّالحاتِ فهو مطلوبٌ، ونِعْمَةٌ واحدة من نِعَمِ الله عليك تَسْتَوْعِبُ جميع الأعمالِ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: في هذه الآيَةِ الدَّليلُ على عِظَمِ نَعيمِ الجَنَّة، يُؤخَذُ من قوله : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ لأنَّه لا شكَّ أنَّ الإبهامَ يدلُّ على التَّفْخِيم، كما قلنا في التَّفْسيرِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ في الجنَّة من قُرَّةِ العَيْن في المأكولِ والملبوسِ والمنْكوحِ والمسْكَنِ ما لا يَخْطُر على البالِ؛ لأن كلَّ هذه الأرْبَعَة تَقَرُّ بها العَيْنُ؛ وقيل: وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ (٢) الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فَضْلُ الله على العبادِ المؤمنينَ، فَضْلُه السَّابِقُ واللاحِقُ، فالسَّابقُ أنْ وفَّقَهُم للإيمان والعَمَل الصَّالح، واللَّاحِقُ أنْ جَعَلَ هذا الجزاءَ على عَمَلِه؛

стр. 86

قال تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ كأنَّ هذه النِّعَم التي في الجَنَّة جزاءٌ على عَمَلٍ لهم، بل هي حقيقة العَمَل لهم، لكن فيه: أنَّ الفَضْل من الله عليهم كأنَّه فَضْلٌ منهم على أنْفُسِهِم؛ لقوله : ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِثْل قوله : ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ فإحسانُ العَمَلِ بإحسانِ الجزاء، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ إذ يَمُنُّ عليهم بالسَّعْيِ الحميدِ، ثم يَشْكُرُهم عليه، يَمُنُّ عليهم هنا بالتَّوْفيقِ للهدايَةِ، ثم يقول: أُجازيكُم على عَمَلِكم، وهذا لا شَكَّ أنه من تمامِ نِعْمَة الله . * * *

стр. 87

الآية (١٨) * * * * قالَ الله : ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]. * * * قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ المراد بالفِسْقِ هنا الفسق الأكبر المُخْرِجُ عن الإسلام، وليس الفِسْق الأَصْغَر الذي يبقى فيه الإنسانُ مؤمنًا ناقِصَ الإيمانِ، ﴿كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾؟ الجوابُ: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ وانْتَبهْ أيُّها القارِئُ وَقِفْ على قوله تعالى: ﴿فَاسِقًا﴾ فإنَّ كثيرًا من القُرَّاءِ يَقْرَأُ ويستمِرُّ ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ ولا يَصِحُّ هذا، فإذا قرأْتَ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ فقِفْ، ثم قُلْ: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ فهذا هو الجوابُ؛ وهو جوابُ الله ، فإنَّ الله تعالى اسْتَفْهَم وأجاب نَفْسَه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾؟ ثم أجابَ: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ أيِ المؤمنونَ والفاسِقون؛ بماذا؟ ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا﴾ هو ما يُعَدُّ للضَّيْفِ ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: في هذه الآيَةِ تقريرُ أنَّه لا مساواة بين المؤْمِنِ والكافِرِ، وأنَّ هذا أمْرٌ لا يُمْكِنُ؛ لقوله : ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ وقد قال الله تعالى في آياتٍ أخرى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ بل من السَّفَهِ ومن الخطأ في الحُكْمِ

стр. 88

أن يُجْعَلَ المسلمُ كالمجرمِ أو الفاسِقُ كالمؤمِنِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ المؤمِنَ خَيْرٌ من الفاسِقِ، ولو كان الفاسِقُ أعظَمَ جاهًا في الدُّنْيا عند الخَلْق؛ تُؤخَذ من عموم قوله : ﴿أَفَمَنْ﴾: (من) هذه اسْمُ اسْتِفْهامٍ، وأسماءُ الإسْتِفْهام من صِيَغِ العُمومِ، فلا يمكنُ لأيِّ فاسقٍ أن يكون كالمؤْمِنِ، ولو عَظُمَتْ به الدُّنْيا، ولو نال من الدُّنْيا ما ينالُ، فإنَّه ليس كالمؤْمِنِ تمامًا، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾. * * *

стр. 89

الآية (١٩) * * * * قالَ الله : ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩]. * * * قوله : ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ﴾: ﴿أَمَّا﴾ هذه حَرْفُ شَرْطٍ وتفصيلٍ، وتُفيدُ مع الشَّرْطِ والتَّفْصيلِ: التَّوْكيدَ؛ كقوله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ وهنا قال : ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ فيكون فيها ثلاثُ فوائِدَ: ١ - شرطِيَّة: بدليلِ أنَّها أتى لها جوابٌ: ﴿فَلَهُمْ﴾. ٢ - تَفْصِيليَّة: لأنَّها أتت بِقِسْمَيْنِ ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾. ٣ - توكيديَّة: لأنَّه لا شكَّ أنَّ هذه الصِّيغَةَ تُفيدُ التَّوْكيدَ. وقوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ﴾ هذا جوابُ الشَّرْطِ. وقوله : ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ الجناتُ جَمْعُ جَنَّة، وهي في اللُّغَة: الحديقةُ الكَثيرَةُ الأشجارِ، وسُمِّيَت به لأنها تَجُنُّ مَن فيها أي تَسْتُرُه، لكنَّها في الشَّرْعِ: الدَّار التي أعدَّها الله لأوليائه، فهي أعلى مما يدور في الخيال أو يَخْطُر على البالِ.

стр. 90

وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ يعني التي هي مأواهُم، لا يَبْغُون عنها حِوَلًا ولا يتَحَوَّلون عنها، فهي مأوًى، كما أنَّ الجحيمَ مأوى الكافرينَ لا يَتَحَوَّلون عنها، فالمأوى مكان الإيواءِ؛ أي إنَّها هي الجناتُ التي يَأْوُونَ إليها ولا يَخْرُجون منها. وقوله تعالى: ﴿نُزُلًا﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [هو ما يُعَدُّ للضَّيْفِ] وعلى هذا فهي تكونُ مَصْدرًا في مَوْضِعِ الحال، يعني أنه يُعَدُّ لهم هذا النُّزُلُ. وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الباءُ هنا سَبَبِيَّة. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ المؤْمِنَ لا يساوي الكافِرَ لا في عَمَلِه ولا في جزائِهِ؛ أمَّا العَمَلُ فظاهرٌ، هذا مؤمنٌ وهذا فاسقٌ، وأما الجزاءُ فبيَّنَ الله الفَرْقَ بِقوله : ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ وأولئكَ مأواهم النَّارُ، وفَرْقٌ بَيْن هذا وهذا. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإيمانَ لا يَتِمُّ إلا بالعَمَلِ الصَّالِحِ؛ لقوله تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فلا يكفي مُجَرَّدُ العقيدةِ، بل لا بدَّ من عَمَلٍ صالحٍ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ الجَنَّة؛ لقوله : ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ وهي موجودَةٌ الآن؛ لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهي فِعْلٌ ماضٍ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: طِيبُ منازِلِ الجَنَّةِ ومَقَرِّها؛ لقوله : ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ يعني: الجنَّات التي لا يتمنَّى الإنسان إلا أنْ يَأْوِيَ إليها، وكلُّ أَحَدٍ يتمنَّى هذا المأوى لكن لا ينالُهُ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ أَهْل الجَنَّة يُكْرَمُون بما يُنَعَّمون به كما يُكْرَمُ الضَّيْفُ بضيافته؛ لقوله : ﴿نُزُلًا﴾ وتعلمون ما يُجْلَبُ للضَّيفِ من السُّرورِ في نَفْسِه

стр. 91

إذا أُكْرِمَ بالضِّيافَةِ بخلاف الذي يُقَدَّمُ له الطَّعام عادِيًّا، يرى أنَّه شيء معتادٌ ليس له أهمِّيَّة، لكن الذي يُقَدَّم له كضيافة وكأنه رجلٌ مُكْرَمٌ ومُحْتَرَم يجد في نفسه تلذُّذَه بالطَّعامِ التَّلَذُّذَ الجَسَدِيَّ ويجد تلذُّذًا وراحةً نَفْسِيَّة وإكرامًا، ولهذا سَمَّاه الله تعالى: ﴿نُزُلًا﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الجزاءَ مِن جِنْس العَمَلِ؛ لقوله : ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. * * *

стр. 92

الآية (٢٠) * * * * قالَ الله : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠]. * * * وقوله ﵀: [﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ بالكُفْر والتَّكْذيب ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾] والعياذُ بالله (مأواهم) أي: مَرْجِعُهُم النَّار لا يَخْرُجونَ منها، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ وانظر إلى قوله : ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ يُمَنَّوْنَ بالخروجِ فترتَفِعُ بهم إلى أن يَقْرُبوا من أبوابِها ثم بعد أن يتَمَنَّوُا الخروجَ ويُرِيدُوه يُعادُونَ فيها، وهذا أشَدُّ - والعياذ بالله - في التَّعْذيب، فلو فَرَضْتَ أنَّك محبوسٌ في مكانٍ فقيل لك: تعالَ، تعالَ، وكلَّما قَرُبْتَ من الباب ردَّكَ أو أن تبقى في حُجْرَة الحَبْس؛ فأيٌّ أشَدُّ؟ الجوابُ: أن يُقَرَّبَ إلى الباب ثم إذا أراد أن يَخْرُجَ قيل له: ارْجِعْ؛ لأنه - والعياذ بالله - إذا فعل هكذا صار كأنه يُحْبَس عدَّة مراتٍ؛ لأنَّ مَن أَشْرَفَ على الحياةِ ثم عاد إلى الموت صار ذلك مَوْتًا آخَرَ فتكون عَوْدَتُه إلى مَحْبِسِه حبسًا ثانيًا. وهكذا أهلُ النَّار - والعياذُ بالله - يُمَنَّوْنَ الخروجَ، وكلَّما أرادوا أن يخرجوا أُعيدوا فيها، وقيل لهم أيضًا توبيخًا ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فيجتمع عليهم - والعياذ بالله - العذابُ الجسميُّ والعذابُ القَلْبِيُّ؛

стр. 93

فالجِسْمِيُّ من النَّارِ، والعياذُ بالله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ والقلبيُّ من هذا التَّوْبيخِ، قال تعالى: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ وأيُّ حَسْرَة للإنسانِ عندما يقال له هكذا؟ ! ألَا يتحَسَّرُ ويقول: ليتني ما كَذَّبْتُ! كيف أُكَذِّبُ؟ ! وَيتَمَنَّى! ففيه - والعياذ بالله - من التَّوبيخِ والتَّنْديم وإدخالِ الحَسْرَةِ ما هو ظاهِرٌ؛ ولهذا قال في آيةٍ أخرى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ونحن إذا فاتنا شيءٌ في قضاء الله وقَدَرِه وهو مما يَسُرُّنا فهل الواحِدُ يَنْدَمُ؟ الجوابُ: يندَمُ، ويقول: ليتني فَعَلْتُ، وليتني فعلْتُ، مع أنه مَنْهِيٌّ عنه؛ لأنَّ هذا يفتَحُ عَمَلَ الشَّيطانِ، ويفتح بابَ النَّدمِ أو الإعْتِرَاض على القَدَرِ؛ ولهذا نهى رسولُ الله ﷺ عنه (١). فالمُهِمُّ: أنَّ هذا التَّوْبيخَ يكون عذابًا قلبيًّا، وأمَّا كونُهم يُرَدَّدُونَ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ فهو عذاب جسمِيٌّ بدني، فهم دائمًا - والعياذُ بالله - في عذابٍ وحَسْرَةٍ ونَدَمٍ، كما قال تعالى: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] دائمًا وأبدًا، ليس هناك فَتْرَةُ راحةٍ؛ ولهذا يقولون: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فانظر - والعياذُ بالله - إلى الخِزْيِ والتَّقاصُرِ، فما قالوا: ادْعُوا ربَّكُمْ يَرْفَعِ العَذابَ، ولكن قالوا: ﴿يُخَفِّفْ﴾ فقط، ولَا قالوا: ﴿يُخَفِّفْ﴾ دائمًا؛ بل قالوا: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾، وهذا يدلُّ على شدَّة يَأْسِهم؛ لأنَّهُم أُيْئِسُوا من الرَّحْمة - والعياذ بالله - يتَمَنَّوْنَ، وليس لهم وجهٌ على الله

стр. 94

أن يسألوه، فيطلبونَ من خَزَنَةِ جَهَنَّمَ أن يشفعوا لهم إلى الله أن يُخَفِّف عنهم، قال عنهم: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ ولكن تقول لهم الخزنة وتُوَبِّخُهُم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فيقولون ﴿بَلَى﴾ ثم يقولون: إذن نحن بُرَاءُ منكم ولا نتدخَّلُ في شَأْنِكُم. وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا﴾ ادعوا أنتم؛ يقول الله : ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ ضائِع لا يَنْفَعُهُم؛ ولهذا إذا ألَحُّوا على ربِّهم: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ وانظرْ إلى التَّضَرُّعِ: ﴿رَبَّنَا﴾ والإعترافِ: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ فهم حكموا على أنْفُسِهِم، وكلُّ هذا من باب التَّضَرُّعِ؛ لأنَّ الإنسان إذا اعْتَبرَ بإساءته فإنَّ هذا مَدْعَاةٌ لرحمته، فإذا جاءك واحِدٌ يَعْتَذِر بذنبه ويعترف بذنبه، فهذا يوجِبُ أنَّك تَرْحَمُه، فهم يعترفون لعلهم يُرْحَمُون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾؛ قال الله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾: ﴿اخْسَئُوا﴾ أي ذلُّوا وكونوا حقَارَى ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ بأي كلمة حينئذ - والعياذ بالله - فيَيْئَسونَ من كل خَيْرٍ، نسألُ الله السَّلامَةَ؛ ولهذا قال: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ الفِسْقَ نوعان: فِسْقٌ أَكْبَرُ، وهو الكُفْرُ، وفِسْقٌ دون ذلك وهو المعاصي. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الكُفَّارَ مأواهم النَّار؛ لقوله : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ الفِسْق المُخْرِج من المِلَّة، وهناك فِسْقٌ آخَرُ ليس مُخْرِجًا من المِلَّة؛ مثل

стр. 95

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾. وهنا قال: ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ ولم يَقُلْ: فلهم النَّارُ مأوًى أو فلهم نارُ المأوى، والفارق: أنَّ النَّار كلُّ أَحَدٍ لا يُحِبُّ أن تكون مأواه، بخلاف الأَوَّلِ؛ فالجَنَّة كُلُّ يُحِبُّ أن تكون هي المأوى، وأمَّا هذا فلا، وإن كان هذا الفَرْقُ قد يختلف في بعض الآيات؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١]. ولكنْ لكُلِّ مقامٍ مقالٌ؛ فهنا المقامُ مقامُ مُعادَلَة وموازَنَة، فلهذا فَرَّقَ بينهما؛ قال: ﴿جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ وهنا قال: ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ أما هنا فليس هناك مُعادَلَة؛ لأنَّه لما ذكر أنَّ قومًا يَدَّعُون لأنْفُسِهم أنَّهُم على الحَقِّ، فأنكر الله ذلك. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ النَّار؛ لقوله : ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ وهي موجودة الآن، والدَّليلُ قولُه تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: شِدَّةُ عذابِ أَهْلِ النَّارِ لِكَوْنِهِم يُمَنَّوْنَ بالخُرُوجِ ويُرْفَعُونَ فيَرتَفِعُ بهم اللهب حتى إذا ظَنُّوا أنَّهُم يَخْرُجونَ أعيدوا فيها: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ أهْلَ النَّار يُجْمَعُ لهم بين العذابِ الجِسْمِيِّ والعذابِ القَلْبيِّ للتَّوْبيخِ؛ قال تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. * * *

стр. 96

الآية (٢١) * * * * قالَ الله : ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]. * * * وقوله : ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ هذا فِعْلٌ مُؤَكَّدٌ بالنون واللام ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ﴾ تأكيدًا وجوبيًّا لأنَّه مُثْبَتٌ مُستقبَلٌ في جواب قَسَمٍ غير مَفْصولٍ من لامِهِ. وقوله ﵀: [﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ عذاب الدُّنيا بالقَتْلِ والأَسْر والجَدْب سنينَ والأَمْراضِ ﴿دُونَ﴾ قَبْلَ ﴿الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ عذابِ الآخِرَة ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي مَنْ بَقِيَ منهم ﴿يَرْجِعُونَ﴾ إلى الإيمان] وهذا وعيدٌ من الله أنه يُذيقَهُم العذابَ الأدنى قبل العذابِ الأَكْبَرِ، وهو عذاب الآخِرَة لعلَّهُم يرجعون؛ و (لعلَّ) للتَّعْليل. ولكن هل رجعوا؟ الجوابُ: منهم من رَجَعَ، ومنهم من لم يَرْجِعْ؛ فإن قريشًا أُصيبوا بالجَدْبِ والسِّنينَ والقَتْلِ ببدر فقد قُتِلَ شُرَفاؤهم، والأَسْرِ أيضًا، ومع ذلك منهم من رَجَعَ ومنهم من لم يرجع، فمن أراد الله له النَّجَاة أحيا الله قَلْبَه بهذه المواعظ فرجع، ومن طَبَعَ الله على قلبه بقي على ما هو عليه ولم يَرْجِعْ.

стр. 97

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: بيانُ حِكْمَةِ الله فيما يبتلي به من المصائِب؛ تُؤخَذُ من قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن عذابَ الدُّنيا لا يُنْسَبُ إلى عَذابِ الآخِرَة؛ لما بينهما من الفَرْقِ العظيم، فهذا أدنى وذاك أكْبَرُ؛ يعني: كلاهما في طَرَفَيْ نَقيضٍ، يعني أدنى اسم تفضيلٍ، وأَكْبَرُ اسم تفضيلٍ، فإذن: هل يُنْسَبُ أدنى شيءٍ إلى أعلى شيءٍ؟ الجوابُ: لا نِسْبَةَ، ولهذا نقول: الفَرْقُ عظيمٌ بين عذاب الدُّنيا وعذابِ الآخِرَة. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: قَبُول التَّوبَةِ من الكافِرِ؛ لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ حِكْمَةِ الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فإنَّ (لعلَّ) للتَّعليلِ، والتَّعْليل هو الحِكْمَةُ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ العذابِ في الآخِرَة؛ لقوله : ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ فإنَّ المرادَ به عذابُ الآخِرَة. * * *

стр. 98

الآية (٢٢) * * * * قالَ الله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]. * * * قوله ﵀: [﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ القرآنِ ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ أي لا أَحَدَ أظلَمُ منه ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركينَ ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾]. [﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ أفاد المُفَسِّر بقوله: [لا أَحَدَ أظْلَمُ] أنَّ الإسْتِفْهامَ هنا للنَّفْي؛ أي: لا أحد أظْلَمُ منه، والظُّلْم سبق لنا عدة مرات أنَّ المراد النَّقْصُ في الأصل؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أي لم تَنْقُصْ، والمراد به نَقْص الإنسان فيما يجب عليه فيدَعُه؛ أو نَقْصُه فيما مُنِعَ منه فيرتَكِبُ المُحَرَّمَ. وقوله: ﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾: ﴿ذُكِّرَ﴾ ما قال: ممن ذكَّرَه الرَّسُولُ ﷺ لأجل أن يَشْمَلَ كُلَّ مُذَكِّرٍ؛ لأنَّ بَعْضَ النَّاس قد يخضع لبعضِ المُذَكِّرينَ لكونه فلانًا، وهذا ليس خاضعًا للآياتِ، بل هذا خاضع للأشخاصِ فتَجِدُه إذا ذُكِّرَ بهذه الآيَةِ إن ذكَّره فلانٌ قَبِل وإن ذَكَّرَه آخَرُ لم يَقْبَلْ، ويُوجَدُ أناسٌ إذا أَمَرَهم إنسانٌ بأمرٍ معروفٍ لم يُهمَّه، بل ربما يَسْتَهْزِئ به، وإذا أَمَرَهم به آخَرُ امْتَثَلَ وأظهر الموافَقَة؛ ولهذا قال: ﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ﴾ لئلا يتقَيَّدَ بمذكِّرٍ مُعَيَّنٍ، بل أيَّ مُذَكِّر يكونُ. وقوله تعالى: ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: المراد به [القرآن] والأصَحُّ

стр. 99

أنه أعَمُّ من القرآن ويَشْمَلُ حتى من ذُكِّروا بالتَّوْراة في زَمَنِ التَّوراة، ومن ذُكِّروا بالإنجيل في زمَنِ الإنجيل، وبالزَّبورِ في زمن الزَّبُور؛ لأنَّ هذا حُكْمٌ عامٌّ. وقوله : ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ أتى بالرُّبُوبيَّة المقْتَضِيَةِ للإنقياد؛ لأنه ما دام التَّذْكيرُ بآيات ربٍّ لك فأنت مربوبٌ عبدٌ، والمربوبُ في تدبيرِ ربِّه. وقوله : ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ وفي آيَةٍ أخرى ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ والفَرْقُ أنَّه في الآيات الأخرى ﴿فَأَعْرَضَ﴾ أنه بادَرَ بالإعراضِ، وفي الثَّانِيَة بعدما فكَّر وقدَّر، وفي هذه الآية: أَعْرَض، والنَّاسُ هكذا منهم من يُعْرِضُ لأَوَّل وَهْلَة ولا يَلْتَفِت ولا يُفَكِّر، ومنهم من قد يفكِّر، ولكن في النهاية يُعْرِضُ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ الجملة استئنافِيَّة لبيان أو لتهديدِ هؤلاء المُعْرِضينِ، وبيانِ أنَّهُم من المجرمينَ؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ وهو إظهارٌ في مَوْضِعِ الإضمار، والأَصْل: (إنَّا مِنهم)، لكنْ أظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضمار للسَّبَبين السابِقَيْن اللذينِ أَشَرْنا إليهما: ١ - أنه من أَجْل أن يحكم على هؤلاء بالإجرامِ. ٢ - ولأجل أن يكون الحُكْمُ عامًّا لكلِّ مُجْرمٍ فيهم وفي غيرهم. والإجرامُ بمعنى الإثْم، والمُجْرِمُ هو الآثِم الذي ارتَكَبَ ما لا يحِلُّ له؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾. وقوله : ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ مُنْتَقِمون، جَمَعَ ليطابِقَ المبتدأَ ﴿إِنَّا﴾ الذي هو اسم (إنَّ) يعني أصبحت (إنَّنَا) لكن حُذِفَتْ النُّونُ الثَّانِيَة تخفيفًا. وقوله : ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ الجمع هنا وفي كل ما يضاف

стр. 100

إلى الله يُرادُ به التَّعظيمُ، وقد سبق لنا أنَّ النَّصْرانيَّ لو استدلَّ بالجمع على التَّعَدُّد، قلنا له: أنت من أصحاب الزَّيْغِ الذين يتَّبِعون ما تشابه منه؛ لأنَّك لو رجَعْتَ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ زال عنك هذا الإشتباه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ هي كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ فكلمة: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ تعني أنه صاحِبُ انتقامٍ؛ يعني: لمن يستحِقُّه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ مُقَيَّدَةٌ: منتقمون من المجرمينَ، وبهذا نعرف أنَّ المُنْتَقِمَ ليس من أسماء الله؛ لأنَّ الإسْمَ من أسماء الله يكون مُطْلَقًا دالًّا على المعنى الأَحْسَنِ على كلِّ تقديرٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فكل كلمة تحتمل هذا وهذا فإنَّها لا تكون من أسماءِ الله؛ لأنَّ الله يقولُ: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ والإنتقامُ لا شكَّ أنه حَسَنٌ في محَلِّه؛ وعليه فلا يَصِحُّ أن يُوصَفَ الله به على سبيل الإطلاقِ، وهو معدودٌ من الأسماء الحسنى المشهورَةِ، لكنَّ هذه الأَسماءَ الحسنى المشهورة كما قال شَيْخُ الإسلامِ (١) وغَيْرُه من أهل التَّحقيقِ ﵏: "ليست ثابِتَةً عن الرَّسُولِ ﵊" لأن فيها أشياءَ من الأَسْماء لا تصِحُّ اسمًا لله. إِذَن: فهل يُوصَفُ الله بالإنتقامِ مطلقًا، فيقال: المُنْتَقِم؟ والجوابُ: لا؛ لأنه ما ورد إلا مقَيَّدًا، وورد ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ نَكِرَةً في سياقِ الإثباتِ فلا تدلُّ على العمومِ؛ لأنَّ النَّكِرَةَ في سياق الإثباتِ - كما هو معروف - لا تُفيدُ العمومَ، وإنَّما تفيدُ العمومَ إذا كانت في سياقِ النَّفْي أو النَّهْي أو الشَّرط أو الإسْتِفْهامِ الإنكاريِّ، كما ذكره أهلُ الأُصولِ.

стр. 101

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ من كان على هذا الوَصْفِ فإنَّه لا يكون أحدٌ أظْلَمَ منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾. وها هنا مسألةٌ، وهي أن مِثْل هذه العبارة جاءت في غَيْرِ هؤلاءِ، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، وفي السُّنَّة: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي" (١) فكيف نَجْمَعُ بين هذه النُّصوصِ؟ الجوابُ: ذكرنا فيما سبق أنَّ الجمْعَ بأحَدِ وَجْهَيْنِ: الوجه الأول: أن نقولَ: إن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ لا يفيدُ أنَّ الظالمَ لا يُوجَدُ مُشارِكٌ أو مساوٍ له في هذا الظُّلْمِ، وإمَّا نقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ﴾ اشتركا في الأَظْلَمِيَّة، وأنَّ هذا أعلى ما يكون في الظُّلْمِ. والوجه الثاني: أن نقول: إنَّ الأَظْلَمَ بالنِّسْبَةِ لما تحته مِن نَوْعِهِ، وهنا: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ يعني هذا أظْلَمُ ما يكون مِنَ المذكورينَ، بخلاف مَن ذُكِّرَ ثم أَعْرَض عن البَعْضِ، أو ما أشبه ذلك، فيصير هذا الأَظْلَمَ بالنِّسْبة لما تحته من نَوْعِه؛ كقوله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يعني لا أَحَدَ أظلَمُ في مَنْعِ شيء من الأشياء مِمَّن منع مساجِدَ الله، وعلى هذا فَقِسْ، فصار الجوابُ بأحَدِ وجهين.

стр. 102

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإنسانَ يجب أن يَقْبَلَ التَّذْكيرَ من أيِّ مَن ذَكَّره، تُؤخَذُ من بيانِ الفِعْل ﴿ذُكِّرَ﴾، فلم يَقُل: ممن ذكَّرَه الرَّسُول، أو ذَكَّرَه فلان أو فلان، فإذا وَقَعَ التَّذْكيرُ أو أتاك التَّذكيرُ من أيِّ جِهَةٍ فالواجِبُ عليك القَبولُ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الإعراضَ بعد العِلْم أقْبَحُ منه حالَ الجَهْلِ؛ لأنَّ الله تعالى جَعَلَ هذا أعظمَ الفِسْقِ: أن تُذَكَّرَ ثُمَّ تُعْرِضَ، لكن مَن أَعْرَضَ بدون تذَكُّرٍ فهو أَهْوَنُ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الجزاءَ من جنْسِ العمل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الإعراضَ عن آيات الله بعد التَّذْكيرِ بها إجرامٌ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: جواز إضافَةِ الإنتقامِ إلى الله مُقَيَّدًا؛ لقوله : ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ يعني الإخبار عن الله بأنه مُنْتَقِمٌ، لكنْ مُقَيَّدًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثباتُ عَظَمَةِ الله؛ لقوله تعالى: ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ فإنَّ الجَمْعَ هنا للتَّعْظيم. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: بلاغَةُ القُرْآنِ وأَنَّه في أعلى ما يكون من البلاغَةِ والفصاحَةِ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ولم يَقُلْ: إنَّا منه؛ من أجل أن نَسْتَفيدَ فائِدَتَيْنِ: الفائِدَة الأولى: أنَّ هذا مُجْرِمٌ. الفائدة الثَّانِيَة: أنَّ الحُكْمَ يعمُّهُ وغَيْرَه من المجرمينَ.

стр. 103

الآية (٢٣) * * * * قالَ الله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [السجدة: ٢٣]. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أَعْطَيْنا، وهو إعطاء شرعي قَدَرِيٌّ، وقوله تعالى: ﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾: ﴿مُوسَى﴾ مفعولٌ أوَّلُ، و ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعولٌ ثانٍ، و (أل) في قوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ﴾ للعَهْدِ الذِّهْني؛ لأنَّه لم يُسْبَقْ له ذِكْرٌ حتى يُحالَ على المذكورِ، وليس شيئًا حاضرًا حتى يقولَ: إنَّه عَهْدٌ حضوريٌّ. إِذَن: فهو عَهْدٌ ذِهْنِيٌّ؛ لأنه كتابٌ معهودٌ معروفٌ، وهو التَّوْراةُ. وقوله ﵀: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾ شكٍّ ﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾] ﴿فَلَا تَكُنْ﴾ الخطابُ هنا - على ما مشى عليه المُفَسِّر- للرَّسولِ ﵊، والضَّميرُ في لقائه يعودُ على موسى، والمعنى: فلا تكُنْ يا محمَّدُ في مِرْيةٍ؛ أي في شكٍّ ﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾ أي لقاءِ موسى؛ يعني فإنَّكَ سَتُلاقيهِ، قال المُفَسِّر ﵀: [وقد التَقَيَا ليلَةَ الإسراء] هذا ما ذهب إليه المُفَسِّر وذهب إليه كثيرٌ من المُفَسِّرين أيضًا؛ أنَّ الخطابَ للرَّسولِ ﵊، والضَّميرُ يعودُ على موسى، والمعنى: لا تكُنْ يا محمَّدُ في شكٍّ من مُلاقاةِ موسى؛ فإنَّكَ سَتُلاقيه، وقد لاقاه في لَيْلَة الإسراءِ.

стр. 104

وقال المُفَسِّر ﵀: [الإسراء] لأنَّ الإسْراءَ والمعْراجَ في ليلةٍ واحِدَة، هذا ما ذَهَبَ إليه المُفَسِّر؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ﴾ خطابٌ لموسى؛ يعني: آتَيْنا موسى الكتابَ قائلينَ له: لا تَكُنْ في مِرْيَةٍ من لقائِهِ؛ أي لقاءِ الجَزاءِ عليه؛ أي: على الكتابِ، والمعنى أنَّ هذا الكتابَ الذي آتيناكَ إيَّاه لا بدَّ أن يُحاسَبَ عليه مَن نَزَلَ إليهم حتى يلاقُوا جزاءَهُم. ويُحتَمَل أنَّ المعنى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ أي لقاء ما لَقِيَه موسى من الأذى؛ فإنَّ موسى أُوذِيَ، وقال النَّبيُّ ﵊: "لَقَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هَذا فَصَبَرَ" (١) وهذا أيضًا من المعنى الحَسَن: أنَّ المعنى: أنَّنا آتَيْناه وآتَيْناكَ أيضًا وأُوذِيَ فسَتُؤْذَى؛ فلا تَكُنْ في شكٍّ من هذا، وهذا هو الواقِعُ؛ فإنَّ الرَّسُولَ ﵊ لَقِيَ من الأَذى الشَّيْءَ الكثيرَ، وكُلُّ من تَبِعَ شَريعَتَه وانْتَهَج مِنهاجَهُ في الدَّعْوة إلى الله والعَمَل في شَريعَةِ الله فَسَيَلْقى الأذى، ولكنَّ الشَّأْنَ كلَّ الشَّأْنِ: هل يَلْزَمُ من الأَذى الضَّرَرُ؟ الجوابُ: لا يَلْزَمُ من الأذى الضَّرَرُ؛ ولهذا يَصِحُّ أن نقولَ: إنَّ الله يُؤْذَى ولا يتضَرَّرُ؛ كما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ وكما قال في الحديث القُدُسِيِّ: "يُؤْذِيني ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ" (٢) مع أنه قال في الحديثِ القُدُسِيِّ: "يَا عِبَادِي، إنَّكُمْ لم تَبْلُغُوا ضُرِّي

стр. 105

فَتَضُرُّونِي" (١) فلا يَلْزَمُ من الأذى الضَّرَرُ، فها نحن الآن نتأذَّى برائِحَةِ إنسانٍ أَكَلَ بصَلًا أو ثُومًا ولا نتَضَرَّر، فلا يَلْزَمُ من الأَذى الضَّرَرُ، والرَّسولُ ﷺ لا شكَّ أنَّه أُوذِيَ، ولكن ما ضَرَّه ذلك، والحمْدُ لله! صار الأَمْرُ والعاقِبَةُ للرَّسول ﷺ . وأمَّا قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ فالمعنى أنه لن يضرُّوكم أبدًا، ولكن مِن أذًى؛ ولهذا قالوا: إنَّ الإسْتِثْناءَ في هذه الآيَةِ مُنْقَطِعٌ. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ ﴿جَعَلْنَاهُ﴾: الضميرُ يعود على موسى أو الكِتاب؛ ولهذا قال ﵀: [﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي موسى أو الكتابَ ﴿هُدًى﴾ هاديًا ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾]. ﴿هُدًى﴾ مصدرٌ، قال المُفَسِّر ﵀: إنَّه بمعنى اسْمِ الفاعِلِ [هاديًا ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾]، واسْمُ الفاعِلِ صالِحٌ للكتابِ وصالِحٌ لموسى. وقوله تعالى: ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بنو إسرائيلَ أي: ذُرِّيَّة إسرائيلَ، فيشْمَلُ الذُّكورَ والإناثَ، لكِنْ لو قُلْتَ: (بنو فلان) وهو شَخْصٌ، وليس هو بقبيلَةٍ، فـ (بنو): للذُّكور، فإذا قلْتَ مثلًا: (بنو محمَّدٍ) فالمعنى: الذُّكور، وإذا قُلْتَ: (بنو تميمٍ) فيشْمَلُ الذُّكورَ والإناثَ؛ لأنَّهم قبيلةٌ، وإذا قلتَ: (بنو آدَمَ) فيَشْمَلُ الذُّكورَ والإناثَ، وأما قوْلُ الرَّسُولِ ﷺ : "إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ" (٢) فخاصٌّ بهنَّ. وإسرائيلُ هو يعقوبُ بْنُ إسحاقَ ﵉، وهُوَ نَبِيٌّ من الأنبياءِ، ويقولون: معنى (إسرائيلَ) أي: عَبْدُ الله، وهو لقبٌ له.

стр. 106

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ رسالَةِ موسى؛ لقوله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، وتأكيدُ هذه الرِّسالَةِ بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ لأنَّ الجملة مُؤَكَّدَةٌ بثلاثَةِ مُؤَكِّداتٍ: اللام، وقَدْ، والقَسَم المُقَدَّر. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن موسى ﵊ رسولٌ حقًّا لا يجوز الشَّكُّ فيه؛ لقوله : ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ يعني أنَّ هذا حَقٌّ؛ فلا تكُنْ في شَكٍّ مَن أنَّه حصل لموسى هذا الذي حصل، وهذا على التَّفسيرِ الذي ذكرنا، أمَّا على ما قاله المُفَسِّر فيُسْتفادُ منه: أن محمدًا ﷺ سوف يُلاقي موسى ﵊. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ التَّوْراةَ كالقرآنِ هُدًى؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ لكن لبيانٍ مَخْصوصٍ وهو: ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الإشارَةُ إلى أنَّه لا ينبغي لنا أن نطلُبَ الهُدى من التَّوْراة؛ لقوله تعالى: ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أما مِن بَعْدِ بَعْثَة الرَّسُول فالهدى لهم هو القُرْآنُ. * * *

стр. 107

الآية (٢٤) * * * * قالَ الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. * * * وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: صيَّرْنا، والجَعْل هنا كونيٌّ، وغالِبُ الجَعْلِ المذكور في القرآن كونيٌّ، وإن كان يأتي بمعنى الشَّرْعيِّ؛ مثل قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ إذ المعنى: ما جعله شَرْعًا وأمَّا كَوْنًا فقد وقع. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: مِنْ بني إسرائيل. وقوله ﵀: [﴿أَئِمَّةً﴾ بتحقيقِ الهمزتين وإبدال الثانية ياءً] هذه هي تفسيرٌ للأئِمَّة، فـ (أئمة) هذا تحقيق، و (أَيِمَّة) إبدال الثانية ياءً، وكثيرٌ من القُرَّاء عندنا يقرؤونها بالتَّسْهيل دائمًا يقولون: (أَيِمَّة). وقوله ﵀: [قادة] تفسير لأئِمَّة؛ لأنَّ الإمامَ هو الشَّيْء الذي يُقتدَى به ويُتَّبَع. وقوله ﵀: [﴿يَهْدُونَ﴾ النَّاسَ ﴿بِأَمْرِنَا﴾] ﴿يَهْدُونَ﴾ أي يَدُلُّون النَّاس، والمراد بالهدايَةِ هنا هدايَةُ الدَّلالَةِ؛ لأن هدايَةَ التَّوْفيق لا تكونُ إلا لله لكن هذه هدايَةُ دلالَةٍ.

стр. 108

وقوله تعالى: ﴿بِأَمْرِنَا﴾ يُحتَمَل أن يكون الأمْر الشَّرْعي أو الأَمْر الكَوْني، فإن كان المرادُ به الشَّرْعيَّ، فالمعنى: يَهْدُون النَّاسَ بالشَّرْع؛ أي: إليه، وإن كان الأَمْرُ قَدَرِيًّا فالمعنى: أنَّهُم يَهْدونَ ذلك وَيدُلُّونهم بقَدَرِنا وتَقْدِيرنا، والحقيقةُ: أنَّ الأَمْر هنا شاملٌ للمعنيينِ جميعًا. وقوله ﵀: [﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ على دينهم وعلى البلاءِ مِنْ عَدُوِّهِم، وفي قراءةٍ بِكَسْرِ اللام وتخفيف الميم] وهي: (لِمَا صَبَرُوا)]. فقوله : ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ لما هذه فيها قراءتان: قراءة: (لِمَا صَبَرُوا)، وقراءة: ﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾، أما على قراءَةِ: ﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ فهي بمعنى حينَ، فهي إذن ظَرْف، وأما على قراءة (لِمَا صَبَرُوا) فاللَّامُ حَرْفُ جَرٍّ و (ما) مَصْدَرِيَّة؛ أي: لصَبْرِهم، وتكون اللام هنا لامَ التَّعليل. وقوله : ﴿صَبَرُوا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [على دينهم وعلى البَلاءِ من عَدُوِّهم]، وهذا هو الحق، فيقول: الصَّبْرُ هنا على أحكامِ الله الكَوْنيَّة والشَّرعيَّة؛ فالشَّرعيَّة على دِينِهِم، والكَوْنِيَّة على قوله ﵀: [وعلى البلاءِ مِن عَدُوِّهم]. وقوله ﵀: [﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ الدالَّةِ على قُدْرَتِنا ووَحْدَانِيَّتنا ﴿يُوقِنُونَ﴾] ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ الواو حرف عطف، و (كان) معطوفَةٌ على ﴿صَبَرُواْ﴾، يعني لهذين الأَمْرَينِ: الصَّبْرِ واليقينِ، واليقينُ هو أعلى درجاتِ الإيمان؛ لأنَّ اليقينَ معناه: أنه يقينٌ لا تَزَعْزُعَ معه ولا شَكَّ فيه، وقد قيل: (بالصَّبْر واليَقينِ تُنالُ الإمامةُ في الدِّينِ)، وهي مأخوذَةٌ من هذه الآيَةِ: ﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. وقوله ﵀: [﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ الدَّالَّة على قُدْرَتنا ووَحْدانِيَّتنا] يَشْمَلُ الآياتِ الشَّرعيَّةَ والكونيَّةَ.

стр. 109

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: فضيلةُ الصَّبْر؛ تُؤخَذُ من الجزاءِ عليه؛ أي: مِن كَوْن الصَّابِر يكون إمامًا، وهذا دليلٌ على أنَّ الصَّبْرَ محبوبٌ إلى الله ويجازي عليه بهذا الجزاء العَظيم. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فضيلَةُ اليقينِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: نَيْلُ الإِمامَةِ في الدِّينِ بهذين الوَصْفَيْنِ؛ وهما: الصَّبْرُ واليقين. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الجزاءَ مِن جِنْسِ العمل؛ لأنَّ هؤلاء لما صَبَروا وأيقنوا صاروا أئِمَّةً يُقتَدَى بهم؛ فكلما أصاب الإنسانَ شيءٌ قال: لقد أُصيبَ فُلانٌ فصبر فلْتَصْبِرْ، وكلما وردت عليه شُبْهَةٌ قال: لقد كان فلان مُوقنًا فأنا أُوقِنُ، فيكون الإنسانُ بذلك إمامًا. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ الآياتِ لله؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. * * *

стр. 110

الآية (٢٥) * * * * قالَ الله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة: ٢٥]. * * * قوله: [﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من أَمْرِ الدِّينِ] ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ﴾ الفَصْل بمعنى: القضاء؛ أي يقضي ويَحْكُمُ حتى يَمِيزَ الحقَّ لهؤلاء وهؤلاء. والحُكم كما قال الفُقَهَاء: هو فَصْلُ الخُصوماتِ؛ لأنه به يَتَميَّزُ هذا من هذا ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في حُكْمِهِ الجزائيِّ؛ لأن حُكْمَه الشرعِيَّ فاصِلٌ في الدُّنيا، فهؤلاء على حقٍّ، وهؤلاء على ضَلالٍ، لكن مرادُه: الحكْمُ الجزائيُّ الذي هو غايَةُ الشَّرْعِ، فيومَ القيامَةِ يَفْصِلُ بينهم؛ فهؤلاء إلى النَّار، وهؤلاء إلى الجَنَّة. وقوله : ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فقد كانوا يختلفونَ في الدُّنْيا؛ فالمؤمنون يقولون: إنَّ هذا هو الحَقُّ، وأولئك يقولون: ليس هذا هو الحَقَّ، لكنْ يَوْمَ القيامَةِ يُفْصَل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، ويَتَبَيَّن مَن هو الذي على الحقِّ.
следующие страницы →