← Тафсир

Тафсир · id 132429

تفسير العثيمين: السجدة

ابن عثيمين

Полный текст (127 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم إنَّ الحمدَ لله، نحمدُهُ ونَسْتعينُه ونَسْتغفرُه، ونَعوذُ بالله مِن شُرور أَنْفُسنا ومِن سيِّئات أعمالِنا، مَن يَهْده اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ له، وأَشْهَد أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَه، وأَشْهَد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه اللهُ بالهُدَى ودِين الحَقِّ؛ فبلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَح الأمَّةَ، وجاهَد في الله حَقَّ جِهادِه، حتَّى أتاهُ اليَقينُ، فصَلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّين، أَمَّا بَعْدُ: فمِنَ الدُّروسِ العِلميَّة المُسجَّلَة صَوتيًّا، والَّتِي كانَ يَعقِدُها صاحِبُ الفَضِيلةِ شَيخُنا العلَّامةُ الوالِدُ محمَّدُ بنُ صالحٍ العُثَيْمِين - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في جامِعِهِ بمَدِينَةِ عُنَيْزَةَ صَباحَ كُلِّ يومٍ أَثْناءَ الإِجازاتِ الصَّيْفيَّة؛ حَلقاتٌ فِي تَفْسير القُرآن الكَرِيم كانَت بِدايتُها مِن سُورة النُّور وما بَعدَها؛ حتَّى بلَغ قَولَه تَعالَى في سُورة الزُّخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾. وقَدِ اعتَمدَ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى في تَفْسيرِه لتِلْكَ السُّور كِتابًا بَيْن يَدَيِ الطُّلاب هُو (تَفْسير الجَلالَيْنِ) للعلَّامة جَلال الدِّين محمَّد بنِ أَحْمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المَحَلِّيِّ، المُتوفَّى سَنَةَ (٨٦٤ هـ) (١)، والعلَّامة جَلال الدِّين عبد الرَّحمن بن أَبِي بَكْر بنِ محمَّد

стр. 2

ابنِ سابِق الدِّين الخُضَيْرِيِّ السُّيُوطِيِّ، المُتوفَّى سنة (٩١١ هـ) (١). تغمَّدهما الله بواسِع رَحمته ورِضوانه، وأَسْكنهما فَسِيحَ جنَّاتِه، وجَزاهُما عَنِ الإِسْلام والمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزاءِ. وسَعْيًا - بإِذْنِ اللهِ تَعالَى - لِتَعْمِيمِ النَّفْع بتِلْكَ الجُهُود المُبارَكة فِي هَذا المَيْدَان العَظِيم باشَر القِسْمُ العِلْمِيُّ بِمُؤسَّسةِ الشَّيخِ محُمَّد بنِ صالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ واجِباتِه فِي شَرَفِ الإِعْدادِ والتَّجْهِيز للطِّباعةِ والنَّشْر لِإِخْراجِ ذَلِكَ التُّراث العِلمِي؛ إنفاذًا للقَواعِدِ والضَّوابِط والتَّوْجِيهاتِ الَّتِي قَرَّرها فَضيلةُ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى في هَذا الشَّأْنِ. نَسْأل الله تعالَى أنْ يَجْعلَ هَذا العَمَلَ خالصًا لِوجهِه الكَريمِ؛ نافِعًا لعِبادِه، وأنْ يَجزِيَ فَضِيلةَ شيخِنا عَنِ الإسلامِ والمسلمِينَ خَيْرَ الجَزَاء، ويُضَاعِفَ لهُ المثُوبَةَ والأَجْرَ، ويُعْلِيَ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبٌ. وَصَلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك علَى عبدِه ورَسولِه، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإِمامِ المُتَّقِينَ، وسيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، نبيِّنَا محمَّدٍ، وعلَى آلِه وأَصْحابِه والتَّابعينَ لهُمْ بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين. القِسْمُ العِلْمِيُّ فِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ ٢٠ جُمَادَى الآخِرَة ١٤٣٦ هـ * * *

стр. 3

سورة السجدة الحمدُ للهِ ربِّ العَالمِينَ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا محُمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. وبَعد: قال المفسر (١) ﵀: [سُورة السَّجْدة] الإضافة هنا بَيانية، يَعنِي: السورة التي تُذكَر فيها السَّجْدة، والسَّجْدة ستَأتي - إن شاء الله تعالى - في أثنائِها. قال ﵀: [وهي مَكِّيَّة ثلاثون آيةً] وكلُّ سُورة مُبتَدَأَةٍ بالحُروف الهِجائية فهي مَكِّية إلَّا سورَتَيْن: البَقَرة وآل عِمرانَ فإنهما مدَنِيَّتان، وإلَّا فكُلُّ سُورة ابتُدِئَت بالحروف الهِجائية فهي مَكِّيَّة. * * *

стр. 4

الآيتان (١، ٢) * قالَ الله : ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ١ - ٢]. * * * قال ﵀: [﴿الم﴾ الله أَعلَمُ بمُراده به]. وسبَقَ لنا أن العُلَماء ﵏ انقَسَموا في ذلك ثلاثةَ أَقْسام: قِسْم ادَّعَى أن لهذه الحُروفِ مَعانِيَ، وأنها رُموز لتِلكَ المَعانِي، وهذا قَوْل لا دليلَ عليه، وهو ضَعيف، بل باطِل. والقول الثاني: أن لها مَعانِيَ، لكن الله تعالى أَعلَمُ بها فتكون من المُتَشابِه الذي لا يَعلَمه إلَّا الله تعالى. والقِسْم الثالِث: يَقولون: إنه ليس لها مَعانٍ أصلًا؛ لأن القرآن نزل باللِّسانِ العَرَبيِّ، واللِّسانُ العربيُّ لا يكون لهذه الحروفِ معانٍ أبدًا، وهذا قولُ مجُاهدٍ (١)، وهو الصَّحيحُ؛ أنَّه لا معانيَ له. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كيف تَجْزِمونَ بأنَّه لا معانيَ لها، والنَّفْيُ يحتاجُ إلى حُجَّةٍ؟ قُلْنَا: نجزم بذلك؛ لأنَّ القرآنَ نزل بلسانٍ عربيٍّ مُبينٍ، واللِّسان العربيُّ ليس فيه

стр. 5

هذه الحروفُ الهجائيَّة، وهذه الحروفُ في اللِّسان العربيِّ معناها أنَّها حروفٌ يكون منها الكلامُ فقط، ولكنْ ذكروا أنَّ هذه الحروفَ الهجائيَّةَ لها مَغزًى؛ وهو إظهارُ عَجْزِ هؤلاء المُكذِّبينَ بأنَّ هذا القُرآنَ من هذه الحروفِ التي تكوِّنونَ منها كلامَكم، ومع ذلك فقد أعجزكم، فهو لم يأْتِ بشيءٍ بديلٍ، إنَّما أتى بالحروف التي تُرَكِّبونَ كلامَكم منها؛ قالوا: ويدلُّ لذلك أنَّكَ لا تكاد ترى سورةً ابتُدِئَتْ بهذه إلا ويليها ذكْرُ القرآنِ. قال تعالى: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ أي: القرآنِ، المرادُ بالكتابِ القرآنُ، وهو فِعالٌ بمعنى مفعولٍ؛ أي: مَكْتوب؛ وسُمِّيَ كتابًا؛ لأنَّه كُتِبَ في اللَّوْح المَحْفوظِ، وفي الصُّحُفِ التي بأيدي الملائِكَة، وفي الصُّحُفِ التي بِأَيْدينا؛ ولهذا سُمِّي كتابًا. وقال ﵀: [مبتدأٌ] أي ﴿تَنْزِيلُ﴾؛ لأنَّ الكتابَ مضافٌ إليه. وقوله ﵀: [﴿لَا رَيْبَ﴾ شكَّ ﴿فِيهِ﴾ خبرٌ أوَّلُ] ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ يعني: أنَّ تنزيلَ الكتابِ مؤكَّدٌ ليس فيه رَيْبٌ، وهل النَّفيُ هنا على بابِهِ، أو هو نَفْيٌ بمعنى النَّهْيِ؛ أي: لا تَرْتابوا فيه؟ الجوابُ: فيه قولانِ: فمِنَ العُلماءِ من يقولُ: إنَّ النَّفْيَ هنا بِمَعْنى النَّهْيِ؛ فمعنى ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا تَرْتَابوا فيه، وبعضُ أَهْلِ العِلْمِ يقولُ: إنَّ المرادَ بالنَّفْيِ حقيقَتُه، والمعنى: أنَّ هذا الكتابَ ليس فيه رَيْبٌ، وإذا لم يكنْ فيه رَيْبٌ لَزِمَ مِن ذلك النَّهْيُ عَنِ الرَّيْبِ؛ لأنَّه إذا انتفى الرَّيْبُ في القرآنِ فلا يَحِلُّ لنا أنْ نَرْتَابَ فيه. وهذا القَوْلُ أَبْلَغُ: أن يكونَ بالنَّفْيِ ليس فيه رَيْبٌ، سواءٌ ارْتابَ فيه مَنِ ارْتابَ أمْ لم يَرْتَبْ، فهو حقيقةٌ لا رَيْبَ فيه.

стр. 6

والرَّيْبُ يقول المُفَسِّر ﵀: إنَّه الشَّكُّ؛ ولكنْ ذهب بعضُ أَهْلِ العِلْمِ إلى أنَّه لا يوجدُ كلمتانِ مترادِفَتانِ في المعاني، بل لا بدَّ أن يكون هناك فارِقٌ، وقالوا: إنَّ الرَّيْبَ شَكٌّ مع قَلَقٍ ورِيبَةٍ؛ وليس مُطْلقَ شكٍّ، بل هو شكٌّ خاصٌّ، وهو الذي يكون فيه القَلَقُ والإرتيابُ، وكونُ النَّفْسِ يكون معها انشغالٌ بخلافِ الشكِّ المجرَّدِ. وقوله ﵀: [﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ خبرٌ ثانٍ] والمعنى: تنزيلُ الكتابِ مؤكَّدٌ لا رَيْبَ فيه، تنزيلُ الكتابِ من ربِّ العالمينَ. وعلى هذا فيكون الخبرُ الأَوَّلُ جملةً؛ فالخبرُ الأوَّلُ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ جملةٌ؛ لأنَّ ﴿لَا﴾ نافِيَة للجِنْس و ﴿رَيْبَ﴾ اسْمُها و ﴿فِيهِ﴾ خبرٌ, وهو جُملة، والخبرُ الثاني ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ شِبْه جملةٍ من جارٍّ ومجرورٍ. وقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ربُّ العالمينَ الذي خَلَقَه ومَلَكَه ومَلَكَ التَّصَرُّفَ فيه؛ والرُّبوبيَّةُ تشملُ ثلاثةَ أشياءَ: الخَلْق، والمِلْك، والتَّدبير. وقوله : ﴿الْعَالَمِينَ﴾ المرادُ به ما سِوَى الله ، وسُمِّيَ ما سِوَى الله عالَمٌ؛ لأنهم عَلَمٌ على خالِقِهِم، وما من شيءٍ إلا فيه آيةٌ من آياتِ الله تَشْهَد له بالوحدانيَّة والقُدْرةِ والعِزَّةِ وغير ذلك. وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يعني أنَّ تنزيلَ الكتابِ من الله لا إشكالَ فيه، فليس قولَ محمدٍ ولا قولَ جبريلَ ولا قولَ أحدٍ من الخَلْق، بل هو مِنْ رَبِّ العالمين وَحْدَه. ويجوز في الإِعْرابِ أن نجعل ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مَوْضِع نصبٍ على الحالِ: ذلك الكتابُ خاليًا من الرَّيْبِ؛ من أين هو؟ الجوابُ: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 7

ويجوز أن نَجْعَلَ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبرًا واحدًا؛ و ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حالٌ من قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ فتَجْعَلُ الجُمْلَتَينِ خبرينِ، أو إحداهما خبرًا والأخرى حالًا. وعلى كلِّ حالٍ: فمعنى الآيةِ الكريمةِ أنَّ تنزيلَ الكتابِ أمرٌ لا شكَّ فيه، وأنَّه ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أيضًا لا شكَّ فيه، وعندي أنَّ أَحْسَنَ ما يُقالُ في الإعرابِ: أنْ يُجْعَلَ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ هو الحالَ؛ تنزيلُ الكتابِ من رَبِّ العالمينَ لا مِن غَيْره، و ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ يكونُ حالًا. من فوائد الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ القرآنَ الكريمَ لم يأتِ بجديدٍ؛ أتى بالحروفِ التي يتكلَّمُ بها النَّاس، ومع ذلك أَعْجَزَهُم؛ يؤخَذُ من قوله تعالى: ﴿الم﴾ لأن الصَّحيحَ أنه ليس له معنًى. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن القرآنَ كلامُ الله ؛ لقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وجه ذلك: أنَّ القرآنَ كلامٌ وأضافه الله إلى نَفْسِه، فيقتضي أن يكونَ كلامَهُ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ عُلُوِّ الله؛ لقوله : ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والنُّزُولُ لا يكون إلا مِنْ أعلى. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ أن القرآنَ الكريمَ مكتوبٌ؛ لقوله تعالى: ﴿الْكِتَابِ﴾ ولقد سبق لنا أنه مكتوبٌ في لَوْحٍ مَحْفوظٍ، وفي الصُّحُف التي بِيَدِ الملائكة، وفي الصُّحُف التي بأيدينا.

стр. 8

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تأكيدُ أنَّ هذا القرآنَ مُنَزَّل مِنْ عند الله؛ لقوله : ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثباتُ ربوبيَّةِ الله لجميعِ الخَلْقِ؛ لقوله : ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الإشارَةُ إلى أنَّ هذا القرآنَ مُلزَمٌ به جميعُ النَّاسِ؛ تُؤْخَذُ من قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فإذا كان ربُّهُم الذي أنزله فمعناه أنه يَلْزَمُهُم جميعًا العَمَلُ بهذا القرآنِ. * * *

стр. 9

الآية (٣) * قالَ الله : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣]. * * * ثم قال: [﴿أَمْ﴾ بل ﴿يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ محمدٌ؟ لا]. ﴿أَمْ﴾ يقول المُفَسِّر إنَّها بمعنى [بل] إذَنْ فهي للإضراب الإنتقاليِّ، وليست للإضراب الإبطاليِّ؛ لأنَّها لم تُبْطِل ما سَبَقَها، ولكنَّها مع ذلك مُضَمَّنةٌ معنى بل والهمزة، وأَصْلها: بل أَيَقُولون افْتَراه؟ والإسْتِفْهامُ في هذه الآية للإِنْكارِ بدليلِ قوله ﵀: [لا]، يعني أنه ليس مُفْترًى، والإفتراءُ معناه الكَذِب، فمعنى ﴿افْتَرَاهُ﴾ أي: كَذَب بادِّعائِهِ أنَّه من عند الله. وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: القرآنُ أو الكِتابُ؛ كما عبَّر الله به. وقوله تعالى: ﴿الْحَقُّ﴾ أي: الثَّابتُ الذي لا يَتَزَلْزَل، وهو الحقُّ المشتَمِلُ على كلِّ خيرٍ. وقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ حالٌ من قوله: ﴿هُوَ﴾ يعني: حالَ كَوْنِه من ربِّك، وتأمَّلْ في الآية الأُولى قال: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهنا قال: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ لأنَّ الذي اتُّهِمَ بالإفتراءِ هو الرَّسولُ ﷺ ، فأراد الله تعالى أن يُبَيِّنَ أنَّ الرَّسولَ ﷺ لا يُمْكِن أن يَفْتَرِيَ الكَذِبَ؛ لأنَّ له من الله ربوبيَّةً خاصَّةً وهي قوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ فالرُّبوبيَّةُ هنا

стр. 10

ربوبيَّة خاصَّة؛ ثم بيَّنَ الله الحكمةَ من ذلك قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ... ﴾ إلخ. والحكمة من اختلافِ التَّعبيرِ بين قوله : ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقوله : ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ وهو أنَّه لما أراد أن يتبع أمْر القرآنِ من حيثُ هو قرآنٌ بيَّن أنَّه نازلٌ من ربِّ العالمين الذي يَعْتَمِدُ عليه هؤلاء العالمَونَ، فنُزِّلَ عليهم الكتابُ؛ لأنه لما كان ربَّ العالمين وجب على جميع العالمَينَ أن يَقْبَلوا هذا وأنَّه من ربِّنا؛ أمَّا في قوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ فلأنَّه لما نُسِبَ الرَّسولُ ﵊ إلى الكَذِبِ في هذا القرآن ذَكَرَ الله تعالى ربوبيَّتَه الخاصَّة: ﴿مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ﴾ إشارةً إلى أنَّه رسولُ الله، وأمَّا المُنْذِر في القرآن فهو ربُّه الذي يعتني به ويَرُبُّه ربوبيَّةً خاصَّةً. ففي الأوَّل من حيث وَصْفُ القرآنِ بأنَّه قرآنٌ قال: ﴿تَنْزِيلُ مِنْ رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وفي الثاني قال: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ الذي يَرُبُّكَ ربوبيَّةً خاصَّة، وأنت مربوبٌ له. قال : ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ المفعولُ الثَّاني محذوفٌ تقديره (به)، ولكِنْ في المسألَةِ نَظَرٌ، إن كان مفعولًا به ففيه نظرٌ، ولكن لا شكَّ أنَّ التَّقْديرَ (به)، وأنه هو آلة الإنذارِ التي يُنْذَر به أي بِسَبَبِه، ولكن المفعول الثَّاني محذوفٌ عُرِف في غير ما ذكره المُفَسِّر ﵀: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ به ﴿قَوْمًا﴾ العذاب، وإنما اخترت ذلك لما في قوله : ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فُصِّلَت: ١٣]؛ وقد بيَّن الله في آيةٍ أخرى ما هو المنذَرُ به. قوله ﵀: [﴿مَا﴾ نافِيَة ﴿أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بإنذارِكَ] قوله : ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: إنَّ [﴿مَا﴾ نافية] وفي سورة يس: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦] وهذا الذي قرَّرَه المُفَسِّر ﵀ أنَّ (ما) نافية - هو الصَّوابُ في إعرابها، وإن كان بعضُهُم ذكر

стр. 11

أنَّها اسمٌ موصولٌ؛ أي: لِتُنْذِرَ قومًا الذي أتاهُم مِن النُّذُرِ قبلك؛ يعني: تُنْذِرُهم العذابَ، وعلى هذا الرَّأي تكون (ما) اسمًا موصولًا، وهو المفعولُ الثاني في الجملة، لكنَّ الذي مشى عليه المُفَسِّر أَصْوَبُ: أنَّ ما نافية. والخلاصةُ في إعراب (ما) قولانِ: أحدهما: أنَّها نافِيَة، فيكون معنى الآيَةِ الكريمة: لِتُنْذِرَ قومًا لم يَأْتِهِمْ نذيرٌ قبلك. القولُ الثاني: أنَّ ما اسمٌ موصولٌ؛ أي: لِتُنْذِرَ قومًا الذي أتاهم من النُّذُر قبلك. والصَّواب الأوَّل. والعرب لم يُرْسَلْ إليهم رسولٌ بعد إسماعيلَ إلا محمدٌ ﷺ ؛ ولهذا قال النبيُّ ﵊: "أَنا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ" (١) في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ... ﴾ إلخ. وقوله تعالى: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾، إِذَا قَالَ قَائِلٌ: ما هي الفائِدَةُ في وَصْف هؤلاء القومِ لِكَوْنِهِمْ لم يأتِهِمْ نذيرٌ من قبلُ؟ الجوابُ: الفائِدَة في ذلك أمران: الأمرُ الأوَّلُ: بيانُ شدَّة حاجَتِهِم إلى الرَّسولِ ﵊ وأنَّهم في غايَةِ ما يكون من ضرورةٍ إلى بَعْثَتِه. الأمرُ الثَّاني: بيانُ نِعْمَة الله عليهم بهذا الرَّسولِ ﵊؛ حيث إنَّه هو الرَّسولُ الذي أتاهم ولم يَأْتِهِمْ نذيرٌ مِن قبلِهِ.

стр. 12

قوله : ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يكثُرُ في القرآنِ الكريمِ مثلُ هذا التَّعبيرِ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩] فهل هو للرَّجاءِ أم للتوقُّعِ؟ الجوابُ: قال بعضُهُم: إنَّها للرَّجاء، ولكن باعتبارِ حالِ المخاطَبِ لا باعتبارِ حالِ المتكلِّم؛ لأن الرَّجاءَ هو الطَّمَعُ في نَيْلِ ما يَعْسُر إدراكُه، قد لا يتعذَّرُ، لكنه يؤمَّلُ إلا أنه فيه نوعُ شِدَّةٍ، والرَّبُّ لا يُمْكِنُ وَصْفُه بهذا الوَصْفِ، فيكون مُتَرَجِّيًا باعتبارِ حالِ المخاطَبِ. وجملة (لعلَّ) للتَّعليل، وكونُ الله يجعل الشَّيءَ علَّةً للشَّيء؛ ليس فيه نَقْصٌ، بل هو من كماله أن يبني من الأسبابَ أسبابًا. يَرِدُ على هذا القَوْل: أن العلَّة ملازِمَةٌ للمعلولِ، فإذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ لَزِمَ أن يهتدوا فما دَامَتْ علَّة، فالعِلَّةُ ملازِمَةٌ للمَعْلول: فلما جاءهم هذا النَّذيرُ يلزم اتِّباعُه. والجوابُ على ذلك أن يُقالَ: إنَّ العلَّةَ علَّتانِ: عِلَّةٌ باعِثَةٌ، وعلَّةٌ غائِيَّةٌ، والعلَّةُ الباعِثَة مُوجِبة وغيرُ مُوجِبَة، وهذه كقوله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] مع أنَّهم ما يعبدون الله كلُّهُم، وكقوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]. ومعلومٌ أنَّ كثيرًا من الرُّسُل ما أُطيعوا، فيكون هنا العِلَّة الباعِثَة غيرَ الموجِبَة؛ يعني أنَّ الحكمةَ من هذا هو هذا، ثم قد تَحْصُل وقد لا تَحْصُل، ومثَّلوا لذلك بقولهم: شَرَيْتُ القَلَمَ لأكتبَ به، أو لهذه الغايَةِ، ولكن: هل يلزَمُ أن تَكْتُبَ؟ الجوابُ: قد تكتب، وقد لا تَكْتُب.

стр. 13

قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ الإهتداءُ هنا يَشْمَلُ الهدايَةَ: هدايةَ الدَّلالَةِ، وهدايةَ التَّوفيقِ؛ فإنَّ الرَّسولَ ﵊ جاء بهدايَةِ الدَّلالةِ، والتوفيقُ بِيَدِ الله ، ولا توفيقَ إلا بعد عِلْمٍ؛ قال ﵀: [﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بإنْذَارِكَ]. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: بيانُ جُرْأَةِ هؤلاء المُكَذِّبين؛ لقولهم: ﴿افْتَرَاهُ﴾ أي: اخْتَلَقَه وكَذَبَ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ القُرآنَ حقٌّ غيرُ مُفْتَرًى؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَّةُ: إثباتُ رِسالَةِ الرَّسولِ ﵊؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: عناية الله برسوله ﷺ ؛ حيث أضافَ إليه الرُّبوبيَّةَ الخاصَّة في قوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ الحِكْمَةِ في إنزالِ هذا القُرْآنِ؛ لقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ لأنَّ اللَّام للتَّعليلِ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بيانُ مِنَّة الله على هؤلاء الذين أُرْسِلَ إليهِمُ الرَّسولُ ﷺ ، تُؤْخَذُ من قوله تعالى: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: شِدَّةُ الضَّرورةِ إلى إرسالِ الرَّسولِ ﷺ ؛ تُؤْخَذُ مِنْ كَوْنِه لم يَأْتِهِم نذيرٌ مِن قَبْلِك، فهم في ضرورَةٍ إلى رسالَتِه، هذا على القَوْلِ بأنَّ (ما) نافِيَة، أمَّا على القَوْلِ بأنَّها اسمٌ موصول، فيُسْتَفادُ منها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَنْذَرَ ما أَنْذَرَتْ به الأنبياءُ مِن قَبْلِه، فيكون إذن: مُصَدِّقًا لما سَبَقَه من الرِّسالاتِ.

стр. 14

الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الإنذارَ سببٌ للهدايَةِ؛ لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وهذا يشْهَدُ به الواقِعُ؛ فكم من إنسانٍ اهتدى بما أُنذِرَ! الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثباتُ رَحْمةِ الله تعالى بالخَلْقِ؛ حيث أرسل إليهم النُّذُرَ من أجل هدايَتِهِم. * * *

стр. 15

الآية (٤) * قالَ الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤]. * * * ثم قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأٌ و ﴿الَّذِي﴾ اسمٌ موصولٌ خَبَرٌ، و ﴿خَلَقَ﴾ بمعنى أَوْجَبَ بتقديرٍ ونظامٍ، وأنَّ الخَلْق في الأصل في اللُّغَة: التَّقْديرُ؛ كما في قول الشَّاعِر: وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ ... وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي (١) ويُطْلَقُ الخلْقُ على: الإيجادِ في تقديرٍ، وهو المرادُ به هنا. وقوله تعالى: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ هي الأَجْرامُ المحسوسَةُ، وهي سَبْعَةٌ، وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ﴾ المرادُ بها الجِنْسُ، ويشمل جميعَ الأَرَضِينَ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ يعني: والذي بينهما، وهو السَّحابُ، وكذلك النُّجُومُ والقمر وما أشبهها، وهذا يدلُّ على أنَّ هناك أشياءَ كثيرةً قد لا نَعْلَمُها إلى الآن، فإلى الآن نكتشِفُ أشياءَ كثيرةً مما بين السَّماء والأَرْض، ويدلُّ على أنَّ ما بين السَّماء والأرض أنه ليس مُجَرَّد سحاب فقط بل وراءَ ذلك؛ أن الله تعالى جَعَلَه قسيمًا لخلق السَّمواتِ والأرض، ولا بُدَّ أن يكون شيئًا عظيمًا يقابِلُ هذه المخلوقاتِ.

стр. 16

وقوله تعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ قال ﵀: [أوَّلُها الأَحَدُ، وآخِرُها الجُمُعَة] وقد فصَّل الله تعالى هذه الأَرْبَعَة في سورة فُصِّلَتْ، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ٩ - ١٠]؛ فالآن خَلْقُ الأَرْضِ في أَرْبَعَة أيَّامٍ، ثمَّ قال : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١١ - ١٢] فتكون الأيامُ ستَّة: أوَّلُها الأحَدُ وآخرها الجمعة. وهل هذه الأيام كأيَّامِنا؟ أو كُلُّ يومٍ مقدارُهُ ألفُ سَنَةٍ؟ أو هي أيام بمعنى ساعاتٍ أو لحظاتٍ؟ أقوالٌ؛ فمنهم من قال: إنَّها أيَّامٌ؛ يعني لحظات؛ لأن الله إذا أرادَ شيئًا قال له: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] وعبَّر بالأيَّامِ عن مطلَقِ الزَّمَن، ومنهم من قال: إنَّها أيَّام كلُّ يومٍ منها مقدارُهُ ألفُ سنةٍ، فتكون سِتَّةَ آلافِ سَنَة، ومنهم من قال: إنَّها أيَّام كأيامِنا، وإنَّ الأيام أُطْلِقَت والمرادُ بها هذه الأيَّامُ المعروفَةُ، لاسيَّما وأنَّه في سورة فُصِّلَتْ: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾، ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ ولا يمكن أن نَخْرُجَ من قراءةِ القرآنِ عن معهودِ المَعْروفِ في اللُّغَة العربيَّة. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هذا القَوْلُ وإن كان ظاهِرَ القرآن يَرِدُ عليه أمرانِ: الأمر الأوَّل: أنَّه لمَّا خَلَقَ السَّمواتِ والأَرْضَ ليس هناك شمسٌ حتى تُحدَّدَ بالأيَّامِ؛ فماذا نقولُ؟ الأمر الثَّاني: أن يُقال: لماذا سِتَّةُ أيام؟ ولماذا لم تكن في لحظَةٍ، أو تكون في أيامٍ طويلةٍ جدًّا في لحظة باعتبارِ قُدْرَةِ الله : ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ مهما عظُمَ الشَّيءُ،

стр. 17

في نسبة طويلة باعتبارِ هذه المخلوقاتِ؛ يعني لا يكفيها ألفُ سنة ولا أَلْفَا سنةٍ ولا مائَةُ ألْفِ سَنَة، لأنَّ المخلوقاتِ عظيمةٌ لا يكفيها هذه المدَّةُ القصيرةُ؛ فإمَّا أن تُقاسَ بقُدْرَة الله أو تقاس بحَسَبِ واقِعِها، فإنْ قِسْتُمُوها بحَسَبِ قدرة الله أنها في لحظَةٍ فالأيَّام السِّتة ليسَ لها معنًى؛ وإن قِسْتُمُوها بحسب واقعها لا بحسَب قُدرة الله فإنَّ المخلوقاتِ عظيمةٌ جدًّا منظَّمَةٌ في غايَةِ النِّظام. فالجوابُ على هذينِ الإيرادَيْنِ: الأَوَّل: أن هذا بِحَسَبِ عِلْمِ الله، والله يعلم متى يكون. والثَّاني: والجوابُ عنه أن يُقالَ: هكذا قال الله ، وليس لنا أن نتعدَّى ما أخْبَرَنا الله به؛ لأنَّ هذا أمرٌ لا يَسَعُنا الإحاطَةُ به، وقد قال الله : ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]. ونحن لا شكَّ نقيسُ هذه الأشياء بحَسَبِ قدرة الله لا بِحَسَبِ واقِعِها، فواقِعُها لا يعلَمُه إلا الله فإذن يجب أن تُقاسَ بِقُدْرَةِ الله، ويُقال: إنَّ تقديرَها في ستَّةِ أيَّام حسَبَ ما تقْتَضِيه حكمةُ الله ، وليس لنا أن نتكلَّمَ في شيء من ذلك. ولهذا، اليهود - لعنةُ الله عليهم - قالوا: إن الله تعالى خلقَ السَّمواتِ والأَرْضَ في ستَّة أيامٍ، ولما كان يومُ السَّبْتِ استراح! نعوذ بالله! وإنَّ يَوْمَ راحَةِ الله هو يومُ عيده، وجعلوا عيدَهُم السَّبْتَ وكَذَبُوا فِي هَذا فالله لا يَتْعَبُ حتى يحتاجَ إلى راحةٍ. وقوله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى علا، استوى على الشيء، وقد ذَكَرْنا فيما سبق أنَّ ﴿اسْتَوَى﴾ وردت في القرآن على أَرْبَعَةِ أوْجُه: مُطْلَقَة، ومُقَيَّدَة بـ (إلى)، ومُقيَّدَة بـ (على)، ومُقيَّدة بواو المعِيَّة:

стр. 18

١ - فإذا جاءت مُطْلَقَة، فهي بمعنى كَمُلَ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ أي: كَمُلَ. ٢ - وإذا قُيِّدَت بـ (إلى) فهي بمعنى القَصْدِ التَّامِّ؛ كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ وفي هذه الآية قولٌ ثانٍ: أنَّ استوى بمعنى علا: (ثم علا إليها) لكنْ هذا كغيره من الصِّفاتِ التي لا تُعْلَمُ كيفيَّتُها. ٣ - مُقَيَّدة بـ (على) وتكون بمعنى العُلُوِّ والإسْتِقْرارِ؛ كما في قوله : ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ وفي قوله : ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي: لِتَعْلُوا على ظُهُوره وتَسْتَقِرُّوا، ولم تأتِ بغيرِ هذا المعنى أبدًا في اللُّغَةِ العربيَّةِ، فإذا قُيِّدَتْ بـ (على) لا تأتي إلا بهذا المعنى، ولا تكون بغيره أبدًا. ٤ - مُقَيَّدَة بواوِ المعيَّة فتكون بمعنى تساوَى، فاستوى بمعنى تساوَى؛ كقولهم: "استوى الماءُ والخَشَبَةَ" يعني: استوى الماءُ مع الخَشَبَةِ؛ صارا سِيَّانِ. المُهِمُّ هنا: هو ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ لا تأتي بصورة غير هذا المعنى إطلاقًا، وقد جاءت في القرآن الكريمِ في سَبْعَةِ مواضِعَ، ما فيها موضِعٌ واحدٌ اختَلَفَ فيه التَّعْبيرُ عن هذا؛ إلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وما أشبه ذلك فهو عند أهل السُّنَّة والجماعَةِ بمعنى (علا على العَرْش واسْتَقَرَّ عليه)، ورُوِيَ عنهم (ارْتَفَع) ورُوِيَ عنهم (صَعِدَ وارْتَفَع) و (صَعِدَ) و (علا) معناهما متقارِبٌ؛ ولهذا اخْتَرْنا أن نقول بمعنى (علا واسْتَقَرَّ)، أما (ارتفع) و (صَعِدَ) فهو مقابِلٌ لـ (علا). وهذا الإستواءُ استواءٌ بمعنى العُلُوِّ والإسْتِقْرار، وقد يَرِدُ عليكم سؤالٌ، ويُقال: أَلَسْتُم تقولون إنَّ عُلَوَّ الله بذاتِهِ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ أزلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ؟

стр. 19

نَقُول: بلى، عُلُوُّ الله بذاته صفةٌ أزليَّة أبديَّةٌ لا تنفَكُّ عن الله، خلَق ثم اسْتَوَى، فمعنى ذلك أنه حين الخَلْقِ ليس مُسْتَوِيًا على العَرْش، وهذا حقٌّ؛ لأن الإستواءَ على العَرْشِ أخَصُّ من مُطْلَقِ العُلُوِّ؛ فالإستواءُ على العَرْشِ والعُلُوُّ على العَرْشِ خاصَّةً هذا معنًى خاصٌّ غيرُ معنى (مُطْلَقِ العُلُوِّ) فالله عالٍ دائمًا لكنْ كَوْنُه على العرش بنفسه هذا حادِثٌ قطعًا؛ لأنَّ العَرْشَ مخلوقٌ. وقد بيَّنَ الله أنَّه استوى على العَرْشِ بعد خلْقِ السَّمواتِ والأرضِ، ولا نعلم عمَّا قبل ذلك، والله أعلم. ولكنَّ السؤالَ الآن: إذا قُلْتُمْ إنَّ معنى (استوى على العرش) أي: علا واسْتَقَرَّ عليه، فإنه يَرِدُ علينا إشكالٌ: بأنَّ عُلُوَّ الله وَصْفٌ ذاتيٌّ أزليٌّ أبديٌّ، فكيف تقولون إنَّ معنى صَعِدَ علا عليه، وأنتم تقولون إنَّ العُلُوَّ صفةٌ ذاتيَّةٌ أزَلِيَّة أبديَّة، وفي العُلُوِّ عُلُوَّانِ: مُطْلَقُ عُلُوٍّ، وعُلُوٌّ خاصٌّ بالعكس؛ فالأوَّلُ الذي هو مُطْلَق العُلُوِّ صفةٌ ذاتيَّة أزليَّة أبديَّة، فالله لم يَزَلْ ولا يزالُ عاليًا بذاتِهِ على جميع الخلق، أما الإستواءُ على العَرْشِ فهو صفةٌ فعليَّة خاصَّةٌ في العرش. وأضْرِبُ مثلًا يُقَرِّبُ المعنى: فالإنسانُ إذا كان على السَّطح فهو عالٍ على مَنْ تحت السطحِ، فإذا وُضِعَ له كرسِيٌّ في السَّطح وجلس عليه صار عُلُوُّه على هذا الكرسيِّ علوًّا خاصًّا مع ثبوتِ العُلُوِّ الأَوَّلِ الذي هو مُطْلَق العُلُوِّ، لكنَّ هذا عُلُوٌّ خاصٌّ: على هذا الكرسيِّ. فتبيَّنَ أنَّ هناك فرقًا بين العُلُوِّ بالمعنى العامِّ؛ فإنه وَصْفٌ ذاتيٌّ أزليٌّ أبديٌّ، وبين استوائه على العَرْش الذي هو علوٌّ خاصٌّ على ذلك العَرْش؛ ولهذا بعضُ السَّلَفِ ورد عنه تَفْسيرُه: (بأنَّه جلس عليه) وهذا قريبٌ من تفسيره بالإستقرار، فهذا علوٌّ خاصٌّ، ففرَّقَ بين العُلُوِّ الخاصِّ، وبين العُلُوِّ بالمعنى العامِّ.

стр. 20

وننتقل من هذا المعنى إلى أن نقولَ: هل الإستواءُ على العرش من الصِّفاتِ الفِعْلِيَّةِ أم من الصِّفاتِ الذَّاتِيَّةِ؟ الجوابُ: الإستواءُ من الصِّفاتِ الفِعْلِيَّة، وأنَّ كل شيء يتعلَّقُ بالمشيئة إن شاء الله فَعَلَ وإنْ شَاء لم يَفْعل، فهو من الصِّفاتِ الفِعْلِيَّة فضلًا عن الإسْتِوَاء على العَرْشِ، فإنَّه من الصِّفات الفعليَّة. وأهلُ السُّنَّة يقولون: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي علا عليه واستقرَّ، وكيف كان ذلك العُلُوُّ والإستقرارُ؟ لا ندري؛ ولهذا قال الإمامُ مالكٌ ﵀ لما سُئِلَ؛ قيل له: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فأَطْرَقَ ﵀ بِرَأْسِهِ حتى علاه الرُّحَضَاءُ - العَرَقُ - من شِدَّة وقْعِ هذا السُّؤالِ على قلبه، ثم رَفَعَ رأسه، وقال: "الإسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، والإيمانُ به واجِبٌ، والسُّؤَالُ عنه بِدْعَةٌ" (١)؛ ويُنْقَلُ عن مالكٍ على غيرِ هذا اللَّفْظِ أنه قال: "الإستواءُ مَعْلومٌ، والكَيْفُ مَجْهولٌ، والإيمانُ عنه واجِبٌ، والسُّؤالُ عنه بدعة" (٢) لكن الذي صَحَّ عنه بالسَّنَدِ هو اللَّفْظُ الأَوَّلُ، وهو: "الإستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكَيْفُ غير مَعْقولٍ، والإيمانُ به واجبٌ، والسُّؤالُ عنه بِدْعَةٌ" ثم قال: "ما أُراكَ إلا مُبْتَدِعًا! " مع أنه يُحْتَمَلُ أنه سألَ سُؤالَ اسْتِفْسارٍ ولم يسألْهُ إفحامًا، ولهذا قال: وما أُراك أوْ ما أظُنُّك إلَّا مُبْتَدِعًا، ثم أمر به فأُخْرِجَ من الحَلْقَة لئلَّا يُشَوِّشَ على النَّاس.

стр. 21

الحاصل: أننا نقولُ: الإستواءُ غير مجهولٌ، أو أنه مَعْلومٌ معنًى في اللُّغَة العربيَّة والقرآنُ نزل باللُّغة العربيَّة؛ فمعناه لغةً: علا واستقرَّ. وقوله: "الكيفُ غير معقولٍ" يعني: ما نَعْقِلُه نحن، وهذا أبْلَغُ من كَلِمَة مجهول، يعني لا يُمكن أن يُدْرِكَه العَقْلُ أو يُحيطَ به، فالله أعظمُ من أن تُدْرِكَ العقولُ كُنْهَ ذاتِهِ وصفاتِه. ثم إذا انتفى عنه الدليل العقليُّ أثبت الدليلُ السَّمْعِي، ولم يَرِدِ السَّمْعُ بذكْرِ الكيفيَّةِ، فإذا انتفى عنه الدَّليلانِ: العقليُّ والسَّمْعِيُّ، فإنَّه يجب التَّوَقُّفُ؛ ولهذا الصَّحابةُ ﵃ التَزَموا جانِبَ التَّوَقُّفِ، مع أنَّهم أَحْرَصُ منَّا على القَوْل وعلى العِلْم؛ فهل سألوا الرَّسولَ ﷺ فقالوا: كيف استوى أو لا؟ لا؛ ولهذا قال ﵀: "والسُّؤالُ عنه بِدْعَةٌ": "السؤال عنه" يعني عن الكيفيَّة بدعة، فما كان الصَّحابة ﵃ يسألون عن هذا، ولا يُمكِنُ الوصولُ إليه، فإذن السُّؤالُ عنه تكلُّفٌ من حيث لا يُمْكِنُ الوصولُ إليه، وبدعَةٌ من حيث لم يَسْأَلْ عنه الصَّحابَةُ ﵃. وقوله: "والإيمانُ به واجبٌ": "الإيمان به" بالإستواءِ على العَرْش، "واجِبٌ" لأنَّ الله أخبر به عن نَفْسِه، وما أخْبَرَ الله به عن نَفْسِه وَجَبَ علينا قَبُولُه، وألَّا نقيسَ ذلك بعقولنا. فإذن - الحمد لله - الإستواءُ واضِحٌ، فالإسْتِواءُ معناه: العُلُوُّ والإسْتِقْرار وهو معلومُ المعنى، لكنَّ الكيفيَّةَ مجهولةٌ غَيْر مَعْقولة، يعني لا يُدْرِكُها العَقْلُ، ولا يستدلُّ عليها، والسَّمْعُ لم يَدُلَّ عليها؛ فوجب الوقوفُ؛ ولهذا قال الإمامُ مالك ﵀: "الكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ به واجبٌ، والسُّؤالُ عنه بِدْعةٌ".

стр. 22

وأهل البِدَعِ يَنْفونَ هذا الشَّيءَ، ويقولون: مُحالٌ أن يكون استوى على العَرْشِ؛ أي: علا عليه واستقَرَّ، ولكنَّ معناه: استولى على العَرْشِ وقَهَرَ ومَلَكَ، وإنَّ الإستواءَ فيه معنى ذلك؛ وقالوا: وَجَدْناه في قول القائِلِ: قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلى العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ أَوْ دَمٍ مُهْرَاقِ (استوى على العِراقِ) يعني: استولى عليها، فنَرُدُّ كلامَ الله إلى هذا البَيْتِ الذي أُنْشِدَ في عَهْدِ بِشْرِ بْنِ مَروانَ حين استولى على العراقِ! وهذا البيتُ يُقال: إنَّ قائِلَه مجهولٌ لا يُعْلَم، وسبحانَ الله أن نَحْمِلَ القرآنَ الكريم على بيتٍ من الشِّعْر قائِلُه مجهولٌ! والرِّوايَةُ إذا كان فيها راوٍ مجهولٌ، فهي مَرْدودة حتى يَتَبَيَّن. ثم نَقُول: على فَرْضِ أنَّ القائِلَ معلومٌ، وأنه من أَقْحاحِ العَرَبِ الذين لم تَتَلَوَّثْ ألسنتهم بِعُجْمَة؛ فإنَّ استوى على العراقِ يَصِحُّ أن نقولَ بمعنى علا على العراقِ؛ أي عُلُوًّا معنويًّا وليس حِسِّيًّا، ويَمْنَعُ أن يكون المرادُ به العُلُوَّ الحِسِّيَّ أنَّ العِراقَ لا يمكن أن يَجْلِسَ عليه بِشْرٌ؛ فيكون معناها هنا أمرًا عقليًّا، ويكون الإستواءُ هنا استواءً معنويًّا؛ بمعنى أنه علا عليه عُلُوًّا مَعْنَويًّا؛ وإذا فَسَّرْناها بمعنى علا عُلُوًّا معنويًّا كان أبلغَ من تفسيره بالإستواء؛ لأن مجرَّدَ الإستيلاءِ قد لا يَحْصُل به العُلُوُّ؛ قد يكون مُسْتَوِيًا لكنه كالعصا، فإذ قلنا استوى بمعنى علا علوًّا معنويًّا صار أبلغَ في التمَلُّك والقَهْر، فتبيَّن أنَّه لا حُجَّة في هذا البيت على كلِّ تقديرٍ. ثم إنَّه مخالِفٌ لظاهِرِ القرآن، ومخالِفٌ لمِا أَجْمَعَ عليه السَّلَفُ والأَئِمَّةُ من أنَّ الإستواءَ بمعنى العُلُوِّ والإسْتِقْرار، ويكون هذا باطلًا.

стр. 23

إِذَن: الذي نؤمِنُ به أنَّ الله تعالى استوى على عَرْشِه استواءً يليقُ به؛ بمعنى علا واستقَرَّ، وعلى التَّرتيب فمِن بعدِ خلْق السَّموات استوى، لكن قبل أن يَخْلُق السَّموات مسكوتٌ عنه، فهو حين الخلق غير مستوٍ، وبعد الخلق مُسْتَوٍ. وأمَّا قبله فالله أعلم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [هو في اللُّغَةِ سَريرُ المَلِكِ] استوى على العَرْش؛ إذن هو سريرٌ خاصٌّ يليق بالمَلِك وبِمُلْكِه؛ قال الله تعالى عن مَلِكَة سبأٍ كما أخبر عنها الهُدْهُدُ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] وقال تعالى في قِصَّة يوسُفَ ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] يعني السرير الخاص بالمَلِك، ولا بُدَّ أن يكون سريرًا مُفخَّمًا حَسَبَ مُلْكِه، هذا هو السَّريرُ، فيكون عَرْشُ الرحمنِ أعظَمَ شيء؛ لأنه عَرْشٌ لأَعظمِ الأشياءِ وهُو الله ؛ ولهذا جاء في الحديث: "أنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ" (١) أي: حلقة الدِّرْعِ، نسبة صغيرة؛ أُلْقِيَت في فَلاةٍ من الأرض، فلو أُلْقِيَتْ حلْقَةٌ في فلاةِ الأرضِ هل يَصِحُّ أن تُنْسَبَ إلى الفَلاة كم مُدَّتُها؟ ولا واحد من المليون، ليست بشيءٍ، ويمكن ألَّا تَقْدِرَ أن تُشاهِدَها "وإنَّ فَضْلَ العَرْشِ على الكُرْسيِّ كفَضْلِ الفَلَاةِ على هذه الحَلْقَةِ". إِذَن: الكرسيُّ بالنِّسْبة للعرش كحَلْقَة أُلْقِيَت في فلاةٍ من الأرضِ، ومن هذا تَعْرِف مقدارَ عَظَمَةِ الخالِق ، كيف خلق هذه الأشياءَ العظيمة. يقول المُفَسِّر ﵀: [استواءً يليقُ به] نريد أن نناقِشَ المُفَسِّر عن هذه الكلمة،

стр. 24

هل هذا الكلام يدلُّ على أنه على مَذْهَبِ السَّلَفِ في صِفَة الإستواءِ، أو على مذهب الخَلَفِ؟ لأن الخَلَف يقولون: الإستواءُ الذي يليقُ به: الإستيلاءُ، هذا الذي يليقُ عندهم! والسَّلَفُ يقولون: الإستواءُ الذي يليق به: العُلُوُّ على الوَجْهِ الذي يليق بالله. قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾: ﴿مَا لَكُمْ﴾: ﴿مَا﴾ نافِيَة، والخطابُ في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [يا كُفَّارَ مكَّةَ] والصوابُ العُمُوم؛ يعني: ما لكم أيُّها المخاطَبُون، وَيشْمَلُ كفَّارَ مكَّة وغَيْرَهم. وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ الدُّونُ بمعنى سِوَى؛ يعني: ما لكم مِنْ سِوَاه؛ ولهذا قال المُفَسِّر [مِنْ غَيْرِه]. وقوله ﵀: [﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ اسْمُ (ما) بِزيادَةِ مِنْ] وزيادَتُها هنا مِن أجْلِ التَّوْكيد والتَّنْصيصِ على العموم، ولكن قوله (اسْمُ ما) خطأٌ؛ قال ابنُ مالِكٍ ﵀: ............................... ... مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتيبٍ زُكِنْ (١) فلا بدَّ في (ما) أن تكون مُرَتَّبَة؛ يعني: الإسْمُ قبل الخبر، فإن لم تكن كذلك فإنَّها لا تَعْمَلُ؛ لأنها ما تعملُ إلا على لُغَةِ الحِجازِيِّينَ بالشُّروطِ التي ذَكَر ابنُ مالِكٍ ﵀، فيكون قولُ المُفَسِّر ﵀: [اسمُ (ما)] قد يكون سَقْطَةَ قَلَمٍ أو سهوًا، فإنَّ (ما) هنا غيرُ عامِلَةٍ، وهنا (ما) نافية فقط، وسبب بُطلانِ عَمَلِها عَدَمُ التَّرْتِيب. وخبر المبتدأ إذن: قَوْلُه: (لكم): ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يقول: [أي ناصِرٌ] ولا شفيعٌ، فَسَّر الوليَّ هنا بالنَّاصِر، وقد اعترضوا عليه؛ لأن الله يقول

стр. 25

في آية أخرى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١] والعَطْفُ يقتضي المُغايَرَة، وأنَّ النَّصيرَ غيرُ الوليِّ؛ ولهذا الأَوْلى أن يُفسِّر الوَلِيَّ لمن يتولَّى أَمْر الإنسان؛ يتولى أَمْرَه بِجَلْبِ الخَيْرِ له ودَفْع الضَّرَر عنه، ثم إن قُرِنَتْ بالنَّصيرِ صارت خاصَّة بجلب الخيرِ، والنَّصير بدَفْع الشَّرِّ؛ فالمراد: مِنْ وَلِيٍّ؛ أي: من مُتَوَلٍّ لأَمْره بِجَلْب الخير له، ودَفْعِ الشَّرِّ عنه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا شَفِيعٍ﴾ أي: شافِع يَشْفَعُ لكم، ولهذا قال: [﴿وَلَا شَفِيعٍ﴾ يَدْفَعُ عذابه عنكم] هذا أيضًا فيه نظر؛ لأنَّ الشَّفيع ليس يَشْفَع، ولكنه يُشْفَع ويُطْلب، الدَّافِعُ هو النَّاصر والوليُّ، أما الشَّفيع فإنَّه ليس يَدْفَعُ ولكنَّه يتوسَّط؛ ولهذا قالوا في تعريف الشَّفاعَةِ: هي التَّوسُّط للغير بِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ أو دَفْعِ مَضَرَّة، فيثبُتُ للغَيْر؛ لأنَّ الشَّفيع يأتي شافعًا للمَشْفوع له، فبعد أن كان فردًا صارا اثنينِ. فالصَّوابُ أنَّ المراد بالشَّفيعِ؛ أيْ: شفيع يشفَعُ لكم عند الله، فنحن ليس لنا أحدٌ يتولَّانا من دون الله، وليس لنا أحدٌ يَشْفَعُ لنا عند الله ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾؛ ولهذا لا تكون الشَّفاعة إلا بإذن الله، قال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قال ﵀: [﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ هذا، فتُؤْمِنون] ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ تقدَّمَ لنا مِرارًا وتَكرارًا أنَّ مِثْل هذه الجُمْلَة يرى النحويُّون في إعرابها وَجْهَينِ: الوَجْه الأوَّل: أن تكون الهَمْزَةُ داخِلَةً على شيء محذوفٍ مناسِبٍ للمَقامِ، والفاء عاطِفة على ذلك المحْذوفِ. الوَجْه الثاني: أن تكون الهَمْزَة داخِلَةً على الجملة التي بعد العاطِف، والعاطِفُ عاطِفٌ على ما سبق.

стр. 26

وَقُلْنَا: إن هذا الوَجْه أَسْهَلُ؛ لأن الأوَّل يحتاجُ إلى تقديرٍ، وقد يكون المقدَّرُ صَعْبًا؛ إذ قد يُشْكِلُ على الإنسان ملاءَمَتُه للسِّياق، فإذا قلتَ: الهَمْزَة للإستفهامِ وَهِيَ مقدَّمة على حرف العطف، والفاءُ حرف عطف، والمعطوف عليه ما سبق، والتَّقدير بدُون تَقْديم وتَأْخير: فَأَلَا تَتَذَكَّرون. قال المُفَسِّر ﵀: [هذا، فتؤمنون] [هذا] أفادنا المُفَسِّر ﵀ بقوله [هذا] أنَّ المرادَ بالتذكُّر البَصَرُ به والعِلْمُ به؛ ويُحْتَمَلُ أن يكون المرادُ بالتَّذَكُّرِ الإتِّعاظَ، وعلى هذا فيكون لازمًا لا مُتَعَدِّيًا؛ يعني: أفلا تَتَّعِظونَ بعد أن عَرَفْتُم مخلوقاتِه العظيمةَ واستواءَه على عَرْشِه، وأنه ليس لكم من دونه من وليٍّ ولا شَفيعٍ؛ أفلا تَتَّعِظون فتُؤْمِنون؟ ! من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ الذي خلق السَّمواتِ هو الله لا شريك له؛ تُؤْخَذُ من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ﴾ من كون المبتدأِ والخَبَر مَعْرِفَتينِ، وإذا كان المبتدأُ والخبرُ مَعْرِفَتَين فإنَّهما يُفيدانِ الحَصْرَ: الله الذي خلق لا غَيْرُه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ ما تضَمَّنَتْه هذه الجُمْلَةُ من العِلْمِ والقُدْرَة؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي لا خَلْقَ بدون عِلْمٍ، ولا خَلْقَ بدون قُدْرَة. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بيانُ عَظَمَةِ قُدْرَةِ الله؛ لأنَّ خَلْقَ هذه السَّمواتِ والأَرْضِ العظيمة يدُلُّ على عظمة الخالِقِ؛ فكما أنَّنا لو رأينا قَصْرًا مَشِيدًا وبِناءً مُحْكَمًا استَدْلَلْنا به على عَظَمَة الباني. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ بين السَّمَواتِ والأَرْضِ من الآياتِ شيئًا كبيرًا، حيثُ جَعَلَه

стр. 27

قسيمًا لخلق السَّمواتِ والأرض ومقابلًا له. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ خَلْقَ السَّمواتِ والأرض تَمَّ في سِتَّة أيام، مفصَّلَة في سورة فُصِّلَتْ: أربعة للأَرْضِ، ويومان في السَّماء. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات عُلُوِّ الله؛ لقوله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ والعَرْشُ أعلى المخلوقاتِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثباتُ استواءِ الله على عَرْشِه، وهو عُلُوُّه واسْتِقْرارُه عليه، بدون تَكْييفٍ. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثباتُ قيامِ الأفعالِ الإخْتِياريَّة بالله ؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ لأنَّه من الأفعالِ التي يَفْعَلُها بِمَشيئَتِه، وهي التي يُعَبَّرُ عنها أحيانًا بالصِّفاتِ الفِعْلِيَّة. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثباتُ عظمة الله وسُلْطانِهِ؛ تُؤْخَذُ من قوله : ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾؛ لأن العرش سرير المَلِك، وقُلْنا إنَّ العَرْشَ يَعْظُمُ بعِظَمِ مَلِكِه. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إثبات العَرْش والعرش سرير المَلِك، وهل هو الكرسي أو غيره؟ نَقُول: هو عند أهل السُّنَّةِ غيرُ الكرسي. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنه ليس للخَلْقِ ولِيٌّ مِنْ دونِ الله؛ لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنه لا شفيع لهم من دون الله.

стр. 28

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: إبطال تعلُّق المُشْركينَ بآلهَتِهِم؛ وَجْهُه: أنَّهم إن أرادوا أن تكونَ وليًّا لهم مُغيثًا مُنْقِذًا من الشِّدَّة، فلن يكون ذلك، وإن أرادوا أن يكونوا شفعاءَ، فلن يكون ذلك؛ يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وأحيانًا يطلبونَ منهم جَلْبَ الخيرِ ودَفْعَ الضَّرَرِ، وكلُّ هذا لا متعلَّقَ لهم به فهو باطِلٌ؛ إذ لا يكون ذلك إلا بإذن الله، قال : ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ ففي الآية - كما قلتُ -: تَعَلَّقَ المشركونَ بآلهَتِهِم سواء جَعَلوها أولياءَ أو جعلوها شُفَعاءَ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تَوْبيخُ من لا يتذكَّرُ بعد هذا البيانِ؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾. وهذه الفائِدَة تترتَّبُ عليها فائِدَةٌ أخرى، وهي وجوبُ التَّذَكُّرِ بآياتِ الله ، وأنَّ الإنسانَ يتذكَّرُ بآياتِ الله، ولا يكون كأنَّه يَمُرُّ عليها كأنَّها ألفاظٌ عابِرَةٌ. * * *

стр. 29

الآية (٥) * قالَ الله : ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]. * * * قولُهُ ﵀: [﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ مُدَّةَ الدُّنيا ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ﴾ يَرْجِعُ الأَمْرُ والتَّدبيرُ ﴿إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ في الدُّنيا، وفي سورة (سأل): ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] وهو يومُ القيامَةِ لشِدَّة أَهْوَالِهِ بالنِّسْبَة إلى الكُفَّار]. قوله تعالى: ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ المرادُ بالسَّماءِ هنا: تلك الأجرامُ المعهودَةُ المعروفة، يدبِّرُها من السَّماء إلى الأرض ثم يَعْرُجُ إليه؛ يعني: من السَّماءِ الدُّنيا إلى الأَرْضِ، ثم يَعْرُجُ إليه؛ أي: إلى الله تعالى، ولا يَلْزَمُ أن يكون الله في السَّماءِ الدُّنيا. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ﴾ يعني: يَرْجِعُ إليه؛ فقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ الذي يَعْرُج إليه هو: ما يَتَرَتَّبُ على ذلك الأَمْرِ؛ أمَّا الأَمْرُ فهو نازِلٌ؛ مِثْل لو أَمَر بأن يقومَ هذا الرَّجُل بعبادَةِ الله، تكون عبادة، ثم يَرْجِعُ إليه ثوابُ العمل أو العقاب عليه حَسَب ما يَفْعَلُه هذا العبدُ، كذلك أيضًا ينزل الأَمْرُ من السَّماءِ بنُزُولِ المَطَرِ، ثم يَرْجِعُ إليه: حصل هذا الشَّيءُ بأنَّه نزل فأحيا به الأَرْضَ بعد موتها وما أشبه ذلك، فالأَمْرُ نازِلٌ وصاعِدٌ؛ من السَّماء إلى الأَرْض.

стр. 30

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى الله، يَعْرُج بمعنى يَصْعَد؛ لكنَّ المُفَسِّر ﵀ فسَّر الآية بأنَّه يدَبِّرُه من السَّماء إلى الأرض في الدُّنيا، ثم يَعْرُجُ إليه في الآخِرَة، وجعل العُرُوج بمعنى الرُّجوع، ولا شَكَّ أن هذا تحريفٌ؛ لأنَّ العُرُوجَ غيرُ الرُّجُوع، فمعنى العُرُوج الصُّعودُ: يَصْعَد إليه، وليس بمعنى أنه يَرْجِعُ إليه في يوم القيامة حتى يُثِيبَ عليه أو يُعاقِبَ. فالمُفَسِّر ﵀ جعل: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ في كل مُدَّةِ الدُّنيا، تدبيرٌ: أَمْرٌ ينزل من السَّماء إلى الأرض. أمَّا العُرُوج فيكون يومَ القيامَةِ، وفسَّرَه بالرُّجُوع، على رأي المُفَسِّر يكون في يومٍ كان مقدارُهُ ألفَ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّون؛ يخالف ما ذكره الله تعالى في سورة سأل؛ لأنَّه في سورة سأل قال: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]. أجاب المُفَسِّر بما يقتضي أنه يختلف باختلافِ التَّقْديرِ، فيكون على قومٍ بمقدارِ خمسينَ ألفَ سَنَةٍ، وعلى قوم بمقدار ألفِ سَنَةٍ، وعلى آخرينَ بمقدارِ أداءِ الفريضَةِ كما قال: [وَأَمَّا المُؤْمِن فَيَكُونُ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا كَمَا جَاءَ في الحديثِ (١)]. إِذَن: خلاصة رأي المُفَسِّر ﵀: أنَّ تدبيرَ الأَمْرِ من السَّماء إلى الأرض بالدُّنيا من أوَّلهِا إلى آخِرِها، وأنَّ العُرُوجَ إلى الله بهذا الأَمْرِ في الآخرة، وفسَّرَ العُرُوجَ بالرُّجُوعِ، فرارًا من إثباتِ العُلُوِّ الذاتيِّ. ويبقى على المُفَسِّر ﵀ إشْكالٌ: وهو أنَّنا إذا جعلنا الرُّجوعَ في يوم القيامة،

стр. 31

ففي الآيَةِ هنا مقدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ، وفي سورة المعارِجِ مقدارُهُ خمسونَ ألْفَ سَنَةٍ. والجوابُ عند المُفَسِّر أن يُقال: إنَّ اخْتلافَ التَّقديرِ هنا باعتبارِ أحوالِ النَّاسِ؛ فمنهم من يُخَفَّفُ عنه حتى يكون كألْفِ سَنَةٍ، بل قد يكون كأداءِ صلاةٍ مكتوبةٍ، ومنهم من يُثقَّلُ حتى يكونَ بمقدارِ خَمْسينَ ألفَ سنةٍ. أما على القولِ الصَّحيحِ الذي مشى عليه ابنُ كثيرٍ ﵀ (١) وأكَّدَهُ في التَّفْسيرِ؛ فيقولون: إنَّ هذا كلَّه في الدُّنيا: التَّدْبير والعُرُوج، وأنَّه يدبِّرُ الأَمْرَ من السَّماء إلى الأرض، ثم يَعْرُجُ إليه آثارُ هذا التَّدْبير؛ يعني في الدُّنْيا، ويقولون معنى ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: بأنَّ مسافَةَ ما بين السَّماء إلى الأَرْضِ خَمْسُ مئة سَنَةٍ، هذا نزولٌ، ومسافتها عُرُوجًا خَمْسُ مِئَةِ سَنَةٍ، فيكون الجميعُ ألْفًا، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ باعتبارِ النُّزُولِ وباعتبارِ العُرُوجِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لماذا خَصَّ السَّماء الدُّنيا؟ فالجوابُ: لأنه قال: ﴿مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾؛ لأنَّه لو كان الأَمْر في السَّماء السَّابِعَة مثلًا؛ فليست هذه المدَّة إذا جعلنا بين كلِّ سماء إلى سماء خَمْسَ مئة عامٍ، وكِثَفَ كُلِّ سماءٍ خَمْسَ مئَةِ عامٍ، كلُّ عامٍ يكون أكْثَرَ من هذا؛ فإن مَسافةَ ما بَيْن السَّمواتِ كما جاءَ في الحديثِ: أنَّ كِثَف كُلِّ سماءٍ خَمْسُ مئَةٍ عام، وما بين السَّماءِ والأَرْضِ: خمسُ مئَةِ عامٍ (٢). وقوله : ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ هل لا بدَّ أن يكون في يومٍ كامِلٍ

стр. 32

أو في للظَّرْفِيَّة ولا تقتضي الإستيعابَ؟ الجوابُ: أنَّ (في) للظَّرْفِيَّة ولا تَسْتَلْزِمُ الإستيعابَ؛ يعني: ليس بلازِمٍ أنَّ الأَمْرَ يَنْزِلُ مثلًا عند صلاة الفجر ولا يَعْرُج إلا في الغروب؛ فقد يَنْزِلُ ويَعْرُج في لحظَةٍ حسب ما أراد الله ؛ لأنَّ (في) لا تقتضي الإستيعابَ، فإذا قُلْتَ: (زُرْتُكَ في يَوْمِ الأَحَدِ) فلا يقتضي أن تكون الزِّيارَةُ مُسْتَوْعِبَةً لجميع اليوم، ولكن في وَقْتٍ من هذا اليوم، فإذن ﴿فِي يَوْمٍ﴾ أي: في وقْتٍ من هذا اليَوْمِ، وهذا اليَوْمُ كان مِقْدارُهُ ألْفَ سنة ممَّا تعدُّون. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: في هذه الآية دليلٌ على كمالِ سُلْطان الله ؛ حيث جعل تدبيرَ الأمورِ إليه، ﴿يُدَبِّرُ﴾ هو؛ ففيه كمال السُّلْطان، وأنَّ الكمال له وَحْدَه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: رَدٌّ على القَدَرِّية، الذين يدَّعُون أنَّ أَمْرَ الإنسان مستَقِلٌّ به؛ لأننا نقول: إنَّ فِعْلَ الإنسان من الأمور، والذي يُدَبِّرُه هو الله . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وفيه دليلٌ لقَوْلِ الجَبْرِيَّةِ! فالجوابُ أن نقول: لكنْ هناك آياتٌ تدلُّ على أنَّ الإنسانَ فاعلٌ بالإختيارِ؛ لقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] وفي قوله : ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] وقوله : ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢] وما أشبه ذلك؛ فكلُّها تدلُّ على أن للإنسان إرادةً واختيارًا. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات عُلُوِّ الله ؛ من قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ

стр. 33

إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ فقوله تعالى: ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ هذا النُّزُولُ، وقوله : ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ هذا الصُّعودُ، ولا نُزُولَ إلا من عالٍ، ولا صعود إلا إلى عالٍ، فيُستفادُ عُلُوُّ الله تعالى من الجملتين جميعًا؛ يعني كل واحدة على انفراد. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ أَمْرَ الله شامِلٌ للسَّماء والأرض؛ لأنَّه إذا كان يُدَبِّرُ الأَمْرَ من السَّماء إلى الأرض، فالسَّماءُ من باب أولى؛ فالسَّماء أَقْرَبُ إليه. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ هذا التَّدْبير الذي يكون بلحظة: في يومٍ مقدارُه ألْفُ سَنَةٍ: نزولٌ وعروجٌ يكون هذا بلحْظَةٍ؛ لأنَّ الله يقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وهذا يدلُّ على كمال نفوذِ إرادَةِ الله وأنَّه لا يَمْنَعُها بُعْدٌ. * * *

стр. 34

الآية (٦) * قالَ الله : ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة: ٦]. * * * قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ قال ﵀: [﴿ذَلِكَ﴾ الخالِقُ المدَبِّرُ] وأتى باسْمِ الإشارَةِ الدَّالَة على البُعْد؛ لِعِظَمِ شأنِهِ وعُلُوِّهِ ﵎، وقوله [الخالِقُ المدَبِّرُ] الذي تقدم من الصِّفاتِ: الخالِق، المستوي على عَرْشِه، المدَبِّر لخَلْقِه. والإستواءُ على عرشه من أَهَمِّ ما يكونُ في هذا المقامِ؛ لأنَّه مع عُلُوِّه لا يخفى عليه ما غاب ولا ما شُوهِدَ، فكان ينبغي أن يَذْكُرَه المُفَسِّر مع هذا. فهو الخالِقُ، وهو المدَبِّر، وهو المُسْتَوِي على عَرْشِه، ومع عُلُوِّه واسْتِوَائه على عَرْشِه لا يخفى عليه شيءٌ، ومع خَلْقِه أيضًا وتَدْبيرِهِ لا يخفى عليه شيءٌ، ولهذا الرَّبُّ أعلَمُ منك بنفسِكَ؛ لأنَّه هو الخالِقُ، فهو الذي خلق جِسْمَك، وهو الذي يُنمِّيه، وإذا نَما الجِسْمُ بمقدارِ ذرَّةٍ، فإنَّ الله تعالى قد خلق هذا النُّمُوَّ، وأنت لا تَشْعُرُ بما ينمو في جِسْمِك بمقدارِ ذرَّةٍ. إِذَن: فالله أعْلَمُ منك بنَفْسِك؛ لأنَّه الخالِقُ وهو المدَبِّرُ، وهو المستوي على عَرْشِه. قوله ﵀: [﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: ما غاب عن الخَلْقِ وما حَضَرَ] الغَيْبُ: ما غاب عن الخَلْق، وهو نوعان: غَيْبٌ مُطْلَقٌ لا يَعْلَمُه إلا الله، وغَيْبٌ نِسْبِيٌّ؛

стр. 35

بحيث يكون غائبًا عن شَخْصٍ غيرَ غائبٍ عن آخَرَ، والمراد كلاهما؛ فالله يَعْلَمُ ما غاب عن الخَلْقِ غَيْبًا مُطْلقًا بحيث لا يَعْلَمُه أحدٌ، وما غاب عنهما غيبًا نسبيًّا؛ فمثلًا الآن الذي في الشَّارِعِ غائِبٌ عنَّا لا نعلمه، لكنَّ الذين هناك يَعْلَمُونه، وما هنا نحن نَعْلَمُه، وهم لا يَعْلَمُونه؛ فهذا الغَيْبُ النِّسْبيُّ؛ أما عِلْمُ المستَقْبَلِ، وما يكون مِمَّا لم يُخْبِرْنا الله به، فإنه غَيْبٌ مُطْلَقٌ. وقوله : ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ الشَّهادة يقول ﵀ إنَّها الحُضُورُ؛ لأنَّ (شَهِدَ) بمعنى حضر وبمعنى أخبر؛ فلها معانٍ، فهنا المرادُ بالشَّهادةِ الحاضِرُ، فهو يَعْلَمُ الغائِبَ والحاضِرَ . وقوله ﵀: [﴿الْعَزِيزُ﴾ المَنيعُ في مُلْكِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ بأَهْلِ طاعَتِهِ] ﴿الْعَزِيزُ﴾ فسَّرَه المُفَسِّر بأنه [المنيعُ في مُلْكِهِ] ودائمًا يمر علينا في تفسيرِ المُفَسِّر نفسه فيقول: العزيزُ بمعنى الغالِب، وقد سبق لنا: أنَّ العزيزَ هو منِ اتَّصَفَ بالعِزَّة، وأنَّ العِزَّةَ ثلاثَةُ معانٍ: عِزَّةُ القَدْرِ، وعِزَّةُ القَهْرِ، وعِزَّةُ الإمتناعِ. فإذا قُلْتَ: هذا الشَّيءُ عزيزٌ؛ بمعنى أنه ذو قَدْرٍ، كما يقول قائِلٌ لأخيه: أنت عزيزٌ عندي؛ يعني: لك قَدْرٌ عندي ومَنْزِلَةٌ، وعزيزُ القَهْرِ؛ كما يُقال: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣] يعني: تَقْهَرُ به الأَعْداءَ. والثَّالث: عِزَّة الإمْتِناعِ، وهذا كما يُقال في الأشياء النَّادِرَة: هذا عزيزٌ، وكما في قوله : ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] أي: بمُمْتَنِعٍ. فمعنى الإمتناع باعتبارِ كوْنِهِ صفةً لله: أنه يَمْتَنِعُ أن يناله نَقْصٌ في ذاتِهِ أو صِفاتِهِ؛ ولهذا يقول المُفَسِّر هنا [المنيعُ في مُلْكِه] فلا يَلْحَقُه نقصٌ لا في ذاتِهِ ولا في صفاتِهِ.

стр. 36

وأمَّا قوله [﴿الرَّحِيمُ﴾ بأهْلِ طاعَتِهِ] فكأنه أخذ هذا التَّخصيصَ من قوله : ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] والصَّوابُ: أنَّ الرَّحيمَ هو مَن رَحِمَ غيرَه، وَيشْمَل المؤمنينَ وغيرَ المُؤمنينَ، ولكنَّه إذا قيل: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فالمراد بالرَّحيمِ هنا الرَّحمةُ الخاصَّةُ، أمَّا إذا أُطْلِقَ فهو رحيمٌ بالخَلْقِ كُلِّهِمْ، قال : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] فهؤلاء الكُفَّارُ هل الله رَحِمَهُم؟ الجوابُ: نعم، بالمعنى العامِّ رَحِمَهُم؛ فهو تعالى يُنْزِلُ عليهم المَطَرَ ويُنْبِتُ لهم النَّبات ويُعْطيهم الرِّزْقَ والصِّحَّة، وغير ذلك، لكن هذه رَحْمَةٌ عامَّة. أما رَحْمَتُه بالمؤمنينَ فهي رحمةٌ عامَّة وخاصَّة. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ عمومِ عِلْمِ الله؛ لقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ هذين الإسمينِ من أسمائه: العزيز الرَّحيم، وما تضَمَّناه من الصِّفَة وهي العِزَّة والرَّحمة، وكمالُ عِزَّته ورَحْمَته باجتماعهما: أنه مع كونه عزيزًا قاهرًا غالِبًا فهو أيضًا رحيمٌ؛ لأنَّ بعض الأَعِزَّاء إذا عَزَّ لا يَرْحَم، وبعض الرُّحَماءِ تَصِلُ به الرَّحْمةُ إلى أن يكون في مقامِ الذُّلِّ؛ فهو جامِعٌ بين العِزِّ والرَّحْمَةِ، وهذا من كماله؛ يعني: الجمعُ بين العِزَّة والرَّحمة فيه كمالٌ أكثَرُ من إثباتِ العِزَّة والرَّحْمة، وهو: أنَّ رَحْمَتَه مقرونَةٌ بعِزٍّ ليست رحمةَ ذلٍّ، وأنَّ عِزَّته أيضًا مقرونَةٌ برَحْمَةٍ ليست عِزَّةَ جَبَروتٍ لا رحْمَةَ فيها. * * *

стр. 37

الآيات (٧ - ٩) * قالَ الله : ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٧ - ٩]. * * * قوله ﵀: [﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بفتح اللام فعلًا ماضيًا؛ صِفَةٌ، وبِسُكُونها بدلُ اشْتِمالٍ] "الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ" القراءَةُ الثَّانية سَبْعِيَّةٌ؛ فعلى القِراءَةِ الأُولى ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ الجُمْلَة فعليَّة صِفَةٌ لشَيْءٍ؛ وعلى القِراءَةِ الثَّانية: "الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ" يقول: [بَدَلُ اشتمال] ويكون المعنى: الَّذي أَحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ؛ لأنَّه سَبَقَ لنا أن القاعِدَةَ في بدلِ الإشتمالِ: أنه يَصِحُّ إضافَتُهُ إلى المُبْدَلِ منه؛ تقول: نَفَعَنِي زَيْدٌ عِلْمُهُ؛ فتقول: نفعني عِلْمُ زَيْدٍ، وتقول: أَعْجَبَنِي زَيْدٌ فَهْمُهُ؛ أي: فَهْمُ زَيْدٍ، وتقول: اشْتَرَيْتُ زَيْدًا ثَوْبَهُ؛ أي: ثَوْبَ زَيْدٍ، هذا بدلُ الإشتمالِ، فإنَّه يصِحُّ أن يُضافَ إلى المُبْدَلِ منه؛ على أنَّه يُحْتَمَلُ أنْ تكون (ثَوْبَه) بَدَلَ غَلَط، كأنَّه أراد أن يقول: اشْتَريتُ ثَوْبَ زَيْدٍ، فقال: اشتريتُ زيدًا ثوبَه. فهنا نقول قوله : "الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ" يعني: الذي أَحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شيءٍ، والمعنى أنَّه هو الخالِقُ، وأنَّ كلَّ شيء خَلَقَه فقد أَحْسَنَه، ولكنَّ هذا الإحسان يتفاوَتُ؛ ففي الآدَمِيِّ يقول : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ

стр. 38

فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الإنفطار: ٧] أحسن خِلْقَة من الحيواناتِ هو الآدميُّ، ولكِنْ مع ذلك كلُّ شيءٍ له خِلْقَة تُناسِبُه وهي بالنِّسْبة إليه حَسَنَةٌ، ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢] الحَمُولَةُ: ما يُحْمَلُ عليه، والفَرْشُ ما لا يُحْمَلُ عليه، كلُّ شيءٍ من هذا وهذا فإنَّه قد خُلِقَ على أَحْسَنِ ما يكون وأَنْسَبِ ما يكون لِمَا خُلِقَ له. قوله : ﴿وَبَدَأَ﴾ يعني: ابتدأه، وقوله تعالى: ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ هل المرادُ الجِنْسُ أو المراد العَيْنُ؛ بدأ خلق الإنسان؟ المُفَسِّر مشى على المراد العَيْن، وهو الإنسان المُعَيَّنُ وهو آدم، ويُحْتَمَل أن يكون المرادُ به الجِنْسَ، وبدأ خلْق الإنسان؛ لأنَّ آدَمَ من الإنسان فإن الله بيَّن أنَّ ابتداء خلق هذا الإنسان أَصْلُه من الطِّينِ، وفَرْقٌ بين قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ وبين: ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ فإنَّ الأخيرة أَبْيَنُ في كون المرادِ به شيئًا فشخصًا مُعَيَّنًا بخلاف (بدأ). على كلِّ حالٍ: فالآيةُ مُحْتَمِلَة أن يكون آدَمَ أو أن يكون المرادُ به الجِنْسَ، على القول: أنه آدم نمشي. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أي: نَسْلَ الإنسانِ الذي ابتدأ من الطِّينَ؛ جعَلَ نَسْلَهُ يقول: [ذُرِّيَّتَه]؛ لأن النَّسْلَ بمعنى الإنفصالِ؛ كما في قوله : ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] أي: يَنْفَصِلونَ مُسْرعينَ، فالنَّسْلُ هو الذُّرِّيَّة؛ لأنَّها ناسِلَةٌ من أبيها؛ أي: مُنْفَصِلَة من سُلالَةٍ من ماءٍ مَهينٍ. وقوله : ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ من ما: هذه صِفَةٌ لسُلالَةٍ؛ سلالَة من الماء، والغريبُ أن المُفَسِّر فسَّر السُّلالَة بـ[العَلَقَة] وليس كذلك، بل السُّلالَة: الخالِصُ من الشَّيء؛ فسلالةُ الشَّيء خالِصُه الذي يسَل منه، فقوله تعالى: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾

стр. 39

أي: من خالصٍ من هذا الماء؛ لأنَّ الماء بإذن الله الذي هو المنيُّ يشتمل على حيواناتٍ منويَّة؛ منها يُخْلَقُ الإنسانُ، فهذه النُّطْفَة بمنزلة القُمْقُم في الرَّحِم؛ يعني: فيها نُمُوُّ الحيوانات المنويَّة، فهذا هو السُّلالَة. وقوله تعالى: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ صِفَةٌ لـ ﴿سُلَالَةٍ﴾ فإن هذه السُّلالة من هذا الماء. وقد يُقال: لماذا لا تجعلون ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ بيانًا لقوله تعالى: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ يعني: من سُلالَةٍ هِيَ الماءُ المهينُ؟ نَقُول: هذا خلافُ الظَّاهِرُ، والظَّاهِرُ: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ من هذا الماء، والماءُ المَهينُ يكون ضعيفًا وهو النُّطْفَة، ووُصِفَ بأنه ضعيفٌ؛ لأنه لا يسيلُ سَيَلانَ الماءِ فهو يَسيلُ بِبُطْء، والماءُ أقوى منه سَيَلَانًا؛ ولهذا قال: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ لأنَّ الماءَ الغليظَ ليس مِثْلَ الماءِ الَّذي ليس فيه غِلْظَةٌ. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ إذا مشَيْنا على ما قال المُفَسِّر ففيه إشكالٌ كبيرٌ, وهو أنَّه يقتضي أنَّ تَسْويةَ آدَمَ بعد جعْلِ السُّلالَةِ من ماءٍ مهينٍ. وهذا خِلافُ الواقِعِ؛ يعني: تَسْوِيَة آدَمَ قبل أن تكونَ سلالَتُه من ماءٍ مهينٍ، فما هو الجوابُ عن هذا؟ الجوابُ من أحد وَجْهَيْنِ: إمَّا أن يُقالَ: إنَّ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ هذه جُمْلَة مُعْتَرِضَةٌ لبيانِ أنَّ آدَمَ الذي كان من طينٍ كان نَفْسُه من السُّلالَةِ، ثم عاد إلى آدَمَ فقال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾، وإمَّا أن يُقالَ: إنَّ هذا من بابِ التَّرتيبِ الذِّكْريِّ، وليس من باب التَّرتيبِ المَعْنَويِّ أو الوَقْتيِّ، والتَّرتيبُ الذِّكْريُّ موجودٌ في كلام العَرَبِ، ومنه قولُ الشَّاعِر:

стр. 40

إنَّ مَنْ سادَ ثُمَّ سادَ أَبُوهُ ... ثُمَّ سادَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ جَدَّه (١) وهذا التَّرتيبُ على خلافِ الواقِعِ، هذا أحَدُ الوَجْهَينِ. وأمَّا إذا قُلْنَا: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ أي: النَّفْخ ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ كما قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرينَ، فالآيَةُ على التَّرتيبِ ليس فيها إشكالٌ، لكنْ هذا القولُ فيه إشكالٌ في قوله تعالى: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ فإنَّ هذا الوَصْفَ خاصٌّ بآدَمَ؛ كما قال موسى له وهو يُحاجُّه: "أَنْتَ الَّذِي عَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَرْسَلَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ" (٢)، فظاهِرُه أنَّ هذا خاصٌّ بآدَمَ. ولهذا، الوَجْهُ الأَوَّلُ أَوْلَى من هذا الوَجْهِ، وإن كان الوَجْهُ الأوَّلُ له قُوَّةٌ من حيث الترتيبُ بـ (ثُمَّ) لكنْ من حيث إنَّ نَفْخَ الرُّوحِ ما كان إلا في آدَمَ وفي عيسى كما هو معلومٌ، فإنَّه يدلُّ على أنَّ المرادَ بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ المراد به آدمُ، ويكون عَوْدًا على بَدْءٍ. وقوله تعالى: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ كَلِمَةُ ﴿مِنْ رُوحِهِ﴾ مضافةٌ إلى الله، وفيها إشكالٌ؛ إذ إنَّ ظاهِرَها أنَّ آدمَ فيه شيءٌ من رُوحِ الله، فيكون جزءًا من الله، وهذا شيءٌ مُمْتْنِع مستحيلٌ، فمعنى الإضافَةِ إذن: إضافَة خَلْقٍ وتَشْريفٍ؛ كما قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ بيتي، وهل الكَعْبَةُ بيتٌ لله يَسْكُنُه؟ الجوابُ: لا، لكنَّه بيتٌ أضافَهُ الله لنَفْسِهِ على سبيلِ التَّشْريفِ والتَّعظيمِ،
следующие страницы →