وأمَّا قوله [﴿الرَّحِيمُ﴾ بأهْلِ طاعَتِهِ] فكأنه أخذ هذا التَّخصيصَ من قوله : ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] والصَّوابُ: أنَّ الرَّحيمَ هو مَن رَحِمَ غيرَه، وَيشْمَل المؤمنينَ وغيرَ المُؤمنينَ، ولكنَّه إذا قيل: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فالمراد بالرَّحيمِ هنا الرَّحمةُ الخاصَّةُ، أمَّا إذا أُطْلِقَ فهو رحيمٌ بالخَلْقِ كُلِّهِمْ، قال : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] فهؤلاء الكُفَّارُ هل الله رَحِمَهُم؟
الجوابُ: نعم، بالمعنى العامِّ رَحِمَهُم؛ فهو تعالى يُنْزِلُ عليهم المَطَرَ ويُنْبِتُ لهم النَّبات ويُعْطيهم الرِّزْقَ والصِّحَّة، وغير ذلك، لكن هذه رَحْمَةٌ عامَّة.
أما رَحْمَتُه بالمؤمنينَ فهي رحمةٌ عامَّة وخاصَّة.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ عمومِ عِلْمِ الله؛ لقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ هذين الإسمينِ من أسمائه: العزيز الرَّحيم، وما تضَمَّناه من الصِّفَة وهي العِزَّة والرَّحمة، وكمالُ عِزَّته ورَحْمَته باجتماعهما: أنه مع كونه عزيزًا قاهرًا غالِبًا فهو أيضًا رحيمٌ؛ لأنَّ بعض الأَعِزَّاء إذا عَزَّ لا يَرْحَم، وبعض الرُّحَماءِ تَصِلُ به الرَّحْمةُ إلى أن يكون في مقامِ الذُّلِّ؛ فهو جامِعٌ بين العِزِّ والرَّحْمَةِ، وهذا من كماله؛ يعني: الجمعُ بين العِزَّة والرَّحمة فيه كمالٌ أكثَرُ من إثباتِ العِزَّة والرَّحْمة، وهو: أنَّ رَحْمَتَه مقرونَةٌ بعِزٍّ ليست رحمةَ ذلٍّ، وأنَّ عِزَّته أيضًا مقرونَةٌ برَحْمَةٍ ليست عِزَّةَ جَبَروتٍ لا رحْمَةَ فيها.
* * *
стр. 37
الآيات (٧ - ٩)
* قالَ الله : ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٧ - ٩].
* * *
قوله ﵀: [﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بفتح اللام فعلًا ماضيًا؛ صِفَةٌ، وبِسُكُونها بدلُ اشْتِمالٍ] "الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ" القراءَةُ الثَّانية سَبْعِيَّةٌ؛ فعلى القِراءَةِ الأُولى ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ الجُمْلَة فعليَّة صِفَةٌ لشَيْءٍ؛ وعلى القِراءَةِ الثَّانية: "الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ" يقول: [بَدَلُ اشتمال] ويكون المعنى: الَّذي أَحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ؛ لأنَّه سَبَقَ لنا أن القاعِدَةَ في بدلِ الإشتمالِ: أنه يَصِحُّ إضافَتُهُ إلى المُبْدَلِ منه؛ تقول: نَفَعَنِي زَيْدٌ عِلْمُهُ؛ فتقول: نفعني عِلْمُ زَيْدٍ، وتقول: أَعْجَبَنِي زَيْدٌ فَهْمُهُ؛ أي: فَهْمُ زَيْدٍ، وتقول: اشْتَرَيْتُ زَيْدًا ثَوْبَهُ؛ أي: ثَوْبَ زَيْدٍ، هذا بدلُ الإشتمالِ، فإنَّه يصِحُّ أن يُضافَ إلى المُبْدَلِ منه؛ على أنَّه يُحْتَمَلُ أنْ تكون (ثَوْبَه) بَدَلَ غَلَط، كأنَّه أراد أن يقول: اشْتَريتُ ثَوْبَ زَيْدٍ، فقال: اشتريتُ زيدًا ثوبَه.
فهنا نقول قوله : "الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ" يعني: الذي أَحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شيءٍ، والمعنى أنَّه هو الخالِقُ، وأنَّ كلَّ شيء خَلَقَه فقد أَحْسَنَه، ولكنَّ هذا الإحسان يتفاوَتُ؛ ففي الآدَمِيِّ يقول : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ
стр. 38
فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الإنفطار: ٧] أحسن خِلْقَة من الحيواناتِ هو الآدميُّ، ولكِنْ مع ذلك كلُّ شيءٍ له خِلْقَة تُناسِبُه وهي بالنِّسْبة إليه حَسَنَةٌ، ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢] الحَمُولَةُ: ما يُحْمَلُ عليه، والفَرْشُ ما لا يُحْمَلُ عليه، كلُّ شيءٍ من هذا وهذا فإنَّه قد خُلِقَ على أَحْسَنِ ما يكون وأَنْسَبِ ما يكون لِمَا خُلِقَ له.
قوله : ﴿وَبَدَأَ﴾ يعني: ابتدأه، وقوله تعالى: ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ هل المرادُ الجِنْسُ أو المراد العَيْنُ؛ بدأ خلق الإنسان؟ المُفَسِّر مشى على المراد العَيْن، وهو الإنسان المُعَيَّنُ وهو آدم، ويُحْتَمَل أن يكون المرادُ به الجِنْسَ، وبدأ خلْق الإنسان؛ لأنَّ آدَمَ من الإنسان فإن الله بيَّن أنَّ ابتداء خلق هذا الإنسان أَصْلُه من الطِّينِ، وفَرْقٌ بين قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ وبين: ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ فإنَّ الأخيرة أَبْيَنُ في كون المرادِ به شيئًا فشخصًا مُعَيَّنًا بخلاف (بدأ).
على كلِّ حالٍ: فالآيةُ مُحْتَمِلَة أن يكون آدَمَ أو أن يكون المرادُ به الجِنْسَ، على القول: أنه آدم نمشي.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أي: نَسْلَ الإنسانِ الذي ابتدأ من الطِّينَ؛ جعَلَ نَسْلَهُ يقول: [ذُرِّيَّتَه]؛ لأن النَّسْلَ بمعنى الإنفصالِ؛ كما في قوله : ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] أي: يَنْفَصِلونَ مُسْرعينَ، فالنَّسْلُ هو الذُّرِّيَّة؛ لأنَّها ناسِلَةٌ من أبيها؛ أي: مُنْفَصِلَة من سُلالَةٍ من ماءٍ مَهينٍ.
وقوله : ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ من ما: هذه صِفَةٌ لسُلالَةٍ؛ سلالَة من الماء، والغريبُ أن المُفَسِّر فسَّر السُّلالَة بـ[العَلَقَة] وليس كذلك، بل السُّلالَة: الخالِصُ من الشَّيء؛ فسلالةُ الشَّيء خالِصُه الذي يسَل منه، فقوله تعالى: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ﴾
стр. 39
أي: من خالصٍ من هذا الماء؛ لأنَّ الماء بإذن الله الذي هو المنيُّ يشتمل على حيواناتٍ منويَّة؛ منها يُخْلَقُ الإنسانُ، فهذه النُّطْفَة بمنزلة القُمْقُم في الرَّحِم؛ يعني: فيها نُمُوُّ الحيوانات المنويَّة، فهذا هو السُّلالَة.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ صِفَةٌ لـ ﴿سُلَالَةٍ﴾ فإن هذه السُّلالة من هذا الماء.
وقد يُقال: لماذا لا تجعلون ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ بيانًا لقوله تعالى: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ يعني: من سُلالَةٍ هِيَ الماءُ المهينُ؟
نَقُول: هذا خلافُ الظَّاهِرُ، والظَّاهِرُ: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ من هذا الماء، والماءُ المَهينُ يكون ضعيفًا وهو النُّطْفَة، ووُصِفَ بأنه ضعيفٌ؛ لأنه لا يسيلُ سَيَلانَ الماءِ فهو يَسيلُ بِبُطْء، والماءُ أقوى منه سَيَلَانًا؛ ولهذا قال: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ لأنَّ الماءَ الغليظَ ليس مِثْلَ الماءِ الَّذي ليس فيه غِلْظَةٌ.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ إذا مشَيْنا على ما قال المُفَسِّر ففيه إشكالٌ كبيرٌ, وهو أنَّه يقتضي أنَّ تَسْويةَ آدَمَ بعد جعْلِ السُّلالَةِ من ماءٍ مهينٍ. وهذا خِلافُ الواقِعِ؛ يعني: تَسْوِيَة آدَمَ قبل أن تكونَ سلالَتُه من ماءٍ مهينٍ، فما هو الجوابُ عن هذا؟
الجوابُ من أحد وَجْهَيْنِ: إمَّا أن يُقالَ: إنَّ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ هذه جُمْلَة مُعْتَرِضَةٌ لبيانِ أنَّ آدَمَ الذي كان من طينٍ كان نَفْسُه من السُّلالَةِ، ثم عاد إلى آدَمَ فقال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾، وإمَّا أن يُقالَ: إنَّ هذا من بابِ التَّرتيبِ الذِّكْريِّ، وليس من باب التَّرتيبِ المَعْنَويِّ أو الوَقْتيِّ، والتَّرتيبُ الذِّكْريُّ موجودٌ في كلام العَرَبِ، ومنه قولُ الشَّاعِر:
стр. 40
إنَّ مَنْ سادَ ثُمَّ سادَ أَبُوهُ ... ثُمَّ سادَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ جَدَّه (١)
وهذا التَّرتيبُ على خلافِ الواقِعِ، هذا أحَدُ الوَجْهَينِ.
وأمَّا إذا قُلْنَا: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ أي: النَّفْخ ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ كما قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرينَ، فالآيَةُ على التَّرتيبِ ليس فيها إشكالٌ، لكنْ هذا القولُ فيه إشكالٌ في قوله تعالى: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ فإنَّ هذا الوَصْفَ خاصٌّ بآدَمَ؛ كما قال موسى له وهو يُحاجُّه: "أَنْتَ الَّذِي عَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَرْسَلَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ" (٢)، فظاهِرُه أنَّ هذا خاصٌّ بآدَمَ.
ولهذا، الوَجْهُ الأَوَّلُ أَوْلَى من هذا الوَجْهِ، وإن كان الوَجْهُ الأوَّلُ له قُوَّةٌ من حيث الترتيبُ بـ (ثُمَّ) لكنْ من حيث إنَّ نَفْخَ الرُّوحِ ما كان إلا في آدَمَ وفي عيسى كما هو معلومٌ، فإنَّه يدلُّ على أنَّ المرادَ بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ المراد به آدمُ، ويكون عَوْدًا على بَدْءٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ كَلِمَةُ ﴿مِنْ رُوحِهِ﴾ مضافةٌ إلى الله، وفيها إشكالٌ؛ إذ إنَّ ظاهِرَها أنَّ آدمَ فيه شيءٌ من رُوحِ الله، فيكون جزءًا من الله، وهذا شيءٌ مُمْتْنِع مستحيلٌ، فمعنى الإضافَةِ إذن: إضافَة خَلْقٍ وتَشْريفٍ؛ كما قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ بيتي، وهل الكَعْبَةُ بيتٌ لله يَسْكُنُه؟
الجوابُ: لا، لكنَّه بيتٌ أضافَهُ الله لنَفْسِهِ على سبيلِ التَّشْريفِ والتَّعظيمِ،
стр. 41
وكما قال : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] وكما قال : ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣] فهذه الإضافَةُ على سبيلِ التَّشْريفِ والتَّعْظيمِ لهذا الشَّيْء.
وقوله ﵀: [﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ أَيْ: جَعَلَهُ حَيًّا حَسَّاسًا بَعْد أَنْ كَانَ جَمَادًا].
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ﴾ هذا الْتِفاتٌ من الغَيْبة إلى الخطابِ؛ فإنَّه بدأ خَلْقَ الإنسانِ من طينٍ، ثم جعل نَسْلَه، كلُّ هذا غَيْبَةٌ، ثم سوَّاه: غَيْبة، ونَفَخ فيه من روحه: هذا غَيْبَة؛ ثم قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ هذا خِطابٌ.
والإلتفاتُ له فوائِدُ:
الفائِدةُ الأُولَى: تنبيهُ المُخاطَب؛ لأنَّ الكلامَ إذا كان على وتيرة واحِدَة؛ ما حَصَل تَنَقُّلٌ، لكن إذا اختلف يَحْصُلُ التنقُّلُ سواء اختلف بعَوْدِ الضَّمائِرِ؛ كالإنتقالِ من الغَيْبَة إلى الخطاب أو بالعَكْس، أو اخْتَلَف في شِدَّةِ الصَّوْت، فعندما يكون الإنسانُ كلامُه هادئًا على وَتيرَةٍ واحِدَةٍ لا يكون هناك انْتِباهٌ، لكن لو أتى بِزَجْرٍ في بعض الأَحْيانِ يَحْصُل الإنتباهُ؛ فالإلتفاتُ أو تغيُّر الخطابِ؛ كُلُّه يَحْصُلُ به الإنْتِباهُ.
والفائِدَة الثانِيَة: تكونُ حَسَبَ السِّيَاق؛ إمَّا مثلًا الزيادَةُ في التَّوبيخِ، أو الزِّيادَة في بيان النِّعْمَةِ، وما أشبه ذلك حَسَبَ السِّياقِ.
وقوله : ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ قال ﵀: [﴿لَكُمُ﴾ أي: لِذُرِّيَّتِه]، فالخطابُ لا شكَّ أنه للذُّرِّيَّة كما قال المُفَسِّر.
وقوله : ﴿السَّمْعَ﴾ قال المُفَسِّر [بمعنى الأَسْماعِ] وأوَّلَها إلى الأَسْماعِ؛
стр. 42
لأن ﴿لَكُمُ﴾ خطاب لِجَمْع، وإذا كان الخطابُ لجمْعٍ لَزِمَ أن يكون السَّمْعُ لكُلِّ واحِدٍ، فيكون جمعًا.
قال أهلُ اللُّغَة: وإنَّما أَفْرد السَّمْعَ وجَمَعَ الأبصار؛ لأنَّ السَّمْعَ مَصْدَرُ سَمِعَ يَسْمَعُ سَمْعًا، والمصدَرُ لا يُجمَعُ ولا يُثَنَّى، وإنَّما يبقى مُفردًا ويكون مُرادًا به الجِنْس، والأبصارُ جَمْعُ بَصَرٍ، وهو القوَّة الباصِرَة وليس مصدرًا؛ لأنَّ المَصْدَرَ إبصارٌ؛ أَبْصَرَ يُبْصِرُ إبصارًا؛ ولهذا جَمَع؛ حيث إنَّ المرادَ به الجِنْسُ.
وقوله : ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ الأفْئِدَة يعني [القلوب]، فذكر الله طريقَ الفَهْم ومكانَ الفَهْم؛ فطريقُ الفَهْمِ هو السَّمْعُ والبَصَر؛ ومَحَلُّ الفَهْم والوَعْي هو القَلْبُ؛ ولهذا يكون السَّمْعُ والبَصَرُ كقَنَاتَيْنِ تَصُبَّان في القَلْب، فيتلقَّى ما يَسْمَع أو يُبْصِر ثم يَصبَّان في القلب، وهو مَحَلُّ الوعي والإدراك.
ولماذا لم يَذْكُرِ الشَّمَّ والذَّوْق واللَّمْسَ؟
الجوابُ: لأنَّ الإتِّعاظَ بالآياتِ يكون بالسَّمْعِ والبَصَر، وبدأ بالسَّمْعِ؛ لأنَّه أَشْمَلُ وأعَمُّ؛ لأنك تَسْمَعُ ما لا تراه، ولما كان أشْمَلَ وأعَمَّ كان الإبتلاء به - والحمد لله - أقَلَّ، لو نَسَبْت الشَّمَّ إلى العمى لوجدْتَ النِّسْبَةَ قليلةً؛ لأنَّ الصَّمَمَ أَشَدُّ، فوجود السَّمْع أهَمُّ.
وقوله : ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀ [﴿قَلِيلًا مَا﴾ ما: زَائِدَة مُؤَكِّدَة لِلْقِلَّةِ] ﴿قَلِيلًا﴾ مفعولٌ مُطْلَق يعني: تشكرون شُكْرًا قليلًا؛ يعني: مع هذه النِّعَم التي ساقها الله منذ ابْتَدَأ خَلْقَ الإنسانِ إلى انتقالِهِ في الأَرْحام إلى خُرُوجه بالسَّمْع والبَصَر والقلب؛ مع هذه النِّعَم العظيمَةِ فالشُّكْرُ قليلٌ؛ أي:
стр. 43
تَشْكرونَ شُكْرًا قليلًا.
و(ما) هذه يقول المفسر ﵀: [زائِدَةٌ مُؤَكِّدَة للقِلَّة] وهذا معروفٌ حتى في الأساليب العُرْفِيَّة الآن؛ تقول: (قليلًا ما ... ) يعني: توكيدٌ لهذه القِلَّة، فـ (ما) زائِدَةٌ.
من فوائد الآيات الكريمة:
يُسْتَفاد من قَوْلهِ تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: كمالُ خَلْقِ الله تعالى؛ لأنه أَحْسَنَه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ كلَّ مخلوقٍ خُلِقَ على ما يُناسِبُ حالَه، وَجْهُ الدَّلالة من الآية: أنَّه لو لم يكن الأَمْرُ كذلك لما كان إحسانُ خَلْقٍ، فإذا كان هذا كذا وضَمَمْتَها إلى آيةِ سُورَة طه وهي قوله : ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ يعني خَلْقَه المناسِبَ له، ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي: هداه لمصالحه المناسِبَة له، فلو أنَّ هناك مسابقَةً في وظيفَةٍ فلا تُسابِقُ فيه البَقَرُ؛ فليس مِن شَأْنها، لكن لو أُلْقِيَ عَلَفٌ في زاوِيةٍ من البيت تسابَقَت إليه؛ لأنَّ الله هدى كلَّ مخلوقٍ لما يناسِبُه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تكذيب النَّظَرِيَّةِ الكاذِبَة، وهي نظريَّةُ دَارون الذي يقول: إنَّ الخَلْق نشأ بالتَّطَوُّر، وأنَّ أَصْلَ الإنسان قِرْدٌ، ثم صار على طول الزَّمَنِ إنسانًا، وعلى قاعِدَتِه لا ندري ماذا سيكون الإنسانُ على طول الزَّمَنِ؟ ! ولا شكَّ أنَّ هذه النَّظَريَّة باطِلَةٌ وكُفْرٌ بالله ؛ نأخذها من قوله تعالى ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ فلا أَصْدَق من هذه الآية شَيْء.
стр. 44
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تمامُ قُدْرَته ﵎؛ حيث خَلَق هذا الإنسانَ العجيبَ في خَلْقِه وفَهْمِه وتَدْبيرِهِ وذكائِهِ من هذا الشَّيْءِ الجمادِ، وهو الطِّينُ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ أَفْعالِ الله الإختيارَّية التي تتعلَّقُ بِمَشيئَتِه؛ تُؤخَذُ من قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ﴾، فإنَّ البَدْءَ يكون عَنْ عَدَم.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الإنسانَ حادِثٌ بعد أنْ لم يكنْ؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ﴾.
و يُسْتَفاد من قَوْلهِ تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ هذا الإنسانَ الذي خُلِقَ من الطِّينِ له نَسْلٌ، وجعَلَ له نسلًا من أجل أن يبقى هذا النَّوعُ من المخلوقات؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإنسان يُخْلَقُ من المَنِيِّ؛ لقوله تعالى: ﴿نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ والسُّلالَةُ هي الخُلاصَة، والماء المَهينُ هو المنِيُّ، وعلى هذا فهو مَخْلوقٌ من مَنِيِّ الرَّجُلِ لا مَنِيِّ الأُنثى؛ لأنه ماءٌ من المَنِيِّ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَّةُ: حكمة الله لهذا الماء؛ حيث جَعَلَه على هذا الضَّعْفِ وعلى هذا النَّوْعِ من أجل حِفْظِ الحيوانِ المنويِّ؛ إذ لو كان سائلًا سُيُولَةَ الماء ما احتفظ بهذه الحيواناتِ، ولو كان غليظًا أَثْخَنَ من هذا لكان منه ضَرَرٌ على هذه الحيواناتِ، فربما تموتُ، ولكنَّ الله جعله على هذا الوَضْعِ المُناسِب.
و يُسْتَفاد من قَوْلهِ تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ... ﴾ إلى آخره:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ الله أَكْمَلَ خَلْقَ الإنسانِ؛ لقوله : ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ ويؤيِّدُ ذلك قوُله : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وقوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤].
стр. 45
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإنسانَ جِسْمٌ، ولا يكون إنسانًا إلا بالرُّوحِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: ومنها - وليس بذاك القويِّ -: أنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ؛ لأنَّها تُنْفَخُ في هذا الجِسْم البائِدِ، وهو كذلك، فإنَّ الرُّوح جِسْمٌ لكنَّها جِسْمٌ لطيف لا يُرَى، مع أنَّ الملائِكَة تَقْبِضُه وتَجْعَلُه في الحَنُوط وتَصْعَدُ به إلى السَّماء، لكن نحن لا نراه عندما تَخْرُج رُوحُ الميِّت ونحن عنده.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بيان نِعْمَةِ الله على الإنسانِ بجَعْل السَّمْع والأَبْصارِ والأَفْئِدَة التي بها إدراكُ المعقولِ وعقله؛ فإدراكُ المَعْقولِ بالسَّمْع والبَصَر، وعقله بالقَلْبِ ووَعْيه.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الإنسان قليلُ الشُّكْر؛ لقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ كما أنَّ الشَّاكِرَ قليل أيضًا، فالشاكِرُ قليلٌ والقائِمُ بالشُّكْر على الوَجْهِ المطلوبِ قليلٌ؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، والشَّاكِرُ قليلٌ؛ لأنه من حيث الأفرادُ والأشخاصُ واحِدٌ في العَشْرة، وهذا قليلٌ، ونَفْسُ الواحِدِ هذا أيضًا شُكْرُه قليلٌ، فالشَّاكِرُ قليلٌ، وشُكْرُ الشَّاكِرِ أيضًا قليلٌ.
فقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ هذا باعتبارِ شُكْرِ الشَّاكِرِ، وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ باعتبارِ الأَفْرادِ الشَّاكرينَ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: ذَمُّ من لا يَشْكُرُ؛ لقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّه ينبغي للإنسانِ أن يكون شُكْرُه على حَسَبِ النِّعْمَةِ؛ ففي السَّمْعِ يَسْتَعْمِل السَّمْعَ فيما يُقَرِّبُ إلى الله وَيمْنَعُه عما حَرَّم الله، وكذلك في البَصَر؛
стр. 46
أما القَلْبُ فيجب عليه أن يُعْرِضَ بِقَلْبِهِ عن كلِّ ما حَرَّم الله، وأن يُقْبِلَ بقَلْبِهِ على كلِّ ما أَمَر الله به.
* * *
стр. 47
الآية (١٠)
* قالَ الله : ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة: ١٠].
* * *
﴿وَقَالُوا﴾ قال المُفَسِّر [أي: مُنْكِرو البَعْثِ] قالوا: يريدونَ هذه الشُّبْهةَ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ غِبْنا فيها بأنْ صِرْنا ترابًا مُخْتَلِطًا بتُرابِها] هذا معنى ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا﴾ يعني: غِبْنا فيها وصِرْنا ترابًا كسائِرِ التُّرابِ، فإذا حصل ذلك: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ اسْتِفْهامُ إنكارٍ؛ يعني: أَنَكُونُ في خَلْقٍ جديدٍ بعد أن أَكَلَتْنَا الأرضُ وضَلَلْنا فيها؟ ! والإسْتِفْهامُ هنا إنكارِيٌّ؛ يعني: لن نكون ذلك، هذه الشُّبْهَة.
وهل هي حُجَّةٌ أم غير حُجَّةٍ؟
الجوابُ: ليست بحُجَّةٍ؛ لأنَّنا نقول: أنتم خُلِقْتُم من تراب، والذي خلقكم أوَّلًا من تراب قادِرٌ على أن يُعيدَكُم ثانيًا من هذا التُّراب؛ ولهذا جاءت هذه الآيةُ بعد ذِكْرِ خلْق الإنسانِ من طين.
وقوله تعالى: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾: (إذا) هذه شرطِيَّةٌ، جوابها مفهومٌ من الجُمْلَة بعدها؛ يعني: أإِذا ضَلَلْنا في الأرض نَنْشَأُ خَلْقًا جديدًا؟ ! وقولهم: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يعني: أَيَتَأكَّدُ أنَّنا في خلقٍ جديدٍ.
стр. 48
وَلهِذَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا كانَتِ الجُمْلةُ الإسْتِفْهامِيَّة هنا للإنكارِ، فكيفَ تأتي اللَّامُ الدَّالَّةُ على التَّوْكيدِ ﴿أَإِنَّا لَفِي﴾؟
نَقُول: المراد يُنْكِرونَ أن يتأكَّدَ ذلك، يعني: أيتَأَكَّدُ أَنَّنا في خلقٍ جديدٍ بعد أن تأْكُلَنا الأَرْضُ، وهو كقولِ إخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠].
فالمُهِمُّ: أنَّ هذا التَّأْكيدَ كأنَّهم يُنْكِرونَ ما أُكِّدَ من كَوْنِهم يُرْجَعونَ ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَفِي خَلْقٍ﴾ هل الخَلْقُ هنا بمعنى المَخْلوقِ؛ يعني: أَإِنَّا لَنكونُ في أمَّة جديدة، أو أنه مَصْدَرٌ بمعنى التَّقريبِ؛ يعني ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ﴾ أي: لأن يَخْلُقَنا الله؟
يحتمل المعنيينِ، وكلاهما صحيحٌ ولا يَتَعارضانِ، يعني أَنَكُونُ في خلقٍ جديدٍ وأمَّةٍ جديدة، أو أَنُخْلَقُ خَلقًا جديدًا بعد أن ضَلَلْنا في الأَرْض وكنَّا ترابًا؟ !
والجوابُ: وما ذلك على الله بِعَزيزٍ، فالذي أنشأَكُم من التُّرابِ قادِرٌ على أن يُعيدَكُم منه ؛ حتى لو فَنِيَ الإنسانُ كلُّه، مع أنه ورد في الحديث أنه "يَفْنَى كُلُّهُ إِلَّا عَجَبَ الذَّنَبِ" (١) فإنَّه منه يُخْلَقُ الإنسانُ كالنَّواةِ بالشَّجَرة، فيُسْتَثْنى من ذلك الأنبياءُ عليهم الصَّلاة والسَّلام؛ فإنَّ الله حرَّم على الأرضِ أن تأكُلَ أجسادَ الأنبياءِ، وهذا دليلٌ على قُدْرَة الله ، وإلَّا فالأنبياءُ بَشَرٌ؛ لأنَّهم خُلِقُوا أصلًا من ترابٍ، لكن الآن من لَحْم وعَظْم وجِلْد كسائر بني آدَمَ، ومع ذلك الأَرْضُ لا تأكُلُ منهم شيئًا أبدًا، أمَّا غير الأنبياءِ فإنَّها تأكُلُهُم، لكن قد يَحْمي الله
стр. 49
بَدَنَ بَعْضِ النَّاس لا تأكله الأَرْض؛ على نوعٍ من الكرامَةِ.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ فيها قراءَةٌ: بتحقيقِ الهَمْزَتين، وتسهيل الثانيةِ، وإدخال ألِفٍ بينهما على الوَجْهَين في الموضعَيْنِ، وحصار عجيب، وفي تحقيق الهمزتين في الموضعين فيُقْرَأ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا التَّحْقيقُ، وإدخالُ ألف بين هَمْزَتين محقَّقَتَيْنِ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا إدخالُ الأَلِف، فعندنا ثلاثَةُ ألفاتٍ؛ وتسهيل الثانية (أَيِذَا) لا تجعلها مُحَقَّقة بل بين الهمزة والياء: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ بدون ألف، وبألف ﴿أَإِذَا﴾ لا تُبَّينْ هذا، واجعلها بين الهمزة والياء، إذن فالقراءاتُ أَرْبَعٌ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ بالبعث ﴿كَافِرُونَ﴾] يعني: ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب الإبطاليِّ؛ يعني: بل الأَمْرُ ليس كما شَبَّهوا ولبَّسُوا، فهم يعلمون قُدْرَة الله لكنَّهم جاحدون: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿كَافِرُونَ﴾ و ﴿كَافِرُونَ﴾ خبرُ المبتدأِ ﴿هُمْ﴾ أي: بل هم كافرون بلقاءِ ربِّهِم أو بملاقاتِهِ. ومتى تكون الملاقاةُ؟
الجوابُ: تكون بالبَعْثِ، ومن كذَّبَ بلقاءِ الله فقد كفر بالله؛ ولهذا قال المُفَسِّر مفسِّرًا لها بالمراد لا بالمعنى؛ قال: [بالبعث] وإلَّا فهي أخصُّ من البَعْث؛ فاللِّقاءُ بمعنى الملاقاةِ ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] الإنسانُ أيُّ إنسانٍ ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] إلى آخره.
فهؤلاء الكافرونَ بلقاء الله؛ لأنَّهُم لا يؤمنون بالبَعْثِ، ومن لم يُؤْمِنْ بالبَعْث لم يؤمِنْ بلقاءِ الله.
стр. 50
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: توبيخُ هؤلاءِ المُنْكِرينَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هؤلاء المكَذِّبينَ كانوا شاكِّينَ في قُدْرَةِ الله؛ لقولهم: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا ... أَإِنَّا﴾ ويُحْتَمَل أن يكون ذلك منهم مكابَرَةً وأنَّهُم عالمِون بقُدْرَة الله، لكن يُكابِرون، ويُؤَيِّد هذا قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ يعني أنَّ الأَمْرَ واضِحٌ لكنْ هؤلاء كُفَّارٌ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تمامُ قُدْرَة الله بإعادَةِ الأَمْواتِ بعد أن غابوا في الأَرْض واضمحَلُّوا فيها، فيُنْشِئُهُم الله تعالى خلقًا جديدًا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إبطالُ قَوْلِ من يقول: إنَّ البَعْثَ إيجادٌ مِن عَدَمٍ؛ فإن هناك من يقولُ: إنَّ هذا الخَلْقَ يُعْدَم بالكُلِّيَّة ثم يُنْشَأُ من جديدٍ، وهذا قولٌ باطِلٌ؛ لأنه لو كان الأمْرُ كذلك لكان الثوابُ لمن لا يَعْمَلُ، والعُقوبة على من لم يَعْمَلْ، ولو قلنا إنَّه يُعْدَمُ بالكلِّيَّة ثم يُنْشَأُ خَلْقًا جديدًا ويُحاسَبُ، فهذا الجديدُ ليس موجودًا بالأَوَّلِ فيكون معاقَبًا على ما لم يَفْعَلْ ومُثَابًا بما لا يَفْعَلُ؛ والله تعالى قد بَيَّنَ أنَّ الإنسانَ نَفْسَه هو الذي يُعادُ وليس يُعْدَمُ ثم يُخْلَقُ من جديدٍ، ولكنَه يُعادُ، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ فلم يَقُلْ نَخْلُق غَيْرَه.
والشَّاهِدُ قَوْلُه: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ يقولون: كيفَ بعدما نَغيبُ في الأَرْضِ ونكون ترابًا كيف نُبْعَث؟ ! فدلَّ هذا على أنَّ البَعْثَ هو إعادةُ ما سَبَقَ وليس باستدعاءِ خَلْقٍ جديدٍ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ هؤلاء المُنْكِرينَ للبَعْثِ ليس عندهم حُجَّةٌ إلا مجُرَّد الكُفْرِ؛
الآية (١١)
* قالَ الله : ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١].
* * *
قوله ﵀: [﴿قُلْ﴾ لهم ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ أي: بِقَبْضِ أرواحِكُم] ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يَقْبِضُكُم، كما تقول: توفَّيتُ حقِّي من فلانٍ؛ أي: طَلَبْتُه وكذلك استوفَيْتُه؛ أي: قَبَضْتُه على سبيل الوفاء وهو الكمالُ، فمعنى يتوفَّاكُم أي يَقْبِضُكم، والمراد قَبْضُ الأَرْواح.
وقوله : ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ مَلَكٌ: مُفْرَد ملائِكَةٍ، أو مُفْرَدُ أَمْلاك، وهو مُشْتَقٌّ من الأَلُوكَةِ بمعنى الرِّسالَةِ، وعلى هذا فأصْلُه مَأْلَكٌ، ثم حُوِّل فقُدِّمَتِ اللَّام وأُخِّرَت الهمزةُ، فكانت (مَلْأَك) ثم خُفِّفَ فحُذِفَتِ الهمزةُ فصار: مَلَكًا؛ ولهذا إذا جُمِع جاءت الهمْزَة فقيل: ملائكة، ولا يقال: مَأَلِكَة؛ لأنَّ فيه إعلالًا بالتَّحويلِ؛ يعني: تقديم وتأخير وهو من الأَلُوكَة؛ أي: الرِّسالة؛ فمَلَكُ الموتِ معناه الذي أَرْسَلَه الله لقَبْضِ الأرواح؛ كما قال : ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١].
وقوله : ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ أُضِيفَ إلى الموت؛ لأنه يُميتُ النَّاسَ بإذن الله، فسُمِّيَ مَلَكَ الموت، وقد سُمِّيَ في بعض الآثارِ بعِزْرَائِيلَ، ولكنَّه لم يَصِحَّ
стр. 53
عن رسول الله ﷺ ؛ وقد صَحَّ من أسمائهم: جِبْرائِيلُ ومِيكائيلُ وإِسْرافيلُ (١) ومالِكٌ خازِنُ النَّارِ ورِضْوانُ خازِنُ الجنَّة (٢).
وعلى كلِّ حالٍ: عِزْرائيلُ لم يَثْبُت عن الرَّسُول ﵊ على الرَّغْمِ أنَّ هذا الإسم أشْهَرُ أسماءِ الملائكة عند العامَّة.
وقوله : ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ وكَّلَهُ الله ، وهذا التَّوْكيلُ ليس توكيلًا لحاجَةٍ، ولكنَّه توكيلُ سُلْطانٍ وعظمة؛ لأنَّ الرَّبَّ لا يحتاج إلى أحد يُعِينُه، وَكُلُّ من وُكِّلَ مِنَ الملائكة بشيءٍ فَلَيْسَ ذلك على سبيل الحاجَةِ، أمَّا أنا إذا وَكَّلْتُ أحدًا فقد أكون محتاجًا إلى هذا؛ لأنَّني لا أستطيع مُباشَرَةَ العمل، لكِنْ ربُّنا لا يحتاج، وإذا أراد شيئًا قال له كُنْ فيكونُ، لكنَّه يُوَكِّلُ ذلك توكيلَ سُلْطانٍ وعَظَمَة؛ لبيان سُلْطانه وعَظَمَتِه، وأنَّ كلَّ شيء في خِدْمَته ، وفي عبادته.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ أي: وَكَّلَه الله؛ إذن الله وَكيلٌ ومُوَكِّلٌ؛ قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣] ومُوَكِّلٌ كما في قوله : ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ [الأنعام: ٨٩] وهنا قال: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ولكنْ ليس كونُه وكيلًا بمعنى أنه مُتَوَكِّل لغيره، والمُوَكِّل أعْلى منه كما هو مَعْهودٌ، ولكنَّه وكيلٌ بمعنى رَقيب على عباده مُهَيْمِن عليهم.
وقوله : ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ هنا مُفْرَدٌ ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ﴾ وفي آية أخرى في سورة الأنعام ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ فقال: ﴿رُسُلُنَا﴾ فجمَعَ،
стр. 54
وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ في الزُّمَر، فكيف نَجْمَعُ بين هذه الآيات الثَّلاثِ؟
الجوابُ: جمع أهل العلم بينهُنَّ: بأنَّ قولَه تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ هذا هو الأَصْلُ، أما المتوفِّي هو الله لأنَّه المُدَبِّرُ، المدبِّرُ للشيء، والمدبِّرُ للشيء فاعلٌ له؛ كما تقول: بنى المَلِكُ قصرًا للحُكْم؛ فهل يعني ذهب وجاء بالزنبيل وجاء بالفاروعِ، وجاء بالمِسْحَاة، وجاء بالماءِ وجَهَّز الطينَ وحمل على مَتْنِه ليبنِيَ؟
الجوابُ: ليس المعنى كذلك؛ إذن معنى بناه؛ أي: أَمَرَ ببنائِهِ، لكنْ لما كان هذا البناءُ لا يتِمُّ إلا بأَمْرِه أُسْنِدَ إليه؛ فالله تعالى يتوفَّى الأَنْفُسَ فلا يكون تَوَفِّيها إلا بأمره، فأُسْنِدَتِ الوفاةُ إليه.
أما قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ وقوله تعالى: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ فإمَّا أن يقال: إنَّ مَلَكَ الموت هنا مفردٌ مضاف، وهذا له وَجْهٌ في اللُّغَة العربِيَّة، لكن ليس بصحيحٍ من ناحِيَة الواقِعِ، ولكنَّ الواقِعَ أن مَلَكَ الموتِ له أعوانٌ، له أعوانٌ قَبْل قَبْضِ الرُّوح، وأعوانٌ بَعْد قَبْضِ الرُّوح؛ فالأعوانُ قبل القَبْضِ يسوقونَ الرُّوحَ من البَدَن حتى تَصِلَ إلى الحُلْقُومِ ثم يَقْبِضُها، وأعوانٌ بعد ذلك إذا قبضها فهناك ملائِكَةُ الرَّحمة تنتظِرُ هذه الرُّوحَ بالكَفَنِ الذي من الجَنَّة فلا يَدَعُونَها في يده طَرْفَةَ عين حتى يَقْبِضوها ويَجْعَلوها في ذلك الكفَنِ، وإن كان الإنسانُ بالعَكْس - والعياذ بالله - فيكون عنده ملائِكَةُ العذابِ، معهم كفنٌ من نار لا يَدَعُونها في يده طَرْفَةَ عينٍ.
فيكون هنا المرادُ: الجمع بينهما: أنَّ إسنادَ الوفاة إلى الرُّسُل إلى الملائكة وهم جَمْعٌ؛ لأنَّهُم أعوانُ مَلَكِ الموتِ، فكان لهم نَوْعُ مُشارَكَةٍ في هذا الفعل، ومَلَكُ الموت هو الذي يقبضها إذا بلغت الحُلْقُومَ، وبهذا الجَمْعِ يزول الإشكالُ.
стр. 55
ونحن قد بيَّنَّا كثيرًا أنَّ القرآنَ والسُّنَّة ليس فيهما تعارُضٌ، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا﴾ [النساء: ٨٢] لأنه إذا رَأَيْتَ في شيء منهما تعارضًا فاعلم أن ذلك من سُوءِ فَهْمِك أو قِلَّة عِلْمِك، فتَدَبَّرْ وتَعَلَّمْ حتى يتبَيَّنَ لك الأمرُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وما الجوابُ عن قوله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾؟
فالجوابُ: لكنَّ الذي يتولى إخْراجَها مباشَرَةً من عند الحُلْقُوم هو مَلَكُ الموتِ، ثم هؤلاء الملائِكَةُ الباسطونَ أيديهم، إن كان أنَّهُم الذين يَنْتَظِرون قَبْلها فهم يَنْتَظِرون قبل أن يَأْخُذَها منه، وإن كان الآخَرونَ الذين يُخْرِجونها حتى تَصِلَ إلى الحُلْقُوم فكذلك، وليس هناك مُشْكِلَةٌ.
قال المُفَسِّر ﵀ [﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ أي بِقَبْضِ أَرْواحِكُم] يعني: لم يُوَكَّلْ بنا في كُلِّ شيء، ولكنَّه وُكِّلَ بنا بِقَبْض الأرواح فقط، لكنْ هناك ملائِكَةٌ مُوَكَّلونَ بنا في حِفْظ أعمالنا وفي حِفْظنا أيضًا، وكذلك ملائِكَةٌ موكَّلون في أعمالنا يجوبون الأرضَ وينظرون مجالِسَ الذِّكْرِ فَيَجْلِسون فيها.
وقوله ﵀: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أحياءً فيُجازيكُم بأَعْمالكم] يعني بعد الموتِ يَرْجِعُ الإنسان إلى ربِّه فيُجازَى بِعَمَلِه إنْ خَيْرًا فخَيْرٌ، وإنْ شرًّا فشَرٌّ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ الذي يتولَّى قَبْضَ الأَرْواحِ مَلَكُ الموتِ؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ الملائِكَةِ؛ لقوله تعالى: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ والملائِكَةُ عالَمٌ غَيْبِيٌّ
стр. 56
خَلَقَهم الله تعالى من نور، وجعلهم من السَّامعين المطيعينَ له، وأَقْدَرَهُم على فِعْلِ المأمورِ؛ لقوله : ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] وقوله : ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] وقال : ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] لكمالِ الإمتثالِ وكمالِ القُدْرَة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تمام تنظيمِ الله للأُمُورِ وإحكامه لها؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فإنَّ كلَّ مَلَكٍ مُوَكَّلٌ بِشَيءٍ من الأشياء لتمامِ النِّظَامِ وإحْكَامِهِ وإِحْسانِهِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: عَظَمَةُ سُلْطانِ الله؛ تُؤخَذُ من قوله تعالى: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ وقد سبق لنا: أنَّ هذا التَّوْكيلَ ليس عَجْزًا من الله ولكِنَّه نظامُ سُلْطَانِهِ وعَظَمَتِه.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ الرُّجُوعِ إلى الله؛ لقوله : ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾، وُيؤْخَذُ منه إثباتُ الجَزاءِ؛ لأنَّه هذا هو المقصودُ مِن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.
* * *
стр. 57
الآية (١٢)
* * *
* قالَ الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢].
* * *
قول المفسر ﵀: [﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ الكافرونَ ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا﴾ مُطَأْطِئُوها حياءً، يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ ما أَنْكَرْنا من البَعْثِ ﴿وَسَمِعْنَا﴾ منكَ تَصْدِيقَ الرُّسُل فيما كذَّبْناه فيك، ﴿فَارْجِعْنَا﴾ إلى الدُّنْيا ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ فيها ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ الآنَ].
قوله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ الخطابُ في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ إمَّا للرَّسول ﷺ ، وإمَّا إلى كُلِّ من يتوجَّهُ إليه الخطابُ، وهذا المعنى أعَمُّ والأَخْذُ به أَوْلى؛ لعمومه؛ ولهذا الخطاباتُ التي تأتي للمُفْرَدِ في جميع القرآن الأَوْلَى أن تُحْمَل على العموم وأن يُرادَ بها كُلُّ من يتوجَّه إليه الرَّأيُ، إلا إذا منع من ذلك مانِعٌ، فتكون خاصَّةً بالرَّسُولِ ﷺ .
وقوله : ﴿وَلَوْ تَرَى﴾: (لو) هذه شرطِيَّة، و (لو) الشَّرْطيَّة تحتاجُ إلى شَرْط وإلى جواب الشَّرْطِ؛ فالشَّرْطُ قوله تعالى: ﴿تَرَى﴾ والجوابُ محذوفٌ تقديرُهُ: لَرَأَيْتَ أَمْرًا فظيعًا.
وقوله تعالى: ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾: ﴿إِذِ﴾ هذه ظَرْفٌ؛ يعني:
стр. 58
لو ترى ذلك الوَقْتَ الذي فيه المُجْرِمون على هذا الوَصْفِ لرَأَيْت أمرًا مُوجِعًا فظيعًا، وقوله : ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ مبتدأٌ، و ﴿نَاكِسُو﴾ خبرٌ، والنُّونُ التي في (ناكِسُونَ) حُذِفَتْ لأَجْلِ الإضافَةِ.
وقوله تعالى: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ أي: مُطَأْطِئُوها؛ يعني: خافِضُوها، والعياذُ بالله.
وقوله : ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني: عند الله وَهُم بين يديه يومَ القيامَةِ، ولكن ناكِسُوها، يقول المُفَسِّر [حياءً] وفي النَّفْسِ من هذا التَّفْسيرِ شيءٌ، ولَكِنَّ الظَّاهِرَ أنَّهُم ناكِسُوها ذُلًّا وخُضُوعًا لسلطانِ الله؛ بدليل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ أمَّا حياءً فالحياءُ محمودٌ، لكنْ كَوْنُهم يَنْكسونها ذلًّا هذا هو الواقِعُ: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ذلًّا؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥].
وقوله : ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ جملة: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ مقولٌ لِقَوْلٍ محذوفٍ؛ تقديره: يقولون ربنا أَبْصَرْنا، يعني يا رَبَّنا، ونادَوُا الله تعالى باسم الرُّبُوبِيَّة؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّ الجُمَل الدُّعائِيَّة تأتي مُصَدَّرَة برَبٍّ؛ لأنَّ (رب) هو المالِكُ المتصَرِّفُ.
قال المُفَسِّر ﵀: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ ما أَنْكَرْنا من البَعْثِ] هذا ما قاله المُفَسِّر؛ وعليه فيكون مفعولُ أبْصَرْنا محذوفًا، والتَّقْديرُ: ما أَنْكَرْنا من البَعْثِ.
ويُحْتَمَل أنَّ ﴿أَبْصَرْنَا﴾ هنا أي: حَضَرَت أَبْصارُنا وبصائِرُنا، فيكون أعَمَّ مما قدَّرَه المُفَسِّر؛ يعني: صِرْنا ذَوِي بَصَر وبصيرة الآن، فيكون أعَمَّ؛ يعني كأنَّهُم يقولون: الآن صِرْنا ذَوِي بَصَر وبصيرة، وهذا المعنى أعَمُّ وأَبْلَغ.
стр. 59
وكذلك (سَمِعْنا) يقول المُفَسِّر ﵀: [﴿سَمِعْنَا﴾ منكَ تَصْديقَ الرُّسُلِ فيما كذَّبْناهُم فيه] لأنَّ الله يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] ولكن أيضًا هذا الذي قال المُفَسِّر لنا فيه وجْهٌ أحْسَنُ مما قال؛ فيكون معنى ﴿سَمِعْنَا﴾ أي كنا ذوي سَمْع الآن؛ ولهذا يقولون: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ يعني فيما مضى ﴿أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] أمَّا في يوم القيامة فيقولون: الآنَ صِرْنا ذَوِي بصر، وصِرْنا ذَوِي سَمْع.
وقوله تعالى: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ﴾ ارْجِعْنا إلى الدُّنيا، وهو فِعْلُ طَلَبٍ أو دعاء، وليس فِعْلَ أمرٍ؛ لأنَّ المخلوقَ لا يوجِّه أمرًا إلى الخالِقِ، وقوله تعالى: ﴿نَعْمَلْ﴾ هذا جوابُ الطَّلَب مجزومٌ؛ يعني: إن تَرْجِعْنا نَعْمَلْ صالحًا.
وقوله تعالى: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ يعني عملًا صالحًا، والعَمَلُ الصَّالح تقدَّم كثيرًا أنَّه ما جمع شرطينِ؛ هما: الإخلاص لله ، والمُتابَعَة للرَّسول ﷺ .
وقوله ﵀: [﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ الآن، فما يَنْفَعُهُم ذلك ولا يَرْجعون] معلومٌ أنه لا يَنْفَعُهم، إذا شاهدوا العذابَ فإنَّ الإيمانَ لا يَنْفَعُهم؛ فكُلُّ من شاهَدَ العذابَ فإنَّه لا ينفعه الإيمانُ؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤] قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٥] ولا أَحَدَ ينفَعُه إيمانُه بعد العذابِ إلا قَرْيَة واحِدَة وهم قومُ يونُسَ؛ لمَّا آمنوا كَشَفَ الله عنهم العذابَ؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ فالآن شاهَدَ العذابَ فلا يَنْفَعُ؛ ولهذا يَجِبُ على الإنسانِ أن يبادِرَ عُمُرَه قبل أن يَحلَّ به أَجَلُه فلا يستطيعُ الخلاصَ.
стр. 60
وقوله : ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ جاء بالجُمْلَة الإسمِيَّة الدَّالَّةِ على الثُّبُوتِ والإسْتِمْرار ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ الآن؛ لكن لا يَنْفَعُ، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ وهذا خبرُ الله والذي لا يَكْذِبُ ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٨].
والمراد الكُفَّارُ، أمَّا الفُسَّاقُ فليسوا دائمين في النَّارِ؛ فعذابُهُم بقَدْر أَعْمالهم، ثم إنَّهم يَدْخُلون الجنَّةَ، والفُسَّاقُ يَعْبُرونَ الصِّرَاطَ ولا يُذْهَبُ بهم إلى النَّارِ مباشرة، بل يَعْبُرون الصِّراطَ ثم يَتَساقَطُون في النَّارِ بِحَسَبِ أَعْمالهم.
قال المُفَسِّر: [وجوابُ (لو): لَرَأَيْتَ أَمْرًا فظيعًا] يعني: الجوابُ محذوفٌ.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: ما هي الحِكْمَةُ في حَذْفِ الجواب؟ ولماذا لا يُذْكَرُ من أجل ألَّا يكونَ هناك اختلاف؟ وما هي الحِكْمَة في الإبهامِ في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]؟ ولماذا لا يُذْكَرُ لأنَّه أَبْيَنُ؟
الجوابُ: أنَّه في مقام التَّهويل ينبغي الإبهامُ؛ لأجل أن يَذْهَبَ الذِّهْنُ كلَّ مَذْهَبٍ في تعظيم الأَمْرِ وهَوْلِه؛ لأنَّه إذا ذُكِرَ الشَّيْء قد يهونُ؛ فلو قيل لك: والله هناك سَبُعٌ عظيم يأكل النَّاسَ ويفعل ويفعل ويفعل! وهوَّلَ لديك وأنت لم تَرَهُ فسيكونُ عندك رُعْبٌ، لكنْ ربَّما إذا رأيته يَهُون عليك الأَمْر؛ كذلك مِثْلُ هذه الأمور العظيمة؛ إذا أَبْهَمَها الله فإنَّها أعظم وأَوْقَع في النَّفْس وأَشَدُّ وأَعْظَمُ؛ ولهذا حُذِفَ الجوابُ هنا، وأُبْهِمَ الغاشي في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ وأُبْهِمَتِ الحاقَّة والقارعة في مثل: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٣]، ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ١ - ٢] وما أشبه ذلك، وكلُّ هذا من باب التَّعظيمِ والتَّهويلِ.
стр. 61
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: في هذا بيانُ فَظَاعَةِ ما يَحلُّ بالكافرينَ يَوْمَ القيامَةِ؛ يؤخَذُ من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ والمُقَدَّرُ جوابُها: لَرَأَيْتَ أَمْرًا فظيعًا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هؤلاءِ المُجْرِمين المُسْتَكْبرينَ في الدُّنْيا الرَّافِعي رُؤُوسِهم ستكونُ حالُهُم في يوم القِيامَةِ على العكس من ذلك؛ لقوله : ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾؛ وقد قال المُفَسِّر ﵀: [حياءً] والصَّواب: أنه ذلًّا وعارًا وخِزْيًا، والعياذُ بالله.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ المجرمينَ يومَ القيامة يُقِرُّونَ بالحقِّ؛ تُؤخَذُ من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ ولكن لا ينفعُ هذا بعد أن شاهد الإنسانُ الجَزاءَ، فلا يَنْفَعُه أن يتوبَ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ هؤلاءِ يَطْلبونَ الرَّجْعَة إلى الدُّنْيا؛ لقوله تعالى: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾.
ويتفَرَّعُ عليها: أنَّ الآخِرَة قد يكون فيها شيءٌ لا من العباداتِ؛ لأنَّ الدُّعاءَ من العبادَةِ وهم يَدْعُونَ الله، وعليه فمن نفى أنَّ الآخِرَةَ دارُ عَمَل فإنَّ نَفْيَه على سبيل العُمُومِ فيه نَظَرٌ ظاهِرٌ، فإنَّ الآخِرَة قد يكون فيها تكليفٌ؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢].
مسألة: التَّكليفُ في الآخِرَةِ هل يكونُ عليه ثوابٌ؟
الجوابُ: نعم، ولهذا أَهْلُ الفترة يُكَلَّفُون في الآخِرَة، فمن أطاع منهم دخلَ الجَنَّة ومن عصى دخل النَّار.
стр. 62
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ هؤلاء المكَذِّبينَ يُوقِنونَ بالعَمَل في الآخِرَة؛ لقولهم: ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إقرارُهُم على أَنْفُسِهِم بأنَّ عَمَلَهم السَّابِقَ ليس بصالِحٍ، تُؤْخَذُ من قوله تعالى: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾؛ لأنَّهُم كأنَّهُم بالأَوَّلِ لا يَعْمَلون صالحًا.
* * *
стр. 63
الآية (١٣)
* * *
* قالَ الله : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].
* * *
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ اللهمَّ اهْدِنْا فيمن هَدَيْتَ! قال ﵀: [﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ فتهتدي بالإيمانِ والطَّاعة باختيارٍ منها].
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ الضَّميرُ يعودُ على الله ، وأتى بضميرِ الجَمْع تعظيمًا.
فإذا قال النَّصْرانيُّ: الآلَهِة ثلاثَةٌ؛ ولهذا قال الله : ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ وهنا للجمْع؛ هاتوا لنا دليلًا يُخرِج هذا اللَّفْظَ عن معناه، وإلا فالصَّوَابُ مَعَنا، وأنتم أيُّها الموحِّدون على ضلالٍ، وإلا لقال الله: ولو شِئْتُ؟
فالجوابُ: أنَّ هذا من باب التَّشْبيهِ والتَّلبيسِ، وإلَّا فارْجِعْ إلى قوله : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] فيكون قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ من باب التَّعْظيمِ، والله تعالى عظيمٌ بصفاته، فكلُّ صِفَةٍ منه من صفاته تقتضي عظمةً غيرَ ما تقتضيه الصِّفَةُ الأخرى، وباجتماعِ هذه الصِّفات يكون هناك عِظَمٌ أعْظَمُ وأَجَلُّ.
стр. 64
وقوله تعالى: ﴿لَآتَيْنَا﴾ هذا الجوابُ الأَوَّل، و ﴿لَآتَيْنَا﴾ أَعْطَيْنا؛ ولهذا نَصَبَتْ مفعولينِ: المفعولُ الأوَّل: ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾؛ والثَّاني: ﴿هُدَاهَا﴾ والهُدى بمعنى الدَّلالَة والتَّوْفيق؛ ولهذا قال ﵀: [فتَهْتَدي بالإيمانِ والطَّاعة] ولو شاء الله تعالى لفَعَلَ كما قال في آيات أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]؛ فالله لو شاء لجَعَلَ النَّاسَ أمَّةً واحِدَةً على الإيمان والتَّوْحيدِ والإستقامَةِ، ولكن حِكْمَةُ الله تأبى ذلك لأسبابٍ كثيرةٍ؛ منها: أنه جَلَّ وَعَلَا قال للنَّارِ: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؛ فقال: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ وهذا قَسَمٌ وتَعَهُّدٌ من الله للنَّارِ أن يَمْلَأَها: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾، ولو كان النَّاس أمَّة واحدةً على التوحيد ما صَدَق هذا.
فإِذَن: لا بدَّ أن يَصْدُق، واعلم أنه لو كان النَّاسُ أمَّةً واحدةً على التَّوْحيدِ هل يتَمَيَّز المؤمِنُ من الكافِرِ؟ لا؛ فكلُّهم واحِدٌ، فلا امتحان ولا اختبار، ولو كان النَّاسُ أمَّةً واحدةً على التَّوحيد لانْسَدَّ بابُ الأمْرِ بالمعروفِ والنَّهْيِ عن المُنْكَر، والسَّبَبُ أنه ليس هناك مُنْكَرٌ قد يحتاج إلى نَهْيٍ عن المُنْكَرِ، ولو كان النَّاسُ على أمَّةٍ على التَّوْحيدِ لبَطَلَ الجهادُ، أو فمَنْ نُجاهِدُ؟ لا أحد.
المُهِمُّ: أنَّ هناك حِكَمًا كثيرةً في كون الله جَعَلَ النَّاسَ على قِسْمين؛ ولهذا قال هنا: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾: ﴿حَقَّ﴾ بمعنى وَجَبَ وثَبَت، و ﴿الْقَوْلُ﴾ فاعلٌ و ﴿مِنِّي﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ من القَوْلِ، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ حالَ كَوْنِه صادرًا ﴿مِنِّي﴾ وهذا القولُ هو: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾ الجِنِّ ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وهنا الفِعْلُ ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ مؤكَّدٌ بالنُّون وباللَّام وبالقَسَمِ المقَدَّر، والتَّأْكيد هنا واجِبٌ
стр. 65
من النَّاحِيَة النَّحْوِيَّة؛ واجبٌ لأنه في قَسَمٍ مُثْبَتٍ مُسْتَقْبَلٍ لم يُفْصَلْ بينه وبين لامِهِ بفاصِلٍ.
وقوله تعالى: ﴿جَهَنَّمَ﴾ هذا اسْمٌ من أسماءِ النَّار، قيل: إنَّها عَرَبِيَّة، والنُّون فيها زائدة وأنَّها من الجَهْمِ أو من التَّجَهُّم وهو الظُّلْمَة، وقيل: إنَّها اسمٌ مُعَرَّب وليس بعَرَبِيٍّ، ولكنَّه مُعَرَّب، وعلى كل الأحوالِ فالمرادُ بها النَّار، نسألُ الله العافِيَةَ!
وقوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾: ﴿الْجِنَّةِ﴾ هي الجِنُّ، و ﴿وَالنَّاسِ﴾ بنو آدَمَ ﴿أَجْمَعِينَ﴾ فتُمْلَأُ من هؤلاء وهؤلاء، وأيُّهما أكثر؟ الله أعلم، لكن ظاهِرُ القِسْمَةِ أنَّهُم سواءٌ: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.
مسألة: بإجماعِ المُسْلِمينَ أنَّ كافِرَ الجِنِّ يَدْخُل النَّار، أما مُؤْمِنُ الجِنَّ؛ فهل يدخُلُ الجَنَّة؟
الجوابُ: اختلف فيه العلماءُ، والصَّوابُ: أنَّهُم يَدْخُلونَ الجَنّةَ، قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ [الأعراف: ٣٥] أي: من الجِنِّ والإِنْسِ ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥ - ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] يُخاطِبُ الجِنَّ والإنْسَ، فهذا بَيِّنٌ أيضًا على أنَّهُم يدخلون الجَنَّة، وكذلك قولُه تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] يدلُّ على أنَّهُم يدخلونَ الجنَّة، وهذا هو الذي عليه جُمْهُورُ أهْلِ العِلْم.
стр. 66
وقال بَعْضُهم: إنَّهم لا يدخلون الجَنَّة؛ لأنَّ الذين: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣١] ولم يقولوا: (يُدْخِلْكم الجَنَّة)، فهذا دليل على أنَّ المؤْمِنَ منهم يُجارُ من العذابِ الأليم فقط!
فيقال: إنَّ هذا استدلالٌ بنصٍّ وتَرْكُ نُصوصٍ، وما هكذا حالُ الإنسانِ الذي يُوَفِّقُ بين الأدلَّة، ثم إنَّ مقامَ هؤلاء القَوْمِ مقامُ إنذارٍ وتَخْويفٍ: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ دون مُبَشِّرينَ، فهو مقامُ إنذارٍ وتخويفٍ، وهم إذا استقاموا وخافوا فإنَّه لا شَكَّ أنَّهُم يدخلونَ الجَنَّة؛ لأنَّ من أُجيرَ من العذابِ الأَليمِ من المُكَلَّفينَ فلا بدَّ أن يدخلَ الجَنَّة؛ إذ إنَّ مآل الوَرَى إلى الجنَّة أو النَّار.
وهذا القول هو الحَقُّ: أنَّ مُؤْمِنَهم يدخُلُ الجَنَّة وكافِرَهُم يدخُلُ النَّار؛ والثاني: أن كافِرَهُم يدخل النَّارَ بالإجماعِ، وليس فيه خلافٌ؛ لأنه نَصٌّ بالقُرآنِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ مشيئةِ الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تمامُ سلطانِهِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ حِكْمَته؛ حيث لم يُؤتِ كُلَّ نَفْسٍ هداها؛ وقد سبق لنا شيءٌ من الحِكَمِ في اختلافِ النَّاسِ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الرَّدُّ على القَدَرِيَّة، والقَدَرِّيةُ هم الذين يقولون: إنَّ الإنسانَ مُسْتَقِلٌّ بعَمَلِه، ليس لله فيه تقديرٌ ولا خَلْقٌ، يشاء لِنَفْسِه ويَفْعَلُ بنفسه،
стр. 67
وليس لله تَعَلُّقٌ بفعله، هؤلاء هم القَدَرِيَّة، فَقَوْلُ الله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا﴾ يَرُدُّ عليه.
ولكن هل في الآيَةِ دليلٌ لمَذْهَبِ الجَبْرِيَّة؟
الجوابُ: ظاهِرُها؛ إلَّا أنَّ الآياتِ الأخرى تدلُّ على أنه لا حُجَّة فيها لهم؛ لأنَّ الله تعالى أعطى الإنسانَ قُدْرَةً واختيارًا، ونحن - مَعْشَرَ أَهْلِ السُّنَّة - لا نَأْخُذُ ببعض الكتاب ونَدَعُ بعضًا، بل نأخُذُ بالكتابِ كلِّه، فنؤمِنُ بأنَّ مَشِيئَةَ الله فَوْقَ كُلِّ شيء ونؤمِنُ بأنَّ للإنسانِ مَشيئةً وإرادَةً وقُدْرَةً على العمل، وأنَّ الإنسانَ هو الفاعل وليس الله تعالى هو الفاعِلَ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ كلامِ الله؛ أنَّ الله يتكلَّم؛ لقوله تعالى: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن كلامه تعالى بِحَرْفٍ؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ حروفٌ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الرَّدُّ على من زعم أن كلامَ الله هو المعنى القائِمُ بالنَّفْس؛ إذ لو كان كذلك لقال : ولكن أَرَدْتُ أن أَمْلَأَ؛ ولم يَقُلْ: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثبات النَّار؛ لقوله تعالى: ﴿جَهَنَّمَ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ الله جَلَّ وَعَلَا أوفَى المعاهِدِينَ؛ أنه وعَد أنَّ النَّار يَمْلَؤُها وفاءً لها بما وعدها؛ ولهذا قال الله : ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ الجِنَّ يدخلون النَّارَ، تُؤخَذُ من قوله : ﴿الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وهل يدخلون الجَنَّة؟
стр. 68
الجوابُ: تقدَّم أنَّ في ذلك خلافًا، وأنَّ الصَّواب أنَّهُم يَدْخُلونها وبَيَّنَّا الأدِلَّة على ذلك من القرآن.
* * *
стр. 69
الآية (١٤)
* * *
* قالَ الله : ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [وتقول لهم الخَزَنَة إذا دخلوها: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ﴾] وهل يُوافِقُ ظاهِرَ الآية؟ فقوله : ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ هل يناسِبُ أن يكون القائِلُ الملائِكَةَ في قوله : ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾؟
الجوابُ: لا؛ إذن القائِلُ هو الله؛ كما قال : ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ فالصَّوابُ: أنَّ هذا القَوْلَ من قَوْلِ الله ، يقولُهُ لهم تقريعًا وتوبيخًا وتنديمًا أيضًا؛ يقول: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ﴾ الأمْرُ هنا ليس للإكرامِ ولا لِمُجَرَّدِ الأَمْرِ، ولكن للتَّوْبيخِ والتَّقْريعِ والإهانَةِ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَذُوقُوا﴾ العذابَ] أفادنا بهذا التَّقْديرِ أنَّ مفعول (ذوقوا) مفعوله محذوفٌ تقديرُهُ: العذاب، ويُحْتَمَلُ ألَّا يكون لها مفعولٌ، والمعنى كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] فيكون المرادُ مُجَرَّدَ التَّوْبيخِ والإهانَةِ.
وقوله ﵀: [﴿بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: بِتَرْكِكُمُ الإيمانَ به] والعَمَلَ له وأفادنا بقوله ﵀: [بِتَرْكِكُم] أن (ما) مصدريَّة، وأنَّ ﴿نَسِيتُمْ﴾
стр. 70
بمعنى تَرَكْتُمْ، وهو كذلك؛ فإن (ما) مصدريَّة؛ أي: بنسيان، والنِّسيانُ هنا بمعنى التَّرْكِ، وليس النَّسيانُ الذي هو ذهولُ القَلْبِ عن مَعْلومٍ؛ لأنَّ النِّسْيانَ المَعْروفَ هو ذُهُولُ القلب عن معلومٍ، وهذا لا يُعاقَبُ عليه الإنسانُ، ويُطْلَقُ النِّسْيانُ على التَّرْك، وهو الذي يعاقَبُ عليه، والدَّليلُ على إطلاق النِّسْيانِ على التَّرْك قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ بمعنى تَرَكْناكُم، وليس معناها ذهولَ القَلْبِ عن معلومٍ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] النِّسْيانُ المُثْبَتُ لله هو التَّرْكُ، والنِّسْيانُ المنفِيُّ عنه هو الذُّهولُ عن الشَّيْء، وأمَّا الإنسانُ فإنَّه يَثْبُتُ له.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ تركتم اللِّقاءَ، والمراد تَرَكْتُمُ العَمَلَ له والإيمانَ به.
وقوله ﵀: [﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ تركناكم في العَذابِ] نسألُ الله العافِيَةَ! تركهم الله وما نَسِيَهم، فلا يزال يَعْلَمُ بهم جَلَّ وَعَلَا، ولكنَّه تَرَكَهُم، وقال لهم بعد المراجعاتِ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فهل يتكلَّمونَ بعد ذلك بِرَفْع العذابِ؟
أبدًا لأنَّ في الآخِرَة لا يَقْدِرُونَ أن يُخالِفوا؛ لأنه لما قال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ انقطع رجاؤُهُم من كل رجاء - والعياذ بالله - وأَيِسُوا من كلِّ خير.
وقوله ﵀: [﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ﴾ تركناكُمْ في العذابِ ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ الدَّائِمَ ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الكُفْرِ والتَّكْذيبِ] هذا إقرارٌ للتَّأْكيدِ وبيانِ أنَّ ما ذاقوه لا يُمْكِنُ أن يزولَ عنهم مع أنَّهُم قالوا فيما سبق:
стр. 71
ارْجِعْنا نَعْمَلْ صالحًا، فقال: ليس هناك رُجوعٌ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ يعني العذابَ الدَّائِمَ، وهذا من باب إضافَةِ الشَّيْء إلى مَوْعِدهِ أو على تقدير (في) للظَّرفيَّةِ؛ يعني: عذاب في الخُلْد؛ وعلى كلِّ حالٍ: هو عذاب دائِمٌ.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: (ما) هنا يُحْتَملُ أن تكون اسمًا موصولًا؛ أي: بالذي كنتم في الدُّنْيا تَعْمَلُونه، ويُحْتَمَل أن تكون مصدرَيَّة، ولكنْ ظاهِرُ تفسيرِ المُفَسِّر أنها اسمٌ موصولٌ، قال: [﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الكُفْرِ والتَّكذيب].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ أهلَ النَّار يُوَبَّخونَ بتركِهِم العَمَلَ للنَّجاةِ منها؛ لقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾.
ويتفرَّعُ على هذه الفائِدَة: زيادَةُ التَّعذيب: التَّعذيب القلبي؛ لأنَّ الإنسانَ إذا وُبِّخَ على عملٍ عَمِلَه فإنَّه يزدادُ حَسْرةً وندمًا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إطلاقُ النِّسْيانِ على التَّرْكِ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات الأفعال الإختياريَّة لله؛ لقوله تعالى: ﴿نَسِينَاكُمْ﴾ يعني: تَرْكناكُم، وهذا يدلُّ على أنه تعالى يترُكُ من شاء ويُقْبِل على من شاءَ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن عذابَ النَّارِ دائِمٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ وهذا هو الذي عليه أهل السُّنَّة والجماعَةِ: أنَّ عذابَ النَّارِ أَبَديٌّ سَرْمَدِيٌّ؛ كما أنَّ نعيمَ الجَنَّة أبديٌّ سرمديٌّ، لكنْ ذَكَرَ ابنُ القيم (١) ﵀: أنه يُخْتَلَفُ في أبديَّةِ النَّار على قَوْلَيْنِ، وأمَّا عذابُها فهو أبديٌّ ما دامَتِ النَّارُ موجودةً، فلا يَخْرُجُ منها أهْلُها
стр. 72
ما دامت موجودةً أبدًا؛ ولكنَّ الكلامَ في أبَدِيَّتِها هي، فهل هي مُؤَبَّدة أو مُؤَمَّدةٌ؟
والصَّواب: أنَّها مُؤَبَّدَةٌ، وقد ذكر الله تعالى ذلك في ثلاثِ آياتٍ من القرآن في سورة النِّساءِ، وفي سورة الأحزابِ، وفي سورة الجِنِّ.
ففي سورة النساءِ قولُهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩].
وفي سورة الأحزاب قَوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٢٣].
وفي سورة الجِنِّ قولُهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣].
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: إنَّ التَّأبيد هنا لخُلُودِهِم؟
قُلْنَا: لا تأبيدَ لخلودٍ إلا والمكانُ خالِدٌ فيه؛ فإذا تأبَّدَ الخلودُ فإنَّما مكانُ الخُلْدِ يكون مُؤبَّدًا بالضَّرورةِ، ولهذا الصَّوابُ المقطوعُ به: أنَّ النَّار أَبَدِيَّةٌ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الله لا يَظْلِمُ أحدًا؛ لقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الجَزاء من جِنْس العَمَل، فكما أنَّهُم أَفْنَوْا حياتَهُم في مَعْصِيَة الله فإنَّ حياتَهُم الآخِرَة أيضًا ستكونُ في عذابِ الله.
* * *
стр. 73
الآية (١٥)
* * *
* قالَ الله : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥].
* * *
ثم بيَّنَ الله مَنِ المؤمِنُ حقًا، فقال: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حَصْرٍ، حَصَرَتِ الإيمانَ في الذين إذا ذُكِّروا بآياتِ ربِّهم خَرُّوا سُجَّدًا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [القرآنِ] وعلى هذا فهي الآياتُ الشَّرْعيَّة، والصَّواب أنها عامَّة حتى الآيات الكونِيَّة كمن ذُكِّرَ بما يفعَلُه الله في المكَذِّبين والمُجْرِمين، فإنَّ ذلك داخِلٌ في الآية ﴿بِآيَاتِنَا﴾.
وقوله ﵀: [القرآن] يقتضي أنَّ هذا القَوْلَ خاصٌّ بهذا الأُمَّة ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ لأنَّهُم أَهْلُ القرآنِ، ولكِنَّ الأَوْلى أن تُؤْخَذ على سبيل العُمُومِ حتى فيما سبق، قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧].
وقوله : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾: ﴿الَّذِينَ﴾ فاعِلُ ﴿يُؤْمِنُ﴾، يعني (لا يُؤْمِنُ إلا الذين ... )، والمرادُ الإيمانُ الكامِلُ.
стр. 74
وقوله ﵀: [﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾ وُعِظُوا ﴿بِهَا﴾ أي جُعِلَت مَوْعِظَةً لهم وبُيِّنَتْ لهم الآياتُ، فإذا وُعِظُوا بها ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾: ﴿خَرُّوا﴾ جوابُ ﴿إِذَا﴾.
وقوله : ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ الخُرورُ يكون من أعلى إلى أسفل، ومنه خرورُ الماءِ من السَّاقِيَة من فوق إلى تحت، ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ أي: من القيامِ ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ حالَ السُّجُود ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
هذه الآية أورد عليها بَعْضُ العلماء إشكالًا، وقال: هل لِكُلِّ من ذُكِّرَ بآياتِ الله أن يَسْجُد؟ فإذا قُرِئَ عليه آيةٌ سَجَدَ، أو إذا ما وعَظْتَهُ بموعظة سَجَدَ؟
والجوابُ عن هذه الآيَةِ: قال بعضهم: المرادُ خَرُّوا سُجَّدًا في مَوْضِعِ السُّجُود؛ يعني: خرُّوا سُجَّدًا؛ إذا مَرَّت بهم آياتُ سَجْدَة سجدوا، أمَّا إذا ذُكِّرُوا بآياتِ رَبِّهم بدون أن تَمُرَّ بهم آياتُ سَجْدَة فإنَّهم لا يسجدون.
ولكنَّ الصَّوابَ خلافُ ذلك؛ فالصَّوابُ أنَّ المعنى: الذين إذا ذُكِّروا بها انقادوا لها وخَضَعُوا لها، ولا يَلْزَمُ من ذلك أن يكون السُّجُودُ مباشرًا للتَّذْكيرِ؛ فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ يعني: حتى في المُسْتَقبل، فلا يلزم أن يكون جوابُ الشَّرْطِ مباشِرًا له.
وما يقتضي التَّرْتيب للحُرُوفِ أو التَّركيب قد يُرادُ به التَّرتيبُ في مَوْضِعِه وفي كُلِّ شيء بِحَسَبه؛ ولهذا لو قُلْتَ: تَزَوَّجَ زَيْدٌ فوُلِدَ له، الفاءُ للتَّرتيبِ والتَّعْقيب، ومن المعلومِ أنه لا يُولَدُ له فَوْرَ عَقْدِ النِّكاحِ له؛ فنقول: الفاءُ للتَّرتيبِ والتَّعْقيبِ، وتَعْقِيبُ كُلِّ شيء بِحَسَبِه، وقال : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ وهل المَطَرُ إذا نزل وصار الصَّباحُ فإذا هي مُخْضَرَّةٌ؟
стр. 75
الجوابُ: لا، ولكنْ بعد مُدَّة تَخْضَرُّ، وبعد مُدَّة يُوْلَدُ لهذا المتَزَوِّجِ؛ فكذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا﴾ لا يلزم من ذلك أن يباشِرُوا فبمجرَّد التَّذْكير يَخِرُّونَ، بل المعنى أنَّهُم يَلْتَزِمونَ بذلك فإذا ذُكِّروا بها التَزَموا بذلك بالسَّمْعِ والطَّاعَة فسجدوا في مَوْضِعِ السُّجودِ ولم يوجد منهم استكبارٌ، وعلى هذا فلا إشكالَ في الآية.
وقوله : ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾: ﴿سُجَّدًا﴾ حالٌ من فاعِلِ ﴿خَرُّوا﴾. وقوله : ﴿وَسَبَّحُوا﴾ معطوفٌ على: ﴿خَرُّوا﴾ ومعنى: سبَّحوا أي نَزَّهوا، فالمفعولُ محذوفٌ تقديرُهُ وسبحوا ربَّهُم؛ أي: سَبَّحُوا الله.
وقوله ﵀: [مُتَلَبِّسينَ ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾] أفادنا المُفَسِّر بأنَّ الباءَ في قوله تعالى: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أنَّ الباء للمُلابَسَةِ؛ يعني: معناها أنَّ التَّصْديقَ مَقْرونٌ بالحَمْدِ، ولو أنَّه ذهب إلى أنَّ الباء للمصاحَبَة: وسَبَّحوا تسبيحًا مُصاحِبًا بِحَمْد ربِّهم؛ لكان أَوْلى.
وقوله: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قال ﵀: [أي قالوا: سبحانَ الله وبِحَمْدِهِ] ويُحْتَمَل ألَّا يكونَ المرادُ بالتَّسبيحِ والحَمْد: تسْبيحَ اللِّسانِ وحَمْدَه، وأنَّ المرادَ نَزَّهُوهُ بِقُلُوبهم وحَمِدُوه بألْسِنَتِهم، فنَزَّهُوه بقُلُوبِهِم عمَّا لا يليقُ به وحَمِدُوه بأَلْسِنَتِهِم بما يستحقُّه.
فقوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ يعني: يَسْجُدون لله ويُسَبِّحونَه حالَ السُّجُود؛ ولهذا مما يُشْرَعُ في السُّجود أن تقول: "سُبْحانَكَ اللهمَّ ربَّنَا وَبِحَمْدِكَ" (١).
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الجملةُ حالٌ، يعني: والحالُ أنَّهُم: [﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان والطَّاعَةِ] بل ينقادون ويَخْضَعون.