← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 13243

بذل الإحسان بتقريب سنن النسائي أبي عبد الرحمن

أبو إسحق الحويني

Полный текст (825 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بذل الإحسان بتقريب سنن النسائي أبي عبد الرحمن تأليف أبي إسحاق الحويني الأثري الناشر مكتبة التربية الإسلامية لإحياء التراث الإسلامي ت: ٨٦٨٦٠٥

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ- ١٩٩٠ م الناشر مكتبة التربية الإسلامية لإحياء التراث الإسلامي ١٤ ش سويلم من ش الهرم خلف مسجد الأنصار - الطالبية ت: ٨٦٨٦٠٥

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فما له من هاد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﵌. وبعد: فهذا كتاب "بذل الإحسان بتقريب سنن النسائي أبي عبد الرحمن" نقدمه للقراء الكرام، بعد ما تفضل الأَخ الشيخ "أبو إسحاق الحويني" علينا بأن ننشره - جزاه الله خيرًا. نقدمه في وقت تنمر فيه بعض المستغربين للحط على السنة وأهلها، وأطلّت على الأمة نابتة سوء وُجهت للغوص في بطون الكتب، لا هَمَّ لها سوى إخراج الأقوال الباطلة، والأصول المتهاوية والحيل الكاذبة، والزلات الغائرة. لصد المسلمين عن طريق السنة وما فيه صلاح الأمة. فإذا سئلوا عن شيء من سيرة النبي ﵌ وعبادته وأحكامه وفتاويه، أجابوا والشيطان ممليهم إما بحديث مكذوب، أو حيلة متهالك متعالم، أو زلة فقيه عالم، أو غير ذلك من الشرور والمخازي، فأضاعوا السنة، وخرقوا البنية، وساء ما يفعلون، و ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ فانتبه يا هذا فإنك على خطر شديد، استحضر عند كتابتك ما يبقى بعدك ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ واتق الله في الغلط على الأئمة إذا نقلت مذاهبهم، فلا تنسب إليهم ما لم يقولوه، واحذر أن تجتمع فيك الشرور بتتبع رخصهم وزلاتهم. وبعد: فكتابنا الذي نقدمه اليوم -قارئي الكريم- هو تقريب وتهذيب وتحقيق وخدمة لكتاب من كتب السنة، والتي هي علم الصدر الأول والتي وصفها الصادق الأمين بمماثلة القرآن المبين فقال: " ... ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" وفي رواية أخرى: " ... ألا إن ما حرَّم رسول الله مثل ما حرَّم الله". قال الحافظ "الخطيب البغدادي": (... ولما كان أكثر الأحكام لا سبيل إلى معرفته إلا من جهة النقل لزم النظر في حال الناقلين، والبحث عن عدالة الراوين، فمن

стр. 4

ثبتت عدالته جازت روايته، وإلا عدل عنه، والتمس معرفة الحكم من جهة غيره لأن الأخبار حكمها حكم الشهادة في أنها لا تقبل إلا عن الثقات). وكما توجهت عناية علماء الحديت إلى دراسة الحديث من جهة السند، اهتموا أيضًا بدراسة متنه والنظر فيه، ولأنهما جهابذة صدقت نيتهم، وقوت عزيمتهم فقد ألهمهم الله الرشد، فقعدوا القواعد وشيدوا البنيان لمن بعدهم لمعرفة الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وآله رسلم من غيره فهذا الحافظ "ابن الصلاح" رحمه الله تعالى يقول: "وإنما يعرف كون الحديث موضوعا بإقرار واضعه أو ما يتنزل منزلة إقراره، وقد يفهمون الوضع من قرينة حال الراوي أو المروي، فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها". وهذا شيخ الإِسلام ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى- يضع قواعد كلية يميز بها بين موضوع الحديث وصحيحه دون النظر في إسناده، وكذلك نقل السيوطي -رحمه الله تعالى- في تدريب الراوي عن كثير من الأئمة قرائن وعلامات لمعرفة الحديث الموضوع الذي يناقض الأصول ويباين المعقول، ويخالف المنقول، وغني عن البيان أنه لا يقوى على ذلك -كما يقول ابن قيم الجوزية- (سوى من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها مَلَكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنة والآثار أو معرفة سيرة رسول الله ﵌ وهديه فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر به ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط للرسول ﵌ كواحد من أصحابه، فمثل هذا يعرف من أحوال الرسول ﵌ وهديه وكلامه، وما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز، ما لا يعرفه غيره، وقد ذكر هؤلاء الأئمة وغيرهم أحاديث كثيرة بينوا كذبها ووضعها وكأن هؤلاء الجهابذة قد علموا أنه سيأتي زمان كزماننا تتسرب فيه إلى بعض المستغربين من أبناء المسلمين فرية متهالكة وهى قولهم وبئس ما يقولون -إن اهمام المحدثين كان لدراسة الأسانيد منصرف دون النظر في المتن، وردوا بتلك الفرية أحاديث كثيرة قصرت أفهامهم عن استيعابها، وخالفت أهواءهم وعقولهم، والله حسيبهم هذا وقد أطلت في مقدمتي هذه لعلل يعرفها النابه، وخشية صرفه عن درر هذا الكتاب أتركه معه يخبر عن نفسه، وينبئى مؤلفه -حفظه الله- عن مكنونه وهو به خبير آملين ألا نعدم فائدة يزفها إلينا فاضل، أو فائتة يذكرنا بها نابه، أو نصيحة ينصحنا بها ناصح، ونحن له من الشاكرين، وسنواصل نشره تباعًا. كلما أُنجز جزءٌ نشرناه، والله نسأله القبول. الناشر عماد صابر المرسي رجب ١٤١٠هـ فبراير ١٩٩٠م

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحَمْدَ لله تَعَالَى نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِيْنُ بِهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوْذُ بِالله تَعَالَى مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنَا. مَن يَهْدِ الله تَعَالَى فلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أن لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [٣/ ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [٤/ ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [٣٣/ ٧٠ - ٧١]. أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيْثِ كِتَابُ الله تَعَالَى، وَأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأمورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِى النَّارِ. فإني أحمدُ الله ﵎ أَنْ يسر لي خروج الجزء الأول من هذا الكتاب المبارك -إنْ شاء الله تعالى-. وكنتُ قد بدأتُ العمل فيه في أواخر سنة (١٣٩٩) هـ. والفضلُ فى ذلك يرجع إلى أُستاذنا الشيخ حامد بن إبراهيم حفظه الله تعالى صاحب مكتبة المصطفى

стр. 6

صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد كنت أتردد على مكتبته العامرة، فرآني أعملُ في "سنن ابن ماجة" فقال لي: لم لا تعمل في "سنن النسائي"؟ فإن أحدًا من أهل العلم لم يوجه عنايته إليها. فلمَّا اعتذرتُ عنها، قال لي: اخدمها، ولو بتخريج أحاديثها فقط، حتى تكون عونًا للمترددين على المكتبة من أهل العلم وطلبته. وقد حدث بالفعل ما أراده. فكتبت الجزء الأول بخط يدي، وصورتُه، ثمَّ أودعتُه المكتبة أما باقي النُّسخ -وقد كانت قليلة- فكنت أعطيها لمن أرى أنه من طلبة العلم رجاء أن يصحح لي ما أخطأتُ فيه. وقد وقع في هذه النسخة أوهامٌ، سواءٌ في الحكم على الحديث أو في تخريجه، والسببُ في ذلك شرحه يطولُ، وسأذكرُهُ -إنْ شاء الله- في "الإِمعان مقدمةُ بذل الإِحسان". وعلى كل حال، فقد بات هذا الشرح أمنيةً عندي، وددتُ لو يسر الله لي فعله، حتى أكشف مزية هذه السنن، التي على أهميتها ما التفت إليها أهل العلم مثلما فعلوا في "الصحيحين" وبقية السنن. وقد بادر بعضُ أهل الخير والفضل من إخواننا، فأرسلوا نسخًا من هذا الكتاب إلى شيخنا الشيخ الإِمام، حسنة الأيام، ناصر الدين الألباني -حفظهُ الله تعالى وأمتع المسلمين بطول حياته- فأثنى عليه خيرًا والحمدُ لله. * فأخبرني الأخ مازن بن نهاد كمال -وهو من نابلس- أنه أعطى الكتاب للشيخ وجاء بعد فترة، ثمَّ سأله عنه، فقال له:

стр. 7

"لقد أعجبتُ به، ورجوتُ له مستقبلًا زاهرًا بشرط أن يستمر على هذا المنوال أو النهج- الشك من الأخ مازن". وقد شافهني بذلك في لقائي به في معرض الكتاب الدولي بالقاهرة، يوم الخميس ١٩/ جمادى الأولى/ ١٤٠٦ هـ الموافق ٣٠/ ١/ ١٩٨٦ عقب صلاة العصر. * وجاءني بعض الإخوة -واسمه كمال- بشريط تسجيل سجله مع الشيخ الألباني وسأَله فيه عن أفضل الشروح على السنن الأربعة وموطأ مالك .. فلما جاء ذكُر "سنن النسائي" قال الشيخ: "أنا لا أعلمُ -أو لم أطلع- على كتابٍ يفيد في هذه الناحية من كتب القدامى، لكن وصلني أخيرًا جزء لأحد الشتغلين بالحديث من الشباب في مصر -ولعل اسمه حجازي-. فقال له الأخ: هناك في مصر كتاب اسمه "بذل إِلاحسان". قال الشيخ: هو هذا، فهو يتوسع في هذا الكتاب، في التخريج مع بيان صحة الأحاديث من ضعفها، وهو في الواقع من الكتب المفيدة بالنسبة لما يؤلَّفُ في هذا العصر". * ولما قابلتُ الشيخ في "عمَّان" سنة (١٤٠٧ هـ) سألته عن الكتاب، فقال لي بالحرف الواحد: قويٌّ، قويٌّ، ما شاء الله". فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أنْ هدانا الله. ... أمَّا خدمتي لهذا الكتاب فهي كالآتي:

стр. 8

١ - أحكمُ على سند الحديث بما يستحقه من صحة أو حسنٍ أو ضعفٍ، حسب القواعد العلمية الدقيقة التي وضعها أهل الحديث، رضى الله عنهم ثمَّ أترجمُ لرجال الإِسناد ترجمة خفيفة رجاء التعريف بهم، ذاكرًا اسمه واسم أبيه وجدِّه، ثمَّ كنيتهُ، ولا أطيلُ في الترجمة، إلَّا إن كان لا بد من الإِطالة لدحض شبهة مفترٍ، أو بيان تساهل بعض الناس في مسائل الجرح والتعديل ونحو ذلك. وإنْ خالفتُ أحدًا فيما ذهب إليه، أظهرتُ حجتي في مخالفته ليكون أرجى لقبول العذر. ٢ - أخرجُ الأحاديث من كتب السنة التي بين يديَّ سواء المطبوعة منها أو المخطوطة، ولا أكتفي بذلك، بل أذكر درجة كل حديثٍ أوردهُ في هذا الشرح، وكثيرًا ما أبسط الكلام عليه إنْ كان هناك ما يدعو إلى ذلك. ٣ - ألتزمُ ببيان قول الترمذيّ: "وفي الباب عن فلان وفلان" فأُخرجُ هذه الأحاديث، وأتتبعُ طرقها وعللها مع الترجيح في كل ذلك، لأنَّ هذه الأحاديث تُعدُّ كالشواهد لحديث الباب، فتقويه إنْ كان ضعيفًا -على الشرائط المعتبرة-، أو تزيدُهُ قوة إنْ كان صحيحًا. وأمرٌ آخرُ: وهو أنني تمنيتُ لو صار شرحي هذا مفتاحًا لكتب السنة الأخرى غير النسائي، ولا شك أن هذا يحتاج مني وقتًا مديدًا، وجهدًا جهيدًا، وعزمًا حديدًا كما يعرف ذلك المشتغلون بهذا العلم الشريف. ثمَّ ليكن معلومًا أن ما أُخرِّجُهُ من قول الترمذى: "وفي الباب" هو ما يتعلق بالحديث الذي رواه النسائي، ويكون الترمذيُّ قد رواه أيضًا، أما الأحاديث التي لم يروها النسائيُّ وهي في الترمذيّ فقد أفردت لها كتابًا مستقلًا سميتهُ "العُباب بتخريج قول الترمذيّ وفي الباب" وقد تمَّ منه جزءان. يسر الله إتمامه بخيرٍ.

стр. 9

٤ - وضعتُ مقدمة لهذا الشرح سميتُها" الإِمعان مقدمةُ بذل الإِحسان" وهي في ثلاثة أجزاء: * أما الجزءُ الأول: فذكرتُ فيه ترجمة النسائيّ وتكلمتُ على سننه تفصيلًا بما لعله يُعجب الناظرين إن شاء الله، وقد انفصلتُ في بعض أبحاثه إلى تقديم سنن النسائي على سنن أبي داود، وقد برهنتُ على ذلك برهانًا علميًا، لا تعصُّب فيه والحمد لله. وقد حققتُ في هذا الجزء أيضًا شرط النسائي، وذكرت رتبة سننه ومميزاتها، ورواة السنن عنه. وهل في "السنن الصغرى" من اختيار ابن السني، أم من تصنيف النسائيّ، وهل في "السنن" حديثٌ موضوعٌ ثمَّ لماذا لم يخرج النسائي لابن لهيعة، وهل خرّج لمن هو أضعفُ منه؟ ثمَّ هل روى النسائيّ عن البخاري أو أبي داود في السنن؟. ثمَّ ذكرتُ شيوخ النسائي وعدة ما لكل شيخٍ من الأحاديث، مع ذكر الشيوخ الذين تفرد النسائيُّ بالرواية عنهم من دون الجماعة، ثمَّ ذكرتُ عدة ما لكل صحابيٍّ من الأحاديث. ثم ذكرتُ منصب النسائي في الجرح والتعديل، ومؤاخذات الناس عليه مع الجواب عنها. ثمَّ ذكرتُ بعض آرائه كرأيه في اللحن في الحديث، وأخذ الأجرة على التحديث ونحو ذلك. وفصولٌ أخرى. * الجزء الثاني: ذكرت فيه كتابًا اعتنى فيه صاحبهُ بسنن النسائي خاصة، وهو كتاب: "بُغية الراغب المتمني في ختم النسائي

стр. 10

برواية ابن السني" للحافظ شمس الدين السخاوي ﵀، وهذا الكتاب لا يزال مخطوطًا. * الجزء الثالث: ذكرتُ فيه قوانين الجرح والتعديل، وجعلته كالأصل يرجع إليه، وهو كتاب كنتُ صنفتهُ قديمًا وسميتُه: "قصد السبيل في الجرح والتعديل" فبدا لي أن أُلحقه بمقدمة هذا الشرح لتعلقه الشديد به. والله أسأل أن يتقبله مني بقبول حسنٍ، وأن يغفر لي ما زلَّ به يراعي. ٥ - لقد هممت -بناءً على نصيحة شيخنا الألباني- أن أتكلم على فقه الحديث حتى تتم الفائدة، إذ الغايةُ من الحديث هي العمل به كما قال لي شيخنا، ولكنى رأيتُ الكتاب يعظُم جدًّا، ويتأخر إنجازه، فرأيتُ فصل الفقه عن الحديث وجعله في كتاب مستقلٍّ، وجعلتُ طريقتي فيه ذكر مناسبة ما ترجم به النسائيُّ لحديث الباب، على غرار ما صنع ابنُ المنيِّر في كتابه "المتوارى على تراجم أبواب البخاري "وكذا ما صنعه بدر الدين ابن جماعة في كتابه "مناسبات تراجم البخاري"، وهذا يُظهر لنا منزلة الإِمام النسائي في الفقه، وقد قال الحاكمُ: "فأمّا كلام أبي عبد الرحمن النسائيِّ على فقه الحديث، فأكثر من أن يُذكر في هذا الموضع، ومن نظر في كتابه "السنن" له، تحيَّر من حُسْنِ كلامه" اهـ. وسميتُ هذا الكتاب: "تقريبُ النائي لتراجم أبواب النسائي" وقد نجز منه حتى الآن "كتاب الطهارة" إلا قليلًا منه.

стр. 11

٦ - فقد نصحني بعضُ أهلِ العلم والفضل أن أجعل عملي على "سنن النسائي الكبرى"، لا سيما وعندي منها نسخة مخطوطة جيدة جدًّا لكنها ناقصة، فعسُر عليَّ ذلك لأنني قطعتُ في "السنن الصغرى" شوطًا كبيرًا، فتمَّ منها عندي -اثنا عشر جزءً- وصلتُ فيه إلى "كتاب الجنائز"، وقد توقفت عنها منذ أكثر من خمس سنين لأشياء عرضت لي، ثمَّ بدا لي أن أحصل مقصود هؤلاء الأفاضل، فرأيتُ أن أحقق الأحاديث التي لم تُذكر في "المجتبى" وهي في "السنن الكبرى"، وأُلحقها بآخر كل كتابٍ. فمثلًا بعد الانتهاء من طبع "كتاب الطهارة"، أُذيِّلُ عليه بالأحاديث المذكورة في "السنن الكبرى" وهي غير موجودة في "الصغرى" وبهذا يتمُّ تحقيق الكتابين جميعًا. والله الموفق. ٧ - صنعت كتابًا مستقلًا فيه زوائد النسائي على "الصحيحين"، ثمَّ كتابًا آخر في زوائده على الكتب الخمسة، ومنه علمتُ منزلة هذه السنن، وأنها أقلها حديثًا ضعيفًا، ورجلًا مجروحًا. وهذا آخر ما قصدتُ ذكره لبيان منهجي في تقريب هذه السنن، ولا يفوتني أن أذكر أن ما سطرتُه في كتابي هذا، إنما هو بحسب ما بلغه اجتهادي بعد إعمال القاعدة العلمية، مع الاستفادة من استقراء الأئمة المحسنين لهذا الشأن. ولا شك أنه قد وقع خللٌ في بعض ما ذهبتُ إليه، فأنا لا أؤكدُ الثقة به، وكلُّ من عثر على حرفٍ فيه، أو معنىً يجبُ تغييرُه، فإني أناشدُهُ الله في إصلاحه، وأداء حق النصيحة فيه، وما أبرأ من العثرة والزلة، وما أستنكف أنْ

стр. 12

أراجع الصواب إنْ بان لي مأخذُهُ، فإن هذا الفن لطيفٌ، وابنُ آدم إلى العجز، والضعف، والعجلة أقرب. فرحم الله أخًا نظر فيه نظرة تجرُّدٍ وإنصافٍ، ودعا لي بظهر الغيب على صوابٍ وفقني الله إليه، واستغفر لي زلاتي الكثيرة فيه. والله أسألُ أن يجعله زادًا لحُسْنِ المصير إليه، وعتادًا ليُمْنِ القدوم عليه، إنه بكل جميلٍ كفيل، وهو حسبي ونعم الوكيل. والحمد لله أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا. وكتبه راجي عفو ربه الغفور أبو إسحاق الحويني الأثري عفا الله عنه بمنه وكرمه غرة ذي القعدة / ١٤٠٩ هـ

стр. 13

كِتَابُ الطَّهَارَةِ

стр. 14

باب تَأْوِيلِ قَوْلِهِ (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) . ١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِى وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِى أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». ــ ١ - إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. * قتيبة بنُ سعيد: هو ابنُ جميل بن طريف، أبو رجاء البغلاني. روى عنه الجماعة، إلا ابن ماجة، فإنه روى عنه نازلًا بواسطة الذهليِّ عنه. وكذا روى المصنف عن زكريا السجزي، عنه، نازلًا. وهو ثقةٌ جليلُ القدر. وقد أكثر المصنفُ عنه، بحيث لا أعلمُهُ روى عن شيخٍ أكثر منه. فروى عنه في "سننه" (٦٨٧) حديثًا فقد رحل إليه المصنفُ سنة (٢٣٠)، فأقام عنده سنةً كاملةً، على ما ذكره الذهبيُّ في "السير" (١١/ ٢٠). وكان قتيبةُ من المكثرين، بحيث روى نحوًا من مائة ألف حديث، ومع سعة ما روى، ما أعلمُ أنه روى حديثًا أنكروه عليه، سوى حديث معاذ بن جبل ﵁ في جمع التقديم. =

стр. 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = قال الحاكم في "علوم الحديث" (ص- ١٢٠): " ... وقد قرأ علينا أبو عليٍّ الحافظُ هذا الباب، وحدثنا به عن أبي عبد الرحْمَن النسائي، عن قتيبة بن سعيد. ولم يذكر أبو عبد الرحمن، ولا أبو عليٍّ للحديث علَّةً، فنظرنا فإذا الحديثُ موضوع، وقتيبةُ ثقةٌ مأمونٌ" اهـ. * قُلْتُ: كذا قال الحاكم رحمه الله تعالى!، وحكمه على الحديث بالوضع لم يوافق عليه، بل الحديث صحيحٌ، وما أُعلَّ به، فليس بعلةٍ، كما يأتي شرحه في هذا الكتاب -إن شاء الله-. * سفيان، هو ابنُ عيينة. وهو ثقةٌ نبيلٌ، جليلٌ. كان يدلسُ عن الثقات فقط، فهو المدلسُ الوحيدُ الذي تستوى عنعنته وتصريحه بالتحديث. قال ابنُ حبان في "مقدمة صحيحه" (١/ ٩٠): "وأما المدلسون الذين هم ثقاتٌ وعدولٌ، فإنا لا نحتجُّ بأخبارهم إلا ما بينوا السماع فيما رووا ... اللهم إلا أن يكون المدلسُ يُعلم أنه ما دلَّس قطُّ إلا عن ثقةٍ، فإن كان كذلك قُبلت روايتهُ وإن لم يُبين السماع، وهذا ليس في الدُّنيا إلا لسفيان بن عيينة وحده، فإنه كان يُدلسُ، ولا يدلسُ إلا عن ثقةٍ متقنٍ، ولا يكادُ يوجد لسفيان بن عيينة خبرٌ دلَّس فيه إلا وُجد ذلك الخير بعينه قد بين سماعُه عن ثقةٍ مثل نفسه، والحكمُ في قبول روايته لهذه العلة -وإن لم يُبين السماع فيها- كالحكم في رواية ابن عباس إذا روى عن النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما لم يسمع منه" اهـ. =

стр. 16

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = * والزهري: هو محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهابٍ. وهو ثقةٌ، جبلٌ، حافظٌ، ربما دلَّس. وأنكر بعضُ أصحابنا أن يكون ابن شهاب مدلسًا، واستعظم ذلك جدًّا، وبالغ حتى زعم أن مخالفهُ: "تردى في وهدةٍ سحيقةٍ"! وأنه: "ادعى باطلًا ليس له فيه سلفٌ"! كذا قال!! وإنكار المشار إليه، هو الذي ينبغي أن يُستعظم، فقد وصفه بالتدليس الشافعىُّ، والدَّارقطنىُّ، وغيرهما، على ما ذكره الحافظ في "طبقات المدلسين". وذكره الذهبىُّ في أول "منظومته" في المدلسين، فقال: خُذِ المُدَلِّسِيْن يَاذَا الفِكْرِ ... جَابِرٌ الجُعْفِىُّ ثُمَّ الزُّهْرِيّ بل قال الرهانُ الحلبى في "التبيين": "مشهور به"! كذا قال! وليس بصوابٍ عندي. فقد قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٥): " ... وابنُ شهاب جُرب عليه التدليس". وقال في "موضع آخر" منه (١٠/ ٤٢٧): " ... وإدخالُ الزهري بينه وبين عروة رجلًا، مما يؤذن بأنه قليل التدليس". وصرّح بذلك الذهبىُّ تصريحًا، فقال في "الميزان": "كان يُدلِّسُ في النادر". نعم، ينكر على بعض المشتغلين بالعلم أن يُعلُّوا الحديث بعنعنة =

стр. 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = الزهري، فإن التدليس لم يكن من عادته، بل كان يفعله أحيانًا كما تقدم، فالصوابُ عدم الإِعلال بعنعنة الزهري، إلا إذا كان المتنُ منكرًا، ورجال الإِسناد ثقات، ولا مدخل للإِعلال إلا بعنعنة الزهري. والله أعلمُ. * أبو سلمة: هو ابن عبد الرحمن بن عوف. ثقةٌ جليلٌ حافظٌ، مشهورٌ بكنيته، وقد اختُلف في اسمه على أقوال. وقال مالكُ بنُ أنس: "اسمُه كنيتُهُ". ... وللحديث طرقٌ كثيرةٌ عن أبي هريرة، وهي: ١ - أبو سلمة، عنه. أخرجه مسلمٌ (٢٧٨/ ٨٧)، وأبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٦٣)، وأحمدُ (٢/ ٢٤١، ٢٥٩، ٣٨٢)، والشافعيُّ في "مسنده" (١/ ٢٧)، والحميدىُّ (٩٥١)، والدارمي (١/ ١٦١)، وابنُ الجارود في "المنتقى" (٩)، وكذا ابنُ خزيمة (١/ ٥٢/ ٩٩)، وابنُ حبان (ج٢ / رقم ١٠٥٩)، وأبو يعلى في "مسنده" (ج١٠/ رقم ٥٩٦١)، وابنُ عديّ في "الكامل" (١/ ١٩٧)، والدارقطنىُّ في "العلل" (ج ٣ /ق ٢١/ ١)، والبيهقيُّ (١/ ٤٥)، والبغويُّ في "شرح السُّنة" (١/ ٤٠٧) من طريق الزهري، عن أبي سلمة. وتابعه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة. =

стр. 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٢،٣٤٨) وأبو عبيد في "كتاب الطهور" (ق ١٢/ ١)، وابنُ أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٩٨)، وأبو يعلى (ج ١٠/ رقم ٥٩٧٣)، والطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٢٢) وسنده حسنٌ. وأخرجه الترمذيُّ (٢٤)، وابنُ ماجة (٣٩٣)، والطحاوي (١/ ٢٢)، والدارقطني في "العلل" (ج ٣/ ق ٢٠/ ٢)، والبيهقي (١/ ٢٤٤)، والخطيبُ في "التاريخ" (١١/ ٣٠٠)، وابنُ جُميع في "معجمه" (٣٤١ - ٣٤٢) من طريق أبي سلمة وسعيد بن المسيب جميعًا، عن أبي هريرة مرفوعًا به. قال الترمذي: "حديث حسنٌ صحيحٌ". ٢ - الأعرج، عنه. أخرجه البخاريُّ (١/ ٢٦٣ - فتح)، بزيادةٍ في أوله، ومسلمٌ (٢٧٨/ ٨٨)، وأبو عوانة (١/ ٢٦٣)، ومالك (١/ ٢١/ ٩)، والشافعي (ج ١ / رقم ٦٨، ٦٩)، وأحمد (٢/ ٤٦٥)، والحميدي (٩٥٢) وابنُ المنذر في "الأوسط" (١/ ١٤٣، ٣٧٢)، وابنُ حبان (ج ٢ / رقم ١٠٦٠)، والبيهقيُّ (١/ ٤٥)، وابنُ النجار في "ذيل تاريخ بغداد" (٢/ ١٨٤)، والبغوي في "شرح السنة" (١/ ٤٠٦)، من طريق أبي الزناد، عن الأعرج. وقد رواه عن أبي الزناد: "مالك، وابنُ عيينة". وتابعهما هشام بنُ عروة، عن أبي الزناد به، مع زيادة: "ويُسمى قبل أن يدخلها". يعني يده. =

стр. 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = أخرجه ابنُ عديّ في "الكامل" (٤/ ١٥٠١)، والعقيلىُّ في "الضعفاء" (٢/ ٣٠٠)، من طريق عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، عن هشام به. * قُلْتُ: وهذه الزيادةُ منكرةٌ، والحديثُ غيرُ محفوظٍ عن هشام بن عروة. قال ابن عدي: "وهذا غريبُ الإِسناد والمتن. فمن قِبلِ الإِسناد: من حديث هشام بن عروة، عن أبي الزناد. لا أعلم يرويه عن هشام غير عبد الله بن محمد بن يحيى. وغرابة المتن: "ويسمى قبل أن يدخلها" وهذه اللَّفظةُ (غريبةٌ) (١) في هذا الحديث" اهـ. * قُلْتُ: يعني منكرة، فلم يذكرها أحدٌ ممن روى الحديث. وآفة هذا الإسناد: عبد الله بن محمد بن يحيى هذا. فقد تركه أَبو حاتم، وقال: "ضعيفُ الحديث جدًّا". وقال العقيلي: "لا يتابعُ على كثيرٍ من حديثه". وقال ابنُ حبان: "يروى الموضوعات عن الثقات". فالسندُ تالفٌ. =

стр. 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = ٣ - سعيد بن المسيب، عنه. أخرجه مسلمٌ (٢٧٨/ ٨٧)، وأبو عوانة (١/ ٢٦٤)، والمصنفُ في "كتاب الغسل" -ويأتي-، وأحمد (٢/ ٢٦٥، ٢٨٤)، وابنُ عدي (١/ ١٩٧)، والطحاويُّ (١/ ٢٢)، والدارقطنيُّ في "العلل" (ج٣ / ق ٢٠/ ٢). وأخرجه الترمذيُّ، وابنُ ماجة، وغيرُهُما عنه، وعن أبي سلمة معًا عن أبي هريرة. وقد مرّ تخريجه قريبًا. ٤ - أبو صالح، عنه. أخرجه أبو داود (١٠٤)، وأحمد (٢/ ٢٥٣)، وأبو عوانة (١/ ٢٦٤)، والطيالسىُّ (٢٤١٨)، وابنُ عديّ (٢/ ٧٠٨)، والسهميُّ في "تاريخ جرجان" (١٣٨)، والطحاويُّ (١/ ٢٢)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، والبيهقيُّ (١/ ٤٧)، من طُرقٍ عن الأعمش، عن أبي صالحٍ به. وتابعه سهيلُ بنُ أبي صالحٍ، عن أبيه. أخرجه ابنُ المقرى في "معجمه" (ق ٦٥/ ٢)، وأبو نُعيم في "أخبار أصبهان" (١/ ١٤٧) من طريق إبراهيم بن طهمان، عن هشام، عن سهيل به. وسندهُ صحيحٌ. ٥ - أبو رزين، عنه. أخرجه مسلمٌ (٢٧٨/ ٨٧)، وأبو عوانة (١/ ٢٦٤)، ووكيع في "نسخته عن الأعمش" (١٨)، وأحمد (٢/ ٤٧١)، والطحاوي (١/ ٢٢)، والبيهقىُّ (١/ ٤٥) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، =

стр. 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = وأبي رزين معًا، عن أبي هريرة. وأخرجه ابنُ أبي شيبة (١/ ٩٨) من طريق الأعمش، عن أبي رزين وحده. ٦ - عبد الله بن شقيق، عنه. أخرجه مسلمٌ، وأبو عوانة (١/ ٢٦٣)، وابنُ خزيمة (١٠٠)، وكذا ابنُ حبان (ج ٢ / رقم ١٠٦١، ١٠٦٢)، والدَّارقطني (١/ ٤٩)، والبيهقيُّ (١/ ٤٦). قال ابنُ خزيمة: "خبرٌ غريبٌ"!! * قُلْتُ: وهذة الغرابة التي عناها ابن خزيمة، هي من قبل شيخه محمد بن الوليد. قال ابنُ خزيمة: "نا محمد بن الوليد بخبرٍ غريب، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن خالدٍ الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة مرفوعًا، وفيه: "فإنه لا يدري أين باتت يدُهُ منه". فزاد محمد بن الوليد لفظة: "منه". وهذه اللفظة هي التي استغربها ابنُ خزيمة، كما يُفهم من كلام البيهقيّ، ونبه على ذلك الدارقطنيُّ في "العلل" (ج ٣/ ق ٥٧/ ٢). ولم يتفرد محمد بن الوليد بذكر هذه اللَّفظةُ فلقد تابعه اثنان عليها: أ - الإِمام أحمد بن حنبل ﵀. قال في "مسنده" (٢/ ٤٥٥):

стр. 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة بسنده سواء. وفيه اللَّفظةُ الزائدةُ. ب- محمد بن يحيى الذهليّ. أخرجه ابن المقرى في "معجمه" (ق ١١٨/ ٢)، وابنُ عساكر (١٢/ ٢/ ٣٣٤) من طريق أبي الحسن عمران بن موسى بن المهرجان النيسابورى (١)، ثنا محمد بن يحيى الذهلىُّ، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوراث، ثنا شعبة به. ٧ - الحسن البصريُّ، عنه. أخرجه الدارقطنيُّ في "حديث أبي الطاهر الذهليّ" (٢) (رقم ٩٩)، من طريق خالد، عن يونس، عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا به، ولم يذكر الجملة الأخيرة منه. وأخرجه ابنُ عديٍّ في "الكامل" (٦/ ٢٣٧١ - ٢٣٧٢) من طريق معلي بن الفضل، ثنا الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا به، وزاد: "فإن غمس يده في الإِناء من قبل أن يغسلها، فليروا ذلك الماء" قال ابنُ عديّ: "وقولُهُ في هذا المتن: "فليروا ذلك الماء"، منكرٌ لا يُحفظُ". وقال الحافظ في "الفتح" (١/ ٢٦٣): "حديث ضعيف". * قُلْتُ: ومعلى بن الفضل في حديثه نكارة. والربيع بن صبيح في حديثه ضعفٌ. =

стр. 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = والحسن البصريّ لم يسمع من أبي هريرة على رأى الأكثرين. نعم، سمع بعض أحاديث منه، ولكنه مدلسٌ وقد عنعنهُ. ثم قوله في هذا الحديث: "فليرق ذلك الماء" منكرٌ كما قال ابنُ عديّ، والذهبىُّ في "الميزان" (٤/ ١٥٠) لأمرين: * الأوَّلُ: أن هذه الزيادة لم تقع في أيِّ طريق من طرق الحديث على كثرتها، فدلَّ ذلك على أنها غير محفوظة، لا سيما وفي السند ما قد رأيت من العلل. * الثاني: أن الأكثرين من العلماء حملوا الحديث في غسل اليدين على الاحتياط، لأن النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "فإنه لا يدرى أين باتت يدُهُ" فعلقه بأمرٍ موهومٍ، وما عُلِّق بالموهوم لا يكون واجبًا، وأصلُ الماء والبدن الطهارةُ، وهذا يقينٌ لا يزولُ بمجرد الوهم. ويرى أحمد، وإسحق، وجوب غسل اليدين بعد النوم قبل وضعهما في الإِناء. ويُفرق أحمد بين نوم الليل ونوم النهار. وقال بوجوب غسل اليدين داود الظاهري، وابن جرير، قالوا: إذا أدخل يده في الإناء قبل الغسل، ينجُس الماء. وفي هذا القول نظرٌ. لأن الحكمة في غسل اليد عقب القيام من النوم، قد تكون لخوف نجاسةٍ تكونُ على اليد، مثل مرور يده على موضع الاستجمار مع العرق، كما قال الشافعىُّ، وأحمدُ، وغيرُهُما. فلن يكون هذا أعظم من البول في الماء الدائم، وقد دلَّ الدليلُ على أن الماء لا ينجُس. ولذلك حكى شيخُ الإِسلام ابن تيمية في "الفتاوى" (٢١/ ٤٥) =

стр. 24

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = الاتفاق على أن غمس القائم من النوم يده في الإِناء، لا يقتضي تنجيس الماء. وفي دعوى الاتفاق نظرٌ، لما تقدم. والله أعلم. ٨ - همام بن مُنبه، عنه. أخرجه مسلم (٢٧٨/ ٨٨)، وأبو عوانة (١/ ٢٦٤)، وأحمد (٢/ ٣١٦). ٩ - جابر بن عبد الله، عنه. أخرجه مسلمٌ (٢٧٨/ ٨٨)، وأبو عوانة (١/ ٢٦٣)، وأحمد (٢/ ٤٠٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (ج١٠/ رقم ٥٨٦٣) من طريق أبي الزبير، عن جابر وقد رواه عن أبي الزبير اثنان: أ- معقل بن عبيد الله. عند مسلمٍ، وأبي عوانة. ب- ابن لهيعة. عند أحمد، وأبي يعلى. وقد صرَّح أبو الزبير بالتحديث في طريق ابن لهيعة، لكنه سيىء الحفظ، والراوي عنه ليس من القدماء. ثم هو مدلسٌ أيضًا وقد عنعن. وخالفهما عبدُ الملك بن أبي سليمان، فرواه عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا وزاد فيه: "ولا على ما وضعها" (١). فجعله من "مسند جابر" لا من "مسند أبي هريرة". أخرجه ابنُ ماجة (٣٩٥)، والدارقطنيُّ (١/ ٤٩)، وحسَّنهُ، والخطيبُ (١٠/ ٤٥٠) من طريق زياد بن عبد الله البكائي، عن عبد الملك. وقد رواه عن زياد البكائيّ ثلاثةٌ: =

стр. 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = "إسماعيلُ بن توبة، ومحمد بنُ نوح، وموسى بن بحر ". * قُلْتُ: ورواية معقل وابن لهيعة أرجحُ عندي من رواية عبد الملك ابن أبي سليمان، فإن هذا، وإنْ كان من رجال مسلمٍ إلَاّ أنه ربما أخطأ، وفي الطريق إليه زيادُ البكائيُّ، وكان كثير الخطأ، وبعضُهُم يُضعِّفُهُ مطلقًا. والصّوابُ كما قال أبو حاتم: "يكتبُ حديثُهُ، ولا يُحتجّ به". وهو يعني بهذه العبارة: "يكتبُ حديثه في المتابعات والشواهد، ولا يُحتجُّ به إذا انفرد" وقد رأيتُ في كلام أبي حاتم ما يُصوِّبُ هذا الفهم. ففي ترجمة إبراهيم بن الهاجر البجليّ، من "الجرح والتعديل" (١/ ١/ ١٣٣)، قال أبو حاتم: "إبراهيم بن مهاجر ليس بالقويّ، هو وحصين بن عبد الرحمن، وعطاءُ بنُ السائب. قريبٌ بعضُهُمْ من بعض. محلُّهم عندنا محلُّ الصدق. يُكتبُ حديثُهُمْ، ولا يُحتجُّ بحديثهم. قلتُ لأبي -القائلُ هو ابنُ أبي حاتم-: ما معنى: لا يُحتجُّ بحديثهم؟! قال: كانوا قومًا لا يحفظون، فيُحدثون بما لا يحفظون، فيغلطون، ترى في أحاديثهم اضطرابًا ما شئت" اهـ. وكذلك في ترجمة: "فُضيل بن مرزوق" من "الجرح" (٣/ ٢/ ٧٥) قال ابنُ أبي حاتم: "وسألتُ أبي عنه ... فقال: هو صدوقٌ، صالح الحديث، يهمُ كثيرًا، يُكتبُ حديثه. قلتُ: يُحتج به؟! قال: لا! ". =

стр. 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =١٠ - عبدُ الرحْمن بنُ يعقوب المدنيُّ، عنه. أخرجه مسلمٌ (٢٧٨/ ٨٨)، وأبو عوانة (١/ ٢٦٥)، من طريق ابنه، العلاء بن عبد الرحمن، عنه. ١١ - ثابتٌ مولى عبد الرحمن بْنِ زيد، عنه. أخرجه مسلمٌ، وأبو عوانة (١/ ٢٦٤)، وأحمد (٢/ ٢٧١). ١٢ - محمدُ بْنُ سيرين، عنه. أخرجه مسلمٌ (٢٧٨/ ٨٨)، وأحمد (٢/ ٥٠٧)، وابنُ أبي شيبة (١/ ٩٨)، والبزَّارُ -كما في "نصب الراية" (١/ ٣) وابنُ قتيبة في "الغريب" (١/ ١٠) - من طريق هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا. ويرويه عن هشام بن حسَّان: "عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عند مسلمٍ. ويزيد بن هارون عند أحمد، وأبو خالد الأحمر، عند ابن أبي شيبة" (١). وتابعهم إبراهيمُ بْنُ طهمان، عن هشام به، وزاد: "ثم ليغترف بيمينه من إنائه، ثمَّ ليصب على شماله، فليغسل مقعدته". ذكره ابنُ أبي حاتم في "العلل" (١/ ٦٥/ ١٧٠) ونقل عن أبيه: "ينبغي أن يكون: "ثم ليغترف بيمينه ... " إلى آخر الحديث من كلام إبراهيم بن طهمان، فإنه قد كان يصل كلامه بالحديث، فلا يميزه المستمعُ" اهـ. =

стр. 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ * قُلْتُ: وله طريقان آخران عن ابن سيرين: أ- عوف بن أبي جميلة، عنه. أخرجه أحمد (٢/ ٣٩٥)، وابنُ النَّجَّار في "ذيل التاريخ" (٢/ ١٣٢) من طريق هوذة بن خليفة، عن عوف. وسندهُ قويٌّ. وفي هوذة كلامٌ لا يضرُّ. ب- سالمُ الخياط، عنه. أخرجه الطبرانيُّ في "الأوسط" (ج١ رقم ٩٤٩) قال: حدثنا أحمدُ، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا زهيرُ بنُ محمدٍ، عن سالم الخياط، قال: سمعتُ محمد بن سيرين به. وذكر فيه: " ... حتى يُفرغ على يديه ثلاث مرات ... ". * قُلْتُ: أحمدُ، شيخ الطبرانيّ، هو ابنُ يحيى الحُلْوانيُّ، ثقةٌ، وَثقهُ غيرُ واحدٍ -كما في "تاريخ بغداد" (٥/ ٢١٢ - ٢١٣) -. وعمرو، هو ابْنُ أبي سلمة التنيسي. وهو صدوقٌ، ولكن وقعت منه أوهامٌ في حديثه، لا سيما في حديثه عن زهير بن محمد، حتى قال أحمدُ بن حنبل: "روى عن زهير أحاديث بواطيل، كأنه سمعها من صدقة، فغلط، فقلبها عن زهيرٍ" اهـ. فكأن هذا آتٍ من قبل أن عمرو بن أبي سلمة شاميُّ. وقد قال أحمدُ، والبخاريُّ، وغيرُهُما: "ما روى أهلُ الشام عن زهيرٍ، فإنه مناكيرُ" وهذا منها. وسالمُ، هو ابنُ عبد الله الخياط. مختلفٌ فيه. وحديثُهُ جيد في المتابعات. =

стр. 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = ثم اعلم أنه مما يستنكر في هذا الحديث، قولُهُ: "يفرغ على يديه ثلاث مراتٍ". فذكرُ العدد غيرُ محفوظٍ من حديث ابن سيرين، كما يُرشدُ إليه كلام مسلمٍ في "صحيحه". فقد قال ما مُلخصُهُ: "قولُهُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "يغسلها ثلاثًا". رواه عن أبي هريرة: "الأعرجُ، ومحمدُ بْنُ سيرين، وعبدُ الرحمن بنُ يعقوب، وهمامُ بْنُ مُنبِّه، وثابتٌ مولى عبد الرحمن بن زيد، جميعهم لا يذكرُ العدد في غسل اليدين. ووقعت رواية "الثلاث" في حديث جابر بن عبد الله، وابن المسيب، وأبي سلمة، وعبد الله بن شقيق، وأبي صالحٍ، وأبي رزين" اهـ. فهذا يُبيّن أن ذكر العدد في رواية ابن سيرين منكرٌ. والله أعلمُ. ١٣ - موسى بن يسار، عنه. أخرجه أحمد (٢/ ٥٠٠)، حدثنا يزيد، ثنا محمد -يعني ابن إسحاق-، عن موسى بن يسار، عن أبي هريرة. وعن الزهريّ وغيره، قالوا: قال رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ... فذكره. * قُلْتُ: وسنده حسنٌ لولا تدليس ابن إسحق. ثم قوله: "وعن الزهري وغيره" فلم يظهر لي وجهُهُ. لأن موسى بن يسار هو المطلبي عمُّ محمد بن إسحق، ولم يرو الزهري عنه شيئًا بعد البحث والتتبُع. إلا أن يكون المقصود أن محمد بن إسحاق يرويه عن الزهري، وعن موسى بن يسار معًا. فيكون طريق الزهريّ منقطعًا؛ لأنه لم يسمع من أبي هريرة. ويبعُدُ جدًّا - =

стр. 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = عندي- أن يكون موسى بن يسار هو الأرْدُنيُّ، والذي يقال فيه: "موسى بن سيار". فالله أعلم بحقيقة الحال. ثم ظهر لي وجهٌ آخر. فلعلَّ ابن إسحق يرويه عن الزهري مرسلًا أو معضلًا. والله أعلمُ. ١٤ - أبو مريم، عنه. أخرجه أبو داود (١٠٥)، وابنُ حبان (ج٢/ رقم ١٠٥٨)، والدارقطنيُّ (١/ ٥٠)، والبيهقيُّ (١/ ٤٦) من طريق معاوية بن صالح، عنه وسندهُ حسنٌ -كما قال الدارقطنيُّ- ﵀. ١٥ - نُعيم بن عبد الله، عنه. أخرجه ابنُ عديٍّ في "الكامل" (٣/ ٩١١) من طريق أبي الجنيد الضرير، عن عثمان بن مقسم، عن نُعيم به. * قُلْتُ: وسندُهُ ضعيفٌ جدًّا. وأبو الجنيد هذا، هو خالد بن الحسين. قال ابْنُ معين: "ليس بثقةٍ". وضعَّفهُ ابنُ عديٍّ. وعثمان بن مقسم، تركه يحيى القطَّان، والنسائيُّ، والدَّارقطنيُّ. وغلا فيه الجوزجاني، فكذَّبه. ... قال الترمذيُّ: "وفي الباب عن ابن عمر، وجابر، وعائشة". * قُلْتُ: =

стр. 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = أمَّا حديث ابن عمر، ﵄. فأخرجه ابنُ ماجة (٣٩٤)، والطحاويُّ في "شرح المعاني" (١/ ٢٢)، والدارقطنيُّ (١/ ٤٩ - ٥٠)، وعنه البيهقيُّ (١/ ٤٦)، وكذا ابنُ خزيمة في "صحيحه" لمن (١/ ٧٥/ ١٤٦) من طريق ابن وهبٍ، أخبرني ابنُ لهيعة، وجابر بن إسماعيل، عن عقيل، عن ابن شهابٍ، عن سالم، عن أبيه، مرفوعًا: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يدخل يده في الإِناء، حتى يغسلها [ثلاثًا] ". وقد رواه عن ابن وهبٍ جماعةٌ، منهم: "حرملةُ بن يحيى، وأصبغُ بنُ الفرج، وأحمدُ بْنُ عبد الرحمن بن وهب" وخالفهم سفيانُ بنُ وكيعٍ، فرواه عن ابن وهبٍ، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعًا به. أخرجه ابنُ عديٍّ في "الكامل" (٣/ ١٢٥٤)، وقال: "وهذا، قد زلَّ فيه سفيانُ بْنُ وكيعٍ، أو لُقِّن، أو تَعمَّدَ، حيث قال: ثنا ابنُ وهبٍ، عن يونس، عن الزهري ... وكأن هذا الطريق أسهلُ عليه (١). وإنما يرويه ابنُ وهبٍ عن ابن لهيعة، وجابر بن إسماعيل، عن عقيل، عن الزهريِّ" اهـ. فالمحفوظ هو طريق ابن وهبٍ، عن ابن لهيعة وجابر بن إسماعيل. قال ابنُ خزيمة عقب الحديث: "وابنُ لهيعة ليس ممن أخرجُ حديثه في هذا الكتاب إذا تفرَّد بروايةٍ، وإنما أخرجتُ هذا الخبر، لأن جابر بن إسماعيل معه في الإسناد" اهـ. =

стр. 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = وقال الدارقطنيُّ: "إسنادُهُ حسنٌ". وقال البوصيريُّ في "الزوائد". "إسنادُهُ صحيحٌ على شرط مسلم". فقال السنديُّ: "قلتُ: كأنه لانضمام جابر بن إسماعيل إلى ابن لهيعة، وإلا فابن لهيعة مشهور بالضعف" اهـ. * قُلْتُ: نعم، الحديث على شرط مسلم لأجل جابر بن إسماعيل ولكن ابن لهيعة، وإن كان سيىء الحفظ، غير أن رواية القدماء عنه صحيحة، ويُحسنها الذهبيُّ وغيرُهُ. والحديث هنا من رواية ابن وهبٍ عنه، وقد سمع منه قديمًا. وقد غلا بعضُ الناس، فأسقط حديث ابن لهيعة كلَّهُ، سواءٌ كان من رواية القدماء أو المتأخرين. وفرَّط بعضُهُمْ، فصحَّح حديثه كلَّهُ، حتى من رواية المتأخرين عنه.!! وهكذا يضيعُ الحقُّ بين الإفراط والتفريط! والحقُّ، أن حديث ابن لهيعة من رواية القدماء عنه قويُّ مقبولٌ، ولم يكن دلَّس فيه. أما بعد احتراق كتبه، فقد وقعت منه مناكيرُ كثيرةٌ في حديثه. وقد أنكر بعضُ الناس أن تكون كتبه احترقت كما حكاه يزيد بن الهيثم عن ابن معين. وهو قولٌ يحتاجُ إلى تحريرٍ، لعلى أذكره في "كشف الوجيعة، ببيان حال ابن لهيعة" يسر الله إتمامه بخيرٍ. وقد وقع لي أسماءُ جماعةٍ من الذين سمعوا من ابن لهيعة قبل احتراق كتبه، منهم: =

стр. 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = ١ - عبد الله بن المبارك. ٢ - عبد الله بن وهب. ٣ - عبد الله بن يزيد المقرىء. ٤ - عبد الله بن مسلمة القعنبيُّ. ٥ - يحيى بن إسحق. ٦ - الوليدُ بنُ مزيد. ٧ - عبد الرحمن بنُ مهدي. ٨ - إسحقُ بْنُ عيسى. ٩ - اللَّيْثُ بنُ سعدٍ. ١٠ - بشرُ بنُ بكر. * قُلْتُ: نصَّ على الثلاثة الأول: الساجيُّ، وعبدُ الغني بْنُ سعيد، وغيرُهُما. قال الذهبيُّ في "تذكرة الحفاظ" (١/ ٢٣٨): "حدَّث عنه ابنُ المبارك، وابنُ وهب، وأبو عبد الرحمن المقرئ، وطائفةٌ قبل أن يكثر الوهمُ في حديثه، وقبل احتراق كتبه، فحديثُ هؤلاء عنه أقوى، وبعضُهُمْ يصححه، ولا يرتقي إلى هذا" اهـ. وقال ابنُ مهدي: "لا أعتدُّ بشيء سمعتُه من حديث ابن لهيعة، إلا سماعُ ابن المبارك ونحوه" وكذا قال ابنُ حبان في "المجروحين" (٢/ ١١). ونصَّ ابنُ حبان على القعنبي. ذكره عنه الذهبي في "الميزان" (٢/ ٤٨٢)، وفي "السير" (٨/ ٢٣). =

стр. 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = ونصَّ على: "يحيى بن إسحق"، الحافظُ في "التهذيب" (٢/ ٤٢٠) في ترجمة حفص بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص. ونصَّ على الوليد بن مزيد: الطبرانيُّ في "المعجم الصغير" (١/ ٢٣١). ونص على عبد الرحمن بن مهديّ: الحافظُ في "مقدمة اللسان" (١/ ١٠ - ١١). ولي بعضُ النظر حول سماع ابن مهدى من ابن لهيعة. ونصَّ على إسحق بن عيسى: أحمدُ بْنُ حنبلٍ. ففى "الميزان" (٢/ ٤٧٧) للذهبيّ: "قال أحمدُ: حدثني إسحق بْنُ عيسى أنه لقى ابن لهيعة سنة أربعٍ وستين ومائة، وأن كُتبه احترقت سنة تسع وستين". ونصَّ على اللَّيث بن سعدٍ: الحافظُ ابنُ حجر. فقال في "الفتح" (٤/ ٣٤٥): " ... وفيه ابنُ لهيعة، ولكنه من قديم حديثه، لأن ابن عبد الحكم أورده في "فتوح مصر" من طريق الَّليث عنه" اهـ. ونصَّ على بشر بن بكر: العقيليُّ بسنده. فقال في "الضعفاء" (٢/ ٢٩٤): "حدثنا حجاج بن عمران، قال: حدثنا أحمد بن يحيى بن الوزير، قال: حدثنا بشر بن بكر، قال: لم أسمع ابن لهيعة شيئًا بعد سنة ثلاث وخمسين ومائة". ورجاله ثقات، غير شيخ العقيليّ، فلم أقف له على ترجمة. وحاصلُ البحث، أن حال ابن لهيعة يجبُ فيه التفصيلُ، لا أنْ تردَّ =

стр. 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = مروياته، كما يفعل البوصيريُّ ﵀ في "الزوائد"-، فإنه رغم تسامحه في النقد، متشددٌ في حق ابن لهيعة. والله تعالى الموفق. وحديث ابن عمر، هذا: أخرجه أيضًا ابنُ عدي (٢/ ٧٤٤) من طريق الحسن بن أبي الحسن، البغدادي، ثنا سفيان بن عُيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه مرفوعًا به. قال ابنُ عدي: "وهذا الحديث عن ابن عُيينة، عن الزهري، بهذا الإِسناد، غيرُ محفوظٍ، وإنما يروى هذا الحديث ابنُ وهبٍ، عن ابن لهيعة، وجابر بن إسماعيل الحضرمي، عن عقيل، عن الزهري" اهـ. * قُلْتُ: وآفة الإِسناد هو الحسن هذا. قال ابنُ عدي: "منكرُ الحديث عن الثقات، ويقلبُ الأسانيد ... ولم أر له كثير حديثٍ، ومقدار ما رأيتُهُ، لا يشبه حديثه حديث أهل الصدق" اهـ. وهذا القولُ من ابن عدي ﵀ يُعدُّ شديدًا؛ لأنه من المتوسطين، ويظهرُ في نقده أثرُ التسامح. والله أعلمُ. حديث جابر بن عبد الله، ﵄. فمرَّ الكلامُ عليه قريبًا. ... حديث عائشة، ﵂. ذكره ابنُ أبي حاتم في "العلل" (١/ ٦٢) قال: "سُئل أبو زرعة عن حديثٍ رواه ابنُ أبي ذئبٍ، عمن سمع أبا سلمة =

стр. 35

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = ابن عبد الرحمن، يُحدث عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إذا استيقظ أحدكم من النوم ... الحديث". وروى الزهريُّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا الحديث. فقال أبو زرعة: هذا عندي وهمٌ، يعني حديث ابن أبي ذئبٍ" اهـ. (تنبيه) قال الشوكاني في "نيل الأوطار" (١/ ١٦٣): "وأما حديث عائشة فأخرجه ابن أبي حاتم في "العلل" وحكى عن أبيه أنه وهمٌ" كذا!، ولعله سبق قلم أو نظر، فالذي في "العلل": "عن أبي زرعة" وليس "عن أبي حاتم". وتبعه على هذا، المباركفوريُّ. في "تحفة الأحوذي" (١/ ١١١). ... وفي الباب أيضًا: حديث علي بن أبي طالب. وهذا لم يذكره الترمذيُّ. أخرجه ابنُ ماجة (٣٩٦) قال: حدثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، وهذا في "مصنفه" (١/ ١٠٠) حدثنا أبو بكر بنُ عياش، قال: حدثنا أبو إسحق، عن الحارث، قال: دعا عليُّ بماءٍ، فغسل يديه قبل أن يدخلهما الإِناء، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم صنع. * قُلْتُ: وسندُهُ واهٍ. وأبو بكر بن عياش، وإن كان عدلًا، فحفظُه ساء لما كبر وأبو إسحق =

стр. 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = السبيعي مدلسٌ. والحارث الأعور واهٍ على التحقيق. والله أعلمُ.

стр. 37

باب السِّوَاكِ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ ٢ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. ــ ٢ - إسْنَادُهُ صَحِيح. * أما إسحقُ بن إبراهيم، فهو ابنُ راهويه. أخرج له الجماعة سوى ابن ماجة. وقد روى عنه المصنفُ (٣٤٨) حديثًا، وقال عنه: "إسحقُ أحدُ الأئمة، وهو ثقةٌ مأمونٌ". وقال أبو حاتم الرازي: "والعجبُ من إتقانه وسلامته من الغلط، مع ما رزق من الحفظ" ومناقبُهُ جمَّةٌ، والثناء عليه كثيرٌ وعاطر. رحمه الله تعالى. * جرير، هو ابنُ عبد الحميد الضبيُّ، أبو عبد الله الرازيُّ. ترجه البخاريُّ في "الكبير" (١/ ٢/ ٢١٤)، وابنُ أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (١/ ١/ ٥٠٥ - ٥٠٧) وقال: "قلتُ لأبي: جرير يُحتجُّ به؟ قال: نعم، جريرٌ ثقةٌ". قال: "وسمعتُ أبا زرعة يقولُ: جريرٌ صدوقٌ من أهل العلم" ووثقه النسائيُّ، والعجليُّ، وغيرُهُما. حتى قال أبو القاسم اللالكائي: "مجمعٌ على ثقته".

стр. 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ * قُلْتُ: والأمر على ما قال، وحسبك بكلام أبي حاتمٍ فيه، وهو متعنتٌ جدًّا. وإذا وثق رجلًا، فهنيئًا له!! وقد قال الذهبيُّ في "سير النبلاء" (١٣/ ٢٦٠): "إذا وثق أبو حاتم رجلًا، فتمسك بقوله، فإنه إلَاّ يوثق إلَاّ رجلًا صحيح الحديث، وإذا ليَّن رجلًا، أو قال فيه: "لا يحتجُّ به"، فتوقف حتَّى ترى ما قال غيرُهُ فيه، فإن وثقه، فلا تَبْنِ على تجريح أبي حاتم، فإنه متعنتٌ في الرجال، قد قال في طائفةٍ من رجال "الصحاح": "ليس بحُجةٍ" أو"ليس بالقويّ"، أو نحو ذلك" اهـ. وفي ترجمة "بهز بن أسد" من "التهذيب": "قال جرير بنُ عبد الحميد: اختلط عليَّ حديث عاصم الأحول، وأحاديث أشعث بن سوَّار، حتى قدم علينا بهزٌ فخلَّصها" فعلق الإِمام أحمد على ذلك بقوله: "لم يكن بالذكيِّ!، -يعني جريرًا- اختلط عليه حديث أشعث، وعاصم الأحول، حتى قدم عليه بهزٌ، فعرَّفَهُ". * قُلْتُ: وهذا لا يضرُّ جريرًا كما يأتي. ولكن هناك من يتلمسُ العثرات، ولا يراعى لأحدٍ حرمةً، كصاحب "تأنيب الخطيب" الشيخ محمد زاهد الكوثري -المتعصب المعروف-، فإنه اتخذ مقالة أحمد سُلَّمًا يطعن بها على جريرٍ، فقال: "مضطربُ الحديث، وكان سيىء الحفظ، انفرد برواية حديث الأخرس الموضوع. والكلام فيه طويلُ الذيل، وليس هو ممن يُساق خبرُهُ في صدد سرد المحفوظ عند النقلة، إلا على مذهب الخطيب!! " اهـ. =

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = وقد ردَّ عليه الشيخُ العلامة، ذهبيُّ العصر، المحققُ البارع، عبد الرحمن بن يحيى المعلميُّ اليمانيُّ ﵁ في كتابه الفذ: "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" ردًّا قويًّا، فلخصتُه هنا لطرافته، وقد زدتُ عليه شيئًا يسيرًا. أما قولُ الطاعن: "مضطربُ الحديث"، فكلمةٌ لم يقلها أحدٌ قطُ من السالفين. فأيُّ قيمةٍ لجرح هذا المتأخر المجروح؟!! وأما قصه الأخرس، فالجوابُ عنها من وجهين: * الأول: أن القصة تفرد بها سليمان بن داود الشاذكوني، وكان غير ثقة كما قال النسائيّ. وتركه أبو حاتمٍ، بل كذَّبه صالح بن محمد. وقال البخاري فيه: "منكرُ الحديث". وقد نقل الذهبي في "الميزان" (١/ ٦، ٢٠٢) عن البخاريِّ قوله: "كل من قلتُ فيه: "منكر الحديث" فلا تحلُّ الروايةُ عنه". فهذا عنده جرحٌ شديدٌ بلا ريْبٍ. وإذ الأمر كذلك، فالحملُ على الشاذكوني أولى، وأليقُ بالصنعة، من الحمل على جرير. هذا إن كان لجريرٍ فيه ذنبٌ!! * الثاني: أن القصة تفيد تدليسًا، ولا تفيد اضطرابًا، هذا إن صحَّتْ، فكيف وقد تقدَّم ذكرُ العلة؟! فقد زعم الشاذكوني أن جريرًا ذكر أولًا عن مغيرة، عن إبراهيم، في طلاق الأخرس. ثم ذكر ثانيًا: عن سفيان، عن مغيرة. ثم ذكر ثالثًا عن ابن المبارك، عن سفيان. ثم قال: "حدثنيه رجلٌ خراسانيُّ عن ابن المبارك". فلو صحَّت القصة لما كان فيها إلا التدليس، بإسقاط =

стр. 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = ثلاثةٍ، ثم اثنين، ثم واحد. قال الحافظُ: "إن صحَّتْ حكاية الشاذكونيّ، فجريرٌ كان يُدلِّسُ". * قُلْتُ: وقد عرَّفْناك أنها لم تصح، وصنيع الحافظ يدلُّ على ذلك. فإنه لم يذكر شيئًا من ذلك في "التقريب"، ولا في "طبقات المدلسين"، فهو لم يورده فيها أصلًا. بل قال أبو خيثمة: "لم يكن جريرٌ يدلسُ". أما قول الطاعن: "سيئ الحفظ"!! فهذا تخديشٌ في الرُّخام!!، بل هذا القولُ -من هذا المتأخر المجروح- يذهب أمام الحقيقة العلمية: "كضرطة عيرٍ في فلاةٍ"!! فإن جريرًا -كما هو معلومٌ- كان لا يحدثُ من حفظه إلا نادرًا، وإنما كان يعتمدُ على كتابه، ولم ينكروا عليه شيئًا حدَّث به من حفظه، وأثنوا على كُتُبه بالصحة. قال ابْنُ عمار الموصليُّ: "حُجَّة، كانت كُتُبه صحاحًا". فأما ما حكاه العقيلي (ق ٣٨/ ١) عن أحمد: "لم يكن بالذكيِّ! اختلط عليه حديث أشعث، وعاصم الأحول، حتى قدم جمليه بهزٌ فعرَّفه" فهذا لا يعطي ما زعمه الطاعنُ من سوء حفظ جرير. بل إني أنظرُ إلى قولة أحمد، فأجدها ترفع جريرًا ولا تضعه!!. ذلك أنه بن تمام التقوى، وكمال الصدق أن يُبين ما اختلط عليه ولا =
следующие страницы →