← Тараджим

Тараджим · id 132443

عش مع الخلفاء والملوك

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (110 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

عش مع الخلفاء والملوك سيرة مختصرة تأليف الدكتور/ مرزوق بن هياس الزهراني

стр. 2

الطبعة الأولى ١٤٣٧ هـ _ ٢٠١٥ م ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)﴾ (١).

стр. 3

الإهداء إلى صانع الحزمين خادم الحرمين الشريفين؛ الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود أيده الله بنصره وتوفيقه، وأعز به البلاد والعباد، فلم يكن لنا عز إلا بالله ثم به وبجنوده البواسل، وشعبه الصادق الوفي، فنبارك جهوده في خدمة دينه وطنه وشعبه والأمة الإسلامية، لقد طرق بابا بَزَّ فيه الأقران اليوم بقيادة المملكة العربية السعودية لعاصفة الجزم الأول لنجدة الشعب اليمني، فأرسى نواة مباركة في وحدة الصف العربي الإسلامي، وجدد الآمال في النفوس الأبية بنجدة جار طلب الغوث لحمايته من دمار شامل، ولحماية حدود أرض الحرمين مهبط الوحي، ومهوى أفئدة المسلمين فلا يطالها عبث عابث من قريب أو بعيد، وهو اليوم الرابع من ربع الأول (١٤٣٧ هـ) الموافق الخامس عشر من ديسمبر (٢٠١٥ م) يعلن الحزم الثاني التحالف الإسلامي العسكري، ولئن كانت نواة التحالف العربي اثنتا عشرة دولة ونطلب المزيد، فإن نواة التحالف الإسلامي العسكري أربعا وثلاثين دولة، وننتظر المزيد، فمرحى ومرحبا لباني الوحدة الإسلامية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود فله مني ومن أبنائي ومن الشعب السعودي تحية ولاء وإكبار على هذا الإنجاز العظيم، إنجاز لا يصنعه إلا العظماء، والتحية موصولة لقادة التحالفين الأول العربي، والثاني الإسلامي، شكر الله لهم المسعى، وبارك في الجهود، وخيب الله كيد الأعداء وأطماع الطامعين، ولك يا سلمان خالص الدعاء، وصادق الولاء، أعدها جذعة للإسلام والمسلمين. المؤلف

стр. 4

المقدمة الحمد لله القائل: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (١) وقوله هذا موافق لقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢)، وَعَدَ عباده المؤمنين التمكين في الأرض فقال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣)، وتحقق وعد الله والله لا يخلف الميعاد، فتح الله لعباده المؤمنين مشارق الأرض ومغاربها، واحتازوا جميع الممالك، ودانت لهم الدول، وبإخلاصهم لله ، وعملهم بما جاء به رسول الله ﷺ من الدين والحق هزموا أعظم دولتين في ذلك الوقت؛ فارس والروم، وهذا الوعد لا يتخلف عن مؤمن صدق مع الله ﷻ إلى قيام الساعة، ولن يمكِّن الله غير عباده المؤمنين إلا بتخلف منهم عن العمل بطاعته. وصلى الله وسلم وبارك على سيد الاولين والآخرين نبينا محمد القائل في حجة الوداع: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله» (٤)، فما أعظمها من وصية يتحقق بها ما وعد الله عباده المؤمنين.

стр. 5

ورضي الله عن آل بيت سيدنا محمد وأصحابه الأبرار، ولعن الله أعداءهم الزنادقة الفجار. أما بعد: فقد تاقت النفس إلى مطالعة سير الرعيل الأول من الخلفاء والملوك في الإسلام، والتعرف باختصار على بعض من سيرهم، وما ذكر من محامد أو مثالب لتكون عظة وعبرة لمن طالع ما دونت، ومن المعلوم أن فجر الإسلام طلع بمبعث نبينا محمد ﷺ بعد بلوغه السن الذي بُعث فيه ﷺ ؛ وهو أربعون سنة؛ سِنُّ اكتمال الأشد وقوة العقل، وهذه سُنة في الأنبياء قال تعالى في يوسف ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)، وقال تعالى في موسى ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، وكذلك نبينا محمد ﷺ روى ذلك الأئمة الأثبات عن أنس ﵁ قال: «بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء» (٣)، هذا على قول أن عمره ﷺ ستون سنة، فأسفر صبح الإسلام في مكة بنزول الوحي على رسول الله نبينا محمد ﷺ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٤)، وأشرق فجر الإسلام بهجرته ﷺ إلى مهاجره الذي اختاره الله له؛ وهو المعروف في الجاهلية "بيثرب" وسماه رسول الله ﷺ طيبة؛ وهي المدينة المنورة اليوم ولها أسماء كثيرة، تنمي عن حب المؤمنين لها ومكانتها العظيمة عندهم، جعلنا الله من محبيها، وممن يحسن الجوار فيها، وكانت الهجرة بعد ثلاث عشرة سنة من البعثة، فيكون عمر نبينا ﷺ عند هجرته ثلاثا

стр. 6

وخمسين سنة، واكتمل الشروق في أجمل صورة، في حياة يسودها العدل الكامل، والرحمة والطهر والعفاف وتكوّن أنظف مجتمع عرفته الدنيا، كان سيده رسول الله ﷺ ، ولم يكد ضحى الإسلام ينير طيبة لينبثق منها إلى أقطار الأرض حتى فجع المجتمع الإسلامي في طيبة بأعظم مصيبة أصيب بها كل مؤمن إلى يوم القيامة، وفاة رسول الله ﷺ ولا أعظم منها قال رسول الله ﷺ : «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته فإنها من أعظم المصائب» (١)، وكان هذا الحدث الجلل في ربيع الثاني بعد عودته من حجة الوداع في السنة الحادية عشرة من الهجرة، وعمره ﷺ ثلاث وستون سنة، قال أنس ﵁: " لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء" (٢). نسأل الله أن يجمعنا به وبإخوته الأنبياء والصحب الكرام في الفردوس الأعلى من الجنة بفضله وكرمه. هنا نقف عن التفصيل في العهد النبوي وهو موقف عظيم، فمن يجرؤ على تقييم نهج نبي يخاطبه الوحي صباح مساء، اللهم لا أحد إلا سفيها فارق سنة العقلاء، وقد أوضحت هذا في كتابي "الهادي والمتهدي". ونبدأ في الحديث عن ضحى الإسلام عهد الخلفاء الراشدين ﵃ -. أولهم: أبو بكر ﵁ خليفة رسول الله ﷺ -. وهو عبدالله بن أبي قحافة واسم أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك القرشي التيمي، لم يختلفوا في اسمه ولا اسم أبيه، وكذلك لم يختلفوا أن لقبه عتيق.

стр. 7

وأمه أم الخير؛ واسمها سلمى بنت صخر بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة. وقد ذُكر أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: من أكبر، أنا أو أنت؟ ، فقال: بل أنت أكبر وأكرم وخير مني، وأنا أسن منك. والصحيح أنه أصغر من رسول الله ﷺ ، فقد استوفى أبو بكر ﵁ مدة خلافته سِنَّ رسول الله ﵁، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، في ليلة الثلاثاء، لثمان ليال بقين، أو سبع بقين، من جمادى الآخرة، بين المغرب والعشاء. ودفن عشاء من ليلته، سنة ثلاث عشرة (١)، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃، وهو أفضل الناس على الإطلاق بعد رسول الله ﷺ ، لم تشبه شائبة، ولم يقدح فيه إلا الزنادقة. فهو أول من جمع القرآن في مصحف، زَبَرَهُ بالمزبر: وهو القلم، وأتقنه، والمزبور هو المكتوب (٢)، وقد استوفيت الكلام عنه في كتابي "الهادي والمهتدي". الثاني: عمر بن الخطاب ﵁ -: وهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزّى بن قرط بن رياح بن عبدالله بن رزاح بن عدىّ بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة. وإذا قيل: العدوىّ، فهو نسبة إلى عدي بن كعب (٣). وأمه حنتمة بنت هاشم ذي الرمحين بن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة, وهي بنت عم خالد بن الوليد ﵁، ومن قال فيها: حنتمة بنت هشام بن المغيرة فقد وهم؛ لأن هشام بن المغيرة هو أخو هاشم والدها، وهشام هو والد أبي جهل، وهو ابن عم خالد بن الوليد، فالثلاثة أبناء العم: خالد بن الوليد بن المغيرة، وحنتمة بنت

стр. 8

هاشم ذي الرمحين بن المغيرة، وأبو جهل الحارث بن هشام بن المغيرة, كنيته أبو الحكم، وكنّاه الصحابة أبا جهل لعدم قبوله الإيمان بنبوة محمد ﷺ (١). وكان عمر ﵁ أول من لقب بأمير المؤمنين، كان يكتب "من خليفة خليفة رسول الله" وكتب عمر ﵁ إلى عامل العراق أن يبعث إليه رجلين جلدين يسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه لبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم، فقدما المدينة، ودخلا، فوجدا عمرو ابن العاص، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه، فدخل عليه عمرو فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فقال: ما بدا لك في هذا الاسم؟ لتخرجن مما قلت، فأخبره، وقال: أنت الأمير ونحن المؤمنون، فجرى الكتاب بذلك من يومئذ. هو أول من كتب التاريخ بالهجرة، وأول من اتخذ بيت المال، وأول من سن قيام شهر رمضان، وأول من عسَّ (٢) بالليل، وأول من عاقب على الهجاء، وأول من ضرب في الخمر ثمانين، وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد، وأول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات، وأول من اتخذ الديوان، أمر عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من كُتَّاب قريش فكتبوا ديوان العساكر الإسلامية على ترتيب الأنساب مبتدأ من قرابة رسول الله ﷺ فما بعدها الأقرب فالأقرب، وأول من فتح الفتوح ومسح السواد بالعراق، وأول من حمل الطعام من مصر في بحر أيلة إلى المدينة، وأول من احتبس صدقة في الإسلام، وأول من أعال الفرائض، وأول من أخذ زكاة الخيل، وأول من أخذ زكاة العسل، وأول من قال: أطال الله بقاءك، قاله لعلي ﵁، وأول من قال: أيدك الله قاله لعلي ﵁،

стр. 9

وهو أول من استقضى القضاء في الأمصار، وأول من مصّر الأمصار: الكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، ومصر، والموصل (١). ومر علي بن أبي طالب ﵁ على المساجد في رمضان وفيها القناديل فقال: "نور الله على عمر في قبره كما نور علينا في مساجدنا". واتخذ عمر ﵁ دار الدقيق، فجعل فيها الدقيق، والسويق، والتمر، والزبيب، وما يحتاج إليه: يعين به المنقطع، ووضع فيما بين مكة والمدينة بالطريق ما يصلح من ينقطع به، وهدم المسجد النبوي، وزاد فيه ووسع، وفرشه بالحصباء، وهو الذي أخرج اليهود من الحجاز إلى الشام، وأخرج أهل نجران إلى الكوفة، وهو الذي أخَّر مقام إبراهيم إلى موضعه اليوم، وكان ملصقًا بالبيت، وهو أول من اتخذ الدرة، وكان ناصرا للحق قامعا للباطل، فقيل: لَدُرة عمر أهيب من سيفكم (٢). وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، ﵁ وأرضاه. مات أمير المؤمنين عمر ﵁ مقتولا يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، قتله أبو لؤلؤة فيروز المجوسي في صلاة الصّبح، وقد كتب الله له الشهادة على يد ذلك المجوسي الخاسر في الدنيا والآخرة. وقد استوفيت الكلام عنه في كتابي "الهادي والمهتدي". الثالث: عثمان بن عفّان ﵁ -: وهو عثمان بن عفّان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة، يكنى: أبا عمرو، وأبا عبدالله، وأبا ليلى، اجتمع في النسب مع رسول الله ﷺ في عبد مناف، ومع معاوية في أمية، وأم عثمان ﵁

стр. 10

أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أمها: البيضاء بنت عبد المطلب، وهي بنت عمة رسول الله ﷺ (١). ولد عثمان ﵁ في السنة السادسة بعد عام الفيل. وأسلم قديمًا، وهو ممن دعاه الصديق إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين: الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة. وتزوج رقية بنت الرسول ﷺ قبل النبوة، وماتت عنده في ليالي غزوة بدر، فتأخر عن بدر لتمريضها، بإذن رسول الله ﷺ ، وضرب له بسهمه وأجره، فهو معدود في البدريين بذلك. وجاء البشير بنصر المسلمين ببدر يوم دفنوها بالمدينة، فزوجه رسول الله ﷺ بعدها أختها أم كلثوم، وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة. قال العلماء: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره، ولذلك سمي ذو النورين: فهو من السابقين الأولين، وأول المهاجرين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وأحد الصحابة الذين جمعوا القرآن ﵃، وقال ابن سعد: استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة في غزوته إلى ذات الرقاع، وإلى غطفان. روى عن رسول الله ﷺ مائة حديث، وستة وأربعون حديثًا (٢). اشترى عثمان الجنة من النبي ﷺ مرتين: لما حفر بئر رومة المعروفة اليوم في المدينة ببئر عثمان ولما جهز جيش العسرة.

стр. 11

وفي سنة ست وعشرين زاد عثمان في البيت الحرام، ووسعه واشترى أماكن للزيادة، وفي سنة تسع وعشرين زاد عثمان في مسجد المدينة ووسعه، وبناه بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من الحجارة، وسقَفه بالساج، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع (١). وهو وأول من زاد الأذان في الجمعة، لتنبيه الناس في السوق إلى وقت الجمعة، وأول من جعل للمؤذنين رواتب من بيت المال. وهو أول من اتخذ صاحب الشرطة، وكان على شرطته عبدالله بن قنفذ من بني تيم قريش وحاجبه حُمران بن أبان وأول من أكثر من الإقطاعات (٢)، ولما زادت إبل الصدقة زاد في الحمى، وقد سبقه إلى ذلك عمر ﵄، ولما فتحت هذه البلاد الواسعة كثر الخراج على عثمان، وأتاه المال من كل وجه، حتى اتخذ له الخزائن وأدر الأرزاق، وكان يأمر للرجل بمائة ألف بدرة في كل بدرة أربعة آلاف أوقية، وكان على بيت المال عبدالله بن أرقم ثم استعفى فأعفاه، وكان كاتبه مروان ابن الحكم (٣). قتل يوم الجمعة لثمان ليال خلون من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وهو يومئذ ابن اثنتين وثمانين سنة، بعد أن حجّ بالناس عشر سنين متوالية، والسنة التي قتل فيها أقام لهم الحج عبدالله بن عباس ﵄، وصلّى بالناس في بالمدينة وخطبهم على بن أبى طالب ﵁.

стр. 12

ودفن ليلا في البقيع، بأرض اشتراها فزادها توسعة في البقيع، وكانت ولايته اثنتي عشرة سنة، إلا اثنتي عشرة ليلة (١). ولم يشارك في قتله أحد من الصحابة ﵃، كان القتلة أوباش وسفهاء وزنادقة قدموا من مصر والشام والعراق. وقد استوفيت الكلام عنه في كتابي "الهادي والمهتدي". الرابع: علي بن أبي طالب ﵁ -: آخر الخلفاء الراشدين، المبشرين بالجنة ﵃، وهو عليّ بن أبى طالب: عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم رسول الله ﷺ ، يكنى: أبا الحسن ﵄. أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، أسلمت وهي أوّل هاشمية ولدت لهاشميّ (٢). وفي سنة ثلاثين من ميلاد رسول الله ﷺ : ولد علي بن أبي طالب، ونشأ في كنف رسول الله ﷺ ، فهو ربيبه ومعلمه الخير والهدى (٣). وثبتت إمامة علي ﵁ بعد عثمان ﵁ بعقد مَن عقدها له من الصحابة ﵃، من أهل الحل والعقد، قال عمر ﵁ "لقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي خصلة منها أحب إلي من حمر النعم" قيل: وما هن يا أمير المؤمنين؟ ، قال: "تزويجه فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وسكناه المسجد مع رسول الله ﷺ يحل له فيه ما يحل له، والراية يوم خيبر".

стр. 13

وقال ابن عمر ﵄: «كنا نقول على عهد رسول الله ﷺ : رسول الله ﷺ ، ثم أبو بكر، ثم عمر، "ولقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال، لأن يكون لي واحدة منهن أحب إليَّ من حمر النعم: تزوج فاطمة، وولدت له، وغلَّق الأبواب غير بابه" (١)، ودفع الراية إليه يوم خيبر (٢)، وهذه مما خص به علي ﵁، أما ولايته بعد عثمان ﵄ فلم يدَّعِها أحد من أهل الشورى غيره في وقته، وقد أجمعوا على فضله وعدله، وأحقيته بالخلافة، وقد حان وقتها له ﵁، وأن امتناعه عن دعوى الأمر لنفسه في وقت الخلفاء قبله كان حقا، لعلمه أن ذلك ليس وقت قيامه، لم يحتجّ علي ﵁ على أحقيته بنصٍ من الكتاب ولا من السنة، لا بحديث الغدير ولا بغيره، وإنما ظن أنه الأحق لقربه من رسول الله ﷺ نسبا وصهرا، ولو علم إشارة واحدة في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ ، لا تحتمل التأويل على أحقيته بالخلافة لبادر إلى ذكرها والاستشهاد بها، ولكان أبو بكر وعمر وبقية الصحابة من أطوع الناس لعلي ﵃ تنفيذا لما أورد، وقد كان عليٌّ الخليفة الراشد ﵁ ذكيا حافظا، فقد استدل على خطأ الزبير، قال علي للزبير ﵄: تذكر يوم مررت مع رسول الله ﷺ في بني غَنْم فنظر إليَّ فضحك وضحكت إليه، فقلتَ له: لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال لك رسول الله ﷺ : «ليس به زهو، لتقاتلنه وأنت ظالم له» قال الزبير: اللهم نعم، ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبداً، فانصرف عليٌّ ﵁ إلى أصحابه فقال: أما الزبير فقد أعطى الله عهداً أن لا يقاتلكم، ورجع الزبير ﵁ إلى عائشة ﵂ فقال لها: "ما كنت في موطن منذ عقلت إلا وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا"،

стр. 14

قالت: "فما تريد أن تصنع؟ " قال: "أريد أن أدعهم وأذهب" (١)، فكيف يستدل على خطأ الزبير ﵁، ولا يستدل على الإمامة الكبرى، لم يكن ذلك من الخليفة الراشد علي ﵁ إلا لعدم مجرد الإشارة فضلا عن النص على إمامته، وأنه قلما كان لنفسه في وقت الخلفاء قبله، ثم لما صار الأمر أظهر وأعلن، ولم يقصر حتى مضى على السداد والرشاد ﵁، كما مضى من قبله من الخلفاء، أئمة العدل على السداد والرشاد، متبعين لكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ، هؤلاء هم الأئمة الأربعة المجمع على عدلهم وفضلهم ﵃ أجمعين، هم أصحاب الخلافة الراشدة، المأمور باتباع ما سنوا، قال رسول لله ﷺ : «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور» (٢)، وهذا علي رابع أربعة هم الخلفاء الراشدين بعد رسول الله ﷺ ، وهم من العشرة المبشرين بالجنة ﵃. وقد استوفيت الكلام عنهم في كتابي "الهادي والمهتدي". هذا ضحى الإسلام صفوة الزمن بعد زمن رسول الله نبينا محمد ﷺ ، انصرم ويتلوه ظهر الإسلام وهو بداية الحكم بعد الخلافة الراشدة، وهو ملك وليس خلافة، وإنما جرى إطلاق الخليفة على ما عهد الناس في الخلافة الراشدة، يبين هذا قول رسول الله ﷺ : «أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك أعفر، ثم ملك وجبروت، يُستحل فيها الخمر، والحرير» (٣)، وهذا ما حدث فعلا، ومن هنا يبدأ

стр. 15

ظهور ما أخبر به النبي ﷺ عن سير الحكم لا على الإطلاق بل المراد برهة من الوقت فقال ﷺ : «الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة والأمانة في الأزد» (١)، ولا يكون على الإطلاق ما لم يتمسك الملك بوصية رسول الله ﷺ نصا وروحا، قال ﷺ : «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله» (٢). أما قوله ﷺ : «إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش» (٣)، في بعض طرق الحديث الصحيحة «كلهم يجتمع عليه الناس» فالمراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته، والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر ﵁، ثم عمر ﵁، ثم عثمان ﵁، ثم علي ﵁، إلى أن وقع أمر الحكمين في صفين فلقب معاوية يومئذ بالخليفة، ثم اجتمع الناس على معاوية ﵁ عند صلح الحسن ﵁، ثم اجتمعوا على ولده يزيد، ولم ينتظم للحسين ﵁ أمر بل قتل قبل ذلك، ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبدالملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة: الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبدالعزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبدالملك اجتمع الناس عليه لما مات عمه هشام فولي نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه فقتلوه، وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ، ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك، لأن يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد بن يزيد لم تطل مدته، بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم أبيه مروان بن محمد بن مروان، ولما مات يزيد ولي أخوه إبراهيم فغلبه مروان، ثم

стр. 16

ثار على مروان بنو العباس إلى أن قتل، ثم كان أول خلفاء بني العباس أبو العباس السفاح، ولم تطل مدته مع كثرة من ثار عليه، ثم ولي أخوه المنصور فطالت مدته لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيين على الأندلس، واستمرت في أيديهم متغلبين عليها إلى أن تسموا بالخلافة بعد ذلك، وانفرط الأمر في جميع أقطار الأرض، فلم يبق من الخلافة إلا الاسم في بعض البلاد، بعد أن كانوا في أيام بني عبدالملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع أقطار الأرض، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا مما غلب عليه المسلمون، ولا يتولى أحد في بلد من البلاد كلها الإمارة على شيء منها إلا بأمر الخليفة، ومن نظر في أخبارهم عرف صحة ذلك، فعلى هذا يكون المراد بقوله ثم يكون الهرج: يعني القتل الناشئ عن الفتن، وقوعا فاشيا يفشو ويستمر ويزداد على مدى الأيام، وكذا كان والله المستعان (١). انتهى ضحى الإسلام بخلافة علي بن أبي طالب ﵁. تلا ظهر الإسلام بدءًا بخلفاء بني أمية؛ وهم أربعة عشر خليفة: الأول: الصحابي معاوية بن أبي سفيان ﵁ -، ولو لم يكن له من الفضل إلا الصحبة، وكتابة الوحي بين يدي رسول الله لكفى، وآخرهم مروان الجعدي، نسبة إلى الجعد بن درهم القائل بخلق القرآن، وكانت مدة ملكهم نيفاً وتسعين سنة؛ بذكر خلافة عبدالله بن الزبيرً (٢)، من سيئات بعض خلفاء بني أمية إباحتهم سب علي ﷺ ، من سنة إِحدى وأربعين؛ السنة التي خلع الحسن فيها نفسه من الخلافة، إلى أول سنة تسع وتسعين، آخر أيام سليمان بن عبدالملك، فلما ولي عمر بن عبدالعزيز ﵀، كتب إِلى نوابه: بإبطاله، ولما خطب يوم الجمعة، أبدل السب في آخر الخطبة

стр. 17

بقراءة قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١) فلم يسب علي بعد ذلك. واستمر الخطباء على قراءة هذه الآية، إلى يومنا هذا، وزال المنكر والحمد لله. لذلك مدحه كثير بن عبدالرحمن الخزاعي فقال: وُلِّيت فلم تشتم علياً ولم تُخفْ ... برياً ولم تتبع سجية مجرمِ وقلتَ فصدَّقتَ الذي قلتَ بالذي ... فعلتَ فأضحى راضياً كل مسلم. ومن سيئات بعضهم مواظبتهم على تأخير الصلاة إلى آخر وقتها الموسع، إلا عمر بن عبدالعزيز ﵀، وشدتهم على أولاد علي ﵃ (٢)، وصحح بعض العلماء حديث «إذا بلغ بنو العاص ثلاثين: اتخذوا دين الله دغلاً، وعباد الله خولاً، ومال الله دولاً» (٣)، وربما انطبق هذا على بعضهم. وقد ألصقت ببني أمية تهم، هي افتراءات صنعتها الخلافات السياسية، وهذا لم تسلم منه أي دولة على وجه الأرض، من عهد أبي بكر ﵁ إلى يومنا هذا، وإلى أن تقوم الساعة.

стр. 18

أما معاوية ﵁ فهو الخليفة الخامس على ترتيب الخلافة بعد رسول الله ﷺ ، وهو الملك الأول من ملوك بني أمية بعد تحول الحكم من الخلافة الراشدة إلى الملك. وهو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبدشمس بن عبد مناف بن قصي، الأموي، أبو عبدالرحمن، أسلم هو وأبوه يوم فتح مكة، وشهد حُنينًا وكان من المؤلفة قلوبهم، ثم حسن إسلامه، وكان أحد الكتاب لرسول الله ﷺ (١). ولد معاوية بن أبي سفيان في سنة أربع وثلاثين من ميلاد رسول الله ﷺ (٢). روي له عن النبي ﷺ مائة حديث وثلاثة وستون حديثًا (٣). من أقواله: قال لشاب من قريش دخل عليه فأغلظ، فقال له معاوية ﵁: يا ابن أخي، أنهاك عن السلطان يغضب غضب الصبي ويأخذ أخذ الأسد، كتب زياد إلى معاوية في رجل، فكتب إليه معاوية "إنه ليس ينبغي لي ولا لك أن نسوس الناس بسياسة واحدة؛ أن نلين جميعًا فتمرح الناس في المعصية، أو نشتد جميعًا فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون للشدة والفظاظة، وأكون للين والرأفة" (٤)، وذكروا الزرقاء بنت عدي بن قيس الهمدانية وهي امرأة من أهل الكوفة شهدت مع قومها صفين وكان لها لسان وعقل فقال معاوية: "أيكم يحفظ كلامها يوم صفين قال القوم كلهم: نحن نحفظه يا أمير المؤمنين قال ما تشيرون عليَّ في أمرها قال بعضهم:

стр. 19

نشير عليك بقتلها، قال: بئس الرأي أشرتم، أيحسن بمثلي أن يتحدث عنه أنه قتل امرأة بعد أن ظفر، فكتب إلى عامله بالكوفة أن أوفد إليّ الزرقاء بنت عدي مع ثقة من محرمها وعِدة من فرسان قومها ومهد لها وطاءً ليناً، واسترها بستر حصيف، وأوسع عليها في النفقة". فأرسل إليها فاقرأها الكتاب فقالت: "أما أنا فغير زائغة عن طاعة؛ فإن كان أمير المؤمنين جعل الاختيار لي لم أرم من بلدي هذا، وإن كان حتم الأمر فالطاعة له" فحملها في هودج جعل متناه خزا مبطنا بعصب اليمن، ثم أحسن صحبتها، فلما قدمت على معاوية قال لها: "مرحبا وأهلا، خير مقدم أقدموك وأفضل، كيف أنت يا خالة؟ ، وكيف كان مسيرك؟ " قالت: "خير مسير؛ كأني كنت ربيبة بيت، أو طفلا في مهد"، قال "بذاك أمرتهم، فهل تعلمين لم بعثت اليك؟ "، قالت: "لا يعلم الغيب إلا الله"، قال: "ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين، وأنت بين الصفين توقدين الحرب وتحضين عليها؟ "، قالت: بلى، قال: "فما حملك على ذلك؟ "، قالت: "يا أمير المؤمنين، إنه قد مات الرأس وبتر الذنب، والدهر ذو غِيَر، ومن تذكر أبصر، والأمر يحدث بعد الأمر"، قال لها: "صدقت فهل تحفظين كلأمك؟ "، قالت: "والله ما أحفظه"، قال: "لكني والله أحفظه، لله أبوك لقد سمعتك تقولين: أيها الناس إنكم في فتنة غشيتكم جلابيب الظلم، وحادت بكم عن قصد المحجة، يا لها من فتنة عمياء صماء، لا يُسمع لداعيها ولا يُنقاد لسائقها، أيها الناس إن المصباح لا يضيء في الشمس، وإن الكوكب لا ينير في القمر، وإن البغل لا يسبق الفرس، وإن الدق لا يوازي الحجر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد، ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه، إن الحق كان يطلب ضالة فأصابها، فصبرا يا معاشر المهاجري والأنصار على المضض، فكان قد التأم شعب الشتات، وظهرت كلمة العدل، وغلب الحق باطله، فلا يعجلن أحد فيقول: كيف وأنَّى، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ولله عاقبة الأمور، إن خضاب النساء الحناء، وإن

стр. 20

خضاب الرجال الدماء، ولهذا ما بعده والصبر خير في العواقب، إِيْهِ إلى الحرب قُدُما غير ناكصين، فهذا يوم له ما بعده". قال معاوية: "يا زرقاء لقد اشركت عليا في كل دم سفكه"، فقالت: "أحسن الله بشارتك يا أمير المؤمنين، وأدام سلامتك، مثلك من بشر بخير سَرَّ"، قال لها: "وقد سرك ذلك؟ "، قالت: "نعم وأنَّى لي بتصديقه"، فقال معاوية: "والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب إليَّ من حبكم له في حياته، أذكري حاجتك"، فقالت: "يا أمير المؤمنين، آليت على نفسي ألا أسال أحدا أعنت عليه أبدا شيئا، ومثلك من أعطى من غير مسالة، وجاد عن غير طلبة"، قال: صدقت، ثم أقطعها ضيعة استغلتها في أول سنة عشرة آلاف درهم (١). ولم يرض معاوية من أخته أم الحكم تفضيله على علي ﵄، بل قال لها معاوية: "يا أختاه لا يَكذبَنَّك ظنك، ولا يبعد عنك ذهنك، والله ما عادلتُ عليا قط، فكيف وهو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم من ولد إبراهيم الخليل ﵇، وكان عبد المطلب بن هاشم جواد العرب، وفارس الكُرب، المطعم بالسَّغَب، وكان أبو طالب السهل الطريقة، الحامي الحقيقة، وكان علي بن أبي طالب قاضي الأمة، وأعظمهم فخرا، وأكرمهم مجدا، حامي الذمار، عزيز الجار، صهر الرسول، وسيد الكهول، وزوج البتول، فأيم الله لأُصْبِحَنَّ جالسا ولأُسْمِعَنَّكِ ممن وفد عليَّ من سائر العرب خلاف ما ظننت، وغير ما وصفت" (٢). وأخذ معاوية يستثير من يدخل عليه ليسمع أخته ثناءهم على عليِّ ﵁، لتعلم أن المقدم علي ﵄.

стр. 21

وقال معاوية ﵁: "لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت"، قالوا: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ ، قال: "كنت إذا أرخوها شددتها وإذا شدوها جررتها" (١). توفي معاوية ﵁ بدمشق يوم الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين، وكانت ولايته تسع عشرة سنة وأربعة أشهر إلا ليال، وكانت له يوم مات ثمان وسبعون سنة (٢). وهو أول من اتخذ الخصيان: الخصي: هو من قُطع خصاه، والمجبوب: من قُطع ذكره، واختير أنهما في حرمة النظر إلى النساء كغيرهما من الأجانب، وكان معاوية يرى جواز نظر الخصي ولا يُعتد برأيه، وهو على ما قيل: أول من اتخذ الخصيان، وعن ميسون الكلبية أن معاوية دخل عليها ومعه خصي فتقنعت منه فقال: هو خصي فقالت: يا معاوية أترى أن المثلة به تحلل ما حرم الله تعالى، وليس لأحد أن يستدل بما روي أن المقوقس أهدى للنبي ﷺ خصيا فقبله إذ لا دلالة فيه على جواز إدخاله على النساء (٣). ومعاوية هو أول من اتخذ ديوان الخاتم لختم الكتب؛ وأول من اتخذ البريد في الإسلام (٤). وأول من استحلف الناس على الوفاء بالبيعة، وأول من عهد إلى أحد أبنائه، وهو يزيد، ولم يجعل الأمر شورى (٥)، فانتقل من الخلافة إلى الملك.

стр. 22

كان من قواده جنادة بن مالك الزهراني ﵁، كان من صغار الصحابة، سمع النبي ﷺ ، وروى عنه، وكان قائدا بحريا، على الصوائف فتح جزيرة رودس، وجزيرة طرسوس سنة ثلاث وخمسين من الهجرة، وفي سنة أربع وخمسين من الهجرة فتح جزيرة أرواد وهي قريبة من القسطنطينية، وأقام المسلمون بها سبع سنين، فأتاهم خبر وفاة معاوية ﵁، وأمر يزيد بن معاوية بعودة القائد جنادة ومن معه، وشارك جنادة في فتح مصر، وعرض عليه معاوية استلحاقه أخا فرض جنادة ذلك العرض. الثاني من ملوك بني أمية: يزيد بن معاوية: الخليفة السادس، من ملوك بني أمية، وهو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبدشمس، أبو خالد الأموي، ولد سنة خمس أو ست أو سبع وعشرين، وبويع في حياة أبيه على أن يكون وليَّ العهد له الخلافة من بعده، ثم أكد ذلك بعد موت أبيه في النصف من رجب سنة ستين، فاستمر متوليا إلى أن توفي. وأمه ميسون بنت مخول بن أنيف بن دلجة بن نفاثة بن عدي بن زهير بن حارثة الكلبي، طلقها معاوية وهي حامل بيزيد، وقيل: رأت في النوم كأن قمرا خرج من قبلها، فقصت رؤياها على أمها، فقالت: لئن صدقت رؤياك لتلدين من يبايع له بالخلافة. روى عن: أبيه، وحج بالناس سنة إحدى وخمسين، وسنة اثنتين، وسنة ثلاث. وقيل: خطب معاوية فقال: اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله، فبلغه ما أمَّلت وأعنه، وإن كنت إنما حملني حب الوالد لولده، وأنه ليس لما صنعت به أهلا، فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك (١).

стр. 23

توفي لأربع عشرة خلت من ربيع الأول من سنة أربع وستين، بقرية من قرى حمص يقال لها: حوارين، وهو ابن خمس وثلاثين سنة، وقيل: تسع وثلاثين، وكانت خلافته ثلاث سنين وتسعة أشهر (١). الخليفة السابع: عبدالله بن الزبير ﵁: ليس من ملوك بني أمية، وهو بمسمى الخلافة الصق، حُصر بمكة، وهو عبدالله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أبو بكر ويقال له: أبو خبيب القرشي الأسدي، أول مولود ولد بعد الهجرة بالمدينة من المهاجرين، على رأس عشرين شهرا من المهاجر، فكبر رسول الله ﷺ ، وكان المسلمون قد تحدثوا بينهم أن اليهود قد سحرتهم، فلا يولد لهم، وكان تكبيره ﷺ سرورا بذلك. وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، ذات النطاقين، هاجرت وهي حامل به فولدته بقباء أول مقدمهم المدينة، وحنكه رسول الله ﷺ بتمرة، وأذن أبو بكر في أذنه. ولم يزل مقيما بالمدينة إلى أن توفي معاوية، فبعث يزيد إلى الوليد بن عتبة يأمره بالبيعة، فخرج ابن الزبير إلى مكة، وجعل يحرض الناس على بني أمية (٢)، فوجد عليه يزيد إلا أن ابن الزبير مشى إلى يحيى بن الحكم والي مكة، فبايعه ليزيد، فقال يزيد: لا أقبل حتى يؤتى به في وثاق، فأبى ابن الزبير، وقال: اللهم إني عائذ ببيتك، روى الزبير عن النبي ﷺ أحاديث، وروى عن أبيه، وعمر، وعثمان، وغيرهم (٣).

стр. 24

بويع له بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية سنة أربع وستين، وغلب على أهل الحجاز واليمن والعراق ومصر وأكثر الشام؛ فأقام في الخلافة تسع سنين؛ إلى أن قتله الحجاج في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وصلبه، وأقبل عبدالله بن عمر بن الخطاب ﵄ حتى وقف حذاء عبدالله بن الزبير، فنظره مصلوبا منكسا فتأمله ساعة وبكى واستغفر له وقال: "والله يا ابن الزبير لئن علتك رجلاك اليوم فطال ما قمت عليها في ظل الليل بين يدي ربك، وإني لأسمع قوما يزعمون أنك شر هذه الأمة، ولقد أفلحت أمة أنت شرها، وانصرف عبدالله بن عمر إلى منزله، وأقبلت إليه أمه في اليوم الثالث حتى وقفت قبالته ثم بكت وقالت: اللهم! إني راضية عنه فارض عنه، ثم أقبلت حتى دخلت على الحجاج فوقفت عليه ثم قالت: يا حجاج، أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ ، فقال الحجاج: أما روحه فإلى مالك، وأما جثمانه ففي طريق البلاء. فقالت: كذبت يا حجاج! إن الله ﵎ في ذلك أعدل من أن يجمع على ابني سيف القاسطين وثأر الظالمين، وقد قال النبي ﷺ : يكون في أمتي رجلان: أفاك ومبير، فأما الأفاك فصاحبك عبدالملك بن مروان، وأما المبير فأنت يا حجاج، فقال: صدقت يا أسماء؛ أنا مبير المنافقين (١)، فقالت: عملك شاهد عليك، ثم ولت وهي باكية، فرق لها الحجاج وأمر بابن الزبير فأنزل عن خشبته وحمل إليها، فأمرت به فصب عليه الماء وحنط وكفن وصلي عليه ودفن ﵁ (٢).

стр. 25

ومن أبرز أعماله بناء الكعبة وكسوتها؛ كساها حين فرغ من بنائها القباطي، وكساها الديباج ﵁، ووسع المسجد من جانبه الشرقي، وهو أعلاه مما يليه من جانبه الشامي، ومن جانبه اليماني، وكان مما وسع به في الجانب الشرقي، واشترى نصف دار الأزرقي جد الأزرقي المؤرخ، اشتراها ببضعة عشر ألف دينار (١). الثالث من ملوك بني أمية: عبدالملك الخليفة الثامن: وهو أبو الوليد عبدالملك بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أميه بن عبدشمس بن عبد مناف كنيته أبو الوليد. أمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وأبوها هو الذي جدع أنف حمزة عم النبي ﷺ يوم أحد (٢). ولد في سنة ست وعشرين هو ويزيد بن معاوية، وقيل: ولد في سنة أربع وعشرين، وحُمل به ستة أشهر فقط، وكان أبيض. استعمله معاوية على المدينة وهو ابن ست عشرة سنة، وهو وأول من سمي في الإسلام بعبدالملك، سمع عثمان بن عفان، وشهد الدار مع أبيه، وله عشر سنين، وهو أول من سار بالناس في بلاد الروم سنة ثنتين وأربعين، وكان يجالس الفقهاء والعلماء والعباد والصلحاء (٣). وروى الحديث عن أبيه، وجابر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وابن عمر، ومعاوية، وأم سلمة، وبريرة مولاة عائشة.

стр. 26

ذُكر أن معاوية بن أبي سفيان جلس ذات يوم ومعه عمرو بن العاص فمر بهما عبدالملك بن مروان فقال معاوية: ما آدب هذا الفتى وأحسن مروءته. فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إن هذا الفتى أخذ بخصال أربع، وترك خصالا ثلاثا: أخذ بحسن الحديث إذا حدث، وحسن الاستماع إذا حُدث، وحسن البشر إذا لقي، وخفة المؤونة إذا خولف. وترك من القول ما يُعتذر منه، وترك مخالطة اللئام من الناس، وترك ممازحة من لا يوثق بعقله ولا مروءته. وكان فقيها راويا ناسكا، يدعى حمامة المسجد، شاعرا، قيل لابن عمر: من نسأل بعدكم، فقال: إن لمروان ابناً فقيها فسلوه. وقال نافع: أدركت المدينة وما بها شاب أنسك، ولا أشد تشميرا، ولا أكثر صلاة، ولا أطلب للعلم من عبدالملك بن مروان. بويع بعهد من أبيه في خلافة ابن الزبير، وبقي على مصر والشام، وابن الزبير على باقي البلاد مدة سبع سنين، ثم غلب عبدالملك على العراق، وما والاها في سنة اثنتين وسبعين، وبعد سنة قتل الحجاج ابن الزبير، واستوسق، الأمر لعبدالملك. خطب عبدالملك بن مروان سنة خمس وسبعين بعد مقتل ابن الزبير بعامين فقال: "أما بعد فإنه كان من قبلي من الخلفاء يأكلون من هذا المال ويؤكلون وإني والله لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف ولست بالخليفة المستضعف يعني عثمان، ولا الخليفة المداهن يعني معاوية.

стр. 27

أيها الناس إنا نحتمل لكم كل اللغوية ما لم يك عقد راية أو وثوب على منبر ... " (١). قلت: هذا غيض يكتفى به عن فيض يطول ذكره. توفي عبدالملك بن مروان لعشر خلون من شوال سنة ست وثمانين وهو ابن اثنتين وستين سنة. (٢). هو أول من ضرب الدنانير المنقوشة، في الإسلام، في سنة خمس وسبعين وكتب عليها قرآنا، وكانت الدنانير ترد رومية والدراهم كسروية في الجاهلية. وهو أول من كسا الكعبة الديباج، وقيل: الحجاج، وقيل: عبدالله بن الزبير، وذكر في أخبار عمارة المسجد الحرام من غير توسعة فيه، أن عبدالملك بن مروان رفع جدرانه وسقَفَه بالساج، وجعل في رأس كل أسطوانة خمسين مثقالا ذهبا، وعمره عمارة حسنة (٣)، وأول من نهى عن الكلام في حضرة الخلفاء، وكان الناس قبله يراجعونهم (٤)، وكان عبدالملك أول من غدر في الإسلام، وسبب ذلك أن عمرو بن سعيد بن العاص خلع عبدالملك بن مروان، وأخرج عبدالرحمن بن أم الحكم من دمشق؛ وكان واليا عليها، فسار عبدالملك إلى عمرو واصطلحا جميعا على أن يكون عمرو الخليفة بعد عبدالملك، وأن لعمرو مع كل عامل عاملا، وفتح المدينة ودخل عبدالملك ثم غدر بعمرو فقتله، وقال له: لو أعلم أن تبقى وتصلح قرابتي

стр. 28

لفديتك بدم النواظر، ولكنه قلما اجتمع فحلان في إبل إلا أخرج أحدهما صاحبه، ثم قتله وأنشأ يقول: أدنيته مني لآمن مكره ... فأصول صولة حازم مستمكن غضبا وحمية لديني إنه ... ليس المسيء سبيله كالمحسن وكان عبدالملك أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية (١). الملك الرابع من ملوك بني أمية: الوليد الخليفة التاسع وهو الوليد بن عبدالملك ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو العباس الأموي، شقيق سليمان أمههما وأم سليمان اسمها وليدة، وقيل: ولاّدة، وهي بنت العباس بن جزيء بن الحارث ابن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن قطيعة بن عبس. بويع الوليد بدمشق في اليوم الّذي توفى فيه عبدالملك، بعهد من أبيه (٢). وكان أهل الشام يرون للوليد فضلا ويقولون: بنى مسجد دمشق ومسجد المدينة، وأعطى المجذومين، وقال: لا تسألوا الناس، وأعطى كل مقعد خادما، وكل ضرير قائدا، وكان الوليد يمر بالبقال فيقف عليه فيأخذ حزمة البقل بيده، فيقول: بكم هذه؟ فيقول: بفلس، فيقول: زد فيها. وكان الوليد صاحب بناء واتخاذ مصانع، كان الناس يلتقون في زمانه فيسأل بعضهم بعضا عن البناء والمصانع، وكثُرت الفتوح في أيام الوليد، وكان مسلمة بن عبدالملك يتغلغل في بلاد الروم، وقتيبة بن مسلم في بلاد العجم والترك، وفتح

стр. 29

كاشغر، وافتتح محمد بن القاسم بلاد الهند، وفتح محمد بن نصير أرض الأندلس ووجد بها مائدة سليمان بن داود ﵉ المرصعة بالجواهر (١). وتوفي يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ودفن بها، وكانت مدة خلافته تسع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام (٢)، وهو أول من منع أن ينادى باسمه بل بأمير المؤمنين، أو بـ"يا مولاي" من ألقاب الخلافة والمُلك، ولم يمنع السابقون نداءهم بالأسماء المجردة. الملك الخامس من ملوك بني أمية: سليمان بن عبدالملك: وهو الخليفة العاشر، سليمان بن عبدالملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبدشمس القرشي الأموي، أبو أيوب. ولد بالمدينة في بني جذيلة، نشأ بالبادية عند أخواله بني عبس، وقيل: نشأ بالشام عند أبيه. بويع سليمان في اليوم الّذي توفى فيه أخوه الوليد، وأمه ولادة أم أخيه الوليد فهما شقيقان. وكان فصيح اللسان، كثير الأدب، لين الجانب: شديد العُجب بشبابه وجماله، أكولا، نهما، نكّاحا، لا يعجل إلى سفك الدماء، ولا يستنكف عن مشورة النصحاء. فافتتح بخير واختتم بخير، ورد المظالم وآوى المسيرين، وأخرج المحبوسين، واستخلف عمر بن عبدالعزيز، وعزل ابن أبي كبشة عن العراق، واستعمل عليها يزيد بن المهلّب.

стр. 30

كان سليمان، صاحب نكاح وطعام، وكان الناس يلتقون فيسأل الرجلُ الرجلَ عن التزويج والجواري، وهو فحل بني مروان وكان يركب ومعه ستون من صلبه ذكورا، فانظر في هذا فرقَ ما بينه وبين الوليد قبله، وعمر بن عبدالعزيز بعده. ذُكر أنه خرج يوما لصلاة الجمعة، وكان سوي الخلق حسنه، وقد لبس حلة خضراء، وهو شاب ممتلئ شبابا، وينظر في أعطافه ولباسه، فأعجبه ذلك من نفسه، فلما بلغ إلى صرحة الدار تلقته جنية في صورة جارية من حظاياه فأنشدته: أنت نعم لو كنت تبقى ... غير أن لا حياة للإنسان ليس فيما علمت فيك عيب يذكر ... غير أنك فان فصعد المنبر الذي في جامع دمشق وخطب الناس، وكان جهوري الصوت يسمع أهل الجامع وهو قائم على المنبر، فضعف صوته قليلا قليلا حتى لم يسمعه أهل المقصورة، فلما فرغ من الصلاة حمل إلى منزله فاستحضر تلك الجارية التي تبدت تلك الجنية على صورتها، وقال: كيف أنشدتيني تينك البيتين؟ فقالت: ما أنشدتك شيئا. فقال: الله أكبر نُعيَتْ والله إليّ تفسي. هلك وهو مُعَسْكِرٌ بمرج دابق (١) من أعمال قنسرين، ممدا لأخيه مسلمة، وهو على حصار القسطنطينية يوم الجمعة لعشر ليال بقين من صفر سنة تسع وتسعين، وله

стр. 31

تسع وثلاثون سنة، وكانت ولايته سنتين وثمانية أشهر وخمس ليال، وكانوا يتبرّكون به ويسمونه مفتاح الخير، وذاك أنّه ذهب عنهم الحجّاج، فأطلق الأسرى وخلّى أهل السجون وأحسن إلى الناس. أوصى أن يكون الخليفة من بعده ابن عمه عمر بن عبدالعزيز ﵀ (١). الملك السادس من ملوك بني أمية: عمر بن عبدالعزيز: وهو الخليفة الحادي عشر في عداد الخلفاء، والحقيقة أنه لم يتخلق بأخلاق الملوك، بل بأخلاق الخلفاء الراشدين، فعد الخليفة الخامس ﵃، وهو أبو حفص عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم. وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكان أميرا على المدينة من قبل عبدالملك بن مروان ولَّاه سنة سبع وثمانين في أولها أو آخر سنة ست وثمانين، فأقام بها إلى سنة ثلاث وتسعين ثم عزل (٢). وُلِّي الخلافة بدابق يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة تسع وتسعين.

стр. 32

ذكر رجاء بن حيوة سبب توليته فقال: لما كان يوم الجمعة لبس سليمان بن عبدالملك ثيابا خضرا من خز، ونظر في المرآة، فقال: أنا والله الملك الشاب، فخرج إلى الصلاة فصلى بالناس الجمعة، فلم يرجع حتى وعك، فلما ثقل عهد في كتاب كتبه لبعض بنيه وهو غلام ولم يبلغ فقلت: ما تصنع يا أمير المؤمنين! إنه مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستخلف على المسلمين الرجل الصالح فقال سليمان: أنا أستخير الله وأنظر فيه ولم أعزم عليه، قال: فمكث يوما أو يومين، ثم دعاني، فقال: ما ترى في داود بن سليمان؟ فقلت: هو غائب عنك بقسطنطينية وأنت لا تدري أحي هو أم ميت! فقال لي: فمن ترى؟ قلت: رأيك يا أمير المؤمنين، وأنا أريد أنظر من يذكر، قال: كيف ترى في عمر بن عبدالعزيز؟ فقلت: أعلمه والله خيرا فاضلا مسلما، فقال: هو والله على ذلك، ثم قال: والله لئن وليته ولم أول أحدا سواه لتكونن فتنة، ولا يتركونه أبدا يلي عليهم إلا أن يجعل أحدهم بعده، ويزيد بن عبدالملك غائب على الموسم، قال: فيزيد بن عبدالملك أجعله بعده، فإن ذلك مما يسكنهم ويرضون به، قلت: رأيك قال: فكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا كتاب من عبدالله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبدالعزيز، أني قد وليتك الخلافة من بعدي، ومن بعده يزيد بن عبدالملك، فاسمعوا له وأطيعوا، واتقوا الله ولا تختلفوا فيُطمع فيكم، وختم الكتاب ... ، أما عمر فهو التقى النقي الصوّام القوّام، كان فاضلا يؤثر الدين على الدنيا، ويعمل عمل من يخاف يومه ويرجو غده، ويقر بتدينه لما يجري أهله عليه، وكان نقش خاتمه "لكل عمل ثواب" وقيل: "عمر يؤمن باللَّه مخلصا".

стр. 33

كان حسن السيرة عادلا في الرعية، يعود المرضى، ويشيّع الجنائز، ويأخذ مال الله من وجهه، ويصرفه في حقه. وكان شبيها في السيرة بعمر بن الخطاب جده لأمه (١). كان قبل خلافته يلبس الحلة بألف دينار ويقول: ما أخشنها، وحين ولى الخلافة كان قميصه وعمامته وجميع ما يكون على بدنه من ثوب واحد خشن وتحته جبّة صوف تلاقي جلده على بدنه ويقول: هذا لمن يموت كثير. وبعد وفاته رئي في المنام وهو على حالة حسنة، وعليه ثياب فاخرة، وهو جالس في روضة نزهة، فقال له الرائي له في المنام: يا أمير المؤمنين قل لي ما أعيده عنك إلى أهلك ورعيتك، فقال له عمر: قل لهم: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (٢) ثم تلا بعد ذلك قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣)، وكان بنوا أميّة كلهم يلعنون عليّا ﵁ على المنبر، فمذ وُلّى عمر ابن عبدالعزيز قطع تلك اللعنة، واستبدلها بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٤)، وبقيت السنة بعده إلى يومنا هذا، نسأل الله أن يثيبه عليها أعظم ثواب وأجزله.

стр. 34

وقد كثر صلاح الناس في عهده فكانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل: ما وِرْدك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ ومتى ختمت، ومتى تختم؟ ، عكس ما كان تقاولهم في عهد سليمان (١). توفي عمر بن عبدالعزيز بدير سمعان من أرض حمص، يوم الجمعة لخمس بقين من رجب، سنة إحدى ومائة، وصلى عليه يزيد بن عبدالملك بن مروان، وهو ابن تسع وثلاثين سنة وستة أشهر، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام (٢)، رحمة الله علينا وعليه. هذا من فضائله وقصته ﵀ في الأمر بتدوين العلم مشهورة معلومة، ولا شك أنه استأنس برأي العلماء، وكان أول من حقق له هذه الغاية الإمام الزهري ﵀، وكان يفخر بذلك ويقول: لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني (٣). الملك السابع من ملوك بني أمية: يزيد بن عبدالملك: وهو الخليفة الثاني عشر في عداد الخلفاء، وهو أبو خالد يزيد بن عبدالملك بن مروان، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. ولد سنة إحدى أو اثنتين وسبعين. بويع يزيد بن عبدالملك بن مروان في سنة إحدى ومائة، بعهد من أخيه سليمان بعد عمر بن عبدالعزيز، وكان جسيما أبيض مدور الوجه أفقم متقدم الثنايا السفلى، لم يشب.

стр. 35

ولما احتضر عمر، قيل له: اكتب إلى يزيد فأوصه بالأمة، قال: بماذا أوصيه؟ إنه من بني عبدالملك، ثم كتب إليه: أما بعد فاتق يا يزيد الصرعة بعد الغفلة، حين لا تقال العثرة، ولا تقدر على الرجعة، إنك تترك ما تترك لمن لا يحمدك، وتصير إلى من لا يعذرك، والسلام. ولكنه لم يستفد من وصية عمر عمد يزيد إلى كل ما صنعه عمر بن عبدالعزيز مما لم يوافق هواه، فرده، ولم يخف شناعة عاجلة، ولا إثما آجلا. توفي يزيد بن عبدالملك بن مروان، سنة خمس ومائة، وهو ابن تسع وعشرين سنة (١). الملك الثامن من ملوك بني أمية: هشام: وهو الخليفة الثالث عشر، وهو أبو الوليد هشام بن عبدالملك بن مروان، وأمه فاطمة بنت هشام بن إسمعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة. ولد سنة نيف وسبعين، واستُخلف بعهد من أخيه يزيد بن عبدالملك، وبويع لخمس بقين من شعبان سنة خمس ومائة، وعمره أربع وثلاثون سنة يومئذ. وكان متيقظا في سلطانه، سائسا لرعيته، مباشرا للأمور بنفسه، لا يغيب عنه شيء من أمر مملكته، وكان نقش خاتمه "الحكم للحكيم" (٢).

стр. 36

مات هشام بن عبدالملك بن مروان بالرصافة يوم الأربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول من سنة خمس وعشرين ومائة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. فكانت ولايته عشرين سنة إلا خمسة أشهر. وذكر سبب موته سالم أبو العلاء قال: خرج علينا هشام يوما وهو كئيب، فسألته عن حاله، فقال: لا أغتم، وقد زعم أهل العلم أني ميت إلى ثلاث وثلاثين يوما. فلما استكمل الأيام إذا خادم يدق الباب يقول: أجب أمير المؤمنين واحمل معك دواء الذبحة، وقد كان أخذه مرة فعولج به فأفاق، فخرجت ومعي الدواء فتغرغر به فازداد الوجع شدة ثم سكن، فانصرفت إلى أهلي فما كان إلا ساعة حتى سمعت الصراخ، فقالوا: مات. فأغلق الخزان الأبواب، فطلبوا له قمقما يسخن فيه الماء فما وجدوه حتى استعاروه من بعض الخزان. قال علماء السير: لما رأى هشام أولاده حوله يبكون في مرضه، قال: جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما جمع وتركتم عليه ما اكتسب، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له (١). زعموا أن عبدالملك رأى في منامه أنه بال في المحراب أربع مرات، فدس من يسأل سعيد بن المسيب عنها وكان يعبر الرؤيا وعظمت على عبدالملك فقال: سعيد يملك من ولده لصلبه أربعة، فكان هشام آخرهم (٢).

стр. 37

الملك التاسع من ملوك بني أمية: فاسق زنديق: لا يستحق لقب الخلافة حسب تعدادها العام، وهو الوليد بن يزيد بن عبدالملك يكنى: أبا العباس. ظهر للناس منه تهاون في الدين واستخفاف حتى اتهموه بالزندقة وبلغ ذلك هشاما، فطمع في خلعه، وتمادى الوليد في شرب الخمر وطلب اللذات فأفرط، حتى قيل: إنه فتح المصحف في وقت، فخرج عليه ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ (١)، فنصب المصحف ورماه حتى خرقه، وقال في ذلك: أتوعد كل جبار عنيد ... فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر ... فقل يا رب مزقني الوليد فقال له هشام: ويحك يا وليد! والله لا أدري على الإسلام أنت أم لا! ما تدع شيئا من المنكر إلا أتيته غير متحاش فيه، فكتب إليه الوليد هذا: يا أيها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر نشربها صرفا وممزوجة ... بالسخن أحيانا وبالفاتر فغضب هشام على ابنه مسلمة وكان يكنى أبا شاكر، وقال له: يعيرني بك الوليد وأنا أرشحك للخلافة فالزم الأدب واحضر الجماعة، وولَّاه الموسم سنة تسع عشرة ومائة، فأظهر النسك والوقار واللين، وقسم بمكة والمدينة أموالا، فقال مولى لأهل المدينة هذه الأبيات: يا أيها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر الواهب الجرد بأرسانها ... ليس بزنديق ولا كافر

стр. 38

يُعرِّض بالوليد بن يزيد، فلم يلبث الوليد بعد ذلك إلا يسيرا حتى قتل. وكان ماجنا سفيها يشرب الخمر، ويقطع دهره باللهو والغزل، ويقول أشعار المغنّين، يعمل فيها الألحان، فسار إليه يزيد بن الوليد بن عبدالملك فقتله، وكان المتولي لذلك عبدالعزيز بن الحجّاج بن عبدالملك، قال حكم الوادي: "بينما نحن مع الوليد بن يزيد بن عبدالملك بالبخراء (١) وهو يشرب إذ دخل عليه مولى له مخرّق ثيابه، فقال: هذه الخيل قد أقبلت، فقال: هاتوا المصحف حتى أقتل كما قتل عمّي عثمان، فدخل عليه فقتل، فرأيت رأسه في طشت ملقى ويده في فم الكلب، ثمّ بعث برأسه إلى دمشق" (٢). وكانت ولايته سنة وشهرين وعشرين ليلة. وقد بلغ من السن اثنتين وأربعين سنة. وقد برر يزيد بن الوليد قتله الوليد، فمما قال: "خرجت غضبا لله ودينه وداعيا إلى كتابه وسنة نبيه حين درست معالم الهدى وطفئ نور أهل التقوى وظهر الجبار العنيد المستحل الحرمة والراكب البدعة والمغير السنة فلما رأيت ذلك أشفقت إذ غشيتكم ظلمة لا تقلع عنكم على كثرة من ذنوبكم وقسوة من قلوبكم وأشفقت أن يدعو كثير من الناس إلى ما هو عليه فيجيبه من أجابه منكم فاستخرت الله في أمري وسألته ألا يكلني إلى نفسي ودعوت إلى ذلك من أجابني ... " وقد نزه قوم الوليد مما قيل فيه، وأنكروه ونفوه عنه وقالوا: إنه قيل عنه وألصق به، وليس بصحيح.

стр. 39

وكان سبب إمارته أن أباه يزيد بن عبدالملك استخلفه بعد هشام بن عبدالملك، فلما انقضى أمر هشام صار الأمر إليه (١). كان الأمير في أيامه على دمشق عثمان بن سراقة الزهراني، وكان قاضيا؛ وهو عثمان بن سراقة بن عبد الأعلى بن سراقة، من بني الخيار بن سعد بن الغطريف الأكبر عامر بن بكر بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب. الملك العاشر من ملوك بني أمية: يزيد بن الوليد وهو الخليفة الخامس عشر، بعد الفاسق، وهو يزيد بن الوليد بن عبدالملك الناقص، استولى على الأمر في أول رجب، بعد قتل الوليد بن يزيد بخمسة أيام، سنة ست وعشرين ومائة. وأمه شاه فريذ بنت فيروز بن كسرى يزدجرد بن شهريار بن كسرى إبرويز بن هرمز ابن أنوشروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد. مات يزيد بن الوليد بن عبدالملك بدمشق لعشر بقين من ذي الحجة، سنة ست وعشرين ومائة وهو ابن خمس أو ست وثلاثين سنة، وقيل: ابن ست وأربعين، وصلى عليه أخوه إبراهيم بن الوليد بن عبدالملك، ولي خمسة أشهر آخرها سلخ ذي القعدة (٢)، ولم يمتع بالخلافة أو الملك، ولكنه أحسن بقتل الوليد الفاسق، والله أعلم بالقصد.

стр. 40

الملك الحادي عشر من ملوك بني أمية: إبراهيم بن الوليد: وهو الخليفة السادس عشر، وهو إبراهيم بن الوليد بن عبدالملك الناقص، أمه أم ولد. وبايع أهل الشام إبراهيم بن الوليد بن عبدالملك ما خلا أهل حمص فإنهم أبوا أن يبايعوه، ولم يتم له أمر، وكان يسلم عليه جمعة بالخلافة، وجمعة بالإمارة، وجمعة لا يسلمون عليه لا بالخلافة ولا بالإمارة، فكان على ذلك أمره حتى قدم مروان بن محمد فخلعه بعد أربعة أشهر في شهر ربيع الآخر من سنة ست وعشرين ومائة، ثم لم يزل حيا حتى أصيب في وقعة قطع فيها الجسر فكان فيمن غرق يومئذ في سنة اثنتين وثلاثين ومائة (١). الملك الثاني عشر آخر ملوك بنى أمية: مروان: وهو أبو عبدالملك مروان بن محمد بن مروان الملقب بالحمار، بويع له في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة، سنة اثنتين وثلاثين ومائة وكانت خلافته خمس سنين وثمانية أشهر ويومين، وانقرضت أيام بنى أمية، وكان عبدالله بن عليّ بن عبدالله بن العباس عم السفاح لقيه على الزاب الكبير (٢) وكسره واستباح عسكره وقتل أكثرهم وغرق في الزاب من نجا من السيف منهم، ونجا هو بنفسه وقصد نصيبين (٣) فأُغلق الباب في وجهه فمضى على تلك الحالة إلى دمشق وكانت سرير ملكه وفيها خزائنه وذخائره فأُغلق الباب في وجهه فمضى من هناك إلى مصر وحين وصلها بلغه الخبر بأن عبدالله بن عليّ مُجدّ في طلبه على أثره
следующие страницы →