مات هشام بن عبدالملك بن مروان بالرصافة يوم الأربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول من سنة خمس وعشرين ومائة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة.
فكانت ولايته عشرين سنة إلا خمسة أشهر.
وذكر سبب موته سالم أبو العلاء قال: خرج علينا هشام يوما وهو كئيب، فسألته عن حاله، فقال: لا أغتم، وقد زعم أهل العلم أني ميت إلى ثلاث وثلاثين يوما.
فلما استكمل الأيام إذا خادم يدق الباب يقول: أجب أمير المؤمنين واحمل معك دواء الذبحة، وقد كان أخذه مرة فعولج به فأفاق، فخرجت ومعي الدواء فتغرغر به فازداد الوجع شدة ثم سكن، فانصرفت إلى أهلي فما كان إلا ساعة حتى سمعت الصراخ، فقالوا: مات.
فأغلق الخزان الأبواب، فطلبوا له قمقما يسخن فيه الماء فما وجدوه حتى استعاروه من بعض الخزان.
قال علماء السير: لما رأى هشام أولاده حوله يبكون في مرضه، قال: جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما جمع وتركتم عليه ما اكتسب، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له (١).
زعموا أن عبدالملك رأى في منامه أنه بال في المحراب أربع مرات، فدس من يسأل سعيد بن المسيب عنها وكان يعبر الرؤيا وعظمت على عبدالملك فقال: سعيد يملك من ولده لصلبه أربعة، فكان هشام آخرهم (٢).
стр. 37
الملك التاسع من ملوك بني أمية: فاسق زنديق: لا يستحق لقب الخلافة حسب تعدادها العام، وهو الوليد بن يزيد بن عبدالملك يكنى: أبا العباس.
ظهر للناس منه تهاون في الدين واستخفاف حتى اتهموه بالزندقة وبلغ ذلك هشاما، فطمع في خلعه، وتمادى الوليد في شرب الخمر وطلب اللذات فأفرط، حتى قيل: إنه فتح المصحف في وقت، فخرج عليه ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ (١)، فنصب المصحف ورماه حتى خرقه، وقال في ذلك:
أتوعد كل جبار عنيد ... فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر ... فقل يا رب مزقني الوليد
فقال له هشام: ويحك يا وليد! والله لا أدري على الإسلام أنت أم لا! ما تدع شيئا من المنكر إلا أتيته غير متحاش فيه، فكتب إليه الوليد هذا:
يا أيها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر
نشربها صرفا وممزوجة ... بالسخن أحيانا وبالفاتر
فغضب هشام على ابنه مسلمة وكان يكنى أبا شاكر، وقال له: يعيرني بك الوليد وأنا أرشحك للخلافة فالزم الأدب واحضر الجماعة، وولَّاه الموسم سنة تسع عشرة ومائة، فأظهر النسك والوقار واللين، وقسم بمكة والمدينة أموالا، فقال مولى لأهل المدينة هذه الأبيات:
يا أيها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر
الواهب الجرد بأرسانها ... ليس بزنديق ولا كافر
стр. 38
يُعرِّض بالوليد بن يزيد، فلم يلبث الوليد بعد ذلك إلا يسيرا حتى قتل.
وكان ماجنا سفيها يشرب الخمر، ويقطع دهره باللهو والغزل، ويقول أشعار المغنّين، يعمل فيها الألحان، فسار إليه يزيد بن الوليد بن عبدالملك فقتله، وكان المتولي لذلك عبدالعزيز بن الحجّاج بن عبدالملك، قال حكم الوادي: "بينما نحن مع الوليد بن يزيد بن عبدالملك بالبخراء (١) وهو يشرب إذ دخل عليه مولى له مخرّق ثيابه، فقال: هذه الخيل قد أقبلت، فقال: هاتوا المصحف حتى أقتل كما قتل عمّي عثمان، فدخل عليه فقتل، فرأيت رأسه في طشت ملقى ويده في فم الكلب، ثمّ بعث برأسه إلى دمشق" (٢).
وكانت ولايته سنة وشهرين وعشرين ليلة. وقد بلغ من السن اثنتين وأربعين سنة.
وقد برر يزيد بن الوليد قتله الوليد، فمما قال: "خرجت غضبا لله ودينه وداعيا إلى كتابه وسنة نبيه حين درست معالم الهدى وطفئ نور أهل التقوى وظهر الجبار العنيد المستحل الحرمة والراكب البدعة والمغير السنة فلما رأيت ذلك أشفقت إذ غشيتكم ظلمة لا تقلع عنكم على كثرة من ذنوبكم وقسوة من قلوبكم وأشفقت أن يدعو كثير من الناس إلى ما هو عليه فيجيبه من أجابه منكم فاستخرت الله في أمري وسألته ألا يكلني إلى نفسي ودعوت إلى ذلك من أجابني ... "
وقد نزه قوم الوليد مما قيل فيه، وأنكروه ونفوه عنه وقالوا: إنه قيل عنه وألصق به، وليس بصحيح.
стр. 39
وكان سبب إمارته أن أباه يزيد بن عبدالملك استخلفه بعد هشام بن عبدالملك، فلما انقضى أمر هشام صار الأمر إليه (١).
كان الأمير في أيامه على دمشق عثمان بن سراقة الزهراني، وكان قاضيا؛ وهو عثمان بن سراقة بن عبد الأعلى بن سراقة، من بني الخيار بن سعد بن الغطريف الأكبر عامر بن بكر بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب.
الملك العاشر من ملوك بني أمية: يزيد بن الوليد وهو الخليفة الخامس عشر، بعد الفاسق، وهو يزيد بن الوليد بن عبدالملك الناقص، استولى على الأمر في أول رجب، بعد قتل الوليد بن يزيد بخمسة أيام، سنة ست وعشرين ومائة.
وأمه شاه فريذ بنت فيروز بن كسرى يزدجرد بن شهريار بن كسرى إبرويز بن هرمز ابن أنوشروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد.
مات يزيد بن الوليد بن عبدالملك بدمشق لعشر بقين من ذي الحجة، سنة ست وعشرين ومائة وهو ابن خمس أو ست وثلاثين سنة، وقيل: ابن ست وأربعين، وصلى عليه أخوه إبراهيم بن الوليد بن عبدالملك، ولي خمسة أشهر آخرها سلخ ذي القعدة (٢)، ولم يمتع بالخلافة أو الملك، ولكنه أحسن بقتل الوليد الفاسق، والله أعلم بالقصد.
стр. 40
الملك الحادي عشر من ملوك بني أمية: إبراهيم بن الوليد: وهو الخليفة السادس عشر، وهو إبراهيم بن الوليد بن عبدالملك الناقص، أمه أم ولد.
وبايع أهل الشام إبراهيم بن الوليد بن عبدالملك ما خلا أهل حمص فإنهم أبوا أن يبايعوه، ولم يتم له أمر، وكان يسلم عليه جمعة بالخلافة، وجمعة بالإمارة، وجمعة لا يسلمون عليه لا بالخلافة ولا بالإمارة، فكان على ذلك أمره حتى قدم مروان بن محمد فخلعه بعد أربعة أشهر في شهر ربيع الآخر من سنة ست وعشرين ومائة، ثم لم يزل حيا حتى أصيب في وقعة قطع فيها الجسر فكان فيمن غرق يومئذ في سنة اثنتين وثلاثين ومائة (١).
الملك الثاني عشر آخر ملوك بنى أمية: مروان: وهو أبو عبدالملك مروان بن محمد بن مروان الملقب بالحمار، بويع له في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة، سنة اثنتين وثلاثين ومائة وكانت خلافته خمس سنين وثمانية أشهر ويومين، وانقرضت أيام بنى أمية، وكان عبدالله بن عليّ بن عبدالله بن العباس عم السفاح لقيه على الزاب الكبير (٢) وكسره واستباح عسكره وقتل أكثرهم وغرق في الزاب من نجا من السيف منهم، ونجا هو بنفسه وقصد نصيبين (٣) فأُغلق الباب في وجهه فمضى على تلك الحالة إلى دمشق وكانت سرير ملكه وفيها خزائنه وذخائره فأُغلق الباب في وجهه فمضى من هناك إلى مصر وحين وصلها بلغه الخبر بأن عبدالله بن عليّ مُجدّ في طلبه على أثره
стр. 41
فارتحل منها وأوغل في بلاد المغرب حتى انتهى إلى قرية يقال لها: بوصير (١) فنزل في دار رئيسها وكان وصوله إليها ضحوة النهار، واتفق أنه اتهم قائدا من قواده بأنه يكاتب بنى العباس ويميل إليهم فأمر بسلّ لسانه من قفاه، ففعل به ذلك في دار ذلك الرئيس، فنزلت سنّورة من الدرجة فرأت اللسان فاختطفته وأكلته، وفي عشية ذلك اليوم وصل عسكر عبدالله بن عليّ إلى تلك القرية ودخلوا الدار التي فيها مروان وسلّوا لسانه من قفاه، ورموه على الأرض، فجاءت تلك السنّورة بعينها فأخذته وأكلته.
ثم بلغهم ما فعل بذلك القائد في صبيحة ذلك اليوم فتعجبوا من ذلك حتى قال واحد منهم: لو لم يكن من عجائب الزمان إلا أنّا رأينا لسان مروان بن محمد ملك الشرق والغرب في فم هرّة تمضغه لكفانا ذلك (٢).
وهنا أسدل الستار على ملوك بني أمية، وعددهم اثنى عشر ملكا عدا عبدالله بن الزبير فليس أمويا، وسبحان من له الملك الدائم في الدنيا والآخرة.
وقد ضرب صبرا عنق عمارة بن عمرو الزهراني لما قال حين قتل الوليد بن يزيد بن عبدالملك بن مروان: "لئن انتضيت سيفي لا أغمده وفي الأرض قرشي حتى أقتله" وعمارة هو ابن أبي كلثم خالد بن معمر بن وهب بن زهير بن عمرو بن عامر بن غنم بن غنام بن أسامة بن مالك بن عامر بن حرب بن سعد ين ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبدالله بن زهران بن كعب.
ويشمل ظهر الإسلام زمن ملوك بن العباس
стр. 42
وقد قيل فيهم: لئن كان لكلّ من الخلفاء مناقب مروية وطرائق مرضية، فإنّ لأربعة منهم فضائل أفردوا بمزاياها وحظوا بمرباعها وصفاياها: قام أمير المؤمنين السفّاح؛ سفح دماء الأعداء وتأخّى كشف الغمّاء، وتفرّد وتفضّل بفضيلة الابتداء، والمنصور بالله، أيّد بالنصر في توطيد قواعد الأمر، فذلل كلّ صعب وأزال كلّ شَعْب، وثقّف كلّ مناد، ومهّد لمن بعده أحسن مهاد، ثم المعتضد بالله عضَّد الدولة بحسن تدبيره وسياسته، وتلافاها بشرف نفسه وعلوّ همّته، وأعادها بعد الضعف إلى القوّة، وبعد اللين إلى الشدّة، وبعد الأود إلى الاستقامة، وبعد الفتنة إلى السلامة، ثم القادر بالله قدِر من صلاحها على ما لم يقدر عليه سواه، وسلك من طريق الزهد والورع ما تقدّمت فيه خطاه، فكان راهب بنى العباس حقّا وزاهدهم صدقا، ساس الدنيا والدين، وأغاث الإسلام والمسلمين، واستأنف في سياسة الأمر طرائق قويمة، ومسالك مأمونة سليمة، لم تعرف منه زلّة، ولا ذُمّت له خلّة، فطالت أيّامه، وطابت أخباره، واقتفيت آثاره، وما عدا هؤلاء كان الحكم للمتغلبين من الملوك، والوزراء والموالي، وليس للخليفة معهم إلا الاسم فقط (١)، ولا سيما لدى أواخر الخلفاء، وعدد ملوكهم سبعة وثلاثون ملكا.
الملك الأول من ملوك بني العباس: أبو العباس السفاح: أول خلفاء الدولة العباسية، وهو عبدالله بن محمد بن على بن عبدالله بن العباس بن عبد المطلب.
أمه ريطة بنت عبيد الله بن عبدالله بن عبد المدان بن الديان بن قطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
стр. 43
كان مولده بالشراة (١) سنة خمس ومائة، واستخلف وهو ابن سبع وعشرين سنة، وهو أصغر من أخيه المنصور، قيل: إنما لقب بالسفاح لما سفح من دماء المبطلين. ورفعت إليه سعاية مكتوب عليها بنصيحة فوقع عليها: "تقربت إلينا بما باعدك من الله تعالى، ولا ثواب عندنا لمن آثرنا عليه".
وكان نقش خاتمه: "الله ثقة عبدالله".
بويع بالكوفة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة، خلت من شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وانتقل إلى الأنبار فسكنها حتى مات (٢).
وكان مبدأُ الدعوة العباسية بالكوفة وخراسان وغيرها من الأمصار في سنة مائة للهجرة، كان أبو العباس السفاح قد عهد عند موته إلى أخيه المنصور، ومن بعده إلى عيسى بن موسى، ومولد عيسى سنة ثلاث ومائة أو أربع ومائة، فشرع المنصور بعد قتل محمد وإبراهيم ابني عبدالله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، وكان قتلهما جميعا على يدي عيسى بن موسى سببا في تأخير عيسى، وتقديم المهدي في ولاية العهد، وذلك في سنة سبع وأربعين ومائة.
توفي في ذي الحجة سنة ست وثلاثين فكانت خلافته أربع سنين وعشرة أشهر وقيل: ثمانية أشهر (٣).
стр. 44
الملك الثاني من ملوك بني العباس: المنصور: ثاني خلفاء الدولة العباسية، وهو أبو جعفر المنصور عبدالله بن محمد بن على بن عبدالله بن العباس، وأمه بريرة، أم ولد ويقال لها: سلامة بنت بشير.
ولد بأرض الشراة في أيام الوليد بن عبدالملك بن مروان وكان أكبر من أبي العباس بثمان عشرة سنة.
ولي الخلافة وهو ابن اثنتين وأربعين سنة، في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، فاستوسقت له الأمور، وبايعه الجمهور، ونزل ببغداد قبل استتمام بنائها.
وفي سنة سبع وثلاثين ومائة قتل المنصور أبا مسلم الخراساني لضغينة بينهما.
وكان المنصور أول من عني بالعلوم، ومع براعته في الفقه كان كلفا في علم الفلسفة
وخاصة في علم النجوم (١).
وقتل محمد بن سعيد بن حسان المصلوب في الزندقة.
بعث أبو جعفر المنصور إلى الإمام مالك حين قدم المدينة وقال له: "يا أبا عبدالله لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك، وقد شغلتني الخلافة، فضع أنت للناس كتابا ينتفعون به، تجنّب فيه رخص ابن عبّاس وشدائد ابن عمر ووطّئه للناس وقال: إن الناس قد اختلفوا بالعراق، فضع للناس كتابا نجمعهم عليه"، فوضع "الموطأ".
стр. 45
بنى المنصور بغداد وأسماها مدينة السلام، لأن دجلة كان يقال لها وادي السلام، ووسع المسجد الحرام من جانبه الشامي ومن جانبه الغربي، وكان ابتداء عمل ذلك في المحرم سنة سبع وثلاثين ومائة، والفراغ منه في ذي الحجة سنة أربعين ومائة. وكان الذي زاد فيه المنصور الضعف مما كان عليه قبل (١).
كثر اعتماده على غير العرب كالبرامة.
مات المنصور ببئر ميمون (٢)، ولم يحضره عند وفاته إلا خدمه والربيع مولاه.
فكتم الربيع موته، وألبسه وسنده، وجعل على وجهه كلّة خفيفة يرى شخصه منها، ولا يفهم أمره وأدنى أهله منه، ثم قرب منه الربيع كأنه يخاطبه، ثم رجع إليهم وأمرهم عنه بالبيعة للمهدي بن المنصور بن محمد الإمام، ولابن عمه عيسى بن موسى بن محمد الإمام بعده، فبايعوا، ثم أخرجهم.
وبعد ذلك خرج إليهم باكيا مشقوق الجيب لاطما رأسه، ثم وجه الى المهدي بخبر وفاة المنصور وبالبيعة له ولابن عمه عيسى بن موسى بعده، فأبى عيسى بن موسى من البيعة للمهدي وامتنع بالكوفة وأراد أن يتحصن بها.
стр. 46
مات المنصور لست خلون من ذي الحجة، سنة ثمان وخمسين ومائة، خرج للحج وقال لابنه المهدي: إني ولدت في ذي الحجة، ووليت في ذي الحجة، وقد هجس في نفسي أني أموت في ذي الحجة من هذه السنة، وهو الذي حداني على الحج، فاتق الله فيما أعهد إليك، ووصاه طويلا وودعه وبكيا فمات ببئر ميمونة (١) محرما، وعاش ثلاثا وستين وخلافته اثنتان وعشرون سنة وثلاثة أشهر وكسر (٢).
كان على شرطته عبد الجبار بن عبدالرحمن الزهراني، وهو عبد الجبار بن عبدالرحمن بن يزيد بن قيل بن قَيس بن يزيد بن جابر بن رافد بن سُبالة بن عامر بن عمرو بن كعب بن الغطريف الأصغر الحارث بن عبدالله بن الغطريف الأكبر عامر بن بكر بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب.
وكان أخوه عبدالعزيز بن عبدالرحمن الزهراني على البصرة.
الملك الثالث من ملوك بني العباس: المهدي: ثالث خلفاء الدولة العباسية، وهو المهدي محمد بن عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس، وأمه أم موسى بنت منصور الحميرية، فقدم المهدي من جرجان وقعد في الخلافة عشر سنين، تولى الخلافة في سنة ثمان وخمسين ومائة.
وله أخبار وأسمار لا تدخل في الفتوح.
стр. 47
بنى في خلافة والده المنصور مدينة الري (١)، وجعل حولها خندقا، وبنى فيها مسجدا جامعا.
وذُكر أن المهدي قال في ذات يوم: إني داخل ذلك النهر نائم فيه فلا يوقظني أحد حتى أستيقظ أنا من ذاتي، إذ سمعوا بكاءه، فبادروا إليه وقالوا: مما بكاءك؟ ، فقال: رأيت الساعة رجلا لو كان في مائة رجل لما خفي، فوقف على باب هذا النهر وجعل يقول هذه الأبيات فحفظتها منه:
كأني بهذا القصر قد باد أهله ... وأوحش منه أهله ومنازله
وصار عميد القوم من بعد نعمة ... وملك إلى قبر عليه جنادله
فلم يبق إلا ذكره وحديثه ... تنادي بليل معولات حلائله
فلم يشك أحد أن أجله قد اقترب.
قال علي بن يقطين: فكنا معه بعد ذلك في قصر الرصافة ببغداد فأرسل إلى وجوه بني هاشم ورؤساء القوم فأحضرهم ثم أخذ عليهم البيعة لابنه موسى وسماه الهادي وجعل هارون من بعده ولي العهد وسماه الرشيد، ثم لم يلبث المهدي بعد ذلك قليلا حتى مات، فكانت مدة خلافته عشر سنين وشهرا واحدا، وتوفي بموضع يقال له ماسبذان (٢) ودفن في دير الغنم (٣) ليلة الخميس لثمان ليال بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة.
стр. 48
وذُكر في سبب موته أنه في المحرم سار المهدي إلى ماسبذان عازما على تقديم ابنه هارون في ولاية العهد، وأن يؤخر موسى الهادي، فنفذ إلى موسى في ذلك فامتنع، فطلبه فلم يأت، فهم المهدي بالمسير إلى جرجان لذلك، فساق يوما خلف صيد فاقتحم الصيد خربة، ودخلت الكلاب خلفه، وتبعهم المهدي، فدق ظهره في باب الخربة مع شدة سوق الفرس، فهلك لساعته.
وقيل: بل أطعموه السم، سقته جارية له سما اتخذته لضرتها، فمد يده، وفزعت أن تقول: هو مسموم، وكان لِباً فيما قيل، وقيل: كان إنجاصا، فأكل وصاح: جوفي، وتلف من الغد (١).
وسّع المهدي المسجد الحرام من أعلاه، ومن الجانب اليماني، ومن الموضع الذي انتهى إليه أبوه المنصور في الجانب الغربي، وكان توسعته له في نوبتين:
الأولى: في سنة إحدى وستين ومائة، وفيها زيد فيما زاد أبوه في المسجد رواقان، والثانية: في سنة سبع وستين، وكان أمر بها لما حج حجته الثانية في سنة أربع وستين، ولم تكمل هذه الزيادة إلا في خلافة ابنه موسى الهادي، لمعاجلة المنية المهدي، ونقل المهدي أساطين الرخام من الشام وغيرها، حتى أنزلت بجدة، وحملت منها على العجل إلى مكة (٢).
стр. 49
وقد ولى عبدالرحمن بن عبدالله الزهراني على السراة، وهو الذي قتل الحازوق الخارجي المبعوث من قبل نجدة الخارجي؛ وهو عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالله بن النعمان بن عبدالله بن وهب بن سعد بن عوف بن عامر بن غنم بن غنام بن أسامة بن مالك بن عامر بن حرب بن سعد ين ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبدالله بن زهران بن كعب.
الملك الرابع من ملوك بني العباس: الهادي: رابع خلفاء الدولة العباسية، وهو أبو محمد موسى الهادي بن محمد المهدي بن عبدالله أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس، وأمه الخيزران، فهو شقيق الرشيد.
بويع بالخلافة في عسكر المهدي، يوم توفي المهدي، في المحرم سنة تسع وستين ومائة وهو مقيم بجرجان (١) يحارب أهل طبرستان (٢)، وكان مما عمل في المسجد الحرام بعد موت أبيه المهدي بعض الجانب اليماني وبعض الغربي، وذلك من الأساطين الحجارة في الجانب اليماني إلى الموضع الذي انتهى إليه عمل المنصور في الجانب الغربي.
توفي موسى الهادي يوم الجمعة بموضع يقال له: عيسى أباذ من سواد العراق (٣)، وذلك يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة، وكان له يوم توفي خمس وعشرون سنة، وكانت ولايته أربعة عشر شهرا إلا ست
стр. 50
ليال، وصلى عليه أخوه هارون الرشيد بن محمد المهدي، وكان نقش خاتم "الهادي الله ربي" (١).
الملك الخامس من ملوك بني العباس: الرشيد: خامس خلفاء الدولة العباسية، وهو أبو جعفر هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبدالله أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس، وهو شقيق الهادي.
وأمه أم ولد يمانية جرشية يقال لها خيزران، مولدها بنجران، ثم بيعت إلى جرش ثم إلى مكة.
ولد هارون الرشيد بالري (٢) لثلاث بقين من ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة في خلافة المنصور.
وكان تام الخلقة جميلا، طويلا أبيض مسمنا، قد وخطه الشيب، له وفرة إذا حج حلقها.
بويع له بالخلافة ليلة الجمعة الليلة التي توفي فيها أخوه موسى الهادي في سنة سبعين ومائة، وكانت سنه يوم ولي اثنتين وعشرين سنة، وقيل كان يوم بويع بالخلافة ابن إحدى وعشرين سنة، وبايع لابنه محمد بن زبيدة بالعهد بعده ثم لعبدالله المأمون بعد محمد، وكان كامل الأخلاق سمحا شجاعا كثير الحج والجهاد، حج في خلافته ثماني حجج وغزا ثماني غزوات، واتسع ملكه فكان يقول للسحابة: "أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك" رد على تهديد "نقفور" ملك الروم فقال:
стр. 51
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، فقد قرأت كتابك والجواب ما تراه دون أن تسمعه والسلام".
وبالفعل جهز جيشا قاده بنفسه وغزا دولة الروم وانتصر بنفسه على "نقفور" وأعاده للهدنه ودفع الجزية.
وتسلط الرشيد على الأمور بعد مدة من خلافته، فأفسد الصنائع، وأحب جمع الأموال واستوزر البرامكة يحيى بن خالد بن برمك وابنيه جعفر والفضل، ثم نكبهم في صفر سنة سبع وثمانين ومائة، واختلّت أموره بعد البرامكة، وبان للناس قبح تدبيره وسوء سياسته، وكان نقش خاتمه "باللَّه يثق هارون".
قال الأصمعي: بعث إليَّ هارون الرشيد وقد زخرف مجالسه وبالغ فيها وفي بنائها، ووضع فيها طعاما كثيرا، ثم وجه إلى أبي العتاهية، فأتاه، فقال: صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا؛ فأنشأ يقول:
عش ما بدا لك سالما ... في ظل شاهقة القصور
فقال: أحسنت! ثم ماذا؟ فقال:
يسعى عليك بما اشتهيت ... لدى الرواح وفي البكور
فقال: أحسنت أيضا! ثم ماذا؟ فقال:
فإذا النفوس تقعقعت ... في ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقنا ... ما كنت إلا في غرور
стр. 52
فبكى هارون، فقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته! فقال هارون: دعه؛ فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا عمى (١).
توفى بقرية يقال لها سناباذ من طوس من أرض خراسان يوم السبت لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وهو ابن أربع وأربعين سنة وأربعة أشهر، فكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وستة عشر يوما (٢).
الملك السادس من ملوك بني العباس: محمد بن هارون: سادس خلفاء الدولة العباسية، وهو محمد بن هارون الرشيد ويكنى أبا موسى، وأمه زبيدة أم جعفر ابنة جعفر بن أبى جعفر المنصور.
بويع له يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وبايع له المأمون بخراسان، وكتب إليه بالطاعة والخضوع وامتثال أمره ونهيه، انقيادا إلى ما تقدم به العهد.
وكان حسن الوجه، تام القامة، أبيض مسمنا، صغير العينين، بعيد ما بين المنكبين، شديدا في بدنه، باسطا يده بالعطاء، وفي الخلافة لم يُحمد، فقيل: كان قبيح السيرة، ضعيف الرأي، سفاكا للدماء، يركب هواه ويهمل أمره، ويتكل في جليلات الخطوب على غيره، ويثق بمن لا ينصحه، وعمل الأمين في خلع المأمون والاحتيال لذلك، وكتب إليه يأمره بتسليم بعض أعماله إلى من يرسم له، فامتنع من ذلك، فكتب إليه يأمره بالمصير إليه لمعاونته على تدبير ملكه، فاعتل بأمور
стр. 53
ذكرها، فوجه إليه يسأله تقديم ابنه عليه بولاية العهد، ويرغبه في ذلك ويرهبه، فأبى وقوّى الفضل بن سهل ذو الرئاستين عزمه على محاربته.
فلما عادت الرسل إلى الأمين بذلك بايع لابنه موسى ولقبه "الناطق بالحق" وهو يومئذ صبي صغير (١).
قلت ليس هذا من الوفاء لعهد والده، وليس من المروءة مع أخيه، وهو من طيش الملك ونشوته.
وبعد مواجهة انتهت بكسر من أرسل الأمين، وذلك لعشر خلون من شعبان سنة خمس وتسعين ومائة، وحينئذ سُلّم على المأمون بإمرة المؤمنين، وبعث كل منهما جهده في الانتصار، ولكن المأمون دالت له أمور، فوجه إلى الأمين من قتله، وأنفذ رأسه إليه في خراسان.
وكان مقتل الأمين ليلة الأحد لخمس ليال بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وله ثلاث وثلاثون سنة، وكانت خلافته أربع سنين وسبعة أشهر وعشرة أيام (٢).
الملك السابع من ملوك بني العباس: المأمون: سابع خلفاء الدولة العباسية، وهو عبدالله بن هارون الرشيد، وأمه أم ولد باذغيسية تسمى مراجل، ماتت بعد ولايته بقليل.
ولد ليلة استخلف الرشيد في النصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة، وكان يكنى أبا العباس في أيام الرشيد، وتكنى في خلافته بأبي جعفر تفاؤلا بكنية
стр. 54
المنصور والرشيد في طول العمر، وكان أبيض، أقنى، أعين، جميلا، طويل اللحية، قد وخطه الشيب، ضيِّق الجبهة، بخده خال أسود يعلوه صفرة.
ولما وضعت الحرب بين محمد وعبدالله ابني هارون الرشيد أوزارها، واستوسق الناس بالمشرق والعراق والحجاز لعبدالله المأمون بالطاعة، أخذ المأمون البيعة العامة بعد قتل أخيه الأمين يوم الأحد لخمس ليال بقين من المحرم، سنة ثمان وتسعين ومائة، وبايع للرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالعهد بعده، وأزال لبس السواد، ولبس بدله الخضرة، وأخذ الناس بذلك، فاضطرب من بمدينة السلام من الهاشميين، وعظم ذلك على أهل بغداد عامة، وعلى الهاشميين خاصة، لزوال الملك عنهم ومصيره إلى ولد أبى طالب (١).
ودخل المأمون مدينة السلام يوم السبت لثمان عشرة ليلة خلت من صفر سنة أربع ومئتين، وأمر بإعادة لبس السواد بعد ثمانية أيام من قدومه.
وكان المأمون شديد الميل إِلى العلويين، والإحسان إِليهم رحمه الله تعالى، ردّ فدك على ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وسلمها إِلى محمد بن يحيى بن الحسن بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ليفرقها على مستحقيها من ولد فاطمة، وكان المأمون مشاركاً في علوم كثيرة.
стр. 55
كانت خلافة المأمون عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً سوى أيام دعي له بالخلافة، وأخوه الأمين محصور ببغداد (١).
ومن سيئاته أن قامت في عهده فتنة القول بخلق القرآن وأراد حمل الناس على القول بذلك متأثرا بخلصائه وأصفيائه من المعتزلة، ومنهم بشر بن غياث المريسي أشهر القول بخلق القرآن، وشبَّه على المأمون واستقوى به على الناس ودعا الناس إلى موافقته على قوله ومذهبه، ودفع الناس إلى محنة الدخول في هذا الكفر والضلالة، ففزع الناس من مناظرة المريسي، وأحجموا عن الرد عليه، فقد ناصره المأمون على ذلك، فأرهب الناس واستتر المؤمنون في بيوتهم وانقطعوا عن الجُمعات والجماعات، وهرب البعض من بلد إلى بلد خوفا على أنفسهم وعقيدتهم، وكثرت موافقة الجهال والرعاع من الناس لبشر على مذهبه وكفره وضلالته.
وقد جرت المناظرة في هذه المسألة بين بشر المريسي، وعبدالعزيز الكناني ﵀، وأورد الكناني الأدلة القاطعة الدامغة لمن ينتحل هذه الفكرة بأسلوب أدبي علمي عجيب، دل على سعة علم الكناني ومعرفته لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وانتزع من الكتاب والسنة الحجج القطعية التي أبطل بها مذهب الجهمية والمعتزلة ومن يقول إن القرآن مخلوق، وقد دونت هذه المناظرة في رسالة سميت "الحيدة والاعتذار".
ولما دعا المأمون إلى القول بخلق القرآن، وكان الإمام أحمد في السجن ببغداد، وطلبه للمناظرة ولكنه مات قبل أن يصل الإمام أحمد إلى الشام قادما من بغداد.
стр. 56
توفي المأمون ببلاد بيزنطة من بلاد الروم في آخر غزواته سنة ثمان عشرة ومائتين، موصيا بالخلافة من بعده للمعتصم (١).
الثامن من ملوك بني العباس: المعتصم: ثامن خلفاء الدولة العباسية، وهو المعتصم محمد بن هارون الرشيد، ويكنى أبا إسحاق، وأمه أم ولد من مولدات الكوفة، تسمى ماردة، لم تدرك خلافته، وكانت أحظى النساء عند الرشيد.
ولد بالخلد (٢) ببغداد، في سنة ثمانين ومائة، في الشهر الثامن.
وهو ثامن الخلفاء، والثامن من ولد العباس، وفتح ثمانية فتوح، وولد له ثمانية بنين، وثماني بنات، ولذلك كان يسمى الثماني، وكان أبيض أصهب اللحية طويلها، مربوعا مشرب اللون، حسن العينين.
بويع بالخلافة، بعد موت المأمون، ولما بويع له، نادوا باسم العباس بن المأمون ليكون خليفة، فأرسل المعتصم إِلى العباس وأحضره، فبايعه العباس، ثم خرج إِلى الجند فقال لهم: قد بايعت عمي، فسكنوا، وانصرف المعتصم إِلى بغداد، ومعه العباس بن المأمون، فقدمها مستهل شهر رمضان، في سنة ثمان عشرة ومائتين،
стр. 57
وكان بلغه أن امرأة هاشمية صاحت، وهي أسيرة في أيدي الروم: وامعتصماه! فأجابها وهو جالس على سريره: لبيك لبيك! ونهض من ساعته، وصاح في قصره: النفير النفير، ثم ركب دابته، وسمط خلفه شكالا، وسكة حديد، وحقيبة فيها زاده، فلم يمكنه المسير إلا بعد التعبئة وجمع العساكر، فجلس في دار العامة، وأحضر قاضي بغداد، وهو عبدالرحمن بن إسحاق، وشعبة بن سهل، ومعهما ثلاثمائة وثمانية وعشرون رجلا من أهل العدالة، فأشهدهم على ما وقف من الضياع، فجعل ثلثا لولده، وثلثا لله تعالى، وثلثا لمواليه.
هدد ملك الروم المعتصم فكتب المعتصم إليه جوابا قال: "الجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار، والسلام".
وقيل: إن رجلا وقف على المعتصم حال شربه وقال يا أمير المؤمنين كنت بعمورية وجارية من أحسن النساء أسيرة قد لطمها على وجهها علج فقالت: "وامعتصماه" فقال لها العلج: عساه أن يأتيك على خيل بلق، فلما سمع المعتصم كلامه أمر بالختم على الكأس وقال وقرابتي من رسول الله لا شربته حتى أغزوه ثم سار إليه على الخيل البلق فعسكر بغربي دجلة لليلتين خلتا من جمادى الأولى، وهذا الخبر أقرب للواقع.
فلما ظفر المعتصم ببابك قال: أي بلاد الروم أمنع وأحصن؟ فقيل: عمورية لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام، وهي عين النصرانية، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية.
فسار المعتصم بسُرَّ مَنْ رأى، وقيل: كان مسيره سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقيل: سنة أربع وعشرين.
стр. 58
وتجهز جهازا لم يتجهزه خليفة قبله قط من السلاح، والعدد، والآلة، وحياض الأدم، والروايا، والقرب، وغير ذلك، فأنكى في العدو نكاية عظيمة، ونصب على عمورية المجانيق وفتحا، وقتل ثلاثين ألف وسبى مثلها، وكان في سبيه ستون بطريقا، ثم أحرقها وهي من أجل فتح وقع في الإسلام (١).
وقد كان مع المعتصم خالد بن عمران الزهراني؛ وهو خالد بن عمران بن نفيل بن جابر بن جبلة بن عبيد بن لبيد بن مجاسر بن سليمة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبدالله بن زهران بن كعب.
وفي ذلك قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:
السَيفُ أَصدَقُ أَنتباءً مِنَ الكُتُبِ ... في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ
بيضُ الصَفائِحِ لا سودُ الصَحائِفِ في ... مُتونِهِنَّ جَلاءُ الشَكِّ وَالرِيَبِ
وَالعلمُ في شُهُبِ الأَرماحِ لامِعَةً ... بَينَ الخَميسَينِ لا في السَبعَةِ الشُهُبِ
أَينَ الرِوايَةُ بَل أَينَ النُجومُ وَما ... صاغوهُ مِن زُخرُفٍ فيها وَمِن كَذِبِ
تَخَرُّصاً وَأَحاديثاً مُلَفَّقَةً ... لَيسَت بِنَبعٍ إِذا عُدَّت وَلا غَرَبِ
عَجائِباً زَعَموا الأَيّامَ مُجفِلَةً ... عَنهُنَّ في صَفَرِ الأَصفارِ أَو رَجَبِ
وَخَوَّفوا الناسَ مِن دَهياءَ مُظلِمَةٍ ... إِذا بَدا الكَوكَبُ الغَربِيُّ ذو الذَنَبِ
وَصَيَّروا الأَبرُجَ العُليا مُرَتَّبَةً ... ما كانَ مُنقَلِباً أَو غَيرَ مُنقَلِبِ
تسمعي نوح الحزانى تطربي ... تنظري دمع اليتامى تبسمي
رب وامعتصماه انطلقت ... ملء أفواه الصبايا اليتم
لامست أسماعهم لكنها ... لم تلامس نخوة المعتصم (١)
ومن سيئات المعتصم أنه أمر بسجن الإمام أحمد قرابة ثلاثين شهرًا، وضرب ظهره بالسياط، لعدم قوله بخلق القرآن ﵀، وكان يدني المعتزلة وينتصر لآرائهم.
توفي المعتصم ﵀ يوم الخميس لتسع عشرة خلت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين فكانت خلافته ثمان سنين وثمانية أشهر ويومين وقيل وثمانية أيام (٢).
قرَّب الأتراك، واعتمد عليهم في جلائل الأمور، وأكثرهم مواليه، وأقصى العرب، وكان لهذا التصرف الأثر السيء على سير الخلافة فيما بعد.
وقد عارضت قصيدة أبي تمام هذه، لما نعيشه من الأحداث المحدقة بالمسلمين اليوم ولاسيما بلاد الحرمين حرسها الله، بعنايته ثم بقيادتنا الحازمة، ثم بجنودنا البواسل، نسأل الله أن يحرسهم بقدرته، ويؤيدهم بنصره، فقلت على ضعف في نظمي الشعر:
١. الضربُ أصدقُ أفعالاً من الأمم ... في وَقْعِهِ الفَصْلُ بين الصدق والكذب
٢. ضربُ القنابلِ لا ضربُ الْكُفُوْفِ بِهِ ... يَكُوْنُ رفعُ غشاء الشكِّ والحُجُب
٣. بِيْضُ المواقف لا سودُ المَجالسِ في ... فِعْلِهِنَّ جِلاءُ الغَدْر والكذب
стр. 64
٤. والنصر في أفق الإسلام موقعه ... بين الفريقين لا في الخمسة القُطُب
٥. أين المواقفُ؟ ! بل أين النُّفُوذ؟ ! وما ... صاغوه من كيدِهِم للدِّيْنِ والنُّخَب؟ !
٦. تَكَهُّنٌ بل سياساتٌ ملفقةٌ ... يَصُوْغُها الْحِقْدُ للإسلامِ والْعَرَبِ
٧. الْغَرْبُ يَزْعُمُ والأيامُ كاشفةٌ ... عن المزاعم والتلفيق والصخَب
٨. وهَدَّدُوا العُرْبَ بالتقسيم في فِتَنٍ ... تَتْرَى عليهم لبترِ الرأسِ والذنب
٩. وواعدوا كل خوَّان بمَرْتَبَةٍ ... سووا بها بين شرعي ومُنْقَلِب
١٠. العُرْبُ يَقْضِيْ عليها وهي غافلة ... مَنْ دارَ في فَلَكٍ أو سار في لجب
١١. لو بَيَّنَ الغَرْبُ أمراً قَبْلَ مَوْقِعِهِ ... لم يُخْفِ ما حَلَّ بالأفغانِ والعَرَبِ
١٢. وقادةُ العُرْبِ أَضْحَوا قد يُحِيْطَ بهم ... شرُّ الخلافِ وسوءُ القصْدِ واللَّعِب
١٣. فِسْقٌ تُفَتَّحُ أبوابُ الهلاكِ له ... ويَبْرُزُ الذُّلُّ في أَشكاله القُشُبِ
١٤. والحوث أجهل خلق الله ما ادَّرعوا ... من السياسة من ريش ولا زغب
١٥. سوى الغواية من (إيران) مغنمهم ... ونهج (عفاشٍ) المخلوع ذي الريب
١٦. تلون عنده والعهد ينقضه ... وليس للعرف يرعى لا ولا الطِّيَب
١٧. دَعْواهُمُ (اليمنُ) المسعودُ خدمتَهم ... وهم الساعون به للفقر والعطب
١٨. أنى لهم أن ينيلوه سعادته؟ ! ... وقد مضوا لشقاء جد مُرتَقَب
١٩. لم يفقهوا أنهم خانوه إذ عمدوا ... (إيران) يهدونه للنار واللهب
٢٠. ماذا بـ (إيران)؟ ! ماذا الشعب حالته ... فيها؟ ! وهيهات أن ينجوا من النصب
стр. 65
٢١. شعب بها (والملالي) صار مغنمهم ... من كده الخمس مَصَّوه لِمُحتلب
٢٢. حتى إذا غدا الشعب في فقر ومسغبة ... يسري لهم ألم في الروح والعصب
٢٣. هذي سعادة (حوثيين) إذ جهلوا ... ما سوف تجلبه (إيران) من تعب
٢٤. غطى على بصر منهم ومسمعهم ... غَشْيُ الدعايات والتضليل والكذب
٢٥. وليتهم وقفوا في حد ما وصفوا ... وعللوا النفس بالتغيير والكَسَب
٢٦. وشر (إيران) في هذا سيسعدهم ... في كل مُطَّلَبٍ في كل مُرْتَغَب
٢٧. بلادهم برخاء سوف تتحفهم ... وخيرها سوف يأتيهم بمُطَّلَب
٢٨. إذن لجروا لأوطان لهم خدعا ... بيوتهم بيَدَي عاثٍ ومخترب
٢٩. لكنهم جاوزوا حدا ولم يقفوا ... عند الحدود بإسراف لدى الطلب
٣٠. بحيث قالوا هراء وادعوا كذبا ... بأن حقا لهم في كل منتشب
٣١. وأن للحرمين العزم ينهزهم ... لمكةَ وبناءٍ فيه خير نبي
٣٢. وأن (مملكةَ) آلُ السعود بها ... يغشونها دون ما شك ولا ريب
٣٣. وأن حكما لهم فيها وسيطرة ... ستسقر بلا شك ولا تعب
٣٤. وذاك حلم لهم أضحى يراودهم ... بكل وسواسه حتى مع الكذب
٣٥. ولم يُسرِّب لهم تفكيرهم صورا ... لِما يكون بهذا الدرب من عَطَب
٣٦. استيقضوا واخسأوا يا (حوث) مطلبكم ... هذا به الموت ولتجفوا عن اللعب
٣٧. وأنت (سلمانُ) قد خضت العباب له ... كيما يعود نصاب الحق في قُصُب
стр. 66
٣٨. لك الولاء يا قائد مسيرتنا ... لو مسنا الجوع لن نجثو على الركب
٣٩. نقوم وبحبل الله نعتصم ... ونقتدي في الولاء أقوالَ خير نبي
٤٠. يا يومَ قادَ الجيوشَ الَعُرْبُ في حُلَلٍ ... لم تُخْفِ ما حَلَّ بالأوثان والصُلُبِ
٤١. أَبْقَيْتَ حَظَّ بَنِيْ الإسلامِ صاعِدَةً ... والتائهين ودارَ الغي في صَبَبِ
٤٢. واليوم يبكي بَنُوْا الإسلامِ من كَمَدٍ ... السيفَ أصدقُ أنباءً من الكُتُبِ
٤٣. يا يومَ مُعْتَصِمٍ عُدْ لِيْ وفي عَجَلٍ ... لِبَرْزَةِ الوَجْهِ في يافا وفي حلب
٤٤. بِكْرٌ تَفَرَّعَها وَغْدٌ لِيَنْحَرَها ... بالفُحْشِ والموتِ في الأيامِ من رَجَبِ
٤٥. في عهدِ بشّارَ بَلْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ قَدْ ... كانت سياستُهُمْ أَقْسَى من الشُّهُبِ
٤٦. حتَّى إذا كانتِ الغازاتُ مُهْلِكَةً ... كُلُّ الأُمَم تَدَّعِيْ شَجْبَا ولم تُصِبِ
٤٧. للهِ أَمْرُ بلادِ الشّامِ قاطِبَةً ... إِنْ شَاءَ يَجْعَلْ لَها فَرَّاجَةَ الكُرَبِ
٤٨. يَجْرِيْ لَها الفَأْلُ سَعْداً يومَ قارِعَةٍ ... تُشِلُّ بشّارَ تُحْيِيْ مَيِّتَ الطَّرَبِ
٤٩. مِنْ بَعْدِها النَّصْرُ يأْتِيْ لِلْعِراقِ شَذَىً ... لَمَّا تَرَى أُخْتَها بالأَمْسِ في طَرَبِ
٥٠. بَعَدَ انْتِصارٍ على الأَعْداءِ يُفْرِحُها ... تَرَى الشّهِيْدَ لِذاتِ اللهِ خَيْرَ مُنْتَدَبِ
٥١. بِسُنَّةِ المُصْطَفَى والدِّيْنِ مُعْتَصِمً ... مُضَمَّخً بالْهُدَى بالطِّيْبِ مُخْتَضِبِ
٥٢. دَا سَرِيْعاً لِجَنَّاتٍ بِها نَهَرٌ ... أَرْدَى عَدُواً غَدَا للنَّار كالْخَشَبِ
٥٣. يا خادمَ الحرمين اليومَ أَنْتَ ضُحًى ... أَشْرَقْ بِكَ السَّعْدُ في أَعْوَانِكَ النُّجُبِ
٥٤. برزت للحزم تبغي الخير منتصرا ... وناصرا لجوار بالجحفل اللجب
стр. 67
٥٥. إن الضحى قد تُعَكر صفوَه سحب ... هي الجَهام فلا تسلم من اليَبَب
٥٦. فاحذر رعاك الله وَدْق غيمتها ... ما هل بالخير بل بالشر والكرب
٥٧. شَمْسٌ تَبَدَّتْ لِبانٍ قَادَ مَرْكَبَها ... رَسَا وَغَابَ كَرِيْماً والشَّمْسُ لَمْ تَغِبِ
٥٨. نَرَى الجزيزةَ في ضَوْءِ النهارِ عاكِفَةً ... وظُلْمَةَ الليلِ وَلَّتْ من سَنا الشُّهُبِ
٥٩. والشمسَ طالعةً في ليلها سَرَباً ... لا ينقطع ضَوؤُها مَكْشُوْفَةَ الحُجُبِ
٦٠. تَكَشَّفَ الدَّهْرُ عن حُبِّ لقائدنا ... يَحْمِيْ عَقِيْدَتَنا أَلْكُلُّ عن كَثَبِ
٦١. شبابُنا من بَنِيْ الإسلامِ متنظرٌ ... مَزِيْدَ خَيْرٍ ويُدْرِكْ عالِيَ الرُتَبِ
٦٢. مِنْ كُلِّ عادِيَةٍ يَحْمِيْ البلادَ ومِنْ ... فِكْرٍ دَخِيْلٍ على الأقلامِ والكُتُبِ
٦٣. وما الصُّدُودُ عن الإسلامِ في خَجَلٍ ... من طَبْعِ رَابٍ على فَضْلٍ وفي أَدَبِ
٦٤. سماحةُ الدِّيْنِ والإسلامِ يَرْضَعُها ... شبابُ دولتنا في مَرْبَأِ الْعَجَبِ
٦٥. لَهُم بِذاكَ على الإسلامِ مَنْقَبَةٌ ... جاءَ تْ بَشائِرُها في حُسْنِ مُنْقَلَبِ
٦٦. سَعَى بِذاكَ إليهم كُلُّ تَقِيْ ... للهِ مُرْتَقِبٌ في الدِّيْنِ مُرْتَغِبِ
٦٧. جَحَافِلُ الخَيّرِ تَتْرَى من بلدي ... للهِ تُعْطِيْ بِلاَ مَنٍّ ولا عَتَبِ
٦٨. لَمْ تَغْزُ قوماً ولم تَذْهَبْ إلى بَلَدً ... إلّا لِخَيْرٍ على الساحاتِ والرَّحَبِ
٦٩. حِمَى الوطن لا نساوِمْ في حِمايَتِهِ ... نُفْدِيْهِ يومَ الْوَغَى في جَحْفَلٍ لَجِبِ
٧٠. يُرْمَى به كُلُّ مَنْ يَبْغِيْ مُناجَزَةً ... ومَنْ رَمَيْناهُ لَمْ يَسْعَدْ ولَمْ يُصِبِ
٧١. مَنْ شَبَّ نارَ الوغَى يوماً يُنازِلُنا ... نَبْعَثْ له كُلَّ شَبَّابٍ لَها شَبِبِ
٨٩. هُمُ الزُّكَاةُ بَيْنَ الناسِ قاطِبَةً ... مُنَجَّذُوّنَ على التَّدْرِيْبِ والرُّتَبِ
٩٠. أَوْصِيْهُمُوْا بَعْدَ تَقْوَى اللهِ يَحْتَسِبُوْا ... أَعْمالَهُمْ في جَلاءِ الشَّكِّ والرِّيَبِ (١).
الملك التاسع من ملوك بني العباس: الواثق: تاسع خلفاء الدولة العباسية، وهو الواثق بالله أبو جعفر هارون بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، وأمه أم ولد تسمى قراطيس.
ولد بطريق مكة سنة تسعين ومائة، وقيل: ولد سنة ست وتسعين ومائة وقيل: سنة أربع وتسعين.
بويع له في الوقت الّذي توفى فيه والده المعتصم، وهو يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومئتين، ورد رسوله بغداد يوم الجمعة على إسحاق بن إبراهيم، فلم يظهر ذلك، ودعا للمعتصم على منبر بغداد وهو ميت، فلما كان الغد يوم السبت أمر إسحاق بن إبراهيم الهاشميين والقواد والناس بحضور دار أمير المؤمنين، فحضروا، فقرأ كتابه على الناس بنعي أبيه، وأخذ البيعة، فبايع الناس.
ومن سيئاته: أنه سار سيرة والده في الانتصار للمعتزلة، والقول بخلق القرآن، فقد أمر بامتحان أهل الثغور في القرآن، فقالوا جميعا بخلقه إلّا أربعة نفر فأمر الواثق بضرب أعناقهم، وتشدد في فرض آرائه، مما أثار أهل بغداد عليه، كما لاحظ المؤرخون في عهده الضعف الذي شاب السياسة الإدارية، يذهب في كثير من أموره مذاهب المأمون، شغل نفسه بمحنة الناس في الدين فأفسد قلوبهم، وأوجدهم السبيل إلى الطعن عليه ونقش خاتمه "الله ثقة الواثق".
стр. 70
توفي بسُرَّ مَنْ رأى يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة وقيل: في سنة سبع وعشرين ومائتين، وقيل لثلاث بقين منه سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وكانت خلافته خمس سنين وشهرين وأحد عشر يوما وقيل وثلاثة أشهر وخمسة عشر يوما، وقيل: تسعة أشهر وستة أيام، وهو ابن اثنتين وأربعين سنة (١).
الملك العاشر من ملوك بني العباس: المتوكل: عاشر خلفاء الدولة العباسية، وهو أخو الواثق، المتوكل على الله أبو الفضل جعفر بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد.
أمه أم ولد اسمها شجاع، ولد سنة سبع ومئتين.
بويع في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
كان أسمر مليح العين نحيف الجسم خفيف العارضين إلى القصر أقرب.
وكانت خلافته بداية لما يسمى بعصر نفوذ الأتراك، وكان في أول أمره يدني أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي حتى جعله كبير القضاة، وفي سنة سبع وثلاثين ومائتين غضب عليه وقبض ضياعه وأمواله وحبسه، وأظهر السنة وتكلم بها في مجلسه وكتب إلى الآفاق برفع المحنة وإظهار السنة وبسط أهلها ونصرهم، وأمر بترك الجدل الذي أثير في عهد المأمون والمعتصم، وكتب بذلك إلى الأمصار الإسلامية مما كان له أكبر الأثر في نفوس المسلمين، فكان من حسناته أن الله رفع محنة القول بخلق القرآن في خلافته وعاد الأمر إلى أهل السنة، وأشهر القول ببدعة
стр. 71
القول بخلق القرآن، وأعلن مذهب أهل السنة في القرآن؛ وأنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود (١).
قتله ابنه المنتصر ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين.
كان خالد بن عمران الزهراني من حجابه ثم ولاه على الموصل، وقال: نوليك أهلك وبلدك؛ وهو خالد بن عمران بن نفيل بن جابر بن جبلة بن عبيد بن لبيد بن مجاسر أو مجاشع بن سليمة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبدالله بن زهران بن كعب.
وكان أخوه المعافى بن عمران الزهراني من أئمة العلم والعمل، رحل في طلب العلم إلى الآفاق، وجالس العلماء، ولزم سفيان الثوري وتأدب بآدابه، وتفقه بمجالسته، وأكثر الكتابة عنه، وعن غيره، وصنف حديثه في الزهد، والسنن، والفتن، والأدب، وغير ذلك، وكان زاهدا فاضلا، شريفا كريما عاقلا، صاحب دنيا واسعة، وضِياع كثيرة.
الملك الحادي عشر من ملوك بني العباس: المنتصر: حادي عشر خلفاء الدولة العباسية، قيل: اسمه الزبير، وفي كنيته ثلاثة أقوال: أبو جعفر، وأبو عبدالله، وأبو العباس وقيل: وهو محمد بن المتوكل جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور أخي السفاح بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبد المطلب.
стр. 72
ولد بسر من رأى في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين ومائتين، وكان أعين، قصيرا، أقنى، أسمر، ضخم الهامة، عظيم البطن، جسيما، مليح الوجه، مهيبا، على عينه اليمنى أثر وقع أصابه وهو صغير.
وأمه أم ولد، رومية، يقال لها: حبشية.
لقبه المنتصر بالله تولى الخلافة بعد أن قتل أباه في سنة سبع وأربعين ومائتين، وبادر بخلع أخويه: المعتز، والمؤيد، من ولاية العهد، ومال إلى العلويين، وسمح لهم بزيارة قبر الحسين، وأدنى منه الأتراك، ثم ما لبث أن قلب لهم ظهر المجن، فتآمروا مع طبيبه على قتله بالسم وكان ذلك، فمات سنة ثمان وأربعين ومائتين، وعمره ست وعشرون سنة، وصالح المنتصر أخويه عن إرثهم من أبيهم على أربعة عشر ألف ألف درهم، وأشهد عليهم بذلك (١).
قتل أباه، وخلع أخويه، وكان الجزاء من جنس العمل، ولا أستبعد أن ذلك كان بمشورة من الأتراك الذين قربهم. وكانت خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام وقيل سبعة (٢).
الملك الثاني عشر من ملوك بني العباس: المستعين: ثاني عشر خلفاء الدولة العباسية، تولى الخلافة في اليوم الّذي توفى فيه المنتصر، في سنة ثمان وأربعين ومائتين.
стр. 73
وهو أحمد بن محمد بن محمد المعتصم، ويكنى أبا عبدالله، وأمه أم ولد يقال لها: مخارق، وغلب على التدبير والأمر والنهي، أوتامش ابن أخت بغا الكبير، وجرت أمور منها خروج شرذمة من الأتراك يقولون: يا معتز يا منصور، وخلافات أدت إلى خلع المستعين نفسه، وسلّم الخلافة الى المعتز لليلتين خلتا من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومئتين، وقتل بقادسية سُرَّ مَنْ رأى يوم الأربعاء لثلاث ليال خلون من شوال في هذه السنة، وهو ابن خمس وثلاثين سنة، فكانت خلافته منذ بويع إلى أن خلع ثلاث سنين وثمانية أشهر وثمانية وعشرين يوما، ومنذ خلع إلى أن قتل تسعة أشهر، وكان أبيض حسن الوجه، ظاهر الدم، بوجهه أثر جدري (١).
وهو أول من أحدث لبس الأكمام الواسعة، فجعل عرضها نحو ثلاثة أشبار، وقد ورد النهي عن لبس القمصان ذات الأكمام الواسعة الطوال، لأنها من جنس الخيلاء.
وكان أخذ المنصور الناس بلبس القلانس الطوال المفرطة الطول، فقال أبو دلامة:
وكنا نرجي من إمام زيادة ... فزاد الإمام المصطفى في القلانس
تراها على هام الرجال كأنها ... دنان يهود جللت بالبرانس
فأمر المستعين بتقصيرها (٢).
وفي أيامه ولَّت الأزد من زهران وغيرها قيادتها يحيى بن سليمان بن عمران الزهراني؛ هو يحيى بن سليمان بن عمران بن نفيل بن جابر بن جبلة بن عبيد بن
стр. 74
لبيد بن مجاسر بن سليمة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبدالله بن زهران بن كعب.
الملك الثالث عشر من ملوك بني العباس: المعتز: ثالث عشر خلفاء الدولة العباسية، خلع المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم نفسه من الخلافة في سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وبايع المعتزّ، وهو محمد بن جعفر المتوكّل بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي محمد بن المنصور عبدالله، يكنى: أبا عبدالله، وقيل: إن اسم المعتز أحمد، وقيل الزبير، دعي للمعتزّ على منبري بغداد ومسجدَي جانبيها الشرقي والغربي، وأخذت البيعة على من كان بها من الجند.
أمه تركية اسمها قبيحة لفرط جمالها بين النساء، أخذها ابن وصيفتها وعذبها حتى أخذ منها ألف ألف دينار ذهبا ونصف أردب لؤلؤ ومثله زمرد وسدس أردب ياقوت أحمر ثم أخرجت إلى مكة وأقامت بها إلى أن ماتت وأقل الناس الترحم عليها حيث إن هذا المال عندها وشحت به عن ولدها عند احتياجه فكان عليه ما كان.
كان المعتز بديع الحسن جدا مليح الصورة حسنا، طويلا، أبيض، أسود الشعر كثيفه، حسن الوجه والعينين والجسم، ضيق الجبهة، أحمر الوجنتين، وكان مستضعفا مع الأتراك.
ولد بسُرَّ مَنْ رأى وبقي منذ بويع أربع سنين وبعض أخرى.
مات في الثاني من شهر رمضان بسر من رأى، ودفن بموضع يقال له: باب السميدع، سنة خمس وخمسين ومائتين، وله ثلاث وعشرون سنة، وكانت خلافة المعتز بالله من يوم دعي له بالخلافة ببغداد إلى يوم دفن ثلاث سنين وسبعة أشهر إلا ثلاثة أيام.
стр. 75
وقيل: كانت خلافه المعتز إلى أن خلع يوم الاثنين لثلاث بقين من رجب، سنة خمس وخمسين ومائتين أربع سنين وستة أشهر وأربعة عشر يوما، وعمره ثلاثا وعشرين سنة، وقيل: يوم السبت ليومين من شعبان، وصلى عليه محمد بن الواثق المهتدي بالله، ودفن عند قبر المنتصر بالله يوم السبت لثلاث خلون من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين.
اتفق الأتراك على خلعه، وهجموا عليه وجروا برجله، وأوقفوه في الشمس فصار يرفع رجلا ويضع رجلا وعذبوه، وهم يلطمونه ويقولون اخلعها ويتقي بيديه ويمتنع، ثم أجابهم وخلع نفسه، فأدخلوه الحمام ومنعوه الماء إلى أن مات عطشا، وقيل: أتوه بماء مالح فشربه وسقط ميتا، ثم أخرجوه وأشهدوا عليه أنه لا أثر به (١).
قلت: هذا جزاء من يقرب الأباعد، ويعرض عن العزوة من القرابة وغيرهم، مع أنه اختلط الحابل بالنابل، من أجل الحكم والرئاسة، ومن المُوالي من يسمع ويطيع ولو كان من الأباعد، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
وقد كان واليه على حرب الموصل وصلاتها سليمان بن عمران الزهراني؛ وهو سليمان بن عمران بن نفيل بن جابر بن جبلة بن عبيد بن لبيد بن مجاسر بن سليمة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبدالله بن زهران بن كعب.